Indexed OCR Text
Pages 281-300
نكاح ٩٧ - ٩٩ لو زوجها حیث هو یجوز، فقيام ولايته يمنع الانتقال إلى غيره. واستدل الأئمة الثلاثة من الحنفية بأن ثبوت الولاية للأبعد زيادة نظر في حق العاجز فتثبت له الولاية، كما في الأب مع الجد إذا كانا حاضرين، ولأن الأبعد أقدر على تحصيل النظر للعاجز، لأن مصالح النكاح مضمنة تحت الكفاءة والمهر، ولا شك أن الأبعد متمكن من إحراز الكفء الحاضر بحيث لا يفوته غالباً، والأقرب الغائب غيبة منقطعة لا يقدر على إحرازه غالباً، لأن الكفء الحاضر لا ينتظر حضوره واستطلاع رأيه غالباً، وكذا الكفء المطلق، لأن المرأة تخطب حيث هي عادة، فكان الأبعد أقدر على إحراز الكفء من الأقرب، فكان أقدر على إحراز النظر، فكان أولى بثبوت الولاية له، إذ المرجوح في مقابلة الراجح ملحق بالعدم في الأحكام كما في الأب مع الجد. ٩٨ - واختلفوا في تحديد الغيبة المنقطعة: فعن أبي يوسف روايتان، قال في رواية: ما بين بغداد والري، وفي رواية: مسيرة شهر فصاعداً وما دونه ليس بغيبة منقطعة. وعن محمد روايتان أيضاً، فروي عنه: ما بين الكوفة إلى الري، وروي عنه: من الرقة إلى البصرة. وذكر ابن شجاع: إذا كان غائباً في موضع لا تصل إليه القوافل والرسل في السنة إلا مرة واحدة فغيبته منقطعة، وإذا كانت القوافل تصل إليه في السنة غير مرة فليست بمنقطعة . وقال أبو بكر محمد بن الفضل البخاري: إن كان الأقرب في موضع يفوت الكفء الخاطب باستطلاع رأيه فغيبته منقطعة، وإن كان لا يفوت فليست بمنقطعة، قال الكاساني: وهذا أقرب إلى الفقه لأن التعويل في الولاية على تحصيل النظر للمولى عليه ورفع الضرر عنه(١). ٩٩ - وقال المالكية: إن فقد الولي المجبر أو أسر فَكَمَوْته ينقل الحق للولي الأقرب فالأقرب دون الحاكم، فلا كلام للحاكم مع وجود غيره من الأولياء، قاله المتيطي وهو المشهور عند بعضهم، وذلك لتنزيل الأسر والفقد منزلة الموت بخلاف بعيد الغيبة فإن حياته معلومة، وحكى ابن رشد الاتفاق على أنه كذي الغيبة البعيدة يزوج الحاكم دون غيره، فيكون هو المذهب، قال الصاوي: ولذلك صوبه بعض الموثقين قائلاً: أيّ فرقٍ بين الفقد والأسر وبُعد الغيبة؟ وإن غاب الولي المجبر غيبة بعيدة كإفريقية من مصر، وهو ما استظهره ابن رشد لأن ابن القاسم كان بها وبينهما ثلاثة أشهر، وقال (١) بدائع الصنائع ٢٥٠/٢، ٢٥١. ٢٨١ نكاح ٩٩ - ١٠٠ الأكثر: من المدينة لأن مالكاً كان بها وبينهما أربعة أشهر - ولم يرج قدومه عن قرب - فالحاكم هو الذي يزوجها بإذنها، وإذنها صماتها، دون غيره من الأولياء - إذا كانت بالغاً أو خيف عليها الفساد - وإن لم يستوطن الولي الغائب، أي لم تكن نيته الاستيطان بها على الأصح، وتؤولت أيضاً على الاستيطان بالفعل ولا تكفي مظنته، فعليه من خرج لتجارة ونحوها ونيته العود فلا يزوج الحاكم ابنته ولو طالت إقامته، إلا إذا خيف فسادها، أو قصد بغيبته الإضرار بها، فإن تبين ذلك كتب له الحاكم إما أن تحضر وتزوجها أو توكل وكيلاً يزوجها عنك وإلا زوجناها عليك، فإن لم يجب بشيء زوجها الحاكم ولا فسخ كما قال الرجراجي. وإنما كان الأمر للحاكم دون غيره لأن الحاكم ولي الغائب وهو مجبر لا كلام لغيره معه . وإن كان الولي الغائب غيبة بعيدة مرجو القدوم كالتجار فلا يزوجها الحاكم ولا غيره. وإذا غاب الولي الأقرب غير المجبر غيبة مسافتها من بلد المرأة ثلاثة أيام ونحوها وأرادت التزويج فإن الحاكم يزوجها لا الأبعد، ولو زوجها الأبعد في هذه الحالة صح، فإن كان الغائب على الأقل من الثلاثة كتب له إما أن يحضر أو يوكل وإلا زوج الحاكم لأنه وكيل الغائب، فإن زوج الأبعد صح لأنها غير مجبرة. وإن غاب الولي المجبر غيبة قريبة كعشرة أيام أو عشرين يوماً، مع أمن الطريق وسلوكها، لم يزوج المجبرة حاكم أو غيره لأنه فى حكم الحاضر، لإمكان إيصال الخبر إليه بلا كبير مشقة، وفسخ إن وقع، إلا إذا خيفت الطريق وخيف عليها ضياع أو فساد فكالبعيدة يزوجها الحاكم دون غيره وإلا فسخ(١). ١٠٠ - وقال الشافعية: لو غاب الولي الأقرب نسباً أو ولاءً إلى مرحلتين ولا وكيل له بالبلد أو دون مسافة القصر زوج المرأة سلطان بلدها أو نائبه، لا سلطان غير بلدها ولا الولي الأبعد على الأصح، لأن الغائب ولي والتزويج حق له فإذا تعذر استيفاؤه ناب عنه الحاكم، وقيل: يزوج الأبعد، قال الشيخان: والأولى للقاضي أن يأذن للأبعد أن يزوج أو يستأذنه فيزوج القاضي للخروج من الخلاف. وإذا غاب الولي الأقرب دون مرحلتين لا يزوج إلا بإذنه في الأصح لقصر المسافة، فيراجع فيحضر أو يوكل كما لو كان مقيماً، والثاني: يزوج لئلا تتضرر بفوات الكفء الراغب كالمسافة الطويلة. (١) الشرح الصغير والصاوي ٣٦٤/٢ - ٣٦٦. ٢٨٢ نكاح ١٠٠ - ١٠٢ وعلى الأول لو تعذر الوصول إليه لفتنة أو خوف جاز للسلطان أن يزوج بغير إذنه؛ قاله الروياني، قال الأذرعي: والظاهر أنه لو كان في البلد في سجن السلطان وتعذر الوصول إليه أن القاضي يزوج. ويزوج القاضي أيضاً عن المفقود الذي لا يعرف مكانه ولا موته ولا حياته، لتعذر نكاح المرأة من جهته فأشبه ما إذا عضل، هذا إذا لم يحكم بموته وإلا زوجها الأبعد. وللقاضي التعويل على دعواها غيبة وليها وأنها خلية عن النكاح والعدة، لأن العقود يرجع فيها إلى قول أربابها، لكن يستحب إقامة البينة بذلك، ولا يقبل فيها إلا شهادة مطلع على باطن أحوالها . ولو زوجها الحاكم لغيبة وليها ثم قدم وقال: كنت زوجتها في الغيبة، قدم نكاح الحاكم(١). ١٠١ - وقال الحنابلة: إن غاب الولي غيبة منقطعة ولم يوكل من يزوج زوج الولي الأبعد دون السلطان لقوله وَ لير: ((السلطان ولي من لا ولي له)»(٢)، وهذه لها ولي، ما لم تكن أمة فيزوجها الحاكم لأن له نظراً في مال الغائب . (١) مغني المحتاج ١٥٧/٣. (٢) حديث: ((السلطان ولي من لا ولي له)). سبق تخريجه ف (٧٨). والغيبة المنقطعة هي ما لا تقطع إلا بكلفة ومشقة، نص عليه، قال الموفق: وهذا أقرب إلى الصواب، فإن التحديد بابه التوقيف ولا توقيف . وإن كان الأقرب أسيراً أو محبوساً في مسافة قريبة لا تمكن مراجعته أو تتعذر أي تتعسر مراجعته فزوج الأبعد صح، أو كان الأقرب غائباً لا يعلم محله أقريب هو أم بعيد فزوج الأبعد صح، أو علم أن الأقرب قريب المسافة ولم يعلم مكانه فزوج الأبعد صح لتعذر مراجعته، أو کان الأقرب مجهولاً لا يعلم أنه عصبة للمرأة فزوج الأبعد الذي يليه صح التزويج استصحاباً للأصل، ثم إن علم العصبة بعد العقد وكان غير معلوم حينه لم يعد العقد . وإذا زوج الأبعد من غير عذر للأقرب إليها منه لم يصح النكاح ولو أجازه الأقرب، لأن الأبعد لا ولاية له مع الأقرب، أشبه ما لو زوجها أجنبي. وإذا زوج أجنبي ولو حاكماً مع وجود ولي لم يصح النكاح ولو أجازه الولي، لفقد شرطه وهو الولي(١). تزويج وليين امرأة لأكثر من رجل: ١٠٢ - ذهب الفقهاء إلى أن المرأة إن زوجها وليان مستويان في ولاية التزويج لرجلين، (١) كشاف القناع ٥٥/٥، ٥٦. ٢٨٣ نكاح ١٠٢ - ١٠٤ وعلم السابق منهما، فالنكاح له، وعقد الثاني باطل، لحديث: ((أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما))(١)، فإن وقع العقدان معاً بطلا لتعذر تصحيحهما ولعدم أولوية أحدهما. وقد أورد الفقهاء لهذه المسألة صوراً مختلفة فيما يلي تفصيلها . ١٠٣ - قال الحنفية: لو زوج المرأة وليان مستويان في القرابة كأخوين شقيقين وعلم السابق من العقدين قدم لقول النبي وَلّ: ((إذا أنكح الوليان فالأول أحق))(٢)، ولأنه لما سبق فقد صح فلا يجوز نكاح الثاني، لأن سبب الولاية القرابة وهي لا تتجزأ، والحكم الثابت بالعقد - وهو ملك المتعة - لا يتجزأ، لأنه لا يجوز التجزىء في الفروج. (١) حديث: ((أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما)). أخرجه أحمد (٨/٥، ١٨ ط الميمنية) من حديث سمرة بن جندب، وتوقف ابن حجر في التلخيص (١٦٥/٣ - ط شركة الطباعة الفنية) في تصحيحه على إثبات سماع راويه عن سمرة، وعلى الاختلاف في إسناده. (٢) حديث: ((إذا أنكح الوليان فالأول أحق)). أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٤١/٧ ط دائرة المعارف) من حديث سمرة بن جندب، أو عقبة بن عامر، وأشار ابن حجر في التلخيص (١٦٥/٣ ط شركة الطباعة الفنية) إلى إعلاله. وإن لم يعلم السابق من العقدين، أو وقعا معاً بطلا، لجهل الصحيح وهو السابق من العقدين، ولتعذر الجمع بينهما، وعدم أولوية أحدهما. ولو كان أحد الوليين أقرب من الآخر فلا ولاية للأبعد مع الأقرب إلا إن غاب غيبة منقطعة فنكاح الأبعد يجوز إذا وقع قبل عقد الأقرب، نقله ابن عابدين عن البحر. ولو زوجها أبوها وهي بكر بالغة عاقلة، بأمرها من رجل، وزوجت هي نفسها من آخر، فأيهما قالت هو الأول فالقول لها وهو الزوج، لأنها أقرت لملك النكاح له على نفسها، وإقرارها حجة ثابتة عليها، وإن قالت لا أدري الأول ولا يعلم من غيرها فرق بينهما، وكذا لو زوجها وليان بأمرها (١). ١٠٤ - وقال المالكية: إن أذنت المرأة غير المجبرة في تزويجها لوليين - أو أكثر - معاً أو مرتبين فعقد كل منهما على رجل مع الترتيب وعلم الأول منهما والثاني، فللأول منهما یقضی له بها - وإن تأخر الإذن له - دون الثاني. في العقد، لأنه تزوج ذات زوج وهو الأول، ویفسخ عقد الثاني، ومحل کونھا للأول إن لم يتلذذ بها الثاني حال كونه غير عالم بعقد (١) الدر المختار ورد المحتار ٣١٤/٢، والاختيار ٩٧/٣، وبدائع الصنائع ٢٥١/٢. ٢٨٤ نكاح ١٠٤ - ١٠٥ غيره عليها قبله، فإن تلذذ الثاني - في هذه الحال - فهي له دون الأول، ويشترط لذلك: أن يتلذذ بها غیر عالم بأنه ثان، وأن لا یکون عقد الثاني في عدة وفاة الأول، وأن لا يسبقه الأول بالتلذذ بها . وفسخ نكاحهما معاً بلا طلاق إن عقدا بزمن واحد تحقيقاً أو شكاً، دخلا أو أحدهما، أو لا . وكذا يفسخ نكاح الثاني فقط بلا طلاق لأجل بينة شهدت عليه بأنه أقر قبل الدخول أنه يعلم أنه ثان، والحال أن العقد وقع لهما على الترتيب وعلم الأول والثاني. أما إن أقر الثاني بعد الدخول بأنه دخل عالماً بأنه ثان فیفسخ نكاحه بطلاق بائن لاحتمال كذبه وأنه دخل غير عالم، ويلزمه جميع الصداق، ولا تكون للأول. وكذا يفسخ النكاحان بطلاق إن تحقق وقوعهما في زمانین وجهل تقدم زمن عقد أحدهما على زمن عقد الآخر إذا لم يدخلا، أو دخلا معاً ولم يعلم الأول وإلا كانت له، فإن دخل أحدهما فهي له إن لم يعلم أنه ثان(١) . ١٠٥ - وقال الشافعية: إذا أذنت المرأة لأحد الوليين أن يزوجها بزيد وللآخر أن يزوجها (١) الشرح الصغير والصاوي ٣٧٨/٢ - ٣٨٢، والشرح الكبير والدسوقي ٢٣٥/٢. بعمرو، وأطلقت الإذن، وصححناه، فزوج واحد زيداً والآخر عمراً، أو وكل الولي المجبر رجلاً فزوج الولي زيداً والوكيل عمراً، أو وكل رجلين فزوج أحدهما زيداً والآخر عمراً، فللمسألة خمس صور: إحداها: أن يسبق أحد النكاحین ونعلمه، فهو الصحيح والثاني باطل، سواء أدخل الثاني أم لا، وإنما يعلم السبق بالبينة أو التصادق . الثانية: أن يقعا معاً، فباطلان. الثالثة: إذا لم يعلم السبق والمعية وأمكن العلم بهما، فباطلان، لأن الأصل عدم الصحة، كذا أطلق الجمهور، ونقل الإمام وغيره وجهاً أنه لا بد من إنشاء فسخ لاحتمال السبق. الرابعة: أن يسبق واحد معين، ثم يخفى، فيتوقف حتى يبين، ولا يجوز لواحد منهما الاستمتاع بها، ولا لثالث نكاحها إلا أن يطلقاها أو يموتا أو يطلق أحدهما ويموت الآخر وتنقضي عدتها بعد موت آخرهما. الخامسة: إذا علم سبق أحدهما ولم یتعین، بأن أیس من تعیینه ولم ترج معرفته، فباطلان على المنصوص وهو المذهب كما لو احتمل السبق والمعية لتعذر الإمضاء لعم تعيينه، والطريق الثاني: قولان أحدهما هذا ٢٨٥ نِكاح ١٠٥ - ١٠٧ - أي باطلان - والثاني مخرج من نظير المسألة في الجمعتين أنه يوقف الأمر حتى يتعين، فإن رجی معرفته وجب التوقف(١). ١٠٦ - وقال الحنابلة: إذا زوج وليان مستويان في الدرجة اثنين، وعلم السابق منهما، فالنكاح له وعقد الثاني باطل، لحديث سمرة وعقبة مرفوعاً: ((أيما امرأة زوجها وليان فهي للأول منهما))(٢)، ولأن العقد الأول خلا عن مبطل، والثاني تزوج زوجة غيره فكان باطلاً كما لو علم. فإن دخل بها الثاني وهو لا يعلم أنها ذات زوج فرق بينهما لبطلان نكاحه، فإن كان وطئها وهو لا يعلم فهو وطء شبهة، يجب لها به مهر المثل، وترد للأول لأنها زوجته، ولا تحل له حتى تنقضي عدتها من وطء الثاني للعلم ببراءة رحمها منه، ولا ترد الصداق الذي يؤخذ من الداخل بها وهو الثاني على الزوج الأول الذي دفعت إليه لأنه لا يملك التصرف في بضعها فلا يملك عوضه، ولا يحتاج النكاح الثاني إلى فسخ لأنه باطل. وإن وقع النكاحان في وقت واحد فهما (١) روضة الطالبين ٨٨/٧ - ٨٩، ومغني المحتاج ١٦/٣. (٢) حديث: ((أيما امرأة زوجها ... )). سبق تخريجه ف (١٠٢). باطلان من أصلهما، ولا يحتاجان إلى فسخ، لأنه لا يمكن تصحيحهما ولا مرجح لأحدهما على الآخر، ولا مهر لها على أحدهما ولا يرثانها ولا ترثهما، لأن العقد باطل، ووجوده کعدمه . وإن جهل السابق منهما، أو جهل السبق بأن جهل هل وقعا معاً أو مرتبين، أو علم عين السابق من العقدين ثم نسي، أو علم السبق وجهل السابق منهما فسخهما حاكم، لأن أحدهما صحيح ولا طريق للعلم به، ولها نصف المهر يقترعان عليه، فمن خرجت عليه القرعة غرمه، لأن عقد أحدهما صحیح، وقد انفسخ نكاحه من غير جهة الزوجة قبل الدخول فوجب عليه نصف المهر، وكذا لو طلقاها(١) . الوكيل في النكاح: الوكيل في النكاح إما أن يكون وكيلاً عن الزوج أو الزوجة أو الولي. أ ـ توكيل الزوج غيره في النكاح: ١٠٧ - اتفق الفقهاء - الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة - على صحة التوكيل في عقد النكاح من الرجل . وقد استدلوا بما ورد عن النبي وَّر أنه (١) كشاف القناع ٥٩/٥، ٦٠. ٢٨٦ نِکاح ١٠٧ - ١٠٨ وكل أبا رافع في تزويجه ميمونة(١) ووكل عمرو بن أمية في تزويجه أم حبيبة(٢)، ولأنه عقد معاوضة فجاز التوكيل فيه كالبيع(٣). ١٠٨ - وللفقهاء تفصيل فيما يشترط في الوكيل : قال الحنفية: يشترط في الوكيل أن يكون عاقلاً، فلا تصح وكالة المجنون والصبي الذي لا يعقل. وأما البلوغ والحرية فليسا بشرط لصحة الوكالة فتصح وكالة الصبي العاقل والعبد، مأذونين كانا أو محجورين، لما ورد ((أن رسول الله - لما خطب أم سلمة قالت: لیس أحد من أولیائي شاهد، فقال ێ: فليس أحد من أوليائك شاهد ولا غائب یکره ذلك، فقالت لابنها عمرو بن أم سلمة: يا عمرو قم فزوج رسول الله وَلي(٤)، وكان صبياً، (١) حديث: ((أنه وكّل أبا رافع ... )). سبق تخريجه (ف ٦٥). (٢) حديث: ((وكّل عمرو بن أمية في تزویجه ... )). سبق تخريجه (ف ٦٥). (٣) المغني ٤٦٢/٦ ط الرياض. (٤) حديث: ((لما خطب رسول الله وَ لل أم سلمة ... )). أخرجه النسائي (٨١/٦، ٨٢ ط التجارية الكبرى)، والحاكم (١٦/٤، ١٧ ط دائرة المعارف) من حديث أم سلمة رضي الله عنها، وقال الحاكم: صحيح، ووافقه الذهبي . والاعتبار بالمجنون غير سديد، لأن العقل شرط أهلية التصرفات الشرعية وقد انعدم العقل في المجنون، ووجد هنا في الصبي العاقل، فتصح وكالته كالبالغ، إلا أن حقوق العقد ترجع إلى الموكل(١). وقال المالكية: يصح للزوج إذا وكل من يعقد له أن يوكل ذكراً أو أنثى، حراً أو رقيقاً، بالغاً أو صبياً، مسلماً أو كافراً إلا المحرم بحج أو عمرة، وإلا ضعيف العقل أو فاقده، فلا ينصح للزوج توكيل أي منهم لمانع الإحرام وضعف العقل أو عدمه(٢). وقال الشافعية: يصح أن يوكل الزوج في النكاح من یصح له أن یباشر النكاح بنفسه، فلا يصح توکیل صبي ولا مجنون ولا مغمی عليه ولا امرأة ولا محرم بحج أو عمرة لأن تصرف الشخص لنفسه أقوى من تصرفه لغيره فإن تصرفه له بطريق الأصالة، ولغيره بطريق النيابة، فإذا لم يقدر على الأقوى فلا يقدر على الأضعف بطريق الأولى(٣). ويرى الحنابلة أنه يجوز للزوج أن يوكل من یقبل له النكاح، فقد ورد أنه پے و گل ابا رافع في تزويجه ميمونة، ووكّل عمرو بن أمية الضمري في تزويجه أم حبيبة. (١) البدائع ٢٠/٦، ٢١. (٢) الشرح الصغير ٣٧٢/٢. (٣) مغني المحتاج ٢١٨/٢، ١٥٨/٣. ٢٨٧ نكاح ١٠٨ - ١٠٩ وقالوا: لا يشترط في وكيل الزوج عدالته فيصح توكيل فاسق في قبوله لأن الفاسق يصح قبوله النكاح لنفسه فصح قبوله لغيره، وكذا لو وكل مسلم نصرانياً في قبول نكاح نصرانية لصحة قبول ذلك لنفسه (١). ب - توكيل المرأة من يزوجها: ١٠٩ - اختلف الفقهاء فى جواز توكيل المرأة من يزوجها . فقال الحنفية: يجوز للمرأة أن تباشر عقد الزواج، سواء أزوجت نفسها، أم زوجت غيرها، فلها أن توكل من يزوجها، لأن من شرط الموكل أن يكون ممن يملك فعل ما و کل به بنفسه، فما لا يملكه بنفسه لا يحتمل التفويض إلى غيره فلا يصح (٢). وقال المالكية: إذا وكلت الدنيئة كالمعتقة والمسكينة أجنبياً في بلد ليس فيه سلطان أو فيه لكن يعسر وصولها إليه ولا ولي لها جاز(٣). وقال جمهور الفقهاء: ليس للمرأة أن تلي عقد الزواج بنفسها سواء زوجت نفسها أم غيرها، فليس لها أن توكل من يتولى عقد (١) الإنصاف ٨٢/٨ - ٨٤، كشاف القناع ٥٦/٥، ٥٧. (٢) البدائع ٢٠/٦. (٣) الذخيرة للقرافي ٢٤٠/٤. زواجها لأنها لا تملك هذا الحق، فما لا تملكه لا يصح لها أن توكل فيه (١). وقد ذكر الشافعية والحنابلة صوراً تتعلق بإذن المرأة في زواجها : فقال الشافعية: إذا كان الولي غير مجبر أو كانت ثيباً ففي التوكيل صور: إحداها: قالت: زوجني ووكل، فله التزويج والتوكيل. الثانية: نهت عن التوكيل، فلا يوكل. الثالثة: قالت: وكل بتزويجي، واقتصرت عليه، فله التوكيل، وهل له أن يزوج بنفسه؟ وجهان، أصحهما: نعم. الرابعة: قالت: أذنت لك في تزويجي، فله التوكيل على الأصح لأنه متصرف بالولاية. ولو وكل من غير مراجعتها واستئذانها بالكلية لم يصح على الصحيح، لأنه لا يملك التزويج بنفسه حينئذ، والثاني: يصح (٢). وقال الحنابلة: والولي ليس بوكيل للمرأة لأنه لم تثبت ولايته من جهتها، ولو كان (١) مغني المحتاج ١٤٧/٣، ١٥٧، ٢١٨/٢، وعقد الجواهر الثمينة ١٣/٢، والمغني ٤٤٩/٦. (٢) روضة الطالبين ٧٢/٧ - ٧٣، ومغني المحتاج ١٥٧/٣. ٢٨٨ نِکاح ١٠٩ - ١١٠ الولي و کیلاً عنها لتمكنت من عزله کسائر الوكلاء، وإنما إذنها - حيث اعتبر - شرط لصحة تصرفه أشبه ولاية الحاكم علیھا، وحيث تقرر أنه ليس وكيلاً عنها فله توكيل من يوجب نكاحها بغير إذنها وقبل إذنها لوليها في تزويجها وإن لم تكن مجبرة، ولا يفتقر توكيله إلى حضور شاهدين لأنه إذن من الولي في التزويج، فلا يفتقر إلى إذن المرأة، ولا الإشهاد علیه، کإذن الحاكم. ولا بد من إذن امرأة غير مجبرة لوكيل وليها في التزويج لأنه نائب عن غير مجبر، فیثبت له ما يثبت لمن ينوب عنه، فلا يكفي إذنها لوليها من غير مراجعة وكيل لها وإذنها له بعد توكيله، ولا يكفي إذنها لوليها بتوكيل في التزويج بلا مراجعة وكيل لها وإذنها للوكيل في التزويج بعد توكيله، لأن الذي يعتبر إذنها فيه للوكيل هو غير ما يوكل فيه الموكل، فهو كالموكل في ذلك، ولا أثر لإذنها له قبل أن يوكِّل الولي، لأنه أجنبي وبعد تو کیله کولي، قال البهوتي: فیؤخذ منه أنه لو انتقلت الولاية للأبعد فلا بد من مراجعته لها بعد انتقال الولاية إليه. ولو وكل ولي غير مجبرة في تزويجها بلا إذنها، ثم أذنت لوكيل وليها في تزويجها فزوجها صح النكاح، ولو لم تأذن للولي في التزويج أو التوکیل، لقيام و کیله مقامه. ويصح توكيل الولي في إيجاب النكاح توكيلاً مطلقاً، وإذنها لوليها في العقد إذناً مطلقاً، كقول المرأة لوليها: زوج من شئت أو من ترضاه. ويتقيد الولي إذا أذنت له أن يزوجها وأطلقت بالكفء، وكذلك وكيله المطلق يتقيد بالكفء، وإن لم يشترط، لأن الإطلاق يحمل على ما لا نقيصة فيه (١). ج - توكيل الولي غيره في النكاح: ١١٠ - توكيل الولي غيره لمباشرة عقد النكاح جائز باتفاق فقهاء الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إذا توافرت في الوكيل الشروط المعتبرة عند كل مذهب(٢). وفيما يلي تفصيل ذلك: فقال المالكية: لا يصح توكيل ولى امرأة لمن يتولى عقد نكاحها نيابة عنه إلا مثله في استيفاء الشروط المشترطة في ولي النكاح. وقالوا: توكل المرأة المالكة لأمةٍ والوصية على أنثى والمعتقة لأنثى ذكراً مستوفياً للشروط في عقد الأنثى - في الحالات (١) كشاف القناع ٥٦/٥ - ٥٩، ومطالب أولي النھی ٦٨/٥ - ٧١. (٢) بدائع الصنائع ٢٣١/٢، ٢٥٢، وابن عابدين ٣١٤/٢، والشرح الصغير ٣٥٥/٢ - ٣٥٧، ٣٧٢٠، ومغني المحتاج ١٥٨/٣، وكشاف القناع ٥٦/٥ - ٥٩. ٢٨٩ نِكاح ١١٠ الثلاث - وإن كان الوكيل أجنبياً من الموكلة في الثلاث مع حضور أوليائها، ومن الموكل عليها في الأولى والثانية لا في الثالثة حيث یکون لها وليَّ نسب، إذ لا ولاية للمعتقة حينئذٍ حيث يقدم عليها ولي النسب . . وأما في الذكر فكل من المالكة والوصية والمعتقة تلي تزويجه على المشهور، وهو قول ابن القاسم في العتبية والواضحة، وقيل: لا تقبل المرأة للذكر، نقله عبد الوهاب(١). وقال الشافعية: التوكيل بالتزويج جائز، فإن كان الولي مجبراً فله التوكيل بغير إذنها على الصحيح، وقيل يشترط إذنها حكاه الحناطي والقاضي أبو حامد، فعلى هذا إن كانت صغيرة امتنع التوكيل، وعلى الصحيح إذا وكل لا يشترط تعيين الزوج على الأظهر . ولو أذنت الثيب في النكاح أو البكر لغير الأب والجد ففي اشتراط التعيين القولان، وقيل: لا يشترط قطعاً، لأن الولي يعنى بدفع العار عن النسب بخلاف الوكيل. وإذا كان الولي غير مجبر أو كانت ثيباً ففي التوكيل صور: إحداها: قالت: زوجني ووكل، فله التزويج والتوكيل. (١) الدسوقي ٢٢٣/٢، ٢٢٤، ٢٣٠، والشرح الصغير ٣٥٥/٢ - ٣٥٦، ٣٧٢. الثانية: نهت عن التوكيل، فلا يوكل. الثالثة: قالت: وكل بتزويجي، واقتصرت عليه، فله التوكيل، وهل له أن يزوج بنفسه؟ وجهان، أصحهما: نعم. الرابعة: قالت: أذنت لك في تزويجي، فله التوكيل على الأصح لأنه متصرف بالولاية . ولو وكّل من غير مراجعتها واستئذانها بالکلیة لم يصح على الصحيح، لأنه لا يملك التزويج بنفسه حينئذ، والثاني: يصح(١). وقال الحنابلة: وكيل كل واحد من الأولياء مجبراً كان أو غيره يقوم مقامه، وإن كان الولي حاضراً، لأنه عقد معاوضة فجاز كالبيع، ولأنه ورد أنه وَ لير وكّل أبا رافع في تزويجه ميمونة(٢). والولي ليس بوكيل للمرأة لأنه لم تثبت ولايته من جهتها، ولو كان الولي وكيلاً عنها لتمكنت من عزله كسائر الوكلاء، وإنما إذنها - حيث اعتبر - شرط لصحة تصرفه أشبه ولاية الحاکم علیھا، وحیث تقرر أنه لیس وکیلاً عنها فله توكيل من يوجب نكاحها بغير إذنها، (١) روضة الطالبين ٧٢/٧ - ٧٣، ومغني المحتاج ١٥٧/٣. (٢) حديث: ((أنه ◌َ * وكّل أبا رافع ... )). سبق تخريجه (ف ٦٥). ٢٩٠ نكاح ١١٠ - ١١١ وقبل إذنها لوليها في تزويجها وإن لم تكن مجبرة، ولا يفتقر إلى حضور شاهدين لأنه إذن من الولي في التزويج فلا يفتقر التوكيل إلى إذن المرأة ولا الإشهاد عليه كإذن الحاكم . ويثبت للوكيل ما يثبت للموكل حتى في الإجبار لأنه نائبه، وكذا الحاكم والسلطان يأذن لغيره في التزويج. ولا يملك الولي توكيلاً في تزويج موليته إن وكلت غيره - كما لو وكلت من هو أبعد منه - ولو كان توكيلها للبعيد بإذنه، فلو وكل في هذه الحال لم يصح توکیله، لأنه إن صح بدون إذنها لكن صحة تصرف وكيل الولي موقوفة على استئذانها وقد سبق صدور الإذن منها لغيره فلم يصح توکیله لذلك. ولو وكل ولي غير مجبرة في تزويجها بلا إذنها، ثم أذنت لوكيل وليها في تزويجها فتزوجها صح النكاح ولو لم تأذن للولي في التزويج أو التوكيل، لقيام و کیله مقامه. ويشترط في وكيل الولي ما يشترط في الولي من الذكورة والبلوغ والعقل والعدالة واتحاد الدين والرشد، لأنها ولاية فلا يصح أن يباشرها غير أهلها، ولأنه إذا لم يملك تزويج موليته أصالة فلأن لا يملك تزويج مولية غيره بالتوكيل أولی. ويصح توكيل الوليّ في إيجاب النكاح توكيلاً مطلقاً، ويصح قول الولي لوكيله: زوج من شئت أو من ترضاه، روي أن رجلاً من العرب ترك ابنته عند عمر رضي الله تعالی عنه وقال: إذا وجدت كفئاً فزوجه ولو بشراك نعله، فزوجها عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه، فهي أم عمرو بن عثمان، واشتهر ذلك فلم ينكر، وكالتوكيل في البيع ونحوه. ويتقيد الولي إذا أذنت له أن يزوجها وأطلقت بالكفء، وكذلك وكيله المطلق يتقيد بالكفء، وإن لم يشترط، لأن الإطلاق يحمل على ما لا نقيصة فيه. ويصح توكيله مقيداً، كزوّج فلاناً بعينه، أو زوج هذا، فلا يزوج غيره لقصور ولايته(١). الوصي في النكاح: ١١١ - اختلف الفقهاء في إثبات ولاية النكاح للوصي، فيرى الحنفية والشافعية وأحمد في رواية أنه لا تستفاد ولاية النكاح بالوصية . قال الحنفية: ليس للوصي ولاية الإنكاح، لأنه يتصرف بالأمر فلا يعدو موضع الأمر کالوکیل، وإن کان المیت قد أوصى إليه لا يملك أيضاً لأنه أراد بالوصاية نقل ولاية (١) كشاف القناع ٥٦/٥ - ٥٩، ومطالب أولي النهى ٦٨/٥، ٧٢، والإنصاف ٨٢/٨، ٨٣. ٢٩١ نكاح ١١١ الإنكاح إليه، وإنها لا تحتمل النقل حال الحياة كذا بعد الموت، فلو عين الموصي في حياته رجلاً فزوج الوصي المرأة من ذلك الرجل في حياة الموصي فهو وكيل لا وصي، وإن زوجها منه بعد موت الموصي فقد بطلت الوكالة بالموت وانتقلت الولاية للحاكم عند عدم قريب، نعم لو كان الوصي قريباً أو حاكماً فإنه يملك التزويج بالولاية إن لم يكن أحد أولى منه(١). ويرى المالكية والحنابلة وهو المذهب أن ولاية النكاح تستفاد بالوصية ولهم في ذلك تفصیل : فقال المالكية: وصي الأب عند عدمه له الجبر فيما للأب فيه جبر(٢). وقد سبق تفصيل ذلك عند المالكية في ولاية الإجبار (فقرة: ٨٣). وقال الحنابلة: وصي كل واحد من الأولياء في النكاح بمنزلته لقيامه مقامه، فتستفاد ولاية النكاح بالوصية إذا نص له على التزويج مجبراً كان الولي أو غير مجبر کأخ لغير أم وكذا عم وابنه، لأنها ولاية ثابتة للولي فجازت وصيته بها كولاية المال، ولأنه (١) بدائع الصنائع ٢٣١/٢ - ٢٥٢، والدر المختار ورد المحتار ٣١٤/٢، والإنصاف ٨٥/٨. (٢) الشرح الصغير ٣٥٥/٢، ٣٥٦، ٣٧٢، والدسوقي ٢٢٣/٢. يجوز أن يستنيب فيها في حياته ويكون نائبه فيها قائماً مقامه فجاز أن يستنیب فيها بعد موته . وصفة الإيصاء أن يقول الأب لمن اختاره: وصيت إليك بنكاح بناتي، أو جعلتك وصياً في نكاح بناتي، فيقوم الوصي مقامه مقدماً على من يقدم عليه الموصى، فإن كان الولي له الإجبار كأبي البكر فذلك الإجبار لوصيه، فيجبر وصي الأب من يجبره الأب من ذكر أو أنثى لقيامه مقام الأب، وإن کان الأب ليس مجبراً کأبي ثیب تم لها تسع سنين، وأخيها وعمها ونحوه ممن يحتاج إلى إذنها فوصيه كذلك يحتاج إلى إذنها کو کیله. ولا خيار لمن زوجه الوصي - ذكراً كان أو أنثى - إذا بلغ، لأن الوصي قام مقام الموصي فلم يثبت في تزويجه خيار کالو کیل. وإذا أوصى إليه بالنظر في أمر أولاده الصغار لم يملك تزويج أحدهم. وعن أحمد لا تستفاد ولاية النكاح بالوصية إذا كان للموصي عصبة، حكاها القاضي في الجامع الكبير واختاره ابن حامد(١). (١) كشاف القناع ٥٦/٥ - ٥٩، ومطالب أولي النهى ٧١/٥، ٧٢، والإنصاف ٨٥/٨، ٨٦. ٢٩٢ نِكاح ١١٢ إنکاح الیتیم: ١١٢ - اختلف الفقهاء في إنكاح اليتيم - وهو الصغير أو الصغيرة الذي مات أبوه - فذهب بعضهم إلى المنع مطلقاً، وأجازه غيرهم بالقرابة أو بالسبب العام للولاية، وقيد آخرون الإجازة بخيفة الفساد، في حين قيدها غيرهم ببلوغ تسع سنين فأكثر، ولهم في ذلك تفصیل : فقال الحنفية: ليس للوصي من حيث هو وصي أن يزوج اليتيم - وهو يشمل الصغير والصغيرة - سواء أوصى إليه الأب بالنكاح أو لم يوص على المذهب، لأنه ليس بولي، نعم لو كان قريباً أو حاكماً فإنه يملك التزويج بالولاية إن لم يكن أحد أولى منه (١). والمعتمد عند المالكية - كما نقل الدسوقي عن العدوي - وهو ما ارتضاه المتأخرون أن المدار على خيفة الفساد على اليتيمة، فمتى خيف عليها فساد حالها بفقر أو زنا أو عدم حاضن شرعي أو ضياع مال أو دین زوجت، بلغت عشراً أو لا، رضيت بالنكاح أو لا، فيجبرها وليها على النكاح، ووجب مشاورة القاضي في تزويجها. وإن لم يخف عليها الفساد وزوجت صح إن دخل بها الزوج وطال أمد النكاح، بأن (١) الدر المختار ورد المحتار ٣١٤/٢. ولدت ولدين في بطنين أو مضت مدة تلد فيها ذلك. وإن خيف فسادها وزوجت من غير مشاورة القاضي صح النكاح إن دخل بها وإن لم يطل. وقالوا: وجبر وصي صغيراً لمصلحة اقتضت تزويجه كتزويجه من غنية أو شريفة أو ابنة عم أو لمن تحفظ ماله، فإن لم تكن مصلحة فلا يصح تزويجه(١). وقال الشافعية: ومن على حاشية النسب كأخ وعم ونحوهما لا يزوج صغيرة بحال عند عدم الأب بكراً أو ثيباً، عاقلة أو مجنونة، لأنها إنما تزوج بالإذن وإذنها غير معتبر . وكذا الصغير فلا يجوز لأحد من حاشية النسب أو الوصي أو القاضي أن يزوجه لعدم الحاجة وانتفاء كمال الشفقة(٢). وقال الحنابلة: ليس لمن عدا الأب ووصيه الذي نص له على الإنكاح تزويج صغیرة لها دون تسع سنين، لما روي ((أن قدامة بن مظعون رضي الله عنه زوج ابنة أخيه من عبد الله بن عمر رضي الله عنه فرفع ذلك (١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٢٤/٢، والشرح الصغير ٣٩٦. (٢) مغني المحتاج ١٥٠/٣، وروضة الطالبين ٥٥/٧، ٩٥. ٢٩٣ نكاح ١١٢ - ١١٦ للنبي (* فقال: لا تنكح إلا بإذنها))(١)، والصغيرة لا إذن لها بحال، وليس لسائر الأولياء ولا للحاكم تزويجها، ولسائر الأولياء تزويج بنت تسع سنين فأكثر بإذنها، ولها إذن صحيح معتبر نصاً، لما روي عن عائشة رضي الله عنها: ((إذا بلغت الجارية تسع سنين فهي امرأة)»(٢)، ومعناه: في حكم المرأة، ولأنها تصلح بذلك للنكاح وتحتاج إليه، أشبهت البالغة(٣) . وقالوا: حكم تزويج صبي صغير بالوصية حكم تزويج الأنثى بها على الصحيح من المذهب(٤)، فلوصي الأب أن يزوج الغلام قبل بلوغه سواء كان الغلام عاقلاً أو مجنوناً، وسواء كان الجنون مستداماً أو طارئاً (٥). وللتفصيل ينظر مصطلح (يتيم). نكاح الرقيق : ١١٣ - ذهب الفقهاء إلى أنه يجوز للرقيق (١) حديث: ((أن قدامة بن مظعون - رضي الله عنه - زوج ابنة أخيه ... )). أخرجه الدارقطني في السنن (٢٣٠/٣ - ط دار المحاسن). (٢) حديث: ((حديث إذا بلغت الجارية تسع ... )). سبق تخريجه (ف ٩٠). (٣) كشاف القناع ٤٦/٥. (٤) الإنصاف ٨٧/٨. (٥) المغني ٤٩٩/٦. - ذكراً أو أنثى - أن يتزوج، ويكون ذلك بإذن السيد، لأن في هذا صوناً للرقيق عن الزنا، وحفظاً لمال السيد من النقص أو التلف، لقوله تعالى ﴿ وَأَنْكِحُواْ الْأَيَى مِنْكُمْ وَالصَّلِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمُ وَإِمَآَبِكُمْ﴾(١) قال ابن قدامة: والأمر يقتضي الوجوب، ولا يجب إلا عند الطلب، والأصل أن ولاية تزويج الرقيق لمالكه. وتفصيل نكاح الرقيق، وإعفافه، وولاية إنکاحه، وغير ذلك في مصطلح (رق ف ٢٥، ٤٨، ٧٣ - ٩٩). إنكاح الفضولي : ١١٤ - اختلف الفقهاء في إنكاح الفضولي فمنهم من أبطله ومنهم من جعله موقوفاً . والتفصيل في مصطلح: (فضولي ف ٨). نكاح السفيه : ١١٥ - اتفق الفقهاء على صحة نكاح السفيه المحجور عليه للسفه، ولكنهم اختلفوا في اشتراط إذن الولي لصحة نكاحه. والتفصيل في مصطلح (سفه ف ٢٢). ثالثاً: الإشهاد على النكاح: ١١٦ - اختلف الفقهاء في كون الإشهاد على النكاح: ركناً أو شرطاً أو واجباً، ولهم في ذلك تفصيل : (١) سورة النور /٣٢. ٢٩٤ نكاح ١١٦ فقال جمهور الفقهاء - الحنفية والشافعية والحنابلة في المذهب -: لا يصح النكاح إلا بحضرة شاهدين لخبر عائشة رضى الله تعالى عنها ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل، وما كان من نكاح على غير ذلك فهو باطل))(١)، والمعنى في اعتبارهما الاحتياط للأبضاع، ولأنه عقد يتعلق به حق غير المتعاقدين، وهو الولد، فاشترطت الشهادة فیه لئلا يجحده أبوه فیضیع نسبه، ولأن الحاجة ماسة إلى دفع تهمة الزنا عن الزوجة بعد النكاح والدخول، ولا تندفع إلا بالشهود لظهور النكاح واشتهاره بقول الشهود. غير أن الحنفية والحنابلة يرونه شرطاً، ويرى الشافعية أنه ركن(٢). وفي رواية عن أحمد أن الشهادة ليست من شروط النكاح، وذكرها أبو بكر في المقنع وجماعة. (١) حديث: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل». أخرجه ابن حبان في صحيحه (الإحسان ٣٨٦/٩ ط مؤسسة الرسالة)، والبيهقي في السنن الكبرى (١٢٤/٧ ط دار المعارف العثمانية). (٢) بدائع الصنائع ٢٥٣/٢، ومغني المحتاج ١٤٤/٣، ومطالب أولي النهى ٨١/٥. وقيد المجد وجماعة من الأصحاب بما إذا لم يكتموه فمع الكتم تشترط الشهادة رواية واحدة، وذكره بعضهم إجماعاً (١). . وقال المالكية: الإشهاد على النكاح واجب، ولكنه ليس ركناً من أركان عقد النكاح لأن ماهية العقد لا تتوقف عليه، وهو كذلك ليس شرطاً في صحة عقد النكاح، بل هو واجب مستقل، مخافة أن كل اثنين - رجل وامرأة - اجتمعا في خلوة على فساد يدعيان سبق عقد بلا إشهاد فیؤدي إلى رفع حد الزنا. وأصل الإشهاد على النكاح عند المالكية واجب، وكونه عند العقد زيادة على الواجب، فإن حصل الإشهاد عند العقد فقد حصل الواجب والمندوب، وإن فقد عند العقد ووجد عند الدخول فقد حصل الواجب وفات المندوب، وإن لم يحصل عند العقد كان واجباً عند البناء، وإن لم يوجد شهود أصلاً وحصل الدخول بلا إشهاد على النكاح فسخ العقد بطلقة بائنة، وإنما كان الفسخ بطلقة لصحة العقد بدون الإشهاد عليه، وكان ببائنة لأنه فسخ جبري (٢) من الحاكم (٢). (١) الإنصاف ١٠٢/٨، والمغني ٤٥١/٦. (٢) الشرح الصغير والصاوي ٣٣٩/٢، والشرح الکبیر والدسوقي ٢١٦/٢، ٢٢٠. ٢٩٥ نكاح ١١٧ - ١١٩ الشروط الواجب توافرها في الشاهدین : ١١٧ - اتفق الفقهاء على أنه يلزم توفر شروط في شاهدي النكاح، إلا أنهم اتفقوا على بعضها، واختلفوا في بعضها الآخر، تفصيلها على النحو التالي: أ - الإسلام: ١١٨ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط في شاهدي النكاح الإسلام، وذلك في الشهادة على نكاح المسلم المسلمة باتفاق بينهم، فلا ينعقد هذا النكاح بشهادة غير المسلم لأنه ليس من أهل الولاية على المسلم، قال الله تعالى ﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اَللَّهُ لِلْكَفِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾(١)، وقال رسول الله وَالر: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)»(٢). وأما المسلم إذا نكح ذمية فذهب الشافعية والحنابلة ومحمد وزفر من الحنفية إلى أنه يشترط إسلام الشاهدين على هذا النكاح، لأن شهادة الذميين على الزوجة الذمية غير مقبولة عندهم، وفي الاحتجاج بحديث: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)) قال محمد وزفر: المراد منه عدالة الدين لا عدالة (١) سورة النساء /١٤١. (٢) حديث: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)). سبق تخريجه (ف ١١٦). التعاطي، لإجماعنا على أن فسق التعاطي لا يمنع انعقاد النكاح، ولأن الإشهاد شرط جواز العقد، والعقد يتعلق وجوده بالطرفين الزوج والمرأة، ولم يوجد الإشهاد على الطرفين لأن شهادة الكافر حجة في حق الكافر وليست بحجة في حق المسلم، فكانت شهادته في حقه ملحقة بالعدم، فلم يوجد الإشهاد في جانب الزوج، فصار كأنهما سمعا كلام المرأة دون كلام الرجل، ولو كان كذلك لم يكن النكاح، كذا هذا. وخالف أبو حنيفة وأبو يوسف فقالا: إذا تزوج المسلم ذمية بشهادة ذميين فإنه يجوز، سواء كانا موافقين لها في الملة أو مخالفين، لعموم الأدلة من الكتاب والسنة، ولأن للكافر ولايةٌ على الكافر(١). ب - التكليف: ١١٩ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه يشترط في شاهدي النكاح التكليف، أي أن يكون كل منهما عاقلاً بالغاً، فلا تقبل شهادة مجنون بالإجماع، ولا شهادة صبي لقول الله تعالى ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾(٢)، ولأنهما ليسا من (١) بدائع الصنائع ٢٥٣/٢ - ٢٥٤، ومغني المحتاج ١٤٤/٣، ومطالب أولي النهى ٨١/٥ والدسوقي ١٦٥/٤. (٢) سورة البقرة /٢٨٢. ٢٩٦ نِکاح ١١٩ - ١٢٠ أهل الشهادة، ولأن الشهادة من باب الولاية وهي نفاذ المشيئة لأنها تنفيذ القول على الغير، وكل من المجنون والصبي لا ولاية له على نفسه فكيف تكون له ولاية على غيره(١) . ج - العدالة: ١٢٠ - اختلف الفقهاء في اشتراط العدالة في شاهدي النكاح. فيشترط جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية في الأصح والحنابلة - في شاهدي النكاح العدالة، لقول النبي وَل هو: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل))(٢) فلا ينعقد بفاسقين، لأنه لا یثبت بهما. ونص الشافعية في الصحيح عندهم والحنابلة وهو المذهب على أنه يكفي فيهما العدالة الظاهرة، فينعقد بمستوري العدالة وهما المعروفان بها ظاهراً لا باطناً، بأن عرفت عدالتهما بالمخالطة دون التزكية عند الحاكم، لأن الظاهر من المسلمين العدالة، ولأن النكاح يجري بين أوساط الناس والعوام فلو اعتبر فيه العدالة الباطنة لاحتاجوا إلى (١) بدائع الصنائع ٢٥٣/٢، وروضة الطالبين ٤٥/٧، ومغني المحتاج ٤٢٧/٤، ومطالب أولي النهى ٨١/٥، والدسوقي ١٦٥/٤. (٢) حديث: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)). سبق تخريجه (ف ١١٦). معرفتها ليحضروا من هو متصف بها فيطول الأمر عليهم ويشق. والوجه الثاني وهو مقابل الصحيح عند الشافعية أن النكاح لا ينعقد بالمستورين بل لا بد من معرفة العدالة الباطنة. ويبطل الستر بتفسيق عدل في الرواية، فلو أخبر بفسق المستور عدلٌ لم يصح به النكاح كما رجحه ابن المقري تبعاً للإمام. وفرق الشافعية بين مستور العدالة ومستور الإسلام والحرية - والعدالة والإسلام والحرية مما يشترطونه في شاهدي النكاح - فقالوا: ينعقد النكاح بشهادة مستوري العدالة لا بمستوري الإسلام والحرية، بأن لم يعرف إسلام الشاهد ولا حريته، كأن يكون في موضع يختلط فيها مسلمون بالكفار والأحرار بالأرقاء ولا غالب، أو يكون ظاهره الإسلام والحرية بالدار فلا ينعقد النكاح به، بل لا بد من معرفة حال الشاهد بالإسلام والحرية باطناً، لسهولة الوقوف على ذلك، بخلاف العدالة والفسق. وذهب الحنفية وأحمد في رواية إلى أن عدالة الشاهدين ليست بشرط، فينعقد النكاح بحضور الفاسقين، لأن عمومات النكاح مطلقة عن شرط، واشتراط أصل الشهادة بصفاتها المجمع عليها ثبت بالدليل، فمن ٢٩٧ نِکاح ١٢٠ - ١٢٤ ادعى شرط العدالة فعليه البيان، ولأن الفسق لا يقدح في ولاية الإنكاح بنفسه(١). د - العدد : ١٢١ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا يصح النكاح بشاهد واحد، بل لا بد من حضور شاهدين لحديث عائشة رضي الله تعالى عنها: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل))(٢). وأضاف الشافعية أنه لا فرق بين حضور الشاهدين قصداً أو اتفاقاً (٣). هـ - الحرية : ١٢٢ - اختلف الفقهاء في اشتراط الحرية في شاهدي النكاح. فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أنه يشترط في كل واحد من شاهدي النكاح أن يكون حراً، فلا ينعقد النكاح بمن فيه رق لأنه (١) بدائع الصنائع ٢٥٥/٢، والشرح الكبير للدردير بحاشية الدسوقي ٢١٦/٢، ومغني المحتاج ١٤٤/٣ - ١٤٥، وكشاف القناع ٦٥/٥، والإنصاف ١٠٣/٨. (٢) حديث: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)). سبق تخريجه (ف ١١٦). (٣) بدائع الصنائع ٢٥٥/٢، ومغني المحتاج ١٤٤/٣، ومطالب أولي النهى ٨١/٥، والدسوقي ١٦٥/٤، وعقد الجواهر الثمينة ١٥٣/٣. ليس أهلاً للشهادة. وذهب الحنابلة إلى أنه لا يشترط كون الشاهدين على النكاح حرين لأنها شهادة على قول أشبهت الاستفاضة(١). و - الذكورة: ١٢٣ - يشترط المالكية والشافعية والحنابلة في شاهدي النكاح الذكورة، فلا ينعقد النكاح عندهم بشهادة النساء، ولا بشهادة رجل وامرأتین لأنه لا يثبت بقولهن، روی أبو عبيد في الأموال عن الزهري أنه قال: مضت السنة أن لا تجوز شهادة النساء في الحدود ولا في النكاح ولا في الطلاق. وذهب الحنفية وأحمد في رواية إلى أنه لا يشترط ذكورة شاهدي النكاح، فينعقد عندهم (٢) . بحضور رجل وامرأتين( ز - السمع : ١٢٤ - اختلف الفقهاء في اشتراط السمع في شاهدي النكاح. (١) بدائع الصنائع ٢٥٣/٢، ومغني المحتاج ١٤٤/٣، والدسوقي ١٦٥/٤، وعقد الجواهر الثمينة ١٣٧/٣، ومطالب أولي النهى ٨٢/٥. (٢) بدائع الصنائع ٢٥٥/٢، والشرح الكبير بحاشية الدسوقي ٢١٦/٢، ومغني المحتاج ١٤٤/٣، وكشاف القناع ٦٥/٥ - ٦٦، والإنصاف ١٠٢/٨، والمغني ٤٥٢/٦. ٢٩٨ نِکاح ١٢٤ - ١٢٦ فيشترط الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة أن يكون شاهدا النكاح سميعين ولو برفع صوت إذ المشهود عليه قول فلا بد من سماعه، أي سماع كلام المتعاقدين جميعاً، حتى لو سمعا كلام أحدهما دون الآخر، أو سمع أحدهما كلام أحد المتعاقدين وسمع الآخر کلام المتعاقد الثاني لا يجوز النكاح، قال الكاساني: لأن حضور الشهود شرط ركن العقد، وهو الإيجاب والقبول، فما لم يسمعا كلامهما لا تتحقق الشهادة عند الركن فلا يوجد شرط الركن. وحكى الشمس الرملي في الأصم وجهاً عند الشافعية أنه لا يشترط في الشاهد على النكاح السمع(١). ح - البصر: ١٢٥ - اختلف الفقهاء في اشتراط البصر في شاهدي النكاح. فاشترط الشافعية في شاهدي النكاح البصر، لأن الأقوال - وهي المشهود عليه في عقد النكاح - لا تثبت إلا بالمعاينة والسماع. ولا يشترط الحنفية والمالكية والحنابلة (١) بدائع الصنائع ٢٥٥/٢، والدسوقي ١٦٧/٤، ومغني المحتاج ١٤٤/٣، ونهاية المحتاج ٢١٤/٦، ومطالب أولي النهى ٨١/٥. وهو وجه عند الشافعية في شاهدي النكاح البصر، بل يجوز أن يكونا ضريرين إذا تيقنا الصوت تيقناً لا شك فيه، كالشهادة بالاستفاضة، ولأن العمى كما يقول الكاساني لا يقدح إلا في الأداء لتعذر التمييز بين المشهود عليه وبين المشهود له، ولأنه لا يقدح في ولاية الإنكاح ولا في قبول النكاح بنفسه ولا في المنع من جواز القضاء بشهادته في الجملة فكان من أهل أن ينعقد النكاح بحضوره. ونقل الشربيني الخطيب عن البحر أن الوجه بانعقاد النكاح بحضرة الأعمى حُكِيَ عن النص، لأن الأعمى أهل للشهادة(١). ط - النطق: ١٢٦ - اختلف الفقهاء في اشتراط النطق في شاهدي النكاح. فيرى الحنفية والحنابلة والشافعية في الأصح أنه يشترط في شاهدي النكاح أن . يكونا ناطقين، فلا ينعقد النكاح عندهم بشاهدين أخرسين، أو بشاهدين أحدهما كذلك، لأن الأخرس لا يتمكن من أداء الشهادة . (١) بدائع الصنائع ٢٥٥/٣، ومغني المحتاج ١٤٤/٣، والدسوقي ١٦٧/٤، وكشاف القناع ٦٦/٥. ٢٩٩ نكاح ١٢٦ - ١٣٠ لكن قال الحنابلة إذا أداها بخطه قبلت. وعند المالكية ومقابل الأصح عن الشافعية تقبل شهادته . والتفصيل في مصطلح (خرس ف ١٢). ي - التيقظ : ١٢٧ - نص المالكية والشافعية على أنه يشترط في شاهدي النكاح التيقظ والضبط، فلا ينعقد النكاح عندهم بالمغفل الذي لا يضبط، وينعقد - كما قال النووي - بمن يحفظ وينسى عن قريب(١). ك - معرفة لسان العاقدين: ١٢٨ - نص الشافعية على أنه يشترط في شاهدي النكاح معرفة لسان العاقدين، فلا يكفي إخبار ثقة بمعنى قول العاقدين، قال الشبراملسي: أي بعد تمام الصيغة أما قبلها بأن أخبره عدل بمعناها ولم يطل الفصل فتصح، وقيل: يكفي ضبط اللفظ. وحكى أبو الحسن العبادي وجهاً أن النكاح ينعقد بمن لا يعرف لسان العاقدين لأنه ينقله إلى الحاكم(٢). (١) حاشية الدسوقي ١٦٧/٤، وروضة الطالبين ٤٥/٧، ونهاية المحتاج ٢١٤/٦. (٢) روضة الطالبين ٤٥/٧، ونهاية المحتاج ٢١٤/٦، ومغني المحتاج ١٤٤/٣. ل - أن لا یکون الشاهدان ابني الزوجین : ١٢٩ - نص الحنابلة - في المذهب عندهم كما قال المرداوي - على أنه يشترط في كل من شاهدي النكاح أن لا يكون ابن أحد الزوجين، فلا ينعقد النكاح عندهم بشهادة ابني الزوجين ولا بشهادة ابن أحدهما. وهذا ما يؤخذ من عموم قول الحنفية والمالكية أنه لا تقبل شهادة الوالد لولده ولا الولد لوالده. وفي المسألة عند الشافعية أوجه أصحها الانعقاد(١). نكاح السر: ١٣٠ - اختلف الفقهاء في ماهية نكاح السر وفي حكمه : فقال الحنفية: نكاح السر ما لم يحضره شاهدان، أما ما حضره شاهدان فهو نكاح علانية لا نكاح سر، إذ السر إذا جاوز اثنين خرج من أن يكون سراً، وقد نهى عن نكاح السر، ونقول بموجبه، وقال ◌َله: ((أعلنوا هذا النكاح)(٢)، لأن العاقدين إذا أحضرا (١) روضة القضاة للسمناني ٢٥٦/١، وعقد الجواهر الثمينة ١٤٢/٣، وروضة الطالبين ٤٥/٧، ٤٦، ومغني المحتاج ١٤٤/٣، والإنصاف ١٠٥/٨. (٢) حديث: ((أعلنوا هذا النكاح ... )). سبق تخريجه (ف ٢٠). ٣٠٠