Indexed OCR Text
Pages 401-420
٤٠١ كتاب الطهارة هو بحاله والماء(١) على حاله. وأبو حنيفة ومحمد يقولان: إن النجاسة تزول بورود الماء عليها، فكذا بورودها على الماء؛ لأن زوال النجاسة بواسطة الاتصال والملاقاة بين الطاهر والنجس موجودة في الحالين؛ ولهذا ينجس الماء بعد الانفصال في الحالين جميعاً في النجاسة الحقيقية إلا أن حالة الاتصال لا يعطى لها حكم النجاسة والاستعمال، لضرورة إمكان التطهير، والضرورة متحققة في الصب، إذ كل واحد لا يقدر عليه على كل حال، فامتنع ظهور حكمه في هذه الحالة، ولا ضرورة بعد الانفصال فیظهر حکمه. وعلى هذا إذا أدخل (٢) رأسه أو خفه أو جبيريه في الإناء وهو محدث - قال أبو يوسف: يجزئه في المسح، ولا يصير الماء مستعملاً، سواء نوى أو لم ينو [وقياس مذهبه ألا يجزئه] (٣): لوجود أحد سببي الاستعمال، وإنما كان لأن فرض المسح يتأدى بإصابة البلة؛ إذ هو اسم الإصابة دون الإسالة، فلم يزل شيء من الحدث إلى الماء الباقي في الإناء، وإنما زال إلى البلة، وكذا إقامة القربة تحصل بها، فاقتصر حكم الاستعمال عليها. وقال محمد: إن لم ينو المسح يجزئه، ولا يصير الماء مستعملاً؛ لأنه لم توجد إقامة القربة، فقد مسح بماء غير مستعمل فأجزأه. وإن نوى المسح: اختلف المشايخ على قوله، قال بعضهم: لا يجزئه، ويصير الماء مستعملاً؛ لأنه لما لاقى رأسه الماء على قصد إقامة القربة - صيَّره مستعملاً، ولا يجوز المسح بالماء المستعمل، والصحيح أنه يجوز، ولا يصير الماء مستعملاً بالملاقاة؛ لأن الماء إنما يأخذ حكم الاستعمال بعد الانفصال، فلم يكن مستعملاً قبله؛ فيجزئه المسح به . جنب(٤) على يده قذر، فأخذ الماء بفمه وصبه عليه: روى المعلى عن أبي يوسف: أنه لا يطهر؛ لأنه صار مستعملاً بإزالة الحدث عن الفم، والماء المستعمل لا يزيل النجاسة بالإجماع، وذكر محمد في ((الآثار))، إنه يطهر، لأنه لم يقم به قربة، فلم يصر مستعملاً. والله أعلم. (١) في ب: في. (٢) في هامش ب: إذا أدخل رأسه أو خفه أو جبيرته في الإناء. (٣) سقط في ط. (٤) في هامش ب: جنب على يده قذر وأخذ الماء بفمه وصبّه عليه. بدائع الصنائع ج١ - م٢٦ ٤٠٢ كتاب الطهارة فصل في بيان المقدار الذي يصير به المحل نجساً وأما بيان المقدار(١) الذي يصير به المحل نجساً شرعاً (٢) فالنجس لا يخلو، إما أن يقع في المائعات كالماء، والخل، ونحوهما، وإما أن يصيب الثوب والبدن ومكان الصلاة، فإن وقع في الماء، فإن كان جارياً، فإن كان النجس غير مرئي كالبول والخمر ونحوهما - لا ينجّس، ما لم يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه، ويتوضأ منه من أي موضع كان، من الجانب(٣) الذي وقع فيه النجس أو من جانب آخر، كذا ذكره محمد في كتاب ((الأشربة)»: لو أن رجل صبّ خابية من الخمر في الفرات؛ ورجل آخر أسفل منه يتوضأ به، إن تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه - لا يجوز، وإن لم يتغيّر يجوز. وعن أبي حنيفة: في الجاهل بال في الماء الجاري، ورجل أسفل منه يتوضأ به؟ قال: لا بأس به؛ وهذا لأن الماء الجاري مما لا يخلص بعضه إلى بعض، فالماء الذي يتوضأ به يحتمل أنه نجس، ويحتمل أنه طاهر، والماء طاهر في الأصل، فلا نحكم بنجاسته بالشك. وإن كانت النجاسة مرئية كالجيفة ونحوها، فإن (٤) كان جميع الماء يجري على الجيفة - لا يجوز التوضؤ من أسفل الجيفة؛ لأنه نجس بيقين، والنجس لا يطهّر بالجريان، وإن كان أكثره يجري على الجيفة فكذلك؛ لأن العبرة للغالب، وإن كان أقله يجري على الجيفة، والأكثر يجري على الطاهر - يجوز التوضؤ به من أسفل الجيفة، لأن المغلوب ملحق بالعدم في أحكام الشرع، ١٣٥ وإن كان يجري عليها النصف، أو دون النصف - فالقياس أن يجوز التوضؤ به/ لأن الماء كان طاهراً بيقين، فلا يحكم بكونه نجساً بالشك، وفي الاستحسان(٥): لا يجوز احتياطاً. (١) في هامش ب: بيان المقدار الذي يصير منه المحل نجساً. (٢) في ب: عُرْفاً. (٣) في ب: شاء من الجوانب التي. (٤) في هامش ب: إذا كان الماء يجري. (٥) وهو لُغَة: اغْتِمَادُ الشيء حسناً، سواء كان عِلْماً أو جَهْلاً. قال بعضهم: هو العُدُولُ عن مُوجب قِيَاسِ إلى قِيَاسِ أَقْوَى. وقال بَعْضُهُمْ: هو تَخْصِيصُ القِيَاسِ بِدَلِيلٍ أَقْوَى. قال إلكيا: وهو أحسَنُ ما قيل في تَفْسِيرِهِ، ما قاله أبو الحَسَنِ الكَرْخِيَّ؛ أنه قطعِ المسائل عن نَظَائرها لِدَلِيلِ خاصِّ يقتضي العُدُولَ عن الحُكْمِ الأول فيه إلى الثاني، سواء كان قياساً أو نصاً، يعني: أن المُجْتَهِدَ يعدلَ عن الحُكْمِ في مسألة بما يحكم فَي نَظَائِرِهَا إلى الحكم بخلافه؛ لوجه يقتضي العُدُولَ عنه، كَتَخْصِيصٍ أبي حنيفة قولَ القائل: ما لي صَدَقَّةَ على الزَّكَاة، فإن هذا الَقَوْلَ منه عَامٍ في التصدق بجميع ماله. وقال أبو حنيفة: يختصُّ بمال الزكاة؛ لقوله تعالى: ﴿خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةٌ﴾ [التوبة: ١٠٣]، والمراد من الأمْوَالِ المضافة إليهم: أمْوَالُ الزكاة، فعدل عن الحُكْم في مسألة المَالِ الذي ليس هو بِزَكوِيَّ بما = ٤٠٣ كتاب الطهارة حكم به في نَظَائِرِهَا من الأموال الزكوية إلى خِلافِ ذلك الحكم لدليل اقتضى العُدُولَ وهو الآية . = وقال البَزْدَوِيُّ: الاستحسان هو العدول عن موجب قياس إلى قياس أقوى منه، أو هو تخصيص القياس بدلیل أقوى منه . وقال الكمال بن الهمام: الحَنَفِيَّةُ قسَّموا القياس: إلى جَلِيٍّ، وخَفِيٍّ، فالأول: القياس، والثاني: الاستحسان، فهو القياس الخفي بالنسبة إلى قياس ظاهر متبادر، ويقال لما هو أعم من القياس الخفي أي: كل دليل في مُقَابَلَةِ القياس الظَّاهِرِ من نص كالسَّلَم، أو إجماع كالاستمتاع، أو ضرورة كطهارة الحياض والآبار، فمنكره لم يَدْرِ المراد به، أي: عند القائلين به. وقال الباچِيُّ : الاستحسان هو القَوْلُ بأقوى الدلیلین. يقول القرافي: وعلى هذا يكون حجة إجماعاً وليس كذلك. ذكر محمد بن خُويز منداد: معنى الاستحسان الذي ذَهَبَ إليه أصْحَابُ مالك هو: القَوْلِ بأقوى الدليلين، كَتَخْصيصٍ بَيْعِ العَرَايَا من بَيْع الرطب بالتمر، وتَخْصِيصِ الرُّعَافِ دون القَيْءِ بالبناء، للحديث فيه؛ وذلك لأنه لو لم تردَّ سُنَّةٌ بالِنَاءِ فَيَ الرُّعَافِ، لكان في حُكْمَ القيء في أنه لا يَصِحُ البِنَاءُ؛ لأن القياس يقتضي تَتَابُعَ الصلاةِ، فإذا وَرَدَتِ السُّنَّةُ في الرخصة بِتَرْكِ التتابع في بَعْضٍ المواضع صِرْنَا إليه، وأبقينا البَاقِيّ على الأضلِ. قال: وهذا الذي ذَهَبَ إليه هو الدَّلِيلُ، فإن سَمَّاهُ اسْتِحْسَاناً، فلا مُشَاحَّةَ في التسمية. وقال القَرَافِيُّ: قال به مَالِكٌ في عدة مَسَائِلَ في تَضْمِينِ الصناعِ المؤثرين في الأعيان بصنعتهم، وتَضْمِينٍ الحَمَّالينِ لِلطَّعَامِ والأدم دون غيرهم من الحَمَّالِينَ. وقال الشَّاطِبي:َ الاستحسان عندنا وعند الحَنَفِيَّةِ: هو العَمَلُ بأقوى الدليلين، فالعموم إذا استمر، والقياس إذا اطَّرَدَ، فإن مالكاً وأبا حنيفة يَرَيَان: تخصيص العموم بأي دليلٍ كان من ظاهر أو معنى. ويستحسن مالك أن يخص بالمَصْلَحَةِ، ويستحسن أبو حنيفة أوْ يَخُصَّ بقول الواحد من الصَّحَابَةِ الوارد بخلاف القِيَاسِ، ويريان مَعاً: تخصيص القياس، ونقض العلة. الاسْتِخْسَانُ: هو العُدُولُ بحكم المسألة عن نَظَائِرَهَا لدليلٍ شرعي خاص. ابن قُدَامَةَ: الاسْتِخْسَانُ له ثلاثة معان: أحدها: العُدُولُ بِحُكْم المسألة عن نظائرها لدليل خَاصّ من كتاب أو سُنَّةٍ . ثانيها: ما يستحسنه المُجْتَهِدُ بعقله. ثالثها: مَعْنَى يَنْقَدِحُ فِي نَفْسِ المجتهد لا يقدر على التَّعْبِيرِ عنه. ابن بَذْران: كلام أحمد يقتضي أن الاسْتِخْسَانَ: عدول عن مُوجَبٍ قیاس لِدَلِيلٍ أقوى. وأعلم: أنه إذا حُرِّرَ المُرَادُ بالاسْتِخْسَانِ زَالَ التَّشْنِيعُ، وأبو حنيفة بَرِيءٌ إلى اللهَ من إثبات حُكْمٍ بلا حُجَّةٍ. ينظر: البحر المحيط للزركشي: ٨٧/٦، والإحكام في أصول الأحكام للآمدي: ١٣٦/٤، ونهاية السول للأسنوى: ٣٩٨/٤، ومنهاج العقول للبدخشي: ١٨٧/٣، وغاية الوصول للشيخ زكريا الأنصاري (١٣٩)، والتحصيل من المحصول للأرموي: ٣١٨/٢، والمنخول للغزالي (٣٧٤)، وحاشية البناني: ٢/ ٣٥٣، والإبهاج لابن السبكي: ١٨٨/٣، والآيات البينات لابن قاسم العبادي: ١٩٣/٤، وحاشية العطار على جمع الجوامع: ٣٩٤/٢، والمعتمد لأبي الحسين: ٢٩٥/٢، وإحكام الفصول في أحكام الأصول للباجي (٦٨٧)، والإحكام في أصول الأحكام لابن حزم: ١٩٢/٦، وكشف الأسرار للنسفي: ٢٩٠/٢، = ٤٠٤ كتاب الطهارة وعلى هذا إذا كان النجس(١) عند الميزاب(٢)، والماء يجري عليه - فهو على التفصيل الذي ذكرنا، وإن كانت الأنجاس متفرقة على السطح، ولم تكن عند الميزاب: ذكر عيسى بن أبان(٣): أنه لا يصير نجساً، ما لم يتغير لونه أو طعمه أو ريحه، وحكمه حكم الماء الجاري. وقال محمد: إن كانت النجاسة في جانب من السطح أو جانبين منه - لا ينجس الماء، ويجوز التوضؤ به. وإن كانت في ثلاثة جوانب - ينجس اعتباراً للغالب، وعن محمد في ماء المطر إذا مر بعذرات، ثم استنقع في موضع، فخاض فيه إنسان، ثم دخل [في] (٤) المسجد فصلّى - لا بأس به، وهو محمولٌ على ما إذا مر أكثره على الطاهر. واختلف المشايخ في حد الجريان، قال بعضهم: هو أن يجري بالتبن والورق. وقال بعضهم: إن كان بحيث لو وضع رجل يده في الماء عرضا، لم ينقطع جريانه - فهو جار، وإلا فلا. وروي عن أبي يوسف: إن كان بحال لو اغترف إنسان الماء بكفيه لم ينحصر وجه الأرض بالاغتراف - فهو جار، وإلا فلا، وقيل: ما يعده الناس جارياً فهو جار، وما لا فلا؛ وهو أصح الأقاويل. وإن كان راكداً: فقد اختلف فيه، قال أصحاب الظواهر: إن الماء لا ينجس بوقوع النجاسة فيه أصلاً، سواء كان جارياً أو راكداً، وسواء كان قليلاً أو كثيراً، تغيّر لونه أو طعمه أو ریحه، أو لم يتغيّر. وقال عامة العلماء: إن كان الماء قليلاً ينجس، وإن كان كثيراً لا ينجس، لكنهم اختلفوا في الحد الفاصل(٥) بين القليل والكثير. وحاشية التفتازاني والشريف على مختصر المنتهى: ٢٨٨/٢، وشرح التلويح على التوضيح لسعد الدين مسعود بن عمر التفتازاني: ٨٣/٢، ونسمات الأسحار لابن عابدين (٢٢٤)، تقريب الوصول لابن جُزيّ (١٤٦)، وإرشاد الفحول للشوكاني (٢٤٠)، وينظر: منتهى السول والأمل (٢٠٧)، والوصول لابن برهان: ٣٢٠/٢، وأحكام الفصول (٦٨)، والحدود (٦٥)، وشرح تنقيح الفصول (٤٥١). (١) في هامش ب: النجاسة عند الميزاب والماء يجري عليها. (٢) وهو قناة أو أنبوبة يُصرف بها الماء من سطح بناء أو موضع عالٍ ينظر المعجم الوسيط (١٥/١). (٣) عيسى بن أبان بن صدقة، أبو موسى. قاص من كبار فقهاء الحنفية، كان سريعاً بإنفاذ الحكم: عفيفاً، خدم المنصور العباسي مدة، وولي القضاء بـ((البصرة)) عشر سنين، له كتب منها: ((إثبات القياس)) و((اجتهاد الرأي)) و((الجامع)) و((الحجة الصغيرة)). وتوفي بـ ((البصرة)) سنة ٢٢١هـ. ينظر: تاريخ بغداد ١٥٧/١١، الجواهر المضيئة ٤٠١/١، الأعلام ١٠٠/٥. (٤) سقط في ط. (٥) في هامش ب: الحد الفاصل بين القليل والكثير في الماء. ٤٠٥ كتاب الطهارة قال مالك: إن تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه - فهو قليل: وإن لم يتغير فهو كثير. وقال الشافعي إذا بلغ الماء قلتين فهو كثير، والقلتان عنده خمس قرب كل قربة خمسون(١) مناً، فیکون جملته مائتين وخمسين منا . وقال أصحابنا: إن كان بحال يخلص بعضه إلى بعض فهو قليل، وإن كان لا يخلص فهو کثیر. فأما أصحاب الظواهر: فاحتجُوا بظاهر قول النبيِّ وََّ: ((المَاءُ طَهُورٌ لا ينجِّسُهُ شَيْءٌ)) واحتج مالك بقولِهِ: ((المَاءَ طَهُوراً لاَ يُنَجِّسُهُ إِلَّ مَا غَيَّرَ لَوْنَهُ أَوْ طَعْمَهُ أَوْ رِيحَهُ))(٢) وهو تمام الحديث، أو بنى العام على الخاص عملاً بالدليلين. واحتج الشافعي بقول النبي ◌َّ: ((إِذَا بَلَغَ المَاءُ قُلَّتَيْنِ لاَ يَحْمِلُ خَبَثاً)(٣) أي: يدفع الخبث عن نفسه. قال الشافعي: قال ابن جريج (٤): أراد بالقلتين قِلاَلَ هَجَر: كل قلة يسع فيها قربتان وشيء. قال الشافعي: وهو شيء مجهول، فقدرته بالنصف احتياطاً، ولنا: ما رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ وَّل أَنَّهُ قَالَ: ((إِذَا أَسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ مَنَامِهِ، فَلاَ يَغْمِسَنَّ يَدَهُ فِي الإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَّهَا ثَلاَّناً؛ فَإِنَّهُ لاَ يَذْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدَاءِ»(٥) . (١) معيار قديم كان يكال به أو يوزن، وقدرة إذ ذاك رطلان بغداديان، والرطل عندهم اثنتا عشر أوقية بأواقيهم. ينظر المعجم الوسيط (٨٨٩/٢). (٢) تقدم. (٣) تقدم. (٤) عبد الملك بن عبد العزيز بن جريج الأموي مولاهم أبو الوليد وأبو خالد المكي الفقيه أحد الأعلام. عن ابن أبي مليكة وعكرمة مرسلاً، وعن طاوس مسألة ومجاهد ونافع وخلق وعنه يحيى بن سعيد الأنصاري أكبر منه والأوزاعي والسفيانان وخلق. قال أبو نعيم: مات سنة خمسين ومائة. ينظر الخلاصة ١٢/٢، تهذيب التهذيب ٦/ ٤٠٢. تهذيب الكمال ١٧٨/٢، الكاشف ٢/ ٢١٠ الثقات ٩٣/٧. (٥) هذا الحديث مشهور من حديث أبي هريرة وقد رواه عن أبي هريرة جماعة كثيرة من أصحابه. الطريق الأول: أخرجه مالك (٢١/١) كتاب الطهارة: باب وضوء النائم إذا قام من نومه حديث (٩) والبخاري (١/ ٢٦٣) كتاب الوضوء: باب الاستجمار وتراً حديث (١٦٢) ومسلم (٢٣٣/١) كتاب الطهارة باب كراهة غمس المتوضىء وغيره يده حديث (٢٧٨/٨٨) والشافعي (٣٩/١ - الأم) كتاب الطهارة: باب غسل اليدين قبل = ٤٠٦ كتاب الطهارة الوضوء، وفي المسند (٢٩/١ -٣٠) كتاب الطهارة: باب في صفة الوضوء حديث (٦٨، ٦٩، ٧٠) وأحمد = (٤٦٥/٢) والحميدي (٤٢٣/٢) رقم (٩٥٢) وابن حبان (١٠٦٠ - الإحسان) وابن المنذر في ((الأوسط)) (١٤٣/١) حديث (٣٥) وأبو عوانة (٢٦٣/١) كتاب الطهارة: باب إيجاب غسل اليدين، والبيهقي (١/ ٤٥) كتاب الطهارة: باب غسل اليدين قبل إدخالها في ((الإناء، والبغوي في ((شرح السنة)) (٣٠٢/١ - بتحقيقنا) كلهم من طريق أبي الزناد عن الأعرج عن أبي هريرة أن رسول الله وَلقر قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فليغسل يديه قبل أن يدخلهما في وضوئه فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده. الطريق الثاني : أخرجه مسلم (٢٣٤/١) كتاب الطهارة: باب كراهة غمس المتوضىء وغيره يده حديث (٢٧٨/٨٨) وأبو عوانة (٢٦٣/١) كتاب الطهارة: باب إيجاب غسل اليدين ثلاثاً على المستيقظ، والنسائي (٦/١) كتاب الطهارة: باب تأويل قوله عز وجل: ﴿إذا قمتم إلى الصلاة﴾، والدارمي (١٩٦/١) كتاب الطهارة: باب إذا استيقظ أحدكم من نومه، وابن أبي شيبة (٩٨/١) والشافعي (٢٩/١) كتاب الطهارة: باب في صفة الوضوء حديث (٦٧) وأحمد (٢٤١/٢) والحميدي (٤٢٢/٢-٤٢٣) رقم (٩٥١) وابن خزيمة (٥٢/١) رقم (٩٦) وأبو يعلى (٣٧٢/١٠) رقم (٥٩٦١) وابن حبان (١٠٥٩ - الإحسان) وابن الجارود في (المنتقى)) رقم (٩) وابن عدي في ((الكامل)) (١٩٤/١) والبيهقي (١ /٤٥) كتاب الطهارة: باب غسل اليدين قبل إدخالها في الإناء، والبغوي في ((شرح السنة (١/ ٣٠٢ - بتحقيقنا) كلّهم من طريق الزهري عن أبي سلمة بن عبد الرحمن عن أبي هريرة أن النبي وَّر قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في وضوئه حتی یغسلها ثلاثاً فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده وقد توبع الزهري تابعه محمد بن عمرو. أخرجه أحمد (٣٨٢/٢) وابن أبي شيبة (٩٨/١) وأبو يعلى (٣٧٨٣٧٧/١٠) رقم (٥٩٧٣) وأبو عبيد في (كتاب الطهور)) (ص - ٣٢٦) رقم (٢٧٩) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٢/١) كتاب الطهارة: باب سؤر الكلب، من طريق محمد بن عمرو عن أبي سلمة عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صل9 إذا قام أحدكم من النوم فليفرغ على يده من وضوئه فإنه لا يدري أين باتت يداه. وقد رواه الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة معاً عن أبي هريرة أخرجه الترمذي (٣٦/١) كتاب الطهارة: باب إذا استيقظ أحدكم من منامه حديث (٢٤) وابن ماجه (١٣٨/١) كتاب الطهارة باب الرجل يستيقظ من منامه حديث (٣٩٣) وابن جميع في ((معجم شيوخه)) (ص - ٣٤١، ٣٤٢) رقم (٣٢٣) والخطيب في ((تاريخ بغداد)» (٣٠٠/١١) كلهم من طريق الأوزاعي عن الزهري عن سعيد بن المسيب وأبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يفرغ عليها مرتين أو ثلاثاً فإنه لا يدري أين باتت يده. وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. الطريق الثالث : أخرجه مسلم (٢٣٣/١) كتاب الطهارة: باب كراهة غمس المتوضى وغيره يده حديث (٢٧٨/٨٧) وأبو عوانة (٢٦٤/١) والنسائي (٢١٥/١) كتاب الغسل: باب الأمر بالوضوء من النوم، وأحمد (٢٦٥/٢) وأبو عبيد في ((كتاب الطهور)) رقم (٢٨١) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٢/١) كتاب الطهارة: باب سؤر الكلب، من طريق الزهري عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة به. الطريق الرابع : = ٤٠٧ كتاب الطهارة ٠٠ أخرجه مسلم (٢٣٣/١) كتاب الطهارة: باب كراهة غمس المتوضىء وغيره يده حديث (٢٧٨/٨٨) = وأحمد (٥٠٧،٣٩٥/٢) من طريق هشام بن حسان عن محمد بن سيرين عن أبي هريرة به. الطريق الخامس : أخرجه أبو داود (٧٦/١) كتاب الطهارة: باب في الرجل يدخل يده في الإناء حديث (١٤) وأحمد (٢/ ٢٥٣) وأبو عوانة (٢٦٤/١) وأبو داود الطيالسي (٥٢،٥١/١ - منحة) رقم (١٧٠) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٢/١) كتاب الطهارة: باب سؤر الكلب، وابن عدي في ((الكامل (٢٩٤/٢) والسهمي في ((تاريخ جرجان)» (ص - ١٣٨) وأبو نعيم في «تاريخ أصبهان)) (٢٣٢/٢-٢٣٣) والبيهقي (١ / ٤٧) كتاب الطهارة: باب صفة غسل اليدين، من طرق عن الأعمش عن أبي صالح عن أبي هريرة قال: قال رسول الله ◌َلّ: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده . وأخرجه مسلم (٢٣٣/١) كتاب الطهارة: باب كرامة غمس المتوضى وغيره يده. حديث (٢٧٨/٨٧) وأبو عوانة (٢٦٤/١) وأحمد (٤٧١/٢) والطحاوي في ((شرح معاني الآثار)) (٢٢/١) والبيهقي (٤٥/١) كتاب الطهارة: باب التكرار في غسل اليدين، وأبو داود (٧٦/١)، كتاب الطهارة: باب في الرجل يدخل يده في الإناء حديث (١٠٣) من طريق الأعمش عن أبي صالح وأبي رزين عن أبي هريرة بمثل حديث أبي صالح وحده. الطريق السادس : أخرجه مسلم (٢٣٣/١) كتاب الطهارة: باب كراهة غمس المتوضى وغير يده، وأبو عوانة (٢٦٣/١) وأحمد (٤٥٥/٢) وابن خزيمة (٧٥/١) رقم (١٤٥) وابن حبان (١٠٦١، ١٠٦٢. الإحسان) والدارقطني (٤٩/١) كتاب الطهارة: باب غسل اليدين لمن استيقظ من نومه حديث (١) والبيهقي (٤٦/١) كتاب الطهارة: باب التكرار في غسل اليدين، كلهم من طريق خالد الحذاء عن عبد الله بن شقيق عن أبي هريرة به . الطريق السابع : أخرجه أبو داود (٧٨/١) كتاب الطهارة: باب في الرجل يدخل يده في الإناء حديث (١٠٥) والدارقطني (٥٠/١) كتاب الطهارة: باب غسل اليدين لمن استيقظ من نومه حديث (٤) وابن حبان (١٠٥٨ - الإحسان) والبيهقي (٤٦/١) كتاب الطهارة: باب التكرار في غسل اليدين، كلهم من طريق معاوية بن صالح عن أبي مريم عن أبي هريرة قال: سمعت رسول الله وَلهو يقول: ((إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً فإن أحدكم لا يدري أين باتت يده أو أين باتت تطوف يده)» لفظ الدار قطني وقال: وهذا إسناد حسن. قال الحافظ في ((التلخيص)) (٣٤/١): قال ابن منده: وهذه الزيادة رواتها ثقات ولا أراها محفوظة. الطريق الثامن : أخرجه مسلم (٢٣٣/١) كتاب الطهارة: باب كراهة غمس المتوضىء يده حديث (٢٧٨/٧٨) وأحمد (٢/ ٣١٦) وأبو عوانة (٢٦٤/١) من طريق عبد الرزاق عن معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة به. الطريق التاسع : = ٤٠٨ كتاب الطهارة أخرجه مسلم (٢٣٣/١) كتاب الطهارة: باب كراهة غمس المتوضىء يده حديث (٢٧٨/٨٧) وأبو عوانة = (٢٦٤/١) وأحمد (٤٠٣/٢) وأبو يعلى (٢٥٦/١٠ - ٢٥٧) رقم (٥٨٦٣) والبيهقي (٤٧/١) كتاب الطهارة: باب صفة غسل اليدين، من طريق أبي الزبير عن جابر أن أبا هريرة أخبره أن النبي وَلير قال: إذا استيقظ أحدكم من منامه فليفرغ على يديه ثلاث مرات قبل أن يدخلهما فإنه لا يدري فيم باتت يده. الطريق العاشر : أخرجه مسلم (١/ ٢٣٣-٢٣٤) كتاب الطهارة: باب كراهة غمس المتوضى وغيره يده حديث (٨٨/ ٢٧٨) وأحمد (٢٧١/٢) وأبو عوانة (٢٦٤/١) كلهم من طريق ابن جريج عن زياد عن ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد عن أبي هريرة به . الطريق الحادي عشر: أخرجه أحمد (٢/ ٥٠٠) من طريق محمد بن إسحاق عن موسى بن يسار عن أبي هريرة به. الطريق الثاني عشر : أخرجه مسلم (٢٣٣/١) كتاب الطهارة: باب كراهة غمس المتوضى وغيره يده حديث (٢٧٨/٨٨) وأبو عوانة (٢٦٤/١) والبيهقي (٤٥/١) كتاب الطهارة: باب غسل اليدين قبل إدخالهما في الإناء، من طريق عبد الرحمن بن يعقوب عن أبي هريرة به. وللحديث طرق أخرى: عند مسلم (٢٣٣/١) من طريق ثابت مولى عبد الرحمن بن زيد عن أبي هريرة. وعند ابن عدي في ((الكامل)) (٦/ ٣٧٤) من طريق معلى بن الفضل ثنا الربيع بن صبيح عن الحسن عن أبي هريرة عن النبي ◌َّ قال: ((إذا استيقظ أحدكم من منامه فلا يغمس يده في الإناء حتى يغسلها ثلاثاً ثم ليتوضأ فإن غمس يده في الإناء قبل أن يغسلها فليرق ذلك الماء)). قال ابن عدي: قوله في هذا المتن فليرق ذلك الماء منكر لا يحفظ وقال في ترجمة معلى: وفي بعض رواياته نكرة. وللحديث شواهد من حديث ابن عمر وجابر وعائشة. حديث ابن عمر: أخرجه ابن ماجه (١٣٩/١) كتاب الطهارة: باب الأمر بغسل اليدين ثلاثاً حديث (٣٩٤) وابن خزيمة (١/ ٧٥) رقم (١٤٦) والدار قطني (١ /٥٠) كتاب الطهارة: باب غسل اليدين لمن استيقظ من نومه حديث (١) والبيهقي (١/ ٤٦) كتاب الطهارة: باب التكرار في غسل اليدين كلهم من طريق ابن وهب أخبرني ابن لهيعة وجابر ابن إسماعيل عن عقيل عن الزهري عن سالم عن أبيه أن النبي ◌َّر قال: إذا استيقظ أحدكم من نومه فلا يدخل يده في الإناء حتى يغسلها ثلاث مرات فإنه لا يدري أين باتت يده قال الدارقطني: هذا إسناد حسن . وقال البوصيري في ((الزوائد)) (١٦٤/١): هذا إسناد صحيح على شرط مسلم رواه الدارقطني في سننه وقال: إسناد حسن . حديث جابر: أخرجه ابن ماجه (١٣٩/١) كتاب الطهارة: باب الرجل يستيقظ من منامه حديث (٣٩٥) والدارقطني (١/ ١٤٩) كتاب الطهارة. باب غسل اليدين لمن استيقظ من نومه، والخطيب في ((تاريخ بغداد)) (٤٥٠/١٠) = ٤٠٩ كتاب الطهارة [ولو كان الماء لا ينجس بالغمس](١) لم يكن للنهي والاحتياط، لوهم النجاسة معنى، وكذا الأخبار مستفيضة بالأمر يغسل الإناء من ولوغ الكلب، مع أنه لا يغيّر لونه ولا طعمه ولا ريحه. وروي عن النبي ◌َّ أَنَّهُ قَال: ((لاَ يَبُولَنَّ أَحَدُكُمْ فِي المَاءِ الذَّائِمِ، وَلاَ يَغْتَسِلَنَّ فِيهِ مِنْ جَنَابَةٍ))(٢) من غير فصل بين دائم ودائم. وهذا نهي عن تنجيس الماء، لأن البول والاغتسال فيما لا يتنجس لكثرته - ليس بمنهى، فدل على كون الماء الدائم مطلقاً محتملاً للنجاسة، إذ النهي عن تنجيس ما لا يحتمل النجاسة - ضرب من السفه، وكذا الماء الذي يمكن الاغتسال فيه يكون أكثر من قلتين، والبول والاغتسال فيه - لا يغير لونه ولا طعمه ولا ريحه. وعن ابن عباس وابن الزبير(٣) أنهما أمرا في زنجي وقع في بئر زمزم بنزح ماء البئر كله، من طريق زياد بن عبد الله البكائي عن عبد الملك بن أبي سليمان عن أبي الزبير عن جابر قال: قال = رسول الله وَلي: ((إذا قام أحدكم من الليل فأراد أن يتوضأ فلا يدخل يده في وضوئه حتى يغسلها فإنه لا يدري أين باتت يده ولا على من وضعها. قال البوصيري في ((الزوائد)) (١٦٤/١): هذا إسناد صحيح رجاله ثقات. حديث عائشة : أخرجه أبو داود الطيالسي (١/ ٥١ - منحة) رقم (١٦٩) حدثنا ابن أبي ذئب حدثني من سمع أبا سلمة يحدث عن عائشة أن رسول الله وَّلإر قال: من استيقظ من منامه فلا يغمس يده في طهور حتى يفرغ على يده ثلاث غرفات ولم يكن رسول الله ربَّله يفعل ذلك حتى يفرغ على يده ثلاثاً قال ابن أبي حاتم في ((العلل)) (٦٢/١) رقم (١٦٢): سئل أبو زرعة عن حديث رواه ابن أبي ذئب عن من سمع أبا سلمة بن عبد الرحمن يحدث عن عائشة عن النبي ◌َّ: إذا استيقظ أحدكم من النوم فليغرف على يده ثلاث غرفات قبل أن يدخلها في وضوئه فإنه لا يدري حيث باتت بيده. ورواه الزهري عن أبي سلمة عن أبي هريرة عن النبي ◌ّ لّ هذا الحديث فقال أبو زرعة هذا عندي وهم يعني حديث ابن أبي ذئب. (١) سقط في أ. (٢) تقدم. (٣) هو: عبد الله بن الزبير بن العوام بن خويلد بن أسد بن عبد العزى .. أبو بكر. وقيل أبو خبيب الأسدي. القرشي. أمه. أسماء بنت أبي بكر. ولد عام الهجرة وهو أول مولود للمسلمين بعد الهجرة. من مشاهير الصحابة وفضلائهم وسيرته شهيرة مع الحجاج بن يوسف الثقفي وكان قد حفظ عن النبي وَيه وعن أبيه وعن أبي بكر وعمر وعثمان وخالته عائشة أم المؤمنين وغيرهم وهو أحد الشجعان توفي في جمادى الأولى سنة (٧٣). ينظر ترجمته في أسد الغابة (٢٤٢/٣)، الإصابة (٦٩/٤)، الثقات (٢١٢/٣)، الاستيعاب (٩٥/٣)، الاستبصار (٧٣)، صفة الصفوة (١١٧/٩)، التاريخ الكبير (٦/٣)، الجرح والتعديل (٥٦/٥)، التاريخ الصغير (١٥٩/١)، التاريخ لابن معين (٤٩/٢)، تهذيب الكمال (٦٨٢/٢)، غاية النهاية (٤١٩/١)، الأعلام (٨٧/٤)، الرياض المستطابة (٢٠١)، رياض النفوس (٤٢/١)، حلية الأولياء (٣٢٩/١)، شذرات الذهب (٤٢/١)، العبر (٦٠،٤/١). ٤١٠ كتاب الطهارة ولم يظهر أثره في الماء، وكان الماء أكثر من قلتين، وذلك بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم - ولم ينكر عليهما أحد؛ فانعقد الإجماع من الصحابة على ما قلنا، وعرف بهذا الإجماع أن المراد بما رواه مالك هو الماءُ الكثير الجاري، وبه تبيّن أن ما رواه الشافعي غير ثابت؛ لكونه مخالفاً لإجماع الصحابة - رضي الله عنهم - وخبر الواحد إذا ورد مخالفاً للإجماع - يرد، يدل عليه أن علي بن المديني(١) قال: لا يثبت هذا الحديث عن النبي ◌َّر. وذكر أبو داود السجستاني(٢)، وقال: لا يكاد يصح لواحد من الفريقين حديث عن النبي ◌َّر في تقدير الماء، ولهذا رجع أصحابنا في التقدير إلى الدلائل الحسية دون الدلائل السمعية، ثم اختلفوا في تفسير الخلوص، فاتفقت الروايات عن أصحابنا أنه يعتبر الخلوص(٣) بالتحريك، وهو أنه إن كان بحال لو حرّك طرف منه، يتحرّك الطرف الآخر - فهو مما يخلص، وإن كان لا يتحرك فهو مما لا يخلص، وإنما اختلفوا في جهة التحريك، فروى أبو يوسف عن أبي حنيفة؛ أنه يعتبر التحريك بالاغتسال من غير عنف. وروى محمد عنه أنه يعتبر التحريك بالوضوء، وفي رواية: باليد من غير اغتسال ولا وضوء. واختلف المشايخ: فالشيخ أبو حفص الكبير البخاري (٤) اعتبر الخلوص بالصبغ، / وأبو ٣٥ب (١) علي بن عبد الله بن جعفر بن نجيح التميمي السعدي، مولاهم أبو الحسن البصري الحافظ إمام أهل الحديث. عن أبيه وحماد بن زيد ومعاوية بن عبد الكريم وابن عيينة والقطان، وخلائق. وعنه البخاري وأبو داود، ومحمد بن عبد الرحيم، ومحمد بن يحيى، وهو كان ابن عيينة يسميه حية الوادي. وقال القطان: كنا نستفيد منه أكثر مما يستفيد منا. قال عثمان عنه: من قال إن القرآن مخلوق فهو كافر. قال البخاري: مات سنة أربع وثلاثين ومائتين. ينظر الخلاصة ٢٥١/٢ -٢٥٢، وتهذيب التهذيب ٣٤٩/٧، وتقريب التهذيب ٤٠،٤٦/٢، وتاريخ بغداد ٤٥٨/١١، وميزان الإعتدال ١٣٨/٣. (٢) أبو داود سليمان بن الأشعث بن إسحاق بن بشير بن شَدَّاد الأزدي السّجِستاني، ولد سنة ٢٠٢ هـ، وطوف وسمع بخراسان، والعراق، والجزيرة، والشام، والحجاز، ومصر من خلف كثيرين، وقد روى عنه السنين: ابن داسة، اللؤلؤي، وابن الأعرابي، وأبو عيسى الرملي. قال ابن حبان: أبو داود أحد أئمة الدنيا فقهاً، وعلماً، وحفظاً، ونسكاً، ورعاً، واتقاناً. توفي سنة ٢٧٥هـ. بالبصرة. ينظر: تهذيب الكمال ١/ ٥٣٠، وتهذيب التهذيب ١٦٩/٤، والكاشف ١٦٩/٤، والجرح والتعديل ٢٥٦/٤. (٣) في هامش ب: متى يخلص النجاسة إلا أنه ماء. (٤) أحمد بن حفص، المعروف بأبي حفص الكبير، الإمام المشهور. أخذ العلم عن محمد بن الحسن، وله أصحاب لا يحصون، قال شمس الأئمة: قدم محمد بن إسماعيل البخاري بخارى، زمن أبي حفص الكبير، وجعل يفتي فنهاه أبو حفص، وقال: لست بأهل له. فلم ينته، حتى سُئِل عن حبيين شربا من لبن شاة أو بقرة، فأفتى بثبوت الحرمة. فاجتمع الناس وأخرجوه، والمذهب أنه لا رضاع بينهما. ينظر: الجواهر المضية ٦٦/١-١٦٧، الطبقات السنية رقم ١٨٦، تاج التراجم: ٦. ٤١١ كتاب الطهارة نصر محمد بن محمد بن سلام اعتبره بالتكدير، وأبو سليمان الجوزجاني اعتبره بالمساحة، فقال: إن كان عشراً في عشر فهو مما لا يخلص، وإن كان دونه فهو مما يخلص. وعبد الله بن المبارك اعتبره بالعشرة أولاً، ثم بخمسة عشر، وإليه ذهب أبو مطيع البلخي(١)، فقال: إن كان خمسة عشر في خمسة عشر - أرجو أن يجوز، وإن كان عشرين في عشرين لا أجد في قلبي شيئاً. وروي عن محمد؛ أنه قدره بمسجده، فكان مسجده ثمانياً في ثمان، وبه أخذ محمد بن سلمة، وقيل: كان مسجده عشراً في عشر. وقيل: مسح مسجده فوجد داخله ثمانياً في ثمان، وخارجه عشراً في عشر. وذكر الكرخي، وقال: لا عبرة للتقدير في الباب، وإنما المعتبر هو التحري، فإن كان أكبر رأيه أن النجاسة خلصت إلى هذا الموضع الذي يتوضأ منه، لا يجوز وإن كان أكبر رأيه أنها لم تصل إليه - يجوز، لأن العمل بغالب الرأي، وأكبر الظن في الأحكام، واجب. ألا يرى أن خبر الواحد العدل يقبل في نجاسة الماء وطهارته، وإن كان لا يفيد برد اليقين، وكذلك قال أصحابنا في الغدير العظيم، الذي لو حرّك طرف منه لا يتحرك الطرف الآخر، إذا وقعت فيه النجاسة أنه إن كان في غالب الرأي أنها وصلت إلى الموضع الذي يتوضأ منه - لا يجوز وإن كان فيه أنها لم تصل - يجوز. وذكر في ((كتاب الصلاة)) في الميزاب إذا سال على إنسان؛ إنه إن كان غالب ظنه أنه نجس يجب غسله، وإلا فلا، وإن لم يستقر قلبه على شيء لا يجب غسله في الحكم، ولكن المستحب أن يغسل. وأما حوض(٢) الحمام الذي يخلص بعضه إلى بعض، إذا وقعت فيه النجاسة أو توضأ إنسان - روي عن أبي يوسف، أنه إن كان الماء يجري من الميزاب، والناس يغترفون منه - لا (١) أبو مطيع البَلْخِيُّ صاحبُ الإمام، الحَكَمُ بن عبد الله بن مَسْلمة بن عبد الرحمن. القاضي، الفقيهُ، راوي كتاب ((الفِقْه الأكبر)» عن الإمام. تفقَّه به أهلُ تلك الديار، وكان بصيراً، عَلامَةً، كبيراً، كان ابنُ المُبَارَكِ يَعظّمِه ويُجِلُّه؛ لِدِينِه وعِلْمِهِ. كان قاضياً بَبْلِخَ عشرةَ سنة. مات سنة سبع وتسعين ومائة، عن أربع وثمانين سنة . ينظر ترجمته في: تاريخ بغداد ٢٢٣/٨-٢٢٥، ميزان الاعتدال ٥٧٤/١، ٥٧٥، العبر ٣٣٠/١، لسان الميزان ٣٣٤/٢-٣٣٦، تاج التراجم ٨٧، طبقات الفقهاء، لطاش كبرى زاده، صفحة ٢١، كتائب أعلام الأخيار، برقم ٩٢، الطبقات السنية، برقم ٧٨٨، الفوائد البهية ٦٨، ٦٩. (٢) في هامش ب: حوض الحمام الذي يخلص بعضه إلى بعضه. ٤١٢ كتاب الطهارة يصير نجساً. وهكذا روى الحسن(١) عن أبي حنيفة؛ لأنه بمنزلة الماء الجاري، ولو تنجّس الحوض الصغير بوقوع النجاسة فيه، ثم بسط ماؤه حتى صار لا يخلص بعضه إلى بعض - فهو نجس؛ لأن المبسوط هو الماء النجس(٢)، وقيل - في الحوض الكبير وقعت فيه النجاسة، ثم قل ماؤه حتى صار يخلص بعضه إلى بعض: إنه طاهر؛ لأن المجتمع هو الماء الطاهر. هكذا ذكره أبو بكر الإسكاف، واعتبر حالة الوقوع. ولو وقع في هذا القليل نجاسة، ثم عاوده الماء حتى امتلأ الحوض، ولم يخرج منه شيء. قال أبو القاسم الصفار(٣): لا يجوز التوضؤ به؛ لأنّه كلما دخل الماء فيه صار نجساً، ولو أن حوضين صغيرين يخرج الماء من أحدهما، ويدخل في الآخر، فتوضأ منه إنسان في خلال ذلك - جاز؛ لأنه ماء جار. حوض(٤) حكم بنجاسته، ثم نضب ماؤه وجف أسفله حتى حكم بطهارته، ثم دخل فيه الماء ثانياً - هل يعود نجساً؟ فيه روايتان عن أبي حنيفة - رحمه الله - وكذا الأرض إذا أصابتها النجاسة فجفّت، وذهب أثرها ثم عاودها الماء، وكذا المني إذا أصاب الثوب فجفّ وفرك، ثم أصابه بلل، وكذا جلد الميتة إذا دبغ دباغة حكمية بالتشميس والتتريب ثم أصابه الماء ففي هذه المسائل كلها روايتان عن أبي حنيفة. وأما البئر إذا تنجّست، فغار ماؤها، وجف أسفلها، ثم عاودها الماء - فقال نصير(٥) بن يحيى(٦): هو طاهر. وقال محمد بن سلمة: هو نجس: وكذا روي عن أبي يوسف. (١) في ب: المعلى. (٢) في ب: الذي كان نجساً. (٣) أحمد بن عصمة، أبو القاسم الصفار الملقّب حَمْ بفتح الحاء. قال في الألقاب: حم؛ لقّب أحمد بن عصمة الصفار البلخي، الفقيه، المحدث. تفقّه على أبي جعفر الهندواني، وسمع منه الحديث روى عنه أبو علي الحسن بن صديق بن الفتح الوزغجنيّ شيخ ثقة توفي في ليلة الإثنين، في شهر شوال، لعشر بقين منه، سنة ست وعشرين وثلاثمائة، وهو ابن سبع وثمانين سنة . ينظر: الجواهر المضية ٢٠٠/١-٢٠١، الطبقات السنية برقم ٢٤٤. (٤) في هامش ب: الأشياء النجسة إذا طهّرت ثم ابتلّت بالماء. (٥) في أ، ب: نصر. (٦) تفقَّه على أبي سليمان الجُوزَجَانيّ. روَى عنه أبو غِياث البَلْخِيّ. مات سنة ثمان وستين ومائتين. ينظر: ترجمته في: كتائب أعلام الأخيار، برقم ١٢٧، الطبقات السنية، برقم ٢٦٠٢، الفوائد البهيّة ٢٢١، والجواهر المضيّة ٥٤٦/٣. ٤١٣ كتاب الطهارة وجه قول نصير: إن تحت الأرض ماء جار، فيختلط الغائر به؛ فلا يحكم بكون العائد نجساً بالشك. وجه قول محمد بن سلمة: أن ما نبع يحتمل أنه ماء جديد، ويحتمل أنه الماء النجس، فلا يحكم بطهارته بالشك، وهذا القول أحوط، والأول أوسع، هذا إذا كان الماء الراكد له طول وعرض، فإن كان له طول بلا عرض؛ كالأنهار التي فيها مياه راكدة - لم يذكر في ظاهر الرواية، وعن أبي نصر محمد بن محمد بن سلام أنه إن كان طول الماء مما لا يخلص بعضه إلى بعض يجوز التوضؤ به، وكان يتوضأ في نهر بلخ، ويحرك الماء بيده، ويقول: لا فرق بين إجرائي إياه، وبين جريانه بنفسه، فعلى قوله: لو وقعت فيه نجاسة لا ينجّس، ما لم يتغيّر لونه أو طعمه أو ريحه. وعن أبي سليمان الجوزجاني أنه قال: لا يجوز التوضؤ فيه. وعلى قوله: لو وقعت فيه نجاسة، أو بال فيه إنسان أو توضأ، إن كان في أحد الطرفين - ينجّس مقدار عشرة أذرع، وإن كان في وسطه ينجّس من كل جانب مقدار عشرة أذرع، فما ذهب إليه أبو نصر أقرب إلى الحكم؛ لأن اعتبار العرض يوجب التنجيس، واعتبار الطول لا يوجب، فلا ينجس بالشك، وما قاله أبو سليمان أقرب إلى الاحتياط؛ لأن اعتبار(١) الطول إن كان لا يوجب التنجيس، فاعتبار العرض يوجب، فيحكم بالنجاسة احتياطاً . وأما العمق فهل يشترط مع الطول والعرض؟ عن أبي سليمان الجوزجاني؛ أنه قال: إن أصحابنا اعتبروا البسط دون/ العمق. ١٣٦ وعن الفقيه أبي جعفر الهندواني إن كان بحال لو رفع إنسان الماء بكفيه، انحسر أسفله ثم اتصل - لا يتوضأ به؛ وإن كان بحال لا ينحصر أسفله(٢) - لا بأس بالوضوء منه. وقيل: مقدار العمق أن يكون زيادة على عرض الدرهم الكبير المثقال، وقيل: أن يكون قدر شبر. وقيل: قدر ذراع. ثم النجاسة(٣) إذا وقعت في الحوض الكبير، كيف يتوضأ منه؟ فنقول: النجاسة لا تخلو إما أن تكون مرئية: أو غير مرئية، فإن كانت مرئية كالجيفة ونحوها - ذكر في ظاهر الرواية أنه (١) في هامش ب: هل العمق يشترط مع الطول والعرض؟ (٢) في ب: ما تحته. (٣) في هامش ب: النجاسة إذا وقعت في الحوض الكبير كيف يتوضأ منه؟ ٤١٤ كتاب الطهارة لا يتوضأ من الجانب الذي وقعت فيه النجاسة، ولكن يتوضأ من الجانب الآخر، ومعناه: أنه يترك من وضع النجاسة قدر الحوض الصغير، ثم يتوضأ، كذا فسره في ((الإملاء)) عن أبي حنيفة؛ لأنّا تيقنّا بالنجاسة في ذلك الجانب، وشكّكنا فيما وراءه. وعلى هذا قالوا فيمن استنجى في موضع من حوض الحمام: لا يجزيه(١) أن يتوضأ من ذلك الموضع قبل تحريك الماء. وروي عن أبي يوسف؛ أنه يجوز التوضؤ من أي جانب كان، إلا إذا تغيّر لونه أو طعمه أو ريحه؛ لأن حكمه حكم الماء الجاري. ولو وقعت الجيفة في وسط الحوض على قياس ((ظاهر الرواية))، إن كان بين الجيفة وبين كل جانب من الحوض مقدار ما لا يخلص بعضه إلى بعض - يجوز التوضؤ فيه، وإلا فلا لما ذكرنا، وإن كانت غير مرئية بأن بال فيه إنسان، أو اغتسل جنب - اختلف فيه المشايخ. قال مشايخ العراق: إن حكمة حكم المرئية حتى لا يتوضأ من ذلك الجانب، وإنما يتوضأ من الجانب الآخر؛ لما ذكرنا في المرئية بخلاف الماء الجاري؛ لأنه ينقل النجاسة من موضع إلى موضع، فلم يستيقن بالنجاسة في موضع الوضوء، ومشايخنا بما وراء النهر فصلوا بينهما: ففي غير المرئية أنه يتوضأ من أي جانب كان؛ كما قالوا جميعاً في الماء الجاري، وهو الأصح؛ لأن غير المرئية لا يستقر في مكان واحد، بل ينتقل؛ لكونه مائعاً سيالاً بطبعه، فلم نستيقن بالنجاسة في الجانب الذي يتوضأ منه، فلا نحكم بنجاسته بالشك، على الأصل المعهود أن اليقين لا يزول بالشك بخلاف المرئية، وهذا إذا كان(٢) الماء في الحوض غير جامد، فإن كان جامداً وثقب في موضع منه، فإن كان الماء غير متصل بالجمد - يجوز التوضؤ منه(٣) بلا خلاف، وإن كان متصلاً به فإن كان الثقب واسعاً بحيث لا يخلص بعضه إلى بعض - فكذلك؛ لأنه بمنزلة الحوض الكبير، وإن كان الثقب صغيراً اختلف المشايخ فيه. قال نصير(٤) بن يحيى، وأبو بكر الإسكاف: لا خير فيه، وسئل ابن المبارك، فقال: لا بأس به، فقال: أليس الماء يضطرب تحته؟ وهو قول الشيخ أبي حفص الكبير، وهذا أوسع، والأول أحوط، وقالوا: إذا حرك موضع الثقب تحريكاً بليغاً، يعلم عنده إن ما كان راكداً - ذهب عن هذا المكان، وهذا ماء جدید یجوز بلا خلاف. (١) في ب: لا يجوز. (٢) في هامش ب: إذا كان الماء جامد في الحوض. (٣) في أ، ب: فيه. (٤) في أ، ب: نصر. ٤١٥ كتاب الطهارة ولو وقعت نجاسة في الماء القليل - فالماء القليل لا يخلو من أن يكون في الأواني، أو في البئر، أو في الحوض الصغير، فإن كان في الأواني فهو نجس (١)، كيفما كانت النجاسة متجسدة أو مائعة؛ لأنه لا ضرورة في الأواني؛ لإمكان صونها عن النجاسات، حتى لو وقعت بعرة أو بعرتان في المحلب عند الحلب، ثم رميت من ساعتها - لم ينجس اللبن، كذا روي عنه خلف بن أيوب، ونصير بن يحيى، ومحمد بن مقاتل الرازي؛ لمكان الضرورة، وإن كان في البئر - فالواقع فيه لا يخلو من أن يكون حيواناً، أو غيره من النجاسات، فإن كان حيواناً؛ فإما أن أخرج حياً، وإما أن أخرج ميتاً فإن أخرج حياً، فإن كان نجس العين كالخنزير ينجس جميع الماء، وفي الكلب اختلاف المشايخ في كونه نجس العين، فمن جعله نجس العين - استدل بما ذكر في ((العیون)». عن أبي يوسف أن الكلب(٢) إذا وقع في الماء، ثم خرج منه، فانتفض فأصاب إنساناً منه أکثر من قدر الدرهم - لا تجوز صلاته. وذكر في ((العيون)) أيضاً أن كلباً لو أصابه المطر، فانتفض فأصاب إنساناً منه أكثر من قدر " الدرهم - إن كان المطر الذي أصابه وصل إلى جلده - فعليه أن يغسل الموضع الذي أصابه، وإلا فلا، ونص محمد في الكتاب قال: وليس الميت بأنجس من الكلب والخنزير، فدل أنه نجس العين. وجه قول من قال: إنه ليس نجس العين؛ أنه يجوز بيعه ويضمن متلفه، ونجس العين ليس محلاً للبيع، ولا مضموناً بالإتلاف كالخنزير، دل عليه أن يطهّر جلده بالدباغ، ونجس العين لا يطهّر جلده بالدباغ كالخنزير، وكذا روى ابن المبارك عن أبي حنيفة في الكلب والسنور (٣) وقعا في الماء القليل، ثم خرجا، أنه يعجن بذلك؛ ولذلك قال مشايخنا فيمن صلى وفي كمه جرو كلب: إنه تجوز صلاته، وقيد الفقيه أبو جعفر الهندواني الجواز بكونه مسدود الفم، فدل/ أنه ليس بنجس العين، وهذا أقرب القولين إلى الصواب. ٣٦ ب وإن لم يكن نجس العين، فإن كان آدمياً (٤) ليس على بدنه نجاسة حقيقية ولا حكمية، وقد استنجى - لا ينزح شيء في ظاهر الرواية. (١) في ب: نجسة. (٢) في هامش ب: الكلب إذا وقع في الماء. (٣) حيوان أليف من الفصيلة السُّنَّورية ورتبه اللواحم، من خير مآكله الفأر، ومنه أهلي وبريٍّ. ينظر المعجم الوسيط (٤٥٤/١). (٤) في هامش ب: الآدمي إذا وقع في الماء وليس عليه نجاسة. ٤١٦ كتاب الطهارة وروى الحسن عن أبي حنيفة أنه ينزح عشرون دلواً، وهذه الرواية لا تصح، لأن الماء إنما يصير مستعملاً بزوال الحدث، أو بقصد القربة، ولم يوجد شيء من ذلك، وإن كان على بدنه نجاسة حقيقية، أو لم يكن مستنجياً - ينزح جميع الماء؛ لاختلاط النجس بالماء، وإن كان على بدنه(١) نجاسة حكمية؛ بأن كان محدثاً أو جنباً أو حائضاً أو نفساء - فعلى قول من لا يجعل هذا الماء مستعملاً - لا ينزح شيء؛ لأنه طهور، وكذا على قول من جعله مستعملاً، وجعل الماء المستعمل طاهراً؛ لأن غير المستعمل أكثر فلا يخرج عن كونه طهوراً ما لم يكن المستعمل غالباً عليه؛ كما لو صب اللبن في البئر بالإجماع، أو بالت شاة فيها، عند محمد. وأما على قول من جعل هذا الماء مستعملاً، وجعل الماء المستعمل نجساً - ينزح ماء البئر كله؛ كما لو وقعت فيها قطرة من دم أو خمر. وروى الحسن عن أبي حنيفة؛ أنه إن كان محدثاً ينزح أربعون، وإن كان جنباً ينزح كله، وهذه الرواية مشكلة؛ لأنه لا يخلو إما أن صار هذا الماء مستعملاً، أو لا، فإن لم يصر مستعملاً لا يجب نزح شيء؛ لأنه بقي طهوراً كما كان، وإن صار مستعملاً فالماء المستعمل عند الحسن نجس نجاسة غليظة؛ فينبغي أن يجب نزح جميع الماء. وروي عن أبي حنيفة أنه قال: في الكافر(٢) إذا وقع في البئر: ينزح ماء البئر كله؛ لأن بدنه لا يخلو عن نجاسة حقيقية أو حكمية، حتى لو تيقنا بطهارته بأن اغتسل، ثم وقع في البئر من ساعته - لا ينزح منها شيء. وأما سائر الحيوانات(٣) فإن علم بيقين أن على بدنها نجاسة، أو على مخرجها نجاسة - تنجس الماء؛ لاختلاط النجس به، سواء وصل فمه إلى الماء، أو لا، وإن لم يعلم ذلك اختلف المشايخ فيه . قال بعضهم: العبرة لإباحة الأكل وحرمته، إن كان مأكول اللحم لا ينجس، ولا ينزح شيء سواء وصل لعابه إلى الماء، أو لا، وإن لم يكن مأكول اللحم ينجس، سواء كان على بدنه أو مخرجه نجاسة؛ أو لا . وقال بعضهم: المعتبر هو السؤر، فإن كان لم يصل فمه إلى الماء - لا ينزح شيء. وإن وصل، فإن كان سؤره طاهراً فالماء طاهر، ولا ينزح منه شيءٌ، وإن كان نجساً - فالماء نجس وينزح كله، وإن كان مكروهاً يستحب أن ينزح عشر دلاء، وإن كان مشكوكاً فيه - فالماء كذلك وينزح كله، كذا ذكر في ((الفتاوى)) عن أبي يوسف. وذكر ابن رستم في ((نوادره)) أن المستحب في الفأرة نزح عشرين، وفي الهرة نزح (١) في هامش ب: لو وقع وعليه نجاسة حكمية. (٢) في هامش ب: الكافر إذا وقع في البئر. (٣) في هامش ب: الحيوان إذا وقع حياً في البئر. ٤١٧ كتاب الطهارة أربعين؛ لأن ما كان أعظم جثة - كان أوسع فما وأكثر لعاباً، وذكر في ((فتاوى أهل بلخ)) إذا وقعت وزغة في بئر فأخرجت حيةٌ - يستحب نزح أربع دلاء إلى خمس أو ست. وروي عن أبي حنيفة، وأبي يوسف في البقر والإبل؛ أنه ينجس الماء؛ لأنها تبوّل بين أفخاذها فلا تخلو عن البول، غير أن عند أبي حنيفة: ينزح عشرون دلواً؛ لأن بول ما يؤكل لحمه نجس نجاسة خفيفة، وقد ازداد خفة بسبب البئر، فينزح أدنى ما ينزح من البئر؛ وذلك عشرون . وعند أبي يوسف: ينزح ماء البئر كله؛ لاستواء النجاسة الخفيفة والغليظة في حكم تنجيس الماء. هذا كله إذا خرج حياً، فإن خرج(١) ميتاً، فإن كان منتفخاً أو متفسخاً - نزح ماء البئر كله، وإن لم يكن منتفخاً ولا متفسخاً. ذكر في ((ظاهر الرواية))، وجعله ثلاث مراتب: في الفأرة ونحوها: ينزح عشرون دلواً. أو ثلاثون، وفي الدجاج ونحوه: أربعون أو خمسون، وفي الآدمي ونحوه: ماء البئر كله. وروى الحسن عن أبي حنيفة، وجعله خمس مراتب في الحلمة ونحوها: ينزح عشر دلاء، وفي الفأرة ونحوها: عشرون، وفي الحمام ونحوه: ثلاثون، وفي الدجاج ونحوه: أربعون، وفي الآدمي ونحوه: ماء البئر كله. وقوله في: ((الكتاب)): ينزح في الفأرة عشرون أو ثلاثون، وفي الهرة أربعون أو خمسون - لم يرد به التخيير؛ بل أراد به عشرين وجوباً، وثلاثين استحباباً، وكذا في الأربعين والخمسين. وقال بعضهم: إنما قال ذلك؛ لاختلاف الحيوانات في الصغر والكبر، ففي الصغير منها: ينزح الأقل، وفي الكبير: ينزح الأكثر. والأصل في البئر أنه وجد فيها قياسان: أحدهما: ما قاله بشر بن غياث(٢) المريسي أنه يطم ويحفر في موضع آخر؛ لأن غاية ما (١) في هامش ب: إذا وقع في البئر حيواناً وأخرج ميتاً. (٢) بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي العدوي بالولاء أبو عبد الرحمن فقيه معتزلي عارف بالفسفة يرمي بالزندقة، وقال برأي الجهمية وللدارمي من كتاب ((النقض على بشر المريسي)) في الرد على مذهبه توفي سنة ٢١٨هـ. ينظر: وفيات الأعيان ١: ٩١، النجوم الزاهرة ٢: ٢٢٨، تاريخ بغداد ٧: ٥٦، ميزان الاعتدال ١ : ٢١٥ الجواهر المضية ١: ١٦٤، اللباب ٣: ١٢٨، الأعلام ٥٥/٢. بدائع الصنائع ج١ - ٢٧٣ ٤١٨ كتاب الطهارة يمكن [أن ينزح](١) جميع الماء، لكن يبقى الطين والحجارة نجساً، ولا يمكن كبه ليغسل. والثاني: ما نقل عن محمد أنه قال: اجتمع رأيي ورأي أبي يوسف أن ماء البئر في حكم الماء الجاري؛ لأنه ينبع من أسفله، ويؤخذ من أعلاه، فلا ينجس بوقوع النجاسة فيه؛ کحوض الحمام إذا كان صب الماء فيه من جانب، ويغترف من جانب آخر؛ [أنه](٢) لا ينجس بإدخال ١٣٧ اليد/ النجسة فيه. ثم قلنا: وما علينا لو أمرنا بنزح بعض الدلاء، ولا نخالف السلف إلا أنا تركنا القياسين الظاهرين بالخبر والأثر، وضرب من الفقه الخفي. أما الخبر: فما روي القاضي أبو جعفر الاستروشني بإسناده عن النبيِّ وَّ أَنَّهُ قَالَ في الفَأْرَةِ تَمُوتُ فِي البِثْرِ: ((يُتْزَحُ مِنْهَا عِشْرُونَ))، [وفي رواية: ((ينزح))] (٣) ثَلاثُونَ دَلْوا)(٤). وأما الأثر: فما روي عن علي - رضي الله عنه - أنه قال: ((ينزح عشرون))، وفي رواية: (ثلاثون))، وعن أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - أنه قال في دجاجة ماتت في البئر: ينزح منها أربعون دلواً . وعن ابن عباس وابن الزبير - رضي الله عنهما - أنهما أمرا بنزح جميع ماء زمزم [حين مات(٥) فيها زنجي](٦) وكان بمحضر من الصحابة - رضي الله عنهم (٧) - ولم ينكر عليهما أحد؛ فانعقد الإجماع عليه . وأما الفقه الخفي فهو أن في هذه الأشياء دماً مسفوحاً، وقد تشرب في أجزائها عند الموت، فنجسها، وقد جاورت هذه الأشياء الماء، والماء [يتنجس] (٨) أو يفسد بمجاورة (١) سقط في ب. (٢) سقط في ب. (٣) ما بين المعكوفين في ب: أو. (٤) قال الزيلعي في نصب الراية (١٢٨/١)، بعد ذكره لرواية المصنّف، وروي عن أبي سعيد الخدري أنه قال في الدجاجة إذا ماتت في البئر ينزح منها أربعون دلواً، قلت: قال شيخنا علاء الدين: رواهما الطحاوي من طرق، وهذان الأثران لم أجدهما في ((شرح الآثار - للطحاوي))، ولكنه أخرج عن حجاج ثنا حماد بن سلمة عن حماد بن أبي سليمان أنه قال في دجاجة وقعت في البئر فماتت: قال ينزح منها قدر أربعين دلواً أو خمسين، انتهى. والشيخ لم يقّد غيره في ذلك. (٥) أخرجه الدار قطني (٣٣/١) كتاب الطهارة: باب البئر إذا وقع فيها حيوان حديث. (٦) في ب: بموت الزنجي فيه. (٧) للسقط في ب. (٨) في ب: ينجّس. ٤١٩ كتاب الطهارة النجس؛ لأن الأصل أن ما جاور النجس نجس بالشرع، قال وَ ﴿ في الفأرة تموت في السّمْنِ الجامِدِ: ((يُقَوَّرُ مَا حَوْلَهَا وَيُلْقَى وَيُؤْكَلُ الْبَاقِي))، فقد حكم النبي ◌َّ بنجاسة جار النجس، وفي الفأرة ونحوها ما يجاورها من الماء مقدار ما قدره أصحابنا وهو عشرون دلواً أو ثلاثون؛ لصغر جثتها، فحكم بنجاسة هذا القدر من الماء؛ لأن ما وراء هذا القدر لم يجاور الفأرة، بل جاور ما جاور الفأرة، والشرع ورد بتنجيس جار النجس، لا بتنجيس جار جار النجس. ألا ترى أن النبي ◌َّ - حكم بطهارة ما جاور السمن الذي جاور الفأرة، وحكم بنجاسة ما جاور الفأرة؛ وهذا لأن جار جار النجس لو حكم بنجاسته ــ لحكم أيضاً بنجاسة ما جاور جار جار النجس، ثم هكذا إلى ما لا نهاية له، فيؤدي إلى أن قطرة من بول أو فأرة لو وقعت في بحر عظيم - [أن يتنجس](١) جميع مائة للاتصال بين أجزائه؛ وذلك فاسد. وفي الدجاجة والسنور وأشباه ذلك - المجاورة أكثر، لزيادة ضخامة في جثتها، فقدر بنجاسة ذلك القدر، والآدمي وما كانت جثته مثل جثته كالشاة ونحوها يجاور جميع الماء في العادة لعظم جثته؛ فيوجب تنجيس جميع الماء، وكذا إذا تفسخ شيء من هذه الواقعات أو انتفخ؛ لأن عند ذلك تخرج البلة منها رخاوة فيها، فتجاور جميع أجزاء الماء . وقيل: ذلك لا يجاور إلا قدر ما ذكرنا لصلابة فيها؛ ولهذا قال محمد: إذا وقع في البئر ذنب فأرة ينزح جميع الماء؛ لأن موضع القطع لا ينفك عن بلة، فيجاور أجزاء الماء فيفسدها. هذا إذا كان(٢) الواقع واحداً؛ فإن كان أكثر - روي عن أبي يوسف أنه قال في الفأرة ونحوها: ينزح عشرون إلى الأربع، فإذا بلغت خمساً ينزح أربعون إلى التسع. فإذا بلغت عشراً ينزح ماء البئر کله. وروي عن محمد أنه قال في الفأرتين: ينزح عشرون، وفي الثلاث: أربعون، وإذا كانت الفأرتان كهيئة الدجاج: ينزح أربعون، هذا إذا كان الواقع في البئر حيواناً، فإن كان(٣) غيره من الأنجاس - فلا يخلو إما أن يكون مستجسداً أو غير مستجسد، فإن كان غير مستجسد كالبول والدم والخمر - ينزح ماء البئر كله؛ لأن النجاسة خلصت إلى جميع الماء، وإن كان مستجسداً، فإن كان رخواً متخلخل الأجزاء كالعذرة خرء الدجاج ونحوهما - ينزح ماء البئر كله، قليلاً كان أو كثيراً، رطباً كان أو يابساً؛ لأنه لرخاوته يتفتت عند ملاقاة الماء، فتختلط أجزاؤه بأجزاء الماء فيفسده، وإن كان صلباً نحو بعر الإبل والغنم - ذكر في الأصل أن القياس أن ينجس الماء، قل الواقع فيه أو كثر. (١) في ب: لتنجّس. (٢) في هامش ب: إذا وقع في البئر أكثر من واحد. (٣) في هامش ب: إذا وقع في البئر غير الحيوان. ٤٢٠ كتاب الطهارة وفي الاستحسان: إن كان قليلاً لا ينجس، وإن كان كان كثيراً ينجس، ولم يفصل بين الرطب واليابس، والصحيح والمنكسر. واختلف المشايخ، قال بعضهم: إن كان رطباً ينجس، قليلاً كان أو كثيراً، وإن كان يابساً فإن كان منكسراً ينجس، قل أو كثر، وإن لم يكن منكسراً لا ينجس ما لم يكن كثيراً، وتكلموا في الكثير: قال بعضهم: أن يغطي جميع وجه الماء، وقال بعضهم: ربع وجه الماء. وقال بعضهم: [الثلث] (١) كثير؛ لأنه ذكر في ((الجامع الصغير)) [في] (٢) بعرة أو بعرتين وقعتا في الماء: لا يفسد [الماء](٣)، ولم يذكر الثلاث، فدل على أن الثلاث كثير. وعن محمد بن سلمة: إن كان لا يسلم كل دلو عن بعرة أو بعرتين فهو كثير، وقال بعضهم: الكثير ما استكثره الناظر، وهو الصحيح. وروي عن الحسن بن زياد أنه قال: إن كان يابساً لا ينجس، صحيحاً كان أو منكسراً، قليلاً كان أو كثيراً، وإن كان رطباً وهو قليل - لا يمنع للضرورة، وعن أبي يوسف في الروث ٣٧ب اليابس إذا وقع في / البئر، ثم أخرج من ساعته - لا ينجس والأصل(٤) في هذا أن للمشايخ في القليل من البعر اليابس الصحيح - طريقين : . إحداهما: أن اليابس صلابة؛ فلا يختلط شيء من أجزائه بأجزاء الماء، فهذا يقتضي أن الرطب ينجس باختلاط رطوبته بأجزاء الماء، وكذلك ذكر في ((النوادر))، والحاكم في ((الإشارات))، وكذا اليابس المنكسر لما قلنا، وكذا الروث؛ لأنه شيء رخو يداخله الماء، لتخلخل أجزائه، فتختلط أجزاؤه بأجزاء الماء، ويقتضي أيضاً أن الكثير من اليابس الصحيح لا ينجس. وكذلك قال الحسن بن زياد، والصحيح أن الكثير ينجس؛ لأنه إذا كثرت تقع المماسة بينهما، فيصطك البعض بالبعض، فتتفتت أجزاؤها، فتنجس. والطريقة الثانية: إن آبار الفلوات(٥) لا حاجز لها على رؤوسها، ويأتيها الأنعام فتسقي، فتبعر، فإذا يبست الأبعار عملت فيها الريح فألقتها في البئر، فلو حكم بفساد المياه - لضاق (١) في ط: الثلاث. (٢) سقط في ب. (٣) سقط في ب. (٤) في هامش ب: القليل اليابس إذا وقع في البئر. (٥) الأرض الواسعة المقفرّة. ينظر المعجم الوسيط (٢/ ٧٠٢).