Indexed OCR Text

Pages 301-320

هم ٦
والعزم في الاصطلاح: تصميم على إيقاع
الفعل والنية تمییز له(١).
والصلة بينهما: أن الهم أول مراتب العزم.
الأحكام المتعلقة بالهم:
تتعلق بالهم أحكام منها:
أ- حكم الهم بالحسنة:
٦- ذهب جمهور العلماء إلى أن من هم
بحسنة من الحسنات ولم یعملها کتبت له عند
الله حسنة كاملة(٢)، لحديث ابن عباس رپا
عن النبي ◌َّ ر فيما يرويه عن ربه عز وجل
قال: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات ثم بین
ذلك، فمن همّ بحسنة فلم يعملها كتبها الله له
عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ بها فعملها كتبها
الله له عنده عشر حسنات إلى سبعمائة ضعف
إلى أضعاف كثيرة، ومن همّ بسيئة فلم يعملها
كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو هم بها
(١) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن،
والتعريفات للجرجاني، وقواعد الفقه للبركتي،
ومواهب الجليل ٢٣١/١، والأشباه لابن نجيم
ص٤٩ .
(٢) فتح الباري ٣٢٣/١١-٣٢٩، وصحيح مسلم
بشرح النووي١٢٨/٢، ١٢٩، وشرح الأربعين
النووية لابن دقيق العيد ص ٦٠-٦٣، وشرح
الأربعين للنووي ص٦٥ .
فعملها كتبها الله له عنده سيئة واحدة))(١).
ولحديث أبي هريرة تظثم قال قال رسول الله
وَالر: ((قال الله عز وجل: إذا همّ عبدي بسيئة
فلا تكتبوها علیه، فإن عملها فاكتبوها سيئة،
وإذا همّ بحسنة فلم يعملها فاكتبوها حسنة،
فإن عملها فاكتبوها عشراً))(٢) وذلك لأن الهمّ
بالحسنة سبب وبداية إلى عملها وسبب الخير
خير، قال أبو الدرداء تظفي : ((من حدث نفسه
بساعة من الليل يصليها فغلبته عينه فنام کان
نومه صدقةً عليه، وكتب له مثل ما أراد أن
يصلي))(٣)، وقال سعيد بن المسيِّب: من هم
بصلاة أو صيام أو حج أو غزوة، فحيل بينه
وبين ذلك بلّغه الله ما نوى(٤) .
1
قال ابن حجر العسقلاني رحمه الله: تكتب
الحسنة بمجرد الإرادة، ثم قال: نعم ورد ما
(١) حديث: ((إن الله كتب الحسنات والسيئات ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٢٣/١١ ط
السلفية)، ومسلم (١١٨/١ ط عيسى الحلبي)،
واللفظ للبخاري.
(٢) حديث: ((إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها
عليه ... ))
أخرجه مسلم (١/ ١١٧ ط عيسى الحلبي).
(٣) أثر أبي الدرداء: من حدث نفسه بساعة من
الليل ...
أخرجه ابن خُزيمة (١٩٥/٢ - ١٩٦ ط المكتب
الإسلامي).
(٤) فتح الباري ٣٢٤/١١-٣٢٦، وشرح الأربعين
النووية لابن دقيق العيد ص ٦١، ٦٢ .
- ٣٠١ -

هم ٧
يدل على أن مطلق الهم والإرادة لا يكفي،
ففي حديث خریم بن فاتك رفعه: ((ومن همّ
بحسنة یعلم الله أنه قد أشعر بها قلبه وحرص
عليها))(١) .
وقد تمسك بهذا الحديث ابن حبان، فقال
بعد إيراد حديث الباب في صحيحه: المراد
بالهمّ هنا العزم، ثم قال: ويحتمل أن الله
يكتب الحسنة بمجرد الهمّ بها وإن لم يعزم
عليها زيادة في الفضل.
وقال ابن حجر: يتفاوت عظم الحسنة
بحسب المانع، فإن كان خارجياً مع بقاء قصد
الذي همّ بفعل الحسنة فهي عظيمة القدر،
ولاسيما إن قارنها ندم على تفويتها واستمرت
النية على فعلها عند القدرة، وإن كان الترك من
الذي همّ من قبل نفسه فهي دون ذلك إلا إن
قارنها قصد الإعراض عنها جملة، والرغبة عن
فعلها، ولاسيما إن وقع العمل في عكسها كأن
يريد أن يتصدق بدرهم مثلًا، فصرفه بعينه في
معصية، فالذي يظهر في الأخير أن لا تكتب له
حسنة أصلًا، وأما ما قبله فعلى الاحتمال(٢).
(١) حديث خريم بن فاتك: ((من هم بحسنة .... ))
أخرجه أحمد (٣٤٦/٤ - ط الميمنية).
(٢) فتح الباري شرح صحيح البخاري (١١/
٣٢٥،٣٢٤)، وانظر صحيح ابن حبان (١٠٧/٢
- الإحسان - ط الرسالة).
ب - حكم الهمّ بالسيئة:
٧- ذهب جمهور العلماء إلى أن من همّ
بسيئة ولم يعملها كتبت له حسنة كاملة إذا كان
قد تركها لأجل اللّه تعالى، لقول النبي ◌َّ في
الحديث السابق: ((ومن همّ بسيئة فلم يعملها
كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو همّ بها
فعملها كتبها الله له عنده سيئة واحدة))(١).
وهل يثاب التارك عن السيئة التي همّ بها
بمجرد الترك أم بشرط أن يتركها لمخافة الله
سبحانه وتعالى؟ اختلف الفقهاء في ذلك.
فقال بعضهم: يثاب عليه لمجرد ترك ما هم
به من السيئة، سواء كان ذلك الخوف من الله
أو الخوف من الناس، أو لعجز عن الإتيان به
لسبب من الأسباب، كمن يمشي مثلًا إلى
امرأة ليزني بها، فيجد الباب مغلقاً ويتعسر
عليه فتحه، ومثله من تمكن من الزنا فلم
ينتشر، أو طرقه ما يخاف من أذاه عاجلًا،
وذلك لظاهر الأحاديث الواردة في ذلك.
ومنها قوله عز وجل في الحديث القدسي:
((ومن همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده
(١) فتح الباري شرح صحيح البخاري ١١/ ٣٢٥ وما
بعدها، وشرح الأربعين النووية ص ٦١، ٦٢.
والحدیث سبق تخريجه ف (٦).
- ٣٠٢ -

هم ٧
:
حسنة كاملة ... الحديث))(١)، قال ابن حجر
العسقلاني في شرح قوله: ((حسنة كاملة))
المراد بالكمال عظم القدر، لا التضعيف إلى
العشرة، وظاهر الإطلاق كتابة الحسنة بمجرد
الترك، ولأن ترك المعصية كف عن الشر
والكف عن الشر خير (٢)، لقول النبي ◌َّ.
((على كل مسلم صدقة ... ثم ذكر خصالًا،
ثم قالوا: فإن لم يفعل، قال: فليمسك عن
الشر فإنه له صدقة))(٣).
وذهب بعض الفقهاء إلى أنه يشترط لكتابة
الحسنة لمن ترك ما همَّ به من سيئة أن يتركها
لمخافة الله وطلب رضائه، فأما إذا ترك السيئة
مكرهاً على تركها أو عاجزاً عنها فلا تكتب له
حسنة، واستدلوا بأدلة منها:
- قول النبي وَّلفيه: ((قالت الملائكة: رب
ذاك عبدك يريد أن يعمل سيئة - وهو أبصر به
- فقال: ارقبوه، فإن عملها فاكتبوها له
(١) حديث: ((من همّ بسيئة .... )).
سبق تخريجه ف٦ .
(٢) فتح الباري ٣٢٩،٣٢٣/١١، وشرح صحيح مسلم
للنووي ١٢٨/٢، وشرح الأربعين النووية ص ٦١ .
(٣) حديث: ((على كل مسلم صدقة ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٤٧/١٠ ط
السلفية)، ومسلم (٦٩٩/٢ ط عيسى الحلبي)، من
حديث أبي موسى الأشعري تنث .
بمثلها، وإن تركها فاكتبوها له حسنة إنما تركها
من جرای))(١).
- قول الله عز وجل في الحديث القدسي:
((إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا تكتبوها عليه
حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها بمثلها، وإن
تركها من أجلي فاكتبوها له حسنة))(٢).
قال الخطابي: محل كتابة الحسنة على
الترك أن يكون التارك قد قدر على الفعل ثم
تركه، لأن الإنسان لا يُسمى تاركاً إلا
مع القدرة(٣).
وذهب القاضي أبو بكر الباقلاني وآخرون
إلى أن الهمّ المقصود الذي لا يكتب هو:
المجرد الوارد على الخاطر الذي يمر بالقلب
من غير استقرار ولا عقد ولا نية، فإذا حدّث
نفسه بالمعصية مثلًا من غير مصاحبة عزم ولا
تصمیم لم يؤاخذ به، لظاهر قول الله في
(١) حديث: ((قالت الملائكة: ربّ ذاك عبدك ... )).
أخرجه مسلم (١١٨/١ ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث: ((إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا
تكتبوها عليه .... )).
أخرجه البخاري ( فتح الباري ١٣/ ٤٦٥ ط
:
السلفية)، ومسلم (١١٧/١ ط عيسى الحلبي)،
واللفظ للبخاري.
(٣) فتح الباري ٣٢٦/١١-٣٢٩، وشرح صحيح مسلم
للنووي ١٢٨/٢، وشرح الأربعين النووية ص٦١ .
- ٣٠٣ -
:

هم ٨
الحديث القدسي: «إذا همّ عبدي بسيئة فلا
تکتبوها علیه فإن عملها فاکتبوها سیئة)»(١)،
ولحديث: ((إذا أراد عبدي أن يعمل سيئة فلا
تكتبوها عليه حتى يعملها، فإن عملها فاكتبوها
بمثلها))، ولحديث: ((إذا تحدّث عبدي بأن
يعمل حسنة فأنا أكتبها له حسنة ما لم يعمل،
فإذا عملها فأنا أكتبها بعشر أمثالها، وإذا
تحدث بأن يعمل سيئة فأنا أغفرها له ما لم
يعملها))(٢) فإن الظاهر أن المراد بالعمل هنا
عمل الجارحة بالمعصية المهموم بها .
أما إذا عزم على المعصية بقلبه ووطّن نفسه
عليها فإنه يؤاخذ عليه بذلك، ويكون آئماً بعزم
القلب واستقراره على المعصية، قالوا: وهذا
زائد على حديث النفس والخواطر التي تخطر
على القلب من غير استقرار، وهو من عمل
القلب، وهو يكتب على صاحبه ويؤاخذ عليه
مثل النفاق والكبر والحسد والغل والحقد
والبغي والغضب لغير اللَّه والرياء والسمعة
والبخل والإعراض عن الحق والعجب
والمكر، فمن وجد في قلبه مرضاً من هذه
(١) حديث: (إذا همّ عبدي بسيئة .... )).
سبق تخريجه في فقرة (٦).
(٢) حديث: ((إذا تحدث عبدي بأن يعمل
حسنة ... )).
أخرجه مسلم (١/ ١١٧ ط عيسى الحلبي).
الأمراض وجب عليه أن یعالجه حتی یزول،
فإن لم يعالجه أثم، وإنما يأثم من هذه
الأمراض على ما نواه وقصده بقلبه دون ما
خطر بقلبه أو سبق إليه لسانه ووهمه(١) .
ج - العقاب على الهمّ المقرون بالعزم:
٨- اختلف الفقهاء في العقاب على الهم
المقرون بالعزم على المعصية.
قال ابن حجر العسقلاني(٢): قَسَّمَ بعضُهم
ما يقع في النفس أقساماً:
أضعفها: أن يخطر له ثم يذهب في الحال،
وهذا من الوسوسة، وهو معفو عنه، وهو
:
دون التردد.
وفوقه: أن يتردد فيه، فیھم به ثم ينفر عنه
فیترکه، ثم یهم به ثم يترك کذلك، ولا يستمر
على قصده وهذا هو التردد، فيعفى عنه أيضاً.
وفوقه: أن يميل إليه ولا ينفر منه لكن لا
يصمم على فعله، وهذا هو الهمّ، فيعفى
(١) فتح الباري ٣٢٦/١١ ومابعدها، وشرح صحيح
مسلم للنووى ١٢٨/٢، والزواجر عن اقتراف
الكبائر لابن حجر الهيتمي٧٩/١ .
(٢) فتح الباري ٦٩/٥، ٤٨٦/١٠، ١٣،٣٢٧/١١/
٣٤، ٤٧٠-٤٧٢، ٤٧٥، تفسير القرطبي ٣/
٢٦٦/٦،١٠٢ وما بعدها، وأحكام القرآن لابن
العربي ٢٤١/١، ٢٤٢ .
-- ٣٠٤ -

هم ٨
عنه أيضاً.
وفوقه: أن يميل إليه ولا ينفر منه بل يصمم
على فعله، فهذا هو العزم، وهو منتھی الهمّ،
وهو على قسمين :
القسم الأول: أن يكون من أعمال القلوب
صرفاً، كالشك في الوحدانية أو النبوة أو
البعث، فهذا كفر ويعاقب عليه جزماً.
ودونه المعصية التي لا تصل إلى الكفر،
كمن يحب ما يبغض الله، ويبغض ما يحبه
الله تعالى، ويحب للمسلم الأذى بغير موجب
لذلك، فهذا یأثم.
ويلتحق به الكبر والعجب والبغي والمكر
والحسد، وفي بعض هذا خلاف فعن الحسن
البصري رحمه اللَّه: أن سوء الظن بالمسلم
وحسده معفو عنه، وحملوه على ما يقع في
النفس مما لا يقدر على دفعه، لكن من يقع له
ذلك مأمور بمجاهدته النفس على تركه.
القسم الثاني: أن يكون من أعمال الجوارح
كالزنا، والسرقة فهو الذي وقع فيه النزاع:
فذهب كثير من العلماء إلى المؤاخذة بالعزم
المصمم. وسأل ابن المبارك سفيان الثورى:
أيؤاخذ العبد بما يهم به؟ قال: إذا جزم
بذلك، واستدل كثير منهم بقوله تعالى:
﴿وَلَكِن يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾(١) وحملوا
حديث أبي هريرة تظ: ((إن الله تجاوز
لأمتي عما حدثت به أنفسها ما لم تعمل به أو
تكلّم))(٢) ونحوه من الأحاديث على
الخَطَرات.
ثم افترق هؤلاء فقالت طائفة: يعاقب عليه
صاحبه في الدنيا خاصة بنحو الهمّ والغمّ،
وقالت طائفة: بل يعاقب عليه يوم القيامة،
لكن بالعتاب لا بالعذاب، وهذا قول ابن
جُريج والربيع بن أنس وطائفة، ونُسِب ذلك
إلى ابن عباس تنا أيضاً (٣)، واستدلوا
بحديث النجوى وهو: ((أن رجلا سأل ابن
عمر رَواًّا: كيف سمعت رسول اللّه وَل﴾ في
النجوى؟ قال سمعت رسول اللَّه وَل﴾ يقول:
إن الله يدني المؤمن فيضع عليه كنفه ويستره،
فيقول: أتعرف ذنب كذا؟ أتعرف ذنب كذا؟
فيقول: نعم إي ربِّ، حتى إذا قرره بذنوبه
:
(١) سورة البقرة/ ٢٢٥ .
(٢) حديث: ((إن الله تجاوز لأمتي عما حدثت به
أنفسها ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ١٦٠ ط السلفية)،
ومسلم (١١٦/١ ط عيسى الحلبي)، واللفظ
لمسلم.
:
(٣) فتح الباري ٣٢٦/١١ وما بعدها، وتحفة الأحوذي
شرح الترمذي ٦١٦/٦، ودليل الفالحين شرح
رياض الصالحين ٥٤٩/٢، ٥٥٠ .
- ٣٠٥ -
:

هم ٩
ورأى في نفسه أنه هلك قال: سترتُها عليك
في الدنيا وأنا أغفرها لك اليوم، فيعطى كتاب
حسناته، وأما الكافر والمنافقون فيقول
الأشهاد: هؤلاء الذين كذبوا على ربهم، ألا
لعنة الله على الظالمين))(١).
د - الهمّ بالمعصية في الحرم:
٩- اختلف الفقهاء الذين ذهبوا إلى عدم
مؤاخذة من وقع منه الهم بالمعصية على حكم
من يهم بالمعصية في الحرم المكي:
فذهب جماعة منهم إلى أن من يهمّ
بالمعصية في الحرم یؤاخذ بها ولو لم يصل
ذلك إلى درجة التصميم، لقوله تعالى: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ كَفَرُواْ وَيَصُدُونَ عَن سَكِيلِ اللَّهِ وَالْمَسْجِدِ
الْحَرَامِ الَّذِى جَعَلْتَهُ لِلنَّاسِ سَوَآءً اٌلْعَكِّفُ فِيهِ
وَالْبَادِّ وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامِ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ
عَذَابٍ أَلِيمٍ﴾(٢) ولأن الحرم يجب اعتقاد
تعظيمه، فمن همّ بالمعصية فيه خالف الواجب
بانتهاك حرمته، ولأن انتهاك حرمة الحرم
بالمعصية تستلزم انتهاك حرمة اللّه، لأن تعظيم
(١) حديث: حديث النجوى.
أخرجه البخاري (فتح الباري ٩٦/٥ ط السلفية)،
ومسلم (٤/ ٢١٢٠ ط عيسى الحلبي)، واللفظ
للبخاري.
(٢) سورة الحج/ ٢٥ .
الحرم من تعظيم الله، فصارت المعصية في
الحرم أشد من المعصية في غيره، وإن اشترك
الجميع في ترك تعظيم الله تعالى.
قال شهاب الدين الألوسي في تفسير قوله
تعالى: ﴿وَمَن يُرِدْ فِيهِ بِإِلْحَامٍ﴾ الظاهر أن
الوعيد على إرادة ذلك مطلقاً، فيفيد أن من
أراد سيئة في مکة - ولم يعملها - يحاسب
على مجرد الإرادة، وهو قول ابن مسعود
رَطي وعكرمة وأبي الحجاج.
وقال إسحاق بن منصور: قلت لأحمد:
هل ورد في شيء من الحديث أن السيئة تكتب
بأكثر من واحدة ؟ قال: لا ما سمعت، إلا
بمكة لتعظيم البلد.
وذهب آخرون: إلى أن العفو عن الهمّ
بالمعصية وعدم المؤاخذة به عامة في الناس
جميعاً، سواء كان ذلك في الحرم المكي أم
في غيره، لأن النصوص الواردة في ذلك لم
تفرق لا في الأزمنة ولا في الأمكنة، وإنما
عممت(١)، كقوله وَليقول: ((من هم بحسنة فلم
يعملها كتبها الله له عنده حسنة كاملة، فإن هو
هم بها فعملها كتبها الله له عنده عشر حسنات
:
:
(١) فتح الباري ٣٢٩،٣٢٨/١١، وتفسير القرطبي
٣٥،٣٤/١٢، ٢٢٤/١٨، وتفسير روح المعاني
١٣٤/٩، وأحكام القرآن لابن العربي ٢٧٧/٣.
- ٣٠٦ -

هم ١٠
إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة، ومن
همّ بسيئة فلم يعملها كتبها الله له عنده حسنة
كاملة، فإن هو هم بها كتبها الله له عنده سیئة
واحدة))(١).
هـ - الهم بالكفر يؤدي إلى الكفر:
١٠- ذهب الفقهاء إلى أنه إذا همّ الشخص
المسلم بالكفر، أو شك في الوحدانية أو النبوة
أو البعث، أو نوى قطع إسلامه، أو تردد
أيكفر أو لا ؟ أو عزم على الكفر غداً، أو في
المستقبل خرج من الإسلام وأصبح مرتداً في
الحال، لأن طريان الشك يناقض جزم النية
بالإسلام.
قال الإمام النووي رحمه الله تعالى: العزم
على الكفر في المستقبل كفر في الحال، وكذا
التردد في أنه يكفر أم لا ؟ فهو كفر في الحال،
وكذا لو علّق كفره بأمر مستقبل كقوله: إن
هلك مالي أو ولدي تهودت أو تنصرت. قال:
والرضا بالكفر کفر، حتى لو سأله كافر یرید
الإسلام أن يلقنه كلمة التوحيد، فلم يفعل، أو
أشار عليه بأن لا يسلم، أو على مسلم بأن
يرتد فهو كافر لأنه رضي بالكفر(٢)، وقال ابن
(١) حديث: ((إذا همّ عبدي بحسنة .... )).
سبق تخريجه فقرة (٦).
(٢) روضة الطالبين ١٠ / ٦٥.
حجر العسقلاني: من همّ بمعصية الله قاصداً
الاستخفاف بالله كفر، وإنما المعفو عنه من
همّ بمعصية ذاهلا عن قصد الاستخفاف.
أما إذا خطر في باله الكفر، أو جرى في
قلبه دون أن يصل إلى مرحلة العزم فلا يكفر
لأن ذلك من الوسوسة.
قال الشربيني الخطيب من الشافعية: فإن لم .
یناقض جزم النية بالإسلام کالذي يجري في
الكن (أي في الخاطر) فهو مما يبتلى به
الموسوس، ولا اعتبار به كما قاله الإمام(١) .
(١) فتح الباري١١/ ٣٢٨،٣٢٧، وحاشية ابن عابدين
٢٨٣/٣، ونهاية المحتاج ٧/ ٣٩٣-٣٩٥، ومغني
المحتاج ١٣٦/٤، وكشاف القناع ١٦٨/٦ وما
بعدها، وجواهر الإكليل ٢٧٨/٢، والقوانين
الفقهية ص٣٥٦، وروضة الطالبين ٦٥/١٠،
والزواجر عن اقتراف الكبائر ١/ ٨١.
- ٣٠٧ -

همیان ١ - ٣
هِمْیان
التعريف :
١ - الهميان في اللغة: كيس تجعل فيه
النفقة ويشد على الوسط، وجمعه همايين،
قال الأزهري: وهو معرب دخيل على
کلامهم(١).
ويستعمل الفقهاء هذا اللفظ بالمعنى اللغوي
نفسه حيث قالوا: الهميان بالكسر ما يجعل فيه
الدراهم ويشد على الحقو(٢).
الألفاظ ذات الصلة :
الصرة :
٢ - الصُّرة في اللغة: ما يجمع فيه الشيء
ويشد، وجمعها صُرَر(٣).
والصُّرة في الاصطلاح: وعاء الدراهم(٤).
(١) المصباح المنير.
(٢) البحر الرائق ٣٤٩/٢، وانظر البناية ٤٨٦/٣،
ومنح الجليل ٥٠٨/١، ٥٠٩، وحاشية العدوي
على الخرشي ٣٤٩/٢ .
(٣) المعجم الوسيط.
(٤) العناية ٢٤٥/٤ ط الأميرية.
والصلة بين الهميان، والصرة أن الصرة أعم
من الهميان .
الأحكام المتعلقة بالهميان:
أ - شد الهميان للمحرم:
٣ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة إلى أنه يجوز للمحرم أن يشد الهميان
في وسطه لحديث ابن عباس تطفئ عن النبي
وَر («أنه لم ير للمحرم بأساً بأن يعقد الهميان
علی وسطه وفيه نفقته))(١)، وقال ابن المنذر:
رخص في الهميان والمنطقة للمحرم ابن
عباس تطثبت وسعيد بن المسيب وعطاء وطاوس
ومجاهد والقاسم والنخعي وإسحاق وأبو ثور
، أجمعين.
ونص الحنفية والشافعية على أنه يجوز
للمحرم شد الھمیان في وسطه سواء أكان فيه
نفقته أم كان فيه نفقة غيره، لأنه ليس بلبس
مخيط ولا في معناه، كما أجازوه سواء شده
بإدخال السيور بعضها في بعض أو عقده.
وقد کره أبو یوسف رحمه الله للمحرم لبس
(١) حديث: ((أنه لم ير للمحرم بأساً أن يعقد الهميان ... ))
أخرجه الطبراني في الكبير (٣٩٧/١٠ - ٣٩٨ ط
العراق)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد
(٢٣٢/٣ ط المقدسي)، وعزاه إلى الطبراني في
الكبير وقال: فيه يوسف بن خالد السحتي: ضعيف.
- ٣٠٨ -

هميان ٤
المنطقة المتخذة من الإبريسم لأنه في معنی
المخيط، وقيل هو بناء على أصل أبي يوسف
في كراهة ما قلّ من الحرير وكثر للرجال.
وكره ابن عمر في أصح الروايتين عنه أن
یشد المحرم الهميان في وسطه، وبه قال مولاه
نافع(١) .
وجواز شد الهميان عند المالكية مقيد
بقیدین :
الأول: أن يكون شد الهميان لنفقته التي
ينفقها على نفسه وعياله ودوابه، لا لنفقة غيره
ولا لتجارة.
الثاني: أن يكون الشد على جلده لا على
إزاره أو ثوبه، وجاز حينئذ إضافة نفقة غيره
إلى نفقته تبعاً لا ابتداءً.
أما إذا شد المحرم الهميان لا لنفقته بل
للتجارة أو لغيره، أو فارغاً، أو لا على جلده
بل على إزاره فعليه الفدية.
وقالوا: المراد بشد الهميان إدخال خيوطه
في أثقابها أو في الكلاب أو الإبزيم مثلاً سواء
(١) البناية على شرح الهداية ٤٨٦/٣، والبحر الرائق
٣٤٩/٢، والخرشي مع حاشية العدوي عليه ٢/
٣٤٩، والمجموع ٧/ ٢٥٥، ومطالب أولي النهى
٣٣٠/٢، والمبسوط ٤/ ١٢٧.
كان من جلد أو غيره، أما لو عقده على جلده
افتدی(١).
ويقيد الحنابلة جواز عقد الهميان بأن تكون
فيه نفقة فقد ورد عن عائشة رعيتها ((أنها سئلت
عن الهميان للمحرم فقالت: وما بأس،
ليستوثق به نفقته))(٢)، ولأن الحاجة تدعو إلى
عقده وهي أن لا يثبت الهميان إلا بالعقد، فإن
ثبت بإدخال السيور بعضها في بعض لم يجز
العقد لعدم الحاجة كما لو لم يكن فيه نفقة(٣).
(ر: إحرام ف١٠١).
ب - اشتمال السلب علی الهميان:
٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الهميان
يدخل في السلب الذي يستحقه المقاتل عند
توافر شروطه.
ويرى المالكية والشافعية في القول المقابل
للأظهر أن الهميان ليس سَلَباً(٤).
(١) الخرشي وحاشية العدوي عليه ٣٤٩/٢، والشرح
الصغير ٧٩،٧٨/٢ .
(٢) أثر عائشة: ((أنها سئلت عن الهميان للمحرم ... ))
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى ( ٩٦/٥ - ط
دائرة المعارف العثمانية).
(٣) مطالب أولي النهى ٣٣٠/٣، وكشاف القناع
٤٢٧/٢ .
(٤) حاشية ابن عابدين ٢٤١/٣، والفتاوى الهندية
٢١٧/٢، وروضة الطالبين ٦ / ٣٧٤ - ٣٧٥، =
- ٣٠٩ -

همیان ٥، هواء، هوى ١
وللتفصيل (ر: سلب ف١٣).
ج - طر الهميان:
٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من طر
هميان إنسان وأخذ المال قطع لأنه محرز
به (١) .
وللحنفية في المسألة تفصيل حيث قالوا:
إن طر همياناً خارجاً من الكم لم يقطع، وإن
أدخل يده في الكم يقطع(٢).
والتفصيل في ( طرار ف ٤ - ٥).
هواء
انظر : تعلي
= والمحلي على المنهاج ٣/ ١٩٢، والخرشي ٣/
١٣٠، والمغني ٢٣٩/٩.
(١) حاشية العدوي على شرح الرسالة ٣٠٩/٢ نشر
دار المعرفة، وروضة الطالبين ١٢٣/١٠،
والإنصاف ٢٥٤/١٠ .
(٢) الهداية وشروحها ٢٤٥/٤ ط الأميرية، وحاشية
ابن عابدين ٢٠٤/٣، والبحر الرائق ٦٥/٥ -
٦٦، والفتاوى الهندية ١٨١/٢.
هوی
التعريف :
١ - الهوى في اللغة: مصدر هوي، يقال:
هویه: إذا أحبه واشتهاه، ثم سمي به المھوي
المشتهى، محموداً كان أم مذموماً، ثم غلب
على غير المحمود، فقيل: فلان اتبع هواه:
إذا أريد ذمه، وفي التنزيل قوله تعالى: ﴿وَلَا
تَشَّعِ اَلْهَوَى﴾(١) وقوله: ﴿وَلَا تَتَّبِعُواْ أَهْوَآءَ قَوْمٍ
قَدْ ضَلُواْ مِن قَبْلُ وَأَضَلُواْ كَثِيرًا﴾(٢)
ومنه: فلان من أهل الأهواء: لمن زاغ عن
الطريقة المثلى من أهل القبلة (٣).
قال القرطبي: وسمي الهوی هوی لأنه
یھوي بصاحبه إلى النار، ولذلك لا يستعمل
في الغالب إلا فيما ليس بحق، وفيما لا خير
فيه .
وقد يستعمل في الحق(٤) ومنه قول عمر
(١) سورة ص/ ٢٦ .
(٢) سورة المائدة/ ٧٧ .
(٣) المغرب للمطرزي، والقاموس المحيط، والمعجم
الوسيط، والمصباح المنير.
(٤) تفسير القرطبي ٢٥/٢ .
- ٣١٠ -

٠٠
هوى ٢ - ٣
رَ ◌ّ في أسارى بدر: «فهوِيَ رسول اللَّهِ وَلِّلـ
ما قال أبو بكر ولم يهو ما قلت))(١).
والهوى اصطلاحاً: قال عبد العزيز
البخاري: الهوى ميلان النفس إلى ما تستلذ به
من الشهوات من غير داعية الشرع(٢).
ويسمى أهل البدع بأهل الأهواء(٣).
الألفاظ ذات الصلة :
الشهوة :
٢- الشهوة في اللغة: نزوع النفس إلى ما
تريده، وقد يسمّى المشتهى شهوة، وقد يقال
للقوة التي تشتهي الشيء شهوة، والجمع
شهوات وأشهية وشُهى(٤).
وقال أبو البقاء الكفوي: الشهوة ميل جبلي
غير مقدور للبشر بخلاف الإرادة(٥).
وفي الاصطلاح: الشهوة: حركة للنفس
(١) حديث: ((فهوي رسول اللَّه ◌َليز ما قال أبو بكر .. )).
أخرجه مسلم (١٣٨٥/٣ - ط الحلبي) من حديث
عمر بن الخطاب رَزقيه .
(٢) كشف الأسرار عن أصول البزدوي٣/ ٥٠ نشر دار
الكتاب العربي.
(٣) كشاف اصطلاحات الفنون للتهانوي ٦/ ١٥٤٢ .
(٤) المفردات في غريب القرآن للأصفهاني، والمعجم
الوسيط .
(٥) الكليات لأبي البقاء الكفوي ١/ ١٠٥.
طلباً للملائم (١).
والصلة بين الهوى والشهوة أنهما يجتمعان
في العلة والمعلول، ويتفقان في الدلالة
والمدلول، ويفترقان في أن الهوى مختص
بالآراء والاعتقادات، والشهوة مختصة بنيل
المستلذات، فصارت الشهوة من نتائج الهوى
وهي أخص، والهوى أصل وهو أعم(٢).
الأحكام المتعلقة بالهوى:
يتعلق بالهوى أحكام منها:
أ - حكم اتباع الهوى المذموم:
٣- إذا وافق الهوى الشرع فهو محمود، أما
إذا خالفه فهو مذموم، وقد نهى الشرع عن
اتباع الهوى المذموم بالآيات والأحاديث، أما
الآيات فمنها قوله تعالى: ﴿فَلَا تَتَّبِعُواْ الْمَوَى أَنْ
تَعْدِلُواْ﴾(٣)، وقال تعالى: ﴿وَلَا تَنَِّعِ الْهَوَى
فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ﴾(٤)، وقال تعالى: ﴿وَأَمَّاً
مَنْ خَفَ مَقَامَ رَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَ (٥)
فَإِنَّ
الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى﴾(٥).
(١) قواعد الفقه للبركتي.
(٢) أدب الدنيا والدين للماوردي ص٤١، ٤٢ ط دار
ابن كثير - بيروت.
(٣) سورة النساء/ ١٣٥ .
(٤) سورة ص/ ٢٦ .
(٥) سورة النازعات/ ٤٠ - ٤١ .
- ٣١١ -

هوى ٣
ومن الأحاديث ما روي عن أنس ◌َظله عن
النبي وَلقر أنه قال: ((ثلاث مهلكات، وثلاث
منجیات، وثلاث کفارات، وثلاث درجات،
أما المهلكات: فشح مطاع، وهوی متبع،
.
٠٠
وإعجاب المرء بنفسه،
إلخ))(١)
وعن شداد بن أوس رَّ أن رسول اللَّه
زال﴾ قال: «الكيس من دان نفسه وعمل لما بعد
الموت، والعاجز من أَتبع نفسه هواها وتمنى
على الله الأماني))(٢) .
وقال الماوردي: الهوى عن الخير صاد،
وللعقل مضاد، ينتج من الأخلاق قبائحها،
ويُظهر من الأفعال فضائحها، ويجعل ستر
المروءة مهتوكاً، ومدخل الشر مسلوكاً.
وقال عبد الله بن عباس تي: الهوى إله
يعبد من دون اللَّه(٣)، ثم تلا قوله تعالى:
(١) حديث: ((ثلاث مهلكات وثلاث منجيات ... )).
أخرجه البزار (كشف الأستار ٥٩/١ - ٦٠ - ط
الرسالة)، وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (١/
٩١ - ط القدسي) وعزاه إلى البزار والطبراني في
الأوسط، وقال: فيه زائدة بن أبي الرقاد وزياد
النميري وكلاهما مختلف في الاحتجاج به.
(٢) حديث: ((الكيس من دان نفسه ... )).
أخرجه أحمد (١٢٤/٤ - ط المينية) والحاكم في
المستدرك (٥٧/١ - ط دائرة المعارف) وذكر الذهبي
في تلخيص المستدرك أن في إسناده راویًا واهیًا.
(٣) أدب الدنيا والدين ص٣٣ ط دار ابن كثير.
﴿أَفَرَءَيْتَ مَنِ أَّخَذَ إِلَهَمُ هَوَنَهُ﴾(١) بحيث لا يعبد
صاحب الهوى إلا ما تهواه نفسه، بأن أطاعه
وبنى عليه دينه، ولا يسمع حجة ولا يبصر
دليلاً(٢).
وروي عن النبي ◌َّلهو أنه قال: ((طاعة الشهوة
داء، وعصيانها دواء))(٣) .
وقال علي بن أبي طالب تَّ : أخاف
علیکم اثنتین: اتباع الهوى، وطول الأمل،
فإن اتباع الهوى يصد عن الحق، وطول الأمل
.(٤)
ينسي الآخرة (٤).
وقال الشاطبي: المقصد الشرعي من وضع
الشريعة إخراج المكلف عن داعية هواه، حتى
يكون عبداً لله اختياراً، كما هو عبد لله
اضطراراً.
:
والدليل على ذلك أمور:
أحدها: النص الصريح الدال على أن العباد
:
(١) سورة الجاثية/ ٢٣ .
(٢) بريقة محمودية ٢/ ٧٢ .
(٣) حديث: ((طاعة الشهوة داء ... )).
ذكره أبو الحسن الماوردي في أدب الدنيا والدين
(ص٣٣ - ط دار ابن كثير) بقوله: وروي عن
النبي ◌َّه ... الحديث، ولم نقف عليه في الكتب
التي بين أيدينا.
(٤) أدب الدنيا والدين ص ٣٣، ٣٤.
- ٣١٢ -
:

هوى ٤
خلقوا للعبادة لله والدخول تحت أمره ونهيه،
كقوله تعالى: ﴿وَمَا خَلَقْتُ اَلِنَّ وَالْإِنِسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ
مَا أُرِيدُ مِنْهُم مِّن رِّزْقٍ وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾(١).
٥٦
والثاني: ما دل على ذم مخالفة هذا القصد:
من النهي أولًا عن مخالفة أمر الله، وذم من
أعرض عن اللَّه وإيعادهم بالعذاب العاجل من
العقوبات الخاصة بكل صنف من أصناف
المخالفات، والعذاب الآجل في الدار
الآخرة، وأصل ذلك اتباع الهوى والانقياد إلى
طاعة الأغراض العاجلة والشهوات الزائلة.
الثالث: ماعلم بالتجارب والعادات من أن
المصالح الدينية والدنيوية لا تحصل مع
الاسترسال في اتباع الهوى والمشي مع
الأغراض، لما يلزم في ذلك من التهارج
والتقاتل والهلاك الذي هو مضاد لتلك
المصالح، وهذا معروف عند العباد بالتجارب
والعادات المستمرة، ولذلك اتفقوا على ذم من
اتبع شهواته، وسار حيث سارت به، فإذا تقرر
هذا، انبنی علیه قواعد :
منها أن كل عمل كان المتبع فيه الهوى
بإطلاق من غير التفات إلى الأمر أو النهي
أو التخییر فهو باطل بإطلاق.
(١) سورة الذاريات / ٥٦، ٥٧ .
وكل فعل كان المتبع فيه بإطلاق الأمر
والنهي أو التخيير فهو صحيح وحق، لأنه قد
أتى به من طريقه الموضوع له، ووافق فيه
صاحبه قصد الشارع فکان کله صواباً وهو
ظاهر. وأما إن امتزج فيه الأمران فكان معمولًا
بهما فالحكم للغالب والسابق(١).
ومنها: أن اتباع الهوى طريق إلى المذموم
وإن جاء في ضمن المحمود، لأنه إذا تبين أنه
مضاد بوضعه لوضع الشريعة فحيثما زاحم
مقتضاها في العمل كان مخوفاً(٢).
ومنها: أن اتباع الهوى في الأحكام الشرعية .
مظنة لأن يحتال بها على أغراضه، فتصير
كالآلة المعدة لاقتناص أغراضه، كالمرائي
يتخذ الأعمال الصالحة سلماً لما في أيدي
الناس، وبيان هذا ظاهر.
ومن تتبع مآلات اتباع الهوى في الشرعيات
; (٣) .
وجد من المفاسد كثيراً
ب- أنواع متبعي الهوى:
٤- قال عبد العزيز البخاري: إن ممن اتبع
:
(١) الموافقات للشاطبي ١٦٨/٢، ١٧١ - ١٧٤
وانظر التفسير الكبير للفخر الرازي ٤/ ٣٤.
(٢) الموافقات ١٧٤/٢.
(٣) الموافقات ٢/ ١٧٦.
- ٣١٣ -
:

هوى ٥ - ٦
الهوى: من يجب إكفاره كغلاة المجسمة
والروافض وغيرهم ويسمى الكافر المتأول،
ومنهم من لا يجب إكفاره ويسمى الفاسق
المتأول.
واختلف في القسم الأول: فذهب جماعة
من الأصوليين إلى أن شهادة من كفر في هواه
مقبولة و کذا روايته.
وذهب أکثرهم إلى ردها لأن الكافر ليس
بأهل للشهادة ولا للرواية.
واختلف في القسم الثاني أيضاً: فذهب
القاضي أبو بكر الباقلاني ومن تابعه إلی رد
شهادته وروايته جميعاً.
وذهب الجمهور إلى قبول شهادة الفاسق إلا
الخطابية فإن شهادتهم لا تقبل، لأنهم يتدينون
بتصديق المدعي إذا حلف عندهم أنه
محق(١).
وللتفصيل في أنواع أهل الأهواء وتوبة أهل
الأهواء وهجرهم وعقوبتهم وشهادتهم
وروايتهم للحديث وإمامتهم في الصلاة ينظر
مصطلح (أهل الأهواء ف٤ وما بعدها).
(١) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٣/ ٥١، ٥٢ ط
دار الكتاب العربي .
ج - أنواع القلوب من حیث تأثرها بالھوی:
٥- قال الغزالي: القلوب في الثبات على
الخير والشر والتردد بينهما ثلاثة:
قلب عمر بالتقوى وزكا بالرياضة وطهر من
خبائٹ الأخلاق.
القلب الثاني: القلب المخذول المشحون
بالهوى المدنس بالأخلاق المذمومة
والخبائث، المفتوح فيه أبواب الشياطين،
المسدود عنه أبواب الملائكة.
:
القلب الثالث: قلب تبدو فيه خواطر
الهوى، فتدعوه إلى الشر فيلحقه خاطر الإيمان
فيدعوه إلى الخير، فتنبعث النفس بشهوتها إلى
نصرة خاطر الشر فتقوى الشهوة وتحسن التمتع
والتنعم، فينبعث العقل إلى خاطر الخير ويدفع
في وجه الشهوة ويقبح فعلها وينسبها إلى
الجهل ويشبهها بالبهيمة والسبع في تهجمها
على الشر وقلة اكتراثها بالعواقب، فتميل
النفس إلى نصح العقل(١).
د - أسباب اتباع الهوى:
٦- ذکر الماوردي أن لاتباع الهوى سببين:
(١) إحياء علوم الدين ٣/ ٤٥، ٤٦ ط دار الفكر العربي.
- ٣١٤ -

هوی ٧
قوة سلطان الهوى، وخفاء مكره(١).
فأما الأول: فهو أن يقوى سلطان الهوى
بدواعيه حتى تستولي عليه مغالبة الشهوات
فيكل العقل عن دفعها ويضعف عن منعها مع
وضوح قبحها في العقل المقهور بها، وهذا
يكون في الأحداث أكثر، وعلى الشباب أغلب
لقوة شهواتهم وكثرة دواعي الهوى المتسلط
عليهم، وأنهم ربما جعلوا الشباب عذراً لهم.
وأما الوجه الثاني: فهو ان يخفي الهوى
مكره حتى تموه أفعاله على العقل فيتصور
القبيح حسناً، والضرر نفعاً، وهذا يدعو إليه
أحد شیئین:
إما أن يكون للنفس ميل إلى ذلك الشيء،
فيخفى عليها القبيح بحسن ظنها وتتصوره
حسناً لشدة ميلها إليه، ولذلك قال النبي وَل:
((حبك الشيء يُعمي ويُصم))(٢) أي يُعمي عن
الرشد، ويُصم عن الموعظة، وقال علي
رضا: «الهوی عمی)».
(١) أدب الدنيا والدين ص٣٦ .
(٢) حديث: ((حبك الشيء يعمي ويصم)).
أخرجه أبو داود (٣٤٧/٥ - ط حمص) وقال
المنذري في مختصر السنن (٣١/٨ - ط دار
المعرفة): في إسناده بقية بن الوليد، وأبو بكر
بكير بن عبد الله، وفي كل واحد منهما مقال.
وأما السبب الثاني: فهو استثقال الفكر في
تمييز ما اشتبه، وطلب الراحة في اتباع مايسهل .
حتى يظن أن ذلك أوفق أمریه وأحمد حالیه،
اغتراراً بأن الأسهل محمود والأعسر مذموم،
فلن يعدم أن يتورط بخِدَع الهوى وزينة
المكر، في كل مخوف حذر، ومكروه
(١)
عسير(١).
هـ- نھي النفس عن الهوى:
٧- سبق بيان أن الشرع قد نهى عن اتباع
الهوى، وقد اتفق العلماء والحكماء على أن لا
طريق إلى سعادة الآخرة إلا بنهي النفس عن
الهوى ومخالفة الشهوات(٢).
فقد جعل الله سبحانه وتعالى مخالفة النفس
بترك هواها علة عادية وسبباً شرعياً لقصر مقامه
على الجنة، ولهذا كانت مخالفة النفس رأس
العبادة(٣) قال اللَّه تعالى: ﴿وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ
رَيِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَةُ (٥) فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ
الْمَأْوَ﴾(٤) فدفاع الهوى أعظم جهاد(٥) كما
(١) أدب الدنيا والدين ص٣٦ ط دار ابن كثير.
(٢) إحياء علوم الدين ٣/ ٦٥ .
(٣) بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية ٢/ ٧٢ .
(٤) سورة النازعات / ٤٠، ٤١.
(٥) الذريعة إلى مكارم الشريعة للراغب الأصفهاني
ص١٠٣ .
- ٣١٥ -

هوى ٧، هوام ١
قال النبي وَّله وقد سئل: أي الجهاد أفضل؟
فقال: ((جهادك هواك))(١)، وقال: ((المجاهد
من جاهد هواه))(٢).
هَوَامٌ
(١) حديث: ((جهادك هواك)).
لم نقف عليه بهذا اللفظ إلا في الذريعة إلى مكارم
الشريعة للأصفهاني (ص ١٠٣ - ط دار الصحوة -
القاهرة) وذكره الغزالي بمعناه: ((كف أذاك عن
نفسك ولا تتابع هواها في معصيته)) (إحياء علوم
الدين ٦٦/٣ - ط التجارية الكبرى) وقال
العراقي: لم أجده بهذا السياق.
(٢) حديث: ((المجاهد من جاهد هواه)).
ذكره الغزالي في إحياء علوم الدين (٢/ ٣٥٠ - ط
دار الهادي - بيروت) وقال العراقي في المغني:
أخرجه الحاكم والترمذي في السنن بذكر ذكر
((هواه)) .
التعريف :
١- الهوام لغة جمع هامة؛ مثل دابة
ودواب، وهي تطلق علی کل حیوان له سمّ
يقتل كالحية، قاله الأزهري. وفي الحديث:
((اجتنبوا هَوْم الأرض فإنها مأوى الهوام))(١)،
وقد يطلق على ما لا يقتل كالحشرات، وفي
الأثر النبوي: ((أَيُؤْذِيكَ هَوَامُ رَأْسِكَ))؟(٢) يعني
القمل. والمراد هنا ما يشمل المؤذي وغيره
مما لا ينتفع به(٣).
والمعنى الاصطلاحي لا يخرج عن المعنى
(٤)
اللغوي(٤).
(١) حديث: ((اجتنبوا هَوْمَ الأرض ... ))
:
أخرجه الخطابي في غريب الحديث (٢١٠/١ - ط
مركز البحث العلمي بمكة) من حديث أبي هريرة
بلفظ: ((إذا عَرَّسْتُم فاجتنبوا هَوْم الأرض، فإنها
مأوى الهوام)). وأخرجه مسلم (١٥٢٥/٣ - ط
الحلبي) بلفظ: ((إذا عرستم بالليل فاجتنبوا الطريق،
فإنها مأوی الهوام بالليل)).
(٢) حديث: ((أيؤذيك هوام رأسك؟)) أخرجه البخاري
:
(فتح الباري ٧/ ٤٥٧ ط السلفية) ومسلم (٢/
٨٦٠ ط الحلبي).
(٣) لسان العرب والمصباح المنير مادة (همم)
(٤) حاشية ابن عابدين ١١١/٤ وقواعد الفقه للبركتي.
- ٣١٦ -

...
هوام ٢ - ٤
الألفاظ ذات الصلة :
الحشرات :
٢- الحشرات في اللغة جمع حشرة، مثل
قصبة وقصبات. والحشرات: دواب الأرض
الصغار، وقيل: الحشرة: الفأرة، والضب،
واليربوع(١).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي(٢)
والعلاقة بين الحشرة والهامة: العموم
والخصوص.
الأحكام المتعلقة بالهوام:
تتعلق بالهوام أحكام منها
أ - بيع الهوام:
٣- لا خلاف بين الفقهاء في الجملة في أنه
لا ينعقد بيع هوام الأرض التي لا منفعة فيها
أصلاً.
واختلفوا في بعض التفاصيل:
فذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه
لا ينعقد بيع الهوام شرعاً، كالوزغة والسلحفاة
(١) المصباح المنير، والمغرب، ومغني المحتاج ١٢/٢ .
(٢) ابن عابدين ٢١٩/٢ وقواعد الفقه للبركتي.
والقنفذ وغير ذلك من سائر هوام الأرض التي
لا منفعة فيها (١) لأنها مخرمة الانتفاع بها
شرعاً، لكونها من الخبائث فلم تكن مالًا فلم
يجز بيعها، لأن بيعها يكون من جملة أكل
أموال الناس بالباطل، والله جلّ شأنه يقول:
إِلَا تَأْكُلُواْ أَمْوَلَكُمْ بَيْنَكُم بِالْبَطِلِّ﴾(٢)
وفيه إضاعةٌ للمال فلم يجز، ولأنه لا منفعة
فيها أصلًا فلم ينعقد، ولا عبرة بما يذكر من
منافعها في الخواص(٣).
وأما المالكية فالهوام عندهم طاهرة، ويجوز
عندهم بيع الطاهر إذا كان منتفعاً به (٤).
٤- واختلف الفقهاء في بيع النحل، فذهب
الشافعية والحنابلة إلى أنه يجوز بيعه منفرداً عن
كُوارته، لأنه حيوان طاهر يخرج من بطونه
شراب فيه منافع للناس فهو كبهيمة الأنعام،
ويصح بيعه خارجاً عن كُوارته ومعها، بشرط
:
كونه مقدور التسليم، فإن لم يكن مقدور
(١) حاشية ابن عابدين ١١١/٤، وبدائع الصنائع
١٤٤/٥، والحاوي الكبير ٤٩٦/٦، ومغني
المحتاج ١٢/٢، وكشاف القناع ١٥٢/٣.
(٢) سورة النساء/ ٢٩ .
(٣) بدائع الصنائع ١٤٤/٥، والحاوي الكبير
٤٩٦/٦، ومغني المحتاج ١٢/٢، وكشاف القناع
١٥٢/٣ .
(٤) الشرح الصغير ٤٥/١، ٢٥/٤، والخطاب
٩٣/١، ٢٥٨/٤، ٢٦٣، والزرقاني ٢٤/١.
- ٣١٧ -

هوام ٥
التسلیم لم یصح بيعه للغرر.
وفارق سائر الطيور التي لا يجوز بيعها وهي
خارج قفصها، لأن النحل لا يأكل عادة إلا بما
يرعاه، فلو توقف صحة بيعه على حبسه لربما
أضرّ به وتعذر بيعه(١).
ويشترط في صحة بيع النحل أن يكون
يعسوبه - وهو أميره - في الكوارة، وأن
يشاهد جميعه، وإلا فهو من بيع الغائب،
وتجری فیه أحكامه.
وقال الإمام النووي: إن باعه وهو طائر في
الهواء فوجهان عند الشافعية، والأصح
الصحة(٢).
وقال الحنفية: لا يصح بيع النحل إلا إذا
کان في كُوارته عسل، فباع الكوارة بما فيها من
العسل والنحل، فيصح بيعه تبعاً للعسل، لأنه
لیس بمنتفع به فلم یکن مالا بنفسه، بل بما
يحدث منه من العسل وهو معدوم عند بيع
النحل وحده، حتى إنه لو باع النحل مع
الكوارة وفيها عسل يجوز بيعه تبعاً للعسل.
ويجوز أن لا يكون الشيء محلّا للبيع بنفسه
(١) مغني المحتاج ١٣/٢، ٣٥٠/٣، وحاشية
القليوبي ١٥٨/٢، وكشاف القناع ١٥٢/٣ -
١٥٣ .
(٢) روضة الطالبين ٣/ ٣٥٠ والمراجع السابقة.
منفرداً ويكون محلًا للبيع مع غيره: كبيع
الشرب مع الأرض. وروى عن محمد بن
الحسن أنه يجوز منفرداً، لأنه حیوان منتفع به
فيجوز بيعه(١).
وأجاز المالكية بيع النحل، فقد جاء في
حاشية الزرقاني نقلًا عن الحطاب: ونحل
الأجباح(٢) لا خلاف في جواز بيعه جزافاً،
لمشقة عده، وظاهره أنه يباع بدون الأجباح.
وقال الشيخ أحمد الزرقاني: لا يباع بدونها،
وقال البرزلي: إن اشترى الأجباح دخلت
النحل، وكذا العكس. ولا يدخل العسل في
الوجهين، قاله ابن رشد وعلي الأجهوري.
ویجمع بین ما قاله الحطاب وما قاله أحمد
الزرقاني بحمل الجواز على بيعه حالة كونه في
الجبح، بدليل قوله: لمشقة عده، وحمل ما
قاله أحمد الزرقاني من المنع على ما إذا كان
طائراً منها لعدم القدرة عليه(٣) .
٥- ویصح بیع دیدانٍ لصيد السمك ودود
القز، وبزره - وهو البيض الذي يخرج منه
(١) بدائع الصنائع ١٤٤/٥.
(٢) الجبح - بتثليث الجيم وسكون الباء - هو حيث
تعسل النحل إذا كان غير مصنوع. وقيل: هي
موضع النحل في الجبل وفيها تعسل (لسان العرب)
(٣) حاشية الزرقاني ٣٢/٥-٣٣ .
٠٫٠
- ٣١٨ -

...
هوام ٧، هيئة ١
دود القز - قبل أن يدب لأنه طاهر يخرج منه
الحرير الذي هو أفخر الملابس(١).
وإلى هذا ذهب صاحبا أبي حنيفة:
أبو يوسف ومحمد بن الحسن(٢).
ب - أكل الهوام
٦ - اختلف الفقهاء في حل أكل الهوام،
فذهب جمهور الفقهاء إلى حرمة أكلها وذهب
المالكية إلى حل أكل جميع أصناف الحشرات.
وانظر التفصيل في مصطلح (حشرات
ف٣،٢)
ج- قتل الهوام
٧- يجوز قتل الهوام عند الفقهاء في الجملة
في غير الحرم ولغير المحرم.
أما قتلها في الحرم أو في حالة الإحرام
فللفقهاء تفصيل في جواز قتلها وفيما يجب
بقتلها .
والتفصيل في (حشرات ف٦ وما بعدها،
إحرام ف١٥٩، حرم ف١٣، ١٥)
(١) روضة الطالبين ٣٥١/٣ وكشاف القناع ١٥٤/٣،
ومغني المحتاج ١١/٢، وأسنى المطالب ١٣/١.
(٢) بدائع الصنائع ١٤٤/٥.
هَيْئة
التعريف :
١- الهيئة في اللغة: الحالة الظاهرة التي
يكون عليها الشيء، محسوسة كانت أو
معقولة، لكن في المحسوس أكثر، ومنه قوله
تعالى: ﴿أَنّ ◌َغْلُقُ لَكُمْ مِنَ الِينِ كَهَيَّئَةٍ
الطَّيْرِ﴾(١).
يقال: هاء یھوء ویھیء هيئةً حسنة إذا صار
إليها، وتهيأت للشيء: أخذت له أهبته
وتفرغت له، وهيأته للأمر: أعددته فتهياً،
وتهايا القوم تهايؤا من الهيئة: جعلوا لكل
واحد هيئةً معلومةً والمراد النوبة.
ومنه: المهاياة وهي: ما يتهيأ القوم له
فيتراضون عليه على وجه التخمين. قال
تعالى: ﴿وَهَيِّئْ لَنَا مِنْ أَمْرِنَا رَشَدًا﴾(٢)، وقال:
﴿وَيُّهَبِّئْ لَكُ مِّنْ أَمْرِكُمْ مِرْفَقًا﴾(٣).
(١) سورة آل عمران/ ٤٩.
(٢) سورة الكهف/ ١٠ .
(٣) سورة الكهف/ ١٦ .
- ٣١٩ -

هيئة ١ - ٣
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي(١).
الألفاظ ذات الصلة :
الکیفیة :
٢- الكيفية لغة: مصدر صناعي من لفظ:
كيف، فزيد عليها ياء النسب وتاء للنقل من
الاسمية إلى المصدرية، و))كيف)) كلمة يستفهم
بها عن حال الشيء وصفته يقال: کیف زید؟
ويراد السؤال عن صحته وسقمه وعسره ويسره
وغير ذلك، وكيفية الشيء: حاله وصفته.
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي(٢).
والعلاقة بين الهيئة والكيفية أن كلا منهما
يتعلق بحالة الشيء وصفته.
الأحكام المتعلقة بالهيئة:
تتعلق بالهيئة أحکام منها
أ- الهيئة في الصلاة:
٣- الهيئة - باعتبارها من أفعال وأقوال
(١) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن،
والمعجم الوسيط.
(٢) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن،
والمعجم الوسيط.
الصلاة - نص الشافعية والحنابلة على أن
أعمال الصلاة سواء كانت أفعالا أو أقوالا
تنقسم إلى ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الفروض، وتسمى الأركان،
تشبيهاً لها بركن البيت الذي لا يقوم البيت إلا
به، لأن الصلاة لا تتم إلا به، فلا يسقط الركن
لا عمدا ولا سهواً ولا جهلًا، ولا ينوب عنه
سجود السهو(١).
وانظر تفصيل الحكم في ذلك في مصطلح
(صلاة ف ١٦ - ٣٧، ف١٢٤، سجود السهو
ف ٦، نسيان ف ١٢).
القسم الثاني: السنن، ويسميها أيضا
الشافعية بالأبعاض، وهي عندهم السنن التي
تجبر بالسجود(٢).
وانظر تفصيل ذلك في مصطلح (صلاة
ف٥٦، سجود السهو ف٦، نسيان ف ١٢)
أما الحنابلة فيسمون هذا القسم بواجبات
الصلاة، وهي التي تبطل الصلاة عندهم بتركها
عمدا، وتسقط بتر کھا سھوا أو جھلًا، وتجبر
(١) مغني المحتاج ١٤٨/١، ٢٠٥، وكفاية الأخيار
١٢٦/١، وكشاف القناع ٣٨٥/١ وما بعدها.
(٢) تحفة المحتاج ٣/٢، وكفاية الأخيار ١٢٧/١،
وحاشية الباجوري على ابن القاسم ١/ ١٩١ .
-- ٣٢٠ -