Indexed OCR Text
Pages 121-140
وزارة ٤ على مباشرة جميع ما وكُل إليه من أمر الملة ومصالح الأمة، فيحتاج إلى رجل موثوق في دينه وعقله، يستعين به ويشاوره، ويشركه في النظر والأمر، ويتنازل له عن بعض مسؤولياته، ليكون له ولاية شرعية في التدبير ومعاضدة الإمام(١) . والوزارة لها مكانة عالية في الإسلام، ولذلك قال الطرطوشي: أشرف منازل الآدميين: النبوة، ثم الخلافة، ثم الوزارة(٢)، وقال ابن خلدون: الوزارة أهم الخطط السلطانية، والرتب الملوكية، لأن اسمها يدل على مطلق الإعانة(٣). ٤ - ودليل مشروعيتها من القرآن الكريم قوله تعالى على لسان موسى عليه الصلاة مَرُونَ أُخِی ٢٩٦ والسلام: ﴿وَأَجْعَل لِّي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِىِ وَأَشْرِكُهُ فِّ أَتَرِ﴾ (٤)، ٣١ أَشْدُدْ بِحَ أَزْرِى فقد سأل موسى عليه الصلاة والسلام ربه اتخاذ الوزير المشارك له في الأمر والتدبير، وقال (١) غياث الأمم للجويني ص١١٦، ١١٧ نشر دار الدعوة - الإسكندرية، ومقدمة ابن خلدون ص٢٣٥، وتحرير الأحكام في تدبير الإسلام ص٧٦ . (٢) سراج الملوك للطرطوشي ص ٧٤ المطبعة الخيرية مصر. (٣) مقدمة ابن خلدون ص٢٣٦ . (٤) سورة طه : ٢٩ - ٣٢ . تعالى بعد ذلك: ﴿قَدْ أُوتِيَتَ سُؤْلَكَ يَمُوسَى﴾(١) فإجابه الله تعالی سُؤْلَه دلیل علی جواز اتخاذ الوزير . وقال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مَعَهُ: أَخَاهُ هَرُونَ وَزِيرً﴾(٢)، يعني معيناً وظهيراً، قال الماوردي: وإذا جاز ذلك في النبوة، كان في الإمامة أجوز(٣)، وقال الطرطوشي: لو كان السلطان يستغني عن الوزراء لكان أحق الناس بذلك كلیم الله موسى بن عمران(٤)، وقال ابن خلدون: وهو إما أن يستعين في ذلك بسیفه، أو قلمه، أو رأيه، أو معارفه(٥) . ومن السنة النبوية ما رواه أبو سعيد الخدري رَّهِ أن رسول اللَّه ◌َ لّه قال: ((وزيراي من السماء جبريل وميكائيل، ومن أهل الأرض أبو بكر وعمر)) (٦)، وهذا صريح في جواز اتخاذ الوزراء. (١) سورة طه : ٣٦ . (٢) سورة الفرقان: ٣٥، وانظر تفسير الطبري ١٣/١٩. (٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢، وانظر الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩ . (٤) سراج الملوك للطرطوشي ص ٥٧ . (٥) مقدمة ابن خلدون ص٢٣٥، ٢٣٧ . (٦) حديث: ((وزيراي من السماء جبريل ومیکائیل .. )). أخرجه الحاكم (٢٦٤/٢ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه ووافقه الذهبي. - ١٢١ - وزارة ٤ وعن أم المؤمنين عائشة رضيها أن رسول اللَّه وَل﴾ قال: ((إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزیرَ صدق، إن نسي ذكّره، وإن ذكر أعانه، وإذا أراد الله به غير ذلك جعل له وزير سوء، إن نسي لم يذكره، وإن ذكر لم يعنه))(١). وفي رواية قال رسول اللَّه ◌َلّى: ((من ولي منكم عملًا، فأراد الله به خيراً جعل له وزيراً صالحاً إن نسي ذكره، وإن ذكر أعانه))(٢)، وهذا يدل على استحباب اتخاذ الوزير عند الحاجة لأمور السياسة. وكان رسول اللَّه ◌َل﴿ يشاور في الأمور العامة والخاصة أبا بكر وعمر تصفها، وقال في حقهما: ((لو اجتمعتما في مشورة ما خالفتكما))(٣). (١) حديث عائشة عليها: ((إذا أراد الله بالأمير خيراً جعل له وزير صدق .. )). أخرجه أبو داود (٣٤٥/٣ ط حمص)، والنسائي (١٥٩/٧ ط المكتبة التجارية)، وابن حبان (الإحسان ٣٤٦/١٠ ط الرسالة). (٢) حديث: ((من ولي منكم عملًا .. )). أخرجه النسائي (١٥٩/٧ - ط المكتبة التجارية). (٣) حديث: (كان رسول اللَّه ◌َل﴿ يشاور .. )) أخرجه أحمد (٢٢٧/٤ ط الميمنية) من حديث ابن غنم الأشعري وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٥٣/٩ - ط القدسي) وقال: رواه أحمد ورجاله ثقات الا أن ابن غنم لم يسمع من النبي ◌َلتر. وروى البيهقي في السنن (١٠٩/١٠ ط دائرة = وجاء في تفسير قوله تعالى: ﴿أَطِيعُواْ اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِ الْأَمْرِ مِنْهُمْ﴾(١) عن عكرمة: إنها إشارة إلى أبي بكر وعمر تَطلقها خاصة(٢). وعن سعيد بن المسيب رحمه الله تعالى قال: كان أبو بكر من النبي ◌َل﴾ مكان الوزير، فكان يشاوره في جميع أموره(٣). ومن آثار الصحابة رضوان الله عليهم ما ورد عندما التقى المسلمون في سقيفة بني ساعدة بالمدينة لاختيار من يخلف رسول الله وَلّ، فقال سعد بن عبادة بعدكلام أبي بكر الصديق : صدقت نحن الوزراء، وأنتم الأمراء (٤)، وكان عمر تظلثه وزيراً لأبي بكر رَّه ، وعثمان وعلي وزيري عمر وهکذا کل خلیفة کان له وزراء ومعينون ومرشدون. = المعارف العثمانية) عن ابن عباسٍ تَق في قوله عز وجل: ﴿وَشَاوِرْهُمْ فِي الأَتِ﴾ قال: أبو بكر وعمر تطفئتا . (١) سورة النساء: ٥٩ . (٢) تفسير الطبري ١٤٩/٥، وتفسير القرطبي ٢٥٩/٥ . (٣) أثر سعيد بن المسيب ((كان أبو بكر من النبي ◌َّر مكان الوزير .. )) أخرجه الحاكم (٦٣/٣ ط دائرة المعارف العثمانية) وقال الذهبي: في رواته مجهول. (٤) أخرج مقالة سعد بن عبادة الطبري في تاريخه (٢٠٣/٣ - ط دار المعارف - مصر). - ١٢٢ - وزارة ٥ - ٦ ومن المعقول أنه متى جازت الوزارة مع النبي المختار المصطفى فتجوز مع الإمامة بالأولى، لأن كل ما وكل إلى الإمام من تدبير شؤون الأمة لا يقدر على مباشرته جميعه وحده، إلا بالاستنابة والاستعانة، فكانت نيابة الوزير المشارك له في التدبير أصح في تنفيذ الأمور من تفرده بها، لیستظهر به على نفسه، ويكون في ذلك أبعد من الزلل، وأمنع من الخلل، والاستعانة بالغير يضمن سلامة العمل(١). قال إمام الحرمين الجويني: وليس من الممكن أن يتعاطى الإمام مهمات المسلمين في الخطة، وقد اتسعت أكنافها، وانتشرت أطرافها، ولا يجد بداً من أن يستنيب في أحكامها، ويستخلف في نقضها أو في إبرامها وإحكامها(٢) . أقسام الوزارة: تنقسم الوزارة في الدولة الإسلامية والفقه الإسلامي إلى نوعين، وهما: أ - وزارة التفويض. (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى الفراء ص٢٩ . (٢) غياث الأمم ص٢١٤ . ب - وزارة التنفيذ (١). أولًا: وزارة التفويض: تعريف وزارة التفويض : ٥ - عرف الماوردي وزارة التفويض فقال: أن یستوزر الإمام من یفوض إليه تدبير الأمور برأيه، وإمضاءها على اجتهاده(٢). وهي أصل الولايات والوظائف بعد الخلافة، لأن وزير التفويض ينظر في كل ما ينظر فيه الخليفة، فالخليفة هو الأصيل، ووزير التفويض يقوم مقامه. شروط وزارة التفويض : ٦ - يشترط في وزير التفويض ما يأتي: (٣) أ - الإسلام: يشترط في الوزير أن يكون مسلماً، لأن اللَّه تعالى أمر بطاعة أولي الأمر، والوزير منهم، واشترط القرآن الكريم أن يكون مسلماً لقوله تعالى: ﴿أَطِيعُوْ الَهَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩، وتحرير الأحكام ص٧٧ . (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢، وانظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩ . (٣) غياث الأمم ص ١١٠ - ١١٣، والأحكام السلطانية ص٢٢، وانظر تحرير الأحكام ص ٧٧ . - ١٢٣ - وزارة ٦ ٠٠ وأُؤلِ الآتيِ مِنلم﴾(١) ومحل الشاهد قوله تعالى: ﴿مِنْكُمْ﴾ أي من المسلمين، ولأن المطلوب الطاعة في تنفيذ الأحكام الشرعية التي وردت في النصوص الشرعية في القرآن والسنة، وكلها تشترط الإسلام، وتمنع غير المسلم من الولاية، قال اللَّه تعالى: ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾(٢) ب - الذكورة: يشترط في الوزير أن يكون رجلًا، لقوله تعالى: ﴿اَلْرِّجَالُ قَوَّمُونَ عَلَ النِّسَآءِ بِمَا فَضَلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ﴾(٣)، وقوامة الرجل ليست قاصرة على البيت، بل تشمل الولايات العامة في الدولة، ولقول النبي وَّر: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)»(٤). ولم يثبت في عهد النبي څے، وفي عهد الراشدين، ومن بعدهم ولاية عامة لامرأة. ج - العقل والرشد: يشترط في الوزير أن يكون عاقلًا راشداً، وليس المراد بالعقل مجرد الحد المطلوب لتكليف الأحكام الشرعية، أو الرشد في الأمور المالية، بل يشترط كمال (١) سورة النساء: ٥٩ . (٢) سورة النساء: ١٤١ . (٣) سورة النساء: ٣٤ . (٤) حديث: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)). أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢٦/٨) من حديث أبي بكرة تَله . العقل المقترن بالنضج والخبرة، والمعرفة بجوانب الأمور، والقدرة على النظر في الوقائع والخفايا وإدارة الدولة، وكشف الدسائس ضدها، والعمل على إحكام الخطط والتدبير الدقيق، وفي ذلك يقول الماوردي في شروط القاضي: ولا يكتفى فيه بالعقل الذي يتعلق به التكليف من علمه بالمدركات الضرورية حتى يكون صحيح التمييز، جيد الفطنة، بعيداً عن السهو والغفلة، یتوصل بذکائہ إلی إيضاح ما أشكل، وفصل ما أعضل(١)، ووزير التفويض قاضٍ يحكم ويفصل كما سنرى، ويعين القضاة والولاة والحكام، ويدير أمور الدولة الداخلية والخارجية . ويرى بعضهم في الرشد: أنه يشترط بلوغ أربعين سنة، لقوله تعالى: ﴿حََّ إِذَا بَلَغَ أَشُدَّمُ وَيَغَ أَرْبَعِيْنَ سَنَّةً قَالَ رَبِّ أَوَزِعْنِيّ أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِىّ أَنْعَمْتَ عَلَىَّ وَعَلَى وَلِدَىَّ﴾(٢). لأن النضوج العقلي والاستقرار العاطفي يتم في هذه السن، وهي السن التي يصطفى فيها الأنبياء والرسل، ويوحى إليهم، قال الراغب الأصفهاني: إن الإنسان إذا بلغ هذا القدر يتقوی خُلُقه الذي هو علیه، فلا یکاد یزايله بعد ذلك(٣). (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٦٥ . (٢) سورة الأحقاف: ١٥ . (٣) مفردات ألفاظ القرآن ص ٤٤٧ . - ١٢٤ - وزارة ٦ د - العدالة: وهي الالتزام بالأحكام الشرعية، وعدم ارتكاب المعاصي والذنوب، وتجنب الكبائر، وعدم الإصرار على الصغائر . وهذا شرط في الشاهد والقاضي والراوي والإمام، وكذا في وزیر التفويض، والنصوص في العدالة كثيرة من القرآن الكريم والسنة الشريفة ليكون في المقام الذي تقبل فيه روایته(١) هـ - الأمانة: يشترط في الوزير أن يكون أميناً على حفظ الأموال التي يتولى الإشراف عليها، سواء أكانت عامة للدولة أم خاصة للأفراد، فيجب أن يوفي الحقوق إلى أصحابها، ولا يخون فیھا، ولا يتقبل الهدايا التي تعطى له بحكم منصبه، فتكون رشوة مقنعة(٢). و - الاجتهاد والإمامة في الدين: وعلل ذلك الماوردي فقال: لأنه ممضي الآراء، ومنُفذِ الاجتهاد، فاقتضى أن يكون على صفات المجتهدين(٣). وقال الجويني: على أن الأظهر اشتراط (١) غياث الأمم للجويني ص١١٤. (٢) السياسة الشرعية لابن تيمية ص٢١ طبع مكتبة أنصار السنة المحمدية - القاهرة. (٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢ . كون الوزير الذي إليه تنفيذ الأمور إماماً في الدين، فإن ما يتعاطاه عظيم الخطر والغرر، ويعسر عليه مراجعة الإمام في تفاصيل الوقائع، وإنما يطالع الإمام في الأصول والمجامع، فإذا لم يكن إماماً في الدين لم يؤمن زَلَّلُه في أمور المسلمين التي يتعذر تلافيها كالدماء والفروج وما في معانيها (١). وإن عمل وزير التفويض يتطلب العلم المؤدي إلى الاجتهاد في الأمور المختلف فيها، والاجتهاد يتوقف على جودة الفهم في معرفة حقائق القرآن والسنة، وأن يردّ المسائل المتنازع فيها إلى الكتاب والسنة، لقوله تعالى: ﴿فَإِن تَعْتُمْ فِ شَىْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى الَّهِ وَالَرَّسُولِ﴾(٢) وهذا يتطلب أيضاً الذكاء والفطنة، حتى لا تتدلس عليه الأمور، مع توفر الحكنة والتجربة لتطبيق الرأي الصحيح، والتدبير السديد في سياسة الرعية (٣). ولكن لا يشترط أن يصل إلى رتبة الاجتهاد المستقل، لأنه يراجع الإمام في مجامع الخطوب، أو من يصلح للمراجعة من أئمة الدين وحملة الشريعة، فلا ضرورة إلی أن يبلغ (١) غياث الأمم للجويني ص١١٣. (٢) سورة النساء: ٥٩ . (٣) أحكام القرآن لابن العربي ١٦٣٠/٤، وغياث الأمم ص ١١٠ . - ١٢٥ - وزارة ٧ درجة المجتهد المطلق، لأن رتبة الوزير مهما علت فإنها ليست رتبة المستقلين، وإنما المستقل الإمام(١). ز - الكفاية: وهي القوة في إدارة الأمور، وتصريف الأعمال، مع الخبرة الكافية في ترتيب الأعمال على قواعدها السليمة، ووضع الأمور في نصابها، ويُقدم الأكفأ والأصلح(٢). قال الماوردي: وهو أن يكون من أهل الكفاية فيما وكل إليه من أمر الحرب والخراج خبرةً بهما، ومعرفةً بتفاصيلهما، فإنه مباشر لهما تارة، ومستنیب فيهما أخرى، فلا يصل إلى استنابة الكُفاةِ إلا أن يكون منهم، كما لا يقدر على المباشرة إذا قصر عنهم، وعلى هذا الشرط مدار الوزارة، وبه تنتظم السياسة(٣). ح - شروط أخرى: ٧ - ويشترط في وزير التفويض عدة شروط أخرى، كسلامة الحواس والأعضاء، وهذا فرع عن الكفاية والقدرة علی تصریف الأمور، ويشترط فيه الشجاعة والنجدة التي تؤدي إلى الحفاظ على شؤون الدولة، وأمن الأفراد، (١) غياث الأمم ص١١٣ . (٢) السياسة الشرعية لابن تيمية ص١٨ . (٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٢، وانظر: الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩ . وحماية البلاد، وجهاد العدو (١). وأن يكون من أهل الصدق والأمانة والعفة والديانة والفطنة والصيانة، بصيراً بالأمور، سالماً من الأهواء والشحناء بينه وبين الناس(٢). ويشترط عدم الاشتغال بالتجارة حتى يتفرغ لمنصبه من أعمال الأمة والدولة، وروي عن رسول اللّه وَ لي أنه قال: ((ما عدل وال اتجر في رعيته))(٣). وبين ابن جماعة السبب في اشتراط هذه الشروط في الوزير، فقال: لأنه متحمل أعباء المملكة، فيلزمه حمل أثقالها، وإصلاح أحوالها، وإزاحة اختلالها، وتمييز أقوالها، وانتخاب الأكفاء لأعمالها، مع تفقد أحوالھم، وكشف حال أعمالهم، وأمرهم بالعدل ولزوم الأمانة، وتحذيرهم عاقبة الظلم والخيانة، فمن أحسن القيام بوظيفته زاد في كرامته، ومن أساء قابله بطرده وإهانته، ومن قصّر عن غفلة بصّره، أو عن سهو أو خطأ أيقظه وعَذَرَه، (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٦، ٢٣. (٢) تحرير الأحكام لابن جماعة ص٧٨ . (٣) حديث: ((ما عدل والٍ اتجر .. )) أخرجه أحمد بن منيع في مسنده كما في المطالب العالية (١١٠/١٠ - ط دار العاصمة) وذكر البوصيري في مختصر إتحاف المهرة (٤٤٩/٦ - ط دار الكتب العلمية) أن في إسناده راوياً ضعيفاً. - ١٢٦ - وزارة ٨ - ٩ ويلزمه الاعتناء بجهات الأموال وحسابها، ومظانها وتحصيلها، وتيسير أسبابها(١). صيغة انعقاد وزارة التفويض وتقليدها : ٨ - لا يتم تعيين الوزير إلا بطلب الخليفة المستوزِر، لأن الوزارة ولاية تفتقر إلى عقد، والعقود لا تصح إلا بالقول الصريح غالباً، ونظراً لأهمية وزارة التفويض وخطورتها فلا يكفي فيها مجرد الإذن، بل لابد من عقد معين صادر عن الخليفة لمن یکلفه. ويتم تولية الوزارة بالألفاظ التي تشعر بمقصودها، وتمييزها عن غيرها كسائر الولايات، لأن ولاية الوزارة من العقود العظيمة والأساسية التي لها خطرها وآثارها، مثل أن يقول له: ولّيتك الوزارة، أو ولّيتك وزارتي فيما إلي، أو استوزرتك. فإن أذن الخليفة لشخص بأحد شؤون الدولة فلا يتم الانعقاد والتقليد حكماً وإن أمضاه الولاة عرفاً، حتى يسند له الخليفة الوزارة بلفظ (٢)، لكن قال أبو يعلى: فقياس المذهب أنه يصح (١) تحرير الأحكام لابن جماعة ٧٦، وانظر مقدمة ابن خلدون ص ١٩٣، ٢٣٦ ط إحياء التراث العربي - بيروت. (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩ . التقليد بناء على إيقاع الطلاق بالكتابة(١). ٩ - ويشترط في الانعقاد والتقليد أمران: أ - أن يسند إليه عموم النظر في الأمور. ب - أن يطلب منه النيابة والقيام بالأعمال، لأنها عقد، والعقد لا ينعقد بمجرد الإذن، ولا بلفظ محتمل، فإن اقتصر التعيين على عموم النظر فيكون ذلك ولاية للعهد، ولا تنعقد الوزارة، وإن اقتصر على النيابة فقد أبهم ما استنابه فيه من عموم وخصوص، أو تنفيذ وتفويض، فلا تنعقد وزارة التفويض، ولابدّ من الجمع بين الأمرين، بأن يقول له: قلدتك ما إليَّ نيابة عني، فتنعقد وزارة التفويض(٢). وهناك ألفاظ أخرى في الانعقاد والتقليد، فلو قال الخليفة لشخص: نُب عني فيما إليَّ، احتمل أن تنعقد الوزارة، لأنه جمع له بين عموم النظر والاستنابة، واحتمل أن لا تنعقد الوزارة، لأنه إذن يحتاج أن يتقدمه عقد، والإذن في أحكام العقود لا تصح به العقود(٣). ولو قال: قد استنبتك فیما إليَّ، انعقدت به الوزارة، لأنه عدل عن مجرد الإذن إلى ألفاظ (١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩ . (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩ . (٣) المرجعان السابقان. - ١٢٧ - وزارة ١٠ العقود، ولو قال: انظر فيما إليَّ، لم تنعقد به الوزارة، لاحتمال أن ينظر في تصفحه، أو في تنفيذه، أو في القيام به، والعقد لا ينبرم بلفظ محتمل، حتى يصله بما ينفي عنه الاحتمال(١). ولو قال: قد فوضت إليك وزارتي، احتمل أن تنعقد به هذه الوزارة، لأن ذكر التفويض فيها يخرجها عن وزارة التنفيذ، ويحتمل أن لا تنعقد، لأن التفويض من أحكام هذه الوزارة فافتقر إلى عقد ينفذ به، والأول أشبه(٢) . ولو قال: قلدتك وزارتي، أو قد قلدناك الوزارة، لم يصر بهذا القول من وزراء التفويض حتى يبينه بما يستحق التفويض، لأن الله تعالى قال حكاية عن نبيه موسى عليه الصلاة والسلام: وَأَجْعَل ◌ِى وَزِيرًا مِّنْ أَهلِى ٢٩١ أَشْدُدْ بِ، أَزْرِى ٣٠ هَرُونَ أَخِى وَأَشْرِكُ فِّ ٣١ أَشْرِى﴾(٣) فلم يقتصر على مجرد الوزارة حتى قرنها بشد أزره، وإشراكه في أمره (٤). عموم النظر في وزارة التفويض: ١٠ - يمنح الإمام وزير التفويض ممارسة (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٣، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٢٩ . (٢) المرجعان السابقان. (٣) سورة طه: ٢٩ - ٣٢ . (٤) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٠ . جميع الأمور المتعلقة به، ليدبرها برأيه، ويمضيها باجتهاده، وتثبت له الولاية العامة، وله أن يباشرها بنفسه، أو أن يقلد الحكام والنواب ووزراء التنفيذ. ولذلك يستقل وزير التفويض بجميع الولايات العامة، كتعيين القضاة، والحكام، والولاة، وتجنيد الأجناد، وصرف الأموال، وبعث الجيوش، وفرض العطاء بالأهلية، والنيابة عن الإمام في إنفاذ الحل والعقد، والنظر في القلم والتراسل لصون أسرار الخليفة، وقيامه بالدولة وسائر الأمور المتعلقة بالحكم، ولذلك دعي أحياناً بالسلطان إشارة إلی عموم نظره (١). وكل ما صح من الإمام صح من وزير التفويض إلا ثلاثة أشياء : أ - ولاية العهد، فإن للإمام أن يعهد إلى من یری، ولیس ذلك للوزير. ب - للإمام أن يستعفي الأمة من الإمامة، وليس ذلك للوزير، لكن له أن يستعفي ممن استوزره، وهو الإمام. ج - للإمام أن یعزل من قلده الوزیر، ولیس (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٣٢، ومقدمة ابن خلدون ص ٢٣٨ . - ١٢٨ - وزارة ١١ للوزير أن يعزل من قلده الإمام(١). تعدد وزراء التفويض : ١١ - أعمال وزير التفويض عامة وشاملة، فلايجوز للخليفة أن يقلد وزيري تفويض على الاجتماع، كما لا يجوز تقليد إمامين، لأنهما ربما تعارضا في العقد والحل، والتقليد والعزل(٢). فإن قلد الخلیفة وزيري تفويض لم يخل حال تقليده لهما من ثلاثة أقسام: أ - أن يفوض إلى كل واحد منهما عموم النظر، فلا يصح، وينظر في تقليدهما، فإن كان في وقت واحد بطل تقليدهما معاً، وإن سبق أحدهما الآخر صح تقليد السابق، وبطل تقليد المسبوق . والفرق بين فساد التقليد والعزل: أن فساد التقليد يمنع من نفوذ ما تقدم من نظره، والعزل لا يمنع من نفوذ ما تقدم من نظره. ب - أن يشرك بينهما في النظر على اجتماعهما فيه، ولا يجعل إلى واحد منهما أن (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٠ . (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣٢ . ينفرد به، فهذا يصح، وتكون الوزارة بينهما، لا في واحد منهما، ولهما تنفيذ ما اتفق رأيهما علیه، ولیس لهما تنفيذ ما اختلفا فيه، ویکون موقوفاً على رأي الخليفة، وخارجاً عن نظر هذين الوزيرين، وتكون هذه الوزارة قاصرة عن وزارة التفويض المطلقة من وجهين: اجتماعهما على تنفيذ ما اتفقا عليه، وزوال نظرهما عما اختلفا فيه. فإن اتفقا بعد الاختلاف فينظر: إن کان اتفاقهما عن رأي اجتمعا على صوابه بعد اختلافهما فيه دخل في نظرهما وصح تنفيذه منهما، لأن ما تقدم من الاختلاف لا يمنع من جواز الاتفاق . وإن كان مجرد متابعة أحدهما لصاحبه مع بقائهما على الرأي المختلف فيه فهو على خروجه من نظرهما، لأنه لا يصح من الوزير تنفيذ ما لا يراه صواباً . ج - أن لا يشرك بينهما في النظر، ويفرد كل واحد منهما بما ليس فيه للآخر نظر، وهذا یکون علی أحد وجھین: - إما أن يخص كل واحد منهما بعمل يكون فيه عام النظر، خاص العمل، مثل أن يعين أحدهما على وزارة بلاد المشرق، ويعين - ١٢٩ - وزارة ١٢ - ١٣ الآخر على وزارة بلاد المغرب. - وإما أن یخص کل واحد منهما بنظر یکون فيه عام العمل، خاص النظر، مثل أن يستوزر أحدهما على الحرب، والآخر على الخراج، فيصح التقليد على كلا الوجهين، غير أنهما لا یکونان وزيري تفویض، بل والیین علی عملین مختلفين، لأن وزارة التفويض يشترط فيها عموم النظر على جميع الأمور، ولم يتحقق هنا عموم النظر لقصره على أمور حربية، أو مالية فقط، وينفذ أمر الوزيرين في هذه الحالات فيما خصص به کل منهما، ویکون كل واحد منهما مقصوراً على ما خُصَّ به، وليس له معارضة الآخر في نظره وعمله (١). وإذا فوض الخليفة تدبير الأقاليم إلى ولاتها، ووكل النظر فيها إلى المستولين عليها، جاز لمالك کل إقلیم أن یستوزر، وکان حکم وزيره معه كحكم وزير الخليفة مع الخليفة في اعتبار (٢) الوزارتين، وأحكام النظرين العلاقة بين الإمام ووزير التفويض: ١٢ - إن وزير التفويض يقوم مقام الإمام (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٨، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٢ - ٣٣ . (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٨، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٣ . في تطبيق الشرع وتنفيذ الأحكام وسياسة الأنام، وإن نظره يعمّ عموم نظر الإمام في خطة الإسلام، ولكن ليس له رتبة الاستقلال، فيجب عليه أن يراجع الإمام في مجامع الخطوب، فإن أشكل عليه أمر راجع الإمام، أو من يصلح للمراجعة من أئمة الدين وحملة الشريعة، فالخليفة هو الأصيل، وهو المسؤول الأول، وله مباشرة الأمور كلها، وينوب عنه الوزير في ذلك فالوزير نائب(١). ولذلك يتقید عمل الوزیر بأمرين: الأول: خاص بالوزير، وهو واجب عليه بأن يطلع الإمام على كل ما أمضاه من تدبير، وعلى كل ما أنفذه من ولاية وتعيين وتقليد، لئلا يصير بالاستبداد كالإمام. الثاني: خاص بالإمام، وهو أن يتصفح أفعال الوزير وتدبيره الأمور، ليقر منها ما وافق الصواب، ويستدرك ما خالفه، لأن تدبير الأمة موكول إليه في الأصل، ومحمول على اجتهاده(٢) . معاونو وزير التفويض ومساعدوه: ١٣ - كما أن الإمام لا يستطيع القيام بأعباء (١) غياث الأمم للجويني ص١١٣. (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٤، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٣٠ . - ١٣٠ - وزارة ١٤ - ١٥ الدولة وحده، فيستعين بالوزراء، کذلك وزير التفويض يعجز عن تحمل العبء الكبير في إدارة الدولة والقيام بمصالح الأمة وأمر الملة، لذلك كان من واجبه اختيار المعاونين الأکفاء الصالحين، والمساعدين الأقوياء، من وزراء التنفيذ، وأمراء الأجناد، وقيادة العسكر، وولاة الأموال، والكتّاب، والسعاة على الخراج والصدقات، ممن يثق بدينهم وصلاحهم وخبرتهم ومقدرتهم على تولي المناصب القيادية، والأعمال الجسيمة التي توکل إلیھم، فينيبهم عنه، ويستعملهم في الأعمال(١). ١٤ - ويجب أن يتوفر في المعاونين والمساعدين الصفات الشرعية التي يجب مراعاتها في اختيار الأشخاص الذين يتولون مقاليد الأمة، مع البحث عن أحسن وأفضل شخص تتوفر فيه الشروط اللازمة، وتتحقق فيه العدالة، وتصان به المصلحة، قال تعالى: ﴿إِّ خَيّرَ مَنِ أُسْتَتْجَرْتَ الْقَوِىُّ الْأَمِينُ﴾ (٢)، فهذه الآية تتضمن اشتراط الأمانة والقوة أي القدرة على القيام بالعمل الذي يسند إليه من أعمال الدولة(٣)، قال ابن تيمية: والقوة في الحكم بين الناس ترجع إلى العلم بالعدل الذي دلّ عليه الكتاب والسنة، وإلى القدرة على (١) غياث الأمم ص٢١٤ . (٢) سورة القصص: ٢٦ . (٣) السياسة الشرعية لابن تيمية ص١٦ . تنفيذ الأحكام، والأمانة ترجع إلى خشية الله تعالى، وألا يشتري بآياته ثمناً قليلًا، وترك خشية الناس(١). وأرشد رسول اللّه وَلخير الحكام إلى المبادئ التي تراعى في تولية الولاة والعمال، فقال رسول اللَّه ◌َله: ((من استعمل رجلًا من عصابة، وفيهم من هو أرضی لله منه فقد خان الله ورسوله، وخان المؤمنين))(٢). ١٥ - ويجب على وزير التفويض أن يتفقد أعمال المعاونين والمساعدين، وأن يتصفح أحوالهم لينهض الجميع بسياسة الأمة، وحراسة الملة، ولا يتخلى عن ذلك بأعماله الخاصة، ولا حتى بالعبادة، فقد یخون الأمين، ويغش الناصح، وهذا مفروض عليه بحكم الدين، ومنصب الوزارة، وهو من حقوق السياسة التي استرعاها(٣). وقال رسول اللَّه وق وله: ((كلكم راع وكلكم مسؤول عن رعيته))(٤) (١) السياسة الشرعية لابن تيمية ص ١٧ . (٢) حديث: ((من استعمل رجلًا من عصابة .. )). أخرجه الحاكم (٩٢/٤ ط الكتاب العربي)، وأعله المنذري في الترغيب (١١٨/٣ ط دار ابن كثير) بضعف أحد رواته. (٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص١٦ . (٤) حديث: ((كلكم راع، وكلكم مسئول .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٧٨/٥). - ١٣١ - وزارة ١٦ - ١٧ ثانياً: وزارة التنفيذ: ١٦ - وزارة التنفيذ أضعف حكماً من وزارة التفويض وشروطها أقل، لأن النظر فيها مقصور على رأى الإمام وتدبيره، وهذا الوزير وسط بينه وبين الرعایا والولاة، يؤدي عنه ما أمر، وينفذ عنه ما ذكر، ويمضي ما حكم، ويخبر بتقليد الولاة وتجهيز الجيوش، ويعرض عليه ما ورد من مهم وتجدد من حدث ملّم، لیعمل فيه ما يؤمر به، فهو معین في تنفيذ الأمور، وليس بوال عليها ولا متقلداً لها، فإن شورك في الرأي كان باسم الوزارة أخص، وإن لم يشارك فيه كان باسم الواسطة والسفارة أشبه، وليس تفتقر هذه الوزارة إلى تقليد وإنما يراعى فيها مجرد الإذن، ولا تعتبر في المؤهل لها الحرية ولا العلم، لأنه ليس له أن ينفرد بولاية ولا تقليد فتعتبر فيه الحرية، ولا يجوز له أن یحکم فیعتبر فیه العلم، وإنما هو مقصور النظر على أمرين: أحدهما: أن يؤدي إلى الخليفة. والثاني: أن يؤدي عنه(١). شروط وزارة التنفيذ : ١٧ - يشترط في وزير التنفيذ الشروط العامة، وهي البلوغ، والعقل، والرشد، (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٥ - ٢٦ . والعدالة، والكفاية فيما يكلف به، ولا يشترط فيه الاجتهاد، لأنه مجرد مبلغ ومنفذ لأوامر الإمام أو وزير التفويض. ويشترط في وزير التنفيذ شروط خاصة، تتعلق بعمله، وهي: أ - الثقة: يشترط في وزير التنفيذ أن يكون موثوقاً، بحيث تقبل روايته، لأن ملاك أمره إخبار الجند والرعايا بما ينفذه الإمام، وهذا يستدعي الورع والأخلاق الفاضلة(١). ب - الأمانة: وذلك حتى لا يخون فيما اؤتمن علیه، ولا یغش فيما استنصح فیه. ج - صدق اللّهجة: حتى يوثق بخبره فيما يؤديه، ويعمل على قوله فيما ينهيه. د - قلة الطمع: حتى لا يرتشي فيما يلي، ولا ينخدع فيتساهل في عمله. هـ - المسالمة وعدم العداوة والشحناء، فيسلم فيما بينه وبين الناس من عداوة وشحناء، لأن العداوة تصدُّ عن التناصف، وتمنع من التعاطف. (١) غياث الأمم ص١١٤، والأحكام السلطانية للماوردي ص٢٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣١، وتحرير الأحكام ص٧٨ . - ١٣٢ - وزارة ١٧ ... و - الذکر وعدم النسيان، یکون ذگُوراً لما یؤدیه إلى الخلیفة، وما يؤديه عنه، لأنه شاهد له وعليه . ز - الذكاء والفطنة والكياسة، لأنه ينقل الأخبار والأعباء والأعمال، فيحتاج إلى إدراك معانيها لينقلها، فلا يؤتى عن غفلة وذهول، ولا تدلس عليه الأمور فتشتبه، ولا تموّه عليه فتلتبس، فلا يصح مع اشتباهها عزم، ولا يصلح مع التباسها حزم، ومن لم يكن فطناً لم یوثق بفهمه لما يؤديه، ولا يؤمن خطؤه فيما يبلغه ويؤديه . ح - أن لا يكون من أهل الأهواء، فيخرجه الهوى عن الحق إلى الباطل، ويتدلس عليه المحق من المبطل، لأن الهوى خادع الألباب، وصارف له عن الصواب، ولذلك قال رسول اللَّه ◌َلّى: ((حبّك الشيء يُعمي، ويُصم))(١). ط - الحنكة والتجربة والخبرة: وهذا الشرط إذا كان وزير التنفيذ مشاوراً في الرأى، فإنه يحتاج إلى الحنكة والتجربة التي توصل (١) حديث: ((حبك الشيء يعمي ويصم)) أخرجه أحمد (١٩٤/٥ ط الميمنية) وأبو داود (٣٤٦/٥ - ٣٤٧ ط حمص) من حديث أبي الدرداء، وضعف العراقي إسناده في المغني بهامش الإحياء (٣٢/٣ ط المعرفة). إلى صحة الرأي وصواب التدبير، فإن في التجارب خبرة بعواقب الأمور، فإن لم يشارك في الرأي لم يحتج إلى هذا الوصف، وإن كان يكتسبه مع كثرة الممارسة. ي - الذكورة: يشترط في وزير التنفيذ أن يكون رجلًا، ولا يصح أن تقوم بوزارة التنفيذ امرأة - وإن كان خبرها مقبولا - لما تضمنته الوزارة معنى الولايات المصروفة عن النساء، لقول النبي وقال : «لن يفلح قوم ولّوا أمرهم امرأة)»(١) ولأن فيها من طلب الرأي وثبات العزم ما تضعف عنه النساء، ومن الظهور في مباشرة الأمور ما هو عليهن محظور(٢). ك - الإسلام: وهذا شرط مختلف فيه، فأجاز الماوردي وأبو يعلى تعيين الذمي في وزارة التنفيذ دون وزارة التفويض، فقالا : ويجوز أن يكون هذا الوزير من أهل الذمة، وإن لم يجز أن يكون وزير التفويض منهم(٣)، لأن وزير التنفيذ يتصرف في حدود ما أمر بتنفيذه من الإمام، على عكس وزير التفويض (١) حديث: ((لن يفلح قوم .. )) تقدم تخريجه ف ٦ . (٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٧، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣١ . (٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٧، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣٢ . - ١٣٣ - وزارة ١٧ الذي یفوض له أن يتصرف وفق اجتهاده ومشيئته، ونقل أبو يعلى عن الخِرَقي فقال: وذكر الخرقي ما يدل على أنه يجوز أن يكون وزير التنفيذ من أهل الذمة، لأنه أجاز إعطاءهم جزءاً من الزكاة إن كانوا من العاملين فيها، فيعطوا بحق ما عملوا، مما يدل على جواز ولايتهم وعمالتهم(١). وخالفهم الجويني وقال: فإن الثقة لابد من رعايتها، وليس الذمي موثوقاً في أفعاله وأقواله وتصاريف أحواله، وروايته مردودة، وكذلك شهادته على المسلمين، فكيف يقبل قوله فيما يسنده ويعزوه إلى إمام المسلمين(٢). واستدل الجويني بقول الله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ بِطَانَةٌ مِّن دُونِكُمْ لَا يَأْلُونَكُمْ خَبَالًا﴾(٣)، وقوله تعالى: ﴿لَا تَتَّخِذُواْ أَلْيُهُودَ وَالنَّصَرَىَّ أَوْليّةٌ﴾(٤)، وقوله تعالى: ﴿لَا تَنَّخِذُوا عَدُوِّى وَعَدُؤُكُمْ آولیآءً﴾(٥)، وقوله ژ: «أنا بريء من کل مسلم مع مشرك، لا تتراءى ناراهما))(٦)، وأن (١) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣٢ . (٢) غياث الأمم للجويني ص ١١٤، ١١٥، ١٥٥ . (٣) سورة آل عمران: ١١٨. (٤) سورة المائدة: ٥١ . (٥) سورة الممتحنة: ١ . (٦) حديث: ((أنا بريء من كل مسلم مع مشرك .. )) أخرجه أبو داود (١٠٤/٣ - ١٠٥ ط حمص) من حديث جرير بن عبدالله ت# ، والنسائي = عمر بن الخطاب رضي اشتد نكيره على أبي موسى الأشعري لما اتخذ كاتباً نصرانياً (١). قال أبو يعلى: وروي عن أحمد ما يدل على المنع، لأنه قال في رواية أبي طالب وقد سئل: نستعمل اليهودي والنصراني في أعمال المسلمين مثل الخراج؟ فقال: لا يستعان بهم في شيء(٢). ولا يشترط في وزير التنفيذ أن يكون مجتهداً في الأحكام، لأنه ليس له افتتاح أمر، وإنما هو بمنزلة السفير في كل قضية بين الإمام والرعية، وإن كان الإمام يستعين برأيه فيما يقع، فهو مجرد مستشار مبلغ، وليس له شيء من الولاية(٣). ولا يشترط في وزير التنفيذ العلم بالأحكام الشرعية، لأنه لا يجوز له أن يحكم بين الناس، ولا يفصل في الدعاوى التي تحتاج = (٣٦/٨ ط المكتبة التجارية الكبرى) من حديث قيس بن أبي حازم مرسلاً. قال الحافظ ابن حجر في التلخيص (١١٩/٤ ط الفنية المتحدة): صحح البخاري وأبو داود والترمذي والدارقطني إرساله إلى قيس بن أبي حازم. (١) غياث الأمم ص١١٦، والأم للإمام الشافعي ٢٠٨/٦ طبع دار الشعب - القاهرة، وتسهيل النظر للماوردي ص ٢٣٨ طبع دار العلوم الإسلامية بيروت. (٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص١٦. (٣) غياث الأمم ص١١٣، ١١٤. - ١٣٤ - وزارة ١٩ إلى علم، وإنما يقتصر نظره على الأداء إلى الخليفة، والأداء عنه(١). ولا يشترط في وزير التنفيذ الحرية، فتصح من العبد، لأنه لا ينفرد بالولاية، ولا بتقليد الوظائف إلى غيره، قال الجويني: ولا يضر أن يكون صاحب هذا المنصب عبداً مملوكاً، فإن الذي يلابسه ليس ولاية، وإنما هو إنباء وإخبار، والمملوك من أهل ولاية الإخبار(٢). انتهاء الوزارة بالعزل والتغيير: ١٩ - إن تعيين الوزير عقد جائز، فيجوز لكل من الطرفين أن يفسخه بإرادته المنفردة، فيجوز للإمام أن یعزل وزیر التفويض، ووزیر التنفيذ، وأن يغيرهما بآخر، لسبب أو لغير سبب، ما دام في ذلك مصلحة للأمة ويجوز لوزير التفويض أن يعزل وزير التنفيذ الذي عينه . كما يحق لكل من وزيري التفويض والتنفيذ أن يعزل نفسه، سواء كان لسبب أم لغير سبب، مع مراعاة المصلحة العامة في ذلك. (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص٢٦، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص٣١ . (٢) غياث الأمم ص١١٤، وانظر المرجعين السابقين، وتسهيل النظر وتعجيل الظفر للماوردي ص٢٣٨ - ٢٣٩ . كما يحق للخليفة أن يعزل الوزير إذا تغير حاله، أو فقد مقومات تعيينه، أو قصر في واجباته قياساً على الإمام، فقد نص الماوردي في الإمام أنه يجب له على الرعية حقان: الطاعة والنصرة مالم يتغير حاله، والذي يتغير به حاله فيخرج به عن الإمامة شيئان: أحدهما جرح في عدالته، والثاني نقص في بدنه(١)، فكذلك الأمر بالنسبة للوزير. كما يحق للخليفة عزل الوزير وإن بقي على حاله إذا كان في ذلك مصلحة للأمة يقدرها الإمام، أو وجد الأكفأ والأحسن لإدارة الدولة ومصالح الأمة، وهذا جزء من وظيفة الإمام في مراقبة الوزير، وتفقد أحواله وأعماله، ومؤاخذته إن أساء أو ظلم أو قصر، وعزله إن رأی في ذلك مصلحة. ويجب عزل الوزير لخيانة ظهرت، فيعزل ويعاقب، كما يعزل لتقصير أو لعجز، ويقلد عملًا أسهل، كما يعزل لظلم أو تجاوز لحق أو لين وقلة هيبة، أو يضم له من يعاونه وتتكامل به القوة والهيبة، أو يعزل لقصور العمل عن كفاءته ويرقى إلى عمل أعلى. (١) الأحكام السلطانية للماوردي ص١٧، ٢٢، ٢٣، ٢٥ . - ١٣٥ - وزني ١ - ٣ وَزْنِيّ التعريف : ١ - الوزني: نسبة إلى الوزن: وهو: المقدر بواسطة الميزان، والوزن في اللغة: التقدير مطلقاً: يقال: وزن الشيء: قدره بواسطة الميزان، أو بالرفع بيده ليختبر ثقله وخفته(١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(٢) . الألفاظ ذات الصلة : الکیلي : ٢ - الكيليّ: هو ما يقدر بالكيل، من كال الطعام ونحوه یکیلا کیلًا: حدد مقداره بآلة معدّة لذلك(٣). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى (٤) اللغوي (٤). (١) لسان العرب، والمعجم الوسيط. (٢) شرح مجلة الأحكام العدلية: المادة ١٣٤ . (٣) لسان العرب، والمعجم الوسيط. (٤) مجلة الأحكام العدلية: المادة ١٣٣ . والصلة بين الوزني والكيلي: أن كلّ منهما من المثليات. الأحكام المتعلقة بالوزنيّ : يتعلق بالوزني أحكام منها: أ - المرجع في اعتبار كون الشيء وَزْنياً: ٣ - اختلف الفقهاء فيما يرجع إليه في اعتبار كون الشيء وزنياً على قولين: القول الأول: لجمهور الفقهاء: المالكية والشافعية والحنابلة، والحنفية عدا أبي یوسف، حیث ذهبوا إلى أن ما كان وزنياً على عهد رسول اللَّه وَ ل﴿ لا يغير أبداً عن ذلك، لما رواه عبدالله بن عمر ◌َايها: أن النبي وَلّ قال: ((الوزن وزن أهل مكة، والمكيال مكيال المدينة))(١)، وكلامه وَله إنما يحمل على تبيين الأحکام، فإن أحدث الناس خلاف ذلك فلا اعتبار له، وعلى هذا انصرف التحريم بتفاضل الوزن إلى ما كان وزنياً في عهده ◌َّر، ولا يلتفت إلى تساوي الوزني بالوزني بالكيل(٢). (١) حديث: ((الوزن وزن أهل مكة ... )). أخرجه أبو داود (٦٢٢/٣، ٦٣٤ ط حمص)، وصححه جمع من العلماء كما في فيض القدير للمناوي (٢٧٤/٦ - ط المكتبة التجارية). (٢) مغني المحتاج ٢٤/٢، وكشاف القناع ٢٦٢/٣، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٨٨/٤، = - ١٣٦ - وزني ٤ ... ونص المالكية والشافعية والحنابلة على أن ما لم يكن من ذلك في عهد النبي بَلّ، أو كان وجهل حاله، أو کان ولکنه لم یکن في مکة، أو استعمل الوزن والكيل فيه سواء يراعى فيه عرفه حالة البيع في موضعه، لأن مالا حدّ له في الشرع ولا في اللغة يرجع فيه إلى العرف كالحرز والقبض. والشافعية في هذه المسألة أقوال أخرى منها: أنه يراعى فيه الكيل، لأن أغلب ما ورد النص فيه مكيل، وفي قول لهم الوزن لأنه أحصر وأقل تفاوتاً، وفي قول يتخير للتساوي، وفي قول آخر للشافعية: إن كان للشيء أصل معلوم المعيار اعتبر أصله، فعليه دهن السمسم مکیل، ودهن اللوز موزون. فإن اختلفت عادة بلد البیع فقد نص الشافعية على أنه يعتبر الغالب منها. فإن فقد الأغلب ألحق بالأکثر شبهاً، فإن لم يوجد جاز فيه الکیل والوزن(١) . = وحاشية ابن عابدين ١٨١/٤، وفتح القدير ١٥/٧، وحاشية الدسوقي ٥٣/٣، والشرح الصغير ٨٥/٣. (١) كشاف القناع ٢٦٢/٣، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٨٨/٤، وحاشية ابن عابدين ١٨١/٤ ، ومغني المحتاج ٢٤/٢ - ٢٥، وتحفة المحتاج ٢٧٩/٤، وحاشية الدسوقي ٥٣/٣، والشرح الصغير ٨٥/٣. وصرح الحنابلة في المذهب بأن ما لا عرف له بالمدينة ومكة يعتبر عرفه في موضعه، لأنه لا حد له شرعاً أشبه القبض والحرز، فإن اختلف العرف في بلاده اعتبر الغالب منها، فإن لم یکن له عرف غالب رد إلى أقرب ما يشبهه بالحجاز کرد الحوادث إلى أقرب منصوص عليه بها . وفي وجه عندالحنابلة أن ما لا عرف له بمكة والمدينة يرد إلى أقرب الأشياء به شبهاً بالحجاز(١). القول الثاني: لأبي يوسف حیث قال باعتبار العرف مطلقاً، ولو كان مخالفاً للمنصوص عليه، لأن النص على ذلك الوزن في الشيء أو الكيل فيه ما كان في ذاك الوقت إلا لأن العادة إذ ذاك بذلك، وقد تبدلت فتبدل الحكم(٢). ب - الوزني المنصوص عليه: ٤ - الوزني المنصوص عليه: الذهب والفضة، لقوله وسلم: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة، وزناً بوزن)) (٣). (١) مطالب أولي النهي ٣/ ١٧٠، وكشاف القناع ٢٦٢/٣ - ٢٦٣، والإنصاف ٣٨/٥ - ٣٩. (٢) فتح القدير ٧/ ١٥، وحاشية ابن عابدين ١٨١/٤ - ١٨٢ . (٣) حديث: ((الذهب بالذهب، والفضة بالفضة .. )) = - ١٣٧ - وزني ٥، وسط ١ ويلحق بهما ما أشبههما من جواهر الأرض كالحديد والنحاس والصفر والرصاص والزجاج والزئبق، ومنه الإبريسم والقطن والكتان والصوف وغزل ذلك وما أشبهه (١). ج - ربوية الوزني: ٥ - اختلف الفقهاء في جريان الربا في الوزنيات بناءً على اختلافهم في علة الربا في الوزني المنصوص عليه، وتفصيل ذلك في مصطلح (ربا ف ٢١ وما بعدها). وسط التعريف : ١ - الوسط - بالتحريك - المعتدل، يقال: شيء وسط أي بين الجيد والرديء، وفي التنزيل قال اللَّه تعالى: ﴿مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ﴾(١) أي من وسط بمعنى المتوسط، ووسط الشيء: ما بين طرفيه وهو منه، وما يكتنفه أطرافه ولو من غير تساوٍ، وهو من أوسط قومه: أي من خيارهم. والوسط - بالسكون - ظرف بمعنی بین، يقال: جلس وسْط القوم أي بينهم، جاء في اللسان: وکل موضع ذکر فیه وسط إن صلح فیه بین فهو بالتسکین، وإن لم يصلح فيه ذلك فهو بالفتح، وربما سکن ولیس بالوجه(٢). ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن معانيه اللغوية(٣). = أخرجه مسلم (١٢١١/٣) من حديث أبي سعيد الخدري. (١) حاشية ابن عابدين ١٨١/٤، ومغني المحتاج ٢٤/٢، والمغني لابن قدامة ٢٢/٤، وكشاف القناع ٢٦٣/٣ . (١) سورة المائدة: ٨٩ . (٢) المصباح المنير، ولسان العرب، والمعجم الوسيط . (٣) قواعد الفقه للبركتي، ومغني المحتاج ٢٤٧/١ . - ١٣٨ - وسط ٢ - ٦ الألفاظ ذات الصلة : أ - الغُلُق: ٢ - الغلو في اللغة: من غلا في الدين أو الأمر غلواً: تشدد فيه حتى جاوز الحدّ وأفرط، فهو غالٍ(١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(٢). والصلة بين الوسط والغلو: التضاد. ب - التفريط : ٣ - التفريط في اللغة: من فرط في الأمر تفريطاً: قصر فيه وضيّعه(٣) . ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(٤). والصلة بين الوسط والتفريط : التضاد. ج - الإفراط : ٤ - الافراط في اللغة: من أفرط في الشيء إفراطاً: أسرف وجاوز فيه الحدّ(٥). (١) المصباح المنير. (٢) قواعد الفقه للبركتي. (٣) المصباح المنير، والمعجم الوسيط. (٤) التعريفات للجرجاني. (٥) المصباح المنير، والمعجم الوسيط. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(١) . والصلة بين الإفراط والوسط التضاد. الأحكام المتعلقة بالوسط : تطلق كلمة وسط عند الفقهاء على ثلاثة معان سبق بيانها، ونذكر فيما يلي الأحكام المتعلقة بكل معنى من هذه المعاني : أولًا: الوسط بمعنى معتدل : ٥ - الأصل أن الواجب في كل جنس له وسط الوسط(٢). ومن تطبيقات هذا الأصل: أ - أخذ الوسط في زكاة الماشية. ٦ - يرى الفقهاء أن الواجب في زكاة الماشية هو الوسط(٣)، لما ورد عن النبي وَلّه قال: ((ثلاث من فعلهن فقط طَعِمَ طَعْمَ الإيمان: من عبد الله وحده وأنه لا إله إلا هو، وأعطى زكاة ماله طيبة بها نفسه رافدة عليه كل عام، ولا يعطي الهرمة (١) التعريفات للجرجاني. (٢) حاشية ابن عابدين ٣٤٨/٢ . (٣) فتح القدير ٥٠١/١ - ٥٠٢، والمغني لابن قدامة ٦٠٠/٢ - ٦٠٢ . - ١٣٩ - وسط ٦ - ٩ ولا الدَّرنة ولا المريضة ولا الشرط اللئيمة، ولكن من وسط أموالكم، فإن اللّه لم يسألكم خيره ولم يأمركم بشره))(١). والتفصيل في مصطلح (زكاة ف ٦٤). ب - الجلد بسوط معتدل ٧ - ذهب الفقهاء إلى أن الجلدفي الحدود والتعزیر یکون بسوط وسط، لا جديداً فيجرح، ولا خَلِقاً فيقل ألمه، ولا ثمرة له، وأن يضرب به ضرباً متوسطاً، والمتوسط بين المبرح وغير المؤلم، لإفضاء الأول إلى الهلاك، وخلو الثاني من المقصود، وهو الانزجار(٢). فقد روى حنظلة السدوسي قال: سمعت أنس بن مالك رضي يقول: ((كان يؤمر بالسوط فتقطع ثمرته، ثم يدق بین حجرین حتی یلین، ثم يضرب به، فقلت لأنس: في زمن مَنْ كان (١) حديث: ((ثلاث من فعلن فقد طعم طعم الإيمان ... )) أخرجه أبو داود (٢/ ٢٤٠ - ط حمص) من حديث عبدالله بن معاوية الغاضري. (٢) الهداية وشروحها ١٢٦/٤ ط الأميرية، وشرح الزرقاني ١١٤/٨، روضة الطالبين ١٧٢/١٠، والمغني ٣١٥/٨ . (٣) أثر أنس بن مالك: ((كان يؤمر بالسوط فتقطع ثمرته ... )) أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (١٠/ ٥٠ - ٥١ ط السلفية). هذا؟ قال: في زمن عمر بن الخطاب وعن يحيى بن أبي كثير ((أن رجلًا جاء إلى النبي ◌َ ل﴿ فقال: يا رسول الله، إني أصبت حداً فأقمه عليّ، فدعا رسول اللّه وَله بسوطٍ جدید علیه ثمرته، فقال: لا، سوط دون هذا، فأتي بسوط مكسور العجز، فقال: لا، سوط فوق هذا، فأتى بسوط بين السوطين، فأمر به فجلد))(٢) . ج - التوسط في حجارة الرجم: ٨ - ذهب الفقهاء إلى أن الزاني المحصَن يرجم بحجارة متوسطة كالكف، فلا ينبغي أن يثخن بصخرة كبيرة، ولا أن يطول عليه بحصيات صغيرة(٣). والتفصيل في مصطلح (زنی ف ٤٤). د - التوسط في التكفير بالإطعام: ٩ - من وجبت عليه بالحنث كفارة، (١) حديث يحيى بن أبي كثير مرسلًا ((أن رجلًا جاء إلى النبي ◌َّ﴿ فقال: يا رسول الله إني أصبت حداً . .)) أخرجه عبدالرزاق في المصنف (٣٦٩/٧ ط المجلس العلمي - الهند)، وذكر ابن حجر في التلخيص (٣/ ٢١١ - ط العلمية) طريقين آخرين له مرسلين، وقال: فهذه المراسيل الثلاثة يشد بعضها بعضاً. (٢) حاشية الدسوقي ٣٢٠/٤ ومطالب أولي النهى ٦/ ١٧٥ وروضة الطالبين ٩٩/١٠ . - ١٤٠ -