Indexed OCR Text

Pages 141-160

وقف ٣٩-٤٠
الزركشي وابن الرفعة وغيرهما، وعند الحنابلة
يصح الوقف على من يمر بالكنيسة من مسلم أو
ذمي لجواز الصدقة على المجتازين وصلاحينهم
للقربة، فإن خص أهل الذمة بوقف على المارة
منهم لم يصح(١).
ولا يصح الوقف على الحربیین والمرتدين أو
سلاح لقتال غير جائز أو لقطاع الطريق أو على
كتابة التوارة والإنجيل لأنها منسوخة مبدلة (٢)
ولذلك غضب النبي { 18 حين رأى مع عمر بن
الخطاب رضي الله تعالى عنه صحيفة فيها شيء
من التوراة، وقال: ((أمتهوكون فيها يا ابن
الخطاب؟ لقد جئتكم بها بيضاء نقية، ...
والذي نفسي بيده لو أن أخي موسى كان
حياً ما وسعه إلا أن يتبعني))(٣).
الشرط الثاني: أن يكون الموقوف عليه
ممن يصح أن يملك:
٣٩- يشترط الفقهاء أن يكون الموقوف عليه
ممن يصح أن يملك، أي أن يكون أهلاً للتملك
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣٦٠، ٣٦١، والشرح الكبير
مع حاشية الدسوقي ٧٨/٤، ومغني المحتاج ٢/
٣٨٠، وشرح متنهى الإرادات ٢/ ٤٩٣.
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٦٠/٣، والشرح الكبير مع
حاشية الدسوقي ٧٧/٤، ومغني المحتاج ٣٨٠/٢،
وشرح منتهى الإرادات ٤٩٢/٢.
(٣) حديث: «أمتهوکون فيها يا ابن الخطاب .. ))
أخرجه أحمد (٣٨٧/٣)، وأورده الهيثمي في مجمع
الزوائد (١٧٤/١) وذكر أن فيه راوياً ضعفه أحمد
ویحیی بن سعید وغيرهما.
حقيقة كزيد والفقراء، أو حكماً كمسجد ورباط
وسبيل (١)، ولأن الوقف على المساجد ونحوها
يعتبر وقفاً على المسلمين، إلا أنه عُيّن في نفع
خاص لهم(٢).
لكن الفقهاء يختلفون في التطبيق، ويندرج
تحت هذا الشرط المسائل الآتية :
أ- الوقف على من سيوجد:
٤٠- أجاز الحنفية والمالكية الوقف على من
سيوجد، لأنه لا يشترط عندهم أن يكون
الموقوف عليه موجوداً وقت الوقف، فلو
وقف على ولده ولا ولد له صح الوقف،
لكنهم يختلفون فيما يصير إليه الموقوف
إلى أن يوجد الموقوف عليه :
قال الحنفية: لو وقف على أولاد زید ولا ولد
له، أو على مكان هيأه لبناء مسجد أو مدرسة صح
في الأصح، وتصرف الغلة للفقراء إلى أن يولد
لزيد أو يبنى المسجد، فتصرف الغلة التي توجد
بعد ذلك إلى هذا الولد أو إلى المسجد(٣).
وللمالكية أقوال ثلاثة فيما يصير إليه
الموقوف :
(١) الشرح الكبير للدردير مع حاشية الدسوقي ٤/ ٧٧،
ومغني المحتاج ٣٧٩/٢.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٤٩٥/٢، والمغني ٦٤٦/٥.
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣٦٠/٣، ٤١٤،
٤٣٨.
- ١٤١-

وقف ٤١
أولها للإمام مالك قال: الوقف على ولده ولا
ولد له صحیح إلا أنه غیر لازم، فللواقف بيعه قبل
ولادة المحبس علیه وإن لم يحصل له يأس من
الولد، فإن غفل عنه حتى حصل له ولد تم الوقف.
والثاني لابن القاسم، قال: الوقف لازم
بمجرد عقده، ولا يكون ملكاً للواقف إلا
إذا حصل يأس من الولد، فيوقف أمر ذلك
الحبس للإیاس، فإذا یئس من الولد کان له بيعه.
والثالث لابن الماجشون، قال: يحكم
بحبسه ويخرج إلى بد ثقة ليصح حوزه
وتوقف ثمرته، فإن ولد له كان الحبس
والغلة له، وإن لم يولد له كان لأقرب
الناس للواقف.
قال الدسوقي : ومحل الخلاف إذا لم یکن قد
ولد له سابقاً، أما إن كان قد ولد له فإنه ينتظر بلا
نزاع، قاله الشيخ أحمد الزرقاني(١) .
أما الشافعية والحنابلة فإنهم يشترطون أن
يكون الموقوف عليه موجوداً وقت الوقف فلو
وقف على ولده ولا ولد له، أو على فقير أولا ده
ولا فقیر فیھم، فلا يصح الوقف ویعتبر باطلاً،
لأن الولد الذي لم يخلق لا يملك فلا یفید الوقف
عليه شيئاً، ولكن يصح الوقف على غير الموجود
(١) الدسوقي ٨٩/٤، ومنح الجليل ٦٦/٤.
تبعاً لا أصالة كقول الواقف : وقفت على أولا دي
وأولاد أولادي ما تناسلوا(١).
ب- الوقف على الحمل:
٤١- ذهب الشافعية والحنابلة في المذهب
إلى عدم جواز الوقف على الجمل ابتداء،
وصحح ابن عقيل من الحنابلة جواز الوقف
على الحمل ابتداء واختاره الحارثي، أما إذا كان
الوقف على الحمل تبعاً فإن الشافعية لا يجيزون
ذلك أيضاً حيث قالوا : لا يصح الوقف على جنين
لعدم صحة تملكه، وسواء أكان مقصوداً أم
تابعاً، حتى لو قال: وقفت على أولا دي وکان له
أولاد وله جنین عند الوقف لم يدخل، نعم إن
انفصل دخل معهم، إلا أن يكون الواقف قد سمی
الموجودين أو ذكر عددهم فلا يدخل كما قاله
الأذرعي، بخلاف ما لو وقف على الذرية والنسل
والعقب فإنه يدخل في الوقف الحمل الحادث.
أما الحنابلة فقد أجازوا الوقف على الحمل
إذا كان تبعاً، فقد نصوا على أنه لا يصح الوقف
على ما في بطن هذه المرأة، لأنه تمليك إذن،
وهو لا يملك، ويصح الوقف على الحمل تبعاً
(١) مغني المحتاج ٣٧٩/٢، ٣٨٦، والمهذب ٤٤٨/١،
وشرح منتهى الإرادات ٤٩٥/٢ -٤٩٦، وتحفة
المحتاج مع حاشية الشرواني ٦/ ٢٤٢.
-١٤٢۔

وقف ٤٢
كقول واقف: وقفت كذا على أولادي وفيهم
حمل فيشمله(١).
وعند المالكية قال ابن عرفة نقلاً عن
المتيطي: المشهور المعمول عليه صحة
الوقف على الحمل، قال ابن الهندي: زعم
بعضهم أنه لا يجوز الوقف على الحمل،
والروايات واضحة بصحته على من سيولد(٢).
والذي تفيده عبارات الحنفية أنه يجوز الوقف
على الحمل حيث قالوا: إذا وقف الرجل أرضه
على ولده ومن بعده على المساكين وقفاً صحيحاً
فإنما يدخل تحت الوقف الولد الموجود يوم
وجود الغلة، سواء كان موجوداً يوم الوقف أو
وجد بعد ذلك، هذا قول هلال رحمه الله تعالى
وبه أخذ مشايخ بلخ رحمهم الله، وهو المختار،
و کذا لو قال: على ولدي وعلى من يحدث لي من
الولد فإذا انقرضوا فعلى المساكين. ولو قال:
أرضي هذه صدقة موقوفة على من يحدث لي من
الولد وليس له ولد يصح هذا الوقف، فإذا أدركت
الغلة تقسم على الفقراء، فإن حدث له ولد بعد
القسمة تصرف الغلة التي توجد بعد ذلك إلى هذا
الولد ما يبقى هذا الولد، فإن لم يبق له ولد
صرفت الغلة إلى الفقراء(٣).
(١) مغني المحتاج ٣٧٩/٢، وشرح منتهى الإرادات
٤٩٥/٢، ٤٩٦، والإنصاف ٢٢/٧.
(٢) الحطاب ٢٢/٦، ومنح الجليل ٣٨/٤.
(٣) الفتاوى الهندية ٢/ ٣٧١.
ونقل ابن عابدين عن الفتح قوله: ثم
المستحق من الولد - أي في الوقف على
الأولاد- كل من أدرك خروج الغلة عالقاً
في بطن أمه، حتى لو حدث ولو بعد
خروج الغلة بأقل من ستة أشهر استحق،
ومن حدث إلى تمامها فصاعداً لا يستحق،
لأنا نتيقن بوجود الأول في البطن عند
خروج الغلة فاستحق فلو مات قبل القسمة
فلورثته، وهذا في ولد الزوجة، أما إذا
ولدت مبانة لدون سنتين من وقت الإبانة
فإنه يستحقه لثبوت نسبه بلا حل وطئها(١).
الشرط الثالث: أن لا يعود الوقف على
الواقف :
ويشمل هذا حالتين: الأولى أن يقف على
نفسه، والثانية: أن يشترط الغلة لنفسه.
أ- أن يقف على نفسه :
٤٢- اختلف الفقهاء في صحة وقف الإنسان
على نفسه على قولين: الأول: عدم صحة الوقف
على نفسه لتعذر تمليك الإنسان ملكه لنفسه لأنه
حاصل، وتحصيل الحاصل محال، وهذا ما
ذهب إليه جمهور الفقهاء: المالكية والشافعية
(١) حاشية ابن عابدين ٤٣٨/٣.
-١٤٣-

وقف ٤٣
في الأصح وأكثر الحنابلة وهو المذهب عندهم
ومحمد بن الحسن من الحنفية.
لكن قال الشافعية والحنابلة: لو وقف على
نفسه وحکم به حاکم نفذ حکمه ولم ینقض، لأنها
مسألة اجتهادية.
والقول الثاني: هو صحة وقف الإنسان على
نفسه وهذا ما ذهب إليه أبو يوسف من الحنفية
وهو المعتمد في المذهب والشافعية في مقابل
الأصح، قالوا: لأن استحقاق الشيء وقفاً غير
استحقاقه ملكاً، وهو أيضاً رواية عن الإمام
أحمد اختارها جماعة منهم(١).
ب- أن يشترط الغلة لنفسه:
٤٣- اختلف الفقهاء في اشتراط الواقف
الغلة لنفسه، أو اشتراط أن يأكل منه على قولين :
القول الأول: أنه يجوز أن يشترط الواقف
الغلة لنفسه، وهذا ما ذهب إليه الحنابلة وأبو
يوسف من الحنفية وعليه الفتوى عندهم
والشافعية في مقابل الأصح، وهو قول ابن
أبي ليلى وابن شبرمة والزهري ترغيباً للناس في
الوقف، قال في المنتهى وشرحه: من وقف شيئاً
(١) حاشية ابن عابدين ٣٨٧/٣، والدسوقي ٨٠/٤،
ومغني المحتاج ٣٨٠/٢، وشرح منتهى الإرادات
٢/ ٤٩٤، والإنصاف ٧/ ١٧.
على غيره واستثنى غلته كلها أو استثنى بعضها له
مدة حیاته أو مدة معینة صح، أو استثنى غلته أو
بعضها لولدەکذلك صح، أو استثنى الأکل منه أو
الانتفاع لنفسه أو لأهله أو اشترط أن يطعم
صديقه منه مدة حياته أو مدة معينة صح الوقف
والشرط.
واستدل الحنابلة وأبو يوسف بما روي عن
حجر المدري: ((إن في صدقة رسول الله صل﴾ أن
يأكل أهله منها بالمعروف غير المنكر)) (١) ويدل
له أيضاً قول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه
لما وقف: ((لا جناح على من وليها أن يأكل منها
أو يطعم صديقاً غير متمول فيه))(٢)، وكان الوقف
في يده إلى أن مات، ثم بنته حفصة ثم ابنه عبد الله
رضي الله عنهم، قال الحنابلة: ولأنه لو وقف
وقفاً عاماً كالمساجد والقناطر والمقابر كان له
الانتفاع به فكذا هنا.
واستدل أبو يوسف أيضاً بأن الوقف إزالة
الملك إلى الله تعالى على وجه القربة، فإذا شرط
البعض أو الكل لنفسه فقد جعل ما صار مملوكاً لله
تعالى لنفسه، لا أنه يجعل ملك نفسه لنفسه وهو
(١) حديث حجر المدري: ((إن في صدقة رسول الله .. )).
أخرجه الأثرم كما في المغني لابن قدامة (١٩١/٨ -
ط مجر).
(٢) أثر عمر لما وقف: ((لا جناح على من وليها .. »
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٩٢/٥)، ومسلم
(١٢٥٥/٣).
-١٤٤-

وقف ٤٣
جائز، كما إذا بنى خاناً أو ساقية أو جعل أرضه
مقبرة وشرط أن ينزل فيه أو يشرب منه أو يدفن
فيه، ولأن مقصوده القربة وفي الصرف إلى نفسه
كذلك(١)، قال النبي وَلاير: ((ما أنفق الرجل على
نفسه وأهله وولده وخادمه فهو صدقة))(٢).
لكن الحنابلة وأبا يوسف قالوا: إن انتفاع
الموقوف بغّة الوقف لا بد أن يكون بالشرط ، فلا
يحل الأكل من الموقوف إلا إذا اشترط ذلك.
لكن هذا عند الحنابلة إذا لم يكن وقفاً عاماً ،
أما إذا وقف شيئاً للمسلمين فإنه يدخل في
جملتهم من غير شرط، مثل أن يقف مسجداً فله
أن يصلي فيه أو مقبرة فله الدفن فيها أو بئراً
للمسلمين فله أن يستقي منها أو سقاية أو شيئاً
بعم المسلمين فيكون كأحدهم(٣) وقد ورد عن
عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أنه سبّل بئر
رومة وكان دلوه فيها كدلاء المسلمين (٤).
والقول الثاني: أنه لا يصح أن يشترط الواقف
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣٨٧، وفتح القدير ٢٢٥/٦-
٢٢٧، وشرح منتهى الإرادات ٤٩٤/٢-٤٩٥،
ومغني المحتاج ٢/ ٣٨٠.
(٢) حديث: ((ما أنفق الرجل على نفسه .. ))
أخرجه ابن ماجه (٧٢٣/٢) من حديث المقدام بن
معديكرب، وحسن إسناده البوصيري في مصباح
الزجاجة (٥/٢- ط دار الجنان).
(٣) فتح القدير ٢٢٦/٦، والمغني ٦٠٤/٥.
(٤) أثر عثمان بن عفان أنه سبل بئر رومة.
أخرجه الترمذي (٦٢٧/٥) وقال: حديث حسن.
غلة الموقوف على غيره لنفسه وهو الأصح عند
الشافعية وهو قیاس قول محمد بن الحسن،
وعدم الصحة مقيد بما إذا شرط الانتفاع بغلة
الوقف قال الشيرازي: لأن الوقف يقتضي حبس
العين وتمليك المنفعة، والعين محبوسة عليه
ومنفعتها مملوكة له، فلم یکن للوقف معنی،
وقال الشربيني الخطيب: لو وقف على الفقراء
وشرط أن يأخذ معهم من ريع الوقف فلا يصح
لفساد الشرط.
وقال المالكية: لو اشترط الواقف أنه إن
احتاج إلى الوقف باع فله بيعه، ولا بد من إثبات
الحاجة والحلف عليها، إلا أن يشترط الواقف
أنه يصدق بلا يمين(١).
ويستثني الشافعية مسائل يجوز فيها للواقف
الانتفاع بالموقوف، ومن ذلك ما لو وقف على
العلماء ونحوهم كالفقراء واتصف بصفتهم، أو
على الفقراء ثم افتقر، أوعلى المسلمين كأن
وقف كتاباً للقراءة ونحوها أو قدراً للطبخ فيه أو
كيزاناً للشرب بها ونحو ذلك، فله الانتفاع معهم
لأنه لم يقصد نفسه (٢).
(١) مغني المحتاج ٣٨٠/٢، والمهذب ٤٤٨/١،
والدسوقي ٨٩/٤، والخرشي ٩٣/٧.
(٢) مغني المحتاج ٢/ ٣٨٠.
-١٤٥-

وقف ٤٤ -٤٦
الشرط الرابع: أن تكون الجهة الموقوف
عليها غير منقطعة:
٤٤- الوقف على جهة لا تنقطع كالفقراء
والمساجد صحيح باتفاق الفقهاء(١) لكنهم
يختلفون فيما إذا كان الوقف على منقطع
الابتداء أو الوسط أو الانتهاء.
وبيان ذلك فيما يأتي:
أولاً: إذا كان الموقوف عليه منقطع
الابتداء والانتهاء:
٤٥- کمن یقف علی ولده ولا ولد له فلا يصح
هذا الوقف عند الحنابلة والشافعية في المذهب،
ويصح عند الحنفية وتصرف الغلة للفقراء فإذا
وجد الولد صرف إليه، وللمالكية أقوال
ثلاثة(٢) .
وقد سبق بيان ذلك عند الكلام عن الوقف على
من سيوجد. (ف٤٠).
ثانياً: إذا كان الموقوف عليه منقطع
الابتداء متصل الانتهاء:
٤٦- كمن وقف على نفسه (عند من لا يجيز
(١) ابن عابدين ٣٦٥/٣، والمهذب ٤٤٨/١، والمغني
٦٢٢/٥، ٦٢٣، والدسوقي ٨٤/٤.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤١٤/٣، والدسوقي ٨٩/٤،
ومنح الجليل ٦٦/٤، ومغني المحتاج ٣٧٩/٢،
٣٨٦، والمهذب ٤٤٨/١، وشرح منتهى الإرادات
٤٩٥/٢-٤٩٦، والمغني ٦٠٧/٥.
الوقف على النفس) أو على عبد ثم على الفقراء
فعند الحنابلة في المذهب يصرف إلى من بعده
(أي الفقراء) في الحال، وعند المالكية الحكم
كذلك إن حيز من الموقوف عليهم قبل حصول
مانع للواقف من فلس أو مرض أو موت، فإن لم
يحصل حوز حتى حصل للواقف مانع من هذه
الأمور الثلاثة (الموت أو المرض أو الفلس) لم
يتم الوقف، وللورثة في حالة المرض أو الموت
إبطاله ولهم إجازته، وفي حالة الفلس كان
للغريم إيطاله وأخذه في دينه.
وقال الشافعية: فيه طريقان: قال الشيرازي:
من أصحابنا من قال يبطل قولاً واحداً، لأن
الأول باطل، والثاني فرع لأصل باطل فكان
باطلاً، ومنهم من قال فيه قولان أحدهما: أنه
باطل لما ذكرناه. والثاني: أنه يصح لأنه لما بطل
الأول صار كأن لم يكن، وصار الثاني أصلاً .
فإذا قلنا إنه یصح فإن كان الأول لا يمكن
اعتبار انقراضه كرجل غیر معين صرف إلى من
بعده وهم الفقراء، لأنه لا يمكن اعتبار انقراضه
فسقط حکمه.
وإن كان يمكن اعتبار انقراضه كالعبد ففيه
ثلاثة أوجه :
أحدها: ينقل في الحال إلى من بعده، لأن
-١٤٦-

وقف ٤٧-٤٨
الذي وقف عليه في الابتداء لم يصح الوقف عليه
فصار كالمعدوم.
والثاني: وهو المنصوص: أنه للواقف ثم
لوارثه إلى أن ينقرض الموقوف عليه، ثم يجعل
لمن بعده، لأنه لم يوجد شرط الانتقال إلى
الفقراء فبقي على ملكه.
والثالث: أنه يكون لأقرباء الواقف إلى أن
ينقرض الموقوف عليه ثم يجعل للفقراء، لأنه لم
يوجد شرط الانتقال إليهم (١).
ثالثاً: إذا كان الموقوف عليه منقطع
الوسط :
٤٧- كما إذا وقف على زيد ثم على عبده، أو
على رجل مبهم ثم على الفقراء، أو وقف على
زيد ثم على نفسه ثم على الفقراء.
فعند الحنفية والمالكية والحنابلة يصرف إلى
الفقراء بعد انقطاع من يجوز الوقف عليه، لكن
ذلك مقيد عند المالكية بما إذا حصل حوز
للموقوف عليه قبل حصول مانع للواقف من
فلس أو مرض أو موت على ما مر بيانه في الحالة
الثانية.
ويصح الوقف أيضاً عند الشافعية، إلا أنهم
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤/ ٨٠-٨١، والشرح
الصغير ٣٠٤/٢، والمهذب ٤٤٩/١، وشرح منتهى
الإرادات ٤٩٧/٢، ٤٩٨.
فرقوا بين صورتين :
الأولى: لو كان الوقف منقطع الوسط كوقفت
على أولادي ثم على رجل مبهم ثم على الفقراء
فالمذهب صحته لوجود الصرف في الحال
والمآل.
وعلى هذا فإنه بعد أولا ده يصرف للفقراء، لا
لأقرب الناس إلى الواقف، لعدم معرفة أمد
الانقطاع.
الثانية: كأن قال: وقفت على أولا دي ثم على
عبد نفسه ثم على الفقراء، كان منقطع الوسط
أيضاً، ولكن في هذه الصورة يصرف بعد أولا ده
لأقرباء الواقف(١).
رابعاً: إذا كان الموقوف عليه منقطع
الانتهاء :
٤٨- كمن وقف على أولاده ولم يزد، أو وقف
على زيد ثم على الكنيسة.
فعند الحنفية يشترط أن يجعل آخر الوقف
لجهة لا تنقطع، أي أنه لا بد أن ينص على التأبيد
وهذا عند أبي حنيفة ومحمد وهذا في غير
المسجد، وعند أبي يوسف روايتان:
الرواية الأولى: أن التأبيد غير شرط، ولو
(١) حاشية ابن عابدين ٤١٤/٣، وحاشية الدسوقي
٨٠/٤، ومغني المحتاج ٣٨٤/٢، وحاشية القليوبي
١٠٣/٣، وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٩٧-٤٩٨.
-١٤٧-

وقف ٤٨
سمی جهة تنقطع کما لو وقف على أولا ده ولم يزد
جاز الوقف، وإذا انقرضوا عاد إلى ملكه لو حيا،
وإلا فإلى ملك الوراث.
والرواية الثانية : أن التأبيد شرط حتى تصرف
الغلة بعد الأولاد إلى الفقراء (١).
والمالکیة یفرقون بین الوقف المؤبد والوقف
المؤقت.
فبالنسبة للوقف المؤبد إذا انقطعت الجهة
الموقوف عليها رجع الوقف لأقرب فقراء عصبة
المحبس نسباً ويكون وقفاً عليهم، ويستوي في
الأنصبة الذكر والأنثى، حتى ولو كان الواقف
شرط في أصل وقفه أن يكون للموقوف عليهم
للذكر مثل حظ الأنثيين، لأن مرجع الوقف إليهم
لیس بإنشاء الواقف وإنما هو بحکم الشرع، لكن
لو قال الواقف: إن انقطع الوقف رجع الأقرب
فقراء عصبتي للذكر مثل حظ الأنثيين، فالظاهر
أنه يعمل بشرطه حيث نص عليه في المرجع، لأن
المرجع صار بذلك في معنى الحبس عليه فيقدم
الابن فابنه فالأخ فابنه فالجد فالعم فابنه،
ويشترك معهم أقرب امرأة من فقراء أقارب
الواقف لو كانت ذكراً كانت عصبته كالبنت
(١) حاشية ابن عابدين ٣٦٥/٣، وتبيين الحقائق
٣٢٦/٣-٣٢٧، وفتح القدير ٢١٤/٦ -٢١٥.
والأخت والعمة، فإن ضاق الوقف في الغلة
الناشئة عنه قدم البنات على الأخوة- لا على
الابن- فتأخذ البنات ما يكفيهن ولا يأخذن
الجميع، ولا يدخل فيه الواقف ولو فقيراً، فإن
كان الأقرب غنياً فلمن يليه في الرتبة.
وإن كان الوقف مؤقتاً کمن وقف على شخص
أو أکثر وقیده بحياتهم أو حیاة فلان أو قيد بأجل
كعشرة أعوام، فإن من مات منهم فنصيبه لبقية
أصحابه، فإذا انقرضوا رجع ملكاً لربه أو لوارثه
إن مات، فإن لم يقيد بشيء وأطلق فيرجع بعد
انقراض جميعهم مرجع الأحباس على الأصح،
وهو رواية المصريين عن مالك ومنهم ابن القاسم
وأشهب. ومقابل الأصح رجوعه ملكاً للمواقف أو
لوارثه وهو رواية المدنيين.
وإذا رجع مرجع الأحباس فإنه یکون كالوقف
المؤبد أي لأقرب عصبة المحبس ولامرأة لو
فرضت ذكراً عصبت كالبنت فإن لم يكن عصبة أو
انقرضوا فللفقراء (١).
وعند الشافعية لهم رأيان، الأول وهو
الأظهر: صحة الوقف، لأن مقصود الوقف
القربة والدوام وإذا بين مصرفه ابتداء سهل
إدامته على سبيل الخير. والثاني: بطلان
الوقف لانقطاعه
(١) الدسوقي ٨٥/٤-٨٧، والشرح الصغير ٣٠٥/٢ -
٣٠٦.
-١٤٨-

وقف ٤٩
وعلى الأظهر فإذا انقرض المذكور فلهم
رأیان :
فالأظهر: أنه يبقى وقفاً.
والثاني : يرتفع الوقف ويعود ملكاً للواقف أو
وارثه إن مات.
وعلى الرأي الأول الذي یری صحة الوقف،
لهم رأيان في مصرفه: أحدهما وهو الأظهر: أنه
يصرف إلى أقرب الناس إلى الواقف يوم انقراض
المذكور، لأن الصدقة على الأقارب من أفضل
القربات، وفي الحديث: (الصدقة على
المسكين صدقة، وعلى ذي الرحم ثنتان:
صدقة وصلة)»(١).
ويختص المصرف وجوباً - كما صرح به
الخوارزمي وغيره- بفقراء قرابة الرحم لا
الإرث في الأصح، فيقدم ابن بنت على ابن عم.
فإن لم يكن له أقارب صرف الإمام الريع إلى
مصالح المسلمين، كما حكاه الروياني عن
النص، وقيل: يصرف إلى الفقراء والمساكين.
ومقابل الأصح أنه يصرف إلى الفقراء
والمساكين، لأن الوقف يؤول إليهم في
الانتهاء(٢) .
(١) حديث: ((الصدقة على المسكين ... ))
أخرجه الترمذي (٣٨/٣) من حديث سلمان بن عامر.
وقال : حديث حسن.
(٢) مغني المحتاج ٣٨٤/٢، والمهذب ٤٤٨/١ وما
بعدها.
وعند الحنابلة يصح الوقف ويصرف بعد من
يجوز الوقف عليه إلى ورثة الواقف نسباً حين
الانقطاع على قدر إرثهم، ويكون وقفاً عليهم فلا
يملكون نقل الملك في رقبته(١).
الشرط الخامس: أن تكون الجهة
الموقوف عليها معلومة :
٤٩- الأصل في الموقوف عليه أن تكون
الجهة الموقوف عليها معلومة، فإذا لم تحدد
الجهة أصلاً في الوقف، كما إذا قال الواقف :
وقفت وسكت، ولم يحدد مصرفاً، أو إذا كانت
الجهة مجهولة أو مبهمة كالوقف على رجل غير
معين، فقد اختلف الفقهاء في صحته على
قولين :
الأول: يرى جمهور الفقهاء صحته ولهم في
ذلك تفصيل :
فذهب المالكية والحنابلة وأبو يوسف من
الحنفية والشافعية في مقابل الأظهر إلى أن
الواقف إذا لم يذكر مصرفاً بأن قال: وقفت
وسكت ولم يعين الجهة الموقوف عليها، فإن
الوقف يكون صحيحاً، لكنهم يختلفون فيما
يصير إليه الموقوف :
فعند أبي يوسف يصرف إلى الفقراء وعليه
الفتوى، وذلك لأن قوله: وقفت يقتضي إزالته
(١) شرح منتهى الإرادات ٤٩٨/٢.
-١٤٩-

وقف ٥٠
إلى الله تعالى، ثم إلى نائبه وهو الفقير، ومثل
ذلك في مقابل الأظهر عند الشافعية.
وعند المالكية من قال : داري وقف ولم يعين
مصر فه فإنه يصرف إلى ما يوجهه المالك إن أمكن
سؤاله، فإن تعذر سؤاله صرف في غالب ما يقصد
الوقف عليه غالباً في عرف أهل بلد الواقف كأهل
العلم والقراءة، فإن لم يكن لهم غالب فإنه
يصرف إلى الفقراء بالاجتهاد.
:
وعند الحنابلة یصرف إلى ورثته نسباً على قدر
إرثهم ويكون وقفاً عليهم، فلا يملكون نقل
الملك في رقبته، ويقع الحجب بين الورثة
كالإرث فللبنت مع الابن الثلث وله
الباقي، وللأخ من الأم مع الأخ للأب
السدس وله ما بقي، فإن عدموا فيصرف
للفقراء والمساكين وقفاً عليهم، ونص
الإمام أحمد أنه يصرف في مصالح
المسلمين فيرجع إلى بيت المال.
الثاني: أنه يبطل وهو الأظهر عند الشافعية
وهو قول محمد من الحنفية، وبطلانه عند محمد
لعدم ذكر التأبيد.
لكن قال محمد: لو قال: صدقة موقوفة
صح الوقف ويصرف للفقراء، لأن ذكر
الصدقة يدل على التأبيد، وفي الخانية:
وهو الصحيح، لأن محل الصدقة في
الأصل الفقراء (١).
وإن كان الوقف على جهة مجهولة كالوقف
على رجل غير معين، أو كانت الجهة مبهمة
كالوقف على أحد هذين الرجلين، فقد ذهب
الحنفية والشافعية والحنابلة إلى عدم صحة هذا
الوقف، لأن الوقف تمليك منجز فلم يصح(٢).
الوقف على الأولاد:
٥٠- إذا ذكر الواقف طبقة واحدة فى الوقف
على الأولاد كأن يقول: وقفت على ولدي أو
وقفت على ولدي ثم على المساكين، فإنه في هذه
الحال ينفرد بالاستحقاق من يكون موجوداً من
أولاده، سواء كان واحداً أو أكثر من واحد،
ذكراً أو أنثى، لأن الولد يقع على الواحد
والجمع والذكر والأنثى كما قاله أهل
اللغة، ويكون بينهم بالسوية لأنه جعله
لهم، وإطلاق التشريك يقتضي التسوية،
(١) الإسعاف ص١٦ الطبعة الثانية طبعة هندية، وحاشية
ابن عابدين ٣٦٥/٣-٣٦٦، والفتاوى الهندية
٣٥٧/٢-٣٥٨، وفتح القدير ٢٠٢/٦، والدسوقي
٨٧/٤-٨٨، والشرح الصغير ٣٠٠/٢، ومغني
المحتاج ٣٨٤/٢، وشرح منتهى الإرادات ٢/
٤٩٨، ونيل المآرب ١٤/٢.
(٢) المهذب ٤٤٨/١، وشرح منتهى الإرادات ٤٨٥/٢،
ونيل المآرب ١٣/٢، وروضة القضاة للسمناني
: ٢/ ٧٩٤.
- ١٥٠-

وقف ٥١
وإذا لم يكن له إلا ولد واحد فإنه يأخذ جميع غلة
الوقف، وهذا باتفاق(١).
وإذا ولد له ولد بعد ذلك فإنه يدخل في
الاستحقاق عند الحنفية والمالكية والشافعية،
وهو رواية عن الإمام أحمد اختارها ابن أبي
موسى، وأفتى به ابن الزاغوني، وهو ظاهر كلام
القاضي وابن عقيل، وجزم به في المبهج
والمستوعب واختاره في الإقناع.
والرواية الثانية: لا يدخل في الاستحقاق
الولد الذي يحدث بعد الوقف وهو المذهب(٢).
٥١- واختلف الفقهاء في دخول أولاد
الأولاد فيما لو قال: وقفت على ولدي،
فعند الحنفية والأصح عند الشافعية وهو
قول القاضي وأصحابه من الحنابلة لا
يدخل أولاد الأولاد، سواء في ذلك ولد
البنين وولد البنات، لأن الولد حقيقة
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين عليه ٤٣٦/٣ -
٤٣٧، والإسعاف ٩٥-٩٦، وفتح القدير ٢٤٢/٦-
٢٤٣، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤/ ٩٣،
والمهذب ٤٥١/١، ومغني المحتاج ٣٨٧/٢،
وكشاف القناع ٢٧٧/٤ -٢٧٨.
(٢) فتح القدير ٢٤٣/٦، وأحكام الأوقاف ص١٠٤،
وحاشية الدسوقي ٧٧/٤، ٨٩، ومغني المحتاج
٣٨٧/٢، والروضة ٣٣٧/٥، ونهاية المحتاج
٣٧٨/٥، وكشاف القناع ٢٧٨/٤، ومنتهى الإرادات
٥٠٨/٢، والإنصاف ٧/ ٧٤ وما بعدها.
وعرفاً إنما هو ولده لصلبه، وإنما يسمى
ولد الولد ولداً مجازاً، ولأن الواقف
اقتصر في الاستحقاق على طبقة واحدة
وهي البطن الأول، ولم يوجد نص أو شرط
بدخول أولاد الابن(١).
وذهب المالكية وهو المذهب عند الحنابلة
وقول عند الشافعية إلى أن أولاد الابن فقط دون
الإناث یدخلون، لأن ولد ولده ولد له بدليل قوله
تعالى: ﴿يَقِّ مَادَمَ﴾(٢) و﴿يَبِىّ إِمْرَّهِيلَ﴾(٣) وقول
النبي : (ارموا بني إسماعيل، فإن أباكم كان
رامياً)»(٤)، ولا يدخل في ذلك أولاد البنات
لأنهم من رجل آخر، ولأن أولاد البنات ينسبون
إلى آبائهم على ما قاله الشاعر:
بنونا بنو آبائنا وبناتنا
بنوهن أبناء الرجال الأباعد(٥)
(١) الإسعاف ص٩٦، ومغني المحتاج ٣٨٧/٢،
والروضة ٣٣٥/٥-٣٣٦، والمغني ٦٠٩/٥.
(٢) سورة الأعراف/ ٣١.
(٣) سورة البقرة/ ٤٠.
(٤) حديث: ((ارموا بني إسماعيل .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤١٣/٦) من حديث
سلمة بن الأكوع.
(٥) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٦/ ٤٤، ومنح
الجليل ٧٣/٤، والروضة ٣٣٦/٥، ومغني المحتاج
٣٨٧/٢، وكشاف القناع ٢٧٨/٤، وشرح المنتهى
٥٠٨/٢، والإنصاف ٧٤/٧.
-١٥١-

وقف ٥٢
وفي قول عند الشافعية ورواية عن أحمد
اختارها أبو الخطاب أن أولاد الأولاد يدخلون
في الوقف على الأولاد مطلقاً، سواء كانوا أولاد
البنين أو أولاد البنات لأن البنات أولاده،
وأولادهن أولاد أولاده لقوله تعالى في
شأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام: ﴿وَمِن
ذُرِّيَّتِ دَاوُودَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾(١) وهو
ولد بنته- وقوله: ((إن ابني هذا
سيد))(٢) يعني الحسن.
وذهب جمهور الفقهاء: الحنفية والشافعية
والحنابلة إلى أنه إن لم یکن للواقف أولاد حین
الوقف على الولد، وكان له أولاد أولاد، فإن
اللفظ يحمل عليهم لوجود القرينة، وصيانة
لكلام المكلف عن الإلغاء كما قال
الشافعية، ویکون ولد الابن عند عدم ولد
الصلب بمنزلة الولد الصلبي، قال في الدر
المختار: إن لم يكن للواقف ولد صلب
حين الوقف على الولد فيختص بولد الابن
ولو أنثى، لأن لفظ الولد يعمه دون من
دونه من البطون، ودون ولد البنت في الصحيح.
قال ابن عابدين: وهو ظاهر الرواية وبه أخذ
(١) سورة الأنعام/ ٨٤-٨٥.
(٢) حديث: «إن ابني هذا سيد .. )
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٠٧/٥) من حديث
أبي بكرة.
هلال، لأن أولاد البنات ينسبون إلى آبائهم لا
آباء أمهاتهم بخلاف ولد الابن، وقال في
الإسعاف: وذكر الخصاف عن محمد أنه
يدخل فيه أولاد البنات، والصحيح ظاهر
الرواية.
ونقل ابن عابدين عن الخصاف أنه إن لم يكن
له ولد لصلبه ولا ولد ولد، و کان له ولد ولد ولد
فالغلة له، ولمن كان أسفل من البطون، وعم
نسله الأقرب والأبعد، إلا أن یذکر ما يدل على
الترتيب(١).
٥٢- ويستوي عند جمهور الفقهاء: المالكية
والشافعية والحنابلة أن يقول الواقف: على
ولدي بصيغة الإفراد، أو على أولادي بصيغة
الجمع.
وأما عند الحنفية فالحكم يختلف، فما سبق
من أحكام إنما هو إذا كان الوقف بصيغة الإفراد،
أما إذا قال الواقف: وقفت على أولادي بلفظ
الجمع، فقد نقل ابن عابدين عن الاختيار أنه
يشمل جميع البطون لعموم اسم الأولاد، ويقدم
البطن الأول، فإذا انقرض فالثاني، ثم من
بعدهم، يشترك فيه جميع البطون على
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٤٣٧، والإسعاف ص٩٦،
وفتح القدير ٢٤٣/٦، ومغني المحتاج ٣٨٧/٢،
والمغني ٦٠٩/٥، ونهاية المحتاج ٣٧٨/٥.
-١٥٢-

..
وقف ٥٣-٥٤
السواء قریبهم وبعیدهم، لکن قال ابن عابدين :
إن ذلك مخالف لما في الخانية ففيها : رجل وقف
أرضاً على أولاده وجعل آخره للفقراء فمات
بعضهم قال هلال: يصرف الوقف إلى الباقي فإذا
ماتوا يصرف إلى الفقراء لا إلى ولد الولد، وهو
موافق لما في الخلاصة والبزازية وخزانة
الفتاوى وخزانة المفتين(١).
وإن خصص في وقفه الذكور دون الإناث
اختص بهم، وكذا إذا ذكر أولاده بالاسم فقال:
وقفت على أولادي فلان وفلان فلا يشمل
المسكوت عنه من أولاده(٢).
الوقف على الأولاد وأولاد الأولاد:
٥٣- لو قال الواقف: وقفت على ولدي،
وولد ولدي فقط، أي لم يذكر أكثر من ذلك، فعند
الحنفية يقتصر عليهما أي على البطنين
ويشتركون في الغلة، ولا يقدم الصلبي على
ولدالا بن، لأنه سوّى بينهما حيث لم يذكر ما يدل
على الترتيب، فإذا انقرض الأولاد وأولادهم
صرفت الغلة إلى الفقراء لانقطاع الموقوف
عليه، ولا يدخل البطن الثالث حيث لم
يذكر الولد بلفظ الجمع، ولو زاد فذكر
البطن الثالث بأن قال: على ولدي، وولد
(١) حاشية ابن عابدين ٤٣٨/٣.
(٢) حاشية الدسوقي ٩٢/٤، ومواهب الجليل ٤٤/٦،
وكشاف القناع ٢٨١/٤، وفتح القدير ٢٤٣/٦.
ولدي، وولد ولد ولدي، عم نسله فتصرف
الغلة إلى أولاده ما تناسلوا لا للفقراء ما
بقي واحد من أولاده وإن سفل، ويشترك
جميع البطون في الغلة لعدم ما يدل على
الترتيب، إلا أن يذكر ما يدل على
الترتيب، كأن يقول: الأقرب فالأقرب، أو
يقول: على ولدي ثم على ولد ولدي
وهكذا، أو يقول: بطنا بعد بطن فحينئذ
يبدأ بما بدأ به الواقف(١).
أما لو ذكر الأولاد بلفظ الجمع بأن قال: على
أولادي وأولاد أولادي فإن الغلة تصرف إلى
أولاده وأولاد أولاده أبداً ما تناسلوا، ولا
يصرف إلى الفقراء ما دام واحد منهم باقياً
وإن سفل، لأن اسم الأولاد يتناول الكل،
بخلاف اسم الولد فإنه يشترط فيه ذكر ثلاثة
بطون حتى يصرف إلى النوافل(٢) ما تناسلوا،
والأقرب والأبعد في الغلة سواء، فتقسم بينهم
على عدد رؤوسهم، والأنثى مثل الذكر(٣).
هل يدخل أولاد البنت في الوقف على
الأولاد:
٥٤- اختلف الحنفية في دخول ولد البنت،
(١) حاشية ابن عابدين ٤٣٧/٣، والإسعاف ص٩٨.
(٢) النوافل جمع نافلة، ومن معانيها: ولد الولد
(المصباح المنير).
(٣) الإسعاف ص٩٨.
-١٥٣-

وقف ٥٤
قال ابن عابدين: اعلم أنهم ذكروا أن ظاهر
الرواية المفتى به عدم دخول أولاد البنات في
الأولاد مطلقاً، أي سواء قال: على أولادي
بلفظ الجمع أو بلفظ اسم الجنس كولدي،
وسواء اقتصر على البطن الأول أو ذكر
البطن الثاني مضافاً إلى البطن الأول:
المضاف إلى ضمير الواقف كأولادي
وأولاد أولادي، أو العائد على الأولاد
كأولادي وأولادهم على ما في أكثر الكتب.
وقال الخصاف: يدخلون في جميع ما ذكر.
وقال علي الرازي: إن ذكر البطن الثاني بلفظ
اسم الجنس المضاف إلى ضمير الواقف كولدي
وولد ولدي لا يدخلون، وإن ذكره بلفظ الجمع
المضاف إلى ضمير الأولاد کأولادي، وأولاد
أولادهم دخلوا.
وقال شمس الأئمة السرخسي : لا يدخلون في
البطن الأول رواية واحدة، وإنما الخلاف في
البطن الثاني، وظاهر الرواية الدخول لأن ولد
الولد اسم لمن ولده ولده، وابنته ولده، فمن
ولدته بنته يكون ولد ولده حقيقة(١).
وفي الإسعاف: قال هلال: لو قال الواقف
وقفت على ولدي وولد ولدي ولم يزد علیه تكون
الغلة بین أولا ده وأولاد ابنه. لأنه سوى بينهما في
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٤٣٤.
الذكر، ويدخل ولد البنت.
ونقل صاحب الإسعاف قول علي الرازي
الذي ذكره ابن عابدين، ثم قال: والصحيح ما
قال هلال، لأن اسم ولد الولد کما یتناول أولاد
البنين يتناول أولاد البنات(١).
وقال المالكية: لو قال الواقف: وقفت على
ولدي فلان وفلانة وأولادهم، فإنه يتناول
الحافد أي ولد البنت، ولو قال: وقفت
على ولدي الذكر والإناث فمن مات منهم
فولده بمنزلته دخل ولد البنت إن كان قوله
(فمن مات) من تمام صيغة الوقف، فإن
ذكر ذلك بعد مدة لم يدخل ولد البنت عند
مالك، واقتصر عليه في معين الحكام لتأخره عن
تمام الوقف، إلا أن يكون اشترط لنفسه حين
الوقف الإدخال والإخراج والتغيير والتبديل،
وذكر أنه أدخلهم.
فإن قال: وقفت على ابنتي وولدها دخل
أولادها الذكور والإناث، فإن ماتوا کان لأولاد
الذکور ذکورهم وإناثهم، ولا شيء لا بن بنت
ذکر، ولا لا بن بنت أنثى.
واختلف المالكية في دخول ولد البنت في
الاستحقاق فيما لو قال الواقف: وقفت على
ولدي وولد ولدي، أو قال: وقفت على أولا دي
وأولاد أولادي.
(١) الإسعاف ص٩٧.
-١٥٤-

وقف ٥٤
فذهب جماعة من الشيوخ إلى أن ولد البنات
يدخلون فيه وهو ظاهر اللفظ، لأن الولد يقع على
الذكر والأنثى، وهو رواية أبي الحسن عن
المدونة عن أبي محمد، ونقله ابن غازي
في تكميله وقال عقيبه: وهو المشهور،
وقيل: إن ولد البنت لا يدخل ولا يستحق،
وهذا هو الذي رواه ابن وهب وابن عبدوس عن
مالك ورجحه ابن رشد في المقدمات(١).
کما اختلف المالکیة في دخول ولد البنت فیما
لو قال: وقفت على ولدي وولدهم، فأفتى أهل
قرطبة بدخول أولاد البنات في الوقف وقضی به
ابن السليم، وقال الإمام مالك: لا يدخلون في
الوقف، قال ابن رشد: وأكثر هذه المسائل مبنية
على العرف(٢).
وقال الشافعية: لو وقف على أولاده وأولاد
أولاده دخل فيه أولاد البنين والبنات لصدق
اللفظ بهم، فإن قال: على من ينتسب إليّ من
أولاد أولادي لم يدخل البنات على الصحيح،
لأنهم لا ينسبون إليه بل إلى آبائهم(٣).
واختلف الشافعية في دخول البطن الثالث
فيما لو وقف على بطنين فقط، قال النووي: لو
وقف على أولا ده وأولاد أولا ده ففي دخول أولاد
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤/ ٩٣.
(٢) منح الجليل ٧٤/٤، ٧٥.
(٣) روضة الطالبين ٣٣٦/٥، ومغني المحتاج ٣٨٨/٢.
أولاد أولاده الخلاف (أي الخلاف السابق في
دخول أولاد الأولاد في الوقف على الأولاد،
وفيه أوجه أصحها لا يدخلون)(١).
ولو قال الواقف: وقفت على أولا دي وأولاد
أولادي فإنه يقتضي التسوية في أصل الإعطاء
والمقدار بين الكل، وهو جميع أفراد الأولاد
وأولادهم ذكرهم وأنثاهم، لأن الواو لمطلق
الجمع لا للترتيب كما هو الصحيح عند
الأصوليين، وكذا يسوى بين الكل لو زاد
فقال: ما تناسلوا، أي أولاد الأولاد،
وكذا لو قال: بطنا بعد بطن أو نسلاً بعد
نسل فإنه يقتضي التسوية بين الجميع،
فيشارك البطن الأسفل البطن الأعلى، وهذا
ما جرى عليه البغوي والفوراني والعبادي.
وذهب الجمهور إلى أن قوله بطناً بعد بطن
للترتيب وصححه السبكي تبعاً لابن يونس.
ولو قال الواقف وقفت على أولا دي ثم أولاد
أولا دي ثم أولادهم ما تناسلوا أو بطناً بعد بطن
فهو للترتيب، فلا يصرف إلى البطن الثاني شيء
ما بقي من البطن الأول واحد، ولا إلى الثالث ما
بقي من الثاني أحد(٢).
وقال الحنابلة: من وقف على ولده وولد ولده
دخل في الوقف أولاد البنين، ولا يدخل أولاد
(١) روضة الطالبين ٣٣٦/٥.
(٢) مغني المحتاج ٣٨٦/٢-٣٨٧، وروضة الطالبين
٣٣٤/٥-٣٣٦.
-١٥٥-

..
وقف ٥٥
٠٠
البنات إلا بقرينة كقوله: من مات عن ولد فنصيبه
لولده و کقوله: وقفت على أولا دي فلان وفلان
وفلانة ثم أولادهم، أو قال: على أن لولد الذكر
سهمين ولولد الأنثى سهماً فإنه يدخل أولاد
البنات.
وقال أبو بكر وعبد الله بن حامد: يدخل فيه
ولد البنات(١).
وإن قال: وقفت على ولدي وولد ولدي ما
تناسلوا وتعاقبوا الأعلى فالأعلى، أو الأقرب
فالأقرب، أو الأول فالأول، أو البطن الأول ثم
البطن الثاني، أو على أولادي ثم على أولاد
أولادي، أو على أولادي فإذا انقرضوا فعلى
أولاد أولادي، فكل هذا على الترتيب، فيكون
على ما شرط ولا يستحق البطن الثاني شيئاً حتى
ينقرض البطن الأول كله، ولو بقي واحد من
البطن الأول كان الجميع له.
وإن قال: على أولادي وأولادهم ما تعاقبوا
وتناسلوا علی أنه من مات منهم عن ولد کان ما
كان جارياً عليه جارياً على ولده كان ذلك دليلاً
على الترتیب، فإذا ثبت الترتيب فإنه يترتب بین
كل ولد وولده، فمن مات عن ولد انتقل إلى ولده
سهمه سواء بقي من البطن الأول أحد أو لم يبق.
وإن رتب بعضهم دون بعض فقال: وقفت على
(١) شرح منتهى الإرادات ٥٠٨/٢، والمغني ٦١٥/٥.
ولدي وولد ولدي ثم على أولادهم، أو قال:
وقفت على أولادي ثم على أولاد أولادي
وأولادهم ما تناسلوا وتعاقبوا، أو قال:
وقفت على أولادي وأولاد أولادي ثم على
أولادهم وأولاد أولادهم ما تناسلوا فهو
على ما قال، يشترك من شرك بينهم بالواو
المقتضية للجمع والتشريك، وترتيب من
رتبه بحرف الترتيب وهو ثم، ففي المسألة
الأولى يشترك الولد وولد الولد، ثم إذا
انقرضوا صار لمن بعدهم، وفي الثانية
يختص به الولد، فإذا انقرضوا صار مشتركًا
بين من بعدهم، وفي الثالثة يشترك فيه البطنان
الأولان دون غيرهم، فإذا انقرضوا اشترك فيه من
بعدهم(١).
الوقف على البنین:
٥٥- يختلف الفقهاء في الوقف على البنين
هل يشمل الذكور والإناث، أم يقتصر على
الذکور؟
فذهب الحنفية على الأوجه وبعض المالكية
إلى أن من وقف على بنيه فإنه يشمل الذكور
والإناث(٢).
(١) المغني ٦١٠/٥-٦١١، وكشاف القناع ٤/ ٢٨٠.
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٣٣/٣، ٤٣٨،
وشرح الزرقاني ٧/ ٩٠، والشرح الكبير مع حاشية
الدسوقي ٤ / ٩٣.
-١٥٦-

وقف ٥٦
جاء في الإسعاف: لو قال الواقف: وقفت
على بني وله بنون وبنات، قال هلال: تكون الغلة
بينهم جميعاً بالسوية، لأن البنات إذا جمعن مع
البنين ذكرن بلفظ التذكير، وهو رواية عن أبي
حنيفة، وكذلك لو قال: على إخوتي وله إخوة
وأخوات تكون الغلة لهم جميعاً لقوله تعالى:
﴿فَإِنِ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ﴾(١) وأنه يشمل الإناث.
وقال الحنفية: ولو قال الواقف: وقفته على
بنيّ وله بنات فقط، أو قال: على بناتي وله بنون
لا غير تكون الغلة للمساكين ولا شيء لهم،
ويكون وقفاً منقطعاً، ولا شيء للبنات أو البنين
لعدم صدق كل منهما على مدلول الآخر، فإن
حدث بعد ذلك أن ولد له بنون في الأول أو ولد له
بنات في الثاني عاد الوقف إليهم.
ولو قال: على بناتي وله بنات وبنون تكون
الغلة للبنات فقط لعدم شمول لفظ البنات البنین،
ولو قال: وقفت على بنيّ وكان له ابنان أو أكثر
تکون الغلة کلها لهم، وإن کان له ابن واحد فإنه
يستحق نصف الغلة والنصف الآخر للمساکین،
لأن أقل الجمع اثنان هنا كالوصية(٢).
وعند الشافعية والحنابلة وبعض المالكية لو
وقف على بنيه لا يدخل الإناث، وتكون الغلة
(١) سورة النساء/ ١١.
(٢) الإسعاف ص٩٦، والدر المختار ٤٣٨/٣.
للذكور خاصة، لأن البنين اسم للذكور
حقيقة(١)، قال تعالى: ﴿أَصْطَفَى الْبَنَاتِ عَلَى
الْبَنِينَ ﴾(٢)، وقال تعالى: ﴿زُّيِّنَ لِلنَّاسِ
حُبُّ الشَّهَوَتِ مِنَ النِّسَةِ وَالْبَنِينَ﴾(٣).
وعند الحنفية والحنابلة وفي أصح الوجهين
عند الشافعية أن الواقف لو وقف على بني فلان
وهم قبيلة- كالوقف على بني تميم - فإنه يشمل
الذكور والإناث، لأنه يعبر به عن القبيلة.
ولا يدخل أولاد النساء من غير القبيلة وفي
الوجه الآخر عند الشافعية: أن الإناث لا يدخلن
لأن البنين اسم للذكور حقيقة (٤).
الوقف على الذرية والنسل والعقب:
أ- الوقف على الذرية:
٥٦- لو قال الواقف: وقفت على ذريتي فإنه
يشمل أولاده الذكور والإناث، وأولاد أولاده
الذكور والإناث وهكذا، وهذا عند الحنفية
والمالكية والشافعية وأحمد في رواية، لأن
البنات أولاده وأولادهن أولاد أولاده
(١) المهذب ٤٥١/١، والإنصاف ٨٤/٧، وكشاف القناع
٤/ ٢٨٥، وشرح منتهى الإرادات ٥١١/٢، والشرح
الكبير مع الدسوقي ٤/ ٩٣.
(٢) سورة الصافات/ ١٥٣.
(٣) سورة آل عمران/ ١٤.
(٤) الإسعاف ص٩٦، والمهذب ٤٥٠/١، وكشاف
القناع ٢٨٥/٤، وروضة الطالبين ٣٣٦/٥.
-١٥٧-

وقف ٥٧-٥٩
حقيقة لقوله تعالى ﴿وَمِنْ ذُرِيَّتِهِ، دَاوُدَ﴾ إلى قوله
تعالى: ﴿وَعِيسَى﴾(١) وقول النبي ويكليزي: ((إن ابني
هذا سيد))(٢) يعني الحسن، قال البهوتي: وقال
في الشرح: والقول بدخولهم أصح وأقوى دليلاً.
وعند الحنابلة يدخل في الوقف أولاد الواقف
ذکورهم وإناثهم، وأولاد أولا ده الذكور دون
أولاد الإناث، فلا يدخل أولاد البنات إلا بقرينة
لأنهم لا ينتسبون إليه(٣).
ب- الوقف على النسل:
٥٧- لو قال الواقف: وقفت على نسلي فعند
المالكية والحنابلة- في المذهب- وفي رواية
عند الحنفية يدخل في الوقف أولاد الواقف
ذکورهم وإناثهم، وأولاد الذكور من ولده دون
أولاد الإناث.
قال الحنابلة: فلا يدخل أولاد البنات إلا
بقرينة لأنهم لا ينتسبون إليه.
و قال المالکیة: وهذا ما لم يجر عرف بدخول
أولاد البنات في ذلك، لأن مبنى ألفاظ الواقف
على العرف.
(١) سورة الأنعام/ ٨٤-٨٥.
(٢) حديث: «إن ابني هذا سيد .. ))
تقدم تخريجه ف٥١.
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٣٣/٣، والشرح
الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤ /٩٢، ٩٣، وروضة
الطالبين ٣٣٧/٥، وكشاف القناع ٤/ ٢٨٧،
والمهذب ٤٥١/١.
وعند الشافعية وفي رواية عند الحنفية ورواية
عن الإمام أحمد أن أولاد البنات يدخلون في
الوقف على النسل كأولاد الذكور، لأن الجميع
من نسله(١) لقوله تعالى: ﴿وَمِنْ ذُرِّيَّتِهِ دَاوُدَ
وَسُلَيْمَنَ﴾ إلى قوله: ﴿وَعِيسَى﴾(٢).
ج- الوقف على العقب:
٥٨- لو قال الواقف: وقفت على عقبي فعند
الحنفية والمالكية والحنابلة- في المذهب-
يدخل في الوقف أولاد الواقف ذكورهم
وإناثهم، وأولاد الذكور من أولاده دون
أولاد الإناث، إلا أن يكون أزواجهن من
ولد ولده الذكور، قال المالكية: إلا أن
يجري عرف بدخول أولاد البنات، لأن
مبنى ألفاظ الواقف على العرف.
وعند الشافعية وفي رواية عن الإمام أحمد
يدخل أولاد البنات في الوقف على العقب(٣).
الوقف على القرابة:
٥٩- اختلف الفقهاء فيما يشمله لفظ القرابة
في الوقف على القرابة، فقال الحنفية: قرابته
(١) حاشية ابن عابدين ٤٣٩/٣، والشرح الكبير مع
حاشية الدسوقي: ٩٣/٤، والمهذب ٤٥١/١،
وكشاف القناع ٢٨٧/٤، ومغني المحتاج ٣٨٨/٢.
(٢) سورة الأنعام/ ٨٤-٨٥.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤٣٩/٣، وحاشية الدسوقي
٩٣/٤، والمهذب ٤٥١/١، وكشاف القناع ٤/
٢٨٧، ومغني المحتاج ٣٨٨/٢.
-١٥٨-

وقف ٦٠
وأرحامه وأنسابه كل من ينتسب إلى أبويه إلى
أقصى أب له في الإسلام، وهو الذي أدرك
الإسلام أسلم أو لم يسلم، وقيل: يشترط إسلام
الأب الأعلى، ولا يشمل ذلك أبويه وولده لصلبه
فإنهم لا يسمون قرابة اتفاقاً، وكذا من علا منهم
أو سفل عند أبي حنيفة وأبي يوسف، خلافاً
لمحمد فقد عدهم من القرابة (١).
وقال المالكية: يتناول لفظ الأقارب أقارب
جهة أبيه وجهة أمه ذكوراً وإناثاً، وسواء كان من
يقرب لأمه من جهة أبيها أوجهة أمها، ذكوراً
وإناثاً كولد الخال أو الخالة ولو كانوا كفاراً،
فلا فرق بين المسلم والكافر لصدق اسم القرابة
عليه(٢).
وقال الشافعية: إن وقف على أقاربه دخل فيه
كل من تعرف قرابته غير الأصل والفرع في
الأصح، فإن كان للواقف أب یعرف به وینسب
إليه دخل في وقفه کل من ينسب إلى ذلك الأب،
ولا يدخل فيه من ينسب إلى أخي الأب أو أبيه،
ويستوي فیمن یدخل من قرب وبعد من أقاربه،
ويستوي فيه الذكر والأنثى، لتساوي الجميع في
القرابة، وإن حدث قریب بعد الوقف دخل فيه.
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٣٩/٣.
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ٩٤.
ومقابل الأصح أن الأصل والفرع
يدخلون(١).
وقال الحنابلة: لو وقف على قرابته أو قرابة
زيد فهو للذكر والأنثى من أولاده وأولاد أبيه
وهم إخوته وأخواته، وأولاد جده وهم أبوه
وأعمامه وعماته، وأولاد جد أبيه وهم جده
وأعمامه وعمات أبيه فقط، لأن النبي ◌َّه لم
يجاوز بني هاشم بسهم ذوي القربى فلم يعط من
هو أبعد كبني عبد شمس وبني نوفل شيئاً، وإنما
أعطى بني المطلب لأنهم لم يفارقوه في جاهلية
ولا إسلام ولم يعط قرابته من جهة أمه وهم بنو
زهرة شيئاً منه.
ويسوى من يعطى منهم، فلا يفضل أعلى ولا
فقيراً ولا ذكراً على من سواه وهذا هو المذهب،
ولا يدخل في الوقف على قرابته من يخالف دينه
دين الواقف، فإن كان الواقف مسلماً لم يدخل
في قرابته كافرهم، وإن كان كافراً لم يدخل
المسلم في قرابته إلا بقرينة (٢).
الوقف على الآل والأهل:
٦٠- الآل والأهل بمعنى واحد عند جمهور
الفقهاء ولکن مدلولهما يختلف، ولذلك يختلف
(١) المهذب ٤٥١/١، ومغني المحتاج ٦٣/٣، وروضة
الطالبين ١٧٦/٦.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٥١١/٢، والإنصاف ٨٥/٧،
وکشاف القناع ٢٨٧/٤.
-١٥٩-

وقف ٦١
من يشمله في الوقف على الآل والأهل:
فيرى الحنفية والشافعية والحنابلة أن الوقف
على الآل والأهل كالوقف على القرابة.
ويرى المالكية أن الوقف على الآل والأهل
يشمل العصبة(١).
انظر التفصيل في مصطلح (آل ف٣).
انقراض الموقوف علیھم:
٦١- الانقراض في اللغة: الانقطاع،
وانقرض القوم: درجوا ولم يبق منهم أحد(٢).
والفقهاء يستعملونه بنفس المعنى اللغوي
وهم تارة يستعملون لفظ (انقراض) وتارة
يستعملون لفظ (انقطاع) والمعنى واحد
عندهما(٣)، إلا أنهم غالباً ما يستعملون
لفظ انقراض في ترتيب الطبقات أو البطون
في الاستحقاق في الوقف وذلك اتباعاً لشرط
الواقف، فإذا قال الواقف: وقفت على وَلَديّ
هذين فإذا انقرضًا فهي على أولادهما أبداً ما
تناسلوا، قال الشيخ الإمام أبو بكر محمد بن
(١) الفتاوى الهندية ٣٩١/٢، وابن عابدين ٤٣٩/٣،
والبدائع ٣٤٩/٧ -٣٥٠، وحاشية الدسوقي ٤ / ٩٤،
وروضة الطالبين ١٧٤/٦ وما بعدها، وقليوبي وعميرة
١٧١/٣، وشرح منتهى الإرادات ٥١١/٢،
والإنصاف ٧/ ٨٧.
(٢) لسان العرب ومختار الصحاح.
(٣) المغني ٦٢٣/٥، والمهذب ٤٤٨/١.
الفضل: إذا انقرض أحد الولدين وخلّف ولدا
يُصرف نصف الغلة إلى الباقي، والنصف الآخر
يصرف إلى الفقراء، فإذا مات الولد الآخر
يصرف جميع الغلة إلى أولاد أولاده لأن
مراعاة شرط الواقف لازمة في الوقف،
وهو إنما جعل لأولاد الأولاد بعد انقراض
البطن الأول فإذا مات أحدهما يصرف
الغلة إلى الفقراء (١).
والترتيب بين البطون قد يكون بحرف العطف
(ثم) أو (الفاء) فلو قال الواقف: وقفت على
أولادي، ثم على أولاد أولادي، ثم على أولاد
أولا دا ولا دي ما تناسلوا أو بطناً بعد بطن فتصرف
غلة الوقف إلى البطن الأول وهم أولاده، لا
يصرف إلى البطن الثاني شيء إلا بعد انقراض
البطن الأول، ولا يصرف إلى البطن الثالث شيء
ما بقي من البطن الثاني واحد (٢).
وقد يقصد بالانقراض انقطاع جهة الوقف،
ولذلك اختلف الفقهاء في الوقف على جهة
تنقرض دون أن یذکر بعدها جهة أخری کالوقف
على الأولاد فقط.
وقد تم تفصيل ذلك وبيان أقوال الفقهاء فيه في
فقرة (٤٨).
(١) الإسعاف ص٩٩، وکشاف القناع ٢٧٨/٤ -٢٧٩.
(٢) الروضة ٥/ ٣٣٤، ونهاية المحتاج ٣٧٥/٥، والمغني
٦١١/٥.
-١٦٠-