Indexed OCR Text
Pages 41-60
نيابة ٣٨ الابن غير مأمور بالحج عن الأبوين فلا تتحقق مخالفة الآمر، وإنما جعل ثواب الحج الواقع عن نفسه في الحقيقة لأبويه وكان من عزمه أن يجعل ثواب حجة لهما، ثم نقض عزمه وجعله لأحدهما، وههنا بخلافه لأن الحاج متصرف بحكم الآمر وقد خالف أمرهما، فلا یقع حجه لهما ولا لأحدهما(١). الحالة الثانية: الإحرام بحجة عن أحدهما: ٣٨- إذا أمراه بالحج فأحرم عن أحدهما عيناً وقع الحج عن الذي عينه، ويضمن النفقة للآخر وهذا ظاهر. وإن أحرم بحجة عن أحدهما غير معين فقد اختلف الفقهاء في حکمه. فذهب الجمهور إلى أنه ليس له أن يجعلها عن أحدهما أيهما شاء مالم يتصل بها الأداء وهذا قول أبي حنيفة ومحمد استحساناً(٢)، والشافعية، وهو احتمال عند الحنابلة واختاره أبو الخطاب(٣). ووجه الاستحسان: أنه قد صح أن الإحرام ليس من الأداء بل هو شرط جواز أداء أفعال (١) البدائع ٢١٤/٢ - ٢١٥، والمجموع ١٣٨/٧، والمغني ٣٠،٢٩/٥. (٢) البدائع ٢١٥/٢ . (٣) المجموع ١٣٨/٧، والمغني ٣٠،٢٩/٥. الحج فيقتضي تصور الأداء، والأداء متصور بواسطة التعيين، فإذا جعله عن أحدهما قبل أن يتصل به شىء من أفعال الحج تعين له فيقع عنه . فإذا لم يجعل الحجة عن أحدهما حتی طاف شوطاً، ثم أراد أن يجعلها عن أحدهما لم تجز عن واحد منهما، لأنه إذا اتصل به الأداء تعذر تعيين القدر المؤدى، لأن المؤدى قد مضى وانقضی فلا یتصور تعیینه فیقع عن نفسه، وصار إحرامه واقعاً له لاتصال الأداء به(١) . والقياس عند الحنفية أنه لا يجوز أن يجعلها عن واحد منهما(٢) ويقع الحج عن نفسه، ويضمن النفقة لهما، وهو احتمال عند الحنابلة(٣). ووجه القياس أنه خالف الأمر لأنه أمر بالحج لمعین وقد حج لمبهم، والمبهم غير المعين، فصار مخالفاً ويضمن النفقة، ويقع الحج عن نفسه. بخلاف ما إذا أحرم الابن بالحج عن أحد أبویه فإنه یصح وإن لم يذكر معیناً، لأن الابن في حجه لأبویه لیس متصرفا بحكم الآمر حتى يصير مخالفاً للأمر، بل هو (١) البدائع ٢١٥/٢ . (٢) البدائع ٢/ ٢١٤ . (٣) المغني ٥/ ٣٠. - ٤١ - نيابة ٣٩ - ٤٠ يحج عن نفسه ثم يجعل ثواب حجه لأحدهما وذلك جائز وههنا بخلافه(١) . وإن أحرم عن نفسه وغيره وقع عن نفسه، لأنه إذا وقع عن نفسه ولم ينوها فمع نيته (٢) أولى(٢). ك - استنابه في الحج فحج عنه ماشياً: ٣٩- نص الحنفية على أنه لو أمره أن يحج عنه فحج عنه ماشیاً يضمن لأنه خالفه. لأن الأمر بالحج ينصرف إلى الحج المتعارف في الشرع وهو الحج راكباً لأن اللَّه تعالى أمر بذلك، فعند الإطلاق ينصرف إليه، فإذا حج ماشيا فقد خالف فيضمن، ولأن الذي يحصل للآمر من الأمر بالحج هو ثواب النفقة والنفقة في الركوب أكثر فكان الثواب فيه أوفر . ولهذا قال محمد بن الحسن: إن حج على حمار كرهتُ له ذلك، والجمل أفضل لأن النفقة في ركوب الجمل أكثر، فكان حصول المقصود فيه أكمل فكان أولى(٣). ل - فعل النائب في الحج ما يوجب الدم أو غيره: ٤٠- إذا فعل المأمور بالحج مايوجب الدم (١) البدائع ٢١٤/٢. (٢) المغني ٣٠/٥. (٣) البدائع ٢١٥/٢ . فالدم على المأمور وهذا عند الحنفية والشافعية والحنابلة أما لو قرن عن الآمر بأمره فدم القران على المأمور هذا ماذهب اليه الحنفية والمالكية وهو مقابل الأصح عند الشافعية. وذهب الحنابلة وهو الأصح عند الشافعية أنه على الآمر كما لو حج بنفسه لأنه الذي شرط القران(١). قال الحنفية في توجيه الرأي الأول: والحاصل أن جميع الدماء المتعلقة بالإحرام في مال الحاج إلا دم الإحصار خاصة فإنه في مال المحجوج عنه، کذا ذکر القدوري في شرحه مختصر الكرخي . وذكر في بعض نسخ الجامع الصغير أن دم الإحصار على الحاج عند أبي يوسف(٢). أما ما يجب بالجناية فلأنه هو الذي جني فكان عليه الجزاء، ولأنه أمر بحج خال عن الجناية فإذا جنى فقد خالف فعليه ضمان الخلاف. وأما دم القران فلأنه دم نسك لأنه يجب : (١) البدائع ٢١٥/٢، والمجموع ١٣٢/٧، وشرح منتهى الإرادات١/ ٥٢٢، والمغني٢٥/٥، والدسوقي ٢/ ١٤ . (٢) ابن عابدين ٢٤٦/٢ . - ٤٢ - نيابة ٤١ - ٤٢ شكراً وسائر أفعال النسك على الحاج فكذا هذا النسك، وأما دم الإحصار فلأن المحجوج عنه هو الذي أدخله في هذه العهدة فكان من جنس النفقة والمؤنة وذلك عليه كذا هذا(١). وإن لم يأمره بالقران فأتى به فعليه دم القران عند جميع الفقهاء. أما بالنسبة للنفقة فإنه يضمنها عند أبي حنيفة والحنابلة وأحد وجهين عند الشافعية . قال أبو حنيفة: إنه مأمور بإنفاق المال لسفرٍ مفرد للحج، وقد خالف، فيقع عن نفسه ويضمن . وعند أبي يوسف ومحمد والوجه الآخر عند الشافعية: لا يضمن لأن القران أفضل فقد فعل المأمور به على وجه أحسن فلا يكون مخالفاً، كالوكيل إذا باع بأكثر مما سمى له الموكل(٢). م - جماع النائب في الحج قبل الوقوف بعرفة : ٤١- صرح الحنفية بأن الحاج عن الغير إذا جامع قبل الوقوف بعرفة فسد حجة ويمضي (١) البدائع ٢١٥/٢ . (٢) فتح القدير ١٥٣/٣، وروضة الطالبين٢٦/٣، والمغني ٢٦،٢٥/٥ . فيه والنفقة في ماله ويضمن ما أنفق من مال المحجوج عنه قبل ذلك، وعليه القضاء من مال نفسه، وهذا ماذهب اليه الشافعية والحنابلة(١). قال الكاساني: أما فساد الحجّ فلأن الجماع قبل الوقوف بعرفة مفسد للحج والحجةُ الفاسدة يجب المضي فيها، ويضمن ما أنفق من مال المحجوج عنه قبل ذلك، وعليه القضاء من مال نفسه، ويضمن ما أنفق من مال الآمر قبل ذلك، لأنه خالف، لأنه أمره بحجةٍ صحيحةٍ وهي الخالية عن الجماع ولم يفعل ذلك فصار مخالفا، فيضمن ما أنفق وما بقي ينفق فيه من ماله لأن الحج وقع له، ويقضي لأن من أفسد حجه يلزمه قضاؤه(٢). ثانياً: النيابة عن الحي في بعض الأعمال: أ - النيابة في التلبية: ٤٢- تجوز الإنابة في التلبية عند عجز الحاج بنفسه بأمره باتفاق الحنفية(٣) حتى لو توجه يريد حجة الإسلام، فأغمي عليه فلبى عنه أصحابه، وكان قد أمرهم بذلك، حتى لوعجز عنه بنفسه يجوز بإجماعهم. فإن لم (١) البدائع ٢١٥/٢، وابن عابدين ٢٤٧/٢، ومغني المحتاج ٥٢٢/١، والمجموع ١٣٤/٧. (٢) البدائع ٢١٥/٢ . (٣) البدائع ١٦١/٢. - ٤٣ - نيابة ٤٣ - ٤٤ يأمرهم بذلك نصاً فأهلوا عنه جاز أيضاً في قول أبي حنيفة، لأن الأمر ههنا موجود دلالة، وهي دلالة عقد المرافقة، لأن كل واحد من رفقائه المتوجهين إلى الكعبة يكون آذناً للآخر بإعانته فيما يعجز عنه من أمر الحج، فكان الأمر موجوداً دلالةٌ، وسعي الإنسان جاز أن يجعل سعياً لغيره بأمره(١)، بموجب قوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَّيْسَ لِلْإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾(٢). وقال أبو يوسف ومحمد: لا يجوز، لقوله تعالى: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنسَنِ إِلَّا مَا سَعَى﴾ ولم يوجد منه السعي في التلبية، لأن فعل غيره لا يكون فعله حقيقة، وإنما يجعل فعلًا له تقديراً بأمره ولم يوجد، بخلاف الطواف ونحوه، فإن الفعل هناك ليس بشرط، بل الشرط حصوله في ذلك الموضع وقد حصل، والشرط ههنا هو التلبية، وقول غيره لا يصير قولًا له إلا بأمره ولم يوجد(٣). ب- النيابة في الرمي: ٤٣- ذهب الفقهاء إلى أن من عجز عن الرمي بنفسه وجب أن يستنیب من يرمي عنه، وفي ذلك تفصيل ينظر في مصطلح (رمي ف٢٣). (١) البدائع ٢/ ١٦١، والهداية مع فتح القدير ٢/ ٤٠٢. (٢) سورة النجم/ ٣٩ . (٣) البدائع ٢/ ١٦١، والهداية مع فتح القدير ٤٠٢/٢. ثالثاً: النيابة في الحج عن الميت: أ - النيابة عن الميت في حج الفرض: ٤٤- ذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه متى توفي مَنْ وجب علیه الحج ولم یحج، وجب أن يخرج عنه من جميع ماله ما یحج به عنه ویعتمر، سواء أوصى به أم لا. وبهذا قال ابن عباس وأبو هريرة تطلق والحسن وطاووس(١). واستدلوا على ذلك بالسنة والمعقول: أما السنة المطهرة فقد روى بريدة ت : ((أن امرأة أتت النبي ◌ّچو وذكرت له أن أمها ماتت ولم تحج، قال: حجي عنها))(٢). وعن ابن عباس تنظيف ((أن امرأة نذرت أن تحج فماتت، فأتى أخوها النبي ◌َ ﴿ فسأله عن ذلك، فقال: أرأيت لو كان على أختك دين أكنت قاضيه؟. قال: نعم. قال: فاقضوا اللَّه فهو أحق بالوفاء))(٣). (١) المجموع ١٠٩/٧، ١١٢، ومغني المحتاج ٤٦٨/١، والمغني ٣٨/٥ وما بعدها، وكشاف القناع ٣٩٢/٢، ٣٩٣، وشرح منتهى الإرادات ٥١٩/١ . (٢) حديث بريدة: ((أن امرأة أتت إلى النبي وَلهر ... )) أخرجه مسلم (٨٠٥/٢ ط الحلبي). (٣) حديث ابن عباس: ((أن امرأة نذرت أن تحج ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري (١١/ ٥٨٤ ط السلفية)، والنسائي (١١٦/٥ ط المكتبة التجارية) واللفظ للنسائي. - ٤٤ - نيابة ٤٥ وأما المعقول فلأنه حق تدخله النيابة لزمه في حال الحياة فلم يسقط بالموت كدين (١) الآدمي(١). والعمرة كالحج في القضاء فإنها واجبة ((وقد أمر النبي * أبا رزين أن يحج عن أبيه ويعتمر))(٢) ويكون مايحج به ويعتمر، من جميع ماله له دين مستقر، لأنه دين مستقر، فكان من جمیع المال کدين الآدمي(٣). هذا في الحج الفرض، وكذلك الحكم في حج النذر والقضاء(٤). ويجوز الحج من الوارث ومن الأجنبي سواء أذن له الوارث أم لا بلا خلاف كما قال النووي(٥) . وذهب الحنفية والمالكية على المشهور عندهم إلى أن الاستنابة في الحج مكروهة، إلا أن الميت إذا أوصى أن يحج عنه فإن الوصية تنفذ من الثلث، وهو قول الشعبي والنخعي لأنه (١) المجموع ١٠٩/٧، والمغني ٣٩/٥. (٢) حديث: ((أمر النبي وَ﴿ أبا رزين أن يحج عن أبيه ويعتمر ... )) أخرجه الترمذي (٢٦٩/٣ - ٢٧٠ ط الحلبي) وقال: حديث حسن صحيح. (٣) المغني ٣٩/٥. (٤) المجموع ٧/ ١١٤، والمغني ٣٩/٥. (٥) المجموع ٧/ ١١٤ . عبادة بدنية، فتسقط بالموت كالصلاة(١). زاد المالكية أنه ينفذ من الثلث، سواء كان صرورة أم غير صرورة، وقال أشهب: إن كان صرورة نفذت من رأس المال، فإن لم یوص بها لم يحج عنه(٢). وقال ابن كنانة من المالكية: لا تنفذ الوصية به، لأن الوصية لا تبيح الممنوع ويصرف القدر الموصى به في الهدايا(٣) . ب- النيابة عن الميت في حج التطوع: ٤٥-يجوز عند الحنفية والحنابلة والمالكية مع الكراهة الاستنابة في حج تطوع لم يوص به الميت، وكذا التطوع عنه بلا استنابة (٤). وذهب الشافعية إلى أنه لاتجوز الاستنابة فیه(٥) . أما إذا أوصى الميت بحج التطوع عنه فیری الحنفية والمالكية والحنابلة وفي الأصح عند الشافعية جواز الاستنابة، وفي قول عند (١) ابن عابدين ٢/ ٢٤٢، والخرشي٢٩٦/٢، والمغني ٣٨/٥ . (٢) الخطاب ٣/٣ . (٣) الخرشي٢٩٦/٢. (٤) الفتاوى الهندية ٢٥٨/١، وكشاف القناع ٣٩٧/٢، والخرشي ٢٨٩/٢ . (٥) المجموع ٧/ ١١٤. - ٤٥ - نيابة ٤٦ الشافعية منع الاستنابة فيه لأنه إنما جاز الاستنابة في الفرض للضرورة، ولا يجوز في النقل(١). مكان الاستنابة عن الميت: ٤٦-ذهب الحنفية إلى أنه يحج عن الميت من بلده قياساً لا استحساناً، أما القياس فهو قول أبي حنيفة، وأما الاستحسان فهو قول أبي يوسف ومحمد. لأن الواجب عليه الحج من بلده الذي یسکنه، وإلا فمن حيث يبلغ، فإن كان له أوطان، فمن أقربها إلى مكة، وإن لم یکن له وطن فمن حيث مات(٢). وقال المالكية: أن الموصي إذا عين موضع الإحرام الذي يحرم منه الأجير فلا نزاع في أنه يتعين إحرامه منه، وإن لم يعين ذلك وأطلق تعين على الأجير أن يحرم من ميقات بلد الميت، سواء كان الأجير من بلاد الميت أو من بلاد أخری لهم میقات آخر، كما لو كان الموصي مصرياً والأجير مدنياً. وظاهره: مات الموصي ببلده أو بغيرها، كانت الوصية أو الإجارة ببلد الميت أو بغيرها كالمدينة مثلًا، (١) حاشية ابن عابدين٢٣٨/١، وفتح القدير ١٤٤/٣، ومواهب الجليل ٣/٣، والمجموع ١١٤/٧، والمغني ٢٤٤/٣ ط مكتبة ابن تيمية. (٢) ابن عابدين ٢/ ٢٤٢ . وهو المعتمد، خلافاً لأشهب حيث قال: إنه عند الإطلاق یعتبر میقات بلد العقد - کانت بلد المیت أوغيرها- واستحسنه اللخمي وصاحب الطراز، قال الحطاب: وهو أقوى(١). وذهب الشافعية إلى أنه يجب القضاء عن الميت من الميقات، لأن الحج يجب من الميقات(٢). وذهب الحنابلة إلى أنه يستناب من يحج عن الميت من حیث وجب عليه، إما من بلده أو من الموضع الذي أيسر فيه، لأن الحج واجب على الميت من بلده، فوجب أن ینوب عنه منه، لأن القضاء يكون على وفق الأداء كقضاء الصلاة والصيام. فإن کان له وطنان استنیب من أقربهما، فإن وجب عليه الحج بخراسان ومات ببغداد، أو وجب عليه ببغداد فمات بخراسان فقال أحمد: یحج عنه من حیث وجب عليه لا من حيث موته، ويحتمل أن يحج عنه من أقرب المكانين، لأنه لو كان حياً في أقرب المكانين لم یجب علیه الحج من أبعد منه فکذلك نائبه. فإن أحج عنه من دون ذلك فقال القاضي: (١) الدسوقي ٢/ ١٢. (٢) المجموع ١٠٩/٧. - ٤٦ - نيابة ٤٧ - ٤٩ إن كان دون مسافة القصر أجزأه، لأنه في حكم القريب، وإن كان أبعد لم يجزئه لأنه لم يؤد الواجب بكماله، ويحتمل أن يجزئه ويكون مسيئا كمن وجب عليه الإحرام من المیقات فأحرم من دونه. فإن خرج للحج أو أحرم بالحج فمات في الطريق، حُج عنه من حيث مات، لأنه أسقط بعض ما وجب عليه فلم يجب ثانياً. و کذلك إن مات نائبه استنیب حیث مات لذلك(١). النيابة في الحج بأجرة : ٤٧- ذهب المالكية والشافعية والحنابلة في رواية إلى أنه يجوز الاستئجار على الحج عن الميت. أما عن الحي فلا يجوز إلا للعذر الميئوس عن زواله وذلك عند الشافعية والحنابلة. أما عند المالكية فلا يجوز الاستئجار على الحج عن الحي عندهم. وذهب الحنفية وهو رواية عند الحنابلة إلى أنه لا يجوز الاستئجار على الحج عن الحي أو (١) المغني ٣٩/٥، ٤٠، وشرح منتهى الإرادات ٥١٩/١ . الميت، فإن وقعت الإجارة فهي باطلة لكن الحجة تقع عن الأصيل، ولمن حج نفقة مثله لأنه حبس نفسه لمنفعة الأصيل، فوجبت نفقته في ماله(١) . رابعاً: النيابة في الأضحية: ٤٨- اتفق الفقهاء على صحة النيابة في ذبح الأضحية إذا كان النائب مسلماً، واختلفوا في صحتها إذا كان النائب كتابياً، والعبرة في ذلك بموضع ذبح الأضحية لا موضع المضحی عنه على خلاف. وتفصيل ذلك في مصطلح (أضحية ف٦٤). خامساً: النيابة في الوظائف: ٤٩- اختلف الحنفية في جواز الاستنابة في الوظائف. فذهب بعضهم - منهم الطرطوسي - إلى عدم جواز الاستنابة لأرباب الوظائف حتى مع قیام الأعذار. ويرى آخرون - منهم صاحب الخلاصة - جواز الاستنابة في الوظائف. وقال الخير الرملي: يجب تقييد جواز (١) ابن عابدين ٢٤٠/٢، والدسوقي ١١/٢، ١٣، والمجموع ١٢٠/٧، ١١٥،١١٤، ونهاية المحتاج ٢٥٤/٣، والمغني ٢٣/٥. - ٤٧ - نيابة ٤٩ الاستنابة بوظیفة تقبل الإنابة کالتدریس بخلاف التعلم، وحيث تحرر الجواز فلا فرق بين أن يكون المستناب مساوياً للنائب في الفضيلة أو فوقه أو دونه. واشترط أبو السعود لجواز الاستنابة العذر الشرعي، وكون الوظيفة مما يقبل النيابة كالإفتاء والتدريس، وكون النائب مثل الأصيل أو خيراً منه، وأن المعلوم بتمامه يكون للنائب ليس للأصيل منه شيء(١). وذهب المالكية إلى جواز الاستنابة في أيام العذر وقالوا: جاز للمستنيب تناول ريع الوقف وأن يطلق لنائبه ما أحب من ذلك الريع، وأما في غير أوقات الأعذار فلا تجوز الاستنابة عندهم في الوظائف، قال في المسائل الملقوطة: من ولاه الواقف على وظيفة بأجرة، فاستناب فيها غيره ولم يباشر الوظيفة بنفسه، فإنه لا يجوز له تناول الأجرة ولا لنائبه، لأنه لم يباشر الوظيفة بنفسه، وما عين له الناظر لا يستحقه إلا بمباشرته بنفسه، ولم يعين الناظر النائب في الوظيفة، فما تناولاه حرام(٢) . واختلف الشافعية في جواز الاستنابة في (١) ابن عابدين ٤٠٨/٣. (٢) مواهب الجليل٣٧/٦، والفروق ٤/٣. الوظائف، فقد جاء فى حاشية القليوبي: الاستنابة في الوظائف التي تقبل النيابة جائزة إذا كان النائب مثل المستنيب أو أعلى، ويستحق المستنيب جميع المعلوم وإن جعل للنائب شيئاً وجب دفعه. وجاء في حاشية عميرة ما يفيد أن الاستنابة في الوظائف غير جائزة، ولا يستحق المستنيب ولا النائب شيئاً، لكن تجوز الاستنابة إذا كانت بإذن الواقف(١) أما الحنابلة فقد قال الشيخ تقي الدين : النيابة في الأعمال المشروطة من تدريس وإمامة وخطابة وأذان وغلق باب ونحوها جائزة، إذا كان النائب مثل مستنيبه في كونه أهلًا لما استنيب فيه، ثم قال الشيخ تقي الدين: مِنْ أكل أموال الناس بالباطل قومٌ لهم رواتب أضعاف حاجاتهم وقوم لهم جهات معلومها کثیر یأخذونه ويستنیبون فيها بیسیر من المعلوم لأن هذا خلاف غرض الواقفين(٢). Pu (١) حاشيتي القليوبي وعميرة ٣/ ١٣٢. (٢) كشاف القناع ٢٦٨/٤، والإنصاف ٦٩/٧ . - ٤٨ - نياحة ١ - ٢ نياحة التعريف : ١ - النياحة لغة اسم من النوح، مصدر ناح ينوح نوحاً ونواحاً ونياحاً. وهي: البكاء بصوت عال، كالعويل. والنائحة: الباكية. وأصلُ التناوح: التقابل، ومنه تناوح الجبلين، أي تقابلهما، وإنما سُمّيت النساء النوائح نوائح لأن بعضهن يقابل بعضاً إذا نحن. وكان النساء في الجاهلية يقابل بعضهن بعضاً، فيبكين ويندبن الميت، فهذا هو النوح والنياحة. ويطلق على النساء اللواتي يجتمعن في مناحة نوائح ونُوّح ونَوْح وأنواح ونائحات. ونوح الحمامة: ما تبديه من سجعها على شكل النوح. واستناح الرجل كناح: بكى حتى استبکی غيره(١). وفي الاصطلاح اختلفت عبارات الفقهاء في تعريف النياحة. (١) لسان العرب، وتاج العروس، والمصباح المنير، وجمهرة اللغة، والصحاح، والنظم المستعذب في شرح غريب المهذب ١٣٦/١. فعرفها الحنفية بأنها: البكاء مع ندب الميت أي تعديد محاسنه. وقيل: هي البكاء مع صوت(١). وحاصل كلام علماء المالكية أن النياحة عندهم هي البکاء إذا اجتمع معه أحد أمرين: صراخ أو كلام مكروه(٢). وعرفها أكثر فقهاء الشافعية وبعض المالكية بأنها: رفع الصوت بالندب ولو من غير بكاء، وقيل: مع البكاء(٣). وعرفها الحنابلة وبعض الشافعية بأنها رفع الصوت بالندب برنّةٍ أو بكلام مسجع (٤). الألفاظ ذات الصلة : أ - البكاء: ٢- البكاء: مصدر بکی، يُمد ويقصر، (١) عون المعبود ٣٩٩/٨، وحاشية ابن عابدين ٣٤/٥، والمنهل العذب المورود ٢٨٠/٨. (٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤٢١/١، ٤٢٢، والمنتقى ٢٥/٢، والفروق وتهذيب الفروق ١٧٢/٢ وما بعدها، و١٨٠ وما بعدها. (٣) المجموع ٢٨٠/٥، ومغني المحتاج ٣٥٦/١، والمنهاج وحاشية القليوبي ٣٤٣/١، وحاشية العدوي على كفاية الطالب ١/ ٣٤٧ . (٤) نهاية المحتاج ١٦/٣، ومغني المحتاج٣٥٦/١، وكشاف القناع ١٦٣/٢، ومطالب أولي النهى ٩٢٥/١ . - ٤٩ - نياحة ٣ - ٤ فيقال: بكى بكاءً وبكىّ، وهو: خروج الدمع من العين سواء كان مع الصوت أو بدونه. وقيل: هو بالمد إذا كان الصوت أغلب، ويقصر إذا كان الحزن أغلب. وقيل: هو بالقصر خروج الدمع فقط، وبالمد خروج الدمع مع الصوت، ويقال لخروج الدمع مع الصوت نحيب، ومع الصياح عويل(١) . واستعمال الفقهاء للبكاء لا يخرج في معناه عما ذكر(٢). والصلة بين النياحة والبكاء هي أن البكاء أعم من النياحة عند من قصر معناها على البكاء مع رفع الصوت، أو على البكاء مع رفع الصوت بالندب، حيث تكون النياحة إحدى صور البكاء. وأما من جعل النياحة شاملة لرفع الصوت بالندب: سواء أكان معها بکاء أم لا، فإنها تكون أخص من البكاء من جهة وأعم من جهة أخرى. (١) لسان العرب والمصباح والقاموس المحيط، والكليات ٤٢٩/١ . (٢) حاشية قليوبي وعميرة على شرح المحلي شرح المنهاج ٣٤٣/١، وكشاف القناع ١٦٢/٢ ، وحاشية الباجوري٢٥٩/١، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير٤٢١/١، وشرح الخرشي١/ ١٣٣، ومغني المحتاج ٤٣/٢. ب - الرثاء: ٣- الرثاء: هو الثناء على الميت بذكر صفاته الحميدة نثراً كان أو شعراً (١)، (ر: رثاء ف١) .. والصلة بين الرثاء والنياحة أن الرثاء يقع على سبيل المدح ولا يكون بلفظ النداء(٢). وأما النياحة فتكون بتعديد محاسن الميت مع رفع الصوت بالبكاء أو بغير بكاء. ج - التعزية : ٤- أصل العزاء هو الصبر، وتعزية أهل البیت: تسلیتهم وتأسیتهم وندبهم إلى الصبر، ووعظهم بما يزيل عنهم الحزن، فكل ما یجلب للمصاب صبراً يقال له تعزية (٣). (ر: تعزیة ف١). والصلة بين التعزية والنياحة أن كلّ منهما كلام يقال بمناسبة الموت، ولکن مضمون کل منهما مختلف، وكذلك مقصودهما، فبينما (١) الكليات للكفوي ٧٩/٥، وإرشاد الساري ٤٠٦/٢ . (٢) الفروق١٧٤/٢، ١٧٥، ومغني المحتاج ٤٤/٢، ونهاية المحتاج ٣/ ١٧ . (٣) المصباح، والنظم المستعذب ١٣٨/١، ١٣٩، والزاهر ص١٣٦، ونيل الأوطار ٤/ ١٤٧ . - ٥٠ - نياحة ٥ - ٦ تتضمن التعزية كلاماً يوجه إلى أهل الميت مباشرة ويقصد به تصبيرهم على المصيبة والدعاء لهم، تتضمن النياحة كلاماً يجدّد الأحزان ويوحي بالتبرم من الأقدار، لذلك اختلفا في الحكم الشرعي، حتى كان حكم التعزية أنها مندوبة، وحكم النياحة (١) التحريم(١) . د- النعي: ٥- النعي لغة واصطلاحاً: هو الإخبار بالموت(٢). والصلة بين النعي والنياحة أن النعي مختلف عن النياحة لأنه جائز إذا لم يتضمن نياحة، ولكن قد يقع النعي بكلام فيه نياحة أو بأسلوبها، فيكون نعياً ونياحة في آن واحد، ويكون حكمهما الشرعي واحداً، وهو التحريم. الحكم التكليفي : ٦- ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن النياحة محرمة. وقال الحنفية بالكراهة ويقصدون بها الكراهة التحريمية لأنهم عَدُّوها من المعاصي (١) المهذب ١٣٩،١٣٨/١، والقوانين الفقهية ص ٩٥. (٢) المصباح، والنظم المستعذب ١٣٢/١، وقواعد الفقه للبركتي. التي لا تصح الإجارة عليها(١). واستدلوا على ذلك بقوله تعالى: ﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ إِذَا جَمَكَ الْمُؤْمِنَثُ يُبَايِعْنَكَ عَلَى أَنْ لَّا يُشْرِكْنَ بِاللَّهِ شَيْئًا وَلَا يَتَرِقْنَ وَلَا يَزْنِينَ وَلَا يَقْتُلْنَ أَوْلَدَهُنَّ وَلَا يَأْتِنَ بِبُهْتٍَ يَفْتَرِينَهُ بَيْنَ أَبْدِيهِنَّ وَأَرْجُلِهِنَّ وَلَا يَعْصِينَكَ فِى مَعْرُوفٍ فَبَايِعْهُنَّ وَأَسْتَغْفِرْ لَهُنَّ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾(٢)، وذلك أنه روي عن طائفة من الصحابة عن النبي ويلتر أن المقصود بقوله تعالى ﴿وَلَا يَعْضِينَكَ فِ مَعُونٍ﴾ هو النوح(٣). فعن أم عطيّة رَّما قالت: ((أخذ علينا النبي ◌َّ- عند البيعة أن لا ننوح))(٤). واستدلوا كذلك بأحاديث منها ما ورد عن أبي هريرة رضي قال: قال رسول اللّه وقلت . . ((اثنتان في الناس هما بهم كفر: الطعن في (١) حاشية ابن عابدين ٣٤/٥، وبدائع الصنائع ١/ ٣١٠، و١٨٩/٤، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير وتقريرات الشيخ عليش ٤٢١/١، وشرح الخرشي ١٣٣/١، والمنهاج ومغني المحتاج ٢/ ٤٣، والمجموع ٢٨١/٥، والإنصاف ٥٦٨/٣، ومطالب أولي النهى ١/ ٩٢٥ . (٢) سورة الممتحنة/ ١٢ . (٣) أحكام القرآن للجصاص ٥٨٩/٣، وتفسير القرطبي ٧٢/١٢، وتفسير الماوردي ٢٢٩/٤ . (٤) حديث أم عطية: ((أخذ علينا النبي ◌َّو عند البيعة أن لا ننوح .... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٧٦/٣ ط السلفية) ومسلم (٢/ ٦٤٥ ط الحلبي). - ٥١ - نياحة ٦ النسب والنياحة على الميت))(١)، والمقصود كفر النعمة إن لم يقع مع الاستحلال، وإلا فهو ردّة، وكلاهما حرام بلا شك. ومنها ما روي عن جابر تعطي أن النبي وَلتر قال: ((نهيت عن صوتين أحمقين فاجرین: صوت عند نغمة ولهو ولعب ومزامير شیطان، وصوت عند مصيبة خمش وجوه وشق جيوب ورنّة شيطان))(٢) . ومنها ما روي عن النعمان بن بشير رپتا قال: ((أغمي على عبد الله بن رواحة رضيالله، فجعلت أخته تبكي وتقول: واجبلاه، واكذا واكذا، تعدّد عليه، فقال ابن رواحة حين أفاق: ما قلت شيئاً إلا وقد قيل لي: أنت كذلك؟)»(٣). ومنها ما ورد عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه قال: ((النائحة إذا لم تتب قبل موتها يقام (١) حديث: ((اثنتان في الناس هما بهم كفر ... )) أخرجه مسلم (١/ ٨٢ط الحلبي) (٢) حديث: ((نهيت عن صوتين أحمقين فاجرين ... )) أخرجه ابن سعد في الطبقات (١٣٨/١ ط دار صادر) والترمذي (٣٢٨/٣ ط الحلبي) واللفظ لابن سعد وقال الترمذي: حسن. (٣) حديث النعمان بن بشير: ((أُغمي على عبد الله بن رواحة رضي فجعلت أخته تبكي: واجبلاه ... ) أخرجه ابن سعد في الطبقات الكبرى (٥٢٩/٣ ط بیروت). يوم القيامة وعليها سربال من قطران ودرع من جرب)»(١). ومنها ما روته عائشة رَفيها قالت: لما جاء قتلُ ابن حارثة وجعفر وابن رواحة جلس النبي : وَ* يُعرف فيه الحزن، وأنا أطلع من شقّ الباب فأتاه رجل فقال: يا رسول اللَّه، إن نساء جعفر .... وذكر بكاءهنّ، فأمره بأن ينهاهنّ. فذهب الرجل، ثم أتى، فقال: قد نهيتهن، وذكر أنهن لم يطعنه، فأمره الثانية أن . ينهاهن، فذهب ثم أتى فقال: والله لقد غلبتني أو غلبننا - الشك من أحد رواة الحديث - فزعمت(٢) أن النبي وَ لير قال: ((فاحث في أفواههن التراب)»، فقلت(٣): أرغم اللَّه أنفك، فوالله ما أنت بفاعل، ما تركت رسول اللّه وَله من العناء(٤). قال القرطبي فيما نقله عنه ابن حجر: هذا يدل على أنهن رفعن أصواتهن بالبكاء، فلما لم ينتهين أمره أن يسد أفواههن (١) حديث: ((النائحة إذا لم تتب قبل موتها ... )) أخرجه مسلم (٢/ ٦٤٤ ط عيسى الحلبي) في حديث أبي مالك الأشعري. (٢) الزعم قد يطلق على القول المحقق وهو المراد هنا ( فتح الباري٣/ ١٣٠). (٣) القائل هو عائشة بـ (٤) حديث: ((فاحث في أفواههن التراب ... )) أخرجه البخاري (١٧٦/٣ ط السلفية) ومسلم (٢/ ٦٤٤-٦٤٥ ط عيسى الحلبي). - ٥٢ - نياحة ٧ بذلك، وخصّ الأفواه بذلك لأنها محل النوح ... ثم قال ابن حجر: ثم الظاهر أنه كان في بكائهن زيادة على القدر المباح، فيكون النهي للتحريم بدليل أنه كرره وبالغ فيه وأمر بعقوبتهن إن لم يسكتن(١). قال جمهور العلماء: هذه الأحاديث جاءت في تحريم النياحة مطلقاً، وبيان عظيم قبحها، والاهتمام بإنكارها، لأنها مهيجة للحزن ورافعة للصبر، وفيها مخالفة للتسليم للقضاء والإذعان لأمر الله تعالى، وقد أمر الله تعالى بالصبر، فقال: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ أَسْتَعِينُواْ بِالصَّبْرِ وَالصَّلَوْ إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّبِينَ﴾(٢). وهذا يتناول كل ما يطلق عليه اسم النياحة من رفع الصوت بالبكاء أو بتعديد محاسن الميت(٣). ويؤيد ذلك أن بعض الصحابة كانوا ينكرون على النائحة أشد الإنكار، فقد روى، أن عمر ابن الخطاب # سمع نواحة بالمدينة ليلًا، (١) فتح الباري ٣/ ١٣٠، ١٣١. (٢) سورة البقرة/ ١٥٣. (٣) شرح النووي على مسلم ٢٣٨/٦، ودليل الفالحين ١٤٩،١٤٧/٨، والكبائر للذهبي ص١٨٤، ١٨٥، ونيل الأوطار ٤/ ١٦٠، ١٦١، وكشاف القناع ١٦٣/٢، ومعالم القربة في أحكام الحسبة ص١٠٦، ١٠٧، ومطالب أولي النهى ١/ ٩٢٥ . فأتى عليها فدخل ففرق النساء، فأدرك النائحة، فجعل يضربها بالدرة فوقع خمارها، فقالوا: شعرها يا أمير المؤمنين، فقال: أجل فلا حرمة لها))(١) . ٧- ذلك هو حکم النیاحة عند جمهور الفقهاء، وهو التحريم من حيث الجملة، ولكن وردت في بعض المذاهب تفصيلات تتعلق بهذا الحکم یحسن ذکرها : فعند المالكية النياحة المحرمة هي البكاء بمعنى إرسال الدموع إذا صاحبه رفع الصوت أو القول القبيح، كقول النائحة: يا قّال الأعداء، ويا نهاب الأموال، وما يقوله النساء من التعديد، فإذا تجرد البكاء على الميت من الأمرين كليهما لم يكن محرماً، بل جائزاً، إلا إذا اجتمعت النساء لغرض البكاء على الميت، فيكون ذلك مكروهاً وإن لم يقترن برفع صوت ولا قول قبيح(٢). ثم إن طائفة منهم ذهبوا إلى أن المحرم من رفع الصوت ما كان بعد الموت، وأما البكاء (١) أثر عمر: ((سمع نواحة في المدينة .... )) أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٥٥٧/٣-٥٥٨ط المجلس الأعلى). (٢) حاشية الدسوقي٤٢١/١، ٤٢٢، وشرح الخرشي ٢/ ١٣٣ . - ٥٣ - نياحة ٧ على المريض قبل موته بالصياح وغير الصياح فهو مباح إذا لم يقترن بقول قبيح(١). ويستدلون على ذلك بما رواه جابر بن عتيك رَّه «أن رسول اللَّه وَ اله جاء يعود عبد الله ابن ثابت، فوجده قد غلب علیه، فصاح به فلم يجبه، فاسترجع رسول اللَّه وَ ليل وقال: غلبنا عليك يا أبا الربيع، فصاح النسوة ويكين، فجعل جابر يسكتهن، فقال رسول اللّه ولدته: دعهن، فإذا وجب فلا تبكين باكية، قالوا: يارسول اللَّه، وما الوجوب؟ قال: إذا مات))(٢)، قال ابن عبد البر: فيه إباحة البكاء على المريض بالصياح وغير الصياح عند حضور وفاته، ألا ترى إلى قوله: فصاح النسوة وبکین، فجعل جابر یسکتھن، وتسکیت جابر لهن - والله أعلم - لأنه كان قد سمع النهي عن البكاء على الموتى، فاستعمل ذلك على عمومه، حتى قال له رسول اللَّه وَ له: ((دعهن یبکین حتی یموت، فإذا مات فلا تبکین باکیة»، (١) الاستذكار٨/ ٣١٢، والخرشي وحاشية العدوي ١٣٣/١، وحاشية العدوي على كفاية الطالب ٣٤٧/١ . (٢) حديث: ((جاء يعود عبد الله بن ثابت فوجده قد غلب علیه فصاح به فلم يجبه ... )) أخرجه مالك في الموطأ (٢٣٣/٢ ط عيسى الحلبي) والحاكم (٣٥٢/١ ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي. يريد: لا ترفع صوتها بالبكاء باكية، وذلك مفسر في الحديث(١). ولم تفصل طائفة أخرى من علماء المالكية هذا التفصيل، وإنما عمّموا حكم التحريم على كل بكاء اقترن برفع الصوت أو بقول قبيح، سواء أكان عند حضور الموت أم بعده، وأوّلوا الحديث السابق بأن صياح النساء على عبد الله ابن ثابت لم يكن مقترناً بأيّ من الأمرین، وإنما كان استرجاعاً من غير كلام قبيح ولا نياحة(٢) . وذهب سند من علماء المالكية إلى أن النياحة إن لم تقترن بمحرم تكون مكروهة إلا إذا اتخذت صنعة فتكون حراماً . وذهب القرافي إلى أن النواح يكون حراماً ومن الكبائر في حالتين: الأولى: إذا تضمن اعتراضاً على القدر. والثانية: إذا كان مما يبعد السلوة عن أهل الميت . ولیس من قبیح النیاحة ذکر دین المیت، وأمر أهله بالصبر والاحتساب، والحث على (١) الاستذكار ٣١٢/٨. (٢) المنتقى ٢٥/٢، وحاشية الدسوقي٤٢٢/١، ومواهب الجليل ٥٧،٥٦/٣ . - ٥٤ - نياحة ٨ طلب الأجر والثواب ونحو ذلك، فهذا مندوب إليه(١). وعند الشافعية والحنابلة تقدّم أن المعنى الدقيق للنياحة هو رفع الصوت بالندب، وأما رفع الصوت بالبكاء فيدل كلامهم على أنه لا يدخل في النياحة بمعناها الاصطلاحي(٢). ونص الحنابلة على أن اليسير من الكلام في وصف الميت أويسير الندبة کقوله: يا أبتاه، يا والداه مباح، بشرط أن يكون صدقاً، وأن لا يكون بصيغة النوح، قال أحمد: إذا ذكرت المرأة مثل ما حكي عن فاطمة تعطيثها لا يكون مثل النوح(٣)، والذي حكي عن فاطمة تعلُها هو ما رواه أنس ◌َّه قال: ((لما ثقل النبي *ر جعل يتغشاه الكرب، فقالت فاطمة: واکرب أباه، فقال لها: ليس على أبيك کرب بعد اليوم، فلما مات قالت: يا أبتاه، أجاب رباً دعاه، ياأبتاه من جنة الفردوس مأواه، يا أبتاه (١) الفروق ٢/ ١٧٢، ١٧٣. (٢) نهاية المحتاج ١٧،١٦/٣، وشرح المحلي على المنهاج وحاشية قليوبي وعميرة١/ ٣٤٣، والمجموع ٢٨١/٥، والأذكار للنووي مع الفتوحات الربانية ١٣٦،١٣٠/٤، ومغني المحتاج ٤٣/٢، وإرشاد الساري ٤٠٩/٢ . (٣) شرح الزركشي ٣٥٦/٢، ٣٥٧، والإنصاف ٥٦٨/٢، ومطالب أولي النهى ٩٢٦/١ . إلى جبريل ننعاه))(١). الأحكام المتعلقة بالنياحة: تتعلق بالنياحة أحكام منها: أ- تعذيب الميت بالنياحة عليه : ٨- اختلف الفقهاء في تعذيب الميت بالنياحة عليه : الرأي الأول: ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الميت لا يعذب بشيء من النياحة عليه إلا إذا وصى بذلك فنفذت وصيته، لأن النياحة أو البكاء المحرّمين بسببه ومنسوبان إليه، فأما من بكى عليه أهله وناحوا من غير وصية منه فلا يعذب بذلك، لقول اللَّه تعالى: ﴿وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىَّ﴾(٢) وحمل جمهور الفقهاء خبر: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه)) (٣) على ما إذا وصى بذلك ونفذت وصيته(٤). (١) حديث: ((لما ثقل النبي - وَلهو - جعل يتغشاه ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري١٤٩/٨ ط السلفية). (٢) سورة فاطر/ ١٨ . (٣) حديث: ((إن الميت ليعذب ببكاء أهله عليه ... )) أخرجه البخاري (١٥١/٣ ط السلفية) ومسلم (٢/ ٦٤٠ ط عيسى الحلبي) من حديث ابن عمر تطفيها ، واللفظ للبخاري. (٤) المجموع ٣٠٨/٥، والبناية شرح الهداية ٢/ ١٠٤٤ طبعة دار الفكر بيروت، والاستذكار ٨/ ٣٢٢، وكشاف القناع ٢/ ١٦٣، ١٦٤ . - ٥٥ - نياحة ٩ ؛ وقال الرملي من الشافعية: إذا لم تنفذ وصية المیت بالنیاحة أو البکاء علیه فليس عليه سوى إثم الوصية بذلك(١). وقال بعض الفقهاء: تجب الوصية بترك النياحة والبكاء المحرمين فمن أهمل الوصية بتركهما عذّب بهما (٢). وفصل الحنابلة فقال بعضهم: يعذب بترك الوصية إذا كان عادة أهله النياحة والبكاء المحرمين، وقال آخرون: إن الميت يتأذى بالنیاحة إن لم یوص بتركها ولو لم تكن عادة أهله(٣) . الرأي الثاني: أن الميت يعذب في قبره بسبب نياحة أهله عليه. وقد صح هذا القول عن عمر بن الخطاب وابنه عبد اللَّه والمغيرة بن شعبة وعمران بن الحصين ﴾ (٤)، لما رواه عبدالله بن عمر رقا أنه قال لعمرو بن عثمان: «ألا تنھی عن البكاء، فإن رسول اللَّه وَ ل﴾ قال: إن الميت (١) نهاية المحتاج ٣/ ١٧ . (٢) المجموع ٣٠٩/٥ . (٣) كشاف القناع ٢/ ١٦٣. (٤) نيل الأوطار ٤/ ١٠٤، ١٠٥، وفتح الباري ١١٨/٣، ١٥٥، والاستذكار ٣٢٢/٨، وعون المعبود ٤٠٢/٨، والمغني ٤١٢/٢. لیعذب بیکاء أهله عليه)). ولبعض العلماء رأي في معنى التعذيب الوارد في الحديث: فمنهم من رأى أنه بمعنی تألم الميت بما يقع من أهله من النياحة عليه وغيرها، وهذا اختيار أبي جعفر الطبري من المتقدمين ورحجه ابن المرابط وعياض ومن تبعه، ونصره ابن تيمية وجماعة من المتأخرين. ورأى بعضهم أنه توبيخ الملائكة للميت بما یندبه به أهله. ورأى البعض أن المراد بالتعذيب هو التعذیب في البرزخ وليس يوم القيامة وهو قول الكرماني. ومنهم من يرى أن التعذيب خاص بالكافر دون المؤمن. وهو قول عائشة وابن عباس (١). ب - حكم الوصية بالنياحة: ٩- لا خلاف في أن وصية المسلم بالنياحة عليه بعد موته محرمة وباطلة، ولا يجوز (١) نيل الأوطار ١٠٥،١٠٤/٤، وفتح الباري١٥٤/٣، ١٥٥، وسبل السلام ١١٦،١١٥/٢، والاستذكار ٣٢١/٨ - ٣٢٣ . - ٥٦ - نياحة ١٠ تنفيذها، وكذلك الوصية بصنع طعام للنائحات عليه، لأن من شروط الموصى به في الوصية أن لا يكون معصية، فإن أوصى المسلم بالنياحة عليه كان عليه وزر هذه الوصية، سواء نفذها الموصى له أم لم ينفذها، فإن نفذها كان عليه إثم الوصية، واشترك في الوزر على النياحة مع من يقوم بها (١). ج - عقوبة النائحة: ١٠-لما كانت النياحة على الميت محرمة فإنه يجب على الإمام أو من يقوم مقامه عند جمهور العلماء أن يزجر عنها ويعاقب عليها بعقوبات تعزيريّة، فقد روي عن عمر رڅ ((أنه كان يضرب عليها بالعصا ويرمي بالحجارة ويحثي بالتراب(٢)) وروى الأوزاعي أن عمر ابن الخطاب طي («أمر بضرب نائحة، فضربت حتى بدا شعرها، فقيل له: يا أمير المؤمنين، إنه قد بدا شعرها، فقال: لا حرمة لها، إنما تأمر بالجزع، وقد نهى الله عنه، وتنھی عن الصبر وقد أمر الله به، وتفتن الحيّ وتؤذي الميت، وتبيع عبرتها، وتبكي شجو (١) البدائع ٣٤١/٧، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤/ ٤٢٧، والبيان والتحصيل ١٣٩/١٣، ومغني المحتاج ٤٤/٢، ونهاية المحتاج ٣/ ١٧ . (٢) فتح الباري٣/ ١٣٧. غيرها، إنها لا تبكي على ميتكم، وإنما تبكي لأخذ دراهمكم))(١). ولكن بعض العلماء ذهبوا إلى أنّه لا يعاقب بالضرب على النياحة، وإنما تمنع النائحة من الاستمرار، وتنصح بعدم العود، وإلا نفيت من البلد(٢)، واستدلّ القاري على عدم جواز الضرب بما روى ابن عباس تَ ((أنه لمّا ماتت زينب (وفي رواية رقية) ابنة رسول الله وَله، بكت النساء، فجعل عمر يضربهن بسوطه، فأخذ رسول اللَّه وَ ل# بيده، وقال: مهلًا ياعمر، ثم قال: ابكين وإياكن ونعيق الشيطان، ثم قال: إنه مهما كان من العين والقلب فمن الله ومن الرحمة، وما كان من اليد واللسان فمن الشيطان»(٣)، قال القاري: فيه إشعار انه لا يجوز الضرب على النياحة، بل ينبغي النصيحة، ولذلك أخذ بيده وقال له (مهلًا)، أي أمهلهن(٤). ونصّ ابن تيميّة على وجوب النهي عن النياحة فإن لم ترتدع النائحة (١) الكبائر ص١٨٤، ومجموع الفتاوى ٢٥١/٣٢. (٢) المرقاة ٢٣٥/٤ ط دار الفكر بيروت ١٩٩٢، ومعالم القربة ص ١٠٦ . (٣) حديث: ((ابكين وإياكن ونعيق الشيطان)). أخرجه أحمد (٢٣٧/١ ط الميمنية)، قال الهيثمي في مجمع الزوائد (١٧/٣ ط القدسي) فيه علي بن زید وفيه كلام وهو مُؤَثّق . (٤) مرقاة المفاتيح ٢٣٥/٤، ٢٣٦. - ٥٧ - ٠٠ نياحة ١١ - ١٣ وجب عقابها بما يزجرها، لأنها من وإلا وجب عليها التصدق به. المعاصي، ولما فيها من أذيّة الميت(١). د - الاستماع للنياحة: ١١- عن أبي سعيد الخدري تَو قال: (لعن رسول اللَّه وَ ل﴾ النائحة والمستمعة))(٢) قال القاري: المراد بالمستمعة في الحديث هي التي تقصد السماع ويعجبها كما أن المستمع للمغتاب یکون شريكاً له في الوزر، والمستمع لقارئ القرآن يكون شريكاً له في الأجر. هـ - الإجارة على النياحة وكسب النائحة: ١٢ - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز الاستئجار على المعاصي، كاستئجار النائحة للنوح، لأنه استئجار على منفعة غير مقدورة الاستيفاء شرعاً، فلا تصح الإجارة على النياحة، وتقع باطلة، ولا تُستَحقّ أجرة عليها، فإن أخذتها النائحة كانت كسباً محرماً خبيثاً، ويجب عليها أن ترده على أربابه إن علموا، (١) مجموع الفتاوى ٣٩٩،٣٩٨/٣٢. (٢) حديث: ((لعن رسول الله - ◌َل ير - النائحة والمستمعة)). أخرجه أبو داود (٤٩٤/٣ ط حمص) قال المنذري في مختصر السنن (٢٩٠/٤ - نشر دار المعرفة) في إسناده: محمد بن الحسن بن عطير العوفي عن أبيه عن جده، وثلاثتهم ضعفاء. لكن الحنفية قصروا هذا الحكم على حالة اشتراط الأجرة في العقد، فإن أعطيت النائحة شيئاً من غير شرط فهو لها، لكنهم قالوا: المعروف كالمشروط، فلا يحل لها ما تأخذه إذا كانت العادة جارية على إعطاء النوائح أجراً علی نیاحتهن من غیر شرط، قال ابن عابدين: وهذا مما يتعين الأخذ به في زماننا لعلمهم أنهم لا يذهبون إلا بأجر. ثم قال الحنفية: لا تحرم الإجارة على كتابة النوح، لأن الممنوع هو النوح نفسه لا كتابته. وذهب الحنابلة إلى تحريم الإجارة على كتابة النوح، لأنها انتفاع بمحرم، فلا يجوز(١). و- النياحة على فعل المعاصي: ١٣ - أشار بعض الفقهاء إلى أن نياحة المسلم على ما اقترف من المعاصي جائزة، بل هي نوع من العبادة، لأن فيها إظهار الندم (١) بدائع الصنائع ١٨٩/٤، وحاشية ابن عابدين ٣٤/٥، والاختيار ٢/ ٦٠، والبيان والتحصيل ١٣٩/١٣، والشرح الكبير ٢١/٤، وبداية المجتهد ٢٣٩/٢، والمغني ١٣٤/٦، والمهذب ٥١٧/١ طبعة مصطفى البابي الحلبي، ومغني المحتاج ٣٣٧/٢ . - ٥٨ - : نياحة ١٤، نية ١ (١) على ما فات منه من التقصير . ز- ثبوت الموت بالنياحة: ١٤ - ذهب الشافعية في المذهب إلى إثبات الموت بشهادة التسامع، ولا يشترط في إثباته الشهادة بالمعاينة. والمنع من إثباته بذلك وجه عندهم. وذهب الصيمري والماوردي إلى أن من صور الشهادة بالتسامع أن يمر بباب القتيل شخص، فیسمع النیاحة في داره والناس جلوس للتعزية، فيخبره واحد بموته(٢). (١) عون المعبود ٤٠٠/٨. (٢) المحلي على المنهاج وحاشية عميرة ٣٢٨/٤ . نِيّة التعريف : ١ - النية فى اللغة: مصدر نوى، والاسم النية، بتشديد الياء عند أكثر اللغویین، والتخفيف فيها لغة محكية. وتأتي النية لمعانٍ، منها: القصد فيقال: نوى الشيء ینويه نيةً: قصده، كانتواه وتنواه، ومنها: الحفظ فيقال: نوى الله فلاناً: حفظه. والنية: الوجه الذي يذهب فيه، والأمر الذي تنويه، وتوجيه النفس نحو العمل(١). والنية اصطلاحاً: عرفها الفقهاء بتعريفات منها تعريف الحنفية: بأنها قصد الطاعة والتقرب إلى الله تعالى في إيجاب الفعل. ودخل في التعريف المنهيات، فإن المكلف به (٢) الفعل الذي هو كف النفس" (١) . وعرفها المالكية بأنها: قصد الإنسان بقلبه (١) المصباح المنير، والقاموس المحيط، والمعجم الوسيط . (٢) رد المحتار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار ١/ ٧٢ دار إحياء التراث العربي - بيروت. - ٥٩ - نية ٢ - ٣ ما يريده بفعله، فهي من باب العزوم والإرادات لا من باب العلوم والاعتقادات(١). وعرفها الشافعية بأنها: قصد الشيء مقترناً بفعله(٢). وعرفها الحنابلة بأنها: عزم القلب على فعل العبادة تقرباً إلى الله تعالى، بأن يقصد بعمله اللَّه تعالى دون شيء آخر، من تصنع لمخلوق، أو اكتساب محمدة عند الناس، أو محبة مدح منهم، أو نحوه(٣). الألفاظ ذات الصلة : أ - العزم: ٢ - العزم في اللغة مصدر عزم، من باب ضرب، يقال عزم على الشيء وعزمه عزماً: عقد ضميره على فعله(٤)، قال الله تعالى: ﴿فَإِذَا عَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهَّ﴾(٥) . (١) الذخيرة ص٢٣٤ - ٢٣٥ نشر وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت. (٢) حاشية الجمل مع شرح المنهج ١٠٧/١ دار إحياء التراث العربي - بيروت. (٣) جامع العلوم والحكم ٩٢/١، ونيل المآرب ١٣٢/١، والمغني ١١٠/١ مكتبة ابن تيمية. (٤) المصباح المنير، والمفردات في غريب القرآن. (٥) سورة آل عمران/ ١٥٩ . والعزم في الاصطلاح: جزم الإرادة بعد تردد(١). والصلة بين النية والعزم: أنهما مرحلتان من مراحل الإرادة، والعزم اسم للمتقدم على الفعل، والنية اسم للمقترن بالفعل مع دخوله تحت العلم بالمنوي (٢). ب - الإرادة: ٣ - الإرادة لغة: مصدر أراد، ومن معانيها في اللغة: الطلب والاختيار والمشيئة. ويقال أراد الشيء: شاءه وأحبه(٣). : والإرادة في الاصطلاح: صفة توجب للحي حالًا يقع منه الفعل على وجه دون وجه(٤). والصلة بين الإرادة والنية: أن النية مرحلة من مراحل الإرادة. الأحكام الشرعية المتعلقة بالنية: يتعلق بالنية أحكام شرعية، منها أحكام (١) قواعد الفقه للبركتي. ٠٠ (٢) البحر الرائق ٢٥/١، ورد المحتار٧٢/١، والذخيرة ص ٢٣٥ ط وزارة الأوقاف، والمنثور ٢٨٤/٣ ط وزارة الأوقاف - الكويت. (٣) المصباح المنير، والمعجم الوسيط. (٤) قواعد الفقه للبركتي، والتعريفات للجرجاني دار الكتاب العربي بيروت . - ٦٠ -