Indexed OCR Text

Pages 1-20

وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية
مَُّةُ الْفَقْفِيَّةُ
صـ
المُ
الجزء الثالث والأربعون
وديعة - وضوء

نسـ
﴿ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لَِفِرُواْ كَفَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن
كُلِّ فِقَةٍ مِنْهُمْ طَاِفَةٌ لِتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِسُنْذِرُوا
قَوْمَهُمْ إِذَا رَحَهُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يُحْذَرُونَ﴾ .
(سورة التوبة آية : ١٢٢)
(مَن يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِى الدِّين)»
(أخرجه البخاري ومسلم)

المُسُوعَةُ الفِقْفِيَّةُ
المؤبق عيرالصـ
إصــدار
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت

الطبعة الأولى
١٤٢٥ هـ - ٢٠٠٥ م
حقوق الطبع محفوظة للوزارة
ص. ب: ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت

وديعة ١ - ٣
وديعة
التعريف :
١ - الوديعة في اللغة: ما استودع، وهي
واحدة الودائع، يقال: أودعه مالًا أي دفعه إليه
ليكون وديعة عنده، وأودعه مالًا أيضاً: قبله
منه، وهو من الأضداد.
ويقال: أودعت زيداً مالًا واستودعته إياه إذا
دفعته إلیه ليكون عنده، فأنا مودع ومستودع،
وزيدمودَع ومستودَع، والمال أيضاً مودَع
ومستودع، أي وديعة(١).
وفي الاصطلاح: هي المال الموضوع عند
الغير ليحفظه، وزاد الحنابلة: بلا عوض.
والإيداع: تسليط الغير على حفظ ماله،
وزاد الحنابلة ((تبرعاً))(٢).
(١) المصباح المنير، مختار الصحاح، المعجم
الوسيط، معجم مقاييس اللغة ٩٦/٦ .
(٢) تكملة فتح القدير ٨٨/٧ الطبعة الأميرية، الفواكه
الدواني ١٨٥/٢، وروضة الطالبين ٣٢٤/٦،
وكشاف القناع ١٦٦/٤ .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الأمانة :
٢ - الأمانة في اللغة: ضد الخيانة، مصدر
أمن، يقال: أمن أمانة فهو أمين ثم استعمل
المصدر في الأعيان مجازاً، فقيل: الوديعة
أمانة(١) .
وفي الاصطلاح: هي الشيء الذي يوجد
عند الأمين سواء أكان أمانة بعقد الاستحفاظ
كالوديعة، أو كان أمانة من ضمن عقد آخر
كالمأجور، والمستعار، أو دخل بطريق الأمانة
في يد شخص بدون عقد ولا قصد، كما لو
ألقت الريح في دار أحد مال جاره فحیث کان
ذلك بدون عقد لا يكون وديعة بل أمانة
فقط(٢)
والصلة بين الوديعة والأمانة أن الأمانة أعم
مطلقاً من الوديعة، لأن الوديعة نوع من الأمانة .
ب - الإعارة:
٣ - الإعارة في اللغة: من التعاور، وهو
التداول والتناوب مع الرد، وهي مصدر أعار،
والاسم منه العارية(٣).
(١) المغرب، والمصباح المنير، والقاموس المحيط.
(٢) مجلة الأحكام العدلية مادة ٧٦٢ .
(٣) تاج العروس.
- ٥ -

٠٠
٠٠.
وديعة ٤ - ٦
٠٠
وفي الاصطلاح: إباحة الانتفاع بما يحل
الانتفاع به مع بقاء عينه(١).
والصلة بين الوديعة والإعارة أن اليد في كل
من الوديعة والعارية يد أمانة عند بعض
الفقهاء .
ج - اللقطة :
٤ - اللقطة في اللغة: اسم الشيء الذي
تجده ملقی فتأخذه(٢) .
وفي الاصطلاح: هي المال الضائع من ربه
يلتقطه غيره(٣).
والصلة بينهما أن يد الملتقط أثناء الحول يد
أمانة، وإن تلفت عند الملتقط أثناء الحول بغير
تفريطه أو نقصت فلا ضمان عليه كالوديعة،
وإن أخذها لنفسه ضمن.
د - الغصب :
٥ - الغصب في اللغة: أخذ الشيء ظلماً
وقهراً(٤).
واصطلاحاً: الاستيلاء على حق
(١) مغني المحتاج ٢٦٣/٢.
(٢) المصباح المنير.
(٣) المغني مع الشرح ٣١٨/٦.
(٤) المصباح المنير.
الغير عدواناً(١).
والصلة بين الوديعة والغصب التضاد.
مشروعية الوديعة :
٦ - استدل الفقهاء على مشروعية الوديعة
بالكتاب والسنّة القولية والعملية والإجماع
والمعقول.
أما الكتاب: فبعموم قوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ
عَلَى الْبِ وَالنَّقْوَى﴾(٢)، حيث أمر سبحانه
المؤمنين بالتعاهد والتساعد على البر والتقوى،
ومن ذلك الوديعة، قال في النظم المستعذب:
إذ البر اسم جامع للخير كله، والتقوى من
الوقاية، أي ما يقي الإنسان من الأذى في
الدنيا ومن العذاب في الآخرة(٣).
وقوله سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُّرُكُمْ أَن تُؤَدُّوا
اُلْأَمَنَتِ إِلَى أَهْلِهَا﴾(٤) .
فالآية عامة في جميع الأمانات، لأن العبرة
بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.
وأما السنة: فبقول النبي وَلفيه: ((أد الأمانة
(١) مغني المحتاج ٢٧٥/٢ .
(٢) سورة المائدة/ ٢ .
(٣) النظم المستعذب لابن بطال الركبي ٣٦٦/١،
وروضة القضاة للسمناني ٦٠٨/٢ .
(٤) سورة النساء/ ٥٨ .
- ٦ -

وديعة ٧
إلى من ائتمنك، ولا تخن من خانك))(١).
ويقول النبي وَلِّ: ((من نفَّس عن مؤمن كُربةً
من کرب الدنيا نفّس الله عنه كربةً من کرب
يوم القيامة، .. والله في عون العبد ما كان
العبد في عون أخيه))(٢).
ولا شك أن من عون المسلم لأخيه قبول
ودیعته لیحفظها له عند احتياجه إلى إيداعها
عنده .
وبما روي عن عائشة تعطّها في هجرة النبي
مِّرقالت: ((وأمر - تعني رسول اللَّه وَل﴾ . -
علياً رټې أن يتخلف عنه بمكة حتى يؤدي
عنه وَّ الودائع التي كانت عنده للناس))(٣).
وأما الإجماع: فقد أجمع الفقهاء على جواز
الوديعة في الجملة(٤) .
(١) حديث: ((أد الأمانة إلى من أنتمنك .. )).
أخرجه الترمذي (٥٥٥/٣ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة، وقال: حديث حسن غريب.
(٢) حديث: ((من نفس عن مؤمن كربة .. ))
أخرجه مسلم (٤/ ٢٠٧٤ - ط الحلبي) من حديث
أبي هريرة.
(٣) حديث عائشة ((أن النبي وَ ل﴿ أمر علياً أن
یتخلف ... ))
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٢٨٩/٦ - ط
دائرة المعارف العثمانية).
(٤) مجمع الأنهر ٣٣٨/٢، وكفاية الطالب الرباني
وحاشية العدوي عليه ٢/ ٢٥٣، ومغني المحتاج
٧٩/٣، وشرح منتهى الإرادات ٤٤٩/٢ .
وأما المعقول: فلأن بالناس حاجة بل ضرورة
إليها(١).
الحكم التكليفي:
٧ - اختلف الفقهاء في الحكم التكليفي
للوديعة على أربعة أقوال:
أ - فقال الحنفية: قبول الوديعة مستحب،
لأنها من باب الإعانة، وهي مندوبة(٢) لقول
اللَّه تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبِّ وَاُلَّقْوَى﴾(٣)،
وقوله وَله: ((والله في عون العبد ما كان العبد
في عون أخيه))(٤) .
قال السمناني: وعندنا لا يجب قبول
الوديعة بحال(٥) .
ب - وذهب الحنابلة إلى أن قبولها مستحب
لمن علم من نفسه أنه ثقة قادر على حفظها،
ويكره لغيره، لأن فيه تغريراً بصاحبها، إلا أن
یرضی ربها بعد إعلامه بذلك إن کان لايعلمه،
(١) مغني المحتاج ٧٩/٣.
(٢) الدر المختار ٤٩٤/٤، ومجمع الأنهر ٣٣٨/٢،
والكفاية على الهداية ٧/ ٤٥٢، والبحر الرائق
٢٧٣/٧، وعقود الجواهر المنيفة للزبيدي ٢/
٧٨، والمبسوط السرخسي ١٠٩/١١ .
(٣) سورة المائدة / ٢ .
(٤) حديث: ((والله في عون العبد ... ))
(سبق تخريجه ف٦).
(٥) روضة القضاة للسمناني ٢/ ٦١٣.
- ٧ -

وديعة ٧
لانتفاء التغرير(١).
ج - وقال المالکیة: حکم الوديعة من حیث
ذاتها الإباحة في حق الفاعل والقابل على
السواء، غير أنه قد يعرض وجوبها في حق
الفاعل إذا خشي ضياعها أو هلاكها إن لم
يودعها، مع وجود قابل لها قادر على حفظها.
وحرمتها إذا كان المال مغصوباً أو مسروقاً،
لوجوب المبادرة إلى رده لمالكه.
كذلك في حق القابل قد يعرض لها
الوجوب، كما إذا خاف ربها عليها عنده من
ظالم، ولم يجد صاحبها من يستودعها غيره،
فيلزمه عندئذ القبول قياساً على من دعي إلى
أن یشهد على شهادة، ولم یکن في البلد من
یشهد سواه. والتحریم، كالمال المغصوب
يحرم قبوله، لأن في إمساكه إعانةً على عدم
رده لمالكه. والندب، إذا خشي ما يوجبها
دون تحققه. والكراهة، إذا خشي ما يحرمها
دون تحققه(٢).
(١) كشاف القناع ١٨٥/٤، وشرح منتهى الإرادات
٤٥٠/٢، والمبدع ٢٣٣/٥.
(٢) كفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي عليه
٢٢٠/٢، ط الحلبي، والمقدمات الممهدات
٤٦٥/٢، والبناني على شرح الزرقاني على خليل
١١٤/٦، ومواهب الجليل ٢٥١/٥، والتاج
والإكليل ٢٦٦/٥ .
د - وقال الشافعية: يُستحب لمن قدر على
حفظ الوديعة وأداء الأمانة فيها أن يقبلها، لأنه
من التعاون المأمور به، فإن لم يكن هناك من
يصلح لذلك غيره وخاف إن لم يقبل أن
تهلك، تعين عليه أصل قبولها، أي لزمه
بعينه، لأن حرمة مال المسلم کحرمة دمه،
ولكن دون أن يتلف منفعة نفسه وحرزه في
الحفظ من غير عوض، كما في أداء الشهادة
بالأجرة، قال النووي: ولو تعين عليه قبول
وديعة، فلم يقبلها وتلفت فهو عاصٍ، ولا
ضمان عليه، لأنه لم يلتزم الحفظ(١).
أما إذا كان عاجزاً عن حفظها فيحرم عليه
قبولها، لأنه يغرر بها ويعرضها للهلاك، فلم
يجز له أخذها.
قال ابن الرفعة: ومحله إذا لم يعلم بذلك
المالك، فإن علم المالك بحاله فلا يحرم.
وقال الزركشي: الأوجه تحریمه عليهما،
أما على المالك فلإضاعته ماله، وأما على
المودع فلإعانته على ذلك، وعلم المالك
بعجزه لا یبیح له القبول.
ولو كان قادراً على حفظها، لكنه لا يثق
بأمانة نفسه، أي لا يأمن أن يخون فيها،
(١) روضة الطالبين ٦/ ٣٥٣ .
- ٨ -

وديعة ٨
فوجهان: أحدهما الحرمة، والثاني الكراهة،
وهو المعتمد (١).
حقيقة الوديعة :
٨ - اختلف الفقهاء في حقيقة الوديعة، هل
هي عقد أمجرد إذن؟ على قولين(٢):
الأول: لجمهور الفقهاء: المالكية والحنابلة
والشافعية على الأصح في المذهب وهو أنها
عقد توكيل من جهة المودع، وتوكل من جهة
الوديع، غير أن هذه الوكالة من نوع خاص،
لأنها إقامة الغير مقام النفس في الحفظ دون
التصرف، بخلاف الوكالة المطلقة التي هي
إقامة الإنسان غيره مقام نفسه في تصرف معلوم
مملوك له.
وعبر الحنفية عن حقيقة الوديعة بأنها عقد
وهي تسليط الغير على حفظ ماله صريحاً أو
دلالة.
الثاني: لبعض الشافعية، وهو أن الوديعة
(١) المهذب ٣٦٥/١، تحفة المحتاج وحواشيه
٩٩/٧، وكفاية الأخيار ٧/٢، وروضة الطالبين
٦/ ٣٢٤، وأسنى المطالب ٣/ ٧٤.
(٢) روضة القضاة ٦١٦/٢، والمبدع ٢٣٣/٥،
والزرقاني علي خليل ١١٣/٦، وتحفة المحتاج
٩٨/٧، والمهذب ٣٦٦/١، وأسنى المطالب
٧٥/٣، وروضة الطالبين ٣٢٦/٦.
مجرد إذن وترخيص من المالك لغيره بحفظ
ماله، أشبه بالضيافة. فكما أن الضيافة ترخيص
وإذن من المالك للضيف باستهلاك الطعام
المقدم له دون أن یکون فیها عقد أو تمليك،
فكذلك الوديعة مجرد إذن من المالك للوديع
في حفظ ماله، وليست بعقد(١).
وتظهر ثمرة الخلاف بين القولين - كما
حكى النووي في الروضة - في الفروع التالية:
أ - إذا أودع رجل مالًا عند صبي فأتلفه،
ففي ضمانه قولان بناء على الخلاف في
الوديعة هل هي عقد برأسه أم مجرد إذن؟ فإن
قيل: هي عقد، لم يضمنه الصبي، وإن قيل:
إذن، ضمنه.
ب - نتاج البهيمة المودعة، هل تعتبر فيه
أحكام الوديعة أم لا؟ قولان: فإن قلنا: إن
الوديعة عقد، فالولد وديعة كالأم، وإن قلنا:
(١) شرح ميارة على تحفة ابن عاصم ١٨٨/٢،
ومواهب الجليل ٢٥٠/٥، وحاشية البناني على
شرح الزرقاني علي خليل ١١٣/٦، والتاج
والإكليل للمواق ٥/ ٢٥٠، وروضة الطالبين
٣٢٦/٦، ٣٢٧، وانظر تحفة المحتاج ٧/ ١٠٣،
ومغني المحتاج ٧٩/٣، وأسنى المطالب ٧٥/٣،
٧٦، والمهذب ٣٦٦/١، وكشاف القناع ٤ / ١٦٧،
والبدائع ٢٠٧/٦، وحاشية ابن عابدين والدر
المختار ٤٩٣/٤، والمجلة مادة (٧٧٣).
- ٩ -

..
وديعة ٩
إذن، فليس بوديعة، بل هو أمانة شرعية في
يده، وعليه ردها في الحال، حتى لو لم يؤد
مع التمكن ضمن.
ج - إذا عزل المودع نفسه، ففي انعزاله
وجهان بناء على أن الوديعة إذن أم عقد؟ فإن
قلنا: إذن، فالعزل لغو، كما لو أذن للضيفان
في أكل طعامه، فقال بعضهم: عزلت نفسي،
يلغو قوله، وله الأكل بالإذن السابق، فعلى
هذا تبقى الوديعة بحالها ولا تنفسخ، وإن
قلنا: عقد، انفسخت، وبقى المال في يده
أمانة شرعية، كثوب الغير الذي طيرته الريح
إلى داره، فيجب عليه الرد عند التمكن، وإن
لم يطلب صاحبه على الأصح، فإن لم يفعل
ضمن(١).
خصائص عقد الوديعة :
٩ - يتضح مما سبق أن خصائص عقد
الوديعة ثلاث :
(إحداها) أنه عقد جائز من الجانبين، أي
غير لازم في حق أي منهما، فلكل واحد منهما
أن يبادر لفسخه والتحلل منه متی شاء، دون
(١) روضة الطالبين ٣٢٦/٦، ٣٢٧، وانظر تحفة
المحتاج ٧/ ١٠٣، وأسنى المطالب ٣/ ٧٥ - ٧٦ .
توقف على رضا الطرف الآخر أو موافقته (١)،
وتنفسخ بموت أحدهما أو جنونه أو إغمائه.
وعلى ذلك فمتى أراد المودع استرداد
وديعته، لزم الوديع ردها إليه، لعموم قوله
تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّواْ الْأَمَنَتِ إِلَ
آهلِهًا﴾(٢)، ومتى أراد الوديع ردها لصاحبها،
لزمه أخذها منه، لأن الأصل في المستودع أنه
متبرع بإمساكها وحفظها، فلا يلزمه التبرع في
المستقبل(٣). وقد جاء في المادة (٧٧٤) من
مجلة الأحكام العدلية: ((لكل من المودع
والمستودع فسخ عقد الإيداع متى شاء)).
غير أن الشافعية استثنوا من هذا الأصل حالة
لحوق الضرر بأحد الطرفين نتيجة فسخ الآخر
عقد الوديعة بدون رضاه، فقال الشهاب
الرملي: العقود الجائزة إذا اقتضى فسخها
(١) المغني لابن قدامة ٢٥٦/٩ ط هجر، وكشاف
القناع ١٨٥/٤، وروضة الطالبين ٣٢٦/٦،
وأسنى المطالب ٧٦/٣، الزرقاني على خليل
٦/ ١٢٥، القوانين الفقهية ص ٣٩٧، درر الحكام
لعلي حيدر ٢٢٨/٢، وشرح المجلة للأناسي
٢٤٠/٣، وانظر المادة (٨٣١) من مرشد الحيران
والمادة (١٣٢٦) من مجلة الأحكام الشرعية على
مذهب الإمام أحمد.
(٢) سورة النساء / ٥٨ .
(٣) درر الحكام ٢٢٨/٢، وفتاوى أبي الليث
السمرقندي ص ٢١٧ .
- ١٠ -

وديعة ٩
ضرراً على الآخر امتنع، وصارت لازمة،
ولهذا قال النووي: للوصي عزلُ نفسه إلا أن
يتعين عليه أو يغلب على ظنه تلف المال
باستيلاء ظالم من قاضٍ أو غيره. قلت:
ويجري مثله في الشريك والمقارض(١).
واستثنى الشافعية أيضاً من القول بجواز
ردها في حق الوديع متى شاء حالة ما إذا كان
قبولها واجباً عليه أو مندوباً إذا لم يرض مالكها
بردها إليه؛ لأن القول بجواز ردها حينئذ في
حق الوديع منافٍ للقول بوجوب حفظها عليه
حيث وجب، أو بندبه حيث ندب، فجاء في
(تحفة المحتاج)): ولهما، يعني: للمالك
الاسترداد، وللوديع الرد في كل وقت،
لجوازها من الجانبين، نعم، يحرم الرد حيث
وجب القبول، ويكون خلاف الأولى حيث
ندب، ولم يرضه المالك(٢). وقال الرملي:
ولو طالب المودع المالك بأخذ وديعته، لزمه
أخذها، لأن قبول الوديعة لا يجب، فكذا
استدامة حفظها، ومنه يؤخذ أنه لو كان في
حالة يجب فيها القبول، يجوز للمالك
الامتناع(٣).
(والثانية) أنه عقد أمانة. وعقود الأمانة هي
(١) حاشية الرملي على أسنى المطالب ٧٦/٣ .
(٢) تحفة المحتاج لابن حجر الهيتمي ١٠٥/٧.
(٣) حاشية الرملي على أسنى المطالب ٨٤/٣.
العقود التي يكون المال المقبوض في تنفيذها
أمانةً في يد قابضه لحساب صاحبه، فلا يكون
القابض مسئولًا عما يصيبه من تلف فما دونه
إلا إذا تعدى عليه أو قصر في حفظه، كالشركة
والوكالة والإجارة والوصاية.
وإنما كانت الوديعة كذلك، لأن الأصل
فيها أنها معروف وإحسان من الوديع، فلو
ضمن من غير عدوان أو تفريط، لامتنع الناس
عن قبول الودائع، وذلك مضر بهم، إذ كثيراً
ما يحتاجون إليها أو يضطرون.
وقد نبه الفقهاء إلى تميز عقد الوديعة
واختصاصه من بين سائر عقود الأمانة بأن
موضوعه ومقصده الأساس الائتمان على
الحفظ دون أي غرضٍ آخر كالتصرف أو
الانتفاع أو غير ذلك، وذلك لتمحضه وتجرده
للحفظ فقط، بخلاف عقود الأمانة الأخرى،
فإن الائتمان على الحفظ فيها ليس بمقصودٍ
أصالةً، بل ضمناً، ففي الإجارة مثلًا، يلاحظ
أن غرض العقد وغايته الأصلية إنما هي تمليك
منافع العين المؤجرة بعوض للمستأجر، وأن
الائتمان على الحفظ أمر ضمني تابع لذلك
المقصد. وفي الولاية على المال والوصاية
والوكالة والشركة، يبرز غرض العقد وهدفه
الأساس أنه التصرف في المال في الحدود التي
- ١١ -

وديعة ٩
رسمها الشارع أو فوض فيها الموكل أو
الشريك، والحفظ فيها ضمني. وفي الرهن -
عند من يعده من عقود الأمانة - يعتبر موضوع
العقد ومقصده توثيق الدين، والائتمان على
الحفظ ليس أكثر من غرض ضمني تابع
للمقصد الأساس(١).
وتصنيف الوديعة من عقود الأمانة لا من
عقود الضمان هو رأي جمهور الفقهاء وأهل
العلم، باستثناء رواية عن الإمام أحمد ذکر فیها
اعتبار الوديعة مضمونة في يد الوديع إذا هلكت
من بين ماله(٢).
(والثالثة) أنه عقد تبرع، إذ لا خلاف بين
الفقهاء في أن الأصل في الوديعة أنها من عقود
التبرعات التي تقوم على أساس الرفق والمعونة
وتنفيس الكربة وقضاء الحاجة، فلا تستوجب
من المودع بدلًا عن حفظ الوديعة، خلافاً
(١) درر الحكام ١٩٥/٢ .
(٢) البحر الرائق ٢٧٣/٧، ومجمع الأنهر ٣٣٨/٢،
والدر المختار ٤٩٤/٤، وروضة القضاة للسمناني
٦١٧/٢، والمغني ٢٥٧/٩، والمبدع ٢٣٣/٥،
وأسنى المطالب ٧٦/٣، والمهذب ٣٦٦/١،
والقوانين الفقهية ص٣٧٩، والزرقاني على خليل
١١٤/٦، وانظر المادة (٧٧٧) من المجلة العدلية
والمادة (٨١٧)، (١١٨) من مرشد الحيران
والمادة (١٣٥٩) من مجلة الأحكام الشرعية على
مذهب أحمد.
لعقود المعاوضات المالية التي تقوم على
أساس إنشاء حقوق والتزامات مالية متقابلة بين
العاقدين.
غير أنهم اختلفوا في مشروعية اشتراط
عوض فيها للوديع مقابل حفظه للوديعه على
ثلاثة أقوال:
أ) ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يجوز
للوديع أن يشترط أجراً على حفظ الوديعة،
واعتبروا شرطه صحيحاً ملزماً(١). وقد جاء في
المادة (٨١٤) من مرشد الحيران: ليس
للمستودع أن يأخذ أجرةً على حفظ الوديعة ما
لم يشترط ذلك في العقد. بل إن الشافعية
نصوا على حق الوديع في أخذ الأجرة على
الحفظ والحرز حيث يكون قبول الوديعة واجباً
على الوديع لتعينه، قالوا: لأن الأصح جواز
أخذ الأجرة على الواجب العيني، كإنقاذ
الغريق وتعليم الفاتحة ونحو ذلك(٢).
ب) وفصل المالكية في المسألة، ففرقوا بين
أمرين: أجرة الحرز الذي تشغله الوديعة،
وأجرة الحفظ. وقالوا: إن المستودع يستحق
(١) الفتاوى الهندية ٣٤٢/٤، ورد المحتار
لابن عابدين ٤٩٤/٤، وحاشية الرملي على أسنى
المطالب ٧٦/٣ .
(٢) تحفة المحتاج للهيتمي ٧ / ١٠٠ .
- ١٢ -

وديعة ١٠ - ١١
أجرة موضع الحفظ أي الحرز إذ لا يلزمه بذل
منفعة حرزه بدون عوض (١). أما حفظ
الوديعة، فلا أجرة له عليه إن لم يأخذها مثله
أو يشترطها في العقد أو يجر بها عرف، وذلك
لاطراد العادة بإطراحها، وأن الوديع لا يطلب
أجراً على ذلك، بخلاف ما إذا اتفقا على أجرة
الحفظ، فإنه يجوز ذلك - لأن المذهب جواز
الأجرة على الحراسة - أو جرت بذلك العادة
أو كان طالبها ممن يكري نفسه للحراسة
ويأخذ أجراً على حفظ الودائع، لأن المعروف
عرفاً كالمشروط شرطاً(٢).
ج) وذهب الحنابلة إلى عدم جواز اشتراط
العوض للوديع، وقالوا: إن الأجر إنما يكون
في الإجارة على الحفظ دون الوديعة(٣).
أركان عقد الوديعة :
١٠ - ذهب جمهور الفقهاء من الشافعية
والمالكية والحنابلة إلى أن أركان عقد الوديعة
هي :
(١) التاج والإكليل للمواق ٢٦٦/٥ .
(٢) الزرقاني على خليل وحاشية البناني عليه ٦/
١٢٥، والمقدمات الممهدات ٢/ ٤٦٧، والقوانين
الفقهية لابن جزي ٣٨٠، وبداية المجتهد ونهاية
المقتصد ٣١٢/٢ .
(٣) كشاف القناع ١٨٥/٤، وشرح منتهى الإرادات
٤٤٩/٢ .
١) الصيغة (وهي الإيجاب والقبول).
٢) العاقدان (وهما المودع والمستودع).
٣) المحلّ (وهو العين المودعة)(١).
وخالفهم الحنفية في ذلك التقسيم، إذ
اعتبروا ركن الوديعة الصيغة المؤلفة من
الإيجاب والقبول الدالين على التراضي.
أولًا: الصيغة (الإيجاب والقبول)
١١ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الأصل
في العقود هو التراضي وطيب النفس، وأن
الوديعة لا تصح إلا بالمراضاة، وإلا كانت
قسراً على الحفظ أو غصباً للمال.
والصيغة هي الإيجاب والقبول كأن يقول
لغيره: أودعتك هذا الشيء، أو احفظ هذا
الشيء، أو خذ هذا الشيء وديعة عندك،
ومايجري مجراه، ويقبل الآخر، فإذا وجد
ذلك فقد تم عقد الوديعة(٢) .
غير أنهم اختلفوا في كون الإيجاب والقبول
منحصراً بلفظهما وحده، بين مشترطٍ لذلك
(١) مواهب الجليل ٥/ ٢٥٢، وأسنى المطالب
٧٥/٣، وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي
عليه ٢/ ٢٥٣، وتحفة المحتاج ٩٨/٧، وكشاف
القناع ١٨٦/٤، وبداية المجتهد ٢/ ٣٠٢.
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ٢٠٧ .
- ١٣ -

وديعة ١١
وغیر مشترط لذلك، أو بما يدل على رضا
العاقدين من قول صريح أو كناية أو فعل.
فيرى الحنفية والمالكية عدم اشتراط
ذلك(١).
قال الحنفية: وركنها الإيجاب قولًا صريحاً
أو كناية أو فعلًا، والقبول من المودع صريحاً أو
دلالة في حق وجوب الحفظ، وإنما قلنا:
((صريحاً أو كناية)) ليشمل ما لو قال لرجل:
أعطني ألف درهم، أو قال لرجل في يده ثوب:
أعطنيه، فقال: أعطيتك، فهذا محمول على
الوديعة. نص عليه في المحيط، لأن الإعطاء
يحتمل الهبة والوديعة، والوديعة أدنى، وهو
متيقن، فصار كناية، وإنما قلنا في الإیجاب ((أو
فعلا» ليشمل ما لو وضع ثوبه بين يدي رجل،
ولم يقل شيئاً، فهو إيداع. وإنما قلنا في القبول
((أو دلالة)) ليشمل سكوته عند وضعه بين يديه،
فإنه قبول دلالة، حتى لو قال لا أقبل، لا يكون
مودعاً، لأن الدلالة لم توجد(٢).
(١) الدر المختار مع رد المحتار ٤٩٤/٤، والفتاوى
الهندية ٣٣٨/٤، ومجمع الأنهر ٣٣٧/٢،
وروضة القضاة ٦١٦/٢، ودرر الحكام ٢٢٤/٢
وما بعدها، وانظر المادة (٨١٢) من مرشد
الحيران، ومواهب الجليل ٢٥٢/٥، وشرح
الزرقاني على خليل ١١٤/٦ .
(٢) البحر الرائق ٧/ ٢٧٣ .
قال المالكية: الصيغة هي كل مايفهم منه
طلب الحفظ، ولو بقرائن الأحوال، ولا
تتوقف على إيجاب وقبول باللفظ (١).
وقال الشافعية والحنابلة: يشترط لصحة
الإيداع الإيجاب من المودع لفظاً(٢). فجاء في
((أسنى المطالب)): لابد من صيغة دالة على
الاستحفاظ، كأودعتك هذا المال، واحفظه،
ونحوه كاستحفظتك وأنبتك في حفظه، وهو
وديعة عندك لأنها عقد وكالة، لا إذن مجرد
في الحفظ(٣).
وأما القبول، فيصبح بكل لفظ أو فعل دال
عليه عند الحنابلة، وهو الأصح عند
الشافعية (٤). جاء في تحفة المحتاج: والأصح
أنه لا يشترط القبول من الوديع لصيغة العقد أو
الأمر لفظاً، ويكفي مع عدم اللفظ والرد منه
القبض ولو على التراخي، كما في الوكالة.
وقال في ((كشاف القناع»: ويكفي القبض قبولاً
للوديعة، كالوكالة(٥).
(١) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢٥٣/٢ .
(٢) المهذب ٢٦٦/١، وتحفة المحتاج ١٠١/٧،
وروضة الطالبين ٣٢٤/٦ .
(٣) أسنى المطالب ٧٥/٣.
(٤) أسنى المطالب ٧٥/٣، وروضة الطالبين ٣٢٤/٦
- ٣٢٥، والمهذب ٣٦٦/١، والمادة (١٣٢١)
من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد.
(٥) تحفة المحتاج ٧/ ١٠٧، وكشاف القناع ٤/ ١٨٥.
- ١٤ -

وديعة ١٢
...
ثانياً: العاقدان (المودع والمستودَع)
يشترط في كل من المودع والمستودع ما
يلي :
(أ) شروط المودع:
١٢ - اتفق الفقهاء على أنه يشترط في
المودع أن يكون جائز التصرف(١). وهو
العاقل المميز عند الحنفية، والبالغ العاقل
الرشيد عند جمهور الفقهاء.
وعلى ذلك، فلو أودع طفل أو مجنون
إنساناً مالًا، فلا يجوز له قبول ودیعته. فإن
أخذها منه ضمنها، ولا يبرأ من الضمان إلا
بالتسليم إلى الناظر في ماله. قال السمناني:
لأنه قبل مالا ممن لا يملك التصرف فيه، كما
لو غصب المودع، وعلم المستودع بالغصب،
وقبل الوديعة(٢)، وقال الشيخ زكريا
الأنصاري: لأنه مقصر بالأخذ ممن ليس أهلاً
(١) بدائع الصنائع ٢٠٧/٦، وتحفة المحتاج
١٠٣/٧، وأسنى المطالب ٣/ ٧٥، وروضة
الطالبين ٣٢٥/٦، وشرح منتهى الإرادات
٤٥٠/٢، وكشاف القناع ١٩٧/٤، والمغني
٢٧٩/٩، وروضة القضاة ٦١٤/٢، وكفاية
الطالب الرباني وحاشية العدوي عليه ٢٥٣/٢،
والمهذب ٣٦٦/١ .
(٢) روضة القضاة ٦١٤/٢.
للإيداع(١). وعلل ذلك في كشاف القناع: لأنه
أخذ مال غيره بغير إذن شرعي، أشبه ما لو
غصبه(٢).
وقد استثنى الحنابلة والشافعية في الأصح
وابن عرفة من المالكية من هذا الحكم ما لو
خشي الوديع هلاكها في يد المحجور،
فأخذها منه حسبةً، رأفة على المال وصوناً له
عن الضياع، فلا ضمان عليه حينئذ (٣)، وقد
قاس الحنابلة ذلك على المال الضائع،
والموجود في مفازة - مهلكة - إذا أخذه
شخص ليحفظه لربه، وتلف قبل التمكن من
رده، وعلى ما لو أخذ إنسان المال المغصوب
من الغاصب تخلیصاً له، لیرده إلى مالكه،
فتلف قبل التمكن، فإنه لا يضمنه، لأنه
محسن، وما على المحسنين من سبيل(٤).
وقال الشافعية: هو كما لو خلص المحرم
طائراً من جارحة، فأمسكه ليحفظه ويتعهده
فتلف، فإنه لا يضمنه(٥).
أما ابن عرفة فقد قال: والأظهر أن شرط
(١) أسنى المطالب ٣/ ٧٥ .
(٢) كشاف القناع ٤/ ١٩٧ .
(٣) كشاف القناع ١٧٧/٤ - ١٧٨، وروضة الطالبين
٣٢٥/٦، وأسنى المطالب٧٥/٣، ومواهب
الجلیل ٥/ ٢٥٢ .
(٤) كشاف القناع ٤/ ١٧٧ - ١٧٨ .
(٥) أسنى المطالب ٧٥/٣ .
- ١٥ -

وديعة ١٣
الوديعة باعتبار جواز فعلها وقبولها حاجة
الفاعل، وظن صونها من القابل، ولهذا تجوز
من الصبي الخائف عليها إن بقيت بيده(١).
أما الصبي المميز، فقد اختلف الفقهاء في
صحة إيداعه على قولين:
أحدهما: للحنفية والحنابلة وقول للمالكية
- قاله ابن رشد وحکی علیه الاتفاق -، وهو
صحة إيداع الصبي المميز إذا كان مأذوناً له(٢).
وقال الكاساني من الحنفية: وأما بلوغه،
فليس بشرط عندنا، حتى يصح الإيداع من
الصبي المأذون، لأن ذلك مما يحتاج إليه
التاجر، فكان من توابع التجارة، فيملكه
الصبي المأذون كما يملك التجارة.
أما الصبي غير المأذون فلا يصح قبول
الوديعة منه لأنه لا يحفظ المال عادة (٣).
وقال ابن قدامة: فإن كان الصبي مميزاً،
صح إيداعه لما أذن له في التصرف فيه، لأنه
(١) حاشية البناني على شرح الزرقاني لمختصر خليل
١١٣/٦، ومواهب الجليل ٢٥٢/٥.
(٢) كشاف القناع ١٧٧/٤، والفتاوى الهندية
٣٣٨/٤، درر الحكام ٢٢٩/٢ . المادة (٧٧٦)
من المجلة العدلية، والمادة (١٣٢٢) من مجلة
الأحكام الشرعية على مذهب أحمد.
(٣) البدائع ٦/ ٢٠٧ .
كالبالغ بالنسبة إلى ذلك (١).
والثاني: للشافعية والمالكية في المشهور
وهو عدم صحة إيداعه مطلقاً، سواء أكان
مميزاً أو غير مميز، مأذوناً له أو غير مأذون
وألحقوا إيداعه بالعدم.
قال الشافعية: فإن قبله ضمنه بأقصى القيم،
وقال المالكية: إن شرط المودع كالموكل،
فمن صح منه أن يوكل غيره صح منه أن يودع
غيره، قال العدوي: وأما الصبي والسفيه، فلا
يودعان ولا يستودعان، لكن إن أودعاك شيئاً،
وجب عليك يا رشيد حفظه(٢).
(ب) شروط المستودَع:
يشترط في المستودع شرطان:
الأول: أن يكون جائز التصرف:
١٣ - اتفق الفقهاء على أنه يشترط في
المستودع أن يكون جائز التصرف(٣). غير
(١) المغني ٢٧٩/٩.
(٢) تحفة المحتاج ١٠٣/٧، كفاية الطالب الرباني
وحاشية العدوي علیه ٢/ ٢٥٣ .
(٣) المهذب ٣٦٦/١، وروضة القضاة ٦١٥/٢،
وشرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٠، وروضة الطالبين
٣٢٥/٦، وكفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي
عليه ٢٥٣/٢، وميارة على تحفة ابن عاصم
١٨٩/٢، تحفة المحتاج ١٠٤/٧، وكشاف القناع
١٨٦/٤ .
- ١٦ -

وديعة ١٣
أنهم اختلفوا فيمن يصدق عليه هذا الوصف
على قولين:
(أحدهما) لجمهور الفقهاء، وهو أن جائز
التصرف هو البالغ العاقل الرشيد (١)، (والثاني)
للحنفية وهو أن يكون عاقلًا، وأما البلوغ
فليس بشرط(٢).
وعلى كلا القولين لا يصح قبول المجنون
والصبي الذي لا يعقل الوديعة، لأن حكم هذا
العقد لزوم الحفظ، ومن لا عقل له لا یکون
من أهل الحفظ .
وقد اختلف الفقهاء في صحة استيداع
الصبي المميز على أربعة أقوال:
(الأول): لأكثر المالكية والشافعية في
الأظهر والحنابلة في المعتمد، وهو أنه لا
يصح استيداع الصبي، مميزاً كان أو غير
مميز، لأن القصد من الإيداع الحفظ، والصبي
لیس من أهله.
وعلى ذلك، فلو أودع أحد وديعة عند صبي
فتلفت عنده، لم يضمنها، سواء حفظها أم
فرط في حفظها، وذلك لعدم صحة التزامه
(١) المراجع السابقة .
(٢) بدائع الصنائع ٢٠٧/٦، والفتاوى الهندية
٣٣٨/٤، ودرر الحكام ٢٢٩/٢، والمادة (٧٧٦)
من المجلة العدلية .
الحفظ، فصار كما لو تركها عند بالغ من غير
استحفاظ، فتلفت(١).
أما إذا أتلفها الصبي المستودع بأكل أو غيره
فقد اختلف الفقهاء على رأيين :
فذهب أكثر المالكية والحنابلة على المعتمد
في المذهب والشافعية في قول وابن المنذر إلى
أنه لا ضمان عليه (٢). وعللوا ذلك بأن المالك
سلطه عليها، فصار كما لو باعه أو أقرضه شيئاً
وأقبضه إياه فأتلفه، فلا يلزمه ضمانه.
وبأن صاحب السلعة قد سلط عليها من هو
محجور عليه، ولو ضمن المحجور عليه
لبطلت فائدة الحجر، غير أن اللخمي وغيره
من المالكية استثنوا من ذلك ما لو أنفق الصبي
(١) كشاف القناع ١٩٧/٤، وشرح منتهى الإرادات
٢/ ٤٥٠، والمغني ٢٧٩/٩، وأسنى المطالب
٧٥/٣، والزرقاني على خليل ١٢٥/٦، والتاج
والإكليل ٢٦٧/٥، والمهذب ٣٦٦/١، وروضة
الطالبين ٣٢٥/٦، وميارة على التحفة وحاشية
الحسن بن رحال عليه ١٨٩/٢، وكفاية الطالب
الرباني وحاشية العدوي عليه ٢/ ٢٥٣، المادة
(١٣٧٢) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب
أحمد.
(٢) روضة الطالبين ٣٢٥/٦، وميارة على التحفة
١٨٩/٢، والإشراف على مذاهب أهل العلم لابن
المنذر ٢٦٥/١، وكشاف القناع ١٩٧/٤،
والمغني ٢٧٩/٩، وانظر المادة (١٣٧٢) من
مجلة الأحكام الشرعية على مذهب أحمد.
- ١٧ -

وديعة ١٣
الوديعة فيما لا غنى له عنه ولابدّ له منه وله
مال، وقالوا: يرجع عليه عندذلك بالأقل مما
أتلفه أو مما صون به ماله(١) .
وذهب الشافعية في الأصح وبعض الحنابلة
إلى تضمين الصبي في هذه الحالة، وذلك
لعدم الاعتداد باستيداعه، وكونه من أهل
الضمان، فصار كما لو أتلف مالًا لغيره بلا
استيداع ولا تسليط على الإتلاف(٢).
وعلل ابن قدامة ذلك بأن ما ضمنه بإتلافه
قبل الإيداع ضمنه بعد الإيداع كالبالغ، وأن
المودع ما سلطه على إتلاف الوديعة، وإنما
استحفظه إياها(٣).
وقد بين السيوطي في ((الأشباه والنظائر))
أساس الفرق في الحكم بين التلف والإتلاف
في هذه المسألة فقال: قاعدة: كل من ضمن
الوديعة بالإتلاف ضمنها بالتفريط إلا الصبي
المميز، فإنه يضمنها بالإتلاف على الأظهر،
ولا يضمنها بالتفريط قطعاً، لأن المفرط هو
الذي أودعه(٤).
(١) ميارة على التحفة ١٨٩/٢، والتاج والإكليل
٢٦٧/٥، والزرقاني على خليل ١٢٥/٦ .
(٢) تحفة المحتاج ١٠٤/٧، وأسنى المطالب ٣/ ٧٥،
وروضة الطالبين ٣٢٥/٦، والإنصاف ٣٣٦/٦ .
(٣) المغني ٢٧٩/٩، والإنصاف ٣٣٦/٦ - ٣٣٧ .
(٤) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٤٦٨ .
(الثاني) للحنفية: وهو أن الصبي المميز إذا
کان مأذوناً بالتجارة، فيصح قبوله الودیعة،
لأنه من أهل الحفظ(١). قال الكاساني: ألا
ترى أنه أذن له الولي، ولو لم يكن من أهل
الحفظ، لكان الإذن له سفهاً، وأما الصبي
المحجور، فلا يصح قبول الوديعة منه، لأنه
لا يحفظ المال عادةً، ألا ترى أنه منع منه
ماله(٢) .
وقد جاء في المادة (٧٧٦) من المجلة
العدلية: وأما الصبي المميز المأذون فيصح
إيداعه وقبوله الوديعة، وعلى ذلك، فلو قبل
الصبي المحجور الوديعة، فهلکت في يده،
فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة وأصحابه. أما
إذا استهلكها، فلا ضمان عليه عند أبي حنيفة
ومحمد، وقولهما هو المعتمد في المذهب،
وعند أبي يوسف: يضمن(٣).
وجه قول أبي یوسف أن إيداعہ لو صح،
فاستهلاك الوديعة يوجب الضمان، وإن لم
يصح جعل كأن لم يكن، فصار الحال بعد
العقد كالحال قبله، ولو استهلكها قبل العقد
(١) بدائع الصنائع ٢٠٧/٦، والفتاوى الهندية
٣٣٨/٤، وشرح المجلة للأناسي ٢٤١/٣ .
(٢) البدائع ٦/ ٢٠٧ .
(٣) مجمع الأنهر ٣٣٨/٢، ودرر الحكام ٢٢٩/٢،
وشرح المجلة للأتاسي ٢٤٢/٣.
- ١٨ -

وديعة ١٤
لوجب عليه الضمان .
ووجه قولهما: أن إيداع الصبي المحجور
عليه إهلاك للمال معنى، فكان فعل الصبي
إهلاك مال قائم صورة لا معنى، فلا يكون
مضموناً عليه، ودلالة ذلك أنه لما وضع المال
في يده، فقد وضعه في يد من لا يحفظه
عادةً، ولا يلزمه الحفظ شرعاً، ولا شك أنه لا
يجب عليه حفظ الوديعة شرعاً لأن الصبي
ليس من أهل وجوب الشرائع علیه، والدلیل
على أنه لا يحفظ الوديعة عادةً أنه منع عنه
ماله، ولو كان يحفظ المال عادة لدفع إليه،
قال تعالي: ﴿فَإِنْ ءَانَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَأَدْفَعُواْ إِلَيْهِمْ
أَمْ﴾(١)، وبهذا فارق المأذون، لأنه يحفظ
المال عادةً، ألا ترى أنه دفع إليه ماله، ولو لم
يوجد منه الحفظ عادة لكان الدفع إليه
سفهاً (٢).
(الثالث) لابن رشد من المالكية، وهو أن
الصبي المميز يصح أن يتوكل، فيصح أن
يكون أميناً لغيره في حفظ الوديعة (٣).
(الرابع) لابن عرفة المالكي، وهو أن شرط
(١) سورة النساء / ٦.
(٢) البدائع ٦/ ٢٠٧، وإيثار الإنصاف في آثار الخلاف
لسبط ابن الجوزي ص ٢٦٥ .
(٣) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٢/ ٢٥٣.
الوديعة باعتبار جواز فعلها وقبولها حاجة
الفاعل، وظن صونها من القابل، فيجوز أن
يودع الصبي ما خیف تلفه بید مالكه، كما
يحصل عند نزول بعض الظلمة ببعض البلاد،
ولقاء الأعراب القوافل ونحو ذلك .. إن ظن
المودع صونه بيد الصبي المستودع(١).
الشرط الثاني: أن يكون معيناً:
١٤ - نص الحنابلة على أنه يشترط لصحة
عقد الوديعة أن يكون الوديع معيناً وقت
الإيجاب، فلو قال صاحب العين لجماعة:
أودعت أحدكم هذه العين، أو: ليحفظ لي
أحدكم هذه، لم يصح العقد(٢).
وذهب الحنفية، إلى عدم اشتراط ذلك(٣)،
جاء في البحر الرائق لابن نجيم نقلًا عن
الخلاصة: لو وضع كتابه عند قوم، فذهبوا
وتركوه، ضمنوا إذا ضاع، وإن قاموا واحداً
بعد واحد، ضمن الأخير، لأنه تعين للحفظ،
(١) حاشية البناني على الزرقاني شرح خليل ٦/ ١١٣،
ومواهب الجليل ٥/ ٢٥٢ .
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٠، وانظر المادة
(١٣٢٣) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب
أحمد .
(٣) الفتاوى الهندية ٣٣٨/٤، ومجمع الأنهر
٣٣٧/٢، ورد المحتار ٤٩٤/٤ .
- ١٩ -

وديعة ١٥
فتعين للضمان(١).
وقد أكدت المجلة العدلية هذا المعنى،
فجاء في المادة (٧٧٣) : إذا وضع رجل ماله
عند جماعة على سبيل الوديعة وانصرف، وهم
يرونه، وبقوا ساكتين، صار ذلك المال وديعة
عند جميعهم، فإذا قاموا واحداً بعد واحدٍ
وانصرفوا عن ذلك المال، فبما أنه یتعین حينئذ
الحفظ على من بقي منهم آخراً، يصير المال
وديعة عند الأخير فقط .
فالحنفية اعتبروا الايداع منعقداً في هذه
الصورة بالإيجاب والقبول دلالة فعلية، وبذلك
صار ذلك المال فيها وديعة عندهم جميعاً،
فإذا غادروا جميعهم ذلك المكان معاً، ضمنوا
كلهم بالاشتراك، أي إن بدل الضمان ينقسم
على عدد الذين قاموا وذهبوا بالتساوي. أما إذا
غادر اولئك الأشخاص الواحد تلو الآخر ذلك
المحل، بعد أن رأوا المال المودع، وسكتوا،
فمن بقي منهم في الآخر يكون قد تعین
للحفظ، ويصير ذلك المال وديعة عنده فقط.
فإذا ترك ذلك الأخير المكان، وفقد ذلك
المال، لزمه وحده الضمان(٢).
(١) البحر الرائق ٢٧٣/٧.
(٢) درر الحكام ٢/ ٢٢٧ وما بعدها.
ثالثاً: العين المودَعة:
اختلف الفقهاء فيما يشترط في العين
المودعة :
أن تكون مالًا:
١٥ - ذهب الحنفية والمالكية إلى اشتراط
كون العين المودعة مالًا، فما ليس بمال -
کالميتة والدم ونحوهما - لا یصح ورود عقد
الإيداع عليه، لأن عدم ماليته يتنافى مع تشريع
حمايته لصاحبه بعقد الوديعة، واعتباره أمانة
شرعية واجبة الحفظ والصون لصاحبها في يد
الوديع(١) .
ثم قال الحنفية: وشرط الوديعة كون المال
قابلًا لإثبات اليد عليه، حتى لو أودع البعير
الشارد والطير في الهواء والمال الساقط في
البحر ونحوها، فلا يصح إيداعه. وقد جاء في
المادة (٧٧٥) من المجلة العدلية: يشترط كون
الوديعة قابلة لوضع اليد عليها وصالحة
للقبض.
(١) البحر الرائق ٢٧٣/٧، وفتح القدير (الميمنية)
٧/ ٤٥١، والدر المختار ٤٩٣/٤، والزرقاني
على خليل ١١٤/٦، والفتاوى الهندية ٣٣٨/٤،
والتاج والإكليل ٥/ ٢٥٠، وحاشية العدوي على
كفاية الطالب الرباني ٢٥٢/٢، وانظر المادة
٧٦٣، ٧٦٤ من المجلة العدلية.
- ٢٠ -