Indexed OCR Text

Pages 181-200

وقف ٧٩
والأصح عند الحنفية أن العقد يُفسخ ويعقد
ثانية بالزيادة أي أنه يجدد العقد للمستأجر الأول
بالأجرة الزائدة، جاء في الدر المختار نقلاً عن
الأشباه: لو زاد أجر مثله في نفسه بلا زيادة أحد
فللمتولي فسخ الإجارة وبه يفتى، وما لم يفسخ
فله المسمى، قال ابن عابدين: والظاهر أن قبول
المستأجر الزيادة يكفي عن تجديد العقد.
وقد وضع الحنفية عدة قيود على القول الأصح
هذا هي كما ذكرها ابن عابدين:
أ- أنه ليس المراد بالزيادة ما يشمل زيادة
تعنت أي إضرار من واحد أو اثنين فإنها غير
مقبولة، بل المراد أن تزيد في نفسها عند الكل -
أي كل الناس - كما صرح به الإسبيجابي(١).
ب- أن الزیادة یجب أن تكون من نفس الوقف
أي بسبب زيادة أجرة الأرض في نفسها، لا
بسبب عمارة المستأجر بماله لنفسه كما في
الأرض المحتكرة لأجل العمارة، قال ابن
عابدين: مستأجر أرض الوقف إذا بنى فيها
ثم زادت أجرة المثل فإن كانت الزيادة بسبب
العمارة والبناء فلا تلزم الزيادة، لأنها أجرة
عمارته وبنائه، وإن كانت الزيادة بسبب زيادة
والإسعاف ص٦٥، وحاشية الدسوقي ٩٥/٤،
=
ومغني المحتاج ٣٩٥/٢، ومطالب أولي النهى ٤/
٣٤٠، وكشاف القناع ٢٦٩/٤.
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٩٨/٣-٣٩٩.
أجرة الأرض في نفسها فإن الزيادة تلزم
المستأجر (١).
ج- أن العقد لا ينفسخ بمجرد الزيادة، بل
يفسخه المتولي كما حرره في أنفع الوسائل
وقال: فإن امتنع يفسخه القاضي.
د- أنه قبل الفسخ لا يجب إلا المسمى، وإنما
تجب الزيادة بعده.
ثم إذا قبل المستأجر الأول الزيادة كان أولى
من غيره، وإن لم يقبل الزيادة وكانت الأرض
خالية من الزراعة آجرها المتولي من الثاني، أما
إذا كانت الأرض مشغولة بالزراعة فإن الزيادة
تجب على المستأجر الأول من وقتها - أي وقت
الزيادة- إلى أن يُستحصد الزرع، لأن شغلها
بملكه يمنع من صحة إيجارها لغيره، فإذا
استحصد فسخ وأجر من غيره، وكذا لو
كان بنى في الأرض أو غرس لكن هذا
يبقى إلى انتهاء العقد لأنه لا نهاية معلومة
للبناء والغراس بخلاف الزرع، فإذا انتهى
العقد ولم يقبل الزيادة أُمر برفع البناء
والغراس وتؤجر لغيره.
وقد نبه ابن عابدين على أن أولوية المستأجر
إنما هو فيما إذا زادت أجرة المثل في أثناء مدة
العقد قبل فراغ الأجرة وقد قبل الزيادة، أما إذا
انتهت مدة العقد فليس بأولى من غيره، بل لناظر
(١) حاشية ابن عابدين ٣٩١/٣.
-١٨١-

وقف ٨٠
الوقف أن يؤجرها ممن أراد وإن قبل المستأجر
الأول الزيادة، لزوال علة الأحقية وهي بقاء مدة
إجارته، إلا إذا كان له فيها حق القرار بالبناء
والغراس فهو أحق من غيره ولو بعد تمام المدة
إذا قبل الزيادة دفعاً للضرر عنه مع عدم الضرر
على الوقف(١).
ومقابل الأصح عند الشافعية أن العقد ينفسخ
إذا كان للزيادة وقع والطالب ثقة لتبين وقوعه
على خلاف الغبطة (٢)
انتهاء إجارة الوقف:
إجارة الموقوف تنتهي إما بانقضاء المدة أو
الموت.
وبيان ذلك فيما يلي:
أولاً: انتهاء إجارة الوقف بالموت:
٨٠- الأصل عند جمهور الفقهاء- المالكية
والشافعية والحنابلة- أن الإجارة لا تنفسخ
بموت العاقدين أو أحدهما، بل تبقى إلى
انقضاء مدة الإجارة، لأنه عقد لازم فلا
تنفسخ بالموت، ويخلف المستأجر وارثه
في استيفاء المنفعة.
(١) حاشية ابن عابدين ٣٩٩/٣.
(٢) مغني المحتاج ٣٩٥/٢.
وعند الحنفية تنفسخ الإجارة بموت العاقدين
أو أحدهما إذا كان قد عقدها لنفسه (١).
ويتفق الفقهاء على أن إجارة الموقوف لا
تنفسخ بموت ناظر الوقف قبل مضي مدة
الإجارة، إذا كان الناظر الذي آجر هو
الواقف أو الحاكم أو نائبه، أو كان الناظر
المشروط له النظر من الواقف أجنبياً بأن كان
الوقف على غيره، لأنه كالوكيل عن الموقوف
عليهم والعقود لا تنفسخ بموت الوكيل(٢).
أما إذا كان الذي آجر الموقوف هو الموقوف
عليه أو أحدهم فللفقهاء في ذلك تفصيل بيانه ما
يلي :
قال الحنفية: لو آجر مستحق الوقف بأقل من
أجرة المثل فإن الإجارة تفسخ وهذا إذا كان بغين
فاحش ولا ضرورة للإجارة بالأقل(٣).
وفي الخانية: وقف على أرباب وأحدهم
متول فأجره من رجل ثم مات هذا المتولي لا
تبطل الإجارة، لأن الإجارة للموقوف فلا تبطل
(١) الاختيار ٢/ ٦١، والبدائع ٢٢٢/٤، وأسهل المدارك
٣٣٠/٢، ٣٣١، ومغني المحتاج ٣٥٦/٢، وشرح
منتهى الإرادات ٣٧٣/٢.
(٢) الاختيار ٦١/٢ و٤٧/٣، وحاشية ابن عابدين
٣٩٨/٣، ومنح الجليل ٧٩٧/٣، ومغني المحتاج
٣٥٦/٢، وشرح منتهى الإرادات ٣٦٢/٢، ٣٦٣.
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٩٨/٣.
-١٨٢-

وقف ٨١
بموت العاقد، كما لا تبطل بموت الوكيل في
الإجارة (١).
وقال المالكية: إذا أكرى المستحق لوقف
سنين، ومات قبل انقضاء المدة، فإن الإجارة
تنفسخ لانقطاع حقه من الوقف بمجرد موته
وانتقال الحق لمن يليه في ترتيب الوقف، على
الأصح من الخلاف عند ابن رشد وغيره.
ومقابل الأصح: إذا أكرى المستحق الوقف
مدة يجوز له کراؤه فيها ، ومات قبل انقضاء المدة
فإن کراءه لا ینفسخ(٢).
وقال الشافعية: لو كان الناظر هو المستحق
للوقف وآجر بدون أجرة المثل، فإذا مات في
أثناء المدة انفسخت الإجارة كما قاله ابن
الرفعة، ولو آجر البطن الأول من الموقوف
عليهم العين الموقوفة مدة ومات البطن المؤجر
قبل تمام المدة، و کان الواقف قد شرط لکل بطن
منهم النظر في حصته مدة استحقاقه فقط،
فالأصح أن الإجارة تنفسخ فيما بقي من المدة.
لأن الوقف انتقل استحقاقه بموت المؤجر
لغيره، ولا ولاية له عليه ولا نيابة، ومقابل
الأصح لا تنفسخ الأجارةکالملك، ولو أجر أحد
الموقوف عليهم المشروط له النظر بالأرشدية ثم
(١) الفتاوى الخانية ٣٣٤/٣.
(٢) منح الجليل ٧٩٧/٣، وحاشية الدسوقي ٣٣/٤،
والشرح الصغير ٣١٨/٥.
مات انفسخت الإجارة في نصيبه خاصة، كما
اشار إليه الأذرعي واعتمده الغزي في
الفتوى(١).
وقال الحنابلة: إن آجر الناظر المستحق
للوقف، وكان الواقف قد وقفه عليه وشرط
له النظر ثم مات، لم تنفسخ الإجارة بموته، لأنه
أجر بطريق الولاية أشبه الأجنبي، وإن أجر
المستحق لكونه أحق بالنظر مع عدم الشرط، أو
لكون الوقف عليه لم تنفسخ الإجارة في وجه،
كما لو أجر وليّ مال موليه أو ناظر أجنبي ثم زالت
ولايته. قال القاضي في المجرد: هذا قياس
المذهب، وهو أشهر وعليه العمل.
وقال في التنقيح: وإن مات المؤجر انفسخت
إن كان المؤجر الموقوف علیه أصل الاستحقاق.
وقيل: لا تنفسخ كملكه وهو أشهر وعليه
العمل(٢).
٨١- وما سبق من أقوال الفقهاء إنما هو
بالنسبة للمؤجر، أما المستأجر إذا مات فإن
الإجارة لا تنفسخ عند جمهور الفقهاء، بناء على
أصلهم في عدم فسخ الإجارة بموت العاقدين أو
أحدهما .
(١) مغني المحتاج ٣٥٦/٢، ونهاية المحتاج ٣١٤/٥،
٣١٥.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٣٦٢/٢، والمغني ٤٦٩/٥.
-٠١٨٣

وقف ٨٢-٨٣
أما عند الحنفية فإن إجارة الموقوف تنفسخ
بموت المستأجر، لأنه عاقد لنفسه بناء على
أصلهم في أن الإجارة تنفسخ بموت العاقدين أو
أحدهما إذا كان قد عقدها لنفسه، أما إذا كان
المستأجر جماعة فلا تبطل بموت بعضهم قبل
تمام المدة، وتصرف حصة الميت إلى ورثته(١).
ثانياً:
إجارة الموقوف بانتهاء
انتهاء
المدة :
٨٢- إذا انتهت المدة المعينة في عقد إجارة
الموقوف انفسخ العقد، لأن الثابت إلى غاية
ينتهي عند وجود الغاية، إلا إذا وجد عذر يقتضي
بقاء الإجارة بعد انتهاء مدتها.
فلو انتهت مدة الإجارة وللمستأجر في
الأرض ملك له نهاية معلومة - كزرع لم
يبلغ حصاده- فإن الأرض تبقى في يد
المستأجر بأجر المثل إلى أن يحصد
الزرع، لأنه بهذا يندفع الضرر عن
المستأجر من غير إضرار بالوقف ما دام
يستحق له أجر المثل، وهذا في الجملة (٢).
(١) الفتاوى الخانية ٣٣٥/٣، وأسهل المدارك ٣٣٠/٢،
٣٣١.
(٢) الاختيار ٥٢/٢، وبدائع الصنائع ٢٢٣/٤،
والمهذب ٤١٠/١-٤١١، وشرح المنتهى ٣٨١/٢-
٣٨٢، والمغني ٤٨٨/٥-٤٩٠، وجواهر الإكليل
١٩٦/٢، ومنح الجليل ٨١٨/٣.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (إجارة
ف٦٠).
البناء والغراس في الأرض الموقوفة:
٨٣- ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز البناء
والغراس في أرض الوقف، سواء كان الباني
أو الغارس هو الواقف أو الموقوف عليه أو
المستأجر الأرض الوقف أو كان أجنبياً ما
دام البناء أو الغراس مفيداً للوقف، لكنهم
يختلفون في ملكية هذا البناء أو الغراس
هل تكون للباني، أو الغارس فيكون له حق
نقضه وقلعه؟ أم تكون وقفاً كالأرض؟ وهم يبنون
ذلك على أمور کنية الباني أو إشهاده عليه وغير
ذلك، ولكل مذهب تفصيل في ذلك بيانه فيما
يلي:
قال الحنفية: يجوز لمستأجر أرض الوقف
غرس الأشجار والكروم فيها إذا لم يضر بالأرض
بدون صريح الإذن من المتولي دون حفر
الحياض، وإنما يحل للمتولي الإذن فيما
يزيد به الوقف خيراً، وهذا إذا لم يكن
للمستأجر في الأرض الموقوفة حق قرار
العمارة فيها، أما إذا كان له حق القرار
فيجوز له الحفر والغرس والحائط من
ترابها لوجود الإذن في مثلها دلالة، قال
ابن عابدين: ومحله عند عدم الضرر بالأرض.
وما بناه المستأجر أو غرسه وكان من ماله بلا
-١٨٤-

وقف ٨٣
إذن الناظر فهو له ما لم ینو أنه للوقف، وإن كان
الباني هو متولي الوقف فإن کان بمال الوقف فهو
وقف، سواء بناه للوقف أو لنفسه أو أطلق، وإن
کان البناء من ماله للوقف أو أطلق فهو وقف إلا
إذا كان الباني هو الواقف وأطلق فهو له، وإن بناه
المتولي من ماله لنفسه وأشهد أنه له قبل البناء
فهو له، وإن لم يكن الباني متوليا فإن بنى بإذن
المتولي ليرجع فهو وقف، وإلا فإن بنى للوقف
فوقف، وإن بنى لنفسه أو أطلق له رفعه إن لم يضر
بالأرض، ولو غرس في المسجد يكون
للمسجد، لأنه لا يغرس فيه لنفسه (١).
وقال المالكية: إن كان الباني أو الغارس في
أرض الوقف من الموقوف عليهم ولو بالوصف
كالإمام والمدرس وبيّن أن هذا البناء أو الغراس
مملوك له فإنه يكون له، ويستحقه وارثه بالفريضة
الشرعية إن مات، وإن بیّن أنه وقف أو مات ولم
یبین فھو وقف فلا یورث عنه قلّ أو کثر، ولو کان
الباني أو الغارس أجنبياً فإن بيّن أنه وقف كان
وقفاً، وإن بيّن أنه ملكه أو مات ولم يبيّن فهو ملك
له ولوارثه، وله نقضه أو قیمته منقوضاً، وهذا إذا
کان الوقف لا یحتاج له، وإن كان الوقف يحتاج
لهذا البناء فیونی له من غلته، وذلك كما لو بنی
الناظر أو أصلح فإنه یوفى له جميع ما صرفه في
(١) حاشية ابن عابدين ٤٢٨/٢-٤٢٩، والإسعاف
ص٢٢.
البناء ويجعل البناء وقفاً (١).
وقال الشافعية: لو وقف أرضاً غير مغروسة
على معين، امتنع عليه غرسها وينتفع بها فيما
تصلح له غير مغروسة، إلا إن نص الواقف عليه
أو شرط له جميع الانتفاعات كما رجحه
السبكي، ومثل الغرس البناء. فلو وقف
أرضاً خالية من البناء لا يجوز بناؤها ما لم
يشترط له جمیع الانتفاعات، وضابطه أنه يمتنع
كل ما غيّر الوقف بالكلية عن اسمه الذي كان عليه
حال الوقف، بخلاف ما يبقى الاسم معه، نعم إن
تعذر المشروط جاز إبداله(٢).
وقال الحنابلة: لو غرس أو بنى ناظر فيما هو
موقوف عليه وحده فالغرس أو البناء لغارسه أو
بانيه، وهو ملك محترم له، فليس لأحد طلبه
بقلعه لملكه له ولأصله، وإن كان الغارس أو
الباني شريكاً في الوقف بأن كان الوقف على
جماعة فغرس فيه أحدهم أو بنى فالغرس والبناء
له غير محترم، وكذلك لو كان الغارس أو الباني
ناظراً فقط أي غیر موقوف علیه فغرسه وبناؤه له
غیر محترم، بمعنى أنه ليس له إبقاؤه بغير رضا
أهل الوقف.
ویتوجه إن غرس أو بنی موقوف علیه أو ناظر
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٩٦.
-
(٢) نهاية المحتاج مع حاشية الشبراملسي ٣٨٦/٥،
٣٨٧.
-١٨٥-

وقف ٨٤
في وقف أنه له إن أشهد أن غرسه وبناءه له، وإن
لم يشهد بذلك فهما للوقف لثبوت يد الوقف
عليهما، ولو غرسه أو بناء للوقف أو من مال
الوقف فهو وقف، ويتوجه في غرس أجنبي وبنائه
أنه للوقف بنيته، والتوجيهان لصاحب الفروع،
وقال الشيخ تقي الدين: يد الوقف ثابتة على
المتصل به ما لم تأت حجة تدفع موجبها،
كمعرفة كون الغارس غرسها له بحكم
إجارة أو إعارة أو غصب ويد المستأجر
على المنفعة، فليس له دعوى البناء بلا
حجة، ويد أهل عرصة مشتركة ثابتة على ما
فيها بحكم الاشتراك إلا مع بينة باختصاصه ببناء
ونحوه(١).
قسمة الموقوف بين الموقوف عليهم:
٨٤- ذهب الفقهاء إلى أنه يتبع شرط الواقف
في قسمة غلة الموقوف على الموقوف عليهم من
تسوية أو تفضيل بينهم أو تقديم أحد على أحد
وهكذا(٢).
وهذا بالنسبة للأوقاف التي لها غلة وشرط
الواقف كيفية التصرف فيها، وقد تم تفصيل ذلك
وبيان أقوال الفقهاء فيه في الشروط الصحيحة
للواقفین.
(١) شرح منتهى الإرادات ٥٠٦/٢.
(٢) المهذب ١/ ٤٥٠، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٥٠١-
٥٠٢، والإسعاف ص١٢٦، والشرح الكبير ٨٨/٤-
٨٩.
أما إذا كان الموقوف داراً للسكنى مثلاً أو
أرضاً موقوفة للزراعة، وكانت الدار أو الأرض
لا تستوعب الموقوف علیھم، فقد ذهب جمهور
الفقهاء- الحنفية والمالكية والشافعية- إلى أن
قسمة أعيان الوقف بين المستحقين لا تجوز،
لأن الموقوف عليه لا ملك له في العين الموقوفة
عند هؤلاء الفقهاء، إنما حقه في منفعة
الموقوف، فإذا جازت القسمة على
الموقوف عليهم فإنما تجوز في المنافع.
أما عند الحنابلة فالمشهور عندهم أن الملك
في الموقوف يكون للموقوف عليه. وفيما يلي
تفصيل أقوال الفقهاء في ذلك.
قال الحنفية: إذا قضى قاض بجواز وقف
المشاع ونفذ قضاؤه وصار متفقاً عليه كسائر
المختلفات، فإن طلب بعضهم القسمة فعند أبي
حنيفة لا يقسم ولكن يتهايئون.
ونقل ابن عابدين عن فتاوى ابن الشلبي أن
القسمة بطريق التهايؤ التناوبُ في العين
الموقوفة، كما إذا كان الموقوف أرضاً مثلاً
بين جماعة فتراضوا على أن كل واحد منهم يأخذ
من الأرض الموقوفة قطعة معينة يزرعها لنفسه
هذه السنة، ثم في السنة الأخرى يأخذ كل منهم
قطعة غيرها فذلك سائغ، ولكنه ليس بلازم فلهم
إبطاله، وليس ذلك في الحقيقة بقسمة، إذ
القسمة الحقيقية أن يختص ببعض من العين
الموقوفة على الدوام.
-١٨٦-

وقف ٨٤
ثم قال ابن عابدين: ولا يجوز استدامة
التهايؤ لأن ذلك يؤدي في طول الزمان إلى
دعوى الملكية أو دعوى كل منهم أن ما في يده
موقوف علیه بعينه.
وبين ابن عابدين أن قسمة العين الموقوفة
قسمة ملك على المستحقین لا تجوز، لأن حقهم
ليس في العين، وهذا هو المذهب(١).
وقد اختلف المالكية في جواز قسمة الوقف
قسمة مهايأة، فقد جاء في حاشية الدسوقي على
الشرح الكبير: أما الحبس (أي الوقف) فاعلم
أنه لا يجوز قَسْم رِقابه اتفاقاً، وأما قسمته
للاغتلال بأن يأخذ هذا کراءه شهراً مثلاً والآخر
كذلك فقيل: يقسم ويجبر من أَبَى لمن طلب،
وينفذ بينهم إلى أن يحصل ما يوجب تغيير القسمة
بزيادة أو نقص يوجب التغيير.
وقيل: لا يقسم بحال وهو ما يفيده كلام الإمام
مالك في المدونة.
وقيل: يقسم قسمة اغتلال بتراضيهم، فإن
أبى أحدهم القسمة لا يجبر عليها، واستظهر
الحطابُ القول الثالث.
وسواء على ما استظهره قسم قسمة اغتلال أو
قسمة انتفاع بأن ينتفع كل واحد بالسكنى بنفسه
أو بالزراعة بنفسه مدة، وإن كانت الأقوال
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣٦٧/٣-
٣٦٩، وفتح القدير ٦/ ٢١٢، والبحر الرائق ٢٢٤/٥.
الثلاثة إنما هي في قسمة الاغتلال(١).
وذهب الشافعية إلى أن قسمة الوقف بين
أربابه ممتنعة مطلقاً، لأن فيه تغييراً لشرط
الواقف، ولا مانع من مهايأة رضوا بها
كلهم، إذ لا تغيير فيها لعدم لزومها(٢).
والمعروف عند الحنابلة أن الملك في
الموقوف إنما هو للموقوف عليه، ولذلك
أجازوا قسمة عين الموقوف على الموقوف
عليهم إلا أنهم اختلفوا في جواز ذلك إذا
كان الوقف على جهة واحدة.
فقد جاء في شرح منتهى الإرادات: يصح قسم
موقوف ولو كان موقوفاً على جهة واحدة واختاره
صاحب الفروع، قال عن شيخه تقي الدين:
صرح الأصحاب بأن الوقف إنما تجوز قسمته إذا
كان على جهتين، فأما الوقف على جهة واحدة
فلا تقسم عينه قسمة لازمة اتفاقاً، لتعلق حق
الطبقة الثانية والثالثة، لكن تجوز المهاياة بلا
مناقلة، ثم قال: والظاهر أن ما ذكره شيخنا عن
الأصحاب وجه، يعني كغيره من الوجوه
المحكية، قال: وظاهر كلام الأصحاب أنه
لا فرق بين كون الوقف على جهة أو
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤٩٩/٣، ومنح
الجليل ٦٢٣/٣.
(٢) تحفة المحتاج ٣٠٦/٤، ومغني المحتاج ٣٩٣/٢.
-١٨٧-

وقف ٨٥
جهتين، وفي المنهج: لزومها إذا اقتسموا
(١)
بأنفسهم(١).
ومعلوم أن قسمة المهايأة التي يقول بها
جمهور الفقهاء إنما تكون إذا كانت على
قوم أو جماعة معينين.
أما إذا كان الوقف على من لا يحاط بهم
کالفقراء فإن الناظر یعطي من الغلة بالاجتهاد.
قال المالكية: يفضل الناظر أهل الحاجة
والعيال الفقراء بالاجتهاد في غلة وسكنى(٢).
التصرفات اللازمة عند تعطل الموقوف:
إذا تعطلت منافع الموقوف فالتصرفات التي
يمكن أن تجرى عليه هي:
أ- عمارة ما يحتاج إلى العمارة إن أمكن.
ب- بيعه والاستبدال به غيره.
ج رجوعه إلى ملك الواقف(٣).
وللفقهاء في هذه التصرفات تفصيل بيانه
كالآتي :
(١) شرح منتهى الإرادات ٥١٣/٣.
(٢) ينظر شرح منتهى الإرادات ٢/ ٥٠١، والشرح الكبير
مع حاشية الدسوقي ٩٦/٤، وفتح القدير ٢٤٥/٦.
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٨٢/٣، ٣٨٣،
وفتح القدير ٢٣٨/٦، وحاشية الدسوقي ٩٠/٤،
والخرشي ٩٤/٧، ومغني المحتاج ٣٩١/٢، ٣٩٣،
وكشاف القناع ٢٩٢/٤-٢٩٤، وشرح منتهى
الإرادات ٥١٤/٢-٥١٦، والمغني ٦٣١/٥-٦٣٢.
أولاً: عمارة الموقوف:
٨٥- الغرض من عمارة الموقوف بقاء عينه
صالحة للانتفاع تحقيقاً للغرض الأصلي من
الوقف.
وتتم عمارة الموقوف بأحد أمرين:
أولهما : تعهده بالحفظ والصيانة وعمل ما
يحقق الانتفاع به على الدوام، حتى ولو كان
صالحاً للانتفاع به الآن وليس به خلل.
يقول ابن عابدين تعليقاً على قول الدر
المختار ((ويبدأ من غلة الوقف بعمارته قبل
الصرف إلى المستحقين)): والعمارة اسم
لما يعمر به المكان، بأن بصرف إلى
الموقوف عليه حتى يبقى إلى ما كان عليه
دون الزيادة إن لم يشترط ذلك، فلو كان
الوقف شجراً يخاف هلاكه كان للناظر أن
يشتري من غلته قصيلاً (زرعاً) فيغرزه، لأن
الشجر يفسد على امتداد الزمان ... وكذا إذا
کانت الأرض سبخة لا ینبت فيها شيء كان له أن
يصلحها، ومن ذلك دفع المرصد (أي الدَّين)
الذي على الموقوف، فإن المرصد دين على
الوقف لضرورة تعمیره، فإذا وجد في الوقف مال
ولو في كل سنة شيء حتى تتخلص رقبة الوقف
ویصیر یؤجر بأجرة مثله لزم الناظر ذلك، وکون
-١٨٨-

وقف ٨٦
التعمير من غلة الوقف إذا لم يكن الخراب بصنع
أحد (١).
ومما يصرف فيه ريع الموقوف على عمارة
المسجد- كما يقول الشافعية - السلم،
والبواري للتظليل بها، والمكانس ليكنس
بها، والمساحى لينقل بها التراب، وظلة
تمنع إفساد خشب الباب بمطر ونحوه إن لم
يضر بالمارة (٢).
ثانيهما: أن تتم العمارة بالنباء والترميم
والتخصيص لما تشقق أو تهدم من الأبنية
الموقوفة.
يقول الخرشي: يبدأ بمرمة الوقف وإصلاحه
لبقاء عينه ودوام منفعته.
ويقول الشربيني: يصرف ربع الموقوف على
عمارة المسجد في البناء والتخصيص المحكم
والسلم والبواري ... إلخ(٣).
أ- تقديم العمارة على غيرها من
المصارف:
٨٦- ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى
أن عمارة الوقف مقدمة على جميع المصارف
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٧٦/٣.
(٢) مغني المحتاج ٣٩٣/٢.
(٣) الخرشي ٩٣/٧ -٩٤، وحاشية الدسوقي ٤/ ٩٠،
ومغني المحتاج ٣٩٣/٣.
الأخرى، سواء شرط الواقف ذلك أو لم يشرط،
لأن قصد الواقف صرف الغلة مؤبداً، ولا تبقى
دائمة إلا بالعمارة، فيثبت شرط العمارة اقتضاء.
بل إن المالكية نصوا على أن الواقف لو شرط
عدم البدءمن غلة الوقف بإصلاحه، أو شرط عدم
البدء بنفقته فيما يحتاج لنفقة فلا يتبع شرطه، لأنه
يؤدي إلى إبطال الوقف من أصله بل يبدأ بمرمته
والنفقة عليه من غلته لتبقى عينه(١).
وذهب الحنابلة إلى أنه يتبع شرط الواقف،
فإن كان الوقف كالعقار ونحوه من سلاح ومتاع
وكتب لم تجب عمارته على أحد إلا بشرط، فإن
شرط الواقف عمارته عمل به مطلقاً، سواء شرط
البداءة بالعمارة أو تأخيرها فيعمل بما شرط،
فإن شرط تقديم الجهة على العمارة عمل به، لكن
قال الحارثي: ما لم يؤد إلى تعطيل الوقف، فإن
أدى إليه قدمت العمارة حفظاً لأصل الوقف، فإن
أطلق الواقف ولم يحدد فإن العمارة تقدم على
أرباب الوظائف، قال في التنقيح: ما لم يفض
إلى تعطيل مصالحه فيجمع بينهما حسب
الإمكان (٢).
وقد فرق الحنفية بين العمارة الضرورية وغير
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٧٦/٣، ٣٧٧،
والبحر الرائق ٢٢٥/٥، والشرح الكبير وحاشية
الدسوقي ٩٠/٤، ومغني المحتاج ٣٩٣/٢، ونهاية
المحتاج ٣٩٣/٥.
(٢) كشاف القناع ٢٦٦/٤، وشرح المنتهى ٢/ ٥٠٧.
-١٨٩-

وقف ٨٦
الضرورية، فإذا كانت العمارة ضرورية واحتيج
إليها كرفع سقف أو بناء جدار فإنها تقدم على
جميع جهات المصارف، إذليس من النظر خراب
المسجد لأجل ما يعطى للإمام والمؤذن، فإن
فضل عن التعمير شيء يعطى ما كان أقرب إليه
مما في قطعه ضرر بين، وإن كانت العمارة غير
ضرورية بحيث لا يؤدي تركها إلى خراب العين
لو أخر العمارة إلى غلة السنة القادمة فيقدم
الأهم فالأهم(١).
وفي البحر عن الخانية: إذا اجتمع من غلة
الأرض في يد القیم، فظهر له وجه من وجوه البر
نحو فك أسارى المسلمين أو إعانة الغازي
المنقطع، وكان الوقف محتاجاً إلى الإصلاح
والعمارة، ويخاف القيم لو صرف الغلة إلى
العمارة یفوت ذلك البر فإنه ينظر : إن لم یکن في
تأخير إصلاح الأرض ومرمته إلى الغلة الثانية
ضرر بين يخاف خراب الوقف فإنه يصرف الغلة
إلى ذلك البر، وتؤخر المرمة إلى الغلة الثانية.
وإن کان في تأخير المرمة ضرر بین فإنه يصرف
الغلة إلى المرمة، فإن فضل شيء يصرف إلى ذلك
البر. قال ابن نجيم: وظاهر هذا أنه يجوز الصرف
إلى المستحقين وتأخير العمارة إلى الغلة الثانية
إذا لم يُخف ضرر بين.
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٧٧/٣-٣٧٩.
ثم قال ابن نجيم: ولو صرف المتولي على
المستحقين، وهناك عمارة لا يجوز تأخيرها فإنه
يكون ضامناً، لأن ما يحتاج إليه الوقف من
العمارة والمؤنة مستثنى عن حق الفقراء، فإذا
دفع إليهم ذلك ضمن(١).
كما نص الحنفية على أنه لو شرط الواقف
تقديم العمارة، ثم يصرف الفاضل للفقراء
والمستحقين، لزم الناظر إمساك قدر
العمارة كل سنة وإن لم يحتجه الآن،
لجواز أن يحدث حدث ولا غلة، بخلاف
ما إذا لم يشترط الواقف ذلك، فيفرق بين
اشتراط تقديم العمارة كل سنة والسكوت
عنه، فإنه مع السكوت تقدم العمارة عند
الحاجة إليها ولا يدخر لها عند عدم
الحاجة إليها، ومع الاشتراط تقدم العمارة
عند الحاجة ويدخر لها عند عدمها ثم يفرق
الباقي، لأن الواقف إنما جعل الفاضل عنها
للفقراء(٢).
كما نص الحنفية على أن ما انهدم من بناء
الوقف وآلته صرفه الحاكم في العمارة، فإن کان
التهيؤ للعمارة ثابتاً في الحال صرفه إليها ، وإلا
حفظه حتى يتهيأ ذلك وتتحقق الحاجة.
(١) البحر الرائق ٢٢٥/٥.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٨٩/٣.
-١٩٠-

وقف ٨٧
وقريب من هذا ما ذكره الشافعية، فقد جاء في
مغني المحتاج: يدخر من زائد غلة المسجد على
ما يحتاج إليه مما يعمره بتقدير هدمه، ويشتري له
بالباقي عقاراً ويقفه، لأنه أحفظ له لا بشيء من
الموقوف على عمارته لأن الواقف وقف
عليها(١).
ب- الجهة التي ينفق منها على الموقوف
وعمارته:
٨٧- اختلف الفقهاء فى الجهة التي ينفق منها
على الموقوف وعمارته، فذهب الحنفية
والمالكية إلى أن الجهة التي ينفق منها
على الموقوف وعمارته، وإصلاح ما وهى
من بنائه وسائر مؤناته التي لابد منها تكون
من غلة الوقف، سواء شرط الواقف ذلك أو لم
يشرط، لأن الوقف صدقة جارية في سبيل الله
تعالى ولا تجري إلا بهذا الطريق(٢).
وقال المالكية: لو شرط الواقف غير ذلك
بطل شرطه(٣).
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٨٢/٣، والهداية
مع الفتح ٦/ ٢٢٤، ونهاية المحتاج ٣٩٣/٥، ومغني
المحتاج ٣٩٢/٢-٣٩٣.
(٢) البدائع ٢٢١/٦، والدر المختار وحاشية ابن عابدين
٣٨٠/٣، وحاشية الدسوقي ٤ / ٩٠.
(٣) الخرشي ٧/ ٩٤.
وقال الحنفية: لو وقف داره علی سکنی ولده
فالعمارة على من له السكنى، ولو متعدداً من ماله
لا من الغلة، إذ الغرم بالغنم، ولأن المنفعة له
فكانت المؤنة عليه، فإن امتنع من العمارة أو لم
يقدر عليها لفقره آجرها القاضي منه أو من غيره
وعمرها بالأجرة كعمارة الواقف، ولا يجبر
الآبي على العمارة، وهذا ما ذهب إليه المالكية
أيضاً(١).
وقال المالكية: الفرس الموقوف للغزو ينفق
عليه من بيت المال، ولا تلزم نفقته الواقف ولا
الموقوف علیه، فإن عدم بیت المال بيع وعوض
بثمنه سلاح ونحوه مما لا يحتاج لنفقة(٢).
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه يتبع شرط
الواقف.
فقد نص الشافعية على أن نفقة الموقوف
ومؤنة تجهيزه وعمارته من حیث شرطت، سواء
شرطها الواقف من ماله أو من مال الوقف، وإلا
فمن منافع الموقوف ککسب العبد وغلة العقار،
فإذا تعطلت منافعه فالنفقة ومؤن التجهيز لا
العمارة تکون من بیت المال، کمن أعتق من لا
کسب له، أما العمارة فلا تجب على أحد حينئذ
(١) البدائع ٢٢١/٦، والدر المختار وحاشية ابن عابدين
٣٨٠/٣، وحاشية الدسوقي ٤/ ٩٠.
(٢) جواهر الإكليل ٢٠٩/٢، وأسهل المدارك ١٠٩/٣،
والخرشي ٧ / ٩٤.
-١٩١-

وقف ٨٨-٨٩
كالملك المطلق، بخلاف الحيوان لصيانة روحه
وحرمته (١)
وبمثل ذلك قال الحنابلة، فقد جاء في كشاف
القناع: يرجع إلى شرط الواقف في الإنفاق على
الموقوف إذا كان حيواناً أو غيره وخرب، بأن
يقول: ینفق علیه أو یعمر من جهة کذا، فإن عین
الواقف الإنفاق علیه من غلته أو من غيرها عمل
به، فإن لم یعینه و کان الموقوف ذا روح کالرقيق
والخیل فإنه ينفق علیه من غلته، فإن لم یکن له
غلة فنفقته على الموقوف عليه المعين، فإن تعذر
الإنفاق عليه لعجزه بيع وصرف ثمنه في عين
أخرى تكون وقفا، وإن أمكن إجارته أجر بقدر
نفقته، وكذا لو احتاج خان مسبل إلى مرمة أُوْجِرَ
منه بقدر ذلك.
وإن كان الوقف على غير معين كالمساكين
فنفقته في بيت المال.
وإن كان الوقف عقاراً ونحوه كسلاح ومتاع لم
تجب عمارته على أحد إلا بشرط الواقف(٢).
جـ- حكم التعدي على عمارة الوقف:
٨٨- ذهب الفقهاء إلى أن من تعدى على
الوقف بهدم أو غيره فإنه يضمن، فقد نقل ابن
(١) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٣٩٧/٥،
وأسنى المطالب ٤٧٣/٢.
(٢) كشاف القناع ٢٦٥/٤ -٢٦٦.
عابدين عن البحر أن كون التعمير من غلة الوقف
إذا لم يكن الخراب بصنع أحد، ولذا قال في
الولوالجية: رجل آجر دار الوقف، فجعل
المستأجر رواقها مربطاً للدواب وخربها
يضمن، لأنه فعل بغير إذن(١).
وقال المالكية: ومن هدم وقفاً تعدياً فعليه
إعادته على ما كان عليه ولو كان ذلك المهدوم
بالياً، لأن الهادم ظالم بتعديه والظالم أحق
بالحمل عليه، ولا تؤخذ قيمة المهدوم، وذلك
كما قال ابن الحاجب وابن شاس. والراجح: أن
عليه قيمته كسائر المتلفات وهو الذي ارتضاه ابن
عرفة وشهره عياض، وهو ظاهر المدونة (٢).
وإلى مثل ذلك- أي الضمان بالتعدي - ذهب
الشافعية فقد جاء في مغني المحتاج: الكتب
الموقوفة على طلب العلم لا ضمان على من تلف
في يده شيء منها بلا تعد وإن تعدی ضمن. ومن
التعدي استعماله في غير ما وقف له (٣).
د- الاستدانة لمصلحة الوقف:
٨٩- إذا كان الموقوف في حاجة إلى تعمير
وإصلاح، أو كان في حاجة إلى نفقة ولم يوجد
من الربع ما يكفي لسد حاجة التعمير والإصلاح،
(١) حاشية ابن عابدين ٣٫٧٦/٣.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤/ ٩٢.
(٣) مغني المحتاج ٣٩١/٢.
-١٩٢-

وقف ٨٩
فهل يجوز لناظر الوقف الاستدانة على الوقف
لهذا السبب؟ وهل يحتاج في ذلك إلى إذن أو لا
يحتاج؟
اختلف الفقهاء في ذلك:
فذهب المالكية والحنابلة والحنفية في قول
إلى أنه يجوز للناظر أن يقترض لمصلحة الوقف
من غیر إذن الحاكم، کشرائه للوقف نسيئة أو بنقد
لم يعينه كسائر تصرفاته، لأن الناظر مؤتمن
مطلق التصرف، فالإذن والائتمان ثابتان كما
يقول الحنابلة.
قال المالكية: ولو التزم حين أخذ النظر أن
يصرف على الوقف من ماله إن احتاج لم يلزمه
ذلك، وله الرجوع بما صرفه(١).
وعند الشافعية: لا يجوز للناظر الاقتراض
دون شرط الواقف أو إذن الإمام، ويجوز أن
يقرض الإمام الناظر من بيت المال، أو يأذن له
في الاقتراض أو الإنفاق من مال نفسه على
العمارة بشرط الرجوع، ولو اقترض الناظر من
غير إذن الحاكم ولا شرط من الواقف لم يجز،
ولا يرجع بما صرفه لتعديه به(٢).
وذهب الحنفية على المعتمد إلى أنه لا تجوز
(١) حاشية الدسوقي ٨٩/٤، ومواهب الجليل ٤٠/٦،
وكشاف القناع ٢٦٧/٤، وحاشية ابن عابدين ٣/
٤١٩.
(٢) روضة الطالبين ٣٦١/٥، ونهاية المحتاج مع حاشية
الشبراملسي ٣٩٧/٥.
الاستدانة على الوقف إلا إذا احتيج إليها
لمصلحة الوقف كتعمير وشراء بذر، فيجوز
بشرطين :
الأول: إذن القاضى، فلو يبعد عنه يستدين
بنفسه.
الثاني: ألا يتيسر إجارة العين والصرف من
أجرتها.
وذكر ابن عابدين: أن الاستدانة على الوقف
لا تجوز إذا لم تكن بأمر الواقف، لأن الدين لا
يثبت ابتداء إلا في الذمة، والوقف لا ذمة له،
والفقراء وإن كانت لهم ذمة لكن لكثرتهم لا
تتصور مطالبتهم، فلا يثبت إلا على القيم وما
وجب على القيم لا يملك قضاءه من غلة الفقراء،
وهذا هو القياس. لكن ترك القياس عند
الضرورة، كما ذكره أبو الليث وهو
المختار أنه إذا لم يكن من الاستدانة بد
فإنها تجوز بأمر القاضي إن لم يكن بعيداً
عن المتولي، لأن ولاية القاضي أعم في
مصالح المسلمين.
أما ما له منه بد - كالصرف على المستحقين -
فلا تجوز الاستدانة لأجل ذلك، كما في القنية،
إلا ما يعطى للإمام والخطيب والمؤذن لأن ذلك
لضرورة مصالح المسجد فیما یظهر، كذلك إذا
كانت الاستدانة للحصر والزيت بناء على القول
الراجح بأن ذلك من مصالح المسجد.
-١٩٣-

وقف ٩٠-٩١
وإذا كان لابد من إذن القاضي فادعى المتولي
الإذن فالظاهر أنه لا يقبل إلا ببينة وإن كان
المتولي مقبول القول، لما أنه يريد الرجوع في
الغلة، وهو إنما يقبل قوله فیما في يده، وعلى
هذا فإن كان الواقع أنه لم يستأذن يحرم عليه
الأخذ من الغلة لأنه يعتبر متبرعاً ما دام لم يوجد
إذن(١).
وقال ابن عابدين: وإذا كان للوقف غلة فأنفق
المتولي من مال نفسه لإصلاح الوقف کان له أن
يرجع بذلك في غلة الوقف، لكن في فتاوى
الحانوتي أنه له الرجوع دیانة، لكن لو ادعى ذلك
لا يقبل منه إلا أن یشهد أنه أنفق لیر جع، قال ابن
عابدین: لکن یجب تقیید ذلك بما إذا كان للوقف
غلة، وإن لم يكن له غلة فلا بد من إذن
القاضي (٢).
ثانياً: بيع الموقوف والاستبدال به:
٩٠- إذا تعطل الموقوف وصار بحالة لا ينتفع
بها، فقد أجاز الحنفية والمالكية والحنابلة
والشافعية في رأي بيعه وجعل ثمنه في مثله.
وأجاز الحنفية البيع والاستبدال ولو لم
يتعطل الموقوف، لكن بشروط خاصة.
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤١٩/٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ٤٢٠.
كما فرق المالكية بين العقار والمنقول، وهذا
في الجملة. ولكل مذهب تفصيل بيانه كما يلي :
الاستبدال بالموقوف عند الحنفية:
للاستبدال عند الحنفية صور ثلاث :
الصورة الأولى:
٩١- أن يشترط الواقف لنفسه أو لغيره
الاستبدال بأرض الوقف أرضاً أخرى حين
الوقف، ولهذه الصورة صيغتان:
الصيغة الأولى: أن يقول: أرضي هذه صدقة
موقوفة لله ك أبدا على أن أبيعها وأشتري بثمنها
أرضاً أخرى، فتكون وقفاً بشرائط الأولى(١).
وقد اختلف فقهاء الحنفية في حكم هذه
الصورة على النحو التالي:
فعند أبي يوسف وهلال والخصاف يجوز
الوقف والشرط استحساناً(٢).
وهذا القول هو الصحيح على ما جاء في
فتاوي قاضيخان، لأن هذا شرط لا يبطل حكم
الوقف، فإن الوقف مما يحتمل الانتقال من
أرض إلى أخرى، ويكون الثاني قائماً مقام
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٨٧/٣، ٣٨٨،
والإسعاف ص٣١.
(٢) الإسعاف ص٣١، وفتح القدير ٢٢٧/٦.
-١٩٤-

وقف ٩١
الأولى فإن أرض الوقف إذا غصبها غاصب
وأجرى عليها الماء حتى صارت بحراً لا تصلح
للزراعة يضمن قيمتها ويشتري بقيمتها أرضاً
أخرى، فتكون الثانية وقفاً على شرائط الأولى،
وكذلك أرض الوقف إذا قل نزلها (ريعها) لآفة
وصارت بحيث لا تصلح للزراعة أو لا تفضل
غلتها عن مؤنها يكون صلاح الوقف في
الاستبدال بأرض أخرى، فيصح أن يشترط
الواقف ولاية الاستبدال وإن لم تكن
الضرورة داعية إليه في الحال(١).
وقال محمد ويوسف بن خالد السمتي :
الوقف صحيح والشرط باطل وهو القياس(٢).
وقد وجّه السرخسي رأي محمد في کون فساد
شرط الاستبدال لا يؤثر في صحة الوقف فقال:
وعند محمد- وهو قول أهل البصرة- الوقف
جائز والشرط باطل، لأن هذا الشرط لا يؤثر في
المنع من زواله والوقف یتم بذلك، ولا ینعدم به
معنى التأبيد في أصل الوقف، فيتم الوقف
بشروطه ويبقى الاستبدال شرطاً فاسداً
فيكون باطلاً في نفسه، كالمسجد إذا شرط
الاستبدال به، أو شرط أن يصلي فيه قوم
(١) البحر الرائق ٢٣٩/٥، والإسعاف ص٣١، وفتح
القدير ٢٢٨/٦، وفتاوى قاضيخان بهامش الهندية
٣٠٦/٣.
(٢) الإسعاف ص٣١، والبحر الرائق ٢٣٩/٥، والهداية
مع فتح القدیر ٢٢٧/٦، ٢٢٨.
دون قوم، فالشرط باطل واتخاذ المسجد
صحيح، فهذا مثله(١).
وقال بعض فقهاء الحنفية: الوقف والشرط
فاسدان(٢).
ونقل الكمال بن الهمام عن الأنصاري أن
الشرط صحیح، لكن لا يبيعها إلا بإذن الحاكم،
وينبغي للحاكم إذا رفع إليه ولا منفعة في الوقف
أن يأذن في بيعها إذا رآه أنظر لأهل الوقف (٣).
ولو شرط الواقف أن يبيعها ويشتري بثمنها
أرضاً أخرى ولم يزد صح استحساناً، وصارت
الثانية وقفاً بشرائط الأولى، ولا يحتاج إلى
إيقافها لأن الأرض تعينت للوقف، فيقوم ثمنها
مقامها في الحكم، وبمجرد شراء أرض بثمنها
تصير وقفاً على شرائط الأولى من غير تجديد
وقف.
والقياس أن الوقف باطل لأنه لم يذكر إقامة
أرض أخرى مقام الأولى (٤).
الصيغة الثانية: لو شرط أن للقيم الاستبدال
ولم یشرطه لنفسه كان له أن يستبدل لنفسه، لأن
(١) المبسوط ٤١/١٢، ٤٢.
(٢) الإسعاف ص٣١، وفتاوى الخانية ٣٠٦/٣.
(٣) فتح القدير ٢٢٨/٦.
(٤) الإسعاف ص٣١، والبحر الرائق ٢٤٠/٥، وفتح
القدیر ٢٢٩/٦.
-١٩٥-

وقف ٩٢
إفادته الولاية لغيره بذلك فرع كونه يملكها(١).
ولو شرط الاستبدال لرجل آخر مع نفسه ملك
الواقف الاستبدال وحده، ولا يملكه فلان
وحده(٢).
قال ابن عابدين: ولو شرط الاستبدال لنفسه
أو لغيره، أو لنفسه وغيره فالاستبدال جائز على
الصحيح وقيل اتفاقاً.
ولو وقف أرضه وشرط أن يستبدلها بأرض
ليس له أن يستبدلها بدار، ولو شرط أن يكون
البدل داراً لا يجوز له أن یستبدلها بأرض، ولو
شرط أرض قرية لا يستبدلها بأرض غيرها،
لتفاوت أراضي القرى مؤنة واستغلالاً فيلزم
الشرط.
ولو لم یقید البدل بأرض ولا دار يجوز له أن
يستبدل بها من جنس العقارات بأي أرض أو دار
أو بلد شاء للإطلاق(٣).
وإن شرط الاستبدال فليس له أن يستبدل
الأرض الثانية بأرض ثالثة، لأن الشرط وجد في
الأولى فقط إلا أن يذكر عبارة تفيد ذلك (٤).
(١) فتح القدير ٢٢٨/٦.
(٢) البحر الرائق ٢٤٠/٥، وفتح القدير ٢٢٩/٦.
(٣) البحر الرائق ٢٤٠/٥، والإسعاف ص٣٢، وحاشية
ابن عابدين ٣٨٧/٣.
(٤) الدر المختار وابن عابدين ٣٨٨/٣، وفتح القدير
٢٢٨/٦.
والاستبدال في حالة اشتراطه يجوز ولو كانت
العین ذات ربع ونفع، قال ابن عابدين: لو شرط
الواقف الاستبدال لنفسه أو لغيره، فلا يلزم
خروج الوقف عن الانتفاع، ولا مباشرة القاضي
له، ولا عدم ريع يُعَمّر به (١).
الصورة الثانية:
٩٢- ألا يشرط الواقف الاستبدال حين
الوقف، سواء شرط عدم الاستبدال أو
سكت، لكن صار الوقف بحيث لا ينتفع به
بالكلية بأن لا يحصل منه شيء أصلاً أو لا يفي
بمؤنته، فالاستبدال في هذه الصورة جائز على
الأصح إذا كان بإذن القاضي ورأى المصلحة
فيه (٢).
ونقل ابن عابدين عن البحر الرائق أنه قد
اختلف كلام فاضيخان، ففي موضع جوز
للقاضي الاستبدال بلا شرط من الواقف
حيث رأى المصلحة فيه، وفي موضع آخر
منع منه ولو صارت الأرض بحال لا ينتفع
بها، والمعتمد أنه يجوز للقاضي الاستبدال
بالشروط الآتية:
أ - أن يخرج الموقوف عن الانتفاع بالكلية.
(١) حاشية ابن عابدين ٣٨٨/٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣٨٧.
-١٩٦-

وقف ٩٢
ب- أن يكون هناك ريع للوقف يعمر به.
ج- ألا يكون البيع بغبن فاحش.
د- أن يكون المستبدل قاضي الجنة، المفسر
بذي العلم والعمل، لئلا يحصل التطرق إلى
إيطال أوقاف المسلمين، وقاضي الجنة هو
المشار إليه في حديث النبي مثل: ((القضاة
ثلاثة: واحد في الجنة واثنان في النار))(١).
هـ- أن يكون البدل عقاراً لا دراهم ودنانير.
و- أن لا یبیعه ممن لا تقبل شهادته له ولا ممن
له عليه دين.
ز- أن یکون البدل والمبدل من جنس واحد،
لما في الخانية: لو شرط استبدالها بدار لم يكن
له استبدالها بأرض وبالعكس، قال ابن عابدين
نقلاً عن العلامة قنالى زادة: والظاهر عدم
اشتراط اتحاد الجنس في الموقوفة
للاستغلال، لأن المنظور فيها كثرة المريع
وقلة المرمة والمؤنة، فلو استبدل الحانوت
بأرض تزرع ويحصل منها غلة قدر أجرة
الحانوت كان أحسن، لأن الأرض أدوم
وأبقى وأغنى عن كلفة الترميم والتعمير
بخلاف الموقوفة للسكنى، لظهور أن قصد
الواقف الانتفاع بالسكن.
ح - في القنية : مبادلة دار الوقف بدار أخرى
(١) حديث: ((القضاة ثلاثة .. ))
أخرجه أبو داود (٤/ ٥- ط حمص) من حديث بريدة.
إنما يجوز إذا كانت في محلة واحدة أو محلة
أخرى خيرا، والعكس لا يجوز وإن كانت
المملوكة أكثر مساحة وقيمة وأجرة،
لاحتمال خرابها في أدون المحلتين
لدناءتها وقلة الرغبة فيها(١).
وجاء في البحر الرائق عن شرح منظومة ابن
وهبان: لو شرط الواقف عدم الاستبدال، أو
يكون الناظر معزولاً قبل الاستبدال، أو إذا هم
بالاستبدال انعزل، هل يجوز استبداله؟ قال
الطرسوسي: إنه لا نقل فيه ومقتضى قواعد
المذهب أن للقاضي أن يستبدل إذا رأى
المصلحة في الاستبدال(٢).
وجاء في البحر الرائق أيضاً: روي عن
محمد: إذا ضعفت الأرض الموقوفة عن
الاستغلال والقيم يجد بثمنها أخرى هي
أكثر ريعاً، كان له أن يبيعها ويشتري بثمنها
ما هو أكثر ريعاً، ثم قال: ومن المشايخ من لم
يجوز بيعه تعطل الوقف أو لم يتعطل، وكذا لم
يجوز الاستبدال في الوقف، وقال قاضي خان:
لو كان الوقف مرسلاً أي لم يذكر فيه شرط
الاستبدال فلا يجوز بيعه و الاستبدال به ولو کان
أرض الوقف سبخة لا ينتفع بها، لأن سبيل
(١) حاشية ابن عابدين ٣٨٨/٣، والبحر الرائق ٢٤٠/٥-
٢٤١، والإسعاف ص٣٢.
(٢) البحر الرائق ٢٤١/٥.
-١٩٧-

وقف ٩٣-٩٤
٠٠
...
الوقف أن يكون مؤبداً لا يباع، وإنما تثبت ولاية
الاستبدال بالشرط، وبدون الشرط لا تثبت (١).
الصورة الثالثة :
٩٣- ألا يشرط الواقف الاستبدال وللوقف
ريع وغلات وغير معطل، ولكن في الاستبدال
نفع في الجملة، وبدله خير منه نفعاً وريعاً، قال
ابن عابدين: وهذا لا يجوز استبداله على الأصح
المختار كذا حرره العلامة قنالي زاده (٢).
ثم نقل ابن عابدين عن الأشباه: أنه لا يجوز
استبدال العامر إلا في أربع مسائل:
الأولى: إذا شرط الواقف الاستبدال.
الثانية: إذا غصبه غاصب وأجرى عليه الماء
حتى صار بحراً، فيضمن القيمة ويشتري المتولي
بها أرضاً بدلا.
الثالثة: أن يجحده الغاصب ولا بينة وأراد
دفع القيمة فللمتولي أخذها ليشتري بها بدلاً.
الرابعة: أن يرغب إنسان فيه ببدل أكثر غلة
وأحسن صقعاً، فيجوز على قول أبي يوسف
وعليه الفتوى كما في فتاوی قارئ الهداية، قال
صاحب النهر: قول قارئ الهداية: والعمل على
قول أبي يوسف معارض بما قاله صدر الشريعة :
(١) البحر الرائق ٢٢٣/٥.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٨٧/٣.
نحن لا نفتي بقول أبي يوسف (١).
الاستبدال بالموقوف عند المالكية:
٩٤- أما المالكية فلهم تفصيل آخر: إذ أنهم
يفرقون بين العقار والمنقول في بيعه واستبدال
غيره به، فأجازوا الاستبدال في المنقول إذا لم
توجد جهة تنفق عليه وخيف عليه الهلاك أو
تعطلت منافعه وصار لا ينتفع به فیما حبس من
أجله.
جاء في الشرح الكبير وحاشية الدسوقي
عليه: الفرس الموقوف في سبيل الله كالغزو
والرباط تکون نفقته في بيت المال، فإن عدم بیت
المال فإنه يباع ويعوض بدله سلاح ونحوه مما لا
يحتاج لنفقة. وكذلك يباع كل حبس لا ينتفع به -
غير عقار- كفرس يكلب أي يصاب بداء الكلب
وأصبح لا ينتفع به فيما حبس عليه، أو كثوب
يخلق أو عبد يهرم أو كتب تبلى، وإذا بيع جعل
ثمنه في مثله إن أمكن أو شقصه- أي في جزء من
ذلك الشيء- إن لم يمكن شراء الشيء كاملاً،
فإن لم يمكن تصدق بالثمن(٢)، كما أن ذكور
الحيوانات الموقوفة للغزو وكان فيها ما يزيد
لتحصل اللبن والنتاج إذا كبرت وأصبحت لا
ينتفع بها فإنها تباع، ويجعل ثمن ذلك كله في
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٣٨٩/٣.
(٢) الشرح الصغير ٣٠٧/٢، والدسوقي ٤ / ٩٠ -٩١.
-١٩٨-

وقف ٩٤
إناث لتحصيل اللبن والنتاج منها ليدوم الوقف.
قال الدردير: يعني أن من وقف شيئاً من النعام
لينتفع بألبانها وأصوافها وأوبارها فنسلها
كأصلها في التحبيس، فما فضل من ذكور
نسلها عن النزو، وما كبر من إناثها، فإنه
يباع ويعوض عنه إناث صغار لتمام النفع
وتكون وقفاً كأصلها(١).
أما العقار فالمذهب عند المالكية أنه لا يجوز
بیعه ولو خرب وصار لا ينتفع به، وسواء كان داراً
أو حوانيت أو غيرها، كما لا يجوز استبداله
بمثله غير خرب، قال مالك: لا يباع العقار
المحبس ولو خرب، وبقاء أحباس السلف دائرة
دليل على منع ذلك، لكن روى أبو الفرج عن
مالك أن الإمام إذا رأى بيع ذلك لمصلحة جاز
ويجعل ثمنه في مثله(٢).
كما أجاز بعض المالكية معاوضة الربع
الخرب، ففي التاج والإكليل: يمنع بيع ما
خرب من ربع الحبس مطلقاً، قال ابن
الجهم: إنما لم يبع الربع المحبس إذا
خرب، لأنه يجد من يصلحه بإيجارته
سنين، فيعود كما كان، واختلف في
معاوضة الربع الخرب بربع غير خرب،
(١) الشرح الصغير ٣٠٧/٢-٣٠٨، والدسوقي ٩١/٤.
(٢) الشرح الصغير ٣٠٨/٢، والدسوقي ٤/ ٩١.
وقال ابن رشد: إن كانت هذه القطعة من
الأرض المحبسة انقطعت منفعتها جملة
وعجز عن عمارتها وكرائها فلا بأس
بالمعاوضة فيها بمكان يكون حبساً مكانها،
ویکون ذلك بحکم من القاضي بعد ثبوت ذلك
السبب والغبطة في ذلك للمعوض عنه ويسجل
ذلك ویشهد به(١).
وأجاز المالكية بيع العقار لضرورة توسيع
مسجد جامع، وسواء كان الوقف على معینین أو
غير معينين. والمراد بالمسجد الجامع الذي تقام
فيه الجمعة، قال ابن رشد: ظاهر سماع ابن
القاسم أن ذلك جائز في كل مسجد وهو قول
سحنون. وفي النوادر عن مالك والأخوين
وأصبغ وابن عبد الحكم أن ذلك في
مساجد الجوامع إن احتيج لذلك، لا في
مساجد الجماعات إذ ليست الضرورة فيها
كالجوامع.
كما يجوز بيع الوقف لتوسعة مقبرة أو طريق
لمرور الناس، فيجوز بيع الوقف لذلك ولو جبراً
على المستحقين أو الناظر، وأمر المستحقون
وجوباً بجعل ثمنه في حبس غيره، ولا يجبرهم
الحاكم على الجعل في حبس غيره، أي لا يقضي
علیهم به.
(١) التاج والإكليل ٦/ ٤٢.
-١٩٩-

وقف ٩٥
وفي الشرح الصغير أن ما وسع به المسجد من
الرباع فيدفع ثمنه إذا كان حبساً على معين، أما ما
كان حبساً على غير معين كالفقراء فلا يلزم
تعويضه أي دفع ثمن فيه، لأنه إذا كان على غير
معين لم يتعلق به حق لمعين، وما يحصل من
الأجر لواقفه إذا دخل في المسجد أعظم مما
قصد تحبيسه لأجله أوّلا(١).
وقال المالكية: إن اشترط الواقف التغيير
والتبديل عمل به، وفي النوادر والمتيطية
وغيرهما: أن الواقف إذا شرط في وقفه أنه
إن وجد فيه ثم رغبة - أي ثمناً مرغوباً فيه - بيع
واشتري غيره أنه لا يجوز له ذلك، فإن وقع مضی
وعمل بشرطه(٢).
وفي فتح العلي المالك: أرض موقوفة على
سبيل في طريق المسلمين، شرط واقفها ألا تباع
ولا تستبدل بغيرها ، ثم استبدل ناظر السبيل تلك
الأرض بأرض أخرى من أراضي الديوان: بأن
دفع أرض الوقف لرجل من الفلاحين وأخذ منه
أرضاً من أراضي الديوان، وصار الناظر يدفع
مصاريف الوقف والفلاح يدفع ما عليه من
الخراج، قال الدردير: حيث شرط الواقف
عدم الاستبدال وأطلق كانت المبادلة
(١) الشرح الصغير ٣٠٨/٢، والدسوقي ٤/ ٩١ - ٩٢.
(٢) حاشية الدسوقي ٨٧/٤، ومواهب الجليل ٣٣/٦.
الحاصلة من الناظر باطلة، ويجب على
الناظر رد أرض الديوان لصاحبها وأخذ
أرض الوقف بعينها، ومن امتنع فعلى
الحاكم زجره(١).
الاستبدال بالموقوف عند الشافعية:
٩٥- أما الشافعية فلهم في الاستبدال
تفصیل :
جاء في المهذب: إن وقف مسجداً فخرب
المکان وانقطعت الصلاة فیہ لم یعد إلى الملك،
ولم يجز له التصرف فيه، لأن ما زال الملك فيه
لحق الله تعالى لا يعود إلى الملك بالاختلال،
كما لو أعتق عبداً ثم زَمِن.
وقال الشربيني: الأصح جواز بيع حصر
المسجد الموقوفة إذا بليت وجذوعه إذا
انكسرت أو أشرفت على ذلك كما في
الروضة، ولم تصلح إلا للإحراق، لئلا
تضيع ويضيق المكان بها من غير فائدة،
فتحصيل نزر يسير من ثمنها يعود إلى
الوقف أولى من ضياعها، ولا تدخل بذلك
تحت بيع الوقف، لأنها صارت في حكم
المعدومة، وهذا ما جرى عليه الشيخان:
(١) فتح العلي المالك ٢٤٣/٢.
-٢٠٠-