Indexed OCR Text
Pages 41-60
وطء ٤٦ امتنع عن التكفير، كان لها أن ترفع الأمر إلى القاضي، وعلى القاضي أن يأمره بالتكفير، فإن أبى أجبره بما يملك من وسائل التأديب حتى يكفر أو يطلق. وهذا عند الحنفية ووجهه : أن الزوج قد أضر بزوجته بتحريمها عليه بالظهار، حيث منعها حقها في الوطء مع قيام الزوجية بينهما، فكان للزوجة المطالبة بإيفاء حقها ودفع الضرر عنها ، والزوج في وسعه إيفاء حق الزوحة بإزالة الحرمة بالكفارة، فيكون ملزماً بذلك شرعاً. فإذا أصر على الامتناع أجبره القاضي على التكفير أو الطلاق(١). وذهب المالكية إلى التفريق بين حالة عجز المظاهر عن الكفارة وحالة قدرته عليها، فقالوا: إذا عجز المظاهر عن الكفارة، كان لزوجته أن تطلب من القاضي الطلاق، لتضررها من ترك الوطء، وعلى القاضي أن يأمر الزوج بالطلاق، فإن امتنع طلق عليه القاضي في الحال، وكان الطلاق رجيعاً. فإن قدر الزوج على الكفارة قبل انقضاء العدة كفر وراجعها. أما إذا كان المظاهر قادراً على الكفارة، وامتنع عن التكفير، فللزوجة طلب الطلاق من (١) بدائع الصنائع ٢٣٤/٣، والفتاوى الهندية ٤٥٦/١، وفتح القدير ٢٢٥/٣، وعقد الجواهر الثمينة ٢٢٩/٢، والمغني لابن قدامة ٦٦/١١. القاضي، فإن طلبت الطلاق، فإنه لا يطلقها حتى تمضي أربعة أشهر - كما في الإيلاء- فإن مضت أربعة أشهر، أمر القاضي الزوج بالطلاق أو التكفير، فإن امتنع طلق القاضي عليه، وكان الطلاق رجعياً (١). وصرح الحنابلة بأنه إن كان المولي مظاهراً لم يؤمر بالوطء، لأنه محرم عليه قبل التكفير فهو عاجز عنه شرعاً أشبه بالمريض، ويقال له: إما أن تكفر وتفيء وإما أن تطلق، فإن طلب الإمهال ليطلب رقبة يعتقها أو طعاماً يشتريه ويطعمه للمساكين - إن كان عاجزاً عن العتق - والصوم أمهل ثلاثة أيام لأنها مدة قريبة. وإن عُلم أن المظاهر قادر على التكفير في الحال وإنما قصده المدافعة لم يمهل، لأنه إنما يمهل للحاجة ولاحاجة هنا. وإن كان فرض المظاهر الصيام لقدرته عليه وعجزه عن العتق وطلب أن يمهل ليصوم لم يمهل حتى يصوم شهرين متتابعين لأنه كثير بل يؤمر أن يطلق. وإن كان بقي على المظاهر من الصيام مدة يسيرة عرفاً أمهل فيها كسائر المعاذير(٢). (١) الخرشي مع حاشية العدوي ٢٣٥/٣، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤٣٣/٢. (٢) كشاف القناع ٣٦٥/٥، وانظر المغني ٣٢٨/٧ (ط الرياض). -٤١- وطء ٤٧-٤٩ و- عدم تمكين الزوجة زوجها من وطئها حتی تقبض مهرها: ٤٧- اتفق الفقهاء على أن الرجل إذا سلم زوجته مهرها، وجب علیھا أن تمکنه من نفسها إذا طلب ذلك منها، ولم يكن هناك ثمة مانع شرعي، كما اتفقوا على أنه ليس لها أن تمنع زوجها إذا كان المهر كله مؤجلاً أو كان بعضه مؤجلاً- لأنها لا تملك طلبه- وقبضت القدر المعجل منه، لأن رضاها بتأخير حقها رضاً بتسليم نفسها قبل قبضه، كالثمن المؤجل في البيع، فقد أسقطت حق نفسها بالتأجيل، فلا يسقط حق زوجها، لانعدام الإسقاط من جهته، ورضاها بالسقوط. لكن الحنفية قيدوا قولهم فیما إذا كان المهر کله مؤجلاً بأن یکون الزوج قد اشترط عليها الدخول بها قبل حلول الأجل ورضيت به، فإن لم يشترط ذلك فقولان(١). ٤٨- أما إذا كان المهر كله معجلاً، أو بعضه ولم يدفع إليها الزوج القدر المعجل، فهل يحق للزوجة أن تمتنع من تمكينه من وطئها حتى تقبضه؟ ذهب جماهير الفقهاء من الحنفية والشافعية (١) رد المحتار ٣٥٩/٢، وفتح القدير ٢٤٩/٣، ومغني المحتاج ٢٢٢/٣، والحاوي الكبير ١٦٣/١٢، ١٦٤، وعقد الجواهر الثمينة ٩٦/٢، وشرح منتهى الإرادات ٨٤/٣، والمغني ١٠/ ١٧١. والمالكية والحنابلة إلى أن الزوجة أن تمنع نفسها من زوجها قبل الدخول بها حتى تقبض مهرها المعجل، أو القدر المعجل منه إن كان بعضه حالاً وبعضه مؤجلاً، لأن المهر عوض عن بضعها، كالثمن عوض عن المبيع، فكما أن للبائع حق حبس المبيع لاستيفاء الثمن الحال، فللمرأة حق حبس نفسها عن زوجها لاستيفاء مهرها المعجل، ولأن المنفعة المعقود عليها تتلف بالاستيفاء، فإذا تعذر استيفاء المهر عليها، لم يمكنها استرجاع عوضها، فلذلك ملكت الامتناع من التسليم حتى تقبضه (١). وقد حكى ابن المنذر الإجماع على ذلك(٢). أثر الوطء في سقوط حق الزوجة في الامتناع عن تسليم نفسها حتى تقبض معجّل صداقها : ٤٩- اختلف الفقهاء في سقوط حق الزوجة في منع نفسها عن زوجها حتى تقبض معجل (١) بدائع الصنائع ٢٨٨/٢، ورد المحتار ٣٥٨/٢، ومغني المحتاج ٢٢٣/٣، وروضة الطالبين ٢٥٩/٧ وما بعدها، والحاوي ١٦٢/١٢، وميارة على التحفة ١٨٧/١، والذخيرة ٤/ ٣٧٣، وعقد الجواهر ٢/ ٩٦، والشرح الصغير للدردير ٣٩٩/٢، ٤٣٤، وكشاف القناع ١٨١/٥، وشرح منتهى الإرادات ٣/ ٨٤، والمغني ١٧١/١٠، ٤٠٠. (٢) الإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر ص٦٢، وانظر المغني ١٧١/١٠. -٤٢- .. وطء ٥٠ مهرها بعد ما مكنته من نفسها برضاها فوطئها على قولين: أحدهما: لأبي حنيفة وابن حامد من الحنابلة، وهو أن لها أن تمنع نفسها عنه حتى تقبضه، لأن المعقود عليه جميع ما يستوفى من منافع البضع في جميع الوطآت التي توجد في ذلك الملك، لا بالمستوفى في الوطأة الأولى خاصة، فكانت كل وطأة معقوداً علیها، وتسلیم البعض لا يوجب تسليم الباقي، كالبائع إذا سلم بعض المبيع قبل استيفاء الثمن، كان له حق حبس الباقي ليستوفي الثمن المعجل، كذا هذا. وهذا هو القول المعتمد في مذهب الحنفية(١). والثاني: لأبي يوسف ومحمد صاحبي أبي حنيفة والشافعية والمالكية والحنابلة على المذهب، وهو أنه ليس لها أن تمنع نفسها عنه، لأنها بالتسليم أسقطت حقها من حبس نفسها، ذلك أن تسليم نفسها في الابتداء رضاً منها ببقاء المهر في ذمته، وامتناعها بعد ذلك رجوع فیما تركته، فلا يقبل، كما لو تبرع البائع فسلم المبيع للمشتري قبل قبض ثمنه، فليس له استرداده و حبسه(٢). قال الماوردي: ودليلنا هو - (١) رد المحتار ٣٥٨/٢، وفتح القدير ٢٤٩/٣، وبدائع الصنائع ٢٨٩/٢، والمغني ١٧١/١٠، والإشراف على مذاهب العلماء لابن المنذر ص٦٢. (٢) بدائع الصنائع ٢٨٩/٢، ورد المحتار ٣٥٨/٢، والحاوي الكبير ١٦٢/١٢، وروضة الطالبين = أنه تسليم رضا استقر به العوض، فوجب أن يسقط به حق الإمساك، قياساً على تسليم المبيع. ولأن أحكام العقد إذا تعلقت بالوطء اختصت بالوطء الأول، وكان ما بعده تبعاً، وقد رفع الوطء الأول حكم الإمساك في حقه، فوجب أن يرفعه في حق تبعه كالإحلال(١). حلول أجل المهر المؤجل قبل التسليم: ٥٠- إذا حل الأجل قبل تسليم الزوجة نفسها، فهل يعتبر المهر المؤجل في حكم المعجل، ويكون لها الامتناع من تمكين زوجها من نفسها حتى تقبضه، أم يعتبر حقها في الامتناع قد سقط برضاها بالتأجيل، فلا يعود إليها بحلول الأجل؟ اختلف الفقهاء في ذلك على قولين : أحدهما: للحنفية في المعتمد والشافعية في الأصح والحنابلة، وهو أنه ليس لها أن تمنع نفسها منه لتستوفي مهرها، وذلك لوجوب تسلیم نفسها قبل الحلول، فلا يرتفع ذلك بالحلول، لأن حق الحبس قد سقط برضاها بالتأجيل، (٢) والساقط لا يحتمل العود، كالثمن في البيع = ٢٦٠/٧، ومغني المحتاج ٢٢٢/٣-٢٢٣، وعقد الجواهر الثمينة ٩٦/٢، والذخيرة ٣٧٣/٤، والبهجة شرح التحفة ٩٢/١، وشرح منتهى الإرادات ٨٤/٣، وكشاف القناع ١٨٣/٥، والمغني ١٧١/١٠. (١) الحاوي ١٢/ ١٦٢. (٢) بدائع الصنائع ٢٨٩/٢، وفتح القدير ٢٤٩/٣، ومغني المحتاج ٢٢٢/٣-٢٢٣، وروضة الطالبين = -٤٣- : وطء ٥١ الثاني: للشافعية في مقابل الأصح والمالكية، وأبي يوسف وهو أن لها أن تمنع نفسها منه حتى تقبضه، لأنه إذا حل صار بمنزلة العاجل، والعاجل تمنعه حتى يعطيها إياه. إلا أن أبا يوسف قيد ذلك بما إذا لم يشترط الزوج على الزوجة الدخول قبل حلول الأجل، فلو شرطه ورضيت ليس لها الامتناع(١). تنازع الزوجين في البدء بالتسليم: ٥١- إذا تنازع الزوجان في البداءة بالتسلیم، فيرى الحنفية والمالكية أن لها أن تمنع نفسها حتى تقبض مهرها، ويجب على الزوج تسليمه أولاً، لأن حق الزوج قد تعین في المبدل بالعقد، وحق المرأة في المهر وهو البدل لم يتعين بالعقد وإنما يتعين بالقبض، فوجب على الزوج التسليم عند المطالبة ليتعين حقها في البدل تسوية بينهما. وكره مالك للزوجة تمكين الزوج من نفسها قبل قبضها منه ربع دينار لحق الله تعالى(٢). ٢٥٩/٧، والحاوي الكبير ١٦٢/١٢-١٦٣ -١٦٤، وشرح منتهى الإرادات ٨٤/٣، والمغني ١٧١/١٠. (١) الشرح الصغير للدردير ٣٩٩/٢، ٤٣٤، والبهجة شرح التحفة ٢٩٢/١، وميارة على التحفة ١٨٧/١، ومغني المحتاج ٢٢٣/٣، وبدائع الصنائع ٢٨٩/٢، وفتح القدير ٢٤٩/٣. (٢) تبيين الحقائق ١٨٩/٣، وبدائع الصنائع ٢٨٩/٢، وفتح القدیر ٢٤٩/٣، وابن عابدين ٢٥٨/٢، وجواهر الإكليل ١/ ٣٠٧. وصرح الحنابلة والشافعية في قول، بأنه يجبر الزوج أولاً على التسليم، ثم تجبر الزوجة على تمكينه من وطئها، لأن في إجبارها على تسليم نفسها أولاً خطر إتلاف البضع، والامتناع من بذل الصداق، ولا يمكن الرجوع في البضع(١). ويرى الشافعية في الأظهر، أنهما يجبران معاً، بأن يؤمر الزوج بوضع الصداق عند عدل، وهذا العدل ليس نائباً عن الزوج ولا عن الزوجة، بل هو نائب الشرع بقطع الخصومة بينهما، وتؤمر الزوجة بالتمكين، فإذا مكنت سلم العدل الصداق إليها، وبذلك تفصل الخصومة، لأن الحاكم موضوع لقطع التنازع وفعل الأحوط في استيفاء الحقوق، وهذا أحوط الأمور فيها، وأقطع للتنازع بينهما(٢). وقال الشافعية في قول ثالث: إنه لا إجبار على كل من الزوجين لاستوائهما في ثبوت الحق لكل منهما على الآخر، وحينئذ فمن بادر وسلم منهما أجبر صاحبه على التسليم(٣). (١) الحاوي ١٦٩/١٢، ومغني المحتاج ٢٢٣/٣، وشرح منتهى الإرادات ٨٤/٣، وكشاف القناع ٥٪ ١٨٢، والمغني ١٠/ ١٧١، ٤٠٠/١١. (٢) روضة الطالبين ٢٥٩/٧، ومغني المحتاج ٢٢٣/٣، والحاوي الكبير ١٦٨/١٢، ١٦٩. (٣) مغني المحتاج ٢٢٣/٣. -٤٤- ٠ وطء ٥٢ -٥٣ ز- اشتراط عدم الوطء أو عدم حلِّه في عقد النكاح: فرق الفقهاء في حكم ذلك الاشتراط بين حالتين: حالة اشتراط نفي حل الوطء، وحالة اشتراط عدم فعله. وبيان ذلك فيما يلي: ٥٢- إذا اشترط في عقد النكاح نفي حل الوطء، بأن تزوجها على أن لا تحل له، فلا خلاف بين أهل العلم في بطلان هذا الشرط، ولكنهم اختلفوا في تأثيره على صحة العقد، وذلك على قولين: أحدهما: لجمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة، وهو بطلان الشرط والعقد معاً، وذلك لإخلال ذلك الشرط بمقصود العقد وللتناقض، إذ لا يبقى معه للزواج معنى، بل يكون كالعقد الصوري (١). والثاني: للحنفية، وهو أن الشرط فاسد والعقد صحيح. إذ القاعدة عند الحنفية أن النكاح لا يبطل بالشرط الفاسد، وإنما يبطل الشرط دونه(٢). (١) تحفة المحتاج مع حاشية الشرواني عليه ٣١٢/٧، وعقد الجواهر الثمينة ٤٩/٢، والخرشي ١٩٥/٣، وتحرير الكلام في مسائل الالتزام للحطاب ص٣٢٧، ٣٢٨، وكشاف القناع ٥/ ٩٧. (٢) الهداية مع فتح القدير والعناية والكفاية ١٥٢/٣، ورد المحتار ٢٩٥/٢. ٥٣- أما إذا شرط في عقد النكاح عدم الوطء، فقد اختلف الفقهاء في حكمه على ثلاثة أقوال: أحدها: للحنفية والحنابلة، وهو أنه يصح العقد ويلغو الشرط. أما بطلان الشرط، فلأنه ينافي مقتضى العقد، ويتضمن إسقاط حقوق تجب بالعقد لولا اشتراطه، وأما بقاء العقد على الصحة، فلأن هذا الشرط یعود إلى معنی زائد في العقد، فلا يبطله؛ والقاعدة عند الحنفية أن النكاح لا يبطل بالشرط الفاسد، وإنما يبطل الشرط دونه(١) والثاني: للمالكية، وهو أن الشرط فاسد والعقد فاسد لوقوعه على الوجه المنهي عنه شرعاً (٢). ثم اختلف المالكية فيما يترتب عليه بعد الوقوع، فقيل: يفسخ النكاح قبل الدخول وبعده. وقيل: يفسخ قبل الدخول، ويثبت بعده، ويسقط الشرط، وهذا هو المشهور في المذهب(٣). (١) رد المحتار مع الدر المختار ٢٩٥/٢، وكشاف القناع ٩٨/٥، والهداية مع فتح القدير ١٥٢/٣، والفتاوى الخانية ٣٣١/١. (٢) عقد الجواهر الثمينة ٤٩/٢، والقوانين الفقهية ص٢٢٣. (٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٢٣٨/٢، والخرشي ١٩٥/٣، وتحرير الكلام في مسائل الالتزام ص٣٢٧، ٣٢٨، والذخيرة ٤/ ٤٠٥، ومواهب الجلیل ٤٤٥/٣-٤٤٦. -٤٥- وطء ٥٤-٥٦ والثالث: للشافعية، وهو أنه إذا نكحها بشرط أن لا يطأها، أو لا يطأها إلا نهاراً أو إلا مرة مثلاً، بطل النكاح إن كان الاشتراط من جهتها، لمنافاته مقصود العقد، وإن وقع منه لم يضر، لأن الوطء حق له، فله تركه، والتمكين حق عليها، فليس لها تركه (١). حـ- العَزْل: ٥٤- المراد بالعزل: أن ينحي الرجل ماءه عند الجماع عن الرحم، فيلقيه خارج الفرج(٢). وقد ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز عزل السيد عن أمته مطلقاً، سواء أذنت في ذلك أو لم تأذن، لأن إنجاب الولد حقه، وليس بحق لها(٣). وقد نقل القرافي الإجماع على جواز العزل . عن السرية. أما العزل عن الزوجة الحرة، فقد اختلف الفقهاء في حکمه. والتفصيل في (عزل ف٣٣-٣٥). (١) حاشية الشرواني على التحفة ٧/ ٣١٢، وتحفة المحتاج ٣٨٧/٧، ٣٨٨، والمحلي على المنهاج وحاشية عميرة عليه ٣/ ٢٨٠. (٢) المفهم للقرطبي ١٦٦/٤، والمعلم للمازري ١٠٤/٢. (٣) المغني ٢٣٠/١٠، والنووي على مسلم ٩/١٠، والمهذب ٦٧/٢، والحاوي ٤٣٩/١١، والوسيط للغزالي ١٨٤/٥، وإتحاف السادة المتقين ٣٧٩/٥، والذخيرة ٤١٨/٤. ط- الغِيلة: ٥٥- اتفق الفقهاء على جواز وطء المرضع لقول النبي ◌َّهر: ((لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرتُ أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم»(١). وقال الزرقاني: الغيلة - بكسر الغين المعجمة، وقيل بالفتح: وطء المرضع، كان معه إنزال أم لا، وقيل بقيد الإنزال(٢). (ر: غيلة ف ٧). ي- وطء الحامل : ٥٦- اختلف الفقهاء في حكم وطء الحامل: فقال أبو جعفر الطحاوي: ذهب قوم إلى كراهة وطء الرجل امرأته إذا كانت حبلى واحتجوا بما روي عن النبي صل﴾ ((لا تقتلوا أولادكم سراً، فإن الغيل يدرك الفارس، فیدعثره عن فرسه))(٣). (١) حديث: ((لقد هممت أن أنهى عن الغيلة ... )) أخرجه مسلم (١٠٦٦/٢) من حديث جدامة بنت وهب الأسدیة. (٢) الزرقاني على خليل ٢٤٤/٤، شرح النووي على مسلم ١٦/١٠، وشرح معاني الآثار ٤٦/٣، وكشاف القناع ١٩٦/٥. (٣) حديث: ((لا تقتلوا أولادكم سراً .. )) أخرجه أبو داود (٢١١/٤) من حديث أسماء بنت يزيد بن السكن. -٤٦- وطء ٥٧ وذهب جمهور الفقهاء إلى حل وطء الحامل، واستدلوا بما ورد عن النبي صل# ((أن رجلاً جاء إلى رسول الله ﴿ فقال: إني أعزل عن امرأتي، فقال له رسول الله ﴾: لِمَ تفعل ذلك؟ فقال الرجل: أشفق على ولدها، فقال رسول الله يصلح: إن كان لذلك فلا، ما ضار ذلك فارس ولا الروم»(١). قال الطحاوي: في هذا الحديث إباحة وطء الحبالى، وإخبار النبي ﴿ أن ذلك إذا كان لا يضر فارس والروم فإنه لا يضر غيرهم. واستدلوا أيضاً بقول النبي ـ ے ((لقد هممت أن أنهى عن الغيلة حتى ذكرت أن الروم وفارس يصنعون ذلك فلا يضر أولادهم»(٢). ففي هذا الحديث أن النبي # هم بالنهي عن ذلك حتى بلغه، أو حتی ذکر أن فارس والروم يفعلونه فلا يضر أولادهم. وفي ذلك إباحة ما قد حظره الحديث الذي استدل به القائلون بكراهة وطء الحامل(٣). آثار الوطء : أ- أثر الوطء في تأكيد لزوم كل المهر: ٥٧- اتفق الفقهاء من الحنفية والشافعية (١) حديث: ((إن كان لذلك فلا .. )) أخرجه مسلم (٢/ ١٠٦٧). (٢) سبق تخريجه ف٥٤. (٣) شرح معاني الآثار ٤٦/٣-٤٨، وفيض القدير ٢٨٠/٥. والمالكية والحنابلة على استقرار كمال المهر بوطء الزوجة مرة واحدة، فيتقرر به على الزوج الصداق المسمى كاملاً، لأنه استوفى المقصود، فاستقر عليه عوضه (١). قال الخطيب الشربيني: ومعنى الإستقرار ههنا الأمن من سقوط كل المهر أو بعضه بالتشطير(٢). وبيان ذلك كما قال البابرتي في العناية: أنه بالدخول یتحقق تسليم المبدل، وبه يتأكد البدل، وهو المهر، كما في تسليم المبيع في باب البيع، يتأكد به وجوب تسليم الثمن، فإن وجوب الثمن قبل ذلك لم يكن متأكداً، لكونه على عُرضة أن يهلك المبيع في يد البائع، فینفسخ العقد، وبتسليمه پتأکد وجوب الثمن على المشتري، و کذلك وجوب المھر کان عرضة أن يسقط بتقبيل ابن الزوج أو الارتداد، وأن يتنصف بطلاقها قبل الدخول، وبالوطء تأكد لزوم تمامه(٣). (١) الهداية مع فتح القدير والكفاية ٢٠٩/٣، ومغني المحتاج ٢٢٤/٣، والذخيرة ٣٧٤/٤، ٣٧٨، والشرح الصغير للدردير ٤٣٧/٢، وعقد الجواهر الثمينة ٩٦/٢، ٩٧، وشرح منتهى الإرادات ٧٦/٣، ٨٣، وكشاف القناع ١٦٨/٥. (٢) مغني المحتاج ٢٢٤/٣. (٣) العناية على الهداية ٢٠٩/٣، ورد المحتار ٣٣٠/٢. -٤٧- وطء ٥٨-٦٢ ب- أثر الوطء في وجوب العدة: ٥٨- لا خلاف بين أهل العلم في أن عدة الطلاق تثبت بالوطء، لقوله تعالى: ﴿يَأَّا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا تَكَحْتُمُ الْمُؤْمِنَتِ ثُرَ ◌َلَقْتُوهُنَّ مِن قَبْلِ أَنْ تَمَسُّوهُنَ فَمَا لَكُمْ عَلَيْهِنَّ مِنْ عِلَّمْ تَعْنَدُّونَهَاْ﴾(١). إذ المسيس ههنا كناية عن الوطء بإجماع الفقهاء(٢) وللتفصيل (ر: عدة ف٦). جـ- أثر الوطء في الفيء من الإيلاء: ٥٩- لا خلاف بين الفقهاء في أن الوطء هو الفعل الذي يكون فيئاً، وينحل به الإيلاء. (ر: إيلاء ف ٢٠-٢١). د- أثر الوطء في ثبوت الإحصان في الزنا: ٦٠- اتفق الفقهاء على أن من شروط الإحصان- إلى جانب البلوغ والعقل والحرية- الوطء في نكاح صحيح، وأن يكون في القبل، على وجه يوجب الغسل، سواء أنزل أو لم ينزل. (ر: إحصان ف٦ - ١١). (١) الأحزاب/ ٤٩. (٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢١٨/١. هـ- ثبوت رجعة المطلقة رجعياً بالوطء: ٦١ - اتفق الفقهاء على أن الرجعة في الطلاق الرجعي تصح في العدة بالقول الدال على ذلك، كقوله في خطاب مطلقته: ((راجعتك)) أو (راجعتُ زوجتي) إن كانت غير مخاطبة، وكذا بكل لفظ يؤدي ذلك المعنى. أما الرجعة بالوطء فتصح عند جمهور الفقهاء: الحنفية والحنابلة وكذا المالكية بشرط قصد الزوج إلى الارتجاع، خلافاً للشافعية. والتفصيل في (رجعة ف ١٢-١٨). ز- أثر الوطء على مشروعية الطلاق: ٦٢- قسم الفقهاء الطلاق من حيث وصفه الشرعي إلى قسمين: سُني وبدعي. فأما طلاق السُنّة: فهو ما وقع على الوجه الذي ندب الشرع لإيقاعه. وأما طلاق البدعة: فهو ما وقع على الوجه الذي منع الشرع إيقاعه علیه(١) .. قال ابن القيم: الطلاق على أربعة أوجه: (١) فتح القدير لابن الهمام ٣٢٨/٣، ٣٢٩، والكافي لابن عبد البر ص٢٦٢، والمعونة للقاضي عبد الوهاب ٨٣٣/٢، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٦١/٢. -٤٨- وطء ٦٢ وجهان حلال، ووجهان حرام. فالحلالان: أن يطلق امرأته طاهراً من غير جماع، أو يطلقها حاملاً مستبيناً حملها. والحرامان: أن يطلقها وهي حائض، أو يطلقها في طهر جامعها فيه وهذا في طلاق المدخول بها. أما من لم يدخل بها، فيجوز طلاقها حائضاً وطاهرا(١). وعلى ذلك كانت صفة طلاق السنة: ما وقع في طهر لم يجامع الرجل زوجته فيه. أما إذا جامعها فيه، فلا يجوز له أن يطلقها فيه قبل تبين الحمل. فإن فعل كان محدثاً لطلاقٍ بدعي موجب لإثم فاعله في قول سائر أهل العلم (٢). أما عن وقوع طلاق البدعة الذي صدر في طهر جامعها فيه، فقد اختلف الفقهاء فيه على قولين : أحدهما: لجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة، وهو أنه يقع الطلاق وكان المطلق عاصياً (٣). لحديث ابن عمر رضي الله عنهما: ((أنه (١) زاد المعاد ٢١٩/٥. (٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٦٦/٣٣، ٧٠-٧٢، وفتح القدير ٣٢٩/٣، والكافي ص٢٦٢، والمعونة ٨٣٣/٢ وما بعدها، وزاد المعاد ٢٢١/٥. (٣) فتح القدير ٣٢٩/٢، والمعونة ٨٣٧/٢، والكافي ص٢٦٢، ونيل الأوطار ٢٢٤/٦، وشرح منتهى الإرادات ١٢٣/٣، والمغني لابن قدامة ٣٢٧/١٠، ومغني المحتاج ٣٠٧/٣-٣٠٨. طلق امرأته وهي حائض، فأمره النبي ◌َ﴾ أن يراجعها))(١) وفي رواية قال: ((فقلت: يا رسول الله، رأيت لو أني طلقتها ثلاثاً، أکان يحل لي أن أراجعها؟ قال: ((لا، كانت تبين منك، وتكون معصية»(٢). وفي رواية: قال سالم: وكان عبد الله طلقها تطليقة، فحسبت من طلاقه، وراجعها عبد الله كما أمره رسول الله ﴾(٣). وفي رواية يونس بن جبير، قال: قلت لابن عمر: تحتسب؟ قال: أرأيت إن عجز واستحمق (٤)! وكلها أحاديث صحاح. ولأنه طلاق من مكلف في محل الطلاق فوقع، كطلاق الحامل، ولأنه ليس بقربة، فيعتبر لوقوعه موافقة السنة، بل هو إزالة عصمة وقطع ملكٍ، فإيقاعه في زمن البدعة أولى، تغليظاً عليه، وعقوبة له، أما غير الزوج، فلا پملك الطلاق، والزوج یملکه بملکه محله. (١) حديث ابن عمر: ((أنه طلّق امرأته وهي حائض ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٤٥/٩) ومسلم (٢/ ١٠٩٣). (٢) رواية ابن عمر: ((قلت: يا رسول الله رأيت لو أني طلقتها ثلاثاً ... )). أخرجها الدارقطني (٦٣/٤ - ط دار المحاسن). (٣) مقالة نافع: وكان عبد الله طلقها تطليقة ... أخرجها مسلم (٢/ ١٠٩٥). (٤) رواية يونس بن جبير: تحتسب؟ ... أخرجها البخاري (فتح الباري ٩/ ٣٥١) ومسلم (١٠٩٦/٢)، واللفظ للبخاري. -٤٩- وطء ٦٣-٦٥ الثاني: يرى بعض الفقهاء منهم ابن تيمية وابن قيم الجوزية وابن علية من المالكية وابن حزم والشوكاني وهو مروي عن ابن عمر وطاووس وهشام بن الحكم وخلاس بن عمرو أن الطلاق المحرم لا يقع. لأنه بهذه الصفة نهى عنها رسول الله ﴿ وهو مخالف لأمره فكان مردوداً باطلاً. ولأن الله تعالى أمر به في قبل العدة فإذا طلق في غيره لم يقع كالوكيل إذا أوقعه في زمن أمره موكله بإيقاعه في غيره(١). حـ- أثر الوطء في إيجاب حدّ الزنا: ٦٣- الوطء الموجب لحد الزنا- كما قال التمرتاشي - هو إدخال قدر حشفة من ذكر مكلف ناطق طائع في قبل مشتهاة خال عن ملك الواطئ وشبهته في دار الإسلام.(٢) والتفصيل في (زنى ف١، ٧، ١١، ٢٨). ط- أثر الوطء في إيجاب الغُسل: ٦٤- ذهب الفقهاء إلى أن من موجبات الغسل على الرجل والمرأة التقاء الختانين، وذلك بأن (١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٥/٢٣، ٦٦، ٧٠-٧٢، والاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية ص٢٥٦، والمحلى ٦١/١٠-٦٣ وما بعدها، وزاد المعاد ٢٢٣/٢١٨/٥، ونيل الأوطار ٢٢٤/٤-٢٢٦، والمغني ٣٢٧/١٠. (٢) حاشية ابن عابدين ٤/ ٥٠٤ ط الحلبي. تغيب الحشفة بكمالها في الفرج(١)، لما روي عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله ( # قال: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل))(٢)، وما ورد عن أبي هريرة أن النبي ◌َّار قال: ((إذا جلس بین شُعبها الأربع، ثم جهدها، فقد وجب الغُسل)). زاد في رواية: ((وإن لم ينزل))(٣). (ر: غسل ف ٩- ١٠، إكسال ف٤). ي- أثر الوطء في تحليل المطلقة ثلاثاً لزوجها : ٦٥- لا خلاف بين الفقهاء في أن المطلقة ثلاثاً بعد الدخول لا تحل لمطلقها حتى تنكح زوجاً غيره لقوله تعالى: ﴿فَإِن ◌ََّهَا فَلَا فِلُّ لَهُم مِنْ بَعْدُ حَّ تَنكِحَ زَوْبًا غَيْرَهُ﴾ (٤). وجماهير أهل العلم على عدم حلها للأول حتى يطأها الزوج الثاني (١) رد المحتار ١٠٩/١، ٢١١، وتبيين الحقائق ١٦/١، ١٧، والمجموع للنووي ١٣٠/٢، ١٣٢، وشرح النووي على مسلم ٣٦/٤، ٤١، والقوانين الفقهية ص٣٢، والمفهم للقرطبي ٢/ ٦٠٠، والتفريع لابن الجلاب ١٩٧/١، وعقد الجواهر الثمينة ٦٤/١، وشرح منتهى الإرادات ٧٥/١، ٧٦، والمغني ٢٠٤/١، والحاوي الكبير ٢١٤/١٣. (٢) حديث عائشة: ((إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل). أخرجه الشافعي في الأم (٣٩/١ - ط المعرفة) وأصله في صحيح مسلم (٢٧٢/١). (٣) حديث أبي هريرة: ((إذا جلس بين شعبها الأربع .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٩٥/١)، ومسلم (١/ ٢٧١). (٤) سورة البقرة/ ٢٣٠. - ٥٠- وطء ٦٦ -٦٧ وطئاً يوجد فيه التقاء الختانين، ولو لم يُنْزل للآية(١). ويرى سعيد بن المسيب أنه إذا تزوجها تزويجاً صحيحاً لا يريد بذلك إحلالها للأول فلا بأس أن يتزوجها الأول. والتفصيل في (تحليل ف ٦-٩، عسيلة ف ٢). ك- أثر الوطء في التحريم بالمصاهرة: ٦٦ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يحرم على الرجل بسبب المصاهرة - على التأبيد - أم زوجته وإن علت من نسب أو رضاع بمجرد العقد على البنت، سواء وطئها أم لم يطأها، وكذلك زوجات الأبناء (ويدخل في ذلك ابن صُلبه وابنه من الرضاع وابن ابنه وابن ابنته) وزوجات الآباء (ويتناول آباء الآباء وآباء الأمهات وإن علوا) سواء أكان مع العقد وطء أم لم یکن. أما الربائب- جمع ربيبة- وهي: بنت امرأة الرجل من غيره من نسب أو رضاع. سميت بذلك، لأنه يربيها في حجره غالباً - فحرمتهن مقيدة بأمرين : عقد النكاح على الأم، والدخول (١) رد المحتار ٥٣٧/٢، والحاوي الكبير ٢١٤/١٣، ٢١٥، وبداية المجتهد ٨٧/٢، وعقد الجواهر الثمينة ٤٨/٢، ٤٩، والقوانين الفقهية ص٢١٥، وشرح منتهى الإرادات ١٨٧/٣، والمغني ٥٤٨/١٠، ٥٤٩. بها. فإن لم يوجد الدخول بعد العقد، لم يثبت (١) التحريم(١). والتفصيل في (ربيبة ف ٢، ومحرمات النكاح ف٩) ل- أثر الوطء في إيجاب الكفارات: (١) وطء الحائض: ٦٧ - اختلف الفقهاء في إيجاب الكفارة على من وطئ زوجته الحائض على أربعة أقوال: أحدها: للحنفية والشافعية على الصحيح، وهو أنه لا کفارة علیه، ولکن یستحب له أن یتصدق بدینار إن کان الجماع في أول الحیض، وبنصف دینار إن كان في آخره، وزاد الحنفية: أو في وسطه، لما روي عن النبي ﴿ أنه قال: إذا کان دماً أحمر فدينار، وإذا كان دماً أصفر فنصف دينار(٢). والثاني: للحنابلة، والشافعية في قول، وهو وجوب الكفارة على من وطئ الحائض، وهو دينار أو نصف دينار على سبيل التخيير، أيهما (١) أحكام القرآن لابن العربي ٣٧٦/١ وما بعدها، أحكام القرآن للکیا الهراسي ٢٣٣/٢، ٢٣٧ -٢٤٧، الحاوي الكبير ٢٨٢/١١-٢٨٨، المغني لابن قدامة ٥١٥/٩-٥١٩. (٢) حديث: ((إذا كان دماً أحمر فدينار ... )) أخرجه الترمذي (٢٤٥/١)، وضعّفه النووي في المجموع (٣٦٠/٢). -٥١- وطء ٦٨ أخرج أجزأه. وذلك لما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله ﴿ قال في الذي يأتي امرأته وهي حائض : (يتصدق بدينار أو بنصف دینار))(١). والثالث: للمالكية والثوري واللیث وأحمد في رواية عنه، وهو أنه لا كفارة عليه إلا التوبة والاستغفار وترك العود. وهو قول الشعبي والنخعي ومكحول والزهري وربيعة ويحيى ابن سعيد وغيرهم. والرابع: للحسن البصري وسعيد بن المسيب، وهو أنه يجب عليه كفارة الوطء في رمضان: إعتاق رقبة، فإن لم يجد فصيام شهرين متتابعين، فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكينا (٢). (٢) الوطء في صوم رمضان: ٦٨- ذهب جماهير أهل العلم إلى وجوب الكفارة والقضاء على من جامع امرأته في فرجها في نهار رمضان عامداً، أنزل أو لم ينزل. وذلك لما ورد عن أبي هريرة ﴾ قال: ((جاء رجل إلى (١) حديث: ((يتصدق بدينار أو بنصف دينار ... )) أخرجه أبو داود (١٨١/١-١٨٢) والحاكم (١٧٢/١) وصحّحه الحاكم ووافقه الذهبي. (٢) رسائل ابن عابدين ١١٤/١، والمجموع ٣٥٩/٢- ٣٦٠، ومغني المحتاج ١١٠/١، والقوانين الفقهية ص٤٥، والمغني لابن قدامة ٢٣٥/١، والإنصاف ٣٥١/١، والمحلى لابن حزم ١٨٧/٢. النبي ◌َّ﴾ فقال: إن الآخر وقع على امرأته في رمضان. فقال: أتجد ما تحرر رقبةً؟ قال: لا ، قال: فتستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟ قال: لا. قال: أفتجد ما تطعم به ستين مسكيناً؟ قال: لا، قال: فأتي النبي ◌َ﴾ بعرقٍ فيه تمر، وهو الزبيل، قال: أطعم هذا عنك. قال: على أحوج منا؟ ما بين لا بتيها أهل بيت أحوج منا، قال: فأطعمه أهلك)»(١). وحكي عن الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير أنه لا كفارة عليه، لأن الصوم عبادة لا تجب الكفارة بإفساد قضائها ، فلا تجب في أدائها كالصلاة. وقد أجیب عن استدلالهم بأنه لا يجوز اعتبار الأداء في ذلك بالقضاء، لأن الأداء يتعلق بزمن مخصوص يتعين به، والقضاء محله الذمة، والصلاة لا يدخل في جبرانها المال، بخلاف مسألتنا. قال ابن قدامة: أما إذا جامعها ناسياً لصومه، فجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية على أنه لا كفارة عليه. وقال الحنابلة: عليه الكفارة(٢). (ر: صوم ف ٦٨، كفارة ف ٢٠ وما بعدها) (١) حديث أبي هريرة: ((جاء رجل إلى النبي # فقال: إن الآخر وقع على امرأته في رمضان ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٧٣/٤)، ومسلم (٧٨١/٢- ٧٨٢)، واللفظ للبخاري. (٢) تبيين الحقائق ٣٢٢/١، ٣٢٧، والحاوي للماوردي ٢٧٦/٣، ٢٨٤، وبداية المجتهد ٣٠١/١، ٣٠٣، والمغني ٤/ ٣٧٢، ٣٧٤. -٥٢- وطء ٦٩-٧١ (٣) الوطء في إحرام الحج: ٦٩ - أجمع الفقهاء على أن المحرم بالحج إذا جامع أهله قبل الوقوف بعرفة فسد حجه، وعليه ذبح الهدي في حجة القضاء. وهو عند الحنفية شاة، وعند الشافعية والمالكية والحنابلة بدنة. أما إذا جامعها بعد الوقوف وقبل التحلل الأول، فعليه بدنة باتفاق الفقهاء. ولو جامعها بعد التحلل الأول فقد اختلف الفقهاء في الجزاء الواجب: فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه يجب عليه شاة، وقال مالك: يجب عليه بدنة(١). (ر: إحرام ف ١٧٠ - ١٧٥) م- أثر الوطء في إبطال الصوم والحج: (١) أثره في إبطال الصوم: ٧٠- اتفق الفقهاء على أن من جامع امرأته عامداً في نهار رمضان فسد صومه، سواء أنزل أو لم ينزل. قال ابن قدامة: لا نعلم بين أهل العلم خلافاً في أن من جامع في الفرج، فأنزل أو لم ینزل، أو دون الفرج فأنزل، أنه يفسد صومه. وقد (١) العيني على الكنز ١٠٢/١، ١٠٣، والمجموع ٧/ ٣٨١، ٣٩٣، ونهاية المحتاج ٤٥٦/٢، ومطالب أولي النهى ٣٥٠/٢، والمغني ١٦٦/٥ وما بعدها، والمنتقى للباجي ٣/٣، ٩، ١٠. دلت الأخبار الصحيحة على ذلك(١). أما إذا جامعها ناسیاً، فلا يفسد صومه عند جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية وأحمد في رواية عنه والثوري والحسن ومجاهد وغيرهم، لأنه معنى حرّمه الصوم، فإذا وجد منه مكرهاً أو ناسياً، لم يفسده كالأكل. وقال المالكية والحنابلة وعطاء: يفسد صومه كالعامد، لأن الصوم عبادة تحرم الوطء، فاستوی فیها عمده وسهوه کالحج، ولأن إفساد الصوم حكم يتعلق بالجماع، لا تسقطه الشبهة، فاستوى فيه العمد السهو، كسائر أحكامه(٢). (٢) أثره في إبطال الحج: ٧١- اتفق الفقهاء على أن الجماع في حالة الإحرام بالحج مفسد للحج إذا وقع قبل الوقوف بعرفة، ويجب على الواطئ الاستمرار في حجه الفاسد إلی نهایته، ثم قضاؤه في المستقبل، كما اتفقوا على أنه لا يفسد الحج إذا وقع بعد الوقوف بعرفة وبعد التحلل الأول. أما إذا جامع المحرم بعد الوقوف بعرفة قبل التحلل الأول، فإنه يفسد حجه في قول جمهور (١) المغني ٤/ ٣٧٢. (٢) تبيين الحقائق ٣٢٢/١ وما بعدها، والحاوي الكبير ٢٧٦/٣، وبداية المجتهد ٣٠١/١، ٣٠٣، والمغني ٤/ ٣٧٢، ٣٧٤. -٥٣- وطء ٧٢ -٧٣ الفقهاء من الشافعية والمالكية والحنابلة. وقال الحنفية: لا يفسد (١). والتفصيل في (إحرام ف ١٧٠ - ١٧٥) ثانياً: الوطء بالأقدام وما يترتب عليه من أحکام: أ- وطء الإنسان المصحف: ٧٢- لا خلاف بين الفقهاء في أن المسلم إذا وطئ المصحف على قصد الإهانة والاستخفاف فإنه يصير بذلك مرتداً. أما إذا فعل ذلك مكرهاً أو مضطراً فلا يكفر(٢). انظر مصطلح (ردة ف ٢٠) ب- وطء القبر: ٧٣- القبر محترم شرعاً توفيراً للميت، فيكره وطؤه والجلوس عليه في قول جمهور الفقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة، لما ورد عن عقبة بن عامر قال: قال رسول الله له: (١) العيني على الكنز ١٠٣/١، ونهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي عليه ٤٥٦/٢، والمغني ١٦٦/٥ وما بعدها، وحاشية الدسوقي ٦٨/٢. (٢) ردالمحتار٥٦/٣،١١٩/١، وحاشيةالقلیوبي١٧٦/٤ ، وانظر الشرح الصغير للدردير ٤٣٣/٤، وحاشية الدسوقي ٤/ ٣٠١، وكشاف القناع ١٦٨/٦، وشرح منتهى الإرادات ٣٨٦/٣، وشرح النووي على مسلم ٧/ ٣٧، ومختصر سنن أبي داودللمنذري ٤/ ٣٤٢. ((لأن أمشي على جمرة أو سيف، أو أخصف نعلي برجلي، أحب إلي من أن أمشي على قبر مسلم)(١)، وما روي عن ابن مسعود ﴾ أنه قال: ((لأن أطأ على جمرة أحب إلي من أن أطأ على قبر مسلم))(٢). ولهم في ذلك تفصيل: فذهب الشافعية والحنابلة إلى كراهة الوطء على القبر- ولو بلا نعل- إلا لحاجة إلى ذلك، بأن لا يصل إلى قبر ميته إلا بوطئه(٣). أما المشي بين القبور: فلا يكره عند الشافعية، ولو بنعل وبلا حاجة(٤)، ويكره عند الحنابلة إذا كان بنعل- إلا خوف نجاسة أو شوك أو نحوه - ولا يكره إذا كان بخف، لأنه ليس بنعل ولا في معناه، ويشق نزعه(٥). وذهب الحنفية إلى كراهة الجلوس على القبر (١) حديث عقبة بن عامر: ((لأن أمشي على جمرة ... ) أخرجه ابن ماجه (٤٩٩/١)،. وجود إسناده المنذري في الترغيب والترهيب (٤/ ٢٨٠- ط ابن كثير). (٢) أثر ابن مسعود: لأن أطأ على جمرة أحب إلي ... أخرجه الطبراني في الكبير (٢٢٢/٩ - ط العراق)، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٦١/٣): فيه عطاء بن السائب وفيه كلام. (٣) روضة الطالبين ١٣٩/٢، وحاشية القليوبي ٣٤٢/١، وكشاف القناع ١٦٢/٢، ١٦٤، وشرح منتهى الإرادات ٣٥٢/١. (٤) قليوبي وعميرة ٣٤٢/١، وروضة الطالبين ١٣٦/٢. (٥) شرح منتهى الإرادات ٣٥٢/١، وكشاف القناع ٠١٦٤/٢ -٥٤- وطء ٧٤ و وطئه إلا للضرورة. قالوا : ویزار من بعيد، وما يصنعه من دفن حول أقاربه خلق من وطء تلك القبور إلى أن يصل إلى قبر قريبه فمكروه. وقال بعضهم: لا بأس بأن يطأ القبور، وهو يقرأ أو يسبّح أو يدعو لهم(١). وذهب المالكية إلى كراهة وطء القبر بثلاثة قيود: أن يكون مسنماً، والطريق دونه، وظن دوام شيء من عظامه فيه، وإلا جاز، بأن كان مسطحاً، أو كان مسنماً وكان في الطريق، أو ◌ُنَّ فناؤه وعدم بقاء شيء منه في القبر، حتى ولو كان الوطء بالنعال النجسة (٢). جـ- وطء الدابة برجلها: ٧٤- اتفقت كلمة الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة على أن ما وطئت البهيمة أثناء سيرها بيدها أو رأسها أو وطئته برجلها فهو مضمون على من معها من راكب أو قائد أو سائق متى أمكن نسبةُ ذلك إلیه بتعدٍ أو تقصیر، فإن لم یمکن نسبته إليه - بان لم يقع منه تعدٍ ولم يحصل منه تفريط - فلا ضمان عليه، إذ ما لا يمكن الاحتراز عنه فلا ضمان فيه(٣)، ولما ورد عن أبي هريرة ﴾ أن رسول الله (١) رد المحتار ٦٠٦/١، والفتاوى الهندية ١٦٦/١. (٢) حاشية الدسوقي ٤٢٨/١، وعقد الجواهر الثمينة ١/ ٢٧٢، والخرشي وحاشية العدوي عليه ١٤٤/٢. (٣) تبيين الحقائق ١٤٩/٦، والمبسوط ١٨٨/٢٦،= وَ﴿ قال: ((العجماء جرحها جبار))(١). والجبار: هو الهدر الذي لا يجب فيه شيءٍ (٢). قال النووي: والمراد بجرح العجماء: إتلافها، سواء كان بجرح أو غيره(٣). وقال القاضي عياض: وإنما عبر بالجرح لأنه الأغلب، أو هو مثال نبه به على ما عداه(٤). جاء في تبصرة الحكام: قال ابن أبي زيد: والسائق والقائد والراكب ضامنون لما أوطأت الدابة، وما كان منها من غير فعلهم أو هي واقفة لغير شيء فهدر. فقوله: ((ضامنون)) أي كل واحد منهم ضامن فيما تعدى ... قال الجزولي: قال عبد الحق: قوله في الرسالة: وما كان منها من غير فعلهم) يعني وما كان من غير تفريط منهم أو عن غلبة فلا شيء عليهم فيه، لأن ذلك ليس من قبيل تفريط ولا إهمال، وإنما هو من جهتها(٥). وروضة الطالبين ١٩٧/١٠، ومغني المحتاج ٤/ = ٢٠٤، وحاشية الدسوقي ٢٥٨/٤، والمدونة ٦/ ٦٤٥، وتبصرة الحكام ٣٥١/٢، والتمهيد لابن عبد البر ٢٢/٧، والمنتقى للباجي ١٠٩/٧، وكشاف القناع ١٣٩/٤، وشرح منتهى الإرادات ٤٢٩/٢. (١) حديث: ((العجماء جرحها جبار ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٥٤/١٢) ومسلم (١٣٣٤/٣). (٢) انظر الموطأ ٨٦٩/٢، والتمهيد لابن عبد البر ٧/ ١٩-٢٢. (٣) شرح النووي على مسلم ٢٢٥/١١. (٤) الزرقاني على الموطأ ٢٦/٤. (٥) تبصرة الحكام لابن فرحون ٣٥١/٢، ٣٥٢. -٥٥- وطن ١- ٢ وقال الشافعي في الأم: يضمن قائد الدابة وسائقها وراکبها ما أصابت بید أو فم أو رجل أو ذنب، ولا يجوز إلا هذا، ولا يضمن شيئاً إلا أن يحملها على أن تطأ شيئاً فيضمن، لأن وطأها من فعله، فتكون حينئذ كأداة من أدواته جنى بها(١). وقال النووي: قال الإمام: والدابة النزقة التي لا تنضبط بالكبح والترديد في معاطف اللجام لا تركب في الأسواق، ومن ركبها فهو مقصر ضامن لما تتلفه(٢). انظر (ضمان ف ١٠٢- ١٠٨، وحيوان ف٩) (١) الأم ١٣٨/٧. (٢) روضة الطالبين ١٩٨/١٠. وطن التعريف : ١- الوطن - بفتح الواو والطاء - في اللغة: منزل الإقامة، أو مكان الإنسان ومقره، ويقال لمربض الغنم والبقر والإبل: وطن، وهو مفرد، جمعه أوطان، ومثل الوطن المَوْطن، وجمعه مواطن، وأوطن: أقام، وأوطنه ووظّئه واستوطنه: اتخذه وطناً، ومواطن مكة: مواقفها(١). وفي الاصطلاح الوطن: هو منزل إقامة الإنسان ومقره، ولد به أو لم يولد (٢). الألفاظ ذات الصلة: المحلة : ٢- المحلة في اللغة: منزل القوم، والجمع مَحال(٣). وفي الاصطلاح: هي منزل قوم إنسان ولو (١) القاموس المحيط، والمصباح المنير، ولسان العرب. (٢) قواعد الفقه للبركتي، والتعريفات للجرجاني. (٣) المصباح المنير، والقاموس المحيط، والمعجم الوسيط. -٥٦- وطن ٣ تفرقت بيوتهم حيث جمعهم اسم الحي والدار(١). والصلة بين المحلة والوطن أن الوطن أعم من المحلة. أنواع الوطن: يقسم الفقهاء الوطن من حيث تعلق الأحكام الشرعية به إلى ثلاثة أقسام: وطن أصلي، ووطن إقامة، ووطن سكنى، كما يلي: أ- الوطن الأصلي: ٣- قال الحنفية هو: موطن ولادة الإنسان أو تأهله أو توطنه، وقال ابن عابدين: الوطن الأصلي، ويسمى بالأهلي، ووطن الفطرة، والقرار، ومعنى تأهله أي تزوجه، ولو كان له أهل ببلدتين فأيهما دخلها صار مقيماً، فإن ماتت زوجته في إحداهما وبقي له فيها دور وعقار، قيل: لا يبقى وطناً إذ المعتبر الأهل دون الدار، وقيل: تبقى ، ومعنى توطنه أي عزمه على القرار فيه وعدم الارتحال عنه وإن لم يتأهل فيه(٢). وعند الشافعية والحنابلة الوطن هو : المكان الذي يقيم فيه الشخص لا يرحل عنه صيفاً ولا (١) شرح الزرقاني ٣٩/٢. (٢) حاشية ابن عابدين ٥٣٢/١، والمبسوط ٢٥٢/١. شتاء إلا لحاجة كتجارة وزيارة (١). ويلحق به القرية الخربة التي انهدمت دورها وعزم أهلها على إصلاحها والإقامة بها صيفاً وشتاءً(٢). كما يلحق به على الصحيح من المذهب عند الحنابلة البلد الذي فيه امرأة له أو تزوج فيه، لحدیث عثمان ﴾ قال: ((سمعت رسول الله ێڼ يقول: من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم))(٣). قال الرحيباني: وظاهره، ولو بعد فراق الزوجة (٤). ويؤخذ مما روي عن أحمد أنه يلحق بالوطن البلد الذي للشخص فيه أهل أو ماشية، وقيل : أو مال(٥). وعند المالكية: الوطن هو محل سكنى الشخص بنية التأبيد، وموضع الزوجة المدخول بها وإن لم يكثر سكناه عندها، (١) المغني ٣٢٧/٢، ٣٢٩، ومطالب أولي النهى ٧٦٤/١، ومغني المحتاج ٢٩٤/٢، وتحفة المحتاج ٤٣٤/٢. (٢) مغني المحتاج ٢/ ٢٨٠، ومطالب أولي النهى ١/ ٧٥٧. (٣) حديث: ((من تأهل في بلد فليصل صلاة المقيم)). أخرجه أحمد (٦٢/١)، وذكر الهيثمي في مجمع الزوائد (١٥٦/٢) أن في إسناده راوياً ضعيفاً. (٤) مطالب أولي النهى ٧٢٢/١-٧٢٣، وانظر الإنصاف ٣٣١/٢. (٥) الإنصاف ٣٣١/٢. -٥٧- وطن ٤-٧ فمن كان له بقرية ولد فقط أو مال فإنها لا تكون وطناً أصلياً له(١). ب- وطن الإقامة: ٤- قال الحنفية: وطن الإقامة هو ما خرج إليه الإنسان بنية إقامة مدة قاطعة لحكم السفر، ويسمى بالوطن المستعار أو بالوطن الحادث (٢). وبقية الفقهاء يتفقون مع الحنفية على هذا المعنى مع اختلافهم في المدة القاطعة لحكم السفر(٣). جـ- وطن السكنى: ٥- قال الحنفية: وطن السكنى هو المكان الذي يقصد الإنسان المقام به أقل من المدة القاطعة للسفر (٤). (ر: صلاة المسافر ف٣-٨). شروط الوطن: ٦- لا يسمى المكان الذي يقيم فيه الإنسان (١) حاشية الدسوقي ٣٦٢/١، ومواهب الجليل ٢٪ ١٤٨-١٤٩. (٢) حاشية ابن عابدين ٥٣٢/١، والمبسوط ٢٥٢/١. (٣) مغني المحتاج ٢٦٤/١-٢٦٥، والإنصاف ٣٢٩/٢، وكشاف القناع ٥١٢/١-٥١٣، ومواهب الجليل ١٤٨/٢، والزرقاني ٢/ ٤٢. (٤) حاشية ابن عابدين ١/ ٥٣٣، والمبسوط ٢٥/١. وطناً له تناط به أحكام الوطن إلا إذا توفرت فيه شروط. وهذه الشروط تختلف باختلاف كونه وطناً أصلياً، أو وطن إقامة، أو وطن سكنى. ثم إن بعض هذه الشروط مما اتفق الفقهاء فيه وبعضها مما اختلفوا فيه، وبيان ذلك فيما يلي: أ- شروط الوطن الأصلي: ٧- أن يكون مبنياً بناء مستقراً بما جرت العادة بالبناء به، وهذا عند المالكية والشافعية والحنابلة حيث عرفوا الوطن في معرض الكلام عن شروط إقامة صلاة الجمعة بأنها القرية المبنية بما جرت العادة ببنائها به من حجر أو طین أو لبن أو قصب أو شجر ونحوه، وزاد الشافعية والحنابلة: يشترط في هذه القرية أن تكون مجتمعة البناء بما جرت العادة في القرية الواحدة(١). والحنفية كما سبق ذكره يعتبرون المكان الذي ولد فيه الشخص أو تأهل فيه أو توطن فيه وطناً أصلياً له (٢). (١) المغني ٣٢٧/٢، ٣٢٩، ومغني المحتاج ٢٨٠/١، ٢٨٢، وتحفة المحتاج ٤٣٤/٢، وحاشية الدسوقي ٣٧٢/١، والمدونة ١٥٢/١، والزرقاني ٤٢/٢. (٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٥٣٢. -٥٨- وطن ٨-١٠ ب- شروط وطن الإقامة: ٨- تشترط لاتخاذ مكان وطناً للإقامة شروط منها: نية الإقامة، ومدة الإقامة المعتبرة، واتخاذ مكان الإقامة، وصلاحية المكان للإقامة، وألا يكون المكان وطناً أصلياً للمقيم. وللتفصيل في هذه الشروط ومعرفة آراء الفقهاء فيها (ر: صلاة المسافر ف٢٦-٢٩) جـ- شروط وطن السكنى: ٩- ليس لوطن السكنى إلا شرطان، وهما : عدم نية الإقامة فيه، وعدم الإقامة فيه فعلاً المدة القاطعة للسفر - بحسب اختلاف الفقهاء - وأن لا یکون وطناً أصلياً للمقيم فيه. (ر: صلاة المسافر ف٨) ما ينتقض به الوطن: ١٠ - قال الحنفية: الوطن الأصلي لا ينتقض إلا بالانتقال منه إلى مثله، بشرط نقل الأهل منه، وترك السكنى فيه، فإذا هجر الإنسان وطنه الأصلي، وانتقل عنه بأهله إلى وطن أصلي آخر، بشروطه، لم يبق المكان الأول وطناً أصلياً له، فإذا دخله بعد ذلك مسافراً، بقي مسافراً على حاله، ما لم ينو فيه الإقامة، أو ما لم يقم فيه فعلاً المدة القاطعة للسفر، فإذا فعل ذلك، فإنه يكون مقیماً، ویکون المكان له وطن إقامة بحسب ما تقدم (١). ويرى الحنابلة أن الوطن الأصلي لا ينتقض باتخاذ وطن أصلي آخر. قال الرحيباني: لا يقصر من مر بوطنه، سواء كان وطنه في الحال أو في الماضي ولو لم تكن له به حاجة غير أنه طريقه إلى بلد يطلبه(٢). ومن استوطن وطناً آخر، ولم ينتقل عن وطنه الأول، كأن كان له زوجتان مثلاً: الأولى في وطنه الأول والثانية في وطن آخر جديد، كان المكان الآخر وطناً له بشروطه، ولم ينتقض الوطن الأول بذلك، لعدم التحول عنه، وعلى ذلك فلو كان للإنسان زوجتان في بلدین، فإنهما بعدان وطنين أصليين له، فأيهما دخلها عد مقيماً فيها منذ دخوله مطلقاً. وبهذا يقول الحنفية والمالكية والحنابلة(٣). ولا ينتقض الوطن الأصلي بوطن الإقامة، ولا بوطن السكنى، لأنه أعلى منهما، فلا ينتقض (١) حاشية ابن عابدين ٥٣٢/١-٥٣٣، وتبيين الحقائق ٢١٤/١-٢١٥. (٢) مطالب أولي النهى ٧٢٢/١، ونيل المآرب ١٨٧/١، وحاشية الروض المربع ٢٩٢/٢، وكشاف القناع ٥٠٩/١. (٣) حاشية ابن عابدين ٥٣٢/١-٥٣٣، وتبيين الحقائق ٢١٤/١-٢١٥، ومطالب أولي النهى ١/ ٧٢٢- ٧٢٣، والإنصاف ٣٣١/٢، وحاشية الدسوقي ١/ ٣٦٣. -٥٩- وطن ١١-١٤ بواحد منهما، وعليه فلو خرج من وطنه الأصلي مسافراً إلى بلد، وأقام فيها المدة القاطعة للسفر، أو نوى ذلك، أو لم بنو شيئاً، لم ينتقض بذلك وطنه الأصلي، فلو عاد إليه بعد ذلك عد مقيماً بمجرد دخوله إليه مطلقاً. أما وطن الإقامة، فينتقض بالوطن الأصلي، لأنه فوقه، وبوطن الإقامة أیضاً، لأنه مثله، كما ينتقض بالسفر، ولا ينتقض وطن الإقامة بوطن السكنى، لأنه دونه. أما وطن السكنى، فإنه ينتقض بالوطن الأصلي، وبوطن الإقامة، وبوطن السكنى أيضاً، أما الأولان فلأنهما فوقه، وأما الآخر فلأنه مثله، والشيء ينتقض بمثله وبما هو أقوى منه. (ر: صلاة المسافر ف٥، ٧، ٩). الأحكام المتعلقة بالوطن: ١١- يتعلق بالوطن بأنواعه الثلاثة أحكام شرعية، أهمها: قصر الصلاة، وجمع الصلوات، والإفطار في رمضان، والأضحية، وصلاة الجمعة والعيدين. وبيان ذلك فيما يلي: أ- قصر الصلاة: ١٢- أجمع الفقهاء على أن القاطن في وطنه الأصلي، أو وطن الإقامة، لا يقصر الصلاة، لأن القصر رخصة السفر، ولا يكون القاطن في أحد هذين الوطنين مسافراً، وعليه فإن المسافر الذي يباح له القصر إذا عاد إلى وطنه الأصلي يجب عليه الإتمام من حين الدخول إلى الوطن، سواء نوى الإقامة فيه مدة، أو أقام فيه فعلاً، أو نوی المرور فيه لمتابعة السفر، و كذلك المسافر إذا دخل بلداً ونوى فيه الإقامة، أو أقام فيه فعلاً المدة القاطعة للسفر - بحسب أقوال الفقهاء في ذلك- فإنه يعد مقيماً ويتم الصلاة. وللتفصيل (ر: صلاة المسافر ف٢٦، ٣١). ب- الجمع بين الصلوات: ١٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن للمسافر أن يجمع بين صلاتي الظهر والعصر، وبين صلاتي المغرب والعشاء، جمع تقديم أو جمع تأخير بشروطه. وخالف الحنفية في ذلك، وقالوا : لا جمع في السفر. وللتفصيل (ر: جمع الصلوات فى ٣-٨) جـ- الإفطار في رمضان للمسافر: ١٤ - للمسافر بشروطه أن يفطر في رمضان ما دام مسافراً، وإن استغرق ذلك الشهر كله والعمر كله، فإذا انقطع سفره، فإن كان الانقطاع في أثناء نهار رمضان- بعد طلوع الفجر - وجب عليه الإمساك بقية اليوم حرمة للشهر، ثم الصيام في -٦٠-