Indexed OCR Text
Pages 201-220
هدر ١٠ - ١١ . ويرى أبو حنيفة أن المعتبر حالة الرمي فتجب الدية على الرامي بردة المرمي إليه قبل وصول السهم إليه ثم وقوع السهم به، لأن الضمان يجب بفعله - وهو الرمي - إذ هو الذي يدخل تحت قدرته دون الإصابة ، ولا فعل له أصلا بعده، فيصير قاتلا بالرمي، والمرمي إليه متقوم في تلك الحالة، وكان القياس أن يجب القصاص لما ذكرنا أي - أنه متقوم - ولكن فيه شبهة لسقوط العصمة في حالة التلف فتجب الدية. ويرى أشهب من المالكية أن فيه القود (١). ١٠ - وأما لو رمى مسلم مرتداً فأسلم ثم أصابه السهم، أو رمى حربياً فأسلم أو أمن ثم أصابه السهم فلا قصاص قطعا لعدم المكافأة في أول أجزاء الجناية، ولأنه رمى من هو مأمور برميه فلم يضمن، لأن الاعتبار في التضمين بابتداء حال الجناية، لأنها موجبة، وإلى هذا ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة. (١) تبيين الحقائق ٢٢٤/٦، وتكملة فتح القدير ١٠/ ٢٦٨، والبحر الرائق ٣٧١/٨، وأسنى المطالب شرح روض الطالب ٤/ ٢٠، ومغني المحتاج ٤/ ٢٤، والمغني لابن قدامة ٧/ ٦٩٤ - ٦٩٥، وكشاف القناع ٥٢١/٥ - ٥٢٢، والتاج والإكليل بهامش الحطاب ٦/ ٢٣١، ٢٤٤ - ٢٤٥. ١١- والمذهب عند الشافعية وبعض المالكية أن على القاتل دية مسلم في حالة إسلام المرتد أو الحربي اعتباراً بحال الإصابة، لأنها حالة اتصال الجناية. والرمي كالمقدمة التي يتسبب بها إلى الجناية كما لو حفر بئرا عدواناً وهناك حربي أو مرتد فأسلم الحربي أو المرتد، ثم وقع في البئر فإنه یضمنه، وإن كان عند السبب مهدرا. إلا أن الشافعية قالوا: الأصح أن وجوب هذه الدية مخففة مضروبة على العاقلة لأنها دية خطأ، كما لو رمی إلی صید فأصاب آدمیا، وقيل: دية شبه عمد، وقيل: عمد. وقال ابن القاسم من المالكية: إن الدية حالة في مال الجاني. وذهب الحنفية والحنابلة وسحنون وأشهب من المالكية إلى أنه لا شيء على القاتل، أي لا قود ولا دیة، لأن الرمي لم ينعقد موجبا للضمان بصيرورته متقوماً بعد ذلك، لأن المرتد والحربي لا عصمة لدمهما(١). (١) تكملة فتح القدير ٢٦٨/١٠، تبيين الحقائق ١٢٤/٦، والبحر الرائق ٣٧١/٨، والتاج والإكليل بهامش الحطاب ٢٤٤/٦ ومغني المحتاج ٤/ ٢٣-٢٤، وأسنى المطالب شرح روض الطالب ١٩/٤، والمغني لابن قدامة ٧/ ٦٩٤، وكشاف القناع ٥٢٢/٥. - ٢٠١ - هدر ١٣ - ١٥ ١٢- واختلف الفقهاء فيمن يستوفي ما وجب على الجاني في هذه المسائل. فذهب الشافعية إلى أنه يستوفيه قريبه المسلم وهو وارثه لولا الردة، لأن القصاص للتشفي وهو للقريب، وذلك إذا كان الواجب قصاصا، ويجوز لقريبه أن يعفو عن الجاني على مال يأخذه الإمام، لأن مال المرتد فيء ليس للوارث منه شيء. وذهب الحنابلة وهو قول عند الشافعية إلى أن الإمام هو الذي يستوفي، لأن المرتد كما قال الشافعية لا وارث له، فيستوفيه الإمام كما يستوفى قصاص من لا وراث له، ولأن مال المرتد فيء ليس للوارث منه شيء فيستوفيه الإمام(١) . منع الماء المحتاج إليه عن مهدر الدم: ١٣- إذا كان المحتاج إلى الماء أو ثمن الماء مهدر الدم - كالكافر الحربي والمرتد والزاني المحصن والمحارب القاطع للطريق والكلب العقور أو الذي لا نفع فيه عند بعض الفقهاء والخنزير - فلا يجب عليه إعطاء الماء (١) أسنى المطالب شرح روض الطالب ١٩/٤ - ٢٠ ومغني المحتاج ٢٣/٤ - ٢٤، وكشاف القناع ٥/ ٥٢٢ . لهؤلاء، بل يجوز له أن يتوضأ بالماء مع حاجتهم إليه لأنه لا حرمة لهم(١). وينظر مصطلح (تيمم ف ٢٤) جواز قتل المضطر لمهدر الدم لإنقاذ نفسه : ١٤ - نص الشافعية والحنابلة على أنه يجوز للمسلم أو الذمى المضطر قتل المرتد أو الكافر الحربي بشرط أن يكون بالغا، أو الزاني المحصن أو المحارب القاطع للطريق قبل توبته وتارك الصلاة عمداً، لأکل لحومهم، إنقاذا لنفسه من الهلاك إذا لم يجد غيرهم وإن لم يأذن له الإمام في ذلك، لأن قتلهم مستحق ودمهم مهدر، وإنما اعتبر إذن الإمام في غير حال الضرورة تأدبا معه، وفي حال الضرورة لیس فيها رعاية أدب(٢) . كما أنه يجوز للمضطر قتل من له عليه قصاص لأكل لحمه لإنقاذ حياته من الهلاك، لأن قتله مستحق له(٣). (١) رد المحتار على الدر المختار ١٥٧/١، ومغني المحتاج ٩٠/١، وكشاف القناع ١٦٤/١، ومواهب الجليل ٣٣٤/١ - ٣٣٥ . (٢) مغني المحتاج ٣٠٧/٤ - ٣٠٨، وكشاف القناع ١٩٩/٦ . (٣) مغني المحتاج ٣٠٧/٤ - ٣٠٨. - ٢٠٢ - هدر ١٥، هدم ١ - ٢ قتل مهدر الدم لنفسه : ١٥ - إذا أهدر دم إنسان بسبب جناية كالزاني المحصن وقاطع الطريق المتحتم قتله فقتل نفسه، فإنه يترتب على هذا القتل ما يترتب على قاتل نفسه المعصومة من الوعيد، لأن الإنسان وإن أهدر دمه لا یباح له هو إراقته، بل لو أراقه لا يكون كفارة له، لأن النبي وَلّ إنما حكم بالكفارة على من عوقب بذنبه(١)، وأما من عاقب نفسه فهو ليس في معنى من عوقب، نص على ذلك ابن حجر (٢) الهيتمي(٢). هَدْم التعريف : ١- الهدم لغة: يطلق على نقض البناء وعلى نقيض البناء وعلى التخريب وعلى السقوط(١)، من هَدَمه يهدمه هدماً وهَدَّمه فانهدم وتهدم وهدموا بيوتهم شدد للكثرة، قال ابن الأعرابي: الهدم قلع المدر يعني البيوت(٢). ولا يخرج معنى الهدم اصطلاحاً عن معناه في اللغة. الألفاظ ذات الصلة : البناء : ٢- البناء لغة: نقيض الهدم من بناه يبنيه بنياً وبناءً، وبنى مقصور، ويجمع على أبنية، وجمع الجمع أبنيات(٣) . (١) حديث: ((ومن أصاب من ذلك شيئًا فعوقب في الدنيا فهو كفارة له ... )). أخرجه البخاري (الفتح ٦٤/١ - ط السلفية) ومسلم (١٣٣٣/٣ - ط الحلبي) من حديث عبادة بن الصامت، واللفظ للبخاري. (٢) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٩٦/٢ - ٩٧. (١) القاموس المحيط، ولسان العرب، والكليات ٨٥/٥ . (٢) المصباح المنير، ولسان العرب، والقاموس المحيط . (٣) القاموس المحيط، ولسان العرب. - ٢٠٣ - هدم ٣ - ٤ والعلاقة بين الهدم والبناء هي التناقض. أنواع الهدم: ٣- الهدم نوعان: النوع الأول: هدم حقيقي وهو ما كان في البناء ونحوه. النوع الثاني: هدم تقديري(معنوي) وهو ماکان في غير البناء کالعقود ويراد به حينئذ الإبطال والنقض، يقال: هدم ما أبرمه أي أبطله ونقضه(١) ولذا كان الهدم في هذا النوع استعارة وليس حقيقة. ومنه هدم الإسلام لما قبله لحديث عمرو بن العاص تي: ((أما علمت أن الإسلام يهدم ما كان قبله))(٢). أولًا: الهدم الحقيقي : ٤- الهدم الحقيقي يجب في صور منها: الصورة الأولى: إذا بنى أهل الكتاب كنيسة ونحوها كبيعة وصومعة ببلد أحدثناه كبغداد والقاهرة وجب هدمها لقوله وَ الو: ((لا (١) المصباح المنير. (٢) شرح صحيح مسلم ٢/ ٤٩٨،٤٩٧ ط دار القلم. وحديث: ((أما علمت أن الإسلام ... )) أخرجه مسلم (١/ ١١٢ ط الحلبي). تبنى كنيسة في دار الإسلام ولا يجدد ما خرب منها))(١). والقول في ذلك مفصل في مصطلح (أهل الذمة ف ٢٤). الصورة الثانية: إذا بنى في حريم النهر کالنیل ولو مسجداً وجب هدمه. انظر تفصيل القول في ذلك في مصطلح (حریم ف١٤). الصورة الثالثة: إذا أخرج جناحاً لبيته أو روشناً أو ساباطاً في الطريق النافذ ونحوها كالميزاب وأضر ذلك المار في الطريق هدمه الحاكم . والقول مفصل في ذلك في مصطلح (طريق ف١٤). الصورة الرابعة: الحائط المائل يجب هدمه ولا شيء على هادمه، سواء أكان الحائط بين شریکین أم لا . والقول في ذلك مفصل في مصطلح (حائط ف١١،٦). (١) حديث: ((لا تبنى كنيسة في دار الإسلام ... )). أخرجه ابن عدي في الكامل (١١٩٩/٣ - ط دار الفكر) من حديث أنس بن مالك، وأعله بالراوي عن أنس بن مالك. - ٢٠٤ - ... هدم ٥ - ٦، هدنة ١ الآثار المترتبة على الهدم الحقيقي: ٥- قد يكون الهدم سبباً لحكم شرعي وذلك في صور نذكر منها ما يلي: الصورة الأولى: إذا هدم إنسان حائط مسجد وجب عليه تسويته وإصلاحه(١). الصورة الثانية: إذا هدم المشتري شيئاً من الدار محل الشراء كان إمضاء للبيع (٢). الصورة الثالثة: إذا هدم بيتاً مصوراً بالأصباغ بصور التماثيل ضمن قيمته وقيمة أصباغه غير مصور لأن التماثيل في البيت منهي عنها(٣). ثانياً : الهدم الحكمي: ٦- من صور الهدم الحكمي في الطلاق، وذلك فیمن طلق امرأته ثلاثاً ثم عادت إليه بعد زوج آخر، فإنها تعود إليه بملك جدید بعد هدم الطلاق السابق على الزواج الأخير فإن كان طلقها واحدة أو اثنتين ففيه خلاف وتفصيل ينظر في مصطلح (طلاق ف ٦٧). (١) الفتاوى الهندية ١٢٩/٥ ط دار الأميرية. (٢) الفتاوى الهندية ٤٩/٣. (٣) الفتاوى الهندية ١٣١/٥. هُذْنة التعريف : ١- الهدنة في اللغة: السكون: مأخوذ من هدن الأمر، أو الشخص یهدن هدونا. سكن بعد الهيج، ويقال: هادنه مهادنة: صالحه(١). وفي الاصطلاح: عرفها الفقهاء بتعاريف متقاربة، فقال الحنفية: هي الصلح على ترك القتال مدة بمال أو بغير مال إذا رأى الإمام مصلحة في ذلك(٢). وعند المالكية: هي عقد المسلم مع الحربى على المسالمة مدة ليس هو فيها تحت حكم الإسلام(٣). وقال الشافعية: إنها مصالحة أهل الحرب على ترك القتال مدة معينة بعوض أو غير عوض، سواء من يقر بدينه ومن لا يقر به (٤). (١) لسان العرب، والمصباح المنير. (٢) الفتاوى الهندية ١٩٦/٢، والاختيار ١٢٠/٤، وتحفة الفقهاء ٤٠٤/٣ . (٣) جواهر الإكليل ٢٦٩/١، ومواهب الجليل ٣/ ٣٦٠. (٤) مغني المحتاج ٢٦٠/٤، ونهاية المحتاج ١٠٠/٨، وتحفة المحتاج ٩/ ٣٠٤. - ٢٠٥ - هدنة ٢ - ٤ وعند الحنابلة هي: عقد إمام أو نائبه على ترك القتال مع غير المسلمين مدة معلومة بقدر الحاجة . (١) وتسمى الهدنة موادعة، ومعاهدة، ومسالمة ومصالحة . الألفاظ ذات الصلة : أ- الأمان: ٢-الأمان في اللغة: عدم توقع مكروه في الزمن الآتي. وفي الاصطلاح: رفع استباحة دم الحربى ورقه وماله حين قتاله أو العزم عليه مع استقراره تحت حكم الإسلام مدة ما (٢). والصلة بين الهدنة والأمان أن في كل منهما تأمين الكافر الحربى على نفسه وماله وعرضه. ب - عقد الذمة : ٣- عقد الذمة هو التزامنا للكفار صيانة أموالهم وأعراضهم إلى غير ذلك بشروط (١) مطالب أولي النهى ٥٨٥/٢، وكشاف القناع ١١١/٣ . (٢) مواهب الجليل ٣٦٠/٣، ومغني المحتاج ٢٣٦/٤، والسير الكبير ٢٨٣/١، وقواعد الفقه للبركتي. نشترطها عليهم(١). والصلة بين الهدنة وعقد الذمة أن كلا منهما يفيد الأمان إلا أن الهدنة أمان مؤقت وعقد الذمة أمان مؤبد. مشروعية الهدنة : ٤- لا خلاف بين الفقهاء في مشروعية الهدنة في الجملة(٢) ودليل مشروعيتها: الكتاب، والسنة النبوية، وإجماع الأمة. فمن الكتاب قوله تعالى: ﴿بَرَآءَّةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرَسُولِ إِلَى الَّذِينَ عَهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُواْ فِى الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَأَعْلَمُوَاْ أَنَّكُ غَيْرُ وَأَزَانٌ مِّنَ ٢ مُعِْى اَللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْرِى الْكَفِينَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ: إِلَى النَّاسِ يَوْمَ الْحَجْ الْأَكْبَرِ أَنَّ اللَّهُ بَرِىٌّ مِنَ الْمُشْرِكِينُّ وَرَسُولٌ، فَإِنِ تُبْتُمْ فَهُوَ خَّرُ لَّكُمَّ وَإِن تَوَيْتُمْ فَأَعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِى اللّهِ إِلَّا الَّذِينَ وَيَشْرِ الَّذِينَ كَفَرُواْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ ﴾ ◌َهَدْتُم مِّنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوَكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَهِرُواْ عَلَيْكُمْ أَحَدًا فَأَنِقُّواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى فَإِذَا أَنْسَلَخَ اٌلْأَشْهُرُ مُدَّتِهِمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُنَّقِينَ (١) تهذيب الفروق بهامش الفروق ٢٣/٣ القاعدة (١١٨)، وانظر جواهر الإكليل ٢٦٦/١. (٢) جواهر الإكليل ٢٦٦/١، وتحفة المحتاج ٣٠٤/٩، ومغني المحتاج ٢٦٠/٤، والمغني ٤٥٩/٨ . - ٢٠٦ - هدنة ٥ اَلُْمُ فَاقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَأَحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُواْ لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنِ تَابُوا وَأَقَامُواْ الصَّلَوةَ وَءَاتَوُا الزَّكَوَةَ فَخَلُّواْ سَبِيلَهُمَّ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴿ وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اَللَّهِ ثُمَّ أَثِفْهُ كَيْفَ ٦ مَأْمَنَهِّ ذَلِكَ بِأَنَهُمْ قَوْمٌ لَّا يَعْلَمُونَ يَكُونُ لِلْمُشْرِكِينَ عَهْدُّ عِندَ اللَّهِ وَعِندَ رَسُولِةْ إِلَّا الَّذِينَ عَهَدتُّمْ عِندَ الْمَسْجِدِ الْخَرَاْرِ فَمَا أُسْتَقَدّمُواْ لَكُمْ فَأَسْتَقِيمُواْ لَمَّ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾(١). وقوله عز وجل: ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلِّمِ فَأَجْنَحْ لَمَا﴾(٢). ومن السنة: مهادنته وَلقر قريشا عام الحديبية (٣) عشر سنين(٣). أما الاجماع: فقد أجمعت الأمة على مشروعية الموادعة مع غير المسلمين في الجملة وهي جائزة لا واجبة، وقد تجب لضرورة كأن يترتب على تركها إلحاق ضرر بالمسلمين لا يتدارك (٤) (١) سورة التوبة/ ١ - ٧ . (٢) سورة الأنفال/ ٦١ . (٣) حديث مهادنته * قريشاً عام الحديبية عشر سنین . أخرجه أحمد في المسند (٣٢٥/٤ - ط الميمنية) من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم. (٤) البحر الرائق ٨٥/٥، والبدائع ١٠٨/٧، شرح الزرقاني ١٤٨/٣، وحاشية الدسوقي ٢٠٠/٢، = شروط عقد الهدنة : يشترط في صحة عقد الهدنة شروط وهي: الشرط الأول: الإمام أو نائبه: ٥- اختلف الفقهاء فیمن له ولایة عقد الهدنة علی رأيين: الرأي الأول: يرى جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) أن يكون العاقد للهدنة هو الإمام أونائبه. فلا يصح أن يعقدها غير الإمام أو نائبه، لما فيه من الخطر، ولأن النبي ولار هادن بني قريظة بنفسه(١) وهادن قريشا بالحديبية بنفسه(٢)، وأمّن صفوان بن أمية عام الفتح بنفسه(٣) . ولأن الإمام لإشرافه على جميع الأمور العامة أعرف بمصالحها من أشتات الناس، = وتحفة المحتاج ٩/ ٣٠٤، ومغني المحتاج ٢٦٠/٤، وروضة الطالبين ٣٣٤/١٠، والمغني ٨/ ٤٦٠، والحاوي ٤٠٦/١٨ . (١) حديث مهادنته وَط﴿ بني قريظة بنفسه أخرجه أبوداود (٤٠٦/٣ - ط حمص). (٢) حديث مهادنته وَّله بالحديبية، تقدم فقرة (٤). (٣) حديث تأمينه وَّ ر صفوان بن أمية عام الفتح. أخرجه مالك في الموطأ (٥٤٤/٢ - ط الحلبي) من حدیث ابن شهاب مرسلاً. - ٢٠٧ - هدنة ٥ ... .. ولأن تجويزه لغيره يتضمن تعطيل الجهاد، وفيه افتيات على الإمام(١). ولأن عقد الهدنة من تصرفات النبي وَلّ بصفة الإمامة دون غيرها من تصرفاته وَل4* كالتبليغ، والفتوى والقضاء، وكل ما تصرف عليه الصلاة والسلام بصفة الإمامة لا يجوز لأحد أن يقدم عليه إلا بإذن الإمام إقتداء به وَالر، ولأن سبب تصرفه فيه بوصف الإمامة يقتضي ذلك(٢) . ولأنه لما كان أمر الإمام بالولاية أنفذ وهو على التدبير والحراسة أقدر، فإن استناب في عقدها من أمره صح لأنها صدرت عن رأيه فلم يلزمه أن يباشرها بنفسه لأنه عام النظر فلم يفرغ لمباشرة كل عمل، فإن استناب فيها من فوض عقدها إلى رأيه جاز إذا كان من أهل الاجتهاد والرأي، وكان عقدها منسوبا إلى المستناب المباشر، ومن قبله منسوبا إلى المستنيب الآمر، وهما في اللزوم سواء، ولخبر: ((إنما الإمام جنة يُقاتل من ورائه ويُتقي به))(٣)، قال الخطابي: ومعناه أن الإمام هو (١) الحاوي الكبير ٤٢٧/١٨، وتحفة المحتاج ٣٠٥/٩، والمغني ٤٦١/٨ - ٤٦٢، وجواهر الإكليل ٢٦٩/١ . (٢) الفروق للقرافي ٢٠٦/١ . (٣) حديث: ((إنما الإمام جنة ... )) == الذي يعقد العهد والهدنة بين المسلمين وبين أهل الشرك، فإن رأى ذلك صلاحاً وهادنهم فقد وجب على المسلمين أن يجيزوا أمانه(١) . وقال الشافعية: أما ولاة الثغور فإن كان تقليدهم يتضمن الجهاد فقط لم يكن لواحد منهم أن يعقد هدنة إلا قدر الاستراحة في السنة: وهي أربعة أشهر ولا يجوز أن تكون سنة، لأن عليه أن يجاهد في كل سنة. وفيما بين أربعة أشهر وسنة قولان لأن له أن يقعد عن الجهاد فيها من غير هدنة فكان مع الهدنة أولى بالجواز. وإن تضمن تقليد والي الثغور العمل برأيه في الجهاد والموادعة جاز أن يعقد الهدنة عند الحاجة إليها لدخولها في ولايته، والأولى أن يستأذن الإمام، فإن لم يستأذن انعقدت(٢). هذا في مهادنة الكفار مطلقا أو أهل إقليم كبير، ويجوز لوالي الأقليم المهادنة مع أهل بلدة أو قرية في إقليمه للمصلحة، وكأنه مأذون = أخرجه البخاري (الفتح ١١٦/٩ - ط السلفية)، ومسلم (١٤٧١/٣ - ط الحلبي)، من حديث أبي هريرة. (١) الحاوي الكبير ٤٢٧/١٨، والخطابي شرح سنن أبي داود ٣١٦/٢ . (٢) الحاوي الكبير ٤٢٧/١٨، وتحفة المحتاج ٩/ ٣٠٤، ومغني المحتاج ٢٦٠/٤ - ٢٦١. - ٢٠٨ - هدنة ٥ ........ فيه بتفويض مصلحة الإقليم إليه(١). الرأي الثاني: للحنفية، وهو أنه لا يشترط إذن الإمام للموادعة، فيجوز عقد الموادعة لفريق من المسلمين كما يجوز للإمام ونائبه ولو بغير إذن الإمام، لأن المعول عليه وجود المصلحة في عقدها، فحیث وجدت جازت، ولأن موادعة المسلمين أهل الحرب جائزة بالاتفاق كإعطاء الأمان مثلا وهو نوع من الموادعة(٢) . وفرعوا على ما ذهبوا إليه بعض الأحكام: وقالوا: لو أن مسلما وادع أهل حرب سنة على ألف دينار جازت موادعته ولا يحل للمسلمين أن يغزوهم، وإن قتلوا واحدا منهم غرموا ديته لأن موادعة الواحد من المسلمين بمنزلة موادعتهم جميعاً، وإن لم يعلم الإمام حتى مضت سنة أمضى موادعته وأخذ المال فجعله فى بيت المال لأن منفعة المسلمين متعينة في إمضاء الموادعة بعد مضي المدة، ولأنه أخذ المال بقوة المسلمين، فإن خوفَ أهل الحرب من جماعة المسلمين لا واحدٍ (١) تحفة المحتاج ٩/ ٣٠٤، ومغني المحتاج ٤/ ٢٦٠، والحاوي الكبير ٤٢٧/١٨، وروضة الطالبين ٣٣٤/١٠ . (٢) بدائع الصنائع ١٠٨/٧، والبحر الرائق ٨٥/٥ . منهم، لهذا يأخذ الإمام المال من العاقد فيجعله في بيت المال. وإن علم الإمام موادعته قبل مضي السنة فإنه ينظر في ذلك، فإن كانت المصلحة في إمضاء تلك الموادعة أمضاها وأخذ المال فجعله في بيت المال، لأن له أن ينشيء الموادعة بهذه الصفة إذا كانت المصلحة فيها، فلأن يمضيها وهي - قائمة - أولى. فإن رأى المصلحة في إبطالها رد المال إليهم ثم نبذ إليهم العهد وقاتلهم، لأن أمان المسلم كان صحيحا والتحرز عن الغدر واجب. فإن كان قد مضى نصف السنة ففي القياس: يرد نصف المال ويمسك النصف الآخر للمسلمين اعتباراً للبعض بالكل، وقياساً بالموادعة في مدة معلومة بعوض معلوم، وقياساً على الإجارة. فهناك إذا انفسخ العقد في بعض المدة سقط من الأجرة ما بقى ويتقرر بحساب ما مضى. وفي الاستحسان يرد المال كله لأنهم لم يلتزموا المال إلا بشرط أن تسلم الموادعة لهم في جميع السنة، والجزاء إنما يثبت باعتبار الشرط جملة ولا يتوزع على أجزائه، وكلمة ((على)) للشرط حقيقة، والموادعة في الأصل ليست من عقود المعاوضات، قالوا: فجعلنا هذه الكلمة فيها عاملة بحقيقتها. فإذا لم تسلم - ٢٠٩ - هدنة ٦ - ٧ لهم الموادعة سنة كاملة وجب رد المال کله إليهم، وهذا لأنهم ربما يكون خوفهم في بعض المدة دون بعض، قد يأمنون مثلًا الشتاء أن يأتيهم العدو دون الصيف ويخافون ذلك في الصيف، فإذا نبذ العهد إليهم في وقت خوفهم ومنع منهم بعض المال لم يحصل لهم شيء من مقصودهم بهذا الشرط، وذلك يؤدي إلی الغرور فیرد المال کله إن نبذ إليهم العهد قبل مضي المدة. وإن كانوا وادعوه ثلاث سنين: كل سنة بألف دينار وقبض المال كله، ثم أراد الإمام نقض الموادعة بعد مضي سنة فإنه يردّ عليهم الثلثين لأن الموادعة كانت هنا بحرف ((الباء)» وهو يصحب الأعواض فيكون المال عوضا فينقسم على المعوض باعتبار الأجزاء (١). الشرط الثاني: المصلحة: ٦- يشترط لصحة عقد الهدنة أن يكون فيه مصلحة للمسلمين، ولا يكفي انتفاء المفسدة لما فيه من موادعتهم بلا مصلحة ولا حاجة، لقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَنَدْعُوْاْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ اُلْأَعْلَوْنَ وَاللَّهُ مَعَكُمْ وَلَن يَتِرَكُمْ أَعْمَلَكُمْ﴾(٢) . (١) السير الكبير لمحمد بن الحسن ٥٨٢/٢، وما بعدها . (٢) سورة محمد/ ٣٥ . والمصلحة المبيحة عقد الموادعة هي كل ما يحقق للمسلمين غرضا مقصودا شرعاً، بأن یکون بالمسلمين ضعف من قلة عدد أو عدة أو مال، والعدو قوي، أو بالمسلمين قوة وفي الموادعة مصلحة من نوع آخر: بأن يرجى إسلامهم بالموادعة باختلاطهم بالمسلمين، أو يُطمع في قبولهم بذل الجزية، أو يكفوا عن معونة عدوٍ ذي شوكة، أو يعينوا المسلمين على قتال غيرهم من المشركين إلى غير ذلك من المنافع، فإن لم تدع إلى عقدها حاجة فلا يجوز عقدها بالاتفاق(١). الشرط الثالث: تعيين مدة الهدنة: ٧-اختلف الفقهاء في اشتراط تحديد مدة معينة لصحة الهدنة : فذهب جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية والحنابلة - إلى أنها لا تنعقد مطلقة لأن إطلاقها بلا تحديد مدتها يؤدي إلى ترك الجهاد(٢) . (١) بدائع الصنائع ١٠٨/٧، وفتح القدير ٤٠٤/٥، والبحر الرائق ٥/ ٨٥، وتحفة المحتاج ٩/ ٣٠٥، ومغني المحتاج ٢٦٠/٤ - ٢٦١، والدسوقي ٢/ ٢٠٦، والمغني ٤٥٩/٨، وكشاف القناع ٣/ ٥١٢. (٢) حاشية الدسوقي ٢٠٦/٢، مغني المحتاج ٢٦٠/٤، والمغني ٤١٠/٨. - ٢١٠ - هدنة ٧ : واختلفوا في المدة المذكورة: فقال المالكية لا حد واجب لمدة الهدنة بل هي علی حسب اجتهاد الإمام ورأيه إذ شرطها أن تكون في مدة بعينها لا على التأبيد ولا على الابهام، ثم تلك المدة لا حد لها بل يعينها الإمام باجتهاده. لكن يُندب أن لا تزيد المدة عن أربعة أشهر لاحتمال حصول قوة أو نحوها للمسلمین، وهذا إذا استوت المصلحة في تلك المدة وغيرها وإلا تعين ما فيه المصلحة(١). وذهب الشافعية إلى أنها توقيفية، فهي أربعة أشهر إن كان المسلمون بقوة وكانت المصلحة في عقدها رجاء إسلامهم أو بذلهم الجزية أو غير ذلك من المصالح غير ضعف المسلمين. وهي عَشْرُ سنين وما دونها إن كان بالمسلمين ضعف، لأن النبي (وَل# هادن صفوان بن أمية أربعة أشهر عام الفتح رجاء إسلامه وكان المسلمون في قوة، وهادن قريشاً عام الحديبية عشر سنين وكان بالمسلمين ضعف . وقالوا: إن زاد في الحالة الأولى على أربعة أشهر، وعلى العشر في الحالة الثانية لم يصح العقد لأنها مخصوصة عن حظر فوجب (١) حاشية الدسوقي ٢٠٦/٢. الاقتصار على مدة الاستثناء والتخصيص، لأن قوله تعالى: ﴿فَأَقْتُلُواْ الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ﴾ عام خص منه مدة الأربعة الأشهر، ومدة العشر سنين، لمصالحة النبي و # صفوان ابن أمية أربعة أشهر وقريشا عشر سنين، وفيما زاد يبقى على مقتضى العموم. فعلیه إن زاد الإمام المدة على أربعة أشهر في الحالة الأولى، وعلى العشر في الحالة الثانية بطل العقد في الزائد، وفي بطلانها على الجائز قولا تفريق الصفقة في عقدها، لأنه جمع في العقد الواحد بين ما يجوز عليه، وما لا يجوز عليه أظهرهما المنصوص: يبطل بالزائد فقط تفريقاً للصفقة، والقول الآخر: يبطل العقد كله(١). ونص الحنابلة على أنه متى رأى الإمام أو نائبه المصلحة في عقدها لضعف في المسلمين عن القتال، أو لمشقة الغزو أو لطمعه في إسلامهم، أو في أدائهم الجزية أو غير ذلك من المصالح جاز له عقدها مدة معلومة لأن ما وجب تقديره وجب أن يكون معلوماً کخیار الشرط ولو فوق عشر سنين، لأنها تجوز في أقل من عشر، فجازت في أكثر منها كمدة الإجارة، ولأنه إنما جاز عقدها (١) مغني المحتاج ٢٦٠/٤، وتحفة المحتاج ٩/ ٣٠٥، والحاوي الكبير ٤٠٦/١٨. - ٢١١ - هدنة ٨ للمصلحة فحیث وجدت جازت تحصیلا للمصلحة. وإن هادنهم مطلقاً بأن لم يقيد بمدة لم يصح، لأن الإطلاق يقتضي التأييد وذلك يفضي إلى ترك الجهاد بالكلية وهو غير جائز(١). وذهب الحنفية إلى أن عقد الموادعة يصح أن يكون مطلقا عن المدة، ويصح أن يكون مؤقتا بمدة معينة، فإذا رأى الإمام أن يصالح أهل الحرب أو فريقا منهم وكان في ذلك الصلح مصلحة للمسلمين فلا بأس به، لقوله تعالى: ﴿وَإِن جَنَعُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَمَا وَتَوَّكَّلْ عَلَى اللهِ﴾(٣) والآية وإن كانت مطلقة لكن أجمع الفقهاء على تقييدها برؤية مصلحة للمسلمين في ذلك بآية أخرى هي قوله تعالى: ﴿فَلاَ تَّهِنُواْ وَنَدْعُوَاْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوَّنَ﴾(٣) ووادع رسول اللَّه وَ لّ أهل مكة عام الحديبية على أن يضع الحرب بينه وبينهم عشر سنين، ولا يقتصر جواز الموادعة على المدة المذكورة في الحديث لتعدي المعنى وهو حاجة المسلمين أو ثبوت مصلحتهم ودفع الشر عنهم إلى ما زاد عليها، لأن مدة الموادعة تدور مع (١) كشاف القناع ١١٢/٣، وشرح منتهى الإرادات ١٢٥/٢، ١٢٦. (٢) سورة الأنفال/ ٦١ . (٣) سورة محمد/ ٣٥ . المصلحة، وهي قد تزيد وتنقص(١). الشرط الرابع: خلو عقد الهدنة عن شرط فاسد : ٨ - لا يجوز للإمام أن يعقد الهدنة على شروط محظورة قد منع الشرع منها: كأن يهادنهم على خراج يضربونه على بلاد المسلمين، أو على مال يحمله الإمام إليهم أو على رد ما غنم من سبي ذراريهم لأنها أموال مغنومة، أو على دخول الحرم أو استيطان الحجاز، أو على ترك القتال أبدا. أو على ألا يستنقذ أسرانا منهم، فهذه وما شاكلها شروط محظورة قد منع الشرع منها فلا يجوز اشتراطها في عقد الهدنة، فإن شرط بطلت الشروط وعلى الإمام نقضها(٢)، لقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَهِنُواْ وَتَدْعُوْاْ إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ﴾ (٣). ولقول عمر رضي : ترد الناس من الجهالات إلى السنة (٤). (١) تبيين الحقائق ٢٤٥/٣، والبحر الرائق ٨٥/٥، وفتح القدير ٣٧١/٥ . (٢) البدائع ١٠٩/٧، والبحر الرائق ٨٥/٥، وحاشية الدسوقي ٢٠٦/٢، وتحفة المحتاج ٩/ ٣٠٦ - ٣٠٧، ومغني المحتاج ٤/ ٢٦٠ - ٢٦١، والمغني ٨/ ٤٦٠ - ٤٦١ . (٣) سورة محمد/ ٣٥ . (٤) قول عمر رضي: ((ترد الناس من الجهالات ... )) أورده السيوطي في مفتاح الجنة (ص ٨٨ - ط = - ٢١٢ - هدنة ٩ ٩ - من أمثلة الشروط الفاسدة في عقد الهدنة اشتراط رد من جاءنا مسلماً من الكفار. فإن شرط عدم الرد أو أطلق فلم يذكر في عقد الهدنة رداً ولا عدمه أو خص بالنساء فلا رد باتفاق الفقهاء، وإن خص الرد بالرجال، أو ذكر الرد ولم يخصص بنوع فقد اختلف الفقهاء في جواز الرد. فذهب الحنفية وبعض المالكية إلى أنه إن شرط في عقد الصلح رد من جاء مسلماً منهم عليهم، بطل الشرط ولا يجب الوفاء به وقالوا: إن قوله تعالى: ﴿فَإِنّ عَلِّمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَاتٍ فَلَا تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾(١). هو دليل النسخ في حق الرجال أيضاً، إذ لا فرق بين الرجال والنساء في ذلك، بل مفسدة رد المسلم إليهم أكبر، ولا يغرم لأزواج المسلمات ما أنفقوا من مهورهن، وحين شرع الرد كان في قوم لا يبالغون في تعذیب من أسلم منهم، لأن كل قبيلة لا تتعرض لمن فعل ذلك من قبيلة أخرى، وإنما تتولى ردعه عشيرته وهم لا يبلغون منه أكثر من القيد والسب والإهانة. = الريان) وعزاه إلى البيهقي في المدخل إلى السنن. (١) سورة الممتحنة/ ١٠. وكان بمكة بعد هجرة النبي ◌َلڼ جماعة أسلموا مثل أبي جندل وأبي بصير إلى سبعين رجلًا ولم يبلغ فيهم المشركون النكاية لعشيرتهم، والأمر الآن على خلاف ذلك(١). وذهب جمهور الفقهاء - المالكية في المذهب والحنابلة والشافعية بالنسبة لمن له عشيرة تطلبه - إلى أنه على الإمام أن يوفي لهم بالشرط بالنسبة للرجال(٢)، لأن النبي ◌َّل صالح قريشا بالحديبية على أن يرد من جاءه منهم مسلماً عليهم، فجاءه أبو جندل بن سهيل، فقال سهيل بن عمرو: هذا يا محمد أول من أقاضيك أن ترده علي، فقال النبي وَل0# لأبي جندل: ((يا أبا جندل، اصبر واحتسب، فإنا لا نغدر، وإن اللَّه جاعل لك فرجاً ومخرجاً)(٣). ثم جاء أبو بصير : (١) فتح القدير ٢٠٨/٥ - ٢٠٩، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٣٨٦/٣ - ٣٨٧، وحاشية الدسوقي ٢٠٦/٢، وعقد الجواهر الثمينة ٤٩٨/١ . (٢) الحاوي الكبير ٤١٦/١٨، والجامع لأحكام القرآن ٥٤/١٨. والمغني ٤٦٥/٨، وحاشية الدسوقي ٢٠٦/٢، ومغني المحتاج ٢٦٣/٤ - ٢٦٤، ومواهب الجليل ٣٨٦/٣، والإنصاف ٢١٣/٤ - ٢١٤ . (٣) حديث: ((صالح النبي ◌َّ﴿ قريشاً بالحديبية ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٣٠،٣٢٩/٥ - ط السلفية). = - ٢١٣ - هدنة ٩ فرده(١). ثم جاءت أم كلثوم بنت عقبة فجاء أخواها في طلبها: عمارة ووليد ابنا عقبة(٢)، وجاءت سعيدة زوجة الصيفي الراهب المشرك مسلمة فجاء في طلبها زوجها، قالوا: يا محمد قد شرطت لنا رد النساء وطین الكتاب لم يجف بعد فاردد علينا نساءنا فتوقف النبي ◌َّر عن ردهن توقعا لأمر الله تعالى فيهن حتى نزل قوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا جَمَكُمُ الْمُؤْمِنَكُ مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ الَّهُ أَعْلَمُ بِمَتِنٌّ فَإِنْ عَلِمْتُمُوهُنَّ مُؤْمِنَتٍ فَلاَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ لَا هُنَّ حِلٌّ لَهُمْ وَلَ هُمْ يِلُونَ لَهُنٍّ وَءَاتُوهُم مَّ أَنْفَقُواْ وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ إِذَا ◌َائْتُمُوهُنَّ أُورَهُنَّ وَلَا تُفْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِرِ وَسْتَلُواْ مَآَ أَنْفَقْتُمُ وَلْيَسْئَلُواْ مَ أَنْفَقُواْ ذَلِكُمْ خَكُ اللهِ يَحْكُمُ بَيْنَكُمْ وَاللّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾(٣). = وقوله وَله لأبي جندل: ((يا أباجندل اصبر واحستب ... )) أخرجه ابن إسحاق في سيرته كما في فتح الباري (٣٤٥/٥ - ط السلفية). (١) حديث: ((رد الرسول ◌َ﴿ لأبي بصير ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٣٢/٥ - ط السلفية)، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم. (٢) حديث: ((مجيء أم كلثوم بنت عقبة ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٢٩/٥ - ط السلفية)، من حديث المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم. (٣) سورة الممتحنة/ ١٠ - ١١ . فامتنع رسول الله پ﴾ حينئذ من ردهن، ومن رد النساء كلهن، وقال رسول اللّه وقلتله: إن الله منع الصلح بالنساء(١) . وتفارق المرأة الرجل في ثلاث أمور: أحدها: أنها لا تأمن أن تتزوج كافرا یستحلها أو یکرهها من ينال منها. الثاني: إنها ربما فتنت عن دينها لأنها أضعف قلباً وأقل معرفة من الرجل. الثالث: إن المرأة لا يمكنها عادة الهرب والتخلص وإن النساء ذوات الأزواج يحرمن على أزواجهن بالإسلام ولا يقدرن على الامتناع منهم، فلهذا وقع الفرق في الرد بين الرجال والنساء. فإن شرط رد النساء في العقد فسد الشرط قطعا سواء كان لها عشيرة أم لا، لأنه أحل حراما. وكذا العقد في الأصح عند الشافعية، ووجه عن الحنابلة، ومقابل الأصح عند الشافعية ووجه عند الحنابلة يصح العقد(٢) . (١) حديث: مجيء سعيدة زوجة الصيفي الراهب ونزول الآية ... ذكره ابن حجر في الإصابة (٧/ ٧٠٠ - نشر دار الجيل)، ثم قال: ذكر ذلك مقاتل بن حيان في تفسيره. وأخرجها أبوموسى. (٢) الحاوي الكبير ٤١٢/١٨ - ٤١٣، ومغني = - ٢١٤ - هدنة ٩ وقال الشافعية: إن جواز اشتراط رد من جاء من الرجال مسلماً ليس على إطلاقه بل یعتبر بأحوالهم عند قومهم وفي عشائرهم إذا رجعوا إليهم أو كانوا قادرين على قهر طالبيهم والهرب منهم فإن كانوا مستذلين فيهم ليس لهم عشيرة تكف عنهم الأذى وطلبوهم ليعذبوهم ويفتنوهم عن دينهم، لم يجز ردهم إليهم. وكان الشرط في عقد الهدنة بردهم باطلًا كما بطل في رد النساء، حقناً للدماء وكفاً عن تعذيبهم واستذلالهم، فقد قال النبي وَالى: ((إن اللَّه حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم))(١)، ولأنه لما وجب على الإمام فك الأسير المسلم وجب أن لا يكون عوناً على أسر مسلم، وأما من كان في عز من قومه ومنعة من عشيرته قد أَمِن أن يفتن عن دينه أو يستذله مستطيل عليه فجاز رده عليهم وصحت الهدنة باشتراط = المحتاج ٢٦٢/٤، وتحفة المحتاج ٣٠٨/٩، وحاشية الدسوقي ٢٠٦/٢، والجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٥٥/١٨ وما بعدها، ومواهب الجليل ٣٨٧/٣، والمغني ٤٦٦/٨ وما بعدها، والإنصاف ٢١٤/٤ . (١) حديث: ((إن الله حرّم عليكم دماءكم وأموالكم وأعراضكم)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٦٣/١٠ - ط السلفية) من حديث ابن عمر. رده، فقد رد النبي 18 في هدنة الحديبية أبا جندل بن سهيل بن عمرو على أبيه، ورد أبا بصير على أبيه، لأنهما كان ذوي عشيرة وطلبهما أهلوهما هما إشفاقاً عليهما في (١) زعمهم(١). وصرح الشافعية بأن الصبيان والمجانين لا يجوز الصلح بشرط ردهم ولا يردون لضعفهم ولا غرم في ترك ردهم، فإذا بلغ الصبي وأفاق المجنون فإن وصفا الإسلام ردا إن کانا ممتنعين بعشيرة وأهل، وإن كانا مستضعفين لم يردا، وإن وصفا كفراً لا يقر أهله عليه فإما أن يسلما وإما أن يردا إلى مأمنهما، وإن وصفا كفراً يقر أهله فإما أن يسلما وإما أن يقبلا الجزية، وإما أن يردا إلى مأمنهما(٢). وبهذا يقول الحنابلة في صبي مميز أسلم لأنه مسلم يضعف عن التخلص من الكفار، أما شرط رد الطفل منهم لا يصح إسلامه ککونه دون التمییز فیصح لأنه ليس بمسلم شرعاً ولا يصح منه الإسلام لو أتى به لعدم صحة العبادة منه(٣). (١) الحاوي الكبير ٤١٢/١٨ - ٤١٣، ومغني المحتاج ٢٦٢/٤، وتحفة المحتاج ٣٠٨/٩ . (٢) روضة الطالبين ٣٤٥/١٠، وشرح المحلي على المنهاج ٢٣٩/٤ . (٣) مطالب أولي النهى ٢/ ٥٨٧ - ٥٨٨ . : - ٢١٥ - هدنة ١٠ - ١١ .... دفع مهر من جئن من المسلمات لأزواجهن : ١٠ - إذا شرط الإمام أو نائبه رد من جاءه مسلماً منهم، أو أطلق ولم يذكر رداً ولا عدمه، فجاءت امرأة مسلمة لم يجب دفع مهر لزوجها عند الجمهور - الحنفية والشافعية في الأظهر والحنابلة - قالوا: لأن البضع ليس بمال حتى يشمله الأمان ولارتفاع نكاحها قبل الدخول وبعده بالإسلام، أما غُرم النبي ◌َّر المهر في بعض المواضيع فإنه كان قبل منع ردهن ودخولهن في عموم: من جاءنا مسلماً منکم رددناه. (١) وقال بعضهم: إنه ◌َّ كان قد شرط لهم رد من جاءته مسلمة ثم نسخ ذلك بقوله تعالى: ﴿فَ تَرْجِعُوهُنَّ إِلَى الْكُفَّارِ﴾(٢) فَغَرِم حينئذ لامتناع ردها بعد الشرط به نصا أو دخولهن في عموم: من جاءنا مسلماً. وقال المالكية والشافعية في مقابل الأظهر: إذا أُمسكت المسلمة ولم يردها رد على زوجها ما أنفقه، لقوله تعالى: ﴿وَءَاتُهُم مَّا أَنْفَقُواْ﴾(٣)، (١) حديث: من جاءنا مسلمًا منكم رددناه ورد معناه في حديث اشتراط قريش على الرسول الغر، أخرجه مسلم (١٤١١/٣ - ط الحلبي). (٢) سورة الممتحنة/ ١٠ . (٣) سورة الممتحنة/ ١٠ . والمراد به المهر، وبه قال عطاء، وقالوا: أمر الله تعالى إذا أمسكت الزوجة المسلمة أن يرد على زوجها ما أنفق وفاءً بالعهد، ولأنه لما منع من أهله بحرمة الإسلام أمر برد المال إلیه، حتى لا يقع عليه خسران في الوجهين: الزوجة والمال. ولأن العهد قد أوجب الأمان على الأموال وبضع الزوجة في حكم المال لصحة المعاوضة عليه نكاحاً وخلعاً، فاقتضى أن يجب بالمنع منه الرجوع ببدله وهو المهر (١). شرط رد من ذهب إليهم مرتداً: ١١- نص الشافعية على أنه لو شرط الإمام عليهم أن يردوا من أتى إليهم مرتداً لزمهم الوفاء بالشرط، عبداً كان أم حراً، ذكراً كان أم أنثى، عملًا بالتزامهم فإن أبوا فقد نقضوا العهد لمخالفتهم الشرط . ويجوز شرط أن لا يردوا من جاءهم مرتداً من الرجال والنساء على المعتمد عند الشافعية، لأن المشركين اشترطوا عليه وَ ه في (١) الجامع لأحكام القرآن ٥٨/١٨، وأحكام القرآن لابن العربي ١٧٧٦/٤ - ١٧٧٨، والحاوي الكبير ٤١٩/١٨، ومغني المحتاج ٢٦٣/٤، وتحفة المحتاج ٣٠٩/٩، والمغني ٤٦٤/٨، وفتح القدير ٢٠٨/٥-٢٠٩ . - ٢١٦ - هدنة ١٢ صلح الحديبية: ((أن من جاء منكم لم نرده علیکم، ومن جاءکم منا رددتموه علينا، فقال الصحابة: يا رسول اللَّه، أنكتب هذا؟ قال: نعم، إنه من ذهب منا إليهم فأبعده الله، ومن جاءنا منهم سيجعل الله له فرجاً ومخرجاً))(١)، وحينئذ فلا يلزمهم الرد، وكذا إن أطلق العقد فلا يلزمهم الرد، ولكن يغرمون مهر المرتدة، لأنهم فوتوا علينا الاستتابة الواجبة علينا، وكذلك يغرمون قيمة الرقيق المرتد (٢). عقد الهدنة بشرط محظور للضرورة : ١٢ -يجوز عند الضرورة عقد الهدنة بشرط محظور، ومن أمثلة ذلك اشتراط بذل المال للكفار. فقد اتفق الفقهاء على عدم جواز عقد الهدنة على مال يبذله المسلمون لأهل الحرب ما لم تدع إلى ذلك ضرورة، لأن اللَّه تعالى قد أعز الإسلام وأهله وأظهره على الأديان كلها وجعل لهم الجنة قاتلين ومقتولين لقول الله تعالى ﴿إِنَّ اللَّهَ أُشْتََّى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَأَمْوَهُم بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةُ يُقَئِلُونَ فِي سَبِيلِ (١) حديث: ((إن المشركين اشترطوا عليه الفر ... )) أخرجه مسلم (١٤١١/٣ - ط الحلبي). (٢) تحفة المحتاج ٣١١/٩، ومغني المحتاج ٤/ ٤٦٣ وما بعدها، وشرح روض الطالب ٢٢٨/٤ . اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَيُقْنَلُونَ﴾(١)، فلم يجز مع ثواب الشهادة وعز الإسلام أن يدخلوا في ذل البذل وصغار الدفع. أما إذا دعت إليه الضرورة فيجوز(٢). ومن صور الضرورة: : أ - أن يحاط بطائفة من المسلمين في قتال أو وطء يخافون معه الاصطلام، فلا بأس أن يبذلوا في الدفع عن اصطلامهم مالًا يحقنون به دماءهم، فقد همّ رسول اللَّه وَلّ عام الخندق أن يصالح المشركين على الثلث من ثمار المدينة وشاور سعد بن معاذ وسعد بن عبادة فقالا: إن كنت أمرت بشيء فامض لأمر الله بأمر الله سمعنا وأطعنا، وإن كان بغير أمره لم نقبله(٣). وروى أبو هريرة «أن الحارث بن عمرو (١) سورة التوبة/ ١١١. (٢) الحاوي ٤١٠/١٨، وتحفة المحتاج ٣٠٦/٩، والفتاوى الهندية ١٩٧/٢، وشرح السير الكبير ١٦٩٢/٥، والمغني ٤٦٠/٨، وحاشية الدسوقي ٢٠٦/٢، وأحكام القرآن للجصاص ٧٠/٣ ط دار الكتاب العربي. (٣) حديث: ((هم رسول الله وَّهر عام الخندق أن يصالح المشركين ... )). أخرجه عبدالرزاق في المصنف (٣٦٧/٥، ٣٦٨ - ط المجلس العلمي - بومباي). - ٢١٧ - هدنة ١٣ الغطفاني رئیس غطفان قال للنبي پ# یا محمد، شاطرنا تمر المدينة. فقال: حتى أستأمر السعود، فبعث إلى سعد بن معاذ وسعد بن عبادة وسعد بن الربيع وسعد بن خيثم وسعد بن مسعود. فقال: ((إني قد علمت أن العرب قد رمتکم عن قوس واحدة، وإن الحارث سألكم تشاطروه تمر المدينة، فإن أردتم أن تدفعوه عامكم هذا في أمركم بعد. فقالوا: يا رسول اللّه، أوحي من السماء فالتسليم لأمر الله، أوعن رأيك وهواك فرأينا نتبع هواك ورأيك، فإن كنت إنما تريد الإبقاء علينا فوالله لقد رأيتنا وإياهم على سواء، ما ينالون منا تمرة إلا شراء أو قرى. فقال رسول اللَّه ◌َله: هو ذا تسمعون ما يقولون))(١)، هو وإن لم يعطهم فقد نبه بالرجوع إلى الأنصار على جواز إعطائهم عند الضرورة ولأن ما ينال المسلمين من نكاية الاصطلام أعظم ضرراً من ذلة البذل، فافتدى به أعظم الضررين. ب - افتداء من في أيديهم من الأسرى إذا خيف على نفوسهم وكانوا يستذلونهم بعذاب أو امتهان، فيجوز أن يبذل لهم الإمام في (١) حديث: ((يا محمد شاطرنا تمر المدينة ... )) عزاه الهيثمي في مجمع الزوائد (١٣٢/٦، ١٣٣ - ط القدسي) إلى البزار والطبراني، وقال: فيهما محمد بن عمرو وحديثه حسن، وبقية رواته ثقات. افتکاکهم مالًا لیستنقذهم به من الذل، وإن افتداهم بأسری کان أولی(١). وروى عمران بن حصين ((أن النبي ◌َ ل فادى رجلًا برجلين))(٢). أثر الشروط الفاسدة على عقد الهدنة: ١٣ - اختلف الفقهاء في فساد عقد الهدنة عند اقترانه بشرط من الشروط الفاسدة. فذهب الحنفية والحنابلة في المذهب، والشافعية في مقابل الصحيح إلى أنه لو شُرِطَ في عقد الهدنة شرطٌ فاسدٌ بطل الشرط ولا يجب الوفاء به ولا تبطل الهدنة، (٣) لأنها ليست كالبيوع من عقود المعاوضات التي تبطل بفساد الشرط لما يؤدي إليه من جهالة الثمن، وليست بأوكد من عقود المناکحات التي لا تبطل بفساد المهر (٤). (١) الحاوي للماوردي ٤١٠/١٨، وتحفة المحتاج ٣٠٦/٩، وحاشية الدسوقي ٢٠٦/٢، والفتاوى الهندية ٢/ ١٩٧، والمغني لابن قدامة ٨/ ٤٦٠ - ٤٦١ . (٢) حديث((أن النبي ◌َّر فادى رجلًا برجلين ... )). أخرجه مسلم (١٢٦٢/٣ - ط الحلبي). (٣) الفتاوى الهندية ٢/ ١٩٧، ومطالب أولي النهى ٢/ ٥٨٧، والمغني لابن قدامة ٤٦٦/٨، والحاوي للماوردي ٤١٢/١٨، ومغني المحتاج ٢٦١/٤. (٤) الحاوي ٤١٢/١٨ . - ٢١٨ - هدنة ١٤ - ١٥ وذهب المالكية والشافعية على الصحيح والحنابلة في وجه إلى فساد الشرط والعقد معاً، أما فساد الشرط فلأنه أحل حراماً، وأما فساد العقد فلاقترانه بشرط مفسد(١). صفة عقد الهدنة : ١٤ - اختلف الفقهاء في صفة عقد الهدنة أهو لازم أم جائز؟ فذهب جمهورهم - المالكية والشافعية والحنابلة - إلى أنه عقد لازم، فإن وقع صحیحا فلیس للإمام العاقد ولا للائمة بعده نقضه، ولزم الوفاء به حتى تنقضي المدة، أو يصدر منهم ما يقتضي الانتقاض من قتال أو غيره لقوله تعالى : ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَوْفُواْ بِآلْعُقُودٍ﴾(٢)، وقوله عز من قائل: ﴿فَتِّقُواْ إِلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إِلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (٣) فإذا مات الإمام الذي عقد العهد أو عزل فليس لمن بعده نقض العقد لأن الإمام الأول عقدها باجتهاده فلم يجز نقضه باجتهاد غيره وإن تبين العقد فاسداً باجتهاد الإمام الجديد، كما لا يجوز للقاضي نقض أحكام غيره من القضاة قبله باجتهاده. (١) حاشية الشرقاوي على التحرير ٤١٩/٢ ط الحلبي، والمغني ٤٦٦/٨، والدسوقي ٢٠٦/٢، والخرشي ٣/ ١٥٠، ومغني المحتاج ٤/ ٢٦٣. (٢) سورة المائدة/ ١ . (٣) سورة التوبة/ ٤ . ولأنه إن لم يف بالعهود لم يسكن إلى عقوده وقد نحتاج إليها، أما إن بان فساد عقد الهدنة بنص أو إجماع فيلغى، ويعلن إليهم بفساد الهدنة ويبلغوا مأمنهم، فإن دخل بعضهم دار الإسلام بهذا الصلح كان آمنا لأنه دخل معتقداً بالأمان ويرد إلى دار الحرب، ولا يقر بدار الإسلام لأن الهدنة لم تصح(١). ١٥ - وإن شرط الإمام لنفسه في عقد الهدنة ما ينفي لزومه فقد أجازه الشافعية والقاضي أبو يعلى من الحنابلة ومنعه الحنابلة. فعند الشافعية يجوز تعليق استدامة الهدنة على مشيئة الإمام ينقضها متى شاء، فإن علقت بمشيئته يجوز أن تكون غير مقدرة المدة لأن رسول اللَّه ◌َ لفر حين وادع يهود خيبر قال: (انقركم بها على ذلك ما شئنا))(٢) ويكون الإمام مخيراً فيها إذا أراد نقضها لأنها ليست من عقود المعاوضة التي تمنع الجهالة فيها، وإذا جاز إطلاقها بغير مدة لم يجز أن يقول لهم: (١) أسنى المطالب ٢٢٥/٤، ومغني المحتاج ٤/ ٢٦٢، والمغني ٤٦٢/٨، وكشاف القناع ١١١/٣ - ١١٢، والإنصاف ٢١٣/٤، والدسوقي ٢/ ٢٠٦ وما بعدها. (٢) حديث: ((نقركم بها على ذلك ما شئنا)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٢١/٥ - ط السلفية)، ومسلم (١١٨٨/٣ - ط الحلبي)، من حديث ابن عمر. : - ٢١٩ - هدنة ١٥ ....... أقركم ما أقركم الله وإن قاله الرسول والټ لأهل خيبر، لأن الله تعالى يوحي إلى رسوله مراده دون غيره. ويجوز أن يقول: أقركم ما شئت أو شاء فلان، ويكون موقوفا على مشيئته فيما يراه صلاحاً من استدامة الهدنة أو نقضها، ولا يجوز أن يعقدها على مشيئتهم لأنهم يصيرون متحكمين على أهل الإسلام وقد قال الرسول وَلجر: ((الإسلام يعلو ولا يعلى))(١). ويجوز للإمام أن يعقدها على مشيئة غيره من المسلمين: إذا اجتمعت فيه شروط ثلاثة: أحدها: أن يكون من ذوي الاجتهاد في أحكام الدين. والثاني: أن یکون من ذوي الرأي في تدبير الدنيا . والثالث: أن يكون من ذوي الأمانة في حقوق اللَّه تعالى، وحقوق العباد، فإن تكاملت هذه الشروط منه صح وقوف الهدنة على مشيئته، وإن أخل بشرط منها لم تصح (١) حديث: ((الإسلام يعلو ولا يعلى)) أخرجه الدارقطني (٢٥٢/٣ - ط المحاسن) من حديث عائذ بن عمرو المزني، وحسّن إسناده ابن حجر في فتح الباري (٢٢٠/٣ - ط السلفية). الهدنة(١). وإن أطلق الإمام الهدنة من غير. شرط أو على غير صفة، بل قال: هادنتكم لم يجز لأن إطلاقها يقتضي التأبيد(٢). وقال الحنابلة في المذهب: إن شرط الإمام نقض العهد لنفسه لم يصح العقد لأنه ينافي مقتضى العقد فلم يصح كما لو شرط ذلك في البيع والنكاح. وكذا إن شرط لمن شاء منهما لأنه يفضي إلى ضد المقصود فلم يصح (٣). وذهب الحنفية إلى أن عقد الهدنة غير لازم محتمل للنقض فللإمام نبذه إليهم، فإن رأى الإمام أن في الموادعة خيراً للمسلمين فوادعهم، ثم نظر فوجد أنها شر على المسلمين نبذ إليهم لأنه ظهر في الانتهاء ما لو كان موجوداً في الابتداء لمنع عقدها . واستدامتها، ولأن المصلحة لما تبدلت كان النبذ جهاداً وإبقاء العهد في هذه الحالة ترك للجهاد صورة ومعنى، وهو أمر غير جائز ولم يقله أحد. فإن رأى نقضها فلا بد من النبذ تحرزاً من (١) الحاوي الكبير ٤٠٨/١٨ - ٤٠٩، وتحفة المحتاج ٣٠٧/٩، ومغني المحتاج ٤٦١/٤، وروض الطالب ٢٢٥/٤، والإنصاف ٢١٢/٤ - ٢١٣. (٢) المراجع السابقة. (٣) المغني لابن قدامة ٤٥٩/٨ - ٤٦٠، والانصاف ٢١٣/٤ ٠ - ٢٢٠ -