Indexed OCR Text
Pages 261-280
هدية ٢٢ - ٢٤ حقهم إن كان سبب الهدية مقابل ما يحصل منهم من الإفتاء، والوعظ والتعليم عدم القبول لیکون عملهم خالصاً لوجه الله تعالى. وإن أهدي إليهم تحبباً وتودداً لعلمهم وصلاحهم فالأولى القبول. أما إذا أخذ المفتي الهدية ليرخص في الفتوى، فإن كان باطلًا فهو رجل فاجر يبدّل أحكام الله تعالى ويشتري بها ثمناً قليلاً، وإن كان بوجه صحيح فهو مكروه كراهة شديدة(١). انظر مصطلح (فتوى ف ٣٥). ط - هدايا الرعايا بعضهم بعضاً : ٢٢ -نص الشافعية على أن الهدايا بين الرعايا بعضهم بعضاً إن كانت الهدية لطلب آجل أو عاجل هو مال أو مودة فهو جائز، وفي بعض الصور مستحب، وإن كانت لأجل شفاعة فإن كانت الشفاعة في محظور لطلب المحظور، أو إسقاط حق، أو معونة على ظلم فقبولها حرام. وإن كانت في مباح لا يلزمه، فإن شرطا (١) العقد المنظم للحكام ١٩٤/٢، وحاشيتا الشرواني وابن قاسم على تحفة المحتاج ١٣٨/١٠، وكشاف القناع ٣٠١/٦، وحاشية ابن عابدين ٤/ ٣١١ . هدية على المشفوع له فقبولها محظور، وكذلك إن قال المهدي: هذه الهدية جزاء شفاعتك فقبولها محظور أيضاً. وإن لم يشترطها الشافعُ وأمسك المهدي عن ذكر الجزاء فإن كان مهدياً له قبل الشفاعة لم يكره له القبول، وإلا ◌ُرہ لہ القبول إن لم یکافئه، وإن كافأه لم يكره(١). ي - الهدية باسم النيروز: ٢٣ - نص الحنفية على أنه لا يجوز الإهداء باسم النيروز كأن يقول عند الإهداء: هذا هدية النيروز والمهرجان، ومثل القول النية، والنيروز أول الربيع والمهرجان أول الخريف، وهما یومان یعظمهما بعض الكفار ویتهادون فيهما . وإن قصد تعظيمهما كما يعظمهما الكفرة كفر(٢). ك - قبول الهدية ممن أکثر ماله حرام: ٢٤ -نص الشافعية على أنه لا يحرم قبول الهدية ممن أكثر ماله حرام إلا ما علم حرمته بعينه(٣). (١) حاشية أحمد الرملي الكبير على روض الطالب ٣٠٠/٤ . (٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤٨١/٥. (٣) حاشية القليوبي ٢٦٢/٤ . - ٢٦١ - هدية ٢٥ - ٢٦، هذيان ١ - ٢ ل - هدايا الكفار للمسلمين : ٢٥ - إن أهدى الكفار لمسلم شيئاً، فإن كانت في أثناء الحرب فهو غنيمة، أما ما أهدوه في غير الحرب فإنه ليس بفيء، كما أنه ليس بغنيمة، بل هو لمن أهدي أليه(١). م - الهدیة لخوف أو حیاء: ٢٦ - يحرم قبول الهدية إذا كانت لخوف أو حياء، لأنها في حكم الغصب (٢). (١) مغني المحتاج ٩٣/٣، ونهاية المحتاج ١٣٣/٦ - ١٣٤، وتحفة المحتاج ٧/ ١٣٠، وحاشية ابن عابدين ٢٢٨/٣ . (٢) حاشية القليوبي ٢٩٦/٣. هَذَیان التعريف : ١ - الهذيان في اللغة مصدر، يقال: هذى يهذي هذياً وهذياناً: تكلم بكلام غير معقول في مرض أو غيره مثل كلام المبرسم والمعتوه. واصطلاحاً: التكلم بغير روية (١). الألفاظ ذات الصلة : أ - اللغو: ٢ -اللغو في اللغة له معانٍ منها: السقط وهو كل ما لا يعتدّ به من كلام أو غيره، ولا يحصل منه على فائدة ولا نفع. واصطلاحاً: ضم الكلام بما هو ساقط العبرة منه وهو الذي لا معنى له في حق ثبوت الحکم وغيره(٢). والصلة بين الهذيان واللغو: أن كلّاً منهما (١) المصباح المنير، ولسان العرب، وحاشية القليوبي ٢٠٤/٤ . (٢) التعريفات للجرجاني، ولسان العرب. - ٢٦٢ - هذيان ٣ - ٥ ... لا يترتب عليه أثر في حق ثبوت الحكم. ب - اللغط : ٣ -اللغط هو: كلام فيه جَلَبَة واختلاط، ولا یتبین. واصطلاحاً: هو الأصوات المرتفعة سواء كانت بالقراءة أو الذكر أو الصلاة على النبي ◌َةَ(١). والعلاقة بين الهذيان واللغط: أن الهذيان لا يقصد معناه، واللغط يقصد معناه. الأحكام المتعلقة بالهذيان : يتعلق بالهذیان أحكام منها : طلاق الهاذي وتصرفاته: ٤ -قال ابن قدامة: أجمع أهل العلم على أن زائل العقل بغير سكر أو ما في معناه لا يقع طلاقه . ونص الحنفية على أن من هذى أو غلب على كلامه الهذيان واختلاط الجدّ بالهزل ولا تجري أقواله على نهجه المعتاد إلا نادراً لم يعتد بعباراته: كالمجنون، والمدهوش، والمعتوه، والمبرسم، والنائم، والمغمى (١) لسان العرب، والمصباح المنير، والقليوبي ١/ ٣٤٧ . عليه، ومن اختل عقله لكبر أو مرض أو مصيبة فاجأته، وكل من يغلب على أقواله الخلل وعدم الانتظام وإن کان یعلم ما تكلم به ويريده لأن هذه الإرادة والمعرفة غير معتبرة لعدم حصولها عن إدراك صحيح، كما لا يعتبر من الصبي العاقل، لأن مناط الحكم بغلبة الخلل في الأقوال والأفعال الخارجة عن العادة(١). ونص المالكية على أن الهذيان هو: الكلام الذي لا معنى له لمرض أصابه، فإذا هذی فتكلم بالطلاق فلما أفاق قال: لم أشعر بشيء وقع مني فلا يلزمه شيء في الفتيا والقضاء، إلا أن تشهد بينة بصحة عقله لقرينة، أو قال: وقع مني شيء ولم أعقله لزمه الطلاق، لأن شعوره بوقوع شيء منه دليل على أنه عقله، قاله ابن ناجي، وسلموه له، قال الدردير: وفيه نظر إذ کثیراً ما يتخيل المریض خيالات فيتكلم على مقتضاها بكلام خارج عن قانون العقلاء فإذا أفاق استشعر أصله وأخبر عن الخيالات الوهمية كالنائم(٢). أثر الهذيان على العدالة: ٥- نص الحنفية على أن من شروط العدالة (١) حاشية ابن عابدين ٤٢٦/٢-٤٢٧، والمغني ٧/ ١١٣، ومغني المحتاج ٢٧٩/٣، والشرح الصغير ٥٤٤/٢، والشرح الكبير ٣٦٦/٢ . (٢) الشرح الكبير ٣٦٦/٢ . - ٢٦٣ - : : هذيان ٥، هر ١ ... أن يكون صدوق اللسان قليل اللغو والهذيان حتى إذا اعتاد الكذب وتعود الهذي لا تقبل شهادته(١) . W هِر التعريف : ١- الهر في اللغة: القط الذكر، وجمعه هِررة، مثل قرد وقردة، والأنثى: هِرّة وجمعها هِرَر، مثل سدرة وسِدَر، قاله الأزهري. وقال ابن الأنباري: الهر يقع على الذكر والأنثى، وقد يدخلون الهاء في المؤنث، وتصغير الأنثى هُريرة، وبها كني الصحابي المشهور(١). والهر: القط، وهو جنس من الفصيلة السنورية ورتبة اللواحم. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي(٢). ما يتعلق بالهر من الأحكام: يتعلق بالهر أحكام منها: (١) المصباح المنير، المعجم الوسيط. (٢) مغني المحتاج ١/ ٧٨،٢٤ وسبل السلام شرح بلوغ المرام ١/ ٣٠. - ٢٦٤ - : (١) معين الحكام ص١٠٣ ط الميمنية بمصر. هر ٢ - ٤ أ- طهارة الهر: ٢- اختلف الفقهاء في طهارة الهر. فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الهر طاهر، لقول النبي ◌َّ فيها: ((إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات))(١). وذهب بعض الحنفية، ومنهم الطحاوي، إلى أن الهرة نجسة لنجاسة لحمها . قال ابن عابدين: إن القياس في الهرة نجاسة سؤرها، لأنه مختلط بلعابها المتولد من لحمها النجس، لكن سقط حكم النجاسة اتفاقاً بعلة الطواف المنصوصة بقوله ◌َله: «إنها ليست بنجسة، إنها من الطوافين عليكم والطوافات)) يعني أنها تدخل المضايق ولازمه شدة المخالطة بحیث یتعذر صون الأواني منها . وفي معناها سواكن البيوت، للعلة المذكورة، فسقط حكم النجاسة للضرورة، وبقيت الكراهة، لعدم تحاميها النجاسة(٢). (١) حديث: ((إنها ليست بنجس إنما هي من الطوافین .. .)) أخرجه أبو داود (١/ ٦٠ط حمص) والترمذي (١/ ١٥٤ ط الحلبي) من حديث أبي قتادة - رَزي - وقال: حسن صحيح، واللفظ للترمذي. (٢) سبل السلام ١ / ٣٠-٣١، والبدائع ١/ ٦٥، وحاشية ابن عابدين ١٤٩/١، والشرح الصغير ٤٣/١ وما بعدها، ومغني المحتاج ٢٤/١، وكفاية الأخيار ٦٩/١، وكشاف القناع ١/ ١٩١ -١٩٣. ب - طهارة سؤر الهر: ٣- ذهب الفقهاء إلى أن سؤر الهرة وما يماثلها أو دونها في الخلقة من سواكن البيوت طاهر يجوز شربه والوضوء به(١)، لما روي عن كبشة بنت كعب بن مالك وكانت تحت أبي قتادة ﴾ أن أبا قتادة دخل عليها قالت: فسكبت له وضوءاً، قالت: فجاءت هرة تشرب فأصغى لها الإناء حتى شربت، قالت كبشة: فرآني أنظر إليه، فقال: أتعجبين ياابنة أخي؟ فقلت: نعم. فقال: إن رسول اللَّه وَل قال: ((إنها ليست بنجس، إنما هي من الطوافين عليكم والطوافات))(٢). : والتفصيل في مصطلح (سؤر ف٣ - ٦). ج - بول الهرة وخرؤها: ٤- نص الحنفية على أن بول الهرة وخرءها نجس في أظهر الروايات يفسد الماء والثوب، ولو طحن بعر الفأرة مع الحنطة ولم يظهر أثره يعفى عنه للضرورة . وفي الخلاصة: إذا بالت الهرة في الإناء، (١) حاشية ابن عابدين ١٤٩/١، ومغني المحتاج١/ ٢٤، والمغني لابن قدامة ١/ ٥٠-٥١ . (٢) حديث: ((إنها ليست ... )) سبق تخريجه ف٢ . - ٢٦٥ - هر ٥ أو على الثوب تنجس. ويرى المالكية نجاسة بول الهرة، وعموم قول الشافعية في نجاسة جميع الأبوال يقضي بنجاسته(١) . وينظر التفصيل في مصطلح (نجاسة). د- بيع الهر: ٥- اختلف الفقهاء في جواز بيع الهرة. فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أن بيع الهرة جائز، لأنها طاهرة ومنتفع بها ووجد فيها جميع شروط البيع، فجاز بيعها كالحمار والبغل، ولأن كل مملوك أبيح الانتفاع به يجوز بيعه إلا ما استثناه الشرع من الكلب وأم الولد والوقف، لأن الملك لإطلاق التصرف، والمنفعة المباحة يباح للشخص استيفاؤها فجاز له أخذ عوضها، وأبيح لغيره بذل ماله فيها توصلا إليها ودفعاً لحاجته بها، کسائر ما أبيح بيعه، لان البيع شرع طريقاً للتوصل إلى قضاء الحاجة واستيفاء المنفعة المباحة، ليصل كل واحد إلى الانتفاع بما في يد صاحبه مما (١) حاشية ابن عابدين٢١٢/١، والفتاوى الهندية ٩/١ والدسوقي٥٨/١، ومغني المحتاج٧٨/١، وتحفة المحتاج ٢٩٦/١ . يباح الانتفاع به(١) . ولبعض الجمهور قيود في جواز بيع الهرة. فقال المالكية: يجوز بيع الهرة بقصد أخذ جلدها للانتفاع به، أما إذا باعها لا لقصد أخذ جلدها فلا يجوز بيعها إلا أن البناني من المالكية قال: الصواب أن بيع الهرة لينتفع به حیاً جائز(٢). وخص الشافعية الجواز ببيع الهرة الأهلية، أما الهرة الوحشية فلا يجوز بيعها عندهم، لعدم الانتفاع بها(٣). وذهبت طائفة من العلماء منهم أبوهريرة ګ ومجاهد وطاووس وجابر بن زيد وهو قول عند المالكية صححه الجزولي وهو رواية عند أحمد اختارها أبوبكر إلى أن بيع الهرة مكروه(٤)، لحديث أبي الزبير قال: ((سألت جابراً نظ عن ثمن الكلب والسنور فقال: (١) البدائع٥/ ١٤٢، ومواهب الجليل٤/ ٢٦٧ -٢٦٨، والمجموع للنووي ٢٢٩/٩-٢٣٠، والمغني لابن قدامة ٤/ ٢٨٣ - ٢٨٥ . (٢) مواهب الجليل للحطاب ٢٦٧/٤-٢٦٨، وجواهر الإکلیل ٢/ ٥ . (٣) المجموع للنووي٢٢٩/٩-٢٣٠ . (٤) مواهب الجليل للحطاب ٤/ ٢٦٧ -٢٦٨، والمجموع للإمام النووي ٢٢٩/٩، والمغني لابن قدامة ٤/ ٢٨٤ . - ٢٦٦ - هر ٦ زجر النبي ◌َ ﴿ عن ذلك))(١)، ولأن أكلها مكروه فكره بيعها بناءً على ذلك. وذهب بعض العلماء إلى أن بيع الهرة لا يجوز(٢)، لحديث جابر رضي: ((أن النبي ◌َّ- نهى عن ثمن الكلب والسنور))(٣)، ولحديث جابر رَّه المتقدم: ((أن النبي وَل﴾ زجر عن ثمن الكلب والسنور)». هـ - ضمان ما يتلفه الهر: ٦- نص الحنابلة والشافعية في الأصح على أنه إذا أتلفت الهرة طيراً أو طعاماً أوغيرهما ضمن مالکها- أي صاحبها الذي يؤویھا- ما أتلفته إن عهد منها ذلك، سواء كان ذلك ليلا أو نهاراً، كما يضمن مرسل الكلب العقور ما يتلفه، لأن مثل هذه الهرة ينبغي أن تربط ويكف شرها، ومثلها كل حيوان مولع بالتعدي كالجمل والحمار اللذين عرفا بعقر الدواب، واتلافها. (١) حديث أبي الزبير: ((سألت جابراً وَني عن ثمن الكلب والسنور ... )) أخرجه مسلم (١١٩٩/٣ - ط عيسى الحلبي). (٢) المجموع للنووي ٢٢٩/٩-٢٣٠، وانظر كلّ من مواهب الجليل ٢٦٨/٤ والمغني لابن قدامة ٤/ ٢٨٤-٢٨٥ . (٣) حديث جابر: ((أن النبي ◌ُّ نهى عن ثمن الكلب والسنور)). أخرجه أبو داود(٧٥٢/٣ - ط حمص) والترمذي (٥٧٧/٣- ط الحلبي). ومقابل الأصح عند الشافعية: لا يضمن ليلًا ولا نهاراً لأن العادة لم تجر بربط الهرة، وقضية هذه العلة أنه لو كان الحيوان المفسد مما يربط عادة فتركه صاحبه ضمن ما يتلفه قطعاً. وبه صرح الإصطخري، لأنه مقصر حينئذ بإرسالها(١). أما إذا لم يعهد من الهرة أو نحوها- والمراد هو تعهد صاحب الھرة ونحوه منها - اتلاف ما ذكر فلا يضمن ما أتلفته عند الحنابلة، وفي الأصح عند الشافعية، سواء كان الإتلاف في الليل أو في النهار، لأن العادة حفظ الطعام عنها، لا ربطها . : ومقابل الأصح عند الشافعية: أنه یضمن ما أتلفته في الليل دون ما أتلفته في النهار كالدابة(٢). وانظر آراء الفقهاء في حكم ضمان ما أتلفه الحيوان في مصطلح (ضمان ف١٠٧ - ١٠٩). (١) مغني المحتاج ٢٠٧/٤، والقليوبي وعميرة٤/ ٢١٣، والمغني ٣٣٨/٨. (٢) المغني ٣٣٨/٨، وتحفة المحتاج مع الحواشي ٢٠٩/٩-٢١٠، ونهاية المحتاج٤٠/٨-٤١، ومغني المحتاج ٢٠٧/٤ والقليوبي ٤/ ٢١٣. - ٢٦٧ - : هر ٧ و- قتل الهرة الصائلة : ٧- نص الشافعية: على أنه لو هلكت الهرة في الدفع عن حَمَام ونحوه فهدر، لصيالها، وذلك إذا تعيّن قتلهاً طريقاً لدفعها، ولم يمكن دفعها بدونه كالصائل، أما إذا لم يتعيّن قتلها طريقاً لدفعها بأن أمكن دفعها بضرب أو زجر فلا يجوز قتلها، بل يدفعها بالأخف فالأخف كدفع الصائل، فلو كانت الهرة صغيرة مثلًا ولا يفيد معها الدفع بالضرب الخفيف، ولكن يمكن دفعها بأن يخرجها من البيت ويغلقه دونها، أو بأن يكرر دفعها عنه مرة بعد أخرى فلا يجوز قتلها ولا ضربها ضرباً شديداً. ويشمل حكم وجوب دفع الهرة بالأخف فالأخف كالصائل ما لو خرجت أذيتها عن عادة القطط وتكرر ذلك منها، واختلفوا فى ضبط هذه العادة، فقال بعضهم: ولو مرة واحدة، وقال الدميري: والظاهر أنه يأتي فيه الخلاف مرتين أو ثلاثة، كما في الكلب المعلم. ولو صارت الهرة ضارية مفسدة فهل يجوز قتلها في حال سکونها؟ وجهان: أصحهما- وبه قال القفال - لا يجوز، لأن ضراوتها عارضة، والتحرز عنها سهل، وجوز القاضي من الشافعية قتلها مطلقاً أي سواء في حال صيالها أو حال سكونها، وسواء أمكن دفعها بدون القتل أم لم يمكن، لأنها قد تعود وتتلف ما دفع عنها مع التغافل عنه، ولأنها- في هذه الحالة - لا يكف شرها إلا بالقتل(١). واعتمد هذا القول ابن عبدالسلام حيث أفتى بقتل الهر إذا خرج أذاه عن العادة وتكرر منه واختاره الأذرعي: في هر مهمل لا مالك له إلحاقاً له بالكلب العقور، وألحقه القاضي بالفواسق الخمسة. والوجه جواز الدفع كذلك في الهرة الحامل، بل وجوبه ولا نظر لكونها حاملًا أو غير حامل، وإن قلنا أنه يعلم الحمل، لأنا لم نتيقن حياته، وتيقنا إضرارها لو لم يدفعها فروعي(٢). وسئل البلقيني من الشافعية عما جرت به العادة من ولادة هرة في محل وتألف ذلك المحل بحیث تذهب وتعود إليه للإيواء فهل يضمن مالك المحل متلفها ؟ وأجاب بعدم الضمان حيث لم تكن في يد أحد وإلا ضمن ذو اليد(٣). (١) تحفة المحتاج مع الحواشي ٢٠٩/٩-٢١٠، ونهاية المحتاج ٤٠/٨-٤١، ومغني المحتاج ٤/ ٢٠٧ وقليوبي ٤/ ٢١٣ . (٢) تحفة المحتاج بشرح المنهاج مع حاشية الشرواني ٢١٠/٩. (٣) نهاية المحتاج بشرح المنهاج ٤١/٨، وحاشية = - ٢٦٨ - هر ٨ وأجاز الحنفية ذبح الهرة إذا كانت مؤذية بسكين حاد ويكره ضربها وفرك أذنها، وفي القنية: يجوز ذبح الهرة لنفع ما (١). ويرى المالكية أنه يجوز قتل الهر إذا خرجت إذايته عن عادة القطط وتكررت إذايته، فإن لم تخرج إذايته عن عادة القطط، ووقعت الإذاية منه فلتة فلا يقتل(٢). وانظر مصطلح (صيال ف٥) . ز- حكم أكل لحم الهر: ٨- اختلف الفقهاء في حكم أكل لحم الهرة . فذهب الجمهور وهم الحنفية والمالكية في قول عندهم والشافعية في الأصح بالنسبة للهرة الوحشية وفي الصحيح بالنسبة للهرة الأهلية، والحنابلة في الصحيح من المذهب إلى حرمة أكل الهرة سواء كانت أهلية أو وحشية، الحديث: ((كل ذي ناب من السباع فأكله حرام))(٣)، ولأنها تعدو بنابها فتشبه الأسد، = الشرواني مع تحفة المحتاج ٩/ ٢١٠. (١) البحر الرائق ٢٣٢/٨، وحاشية الطحطاوي ٢٣٢/٤، والفتاوى الهندية ٣٦١/٥. (٢) الخطاب ٢٣٦/٣. (٣) حديث: ((كل ذي ناب من السباع فأكله حرام)). أخرجه مسلم (١٥٣٤/٣ - ط عيسى الحلبي) = ولأنه ورد في حديث آخر: ((الهر سبع))(١). : وذهب المالكية في قول والحنابلة في رواية إلى أنه یکره أكل لحمها. ویری الشافعية في مقابل الأصح ورواية عند الحنابلة أن الهرة الوحشیة یحل أکل لحمها، وكذا الأهلية في مقابل الصحيح عند الشافعية(٢). والتفصيل في مصطلح (أطعمة ف٢٤ - ٢٩). = من حديث أبي هريرة تَه . (١) حديث: ((الهر سبع)). أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤٤٢- ط المیمنیة) من حديث أبي هريرة تَّه وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤٥/٤ - ط القدسي) وقال فيه عيسى بن المسیب وثقه أبو حاتم وضعفه غيره. (٢) البناية٤٥٠/١، ومواهب الجليل ٢٦٨/٤، والدسوقي ١١٧/٢، ومغني المحتاج ٤/ ٣٠٠، وتحفة المحتاج مع الحاشيتين ٩/ ٣٨٠، والإنصاف 1 ٣٦٠،٣٥٥/١٠-٣٦١ . - ٢٦٩ - هزل ١ - ٣ هَزْل التعريف : ١ - الهَزْل لغة: مصدر هَزَل، يقال: هَزَل هَزْلًا - من باب ضرب -: أي مَزَح. والهَزْلُ ضد الجِدّ، يقال: جَدّ في كلامه جَدَّاً - من باب ضرب - ضد هَزَلَ(١). ومنه قوله عليه الصلاة والسلام: ((ثلاث چدهن چِد، وهزلهن جد : النكاح، والطلاق، والرجعة))(٢) ٠ والهزل اصطلاحا: ألا يراد باللفظ ودلالته معناه، لا الحقيقي ولا المجازي، وهو ضد الجد(٣). (١) المصباح المنير، والمغرب في ترتيب المعرب. (٢) حديث: ((ثلاث جدهن جد ... )) أخرجه الترمذي وحسنه (٤٨١/٣ - ط الحلبي) من حديث أبي هريرة، وحسنه كذلك ابن حجر في التلخيص (٤٤٩/٣ - ط العلمية). (٣) شرح التوضيح ١٨٧/٢، والتعريفات للجرجاني، والقواعد للبركتي، وابن عابدين ٢/ ٤٢٣، وتيسير التحرير على كتاب التحرير ٢٩٠/٢. الألفاظ ذات الصلة : أ- اللعب: ٢- اللعب لغة: مصدر لَعِبَ، واللعب ضد الجِدّ، يقال: لعب فلان إذا كان فعله غير قاصد به مقصداً صحيحاً .(١). واللعب اصطلاحا: ما لا يفيد فائدة أصلًا(٢). والصلة بين الهزل واللعب هي العموم والخصوص المطلق، إذ اللعب أعم مطلقا من الهزل عرفا، والهزل أخص، إذ الهزل يختص بالكلام، واللعب قد یکون بغيره. ب - المزاح: ٣- المزاح لغة: هو تنحية الشيء عن الجِدّ، يقال: مَزَح مزْحاً - من باب نفع - ومَزَاحة بالفتح، والاسم المُزَاح بالضم. ويقال: إن المُزاح مشتق من: زُحْتُ الشيء عن موضعه، وأزحته عنه: إذا نحيته، لأنه تنحية عن الجِدّ(٣). والمزاح اصطلاحاً: عرفه البركتي بقوله: (١) المصباح المنير. (٢) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٤/ ٥٨١ . (٣) المصباح المنير. - ٢٧٠ - هزل ٤ - ٦ المُزاح - بالضم - المباسطة إلى الغير على والمخطىء غير راض بشيء منهما (١). وجه التلطف والاستعطاف دون أذية، حتى يخرج الاستهزاء والسخرية(١) والصلة بين الهزل والمزاح أن كلا منهما ضد الچِد. جـ - الخطأ: ٤- الخَطَأ لغة: ضد الصواب، ويقصر ويمد، وهو اسم من أخطأ فهو مخِطىء، قال أبو عبيدة: خَطِىءَ خِطْأَ من باب علم، وأَخْطَأ بمعنى واحد لمن يذنب على غير عمد (٢). والخطأ اصطلاحا: فعل أو قول يصدر عن الإنسان بغیر قصده بسبب ترك التثبت عند مباشرة أمر مقصود سواه(٣)، أو هو: ما ليس للإنسان فيه قصد (٤). والصلة بین الهزل والخطأ، أن كلا منهما من عوارض الأهلية المكتسبة، وأنهما متضادان من حیث الرضا بالسبب، فالهازل راض بالسبب وإيقاعه غير راض بالحكم، (١) قواعد الفقه للبركتي. (٢) المصباح المنير. (٣) كشف الأسرار ١٥٠٠/٤، والتلويح ٤١١/٢ ط دار الكتب العلمية. (٤) التعريفات للجرجاني. د - التَّلْجئة: ٥- التلجئة لغة: ترد بمعنى الإكراه والاضطرار، يقال: لجأ إلى الحصن وغيره لَجْأَ - مهموز من بابي نفع وتعب - والتجأ إليه: اعتصم به، والحصن ملجأ - بفتح الميم والجيم - وأَلْجأْتُه إليه، ولَجَّأتُه - بالهمزة والتضعيف - اضطررته وأكرهته(٢). والتلجئة اصطلاحا: هي أن يلجئك إلى أن تأتي أمراً باطنه بخلاف ظاهره(٣). والصلة بين الهزل والتلجئة: هي العموم والخصوص(٤). أثر الهزل على الأهلية : الهزل لا ينافي الأهلية ولا الاختيار والرضا، ونوضح ذلك فيما يلي: أ- الهزل لا ينافي الأهلية: ٦- نص علماء الحنفية على أن الهزل لا (١) تيسير التحرير ٣٠٧/٢، وفتح الغفار بشرح المنار لابن نجيم ١١٩/٣ نقلا عن التحرير. (٢) المصباح المنير. (٣) شرح المنار، وحاشية عزمي زاده عليه ص ٩٨٠، وحاشية ابن عابدين ٤/ ٢٤٤ . (٤) الفتاوى الهندية ٢٠٩/٣. - ٢٧١ - هزل ٧ ينافي الأهلية أصلًا، أما أهلية الوجوب - وهي صلاحية الإنسان لوجوب الحقوق المشروعة له وعليه - فلأنها تناط بالذمة، وذمة الهازل موجودة وقائمة بوجوده حياً، وأما أهلية الأداء - وهي صلاحيته لصدور الفعل منه على وجه يعتد به شرعا - فلأنها تناط بالعقل، والهازل عاقل(١). ب - الهزل لا ينافي الاختيار والرضا. ٧- نص علماء الحنفية أيضا على أن الهزل لا ينافي اختيار المباشرة، والرضا بها(٢)، وإنما ينافي اختيار الحكم والرضا به، فلو قال الهازل: بعتُ لفلان كذا، فهو لا يريد نقل ملكية سلعته إلى المشتري (وهو الحكم) ولا يختار ذلك ولا يرضاه، ولكنه رضي بمباشرة صيغة العقد وإجرائها على لسانه، واختار ذلك، فصار الهزل بمنزلة خيار الشرط في البيع، لأن الخيار يعدم الرضا والاختيار جميعا في حق الحكم، لأنه في مدة الخيار حر في إمضاء العقد، أو عدم إمضائه، ولا يُعدِمُ الخيارُ الرضا والاختيار في حق مباشرة السبب (١) التوضيح والتلويح ٢/ ٣٩٤، ٣٣٧ ط دار الكتب العلمية . (٢) الاختيار هو: القصد إلى الشيء وارادته، والرضا هو إيثاره، واستحسانه (مشكاة الأنوار ١٠٩/٢، والتلويح ٣٩٤/٢). - وهو الصيغة - إذ صيغة العقد أجراها العاقد برضاه واختياره، ولكن الخيار منع ترتب الحكم على الصيغة فوراً، فكذا في الهزل يوجد الرضا والاختيار في حق السبب، ولا يوجد في حق الحكم(١). ويقول عبدالعزيز البخاري: إن الدليل على أن الهزل لا ينافي الأهلية، ولا الاختيار والرضا بمباشرة السبب أن الهزل لا يؤثر في النكاح بالسنة، وهي: قوله وَلو: ((ثلاث جِدهن جِد، وهزلهن جِد: النكاح، والطلاق والرجعة))(٢). فعلم بعدم تأثيره في النكاح أنه لا ينافي الإيجاب - أي السبب - إذ لو كان منافيا لنفس الكلام وانعقاده سببا لما صح النكاح، لأنه لا ينعقد بالكلام الفاسد، ألا ترى أنه لا ينعقد بعبارة المجنون لفسادها، فعلم أن كلام الهازل صحيح في انعقاده سبباً. وإذا كان الهزل كذلك لم يكن منافيا للأهلية، ولا لوجوب شيء من الأحكام ولا عذرا في وضع الخطاب بحال، لكنه لما كان أثر الهزل ما قلنا: إنه ينافي اختيار الحكم والرضا به، فيجب تخريج الأحكام مع الهزل (١) كشف الأسرار ١٤٧٨/٤، والتوضيح والتلويح ٣٩٤/٢، وتيسير التحرير ٢٩٠/٢، ومشكاة الأنوار ١٠٩/٢ . (٢) سبق تخريجه فقرة (١). -- ٢٧٢ - : ..... هزل ٨ - ١١ على انقسامها في حكم الرضا والاختيار، فكل حكم يتعلق بالسبب ولا يتوقف ثبوته على الرضا والاختيار يثبت مع الهزل، وكل حكم يتعلق بالرضا والاختيار لا يثبت مع الهزل(١) . شرط تحقق الهزل واعتباره في التصرفات: ٨- نص الحنفية: على أن شرط تحقق الهزل واعتباره في التصرفات أن يكون صريحا باللسان، مثل ان يقول: إني أبيع هازلا، ولا يكتفى بدلالة الحال، إلا أنه لا يشترط ذكره في العقد، فيكفي أن تكون المواضعة سابقة على العقد. فإن تواضعا على الهزل بأصل البيع، أي توافقا على أنهما يتكلمان بلفظ البيع عند الناس، ولا يريدانه، واتفقا على البناء، أي على أنهما لم يرفعا الهزل، ولم يرجعا عنه فالبيع منعقد لصدوره من أهله في محله، لكن يفسد البيع لعدم الرضا بحكمه، فصار كالبيع بشرط الخيار أبدا، لكنه لا يملك بالقبض، لعدم الرضا بالحكم (٢). (١) كشف الأسرار ٤ /١٤٧٨. (٢) مشكاة الأنوار في أصول المنار ١٠٩/٢، وحاشية ابن عابدين ٧/٤، وكشف الأسرار ٤/ ١٤٧٧، والتوضيح والتلويح ٣٩٤/٢ . الأحكام المتعلقة بالهزل ٩- الهزل قد يقع في أي تصرف من التصرفات، قال الحنفية: والتصرفات تنقسم بحسب الرضا والاختيار إلى إنشاءات، وإخبارات، واعتقادات، لأن التصرف إن كان إحداث حكم شرعي فإنشاء، وإن لم يكن كذلك فإن كان القصد منه بيان الواقع فإخبارات، وإلا فاعتقادات، ونورد فيما يلي الأحكام المتعلقة بكل قسم(١). القسم الأول: الهزل في الإنشاءات ١٠ - الهزل في الإنشاءات يأتي على نوعين: لأنه إما أن يكون في العقود والتصرفات التي تحتمل النقض - أي التي يجرى فيها الفسخ والإقالة، كالبيع والإجارة - أو أن يكون فيما لا يحتمل النقض، كالنكاح والطلاق والرجعة، ونورد فيما يلي أثر الهزل في كل منهما: النوع الأول: الهزل في العقود والتصرفات التي تحتمل النقض: : ١١ - إن الهزل في العقود التي تحتمل (١) تيسير التحرير ٢٩٠/٢، وشرح التلويح على التوضيح ١٨٧/٢ - ٢٧٣ - : هزل ١٢ - ١٣ النقض یختلف حکمه باختلاف ما یهزل به کل من المتعاقدين، لأنهما إما أن يهزلا في أصل العقد - کالبيع مثلا - أو في قدر البدل، أو في جنس البدل، ونبین فیما یلي حكم كل منها وما يتفرع عنها من صور(١). الصورة الأولى: اتفاق المتعاقدين على البناء على المواضعة في أصل العقد: ١٢ - إذا اتفق المتعاقدان على أن يبنيا العقد على المواضعة، أي على عدم رفع الهزل، وعدم الرجوع عنه، فقد اختلف فقهاء الحنفية في حكم هذا العقد، فذهب بعضهم إلى أنه فاسد، ولكنه منعقد، لصدوره من أهله في محله، لكنه يفسد البیع لعدم الرضا بحكمه، فصار اتفاقهما على الهزل كالبيع بشرط الخيار أبداً، لكنه لا يملك بالقبض - كما هو الشأن في البيع الفاسد - لعدم الرضا بالحكم، حتى لو كان المبيع عبداً فأعتقه المشتري بعد قبضه لا ينفذ عتقه، وقال بعضهم: إنه باطل. قال صاحب شرح المنار: ينبغي أن يكون البيع باطلا لعدم وجود حكمه، وهو أنه لا (١) حاشية ابن عابدين ٧/٤، ٨، ١٢٤، وشرح المنار ص٩٨١ . يملك بالقبض، وأما الفاسد فحكمه أنه يملك بالقبض، فقد صرح في الخانية والقنية بأنه بيع باطل. قال ابن عابدين: وأجاب بعض العلماء بحمل ما في الخانية على أن المراد بالبطلان الفساد، كما في حاشية الحموي. ثم قال ابن عابدين: قلت وهذا أولى لموافقته ما في كتب الأصول من أنه فاسد. : هذا وقد بين الرهاوي في حاشيته: ان عقد الهازل لا يصح أن يكون عقداً موقوفاً، لأن علماء المذهب قد رتبوا الأحكام على الفاسد دون الموقوف(١). الصورة الثانية: أن يتفق المتعاقدان على الإعراض عن المواضعة المتقدمة، وعلى عقد البيع على سبيل الجِد: ١٣- نص الحنفية على أن البيع في هذه الصورة يكون صحيحاً لازماً، ويبطل الهزل بإعراضهما عن المواضعة، لأن تلك المواضعة لیست بلازمة، فترتفع بما قصده المتعاقدان من عقد البيع على سبيل الجِد، وذلك لأن حقيقة ٠ (١) حاشية ابن عابدين ٨،٧/٤، ١٢٤، وشرح المنار وحواشيه ص ٩٨١، وفتح الغفار ١١٠/٢، وفواتح الرحموت ١/ ١٦٢ . - ٢٧٤ - هزل ١٤ - ١٥ العقد (وهو البيع) لما احتملت الفسخ، فإن العقد بعد العقد ناسخ للعقد الأول، فالعقد بعد المواضعة التي هي دونها أولى أن يكون ناسخاً لها (١) الصورة الثالثة: أن يتفق المتعاقدان على أنهما لم يحضرهما شيء عند البيع المقترن بالهزل من البناء على المواضعة المتقدمة، ومن الإعراض عنها - أي لم يقع في خاطرهما وقت العقد أنهما بنيا العقد على المواضعة أو أعرضا عنها -. ١٤ - فيرى أبو حنيفة رحمه الله أن العقد صحيح، لأن الصحة هي الأصل في العقود، فيحمل عليها العقد، ما لم يوجد مغير، ولم يوجد مغير إذا اتفقا على أنهما لم يحضرهما شيء، فجعل أبو حنيفة صحة الإيجاب أولى إذا سكت المتعاقدان واتفقا على أنهما لم يحضرهما شيء، فالاعتبار عند أبي حنيفة للعقد لا للهزل(٢). ويرى أبو يوسف ومحمد: أن العقد في (١) فتح الغفار بشرح المنار ١١٠/٣، وكشف الأسرار للبخاري على أصول البزدوي ١٤٧٩/٤ . (٢) فواتح الرحموت ١٦٢/١، وفتح الغفار بشرح المنار ١١٠/٢ . هذه الصورة فاسد، والقول قول المواضعة، لأنها أصل عندهما هنا، فقد اعتبر الصاحبان المواضعة لأن العادة في مثله تحقيق المواضعة ما أمكن، والمواضعة أسبق، فيفسد العقد كي لا تلغو المواضعة السابقة، فيكون الاشتغال بها عبثا، إلا أن يوجد نص على ما ينقضها، وهو اتفاقهما على الإعراض عنها (١). الصورة الرابعة: وهي صورة ما إذا اختلف المتعاقدان في البناء على المواضعة والإعراض عنها، فقال أحدهما: بنينا العقد على المواضعة المتقدمة، وقال الآخر: عقدناه على سبيل الجد. ١٥ - فيرى أبو حنيفة أن العقد صحیح، لأن الصحة هي الأصل عنده في العقود كلها فيحمل عليها ما لم يوجد مغير ولم يوجد، إذ الأصل في العقد الشرعي هو الصحة واللزوم حتى يقوم المعارض، لأنه إنما شرع للملك، والجِد هو الظاهر فيه. فإذا اختلفا فمدعي الإعراض عن المواضعة متمسك بالأصل، فيكون القول قوله، ومدعي البناء على المواضعة متمسك بغير الأصل فلا (١) المرجعان السابقان. - ٢٧٥ - هزل ١٦ اعتبار لقوله، وأيضا فإن العمل بالأصل، وهو صحة العقد، أولى من اعتبار المواضعة، لأنها عارض لم تنوّر دعوى مدعیها بالبيان، فلا يكون القول قوله، كما في خيار الشرط(١). وعند الصاحبين أبى يوسف ومحمد: أن العقد في هذه الصورة فاسد، والقول قول من يدعي المواضعة، لأنهما قد اعتبرا أن الأصل هو المواضعة المتقدمة، إلا أن يوجد ما يناقضها، لأن البناء عليها هو الظاهر، لئلا يكون اشتغال المتعاقدين بالمواضعة عبثا، أما كون الأصل في العقد الصحة واللزوم فإنه يُعارضُ بأن المواضعة سابقة على العقد، والسبق من أسباب الترجيح، إلا أنه يرد عليه أن العقد على سبيل الجد متأخر عن المواضعة، والمتأخر يصلح ناسخا للمتقدم إذا لم يعارضه ما يغيره، كما إذا اتفقا على البناء على المواضعة، فإنه يكون البيع صحيحا لازما، والهزل باطل. (٢) (١) تيسير التحرير ٢٩١/٢، وفتح الغفار ١١٠/٢، والمبسوط للسرخسي ١٢٣/٢٤ . (٢) المبسوط للسرخسي ١٢٣/٢٤، وشرح المنار وحواشيه ص ٩٨٢، والتلويح على التوضيح ٢/ ١٨٨ . الصورتان الخامسة والسادسة : ١٦ - أما الصورة الخامسة فتكون فيما إذا أعرض أحدهما عن المواضعة، وقال الآخر: لم يحضرني شيء. وأما الصورة السادسة فتكون فيما إذا بنى أحدهما على المواضعة، وقال الآخر: لم يحضرني شيء. وقد بین الحنفیة حکم هاتين الصورتين، فقالوا: على أصل أبي حنيفة يجب أن يكون عدم الحضور كالإعراض، عملا بالعقد، فيصح العقد في الصورتين، لأن الصحة هي الأصل في العقود عنده ما لم يوجد مغير. وعلى أصل الصاحبين أبي يوسف ومحمد يجب أن يكون عدم الحضور كالبناء على المواضعة ترجيحا للمواضعة بالعادة والسبق، فلا يصح العقد في شيء من الصورتين، وهذا الحكم مأخوذ من صورة اتفاق المتعاقدين على أن لم يحضرهما شيء، فإنه عند أبي حنيفة بمنزلة الإعراض، وعندهما بمنزلة البناء(١) (وهي الصورة الثالثة المذكورة آنفا) (١) التلويح ١٨٨/٢، وفتح الغفار بشرح المنار ٢/ ١١٠ . - ٢٧٦ - هزل ١٧ - ٢٠ الصورة السابعة: ١٧- صرح بها التفتازاني في شرح التلويح فقال: إذا اتفق المتعاقدان على الاختلاف في الإعراض عن المواضعة، وفي البناء عليها، بأن يقر كلاهما بإعراض أحدهما، وبناء الآخر، فلا قائل بالصحة واللزوم، وهذا ظاهر(١). ١٨ - وذهب الشافعية في الأصح وهو وجه عند الحنابلة إلى أن بيع الهازل صحيح، لأنه أتی باللفظ مع قصد واختيار، وعدم رضاه بوقوعه لظنه أنه لا يقع لا أثر له(٢). ١٩- وذهب الحنابلة في المشهور وهو مقابل الأصح عند الشافعية إلى أن بيع الهازل باطل، قال الحنابلة: لأنه لم يرد حقيقة البيع، ويقبل من البائع قوله: إن بيعه كان هزلا بقرينة دالة علیه مع یمینه لاحتمال کذبه، فإن لم توجد قرينة لم تقبل دعواه إلا ببينة(٣). ٢٠- أما المالكية فالأصل في انعقاد البيع عندهم هو الصيغة الدالة على الرضا. (١) التلويح على التوضيح ١٨٨/٢. (٢) المجموع ١٧٣/٩، ومغني المحتاج ٢/ ٧، ١٦، ٤٠، والإنصاف ٢٦٦/٤، وكشاف القناع ١٥٠/٣، وإعلام الموقعين ١٣٧/٢. (٣) المراجع السابقة . فإن كانت الصيغة بلفظ الماضي كأن يقول البائع: بعتك ويرضى الآخر، أو يقول المشتري: ابتعت أو اشتريت ويرضى الآخر فإن البيع ينعقد ولو قال البادىء: لا أرضى وإنما كنت مازحا وهازلا . وإن كانت الصيغة بلفظ المضارع كأن يقول البائع: أبيعکها بكذا ویرضی المشتري، أو قال المشتري: أنا اشتريها بكذا ويرضى البائع، فإن البيع ينعقد، وإذا قال البائع أو المشتري: لم أرد البيع أو الشراء وإنما كنت هازلا فإنه يحلف ولا يلزمه البيع. وإن كانت الصيغة بلفظ الأمر كأن يقول المشتري: بعني، فيقول له البائع: بعت، أو يقول البائع: اشتر مني، ويقول المشتري: اشتريت، فإن البيع ينعقد ولو قال المشتري كنت هازلا ولا يمين عليه، وهو ما ذهب إليه مالك وابن القاسم في غير المدونة. والأرجح ما ذهب إليه ابن القاسم في المدونة، وهو أن عليه اليمين فإذا حلف لا يلزمه البيع(١). (١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤،٣/٣، والشرح الصغير ١٤/٣، ١٥، ١٦ . - ٢٧٧ - : t هزل ٢٠ - ٢٣ الهزل في الثمن في العقود التي تحتمل النقض : ٢١- إذا اتفق المتعاقدان على الجد في العقد، لكنهما هزلا في الثمن، فإن الهزل في الثمن إما أن يكون في قدر الثمن، أو في جنسه، وقد اختلف الفقهاء في حكم هذا البيع. والتفصيل في مصطلح (بيع التلجئة ف ١٠ وما بعدها). النوع الثاني: الهزل في التصرفات التي لا تحتمل النقض ٢٢ - التصرفات التي لا تحتمل النقض - هي التي لا يجري فيها الفسخ والإقالة بعد ثبوتها - ويختلف حكم الهزل فيها باختلاف حالاتها، من حیث اقتران المال بها، أو عدم اقترانه، لأنها إما ألا يكون فيها مال أصلًا، أو يكون فيها مال تبعا، أو يكون المال فيها مقصودا(١)، وهي كما يلي: الحالة الأولى: الهزل في التصرفات التي لا تحتمل النقض ولا يكون فيها مال أصلا: ويشمل هذا النوع: الطلاق، والظهار، والعتق، والعفو عن القصاص - عند من يرى (١) كشف الأسرار ٤/ ١٤٨٢. أن موجبَ القتلِ العمد العدوانِ القصاصُ عيناً - واليمين والنذر(١). وقد اختلف الفقهاء في حكم الهزل في هذا . النوع من التصرفات على قولين: ٢٣- القول الأول: ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية، والمالكية على المشهور، والشافعية، والحنابلة) إلى أن الجد والهزل في هذا النوع من التصرفات سواء، ومن ثم فطلاق الهازل واقع قضاء وديانة، ظاهراً وباطناً ومثله باقي التصرفات المذكورة(٢). وقد استدلوا بما روي عن فضالة بن عبيد رَفيه أنه قال: قال رسول اللّه وَلّى: ((ثلاث لا يجوز اللعب فيهن: النكاح والطلاق، والعتق))(٣). (١) بدائع الصنائع ٧/ ٢٤١، وحاشية الدسوقي ٤/ ٢١٢، ومغني المحتاج ٤٨/٤ والإنصاف ٣/١٠ . (٢) المبسوط ١٠٦/٢٤، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٤٢٣، والاختيار ١٢٤/٣، وفتح القدير ٣/ ٣٤٥،٢٣١، وفواتح الرحموت ١٦٣/١، وشرح المنار وحواشيه ص٩٨٤، ومشكاة الأنوار ٢/ ١١١، وحاشية الجمل ٣٣٩،٣٣٨/٤ والقليوبي وعميرة ٢/ ٢٣١، ونهاية المحتاج ٦/ ٤٣٣، ونيل المآرب ٢٣٤/٢، ومنار السبيل ٢٣٧/٢، والمغني ٤٦٣/٩، وإعلام الموقعين ١٢٣/٣، والإنصاف ٣٩٦/٧ . (٣) حديث: فضالة بن عبيد: ((ثلاث لا يجوز = - ٢٧٨ - هزل ٢٣ وعن الحسن تَّه أنه قال: قال رسول الله وسلم: ((من طلق أو حرر أو أنكح أو نكح فقال: إني كنت لاعباً فهو جائز))(١) کما استدلوا بالإجماع، قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه من أهل العلم أن هزل الطلاق وجده سواء(٢) ونص جمهور الفقهاء على أن جميع التصرفات التي لا تحتمل النقض ولا مال فيها تأخذ حكم ما نص عليه حديث: ((ثلاث جِدهن جِد، وهزلهن جد: النكاح والطلاق والرجعة))(٣) فقد نص الحنفية على أن النكاح والطلاق، والرجعة، والظهار، واليمين، والعتق حكمها واحد، وهو أن الهزل والجِد فيها سواء، للحديث «ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد .. ))، فقد روي بروايات بعضها: ((النكاح والطلاق واليمين)) وفي رواية: ((والعتق)) بدل = اللعب فيهن ... )) أخرجه الطبراني في الكبير (٣٠٤/١٨ - ط وزارة الأوقاف العراقية). وأشار ابن حجر في التلخيص (٤٤٨/٣ - ط العلمية) إلى إعلاله بأحد رواته. (١) حديث: ((من طلق أو حرر ... )). أخرجه ابن أبي شيبة (١٠٦/٥ - ط السلفية) من حديث الحسن البصري مرسلاً. (٢) المغني ٣٠٣/٧ (٣) تقدم تخريجه فقرة (١). ((اليمين)) وفي رواية ((والرجعة)) بعد النكاح والطلاق))(١) فأخذ بها فكان حكمها واحداً، وأما غير هذه التي وردت في الحديث وهي: العفو عن القصاص والنذر فإنها مقيسة عليها بجامع أنها إنشاءات لا تحتمل الفسخ، فقد ألحق العفو عن القصاص بـ ((العتق))، والنذر بـ «الیمین)). وجعل المالكية الرجعة ملحقة بالطلاق والنكاح والعتق، قال في التوضيح في كتاب الطلاق في شرح قول ابن الحاجب: وفي الهزل في الطلاق والنكاح والعتق ... ويلحق بالثلاث الرجعة، والمشهور اللزوم، لحديث أبي هريرة ◌َي: ((قال رسول اللّهِ وَل و ثلاث جِدهن جِد: النكاح والطلاق والرجعة)). ولكن نص في الشرح الصغير على أن الرجعة تكون بقول صریح کرجعت ... ، وتكون به مع النية رجعة ظاهراً وباطناً، أما مع الهزل فإنها تكون رجعة في الظاهر فقط لعدم (١) وقد جاء في البدائع (١٨٧،١٨٦/٣): ((فتصح : الرجعة مع الإكراه، والهزل، واللعب، والخطأ، لأن الرجعة استبقاء النكاح، وأنه دون الإنشاء، ولم تشترط هذه الأشياء للإنشاء فلأن لا تشترط للاستبقاء أولى، وقد روي في بعض الروايات: (ثلاث جدهن جد، وهزلهن جد: النكاح والرجعة والطلاق)). - ٢٧٩ - : هزل ٢٤ - ٢٥ النية، لأن الرجعة هزلها جِد، فيلزمه الحاكم بالنفقة وسائر الحقوق، ولكن لا يحل له الاستمتاع بها، فيما بينه وبين الله تعالى، ولا يحل له أيضا أخذ شيء من ميراثها. والفرق بين النكاح والرجعة - حيث قالوا: إن النكاح يصح بالهزل ظاهراً وباطناً، والرجعة تصح ظاهراً لا باطناً - أن النكاح له صيغة من الطرفين، فكان الهزل فيه كالعدم، ولما ضعف أمر الرجعة - لكون صيغتها من جانب الزوج فقط أثر هزله فيها في الباطن. (١). وعمم الشافعية حكم حديث: ((ثلاث جِدهن جِد وهزلهن جد: الطلاق والنكاح والرجعة)) على كل التصرفات التي سبق ذكرها، وقالوا: وخصت الثلاثة لتأكد أمر الأبضاع، وإلا فكل التصرفات كذلك، وفي رواية: ((والعتق)) وخص لتشوف الشارع إليه(٢)، وقد صرح بعضهم بأن ثبوت الحكم في غير ما نص عليه الحديث هو من قبيل القياس(٣). ٢٤- القول الثاني: ذهب المالكية (في (١) الشرح الصغير ٦٠٥/٢، ٦٠٧،٦٠٦. (٢) تحفة المحتاج مع حواشي الشرواني وابن قاسم العبادي ٢٩/٨. (٣) حاشية الجمل ٣٣٨/٤ - ٣٣٩. مقابل المشهور) إلى أنه إن قام دليل الهزل لم يلزمه الطلاق قاله اللخمي، وفي رأي لابن القاسم أنهما إذا كانا لاعبين فلا شيء عليهما(١). الحالة الثانية: الهزل في عقود لا تحتمل النقض، ويكون المال فيها تبعا : ٢٥- من أمثلة العقود التي لا تحتمل النقض ويكون المال فيها تبعاً: عقد النكاح. أما كون المال فيها تبعا فلأن المال فيها غير مقصود بالذات، بل المقصود الأصلي في النكاح هو حل استمتاع كل من الزوجين بالآخر، والتوالد أيضا والمال شرع فيه لإظهار خطر المحل، والإشعار بصدق رغبة باذله، وهو الزوج في النكاح. وأما كونها لا تحتمل النقض بعد ثبوتها، فلأنه لا يجري فيها الفسخ والإقالة بعد ثبوتها، ولا التراخي بخيار الشرط، ولا بالتعليق بسائر الشروط(٢). (١) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٤٤/٤، وعقد الجواهر الثمينة ١٧٤/٢، ١٧٥ . (٢) كشف الأسرار ١٤٨٢/٤، وحاشية الجمل ٤/ ٢٣٥ . - ٢٨٠ - :