Indexed OCR Text

Pages 181-200

هجرة ٩
لأهلها، أبايعه على الإسلام والجهاد))(١).
وبعضها الآخر يدل على أن الهجرة باقية
إلى قيام الساعة، مثل ما روي من حديث
معاوية رَّ قال: سمعت رسول اللّه وَالآتى :
((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة، ولا
تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من
مغربها))(٢)، وما روي من حديث عبد الله
تَّ عن النبي ◌َّر قال: ((لا تنقطع الهجرة ما
دام العدو يقاتل))(٣)، وما روي أيضاً من
حديث جنادة بن أبي أمية تَّي عن النبي وَلّى:
((إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد)) (٤).
٩ - وقد اختلف طرائق الفقهاء في الجمع
بين تلك الأحاديث التي ظاهرها التعارض،
(١) حديث: ((مضت الهجرة لأهلها ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٥/٨ ط السلفية)،
ومسلم (١٤٨٧/٣ ط عيسى الحلبي)، واللفظ
للبخاري .
(٢) حديث: ((لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ... )).
أخرجه أبو داود(٧/٣-٨ ط حمص)، وأحمد في
المسند (٤/ ٩٩ ط الميمنية).
(٣) حديث: ((لا تنقطع الهجرة ما دام العدو يقاتل)).
أخرجه أحمد في المسند (١٩٢/١ ط الميمنية)،
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٥/ ٢٥٠ ط
القدس) وقال: ورجال أحمد ثقات.
(٤) حديث: ((إن الهجرة لا تنقطع ما كان الجهاد)).
أخرجه أحمد في المسند (٦٢/٤ ط الميمنية)،
وذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٥١/٥ ط
القدس)، وقال: رجاله رجال الصحيح.
وتأويلها على ثلاث أقوال:
أحدهما: أنّ الهجرة كانت في أول الإسلام
مندوباً إليها، ثم فرضت بعد هجرة النبي وَلآر
إلى المدينة، فلما فتحت مكة ارتفع وجوب
الهجرة، وعاد الأمر فيها إلى الندب
والاستحباب، فهما هجرتان: المنقطعة هي
المفروضة، والباقية هي المندوبة. وهو قول
الحنفية والخطابي(١) .
والثاني: أن الهجرة من مكة إلى المدينة
ارتفعت يوم الفتح، لأن مكة صارت يوم الفتح
دار إسلام، وكانت الهجرة عنها قبل ذلك
واجبةً، لكونها مساكن أهل الشرك، فمن
حصل عليها فاز بها وانفرد بفضلها دون من
بعدهم. وهذا هو الفرض الذي سقط. أما
الهجرة الباقية الدائمة إلى يوم القيامة فهي
هجرة من أسلم بدار الكفر، إذ يلزمه أن لا
يقيم بها حيث تُجرى عليه أحكام الكفار، وأن
یهاجر ويلحق بدار المسلمين حيث تُجرى عليه
أحكامهم (٢)، إلا أن هذه الهجرة لا يحرم على
معالم السنن للخطابي ٣٥٢/٣، ومرقاة المفاتيح
(١)
١٨٢/٤، والمبسوط السرخسي ٦/١٠.
شرح السنة للبغوي ٣٧٣/١٠،٢٩٥/٧، ومرقاة
(٢)
المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للملا علي القاري
١٨٢/٤، والمقدمات الممهدات ١٥٣/٢،
وعارضة الأحوذي ٨٨/٧، ونيل الأوطار =
- ١٨١

٠٠٠
هجرة ٩
المهاجر بها الرجوع إلى وطنه إن عاد دار
الإسلام كما حرُم على المهاجرين من أصحاب
رسول اللَّه وَلفي الرجوع إلى مكة للذي ادخره
اللَّه لهم من الفضل في ذلك(١) .
وقد توسع بعض أصحاب هذا القول في
دواعي الهجرة الباقية فقال: إن مفارقة الأوطان
إلى الله ورسوله التي هي الهجرة المعتبرة
الفاضلة المميزة لأهلها من سائر الناس امتيازاً
ظاهراً انقطعت، لكن المفارقة من الأوطان
بسبب نية خالصة لله تعالى كطلب العلم
والفرار بدينه من دار الكفر ومما لا يُقام فيها
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر وزيارة بيت
اللَّه وحرم رسول اللَّه والمسجد الأقصى
وغيرها أو بسبب الجهاد في سبيل الله باقية
مدى الدهر(٢).
والثالث: أن الهجرة الفاضلة التي وعد الله
عليها بالجنة، كان الرجل يأتي النبي ◌َل﴾ ويدع
أهله وماله، لا يرجع في شيء منه انقطعت
= ٢٦/٧، وشرح الأبيّ على صحيح مسلم ٥٪
٢١١، والنووي على مسلم ٨/١٣، وعمدة
القاري ٣١٧/١١، وفتح الباري ٣٩/٦، ٧/
٢٢٩، والمغني لابن قدامة ٤٥٦/٨.
(١) المقدمات الممهدات لابن رشد ٢/ ١٥٣.
(٢) مرقاة المفاتيح ١٨٢/٤، والكشاف للزمخشري
٢٩٤/١ .
بفتح مكة. أما الهجرة الباقية فهي هجر
السيئات(١). حيث ورد عن النبي وَّ قال:
((إن الهجرة خصلتان: إحداهما أن تهجر
السیئات، والأخرى أن تهاجر إلى الله وإلى
رسوله، ولا تنقطع الهجرة ما تُقُبُّلَت التوبة،
ولا تزال التوبة مقبولة حتى تطلع الشمس من
المغرب، فإذا طلعت طُبع على كل قلب بما
فيه، وكُفِي الناسُ العمل))(٢).
وورد من حديث فضالة بن عبيد تنته عن
النبي ◌َّو قال: ((المهاجر مَنْ هجر الخطايا
والذنوب))(٣). وورد عن النبي وَلفي قال:
«المهاجر من هجر ما نهى الله عنه))(٤).
هذا وقد صرح ابن قدامة بأن حكم الهجرة
(١) طرح التثريب ٢٣/٢-٢٤، وعمدة القاري ١١/
٣١٨ .
(٢) حديث: ((إن الهجرة خصلتان إحداهما ... )).
أخرجه أحمد (١٩٢/١ ط الميمنية)، وقال الهيثمي
في مجمع الزوائد (٢٥١/٥ ط القدس): رجاله
ثقات.
(٣) حديث: ((المهاجر من هجر الخطايا والذنوب)).
أخرجه ابن ماجة (١٢٩٨/٢ ط عيسى الحلبي)،
وقال البوصيري في مصباح الزجاجة (٢٨٥/٢ ط
الجنان) إسناده صحيح.
(٤) حديث: ((المهاجر من هجر ما نهى الله عنه)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٥٣ ط السلفية) من
حدیث عبد الله بن عمرو.
- ١٨٢ -

هجرة ١٠
باق لا ينقطع إلى يوم القيامة في قول عامة أهل
العلم (١).
الهجرة بعد فتح مكة :
١٠٠ -اختلف الفقهاء في الحكم التكليفي
للهجرة بعد الفتح على أقوال:
القول الأول: ذهب الشافعية والحنابلة إلى
التفصيل فقالوا: إن كان المسلم قادراً على
إظهار دينه في دار الكفر، ولم يخف الفتنة في
الدين، فالهجرة في حقه غير واجبة، ولكنها
مستحبة، لئلا یکثّر سواد الكفار، وليتخلص
من مخالطتهم ورؤية المنکر بینھم، ولیتمکن
من جهادهم، ولأنه لا يؤمن أن یمیل إلیھم أو
یکیدوا له، ولیکثّر المسلمين ويعينهم بهجرته
إليهم(٢). أما عدم وجوبها عليه فلإمكانه إقامة
واجب دينه بدون الهجرة(٣). قال الإمام
الشافعي: دلّت سنة رسول اللَّه وله على أن
(١) المبدع لابن مفلح ٣١٤/٣، والمغني لابن قدامة
٤٥٦/٨ ط الرياض.
(٢) روضة الطالبين ٢٨٢/١٠، والمهذب ٢٢٨/٢،
وشرح منتهى الإرادات ٩٤/٢، وكشاف القناع
٣٨/٣، والمبدع ٣١٤/٣، والمحرر ١٧٠/٢،
والهداية لأبي الخطاب ١١٢/١، ومجموع فتاوى
ابن تيمية ٢٤٠/٢٨، ونهاية المحتاج ٧٧/٨ وما
:
بعدها، وأسنى المطالب ٤/ ٢٠٤ .
(٣) المغني لابن قدامة ٨/ ٤٥٧ ط الرياض ، وتحفة
المحتاج ٢٦٩/٩ .
فرض الهجرة على مَنْ أطاقها إنما هو على مَنْ
فُتِن عن دينه بالبلد الذي یسلم بها، لأن رسول
اللَّه ◌َل ي أذن لقوم بمكة أن يقيموا بها بعد
إسلامهم؛ منهم العباس بن عبد المطلب
وغيره، وَ إذْ لم يخافوا الفتنة (١). وحملوا
حديث البراءة من كل مسلم يقيم مع المشركين
على مَنْ لا يأمن على دينه في دارهم(٢).
غير أن الشافعية استثنوا من عموم قولهم
بالاستحباب في هذه الحالة ثلاث صور:
الأولى: أنّ المسلم لو رجا ظهور الإسلام
بمقامه في دار الكفر، كان مقامه فيها أفضل.
والثانية: أنه إن قدر على الامتناع في دار
الكفر والاعتزال، ولم يرج نصرة المسلمين
بالهجرة، وجب عليه المقام في دار الكفر،
لأن موضعه فيها دار إسلام، فلو هاجر لصار
دار حرب، ويحرم ذلك.
والثالثة: أنه إن قدر على قتال الكفار أو
دعائهم إلى الإسلام، لزمه ذلك، وإلا فلا(٣).
وأما إذا كان المسلم عاجزاً عن إظهار دينه
(١) الأم ٤/ ٨٤، وأحكام القرآن للشافعي ٢/ ١٧، ١٨.
(٢) فتح الباري ٣٩/٦ ط السلفية.
(٣) تحفة المحتاج ٢٦٩/٩، ونهاية المحتاج ٧٨/٨،
وروضة الطالبين ٢٨٢/١٠، وأسنى المطالب ٤/
٢٠٤ .
- ١٨٣ -

هجرة ١٠
في دار الكفر، فيحرم عليه الإقامة فيها،
وتجب عليه الهجرة إلى دار الإسلام إن
استطاعها، فإن لم يقدر على الهجرة فهو
معذور إلى أن يقدر(١).
واستدلوا على وجوب الهجرة في حق
مَنْ قدر عليها: بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ
تَوَقَّهُمُ الْمَلَتَئِكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ
كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِ اٌلْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ الَّهِ
وَسِعَةٌ فَهَاجِرُواْ فِيهَّا فَأُوْلَكَ مَأْوَهُمْ جَهَنَّ وَسَآَتْ
مَصِيرًا﴾(٢)، قال ابن قدامة: وهذا وعيد شديد
يدلّ على الوجوب(٣).
وبما روي عن النبي وَل﴾ قال: ((أنا بريء
من كل مسلم يقيم بين أظهر المشركين.
قالوا: يا رسول اللَّه، ولم ؟ قال: لا تراءى
ناراهما»(٤). أي لا یکون بموضع یری نارهم
(١) المهذب ٢٢٧/٢، وكشاف القناع ٣٨/٣، وشرح
منتهى الإرادات ٩٤/٢، والمبدع ٣١٣/٣ وما
بعدها، والمحرر ٢/ ١٧٠، ومختصر الفتاوى
المصرية لابن تيمية ص ٥٠٥، والهداية لأبي
الخطاب ١١٢/١، وروضة الطالبين ٢٨٢/١٠،
ونهاية المحتاج ٧٨/٨، وتحفة المحتاج ٢٦٩/٩ .
(٢) سورة النساء / ٩٧ .
(٣) المغني ٤٥٧/٨ ط الرياض.
(٤) حديث: ((أنا بريء من كل مسلم يقيم بين أظهر
المشركين ... )).
أخرجه أبو داود(١٠٤/٣ ط حمص)، والترمذي
(١٥٥/٤ ط الحلبي).
ویرون ناره إذا أوقدت.
وقالوا: إنّ القيام بأمر الدين واجب على من
قدر عليه، والهجرة من ضرورة الواجب
وتتمته، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب.
واستدلوا على عدم وجوب الهجرة في حقّ
مَنْ لم يقدر عليها بقوله عز وجل: ﴿إِلَّا
الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَآءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ
حِيلَةٌ وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا
فَأُوْلَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ
٩٨
يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾(١).
وذكر الشافعية والحنابلة حالة أخرى لهجرة
لا توصف بوجوب ولا استحباب، کمن عجز
عن الهجرة إما لمرض أو إكراه على الإقامة أو
ضعف من النساء والولدان وشبههم، فهذا لا
هجرة عليه(٢) لقول الله تعالى: ﴿إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ
مِنَ الرَّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا
يَهْتَدُونَ سَبِيلًا
فَأُوْلَكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمّ
(٩٨)
وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾ .
القول الثاني: للحنفية والخطابي والقاضي
من الحنابلة وهو أن الهجرة بعد فتح مكة
ليست واجبة، بل هي مندوبة مستحبة، وهي
الهجرة من أرض يهجر فيه المعروف، ويشيع
(١) سورة النساء / ٩٨ و٩٩ .
(٢) المغني ٤٥٧/٨، وأسنى المطالب ٢٠٤/٤ .
- ١٨٤ -

هجرة ١٠
به المنکر أو من أرض أصاب فیه الذنب
وارتكب الأمر الفظيع(١).
قال الملا القاري: إن الهجرة التي هي
مفارقة الوطن التي كانت مطلوبة على الأعيان
إلى المدينة انقطعت، إلا أن المفارقة بسبب
الجهاد أو بسبب نية صالحة كالفرار من ديار
الكفر أو البدعة أو الجهل أو من الفتن أو
لطلب العلم باقية غير منسوخة(٢).
قال ابن نجيم: استثنى في معراج الدراية من
نسخ وجوب الهجرة بعد الفتح ما إذا أسلم في
دار الحرب، فإنه تلزمه الهجرة إلى دار
الإسلام(٣).
القول الثالث: قسم المالكية الذهاب في
الأرض قسمين: هرباً وطلباً .
فالأول ينقسم إلى ستة أقسام:
الأول: الهجرة وهي الخروج من دار
الحرب إلى دار الإسلام، وكانت فرضاً في أيام
(١) مرقاة المفاتيح ١٨٢/٤، والبحر الرائق ٣٦٨/١،
والمبسوط السرخسي ٦/١٠، وشرح السير الكبير
٩٤/١ ط مطبعة الإعلانات الشرقية، ومعالم
السنن للخطابي ٣٥٢/٣، والفروع لابن مفلح
٦ /١٩٧ .
(٢) مرقاة المفاتيح ٤/ ١٨٢.
(٣) البحر الرائق ٣٦٨/١.
النبي ◌َّطهر، وهذه الهجرة باقية مفروضة إلى يوم
القيامة، فإن بقي في دار الحرب عصى،
ويُختَلف في حاله.
الثاني: الخروج من أرض البدعة. قال ابن
القاسم: سمعت مالكاً يقول: لا يحل لأحد
أن يقيم بأرض يُسَبّ فيها السلف. قال ابن
العربي: وهذا صحيح، فإن المنكر إذا لم تقدر
أن تغيره فزُل عنه، قال الله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ
الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِيِّ ءَايَئِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُواْ فِ
حَدِيثٍ غَيْرِهِ، وَإِمَّا يُفْسِيَنَّكَ الشَّيْطِنُ فَلَ نَقْعُدْ بَعْدَ
الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الفَّلِينَ﴾(١).
الثالث: الخروج من أرض غلب عليها
الحرام، فإن طلب الحلال فرض على كل
مسلم .
الرابع: الفرار من الأذية في البدن، وذلك
فضل من اللَّه أرخص فيه، فإذا خشي على
نفسه فقد أذن اللَّه في الخروج عنه والفرار
بنفسه ليخلصها من ذلك المحذور. وأول من
فعله إبراهيم عليه السلام، فإنه لما خاف من
قومه قال: ﴿إِنِّ مُهَاجِرُ إِلَى رَبِّ﴾(٢)، وقال:
﴿إِ ذَاهِبُ إِلَى رَبِ سَيَهْدِينٍ﴾(٣)، وقال مخبراً
(١) سورة الأنعام / ٦٨ .
(٢) سورة العنكبوت / ٢٦ .
(٣) سورة الصافات / ٩٩ .
- ١٨٥ -

هجرة ١٠
عن موسى: ﴿فَجَ مِنْهَا خَلِفًا يَرَفَّةٌ﴾(١).
الخامس: خوف المرض في البلاد الوخِمَة
والخروج منها إلى الأرض النَّزِهة. وقد أذن
وَله للرعاة حين استوخموا المدينة أن يخرجوا
إلى المسرح فيكونوا فيه حتى يصحوا (٢). وقد
استثنى من ذلك الخروج من الطاعون، فمنع
اللَّه سبحانه منه بالحديث الصحيح عن نبيه
وَس﴾(٣) وهو مكروه.
السادس: الفرار خوف الأذية في المال،
فإن حرمة مال المسلم كحرمة دمه، والأهل
مثله وأوكد.
وقالوا: ولا يُسْقِط هذه الهجرة الواجبة إلا
تصور العجز عنها بكل وجه وحال، لقوله
تعالى: ﴿إِلَّا الْمُتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَنِ
فَأُولَئِكَ
لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا
٩٨
عَسَى اللَّهُ أَن يَعْفُوَ عَنْهُمّ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا﴾(٤).
(١) سورة القصص / ٢١ .
(٢) حديث: ((أذن الرسول ﴿ ﴿ للرعاة حين استوخموا
المدينة ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٧/ ٤٥٨ ط السلفية)،
ومسلم (١٢٩٦/٣ ط عيسى الحلبي).
(٣) حديث: ((المنع من الخروج من الطاعون)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥١٣/٦ ط السلفية)،
ومسلم (١٧٣٨/٤ ط عيسى الحلبي) من حديث
أسامة بن زيد ري .
(٤) سورة النساء / ٩٨ - ٩٩ .
قالوا: فهذا الاستضعاف المعفو عمن
اتصف به غير الاستضعاف المعتَذّر به في أول
الآية وصدرها في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ تَوَنَّهُمُ
الْمَلَكَةُ ظَالِىّ أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيَ كُمْ قَالُواْ كُنَّ
مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضَِّ قَالُواْ أَلَتَ تَكُنْ أَرْضُ اَللَّهِ وَاسِعَةٌ
فَنُهَاجِرُواْ فِيهَّا فَأُوْلَكَ مَأْوَهُمْ جَهَنٌَّ وَسَآَتْ
مَصِيرًا﴾(١)، وهو قول الظالمي أنفسهم: ﴿كُنَّ
مُسْتَضْعَفِينَ فِ الْأَرْضَِّ﴾، فإن اللّه تعالى لم يقبل
قولهم في الاعتذار به، فدلّ على أنهم كانوا
قادرين على الهجرة من وجهٍ ما، وعفا عن
الاستضعاف الذي لا يُستطاع معه حيلة ولا
يُهتدى به سبيل بقوله: ﴿فَأُوْلَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ
يَعْفُوَ عَنْهُمْ﴾ وعسى من اللَّه واجبة.
فالمستضعف المعفو عنه في العجز عن الهجرة
هو العاجز من كل وجه. فإذا عجز المبتلى
بهذه الإقامة عن الفرار بدينه، ولم يستطع
سبيلاً إليها، ولا ظهرت له حيلة ولا قدرة
عليها بوجهٍ ولا حال، أو كان بمثابة المُقعَد أو
المأسور، أو كان مريضاً جداً، أو ضعيفاً
جداً، فحينئذ يُرجى له العفو، ويصير بمثابة
المكره على التلفظ بالكفر، ومع هذا لا بدّ أن
تکون له نیة قائمة أنه لو قدر وتمكّن لهاجر،
وعزم صادق مستصحب أنه إن ظفر بمكنة وقتاً
(١) سورة النساء / ٩٧.
- ١٨٦ -

هجرة ١٠
ما فيها هاجر، وأما المستطيع بأي وجهٍ كان
وبأي حيلة تمكّنَ منها فهو غير معذور وظالم
لنفسه إن أقام(١).
وأما قسم الطلب فینقسم قسمین: طلب دین
وطلب دنیا.
فأما طلب الدين فيتعدّد بتعدّد أنواعه إلى
تسعة أقسام:
الأول: سفر العبرة، قال الله تعالى: ﴿أَوَلَّمْ
يَسِبِرُواْ فِىِ الْأَرْضِ فَيَنْظُواْ كَيْفَ كَانَ عَنْقِبَةُ الَّذِينَ مِن
قَبْلِهِمْ﴾(٢) وهو كثير. ويقال: إن ذا القرنين
إنما طاف الأرض لیری عجائبها. وقيل: لينفذ
الحق فيها .
الثاني: سفر الحج. والأول وإن كان ندباً
فهذا فرض.
الثالث: سفر الجهاد وله أحكامه.
الرابع: سفر المعاش، فقد يتعذر على
الرجل معاشه مع الإقامة فيخرج في طلبه لا
یزید علیه، من صید أو احتطاب أو احتشاش،
فهو فرض عليه.
(١) المعيار المعرب للونشريسي (ط دار الغرب
الإسلامي) ١٢١/٢ وما بعدها، وانظر فتح العلي
المالك لعليش ٣٧٥/١ .
(٢) سورة الروم / ٩ .
الخامس: سفر التجارة والكسب الزائد على
القوت، وذلك جائز بفضل اللَّه سبحانه
وتعالى، قال اللَّه تعالى: ﴿لَيْسَ عَلَيْكُمْ
◌ُنَامُ أَن تَبْتَغُواْ فَضْلًا مِّن رَّبِّكُمْ﴾(١)
يعني التجارة، وهي نعمة مَنَّ الله بها في سفر
الحج، فکیف إذا انفردت.
السادس: في طلب العلم وهو المشهور.
السابع: قصد البقاع، قال ◌َالثور: ((لا تُشدّ
الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد))(٢)
الثامن: الثغور للرباط بها وتكثير سوادها
للذب عنها.
التاسع: زيارة الإخوان في اللَّه تعالى، فعن
أبي هريرة ◌َ عن النبي وَلّ ى: («أن رجلاً زار
أخاً له في قرية أخرى، فأرصد الله له على
مَذْرَجَته ملكاً، فلما أتى عليه قال: أين تريد؟
فقال: أريد أخاً لي في هذه القرية. قال: هل
لك عليه من نعمة تَرُبُّها؟ قال: لا، غير أني
أحببته في اللَّه عز وجل. قال: فإني رسول
(١) سورة البقرة / ١٩٨ .
(٢) حديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد
.....
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٦٣ ط السلفية)،
ومسلم (١٠١٤/٢ ط عيسى الحلبي) من حديث
أبي هريرة تني .
- ١٨٧ -

٠٠٠.
هجرة ١١
فيه))(١).
١١ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة -
تفريعاً على قولهم بوجوب الهجرة في حق من
قدر عليها إذا لم يستطع إظهار دينه في دار
الكفر - إلى وجوبها على المرأة من غير اعتبار
شروط السفر في حقها على النحو التالي(٢):
قال المالكية: لو أسلمت المرأة بدار
الحرب فإنها تخرج منها مع رفقة مأمونة، فإن
لم تجدها وكان يحصل بكل من بقائها
وخروجها ضرر فإن خفّ أحدهما ارتكبته،
وإن تساويا خيّرت(٣).
وقال الشافعية: تجب الهجرة على مَنْ لم
يستطع إظهار دينه وخاف فتنةً فيه، إن أطاقها،
ويعدّ عاصياً بإقامته، ولو أنثى لم تجد محرماً
مع أمنها على نفسها، أو كان خوف الطريق أقلّ
من خوف الإقامة، واستثنى الشافعية من قولهم
(١) حديث: ((أن رجلاً زار أخاً له في قرية ... )).
أخرجه مسلم (١٩٨٨/٤ ط عيسى الحلبي).
(٢) نهاية المحتاج ٧٨/٨، وكفاية الطالب الرباني مع
حاشية العدوي ٢/ ٤٥٠، والزرقاني ٢٣٧/٢،
والمبدع ٣١٤/٣ .
(٣) شرح الزرقاني ٢٣٧/٢.
اللَّه إليك بأن الله قد أحبك كما أحببته بوجوب الهجرة على القادر عليها ممن لا
يستطيع إظهار دينه في دار الكفر: مَنْ في إقامته
مصلحة للمسلمين فتجوز له الإقامة فيها. قال
هجرة المرأة من دار الكفر:
الرملي: بل ترجح على الهجرة(١)، أخذاً مما
جاء أنّ العباس تنفي أسلم قبل بدر، واستمر
مخفياً إسلامه إلى فتح مكة، یکتب بأخبارهم
إلى النبي ێ، وكان يحبّ القدوم علیه فیکتب
له أن مقامك بمكة خير(٢).
وقال الحنابلة: إذا وجبت الهجرة لعدم
القدرة على إظهار الدين وإطاقتها، فلا فرق في
ذلك بين الرجل والمرأة، ولو كانت في عدة
بلا راحلة ولا محرم.
وفي عيون المسائل والرعايتين: إن أمنت
على نفسها من الفتنة في دينها لم تهاجر إلا
بمحرم كالحج. وزاد في الشرح وشرح الهداية
للمجد: وإن لم تأمنهم فلها الخروج حتى
وحدها(٣)
(١) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليه ٢٦٩/٩ وما
بعدها، وأسنى المطالب وحاشية الرملي عليه ٤/
٢٠٤، ونهاية المحتاج ٧٨/٨ .
(٢) حديث: ((أن العباس تَّه أسلم قبل بدر،
واستمر مخفياً ... )).
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٣١/٤ ط دار
بيروت)، وذكره الذهبي في السير (٩٨/٢-٩٩ ط
مؤسسة الرسالة)، وقال: إسناده ضعيف.
(٣) كشاف القناع ٤٤/٣، والمبدع ٣١٤/٣، =
- ١٨٨ -

هجرة ١٢
أما الحنفية: فقد نصوا على أن المرأة إذا
أسلمت في دار الحرب أو كانت مسلمة أسيرة
- كان لها أن تهاجر إلى دار الإسلام بدون
محرم؛ لأنها لا تقصد سفراً، وإنما تطلب
الخلاص حتى لو وصلت إلى جيش
المسلمين، ولهم منعة لا يجوز لها أن تخرج
من عندهم وتسافر(١).
عدة المهاجر من دار الحرب إلى دار الإسلام
١٢- نص الحنفية على أنه: تنكح المهاجرة
الحائل بلا عدة فيجوز تزوج من هاجرت من
دار الحرب إلى دار الإسلام مسلمة أو ذمية ولا
عدة عليها. أما الحامل فلا يجوز تزوجها حتى
تضع وهذا عند أبي حنيفة، وقال أبو يوسف
ومحمد: يجب عليها العدة لأنها حرة فارقت
زوجها بعد الإصابة، وفرقتها وقعت في دار
الإسلام، فتلزمها العدّة کالمطلقة في دارنا،
وهذا لأن العدّة حق الشرع، كيلا يجتمع ماء
رجلین في رحمها وذلك محترم حتی یثبت
نسبه إلى سنتين، بخلاف المطلقة في دار
الحرب وهي حربية ثم خرجت إلينا حيث لا
تجب عليها العدّة، لأن الطلاق وقع
غير موجب للعدّة لكونها غير مخاطبة فلا
= والفروع لابن مفلح ٦/ ١٩٧ .
(١) تبيين الحقائق ١٧٤/٣ والبحر الرائق ٣٣٨/٢.
ينقلب موجباً، ولأبي حنيفة قوله تعالى: ﴿وَلَا
جُنَاحَ عَلَيْكُمْ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ﴾(١)، فأباح نكاح
المهاجرة مطلقاً فتقييده بما بعد العدّة زيادة،
والزيادة على النص نسخ، وهو قوله تعالى:
﴿َلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ﴾(٢)، فمن منع فقد
أمسك ولأنها فرقة وقعت بتباين الدارين فلا
توجب العدّة كما في المسبية، وهذا لأن تباين
الدارين مناف للنكاح فيكون منافياً لأثره،
والعدّة من أثره، ولأنه لو وجب لوجب حقاً
للزوج ولا حرمة للحربي، وأما إذا كانت
حاملًا فلا نقول بوجوب العدّة عليها ولكن لا
يصح نكاحها حتى تضع حملها، لأن في بطنها
ولداً ثابت النسب من الغير، وذلك يمنع
النكاح كأم الولد إذا حبلت من مولاها لا
یزوجها حتى تضع حملها. وروی الحسن عن
أبي حنيفة أنه يصح النكاح ولكن لا يقربها
حتى تضع حملها، لأنه لا حرمة لماء الحربي
فكان كالزاني والأول أصح، لأن نسبه ثابت
فكان الرحم مشغولًا بحق الحمل من الزنا(٣).
(١) سورة/ ١٠ .
(٢) سورة/ ١٠ .
(٣) تبين الحقائق ١٧٧/٢، وحاشية ابن عابدين ٢/
٣٩٢، وأحكام القرآن للجصاص ص٥٣٨/٣-
٥٤١ .
- ١٨٩ -

هجرة ١٣ - ١٤
وانظر آراء الفقهاء في أثر اختلاف الدارين
على النكاح. في مصطلح (اختلاف الدارين
ف٥ ).
ما يُلحق بدار الكفر في الحكم بوجوب
الهجرة منها :
١٣ -ألحق بعض الحنابلة بدار الحرب في
الحكم بوجوب الهجرة منها على من أطاقها
ولم يقدر على إظهار دينه في إقامته بها دار
البغاة ودار البدعة(١).
ويرى المالكية أن الهجرة من أرض الحرام
والباطل بظلم أو فتنة فريضة إلى يوم القيامة،
لقول النبي ◌َله: ((يوشك أن يكون خير مال
المسلم غنم يتبع بها شعف الجبال ومواقع
القطر يفر بدينه من الفتن»(٢)، وقد روى
أشهب عن مالك أنه قال: لا يقيم أحد في
موضع يُعمل فيه بغير الحق. قال ابن العربي:
فإن قيل: فإذا لم يوجد بلد إلا كذلك؟ قلنا:
يختار المرء أقلها إثماً، مثل أن يكون بلد به
کفر، فبلد فيه جور خیر منه، أو بلد فیه عدل
(١) كشاف القناع ٤٣/٣، وشرح منتهى الإرادات
٩٤/٢، والمبدع ٣١٤/٣، والفروع ١٩٧/٦.
(٢) حديث: ((يوشك أن يكون خير مال المسلم
غنم ... )).
أخرجه البخاري (٦٩/١ ط السلفية) من حديث أبي
سعيد الخدري رَاته .
وحرام، فبلد فيه جور وحلال خير منه للمقام،
أو بلد فيه معاص في حقوق الله فهو أولی من
بلد فيه معاصٍ في مظالم العباد(١) .
الهجرة من بلد تجترح فيها المعاصي:
١٤ - اختلف الفقهاء في هذه المسألة
على أقوال:
الأول للمالكية وهو قول عطاء: وهو
وجوب الهجرة من الأرض التي يعمل فيها
بالمعاصي. حيث قال سعيد بن جبير في قوله
تعالى: ﴿إِنَّ أَرْضِ وَسِعَةٌ﴾(٢): إذا عُمِلَ فيها
بالمعاصي فاخرج منها(٣) .
قال ابن القاسم: سمعت مالكاً يقول: لا
يحلّ لأحد أن يقيم ببلد يُسَبُّ فيه السلف (٤).
الثاني للشافعية: وهو أن كل مَنْ أظهر حقاً
ببلدة من بلاد الإسلام ولم يُقبَل منه، ولم يقدر
(١) عارضة الأحوذي لابن العربي ٨٨/٧ وما بعدها،
وانظر فتح العلي المالك لعليش ٣٧٥/١،
والمعيار للونشريسي ٢/ ١٢١ .
(٢) سورة العنكبوت / ٥٦ .
(٣) أثر سعيد بن جبير: إذا عمل فيها بالمعاصي
فاخرج منها.
أخرجه الطبراني في جامع البيان (٩/٢١ ط مصطفى
الحلبي).
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٤٨٤/١، وتفسير
القرطبي ٣٥٠/٥ .
- ١٩٠ -

هجرة ١٥
على إظهاره، أو خاف فتنة فيه، فتجب عليه
الهجرة منها. قال الرملي: لأن المقام على
مشاهدة المنكر منكر، ولأنه قد يبعث على
الرضا بذلك. نقله الأذرعي وغیره عن صاحب
المعتمد(١). ويوافقه قول البغوي أنه يجب
على كل مَنْ كان ببلد تعمل فيه المعاصي ولا
یمکنه تغییرها الهجرةُ إلى حيث تتهيأ له
العبادة(٢)، لقوله تعالى: ﴿فَلَا نَقْعُدْ بَعْدَ
الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَِّينَ﴾(٣).
وهو قول الإمام القرطبي في تذكرته. حكاه
صديق حسن خان في (العبرة مما جاء في
الغزو والشهادة والهجرة)(٤).
وقد ذكر الهيتمي في التحفة أن الذي ينبغي
اعتماده في ذلك أن المعاصي المجمع عليها
إذا ظهرت في بلد بحيث لا يستحيي أهلُهُ كلهم
من ذلك، لتركهم إزالتها مع القدرة، فتجب
الهجرة منه، لأن الإقامة حينئذٍ معهم تُعَدّ إعانة
وتقريراً لهم على المعاصي، بشرط ألّا يكون
عليه مشقة في ذلك، وأنْ يقدر على الانتقال
(١) أسنى المطالب وحاشية الرملي عليه٤/ ٢٠٤،
وتحفة المحتاج٩/ ٢٧٠ .
(٢) تحفة المحتاج ٩/ ٢٧٠.
(٣) سورة الأنعام / ٦٨ .
(٤) العبرة مما جاء في الغزو والشهادة والهجرة
ص٢٢٢ ( ط دار الكتب العلمية ١٤٠٥هـ).
لبلدٍ سالمة من ذلك، وألّا يكون في إقامته
مصلحة للمسلمين، وأن تكون عنده المؤن
المعتبرة في الحج(١).
الثالث للحنابلة: وهو أنّ الهجرة لا تجب
من بين أهل المعاصي(٢).
الرابع للملا علي القاري: وهو أنّ الهجرة
من الوطن الذي يُهجر فيه المعروف، ويشيع
فيها المنكر، وترتكب فيه المعاصي
مندوبة(٣).
الإخلاص في الهجرة:
١٥ - لمّا كانت الهجرة تصرفاً شرعياً، لزم
في حق مَنْ كانت مطلوبة منه أن يقوم بها
قاصداً بذلك وجه الله تعالى وحده، حتی ینال
أجرها وثوابها، ويحقّق مقصد الشارع الحكيم
من طلبها، فيكون مهاجراً حقاً(٤). وقد نبّه
المصطفى * فيما رواه عمر بن الخطاب
رَبّ قال: سمعت رسول اللَّهِ وَ ل يقول:
((إنما الأعمال بالنية، وإنما لامرئ ما نوى،
(١) تحفة المحتاج ٩/ ٢٧٠، ٢٧١.
(٢) شرح منتهى الإرادات ٩٤/٢، وكشاف القناع٣/
٣٩، والمبدع ٣١٤/٣.
(٣) مرقاة المفاتيح ٤/ ١٨٢.
(٤) طرح التثريب ٣/٢، وجامع العلوم والحكم
ص٥، وفتح المبين لشرح الأربعين ص٥٤ .
- ١٩١ -

هجرة ١٥، هجنة ١ - ٢
فمن كانت هجرته إلى الله ورسوله فهجرته إلى
الله ورسوله، ومن كانت هجرته لدنيا يصيبها
أو امرأة يتزوجها، فهجرته إلى ما هاجر
إليه))(١).
قال ابن رجب: فالمهاجر إلى الله ورسوله
هو المهاجر حقاً ... والمهاجر لدنيا يصيبها
تاجر، والمهاجر لامرأة ينكحها خاطب،
وليس واحد منهما بمهاجر(٢). وقال ابن
علان: من كانت هجرته إلى الله ورسوله نیّةً
وقصداً، فهجرته إليهما ثواباً وأجراً، أو
فهجرته إليهما حُكْماً وشرعاً(٣).
(١) حديث: ((إنما الأعمال بالنية ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣٥/١ ط السلفية)،
ومسلم (١٥١٥/٣ - ١٥١٦ ط عيسى الحلبي)،
واللفظ لمسلم.
(٢) جامع العلوم والحكم ص١١.
(٣) الفتوحات الربانية على الأذكار النووية ٥٨/١.
مُجْنَة
التعريف :
١ - من معاني الهجنة في اللغة: العيب
والقبح. يقال: في كلامه هجنة.
والهجين: ما تلده برذونة من حصان
(١)
عربي(١).
والهجين من الناس: الذي ولد من أب
عربي وأم غير عربية، والجمع هجن(٢).
ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن
المعنى اللغوي(٣).
الأحكام المتعلقة بالهجنة:
يتعلق بالهجنة أحكام منها:
أ - الهجنة في الكلام:
٢ - من آداب الكلام: أن يتجافى المتكلم
هجر القول ومستقبح الكلام، وليعدل إلى
(١) لسان العرب.
(٢) المغرب، ولسان العرب.
(٣) رد المحتار ٢٣٥/٣.
-- ١٩٢ -

هجنة ٣
الکنایة عما يستقبح صريحه، ويستھجن
فصيحه، ليبلغ الغرض، ولسانه نَزِهِ، وأدبه
مصون(١)، فيعبر - مثلًا - عن العيوب
المستهجن ذكرها كالبرص والبخر والصنان
وغيرها بعبارات جميلة يفهم منها الغرض (٢).
ب - سهم الفرس الهجين من الغنيمة:
٣ -ذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى
أن الفرس الهجين يسهم له من الغنيمة مساوياً
لما يسهم للفرس العربي(٣) .
قال الحنفية: لأن الإرهاب مضاف إلى
جنس الخيل في الكتاب، قال اللَّه تعالى:
﴿وَأَعِدُواْ لَهُم مَّا أَسْتَطَعْتُم بِّن قُوَّةٍ وَمِنْ رِّبَاطِ
اٌلْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ، عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُؤَّكُمْ﴾(٤)
واسم الخيل ينطلق على البراذين والعراب
والهجين والمقرف إطلاقاً واحداً، ولأن
العربي إن كان في الطلب والهرب أقوى
(١) أدب الدنيا والدين للماوردي ص٤٤٨ نشر دار ابن
کثیر .
(٢) بريقة محمودية في شرح طريقة محمدية وبهامشه
الوسيلة الأحمدية ٣/ ٢٠٣ .
(٣) الفتاوى الهندية ٢١٢/٢، وحاشية ابن عابدين ٣/
٢٣٥، وفتح القدير ٤٩٨/٥، والشرح الصغير ٢/
٥٥٦، وشرح المحلي على المنهاج ١٩٤/٣.
(٤) سورة الأنفال / ٦٠ .
فالبرذون أصبر وألين عطفاً، ففي كل منهما
منفعة معتبرة فاستويا، ومن دخل دار الحرب
فارساً فنفق فرسه استحق سهم الفرسان، ومن
دخل راجلا فاشترى فرساً استحق سهم
راجل.
ويفرق الحنابلة بين سهم الفرس العربي
وبین سهم الهجین وغيره من الخیل حیث
قالوا(١): للفارس على فرس عربي (ويسمى
العتيق) ثلاثة أسهم: سهم له، وسهمان لفرسه
لحديث ابن عمر رضي الله تعالى عنهما قال:
«قسّم رسول اللّه پ# يوم خيبر للفرس سهمين
وللراجل سهماً))(٢)، وقال خالد الحذاء: لا
يختلف فيه عن النبي ولو قال: ((للفارس
ثلاثة، وللراجل سهم)»(٣).
وللفارس على فرس هجين وهو ما أبوه
عربي وأمه غير عربية، أو على فرس مقرف -
(١) مطالب أولي النهى ٢/ ٥٥٧ .
(٢) حديث: ((قسم رسول الله وَّه يوم خيبر للفرس
سهمين ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٧/ ٤٨٤ ط السلفية)،
وأخرجه مسلم (١٣٨٣/٣ ط الحلبي) دون قوله
(یوم خيبر)).
(٣) مقالة خالد الحذاء: أخرجها الدارقطني في سننه
(٤/ ١٠٧ - ط دار المحاسن)، والبيهقي (٦/
٣٢٧ - ط دائرة المعارف العثمانية).
- ١٩٣ -

هجنة ٣، هدب ١ - ٢
عكس الهجين - وهو ما أمه عربية وأبوه غير
عربي، أو على فرس برذون وهو ما أبواه
نبطيان سهمان: سهم له وسهم لفرسه،
لحديث خالد بن معدان: ((أسهم رسول الله
(وَلو العربي سهمين وللهجين سهماً))(١).
وتفصيل ذلك في مصطلح (غنيمة ف٢٤،
وخیل ف٥).
(١) حديث خالد بن معدان: ((أسهم رسول الله وَله .
للعربي سهمين ... )).
أخرجه أبو داود في المراسيل (ص٢٢٦ - ٢٢٧ ط
الرسالة) من حديث خالد بن معدان مرسلاً.
هُذْب
التعريف :
١ - الهُذْب - بضم الهاء مع سكون الدال -
يطلق في اللغة على معنيين :
الأول: ما نبت على أشفار العين من
الشعر، والجمع أهداب، مثل: قُفْل وأقفال،
يقال: رجل أهدب: طويل الأهداب.
الثاني: طرة الثوب: أي طرفه: مثل غرفة
وغرف. وفي حديث المطلقة ثلاثاً قولها: ((إن
ما معه مثل هدبة الثوب)) (١) أي في الاسترخاء
وعدم الانتشار(٢).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
الحاجب :
٢ -الحاجب في اللغة: السّتر لأنه يمنع
(١) حديث: ((إن ما معه مثل هدية الثوب))
أخرجه مسلم (٣/ ١٠٥٥ - ط الحلبي) من حديث
عائشة رعايتها .
(٢) المصباح المنير.
- ١٩٤ -

هدب ٣ - ٤
المشاهدة، ويطلق على البوّاب: لأنه يمنع
الدخول .
وهو في الاصطلاح: الشعر فوق العينين،
ویسمی : حاجبان.
والصلة بین الهدب والحاجب أن كلاً منهما
شعر خلق لحماية العين(١).
الأحكام المتعلقة بالهدب:
يتعلق بالهدب أحكام منها:
الجناية على الهدب:
٣ -اختلف الفقهاء فيما يجب في الجناية
على أهداب العينين وهي الشعرة التي على
الأجفان بقلعها بمفردها .
فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يجب
بقلعها بمفردها بدون الجفن دية كاملة إذا قلعها
ولم ينبت تحتها لأنه يتعلق بها الجمال على
الكمال كما يتعلق بها دفع الأذى والقذى عن
العینین، وتفويت ذلك ينقص البصر ويورث
العمی(٢).
(١) المصباح المنير، ومغني المحتاج ٥١/١، والمغني
لابن قدامة ٧/٨، وتبيين الحقائق ١٣١/٦.
(٢) رد المحتار مع حاشية ابن عابدين ٣٧٠/٥-٣٧١ .
وتبيين الحقائق ١٢٩/٦-١٣١، والمغني ٧/٨.
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا يجب
في إزالة الهدب قصاص ولا دية إنما تجب
فيها حكومة إن أزيلت ولم ينبت الشعر(١).
وتفصيل ذلك في مصطلح ديات (ف ٥٢).
غسل الأهداب في الوضوء:
٤ -قال المالكية والحنابلة: إن كان شعر
الهدب كثيفاً لا يصف البشرة أجزأ غسل ظاهره
ويندب تخليله عند الحنابلة وفي قول عند
المالكية وفي قول آخر عندهم أنه يكره، وإن
كان شعر الهدب خفيفاً يصف البشرة وجب
غسلها معه(٢) .
وقال الحنفية: إنه يجب إمرار الماء على
شعور الوجه ولا يجب غسل ما تحت الشعر،
وقالوا: فإن هذه الشعور وإن كانت داخلة في
حدّ الوجه، إلا أنها لا يجب غسل أصولها
للحرج. وقال ابن عابدين وعزاه للدرر: إن
علة عدم وجوب غسل ما تحت هذه الشعور -
وهي في حدّ الوجه - أن محل الفرض استتر
(١) الشرح الصغير ٣٥٣/٤-٣٩١، ومغني المحتاج
٦٢/٤، وتحفة المحتاج ٤٦٦/٨، وروض
الطالب ٤ / ٥٣ .
(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٨٦/١،
والشرح الصغير١٠٦/١، ١٠٧، والمغني لابن
قدامة ١١٥/١-١١٦ .
- ١٩٥ -

هدب ٤، هدر ١ - ٢
بالحائل الذي هو الشعر، وصار بحال لا
يواجه الناظر إليه، فسقط الفرض عنه وتحول
إلى الحائل الذي هو الشعر.
وقال ابن عابدين: هذا كله إذا كان كثيفاً،
أما إذا بدت البشرة فيجب غسلها(١).
وذهب الشافعية إلى أنه يجب غسل
الأهداب في الوضوء ظاهراً وباطناً، لأنه من
شعور الوجه فيجب غسله، لقوله تعالى:
﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَوَةِ
فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ﴾(٢) وشعر الوجه منه، فیجب
غسله ظاهراً وباطناً وإن كثف الشعر، لأن
كثافته نادرة فألحق بالغالب(٣) .
(١) تبيين الحقائق ٣/١، وابن عابدين ٦٦/١ - ٦٧ .
(٢) سورة المائدة / ٦ .
(٣) مغني المحتاج ٥١/١.
هذر
التعريف
١ - الهدر في اللغة من هدر الدم هدراً -
وبابه ضرب وقتل - بطل، وأهدر لغة،
وهدرته: أبطلته، وأهدر الشيء: أبطله،
يقال: أهدر دمه: أباحه، وتهادر القوم: أبطلوا
دماءهم بينهم وأباحوها، وذهب دمه هدراً
بالسكون وبالتحريك: أي باطلا لا قود فيه ولا
عقل، والهدر بفتحتین اسم منه.
وذهب سعيه هدرا: أي باطلا(١).
واصطلاحاً النفس الهدر: هي التي لا قود
فيها ولا دية ولا كفارة (٢) .
الألفاظ ذات الصلة :
٢- العصمة بالكسر لغة: المنع، مأخوذة
العصمة :
(١) المصباح المنير والمعجم الوسيط.
(٢) فتح القدير ٢٣٢/١٠ ط دار الفكر، وابن عابدين
٣٤٢/٥، ومغني المحتاج ٢٣/٤، والتاج والأكليل
بهامش الحطاب ٢٣٣،٢٣١/٦، والمطلع على
أبواب المقنع ص٣٦١ .
- ١٩٦ -

هدر ٣
من عصم یعصم بمعنی: اكتسب ومنع ووقی،
يقال: عصمه الله من المكروه يعصمه - من
باب ضرب - حفظه ووقاه.
والعصمة أيضاً: القلادة (١).
والعصمة في الاصطلاح: عرفها الجرجاني
بأنها: ملكة اجتناب المعاصي مع التمكن منها،
والعصمة المقوّمة: هي التي يثبت بها للإنسان
قيمة بحيث من هتكها فعليه القصاص والدية .
والعصمة المؤثّمة: هي التي تجعل من
هتکها آثما (٢) .
والصلة بين الهدر والعصمة التضاد.
الأحكام المتعلقة بالهدر
تتعلق بالهدر أحكام منها:
أولا: المهدر دماؤهم:
الأصل أن دم الإنسان معصوم إلا في
حالات منها :
أ - المرتد:
٣- اتفق الفقهاء على أن الردة من المسلم
تهدر دمه، لقول النبي ◌َّ لقول: ((لا يحل دم امرئ
(١) القاموس المحيط، والمصباح المنير.
(٢) التعريفات للجرحاني، والقواعد للبركتي.
مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول الله
إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب
الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة))(١)،
ولقوله وَلاغير: ((من بدل دينه فاقتلوه))(٢).
ويقتله الإمام أو نائبه، لأنه قتل مستحق لله
تعالى، فكان للإمام ولمن أذن له الإمام، فإذا
قتله غير الإمام أو نائبه بغير إذن الإمام فلا
قصاص على القاتل ولا دية عليه إذا كان
مسلماً، لكنه يعزر، لافتياته على حق
الإمام. (٣)
قال الشافعية: إن قاتل المرتد - ضد
المسلمين - جاز أن يقتله كل من قدر عليه
كالكافر الحربي وحين أُذن فلا تعزير على
(٤)
القاتل(٤) .
(ر: ردة ف ٣١، ٤٠).
(١) حديث: ((لا يحل دم امرىء مسلم ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٠١/١٢ - ط
السلفية)، ومسلم (١٣٠٢/٣ - ١٣٠٣ - ط
الحلبي) من حديث ابن مسعود واللفظ للبخاري.
(٢) حديث: ((من بدل دينه فاقتلوه))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢/ ٢٦٧ - ط
السلفية) من حديث ابن عباس.
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٤٢/٥، والتاج والاكليل
بهامش الحطاب ٢٣١/٦ - ٢٣٣، ومغني المحتاج
٤/ ١٤٠، وكشاف القناع ٦/ ١٧٤ - ١٧٥ .
(٤) أسنى المطالب شرح روض الطالب ٤/ ١٢٢،
ومغني المحتاج ٤/ ١٤٠ .
- ١٩٧ -

هدر ٤ - ٦
ب - المبتدع بدعة مكفرة:
٤ - ذهب الفقهاء إلى أن المبتدع بدعة
مکفرة یهدر دمه لكفره(١).
ج - الكافر الحربي :
٥- اتفق الفقهاء على أن دم الكافر الحربي
- وهو غير الذمي والمعاهد والمؤمن -
مهدَر، فإن قتله مسلم فلا تبعة عليه إذا كان
مقاتلًا، أما إذا كان الكافر الحربي غير مقاتل
كالنساء والصبيان والعجزة والرهبان
وغيرهم ممن ليسوا أهلاً للقتال أو لتدبيرها فلا
يجوز قتله، ويعزر قاتله، إلا إذا اشترك في
حرب ضد المسلمين أو أعانهم برأي أو تدبير
أو تحريض(٢)، لحديث: ((لا تقتلوا شيخاً فانياً
ولا طفلا صغيراً ولا امرأة))(٣) ولقوله الّ
في شأن امرأة وجدت مقتولة: ((ما كانت
(١) حاشية ابن عابدين ٢٩٧/٣، وتحفة المحتاج مع
حاشية الشرواني ٢٣٦/١٠، ومجموع الفتاوى
لابن تيمية ٣٥/ ٤١٢ - ٤١٥ .
(٢) المغني لابن قدامه ٨/ ٤٧٥ وما بعدها، ومغني
المحتاج ٢٢٢/٤، وجواهر الاكليل ١/ ٢٥٢ -
٢٥٣، وحاشية ابن عابدين ٢٢٤/٣ - ٢٢٥.
(٣) حديث: ((لا تقتلوا شيخاً فانياً ولا طفلًا
صغيراً ... ))
أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف (٣٨٣/١٢ - ط
السلفية) من حديث أنس بن مالك.
هذه لتقاتل))(١).
(ر: أهل الحرب ف ١١ وما بعدها، وكفر
ف ٦)
د - الزاني المحصن :
٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن دم الزاني
المحصن مهدر، وأنه لو أقام عليه الحد غير
الأمام أو نائبه من أفراد المسلمین لم یضمنه،
لأنه غير معصوم، لحديث: ((لا يحل دم امرئ
مسلم يشهد أن لا إله إلا اللَّه وأني رسول الله
إلا بإحدى ثلاث: النفس بالنفس، والثيب
الزاني، والمفارق لدينه التارك للجماعة))(٢)،
لكن يعزر، لافتياته على الإمام، لأن الأصل
أن إقامة الحدود واستيفاءها للإمام أو نائبه لأنه
حق الله تعالى، ويفتقر إلى اجتهاد، ولا يؤمن
معه الحیف، فوجب تفويضه إلى نائب الله في
خلقه، ولأنه ◌َ و كان يقيم الحدود في حياته
وكذلك خلفاؤه من بعده (٣).
واشترط الحنفية لإهدار دم الزاني المحصن
(١) حديث: ((ما كانت هذه لتقاتل))
أخرجه أبو داود (١٢٢/٣ - ط حمص)، والحاكم
(١٢٢/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية).
(٢) حديث: ((لا يحل دم امرىء مسلم ... ))
تقدم تخريجه فقرة (٣).
(٣) رد المحتار على الدر المختار ١٤٥/٣، المواق
بهامش الحطاب ٦/ ٢٣١، وكشاف القناع ٧٨/٦ .
- ١٩٨ -

هدر ٧
إذا قتله غير الإمام أو نائبه أن یکون بعد القضاء
به، فلو قتله شخص قبل القضاء به وجب
القصاص على القاتل إذا كان القتل عمداً،
ووجبت الدية إذا كان خطأ، لأن الشهادة قبل
الحکم بها لا حكم لها (١).
. قال الشيخ عزالدين بن عبدالسلام من
الشافعية: وإنما لم يفوض إقامة الحد في الزنى
لأولياء المزني بها كالقصاص، لأنهم قد
يتركون ذلك خوفا من العار(٢).
تغير حال المجروح:
٧ - اختلف الفقهاء في حكم ما إذا تغير
حال المجروح من وقت الجرح إلى الموت
بعصمة أو إهدار على النحو التالي:
. الحالة الأولى: تغيره من حال الإهدار إلى
العصمة، وذلك كأن يجرح مسلم أو ذميٍّ
حربياً أو مرتدا، فأسلم الحربي أو المرتد أو
أمن الحربي، ثم مات بسراية الجرح، وللفقهاء
في هذه الحالة قولان:
القول الأول: لجمهور الفقهاء (الحنفية
(١) رد المحتار على الدر المختار ١٤٥/٣ .
(٢) مغني المحتاج ١٥١/٤، وحاشية الشرواني مع
تحفة المحتاج ١١٥/٩، وحاشية الجمل على
شرح المنهج ١٣٥/٥ .
والمالكية والشافعية والحنابلة)(١) وهو أنه لا
ضمان في ذلك بقصاص ولا مال، بل دمه
مهدر، لأن الجرح السابق غير مضمون، لأنه
لم يجن على معصوم، ولأن الاعتبار في
التضمين بابتداء حال الجناية، لأنها موجبة بناء
على قاعدة: كل جرح أوله غير مضمون لا
ينقلب مضمونا بتغير الحال في الانتهاء.
القول الثاني: أنها مضمونة، قال ابن القاسم
من المالكية: تجب في هذا دية حر مسلم في
مال الجاني حالة(٢).
وفي قول عند الشافعية: تجب فيه دية
مخففة، أي دية حر مسلم مخففة اعتباراً بحال
استقرار الجناية(٣).
الحالة الثانية: تغير حال المجروح من
معصوم إلى مهدر الدم، كأن ارتد المسلم
المجروح ومات بالسراية مرتدا وجارحه مسلم
أو ذمي، فالنفس مهدرة لاقود فيها ولا دية ولا
کفارة عند جمهور الفقهاء، لأنه لو قتل حينئذٍ
مباشرة لم يجب فيه شيء فكذا بالسراية .
(١) رد المحتار على الدر المختار ٣٤١/٥ - ٣٤٥،
والمغني لابن قدامه ٧/ ٦٩٣، ومغني المحتاج
٢٣/٤، والمواق بهامش الحطاب ٢٣١/٦،
٢٤٤، ٢٤٥، وكشاف القناع ٥٢١/٥ - ٥٢٢ .
(٢) التاج والإكليل بهامش الحطاب ٦/ ٢٤٤ .
(٣) مغني المحتاج ٢٣/٤ .
- ١٩٩ -

هدر ٨ - ٩
٨ - ولكنهم اختلفوا فيما يجب بسبب
الجرح السابق :
فذهب الشافعية في الأظهر وأشهب من
المالكية إلى وجوب القصاص في الجرح إن
کان مما يجب القصاص فیه، کقطع اليد أو
الرجل أو الموضحة مثلا، لأن القصاص في
الطرف منفرد عن القصاص في النفس فيستقر
ولا يتغير بما يحدث بعده، بدليل أنه لو قطع
طرف غيره ثم حز رقبته آخر، لزم الأول
قصاص الطرف فهو كما لو لم يسر الجرح(١) .
وذهب المالكية والحنابلة، وهو مقابل
الأظهر عند الشافعية إلى أنه لا قصاص على
الجارح لأن الجراحة صارت نفسا والنفس
مهدرة باتفاق، فكذا الطرف، ولأنه صار إلى
ما أحل دمه(٢).
قال الحنابلة: وإن قطع مكلف طرفا أو أكثر
من مسلم فارتد المقطوع ومات من جراحة فلا
قود على القاطع في النفس، لأنها نفس مرتد
غير معصوم ولا مضمون، بدليل مالو قطع
(١) مغني المحتاج ٢٣/٤، وأسنى المطالب ١٩/٤،
والتاج والإكليل بهامش الحطاب ٦/ ٢٤٤ -
٢٤٥ .
(٢) المراجع السابقة، وكشاف القناع ٥٢٢/٥،
والمغني لابن قدامة ٧/ ٦٩٤ وما بعدها.
طرف ذمى فصار حربيا ثم مات من جراحه لا
شيء عليه، وعلى القاطع المكلف الأقل من
دية النفس أو العضو المقطوع، لأنه إذا لم يرتد
لم يجب عليه أكثر من دية النفس فمع الردة
أولی(١).
وإلى وجوب الأقل من دية النفس وأرش
العضو المقطوع ذهب الشافعية أيضاً، وذلك
إذا لم يقتض الجرح مالا ولم يجب فيه
قصاص.
وفي قول عندهم وجب أرش العضو
المقطوع بالغا ما بلغ، ولو زاد على الدية،
ففي قطع يديه ورجليه دیتان.
وفي قول آخر عندهم أن الجرح مهدر في
هذه الحالة، لأن الجراحة إذا سرت صارت
قتلا، وصارت الأطراف تابعة للنفس والنفس
مهدرة فكذلك ما يتبعها(٢) .
٩ - وهذا كله إذا طرأت الردة بعد الجرح،
فلو طرأت الردة بعد الرمي وقبل الإصابة فلا
ضمان عند جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية
والحنابلة وأبي يوسف ومحمد من الحنفية) .
لأنه حین جنی علیه كان مرتدا مهدر الدم.
(١) كشاف القناع ٥٢٢/٥.
(٢) أسنى المطالب شرح روض الطالب ١٩/٤،
ومغني المحتاج ٢٣/٤ - ٢٤ .
- ٢٠٠ -