Indexed OCR Text

Pages 61-80

نفقة ٣٧ - ٣٨
القول الثاني: لها السكنى دون النفقة إذا
كانت حائلاً أو حاملاً ونفي الحمل، وإليه
ذهب المالكية (١) وهو الأصح عند
الشافعية(٢).
لأنها محبوسة لأجله، ولأنها معتدة من
فرقة حال الحياة فوجبت لها السكنى
كالمطلقة(٣).
وقال الشافعية في وجه عندهم: إن
السكنى لا تجب للملاعنة (٤).
واستدل هؤلاء بما رواه ابن عباس رضي الله
عنهما في الملاعنة ((أن النبي وَل قضى أن لا
بيت لها عليه ولا قوت، من أجل أنهما
يتفرقان من غير طلاق ولا متوفى عنها))(٥).
ولأنها لم تحصن ماءه فلن تجب عليه
سكناها(٦).
(١) مواهب الجليل ١٩٨/٤.
(٢) المهذب ١٦٥/٢، والروضة ٦٦/٩، وحاشية
الجمل ٤٦٠/٤.
(٣) المهذب ١٦٥/٢.
(٤) المهذب ١٦٥/٢.
(٥) حديث ابن عباس: ((قضى في الملاعنة أن لا
بيت لها عليه ... )).
أخرجه أحمد (٢٣٩/١، ٢٤٥ ط الميمنية)
وأبو داود (٦٩٠/٢ ط حمص) من طريق
عباد بن منصور عن عكرمة عن ابن عباس.
وذكره الحافظ ابن حجر في فتح الباري
وسكت عنه (٤٤٥/٩ ط السلفية).
(٦) روضة الطالبين ٦٦/٩.
والمذهب عند الحنابلة أن الملاعنة تجب
لها النفقة لأن النفقة للحمل وهو ولده - ولو
نفاه لعدم صحة نفيه ـ ما دام حملاً، فإن نفاه
بعد وضعه فلا نفقة في المستقبل لانقطاع نسبه
عنه .
وقال ابن قدامة: إذا قلنا إن الحمل ينتفي
بزوال الفراش فلا نفقة لها ولا سکنی(١).
و - نفقة المختلعة :
٣٨ - فرق الفقهاء بين كون المختلعة حاملاً
وبین کونها غير حامل.
فاتفقوا على وجوب النفقة والسكنى لها
ما دامت حاملاً(٢).
لعموم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِن كُنَّ
أُوْلَتِ حَمْلٍ فَأَنْفِقُواْ عَلَيْهِنَ حَتَّى يَضَعْنَ حَمْلَهُنَّ﴾(٣)،
ولأنها مشغولة بمائه فهو مستمتع برحمها
فصار كالاستمتاع بها في حال الزوجية،
إذ النسل مقصود بالنكاح كما أن الوطء
مقصود به (٤)
.
(١) كشاف القناع ٤٦٥/٥، ٤٦٦، والمغني
٦٠٨/٧ (طبعة الرياض).
(٢) فتح القدير ٢١٥/٤، وحاشية الدسوقي
٥١٤/٢، ومغني المحتاج ٤٤٠/٣، والمغني
٢٩٤/٩.
(٣) سورة الطلاق /٦.
(٤) المغني ٢٩٤/٩.
٦١

نفقة ٣٨ - ٤١
واختلفوا في وجوب النفقة لها إن كانت
حائلاً على قولين:
القول الأول: لا نفقة لها ولها السكنی،
وإليه ذهب المالكية (١) والشافعية(٢)
والحنابلة(٣).
لأن الزوجية قد زالت فأشبهت المتوفى
عنها زوجها (٤).
القول الثاني: تجب النفقة والسكنى لها
مطلقاً، وإليه ذهب الحنفية.
لأن هذه الفرقة بسبب من جهة الزوج بعد
أن كانت مستحقة للنفقة في أصل النكاح
فيبقى ذلك الحق ببقاء العدة(٥).
استحقاق الزوجة النفقة حال سفرها:
٣٩ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الزوجة إذا
سافرت بغير إذن زوجها سقطت نفقتها.
فإن سافرت بإذنه فإما أن يسافر معها أو لا .
والتفصيل في مصطلح (نشوز ف ٦ - ٧).
(١) حاشية الدسوقي ٥١٤/٢، ومواهب الجليل
١٨٩/٤.
(٢) مغني المحتاج ٤٤٠/٣، وتحفة المحتاج
٢٥٩/٨.
(٣) المغني ٢٨٨/٩، ٢٩٤.
(٤) المرجع السابق.
(٥) الهداية وفتح القدير ٢١٢/٤، والبدائع ١٦/٤ ،
والاختيار ١٥٦/٣.
سفر الزوجة للحج:
٤٠ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الزوجة إذا
سافرت لأداء فريضة الحج والزوج معها فإن
لها النفقة (١).
وإنما الخلاف بينهم في وجوب النفقة لها
في حال عدم خروج الزوج معها إلى الحج،
موضحين الفرق بين كون السفر لتأدية الفريضة
أو لتأدية غيره، كحج التطوع أو النذر وما
شابه ذلك.
أ - السفر لأداء حج الفريضة:
٤١ - اختلف الفقهاء في وجوب النفقة
للزوجة فيما لو خرجت لتأدية حج الفريضة
دون سفر الزوج معها على أقوال:
القول الأول: تجب للزوجة النفقة إذا
خرجت لحج الفريضة دون سفر الزوج معها.
وإليه ذهب المالكية(٢)، وبه قال
الحنابلة(٣)، وهو رواية أبي يوسف من
الحنفية(٤).
(١) الهداية مع فتح القدير ١٩٨/٤، والبدائع
٢١/٤، وحاشية الدسوقي ٥١٧/٢، وكشاف
القناع ٤٧٤/٥، وروضة الطالبين ٦١/٩،
والمغني ٢٨٦/٩ - ٢٨٧.
(٢) الشرح الكبير للدردير ٥١٧/٢، وشرح
الخرشي ١٩٥/٣.
(٣) والمغني ٢٨٦/٩، وكشاف القناع ٤٧٣/٥،
والمبدع ٢٠٣/٨ - ٢٠٥.
(٤) رد المحتار ٦٤٨/٢.
٦٢

نفقة ٤١ - ٤٢
لأن الزوجة فعلت الواجب عليها بأصل
الشرع في وقته فلم تسقط نفقتها كصيام
رمضان(١).
ولأن التسليم المطلق قد حصل بالانتقال
إلی منزل الزوج ثم فات بعارض أداء فرض،
وهذا لا يبطل النفقة كما لو انتقلت إلى منزل
زوجها ثم لزمها صوم رمضان (٢).
وفي رواية عند الحنفية يؤمر بالخروج معها
والإنفاق عليها(٣).
القول الثاني: لا تجب لها النفقة، وهو
قول الحنفية ما عدا رواية عن أبي يوسف،
لأن فوات الاحتباس لا من قبله يوجب سقوط
النفقة (٤).
القول الثالث: للشافعية وهو أن إحرام
الزوجة بحج فرض أو عمرة بلا إذن نشوز ولا
نفقة لها إن لم يملك تحليلها وذلك حال
إحرامها بفرض على قول مرجوح، فإن ملك
تحليلها حال إحرامها بفرض على الأظهر فلا
تسقط نفقتها حتى تخرج من بيتها للحج، فإذا
خرجت فمسافرة لحاجتها، فإن سافرت
وحدها بإذنه سقطت نفقتها في الأظهر، أو
(١) المغني ٢٨٦/٩، وكشاف القناع ٤٧٤/٥.
(٢) البدائع ٢٠/٤.
(٣) رد المحتار ٦٤٨/٢.
(٤) فتح القدير ١٩٨/٤، ورد المحتار ٦٤٨/٢.
معه استحقت النفقة، أو بغير إذنه فلا نفقة
لها(١).
ب - السفر لحج التطوع :
٤٢ - فرق الفقهاء بين سفر الزوجة لتأدية
الحج غير الفرض بإذن الزوج وبين سفرها
بغير إذنه.
فاتفق الفقهاء على أنه لا نفقة للمرأة إن
سافرت لحج تطوع بغير إذن زوجها،
وكذلك الحج المنذور في الذمة عند
المالكية (٢).
لأنها في معنى المسافرة وحدها فلا تكون
لها نفقة(٣).
واختلفوا في وجوب النفقة للزوجة إن
أحرمت بحج تطوع وسافرت بإذن زوجها
على قولين:
القول الأول: لا نفقة لها وإليه ذهب
الحنفية(٤) وهو الصحيح عند الحنابلة (٥)،
(١) مغني المحتاج ٤٣٨/٣ - ٤٣٩.
(٢) الدر المختار ٦٤٨/٢، وحاشية الدسوقي
٥١٧/٢، والمهذب ١٦٠/٢، والمغني
٢٨٦/٩.
(٣) المغني ٢٨٦/٩.
(٤) الدر المختار ٦٤٨/٢.
(٥) المغني ٢٨٦/٩، وكشاف القناع ٤٧٣/٥،
والمبدع ٢٠٥/٨.
٦٣

نفقة ٤٢ - ٤٣
لأنها غير ممكنة من نفسها فتسقط نفقتها كما
لو سافرت بغير إذنه(١).
القول الثاني: تجب النفقة للزوجة إذا
أحرمت بحج التطوع بإذن زوجها، وبه قال
المالكية(٢) والقاضي من الحنابلة(٣).
لأنها سافرت بإذن زوجها فلم تسقط نفقتها
كما لو سافرت في حاجة زوجها (٤).
وقال الشافعية: إن أحرمت الزوجة بحج
تطوع بإذن من زوجها ففي الأصح لها نفقة ما
لم تخرج لأنها في قبضته.
ومقابل الأصح لا تجب النفقة لفوات
الاستمتاع بها .
ولو خرجت لحج التطوع سقطت نفقتها
إن خرجت وحدها فإن خرج معها لم
تسقط(٥) .
امتناع الزوجة من السفر مع الزوج:
٤٣ - اختلف الفقهاء في وجوب النفقة
للزوجة أو عدم وجوبها إذا امتنعت عن
السفر مع زوجها وكان الطريق آمناً غير
مخوف، مع عدم وجود المشقة غير
(١) كشاف القناع ٤٧٤/٥.
(٢) حاشية الدسوقي ٥١٧/٢.
(٣) المغني ٢٨٦/٩، وكشاف القناع ٤٧٣/٥.
(٤) المغني مع الشرح الكبير ٢٨٦/٩.
(٥) مغني المحتاج ٤٣٩/٣.
المحتملة، ولم يكن لها عذر يمنعها من
السفر معه مع استيفاء سائر الشروط عند
كل منهم.
فذهب المالكية والشافعية والحنابلة
وجمهور الحنفية وهو المفتى به عندهم، وهو
قول الشعبي وحماد والأوزاعي وأبي ثور إلى
أنه لا نفقة للزوجة إذا امتنعت عن السفر مع
زوجها، واعتبروا الممتنعة عن السفر مع
زوجها دون عذر ناشزة.
لأن الزوجة إنما تستوجب النفقة بتسليمها
نفسها إلى الزوج فتسقط بامتناعها عن السفر
معه .
قال الشافعية: والمراد بالسقوط عدم
الوجوب(١).
وفي قول لبعض الحنفية: تجب لها النفقة
ولا تعد ناشزاً إذا أراد السفر بها مسافة القصر
أو أكثر منها بدون رضاها(٢).
وأما إذا كانت المسافة دون مسافة القصر
فله جبرها على السفر معه، فإن امتنعت كانت
ناشزاً وسقطت نفقتها.
(١) الدر المختار ٦٤٦/٢، ٣٦٠، ٣٦١،
والدسوقي ٢٩٧/٢، وجواهر الإكليل
٢٠٧/١، ومغني المحتاج ٤٣٦/٣، والقليوبي
٧٤/٤، ٧٧، وكشاف القناع ٤٧٢/٥،
ومطالب أولي النهى ٢٥٨/٥.
(٢) رد المحتار ٦٤٨/٢، ٣٦١.
٦٤

نفقة ٤٣ - ٤٤
وفي قول آخر عند بعضهم أيضاً يترك أمر
ذلك إلى القاضي حسب ما يظهر له.
فإن كان الغرض من السفر الكيد للزوجة
والإضرار بها أو كان الزوج غير مأمون عليها
في هذا السفر فلا يحكم القاضي بالسفر معه،
فإن امتنعت من السفر معه كان امتناعها بحق
ولا تسقط نفقتها.
وإن كان السفر ليس فيه إضرار بالزوجة
وإنما كان لغرض من الأغراض كالتجارة
وطلب العلم وهو مأمون عليها أجابه القاضي
إلى طلبه، فإن امتنعت كان امتناعها بغير حق
وسقطت نفقتها في مدة الامتناع(١).
نفقة زوجة الصغير :
٤٤ - إذا كانت الزوجة كبيرة - أي يمكن
وطؤها - والزوج صغير لا يستطيع الاستمتاع
بها، ولم يكن قادراً عليه، وسلمت الزوجة
نفسها له، فقد اختلف الفقهاء في وجوب
النفقة لها على زوجها الصغير على قولين:
القول الأول: تجب لها النفقة، وإليه ذهب
الحنفية(٢) وهو الأظهر عند الشافعية(٣) وبه
(١) العناية شرح الهداية ٤٧٤/٢، ورد المحتار
٣٦٠/٢، ٠٣٦١
(٢) الفتاوى الهندية ٥٤٦/١، والهداية مع فتح
القدير ١٩٨/٤.
(٣) مغني المحتاج ٤٣٨/٣، ونهاية المحتاج
٢٠٨/٧ ط مصطفى البابي الحلبي - مصر.
قال الحنابلة، وهو قول عند المالكية في
مقابل المشهور إذا كان مدخولاً بها على ما
صححه في التوضيح (١).
واستدل هؤلاء بأنها سلمت نفسها تسليماً
صحيحاً فوجبت لها النفقة، كما لو كان
الزوج كبيراً(٢).
وبأن الاستمتاع بها ممكن وإنما تعذر
الوطء من جهة الزوج كما لو تعذر التسليم
لمرضه أو غيبته.
.ولأنها محبوسة عليه والمانع من جهته
فوجبت لها النفقة(٣).
القول الثاني: لا تجب لها النفقة على
زوجها الصغير وهو المشهور عند المالكية ولو
دخل بها وافتضها(٤) وهو مقابل الأظهر عند
الشافعية(®
٠
لأنه لا يستمتع بها لسبب هو معذور فيه
فلا يلزمه غرم نفقتها.
(١) المغني ٢٨٣/٩ - ٢٨٤، والدسوقي ٥٠٨/٢
والخرشي ١٨٤/٤.
(٢) المغني ٢٨٤/٩.
(٣) مغني المحتاج ٤٢٨/٣.
(٤) حاشية الدسوقي ٥٠٨/٢، والخرشي
١٨٤/٤.
(٥) مغني المحتاج ٤٣٨/٣، ونهاية المحتاج
٢٠٨٨٧.
٦٥

نفقة ٤٥ - ٤٦
نفقة الزوجة مدة حبس الزوج في دين نفقتها:
٤٥ - اختلف الفقهاء في وجوب النفقة
للزوجة إن حبست زوجها في سداد ما
عليه من النفقة مع قدرته على تأديته على
قولین :
القول الأول: لها النفقة مدة حبسه، وإليه
ذهب الحنفية (١) والمالكية(٢)، والحنابلة(٣)
لأن المنع منه لا منها.
القول الثاني: ليس لها النفقة مدة حبسه
ولو بحق للحيلولة بينه وبينها، وإليه ذهب
الشافعية (٤)
لأن التمكين الموجب للنفقة قد انتفى
بسبب سجنه فلا تجب معه النفقة.
وهو أيضاً قول الحنابلة إذا كان معسراً
لأنها ظالمة مانعة له من التمكين منها(٥).
طلب التفريق بسبب عدم الإنفاق:
أ - إذا كان الزوج حاضراً:
٤٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الزوج إذا
(١) بدائع الصنائع ٢٩/٤، وحاشية ابن عابدين
٣٩٠/٥.
(٢) حاشية الدسوقي ٥١٧/٢، وجواهر الإكليل
٤٠٤/١.
(٣) المغني ٢٨٤/٩.
(٤) نهاية المحتاج ٢٠٥/٧.
(٥) مطالب أولي النهى ٦٣٤/٥.
كان حاضراً موسراً وله مال ظاهر فإن للزوجة
أن تستوفي حقها منه وليس لها حق طلب
التفريق(١).
كما ذهبوا إلى أنه إذا أعسر الزوج بالنفقة
ورضيت بالمقام معه فلها أن تبقى معه.
واختلفوا فيما لو أعسر الزوج ولم ترض
زوجته بالبقاء معه في حقها في طلب التفريق
بينها وبينه على قولين:
القول الأول: ليس لها طلب التفريق،
وليس للزوج أن يمنعها من التكسب كي تنفق
على نفسها، وبهذا قال ابن شبرمة وحماد بن
أبي سليمان وعطاء والزهري والحسن وابن
أبي ليلى وغيرهم، وإليه ذهب الحنفية، وهو
مقابل الأظهر عند الشافعية، وقول عند
الحنابلة(٢) .
مستندین في ذلك إلى عموم قول الله عز
وجل: ﴿وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى
مَيْسَرَةٍ﴾(٣)، موجهين استدلالهم بأن الله
سبحانه أمر بإنظار المعسر إلى أن يتحقق
يساره فتدخل الزوجة في عموم هذه الآية،
(١) البدائع ٢٧/٤، وشرح الخرشي ١٩٦/٤،
ومغني المحتاج ٤٤٢/٣، والمغني ٢٤٣/٩.
(٢) الدر المختار ٦٥٦/٢، ومغني المحتاج
٤٤٢/٣، والإنصاف ٣٨٣/٩.
(٣) سورة البقرة / ٢٨٠.
٦٦

نفقة ٤٦
وتكون مأمورة بإنظار الزوج، ولا يحق لها أن
تطالبه بالطلاق(١).
وإلى ما رواه جابر بن عبد الله رضي الله
عنهما قال: ((دخل أبو بكر يستأذن على
رسول الله ◌َچر فوجد الناس جلوساً ببابه، لم
يؤذن لأحدٍ منهم. قال: فأذن لأبي بكر
فدخل، ثم أقبل عُمر فاستأذن فأذن له فوجد
النبي ◌َ لّ جالساً، حوله نساؤه، واجماً ساكتاً.
قال فقال: لأقولن شيئاً أضحك النبي ◌َّد.
فقال: يا رسول الله لو رأيت بنت خارجة
سألتني النفقة فقمت إليها فوجأت عنقها.
فضحك رسول الله وَ الر وقال: ((هن حولي كما
ترى يسألنني النفقة))، فقام أبو بكر إلى عائشة
يجأ عنقها، فقام عمر إلى حفصة يجأ عنقها،
كلاهما يقول: تسألن رسول الله وَلقر ما ليس
عنده، فقلن: والله لا نسأل رسول الله وَلآدم
شيئاً أبداً ليس عنده، ثم اعتزلهن شهراً أو
تسعاً وعشرين، ثم نزلت عليه هذه الآية:
﴿يَأَيُّهَا النَِّىُّ قُل لِّأَزْوَِكَ﴾، حتى بلغِ
﴿لِلْمُحْسِنَتِ مِنْكُنَّ أَجْرًا عَظِيمًا﴾. قال: فبدأ
بعائشة فقال: ((يا عائشة إني أريد أن أعرض
عليك أمراً أحب أن لا تعجلي فيه حتى
تستشيري أبويك)) قالت: وما هو يا
رسول الله؟ !! فتلا عليها الآية قالت: أفیك یا
رسول الله! أستشير أبوي؟ بل أختار الله
(١) فتح القدير ٣٣٠/٣، ونهاية المحتاج ٢١٢/٧.
ورسوله والدار الآخرة، وأسألك أن لا تخبر
امرأة من نسائك بالذي قلت. قال: ((لا
تسألني امرأة منهن إلا أخبرتها. إن الله لم
يبعثني معنتاً ولا متعنتاً، ولكن بعثني معلماً
ميسراً))(١). فهذا الحديث يدل على أنه ليس
للمرأة أن تسأل زوجها ما ليس عنده،
فلا يكون لها أن تطالبه بالطلاق من باب
أولى.
ولأن النفقة حق الزوجة على زوجها ولا
يفسخ النكاح بعجزه، قياساً على عدم فسخه
بالدين(٢)، وعلى الإعسار بالصداق بعد
الدخول(٣) .
القول الثاني: للمرأة حق طلب التفريق
بينها وبين زوجها لعجزه عن الإنفاق، فإن
امتنع فرق الحاكم بينهما.
وإليه ذهب المالكية(٤) وهو الأظهر عند
الشافعية(٥) والصحيح عند الحنابلة(٦)، وهذا
(١) حديث: ((دخل أبو بكر يستأذن على
مـ
رسول الله المطر ... )).
أخرجه مسلم (١١٠٤/٢ - ١١٠٥ ط عيسى
الحلبي).
(٢) المغني ٢٤٣/٩.
(٣) روضة الطالبين ٧٢/٩، ونهاية المحتاج
٢١٢٧.
(٤) مواهب الجليل ١٩٦/٤، وشرح الخرشي
١٩٦/٤.
(٥) نهاية المحتاج ٢١٢/٧.
(٦) المغني ٢٤٣/٩، والإنصاف ٣٨٤/٩.
٦٧

نفقة ٤٦ - ٤٧
التفريق فسخ عند الشافعية والحنابلة وطلاق
رجعي عند المالكية، وهذا مروي عن عمر
وأبي هريرة وابن عمر رضي الله عنهم، وبه
قال سعيد بن المسيب والحسن وإسحاق
وأبو ثور وغيرهم(١).
مستندين في ذلك إلى قوله عز وجل:
﴿فَإِسَاكٌ بِمَعْرُوفٍ أَوْ تَشْرِيٌ بِإِحْسَانٍ﴾(٢). فقد
أمر سبحانه بإمساك الزوجة بالمعروف أو
التسريح بإحسان، وعدم إنفاق الزوج عليها
تفويت للإمساك بالمعروف، فيتعين الثاني
وهو التسريح بالإحسان(٣).
ولما روي أن عمر رضي الله عنه کتب إلى
أمراء الأجناد فيمن غاب عن نسائه من أهل
المدينة، فأمرهم أن يرجعوا إلى نسائهم إما أن
يفارقوا وإما أن يبعثوا بالنفقة، فمن فارق منهم
فليبعث بنفقة ما ترك (٤).
ولما روي عن سعيد بن المسيب أن أبا
الزناد سأله عن الرجل لا يجد ما ينفق على
امرأته، قال: یفرق بينهما، قال أبو الزناد:
قلت: سنّة؟ فقال: سنة(٥).
(١) المغني ٢٤٣/٩.
(٢) سورة البقرة /٢٢٩.
(٣) المغني ٢٤٣/٩، وكشاف القناع ٤٧٦/٥.
(٤) أثر: ((أن عمر رضي الله عنه كتب إلى أمراء
الأجناد ... ).
تقدم تخريجه ف ٢٨.
(٥) أثر: ((سعيد بن المسيب أن أبا الزناد سأله ... )) . =
قال الشافعي: ويشبه أنه سنة النبي وَلَِّ(١).
ولأنه إذا ثبت الفسخ بالعجز عن الوطء،
والضرر فيه أقل، فلأن يثبت بالعجز عن النفقة
التي لا يقوم البدن إلا بها أولى.
وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (طلاق
ف ٨٢ - ٨٦).
ب - إذا كان الزوج غائياً:
٤٧ - اختلف الفقهاء في حكم طلب المرأة
التفريق بينها وبين زوجها الغائب، إذا لم
ينفق عليها ولم يترك لها مالاً لتنفق منه
ولم يوكل أحداً بالإنفاق عليها، على
قولین :
القول الأول: للمرأة أن تطلب التفريق
لذلك، وهذا هو المشهور عند المالكية(٢).
ووجه عند الشافعية(٣) وهو المذهب عند
الحنابلة إن لم تستطع الاستدانة عليه (٤).
أخرجه الشافعي في مسنده (٦٥/٢ بترتيب
=
السندي).
(١) نهاية المحتاج ٢١٢/٧، وكشاف القناع
٤٧٦/٥.
(٢) بداية المجتهد ٤٤/٢، ومواهب الجليل
١٩٦/٤، وشرح الخرشي ١٩٩/٤.
(٣) روضة الطالبين ٧٢/٩، ومغني المحتاج
٤٤٢/٣.
(٤) المغني ٢٤٣/٩، وكشاف القناع ٤٢٣/٥،
والمبدع ٢٣٣/٨، والإنصاف ٣٩١/٩.
٦٨

نفقة ٤٧
واشترط المالكية لذلك: أن تثبت
الزوجية، وأن يكون الزوج قد دخل بها
أو دعي إلى الدخول بها، وأن تكون
الغيبة بحيث لا يعلم موضعه، أو علم
ولم يمكن الإعذار إليه، وأن تشهد لها
البينة بأنها لا تعلم أن الزوج ترك لها
نفقة ولا كسوة ولا شيئاً من مؤنتها، ولا
أنه بعث إليها، بشيء وصل إليها في
علمهم إلى هذا الحين.
ثم يضرب القاضي لها بعد ذلك أجلاً
حسب ما يراه: شهراً أو شهرين أو خمسة
وأربعين يوماً، فإذا انقضت المدة ولم يقدم
ولم يبعث بشيء ولا ظهر له مال ودعت
إلى النظر لها، فإنها تحلف بمحضر عدلين
أنه ما رجع إليها زوجها المذكور من مغيبه
الثابت عند الحاكم إلى حين حلفها ولا ترك
لها نفقة ولا كسوة ولا وضعت ذلك عنه
ولا وصل إليها شيء منه إلى الآن، فإذا
ثبت عند القاضي حلفها طلقها عليه، أو
أباح لها التطليق(١) .
مستندين في ذلك إلى: ما ورد عن
عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه كتب
إلى أمراء الأجناد فيمن غاب عن نسائه من
أهل المدينة، فأمرهم أن يرجعوا إلى
نسائهم، إما أن يفارقوا وإما أن يبعثوا
(١) مواهب الجليل ١٩٦/٤.
بالنفقة، فمن فارق منهم فليبعث بنفقة ما
ترك (١)
ولأنه لما تعذر الإنفاق عليها من ماله أو
بالاستدانة كان لها الخيار بالفسخ كحال
الإعسار(٢).
ولأن في عدم الإنفاق ضرراً يمكن إزالته
بالفسخ فكان لها حق طلبه(٣).
القول الثاني: ليس للمرأة الحق في طلب
التفريق، وهو قول الحنفية(٤)
وهو القول الثاني للمالكية(٥) وهو الأصح
عند الشافعية(٦) وبه قال بعض الحنابلة(٧).
لأن الفسخ إنما يثبت بالإعسار بالنفقة ولم
يثبت إعسار الزوج لغيبته لعدم تبين حاله(٨).
(١) نهاية المحتاج ٢١٢/٧، والمغني ٢٤٣/٩ وأثر
عمر تقدم تخريجه ف ٢٨.
(٢) كشاف القناع ٤٢٣/٥، والمبدع ١٣٣/٨.
(٣) كشاف القناع ٤٢٣/٥.
(٤) رد المحتار ٦٥٦/٢.
(٥) مواهب الجليل ١٩٦/٤، شرح الخرشي
١٩٩/٣.
(٦) نهاية المحتاج ٨٢٧٧، ومغني المحتاج
٤٤٢/٣، وروضة الطالبين ٧٢/٩.
(٧) كشاف القناع ٤٢٣/٥، والمبدع ١٣٣/٨،
والإنصاف ٣٩١/٩.
(٨) مواهب الجليل ٤٢٣/٥، ومغني المحتاج
٤٤٢/٣.
٦٩

نفقة ٤٧ - ٤٨
أما إذا ثبت الإعسار تولى الحاكم أو من
يأذن له أمر التفريق بطلبها، وهذا هو الصحيح
عند الشافعية(١)، وقول للحنابلة(٢)، لأن هذه
الفرقة مجتهد فيها فافتقرت إلى حكم الحاكم
كالفسخ بالعنة(٣) .
فإذا حضر الزوج من سفره وغاب ماله
فقد فصل الشافعية القول، فذهبوا إلى أنه
إن كان غائباً مسافة القصر فأكثر كان
للزوجة الفسخ ولا يلزمها الصبر للضرر،
وهذا إذا لم ينفق عليها بنحو استدانة، وإلا
فلا فسخ، وإن كان غائباً دون مسافة القصر
فليس لها الفسخ لأنه في حكم الحضر
ويؤمر بالإحضار عاجلاً.
وإن کان للزوج مدین غائب موسر وكان له
مال دون مسافة القصر ففي حق طلب الفسخ
لها وجهان، أوجههما عدم الفسخ.
وإن كان له مدين حاضر وله مال بمسافة
القصر كان لها الفسخ كما لو كان مال الزوج
غائباً (٤).
وعند الحنفية لا يفرق بينهما بعجز الزوج
(١) مغني المحتاج ٤٤٢/٣.
(٢) كشاف القناع ٤٨٠/٥، والمغني ٢٤٧/٩،
والمبدع ١٣٣/٨.
(٣) كشاف القناع ٤٨٠/٥.
(٤) نهاية المحتاج ٢١٣٨٧، ومغني المحتاج
٤٤٢/٣، وروضة الطالبين ٧٣/٩.
عن النفقة غائباً كان أو حاضراً معسراً كان أو
موسراً(١).
التبرع بالنفقة:
٤٨ - اختلف الفقهاء في حق طلب الزوجة
الفسخ وعدم قبولها النفقة إذا تبرع به أحد عن
الزوج على قولين:
القول الأول: تجبر الزوجة على قبول
النفقة من المتبرع وليس لها حق طلب
الفسخ.
وإليه ذهب المالكية إلا ابن الكاتب(٢)،
وهو وجه عند الشافعية حكاه ابن کج وبه أفتى
الغزالي(٣).
القول الثاني: لا تجبر الزوجة على قبول
النفقة من المتبرع ولها حق طلب الفسخ.
وبه قال الحنابلة(٤) وإليه ذهب ابن الكاتب
من المالكية(٥) وهو الصحيح عند الشافعية،
إلا إذا كان المتبرع أباً أو جداً للزوج وهو في
ولاية أي منهما فيلزمها القبول لدخولها في
(١) رد المحتار ٦٥٦/٢.
(٢) مواهب الجليل ١٩٩/٤.
(٣) نهاية المحتاج ٢١٣٨٧، ومغني المحتاج
٤٤٣/٣، وروضة الطالبين ٧٣/٩.
(٤) كشاف القناع ٤٧٧/٥.
(٥) مواهب الجليل ١٩٩/٤.
٧٠

نفقة ٤٨ - ٤٩
ملك الزوج تقديراً وألحق بهما الأذرعي ولد
الزوج(١).
لأن في قبولها من المتبرع منّة عليها
وإلحاق ضرر بها، فلا تجبر على قبولها، كما
لا يجبر رب الدين على القبول من المتبرع
سداد الدين الذي للدائن على غيره.
هذا بخلاف ما إذا دفع المتبرع النفقة إلى
الزوج أولا ثم قام الزوج بدفعها إليها.
فقد ذكر الشافعية والحنابلة أن المتبرع لو
سلم النفقة للزوج ثم دفعها الزوج لها أو
دفعها إليه و کیله فإنها تجبر على القبول منه،
لأن المنة حينئذ على الزوج دونها(٢).
اعتبار النفقة ديناً على الزوج:
٤٩ - اختلف الفقهاء في اعتبار النفقة ديناً على
الزوج على قولين:
القول الأول: لا تعتبر النفقة ديناً في ذمة
الزوج إلا بقضاء القاضي أو بتراضي
الزوجين فإن لم يوجد قضاء ولا تراض
سقطت بمضي الزمان، وبهذا قال الحنفية(٣)
لأن هذه النفقة تجري مجرى الصلة وإن
(١) نهاية المحتاج ٢١٣٨٧، ومغني المحتاج
٤٤٣/٣، وروضة الطالبين ٧٣/٩.
(٢) نهاية المحتاج ٢١٣٨٧، ومغني المحتاج
٤٤٣/٣، وكشاف القناع ٤٧٧/٥.
(٣) البدائع ٢٥/٤ - ٢٨.
كانت تشبه الأعواض لكنها ليست بعوض
حقيقة، لأنها لو كانت عوضاً حقيقة لكانت
عوضاً عن نفس المتعة وهي الاستمتاع، أو
كانت عوضاً عن ملك المتعة وهي
الاختصاص بها ولا سبيل إلى الأول، لأن
الزوج ملك متعتها بالعقد فكان هو
بالاستمتاع متصرفاً في ملك نفسه باستيفاء
منافع مملوكة له، ومن تصرف في ملك
نفسه لا يلزمه عوض لغيره.
ولا وجه للثاني لأن ملك المتعة قد قوبل
بعوض مرة فلا یقابل بعوض آخر، فخلت
النفقة عن معوض، فلا يكون عوضاً حقيقة
بل كانت صلة، ولذلك سماها الله تعالى رزقاً
بقوله عز وجل: ﴿وَعَلَى الْوَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالْعْرُوفِ﴾(١).
القول الثاني: تصير النفقة ديناً في ذمة
الزوج إذا امتنع عن أدائها بعد أن وجبت عليه
من غير قضاء القاضي ولا رضا الزوج، وإليه
ذهب الشافعية(٢)، والحنابلة لقول الله عز
وجل: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالْعَرُوفِ﴾، موجهين استدلالهم بأن الله
سبحانه وتعالى أخبر عن وجوب النفقة
والكسوة مطلقاً دون تقید بزمان دون آخر،
ولأن النفقة قد وجبت، والأصل أن ما وجب
(١) سورة البقرة / ٢٣٣.
(٢) روضة الطالبين ٧٦/٩.
٧١

نفقة ٤٩ - ٥٠
على إنسان لا يسقط إلا بالوفاء أو الإبراء
كسائر الواجبات(١).
ثانياً: القرابة :
تجب النفقة - في الجملة - بالقرابة وذلك
على التفصيل التالي:
القرابة الموجبة للنفقة وبيان درجاتها:
٥٠ - اختلف الفقهاء فيمن يستحق النفقة
بسبب القرابة :
فذهب الحنفية: إلى أن مستحقيها هم
الآباء وإن علوا، والأولاد وإن سفلوا،
والحواشي ذوو الأرحام المحرمة كالعم والأخ
وابن الأخ والعمة والخال والخالة، ولا تجب
لغيرهم كابن العم وبنت العم وبنت الخال
وبنت الخالة، ولا للمحرم غير ذي الرحم
كابن العم إذا كان أخاً من الرضاع، ويشترط
اتحادهم في الدين فيما عدا الزوجية والولاد
فلا تجب لأحد النفقة مع اختلاف الدين إلا
بسبب الزوجية وقرابة الولاد(٢).
أما الأولاد فلقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ
رِذْقُّهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالمعْرُونِ﴾(٣)، والمولود له هو
(١) المغني ٢٣٠/٩، وبدائع الصنائع ٢٥/٤ -
٢٨.
(٢) تبيين الحقائق للزيلعي ٦٣/٣ ط دار المعرفة -
بيروت.
(٣) سورة البقرة /٢٣٣.
الأب، فأوجب عليه رزق النساء لأجل
الأولاد، فلأن تجب عليه نفقة الأولاد
بالطريق الأولى.
وأما الأبوان فلقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبھُمَا فِی
الذُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾(١)، فقد نزلت في حق الأبوين
الكافرين بدليل ما قبلها ﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنسَنَ بِوَلِدَيْهِ﴾
وليس من الإحسان ولا من المعروف أن
يعيش في نعم الله تعالى ويتركهما يموتان
جوعاً.
وأما الأجداد والجدات فكالأبوين ولهذا
يقومان مقام الأب والأم في الإرث وغيره،
ولأنهم تسببوا لإحيائه فاستوجبوا عليه الإحياء
کالأبوین.
أما استثناء الزوجية من اتحاد الدين فلأن
النفقة تجب باعتبار الحبس المستحق بعقد
النكاح، وأما استثناء الولاد من اتحاد الدين
أيضاً فلأن المنفق عليه جزؤه، ونفقة الجزء
لا تمتنع بالكفر، إلا أنه لا يجب على المسلم
نفقة أبويه الحربيين(٢).
وشرط الحنفية الفقر لتحقق الحاجة مفرقين
بين نفقة الزوجية وغيرها قائلين بخلاف نفقة
الزوجة حيث تجب مع الغنى، لأنها تجب
لأجل الحبس الدائم كرزق القاضي (٣).
(١) سورة لقمان /١٥.
(٢) تبيين الحقائق ٦٣/٣.
(٣) تبيين الحقائق ٦٣/٣.
٧٢
٠

نفقة ٥٠
وفي نفقة القريب فإنما تجب لكل ذي
رحم محرم صغيراً أو أنثى ولو بالغة
صحيحة، أما الذكر البالغ فلا بد من عجزه
عن الكسب بخلاف الأبوين فإنها تجب لهما
مع القدرة، لأنهما يلحقهما تعب الکسب،
والولد مأمور بدفع الضرر عنهما.
ويجب ذلك عليهم على قدر الميراث،
لأن التنصيص على الوارث تنبيه على اعتبار
المقدار، ولأن الغرم بالغنم(١) .
وذهب المالكية إلى أن النفقة تجب
للوالدين والأولاد المباشرين فقط دون
غيرهم، ولا يشترطون اتحاد الدين بين
الأصل والفرع، أي بين من تجب عليه النفقة
وبين من تجب له، بل يوجبونها لكل منهم
وإن اختلف دينه مع الآخر، ما دام مستحقاً
لها، شريطة أن يكون الولد غیر حربي(٢).
وذهب الشافعية إلى أن مستحقيها هم الآباء
وإن علوا والأولاد وإن نزلوا(٣).
واستدلوا على وجوبها للآباء بقوله تعالى:
(١) حاشية رد المحتار ٦٨١/٢ ط بولاق.
(٢) حاشية الدسوقي ٥٢٢/٢، ٥٢٣ ط عيسى
الحلبي، ومواهب الجليل ٢٠٩/٤ ط دار
الفكر، بيروت.
(٣) المهذب للشيرازي ٢١٢/٢ ط عيسى الحلبي،
ومغني المحتاج ٤٤٦/٣، ٤٤٧ ط مصطفى
الحلبي.
﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾(١)، ومن
المعروف القيام بكفايتهما عند حاجتهما،
وبقوله عليه الصلاة والسلام: ((إن أطيب ما
أكلتم من كسبكم، وإن أولادكم من
کسیکم»(٢).
واستدلوا على وجوبها للأولاد وإن نزلوا
بقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُنْ فَتُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ﴾ (٣) فإيجاب الأجرة لإرضاع الأولاد
يقتضي إيجاب مؤنتهم.
وبقوله ◌َ ر الهند: ((خذي ما يكفيك وولدك
بالمعروف)»(٤)
.
والأحفاد ملحقون بالأولاد وإن لم يتناولهم
إطلاق ما تقدم.
ولم يشترط الشافعية اتحاد الدين بل
یوجبونها مع اختلافه.
ولم يوجبها الشافعية لغيرهما من سائر
(٥)
الحواشي (٥).
(١) سورة لقمان /١٥.
(٢) حديث: ((إن أطيب ما أكلتم من كسبكم ... )).
أخرجه الترمذي (٦٣٠/٣) من حديث عائشة
رضي الله عنها، وقال: حديث حسن
صحیح .
(٣) سورة الطلاق /٦.
(٤) حديث: ((خذي ما يكفيك وولدك ... )).
سبق تخريجه ف (٨).
(٥) مغني المحتاج ٤٤٦/٣، ٤٤٧.
٧٣

نفقة ٥٠ - ٥١
وذهب الحنابلة: إلى استحقاقها للآباء وإن
علوا وللأولاد وإن نزلوا، ولمن يرثهم المنفق
دون من سواهم، سواء أكان ميراثه منهم
بفرض أم بتعصیب، وإن لم يرثوا منه.
ولا نفقة على ذوي الأرحام من غير
عمودي النسب(١).
والمذهب عندهم اشتراط اتحاد الدين
لوجوب النفقة، لأنها مواساة على سبيل البر
والصلة فلم تجب مع اختلاف الدين كنفقة
غیر عمودي النسب، ولأنهما غير متوارثین،
فلم تجب لأحدهما على الآخر نفقته
بالقرابة(٢).
إنفاق الفروع على الأصول:
٥١ - اتفق الفقهاء على وجوب نفقة
الأبوين المباشرين على الولد(٣) لقوله
تعالى: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوَأْ إِلَّ إِيَّاهُ
وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَنَاً﴾(٤).
(١) الإنصاف للمرداوي ٣٩٢/٩، ٣٩٣، ٣٩٦،
ط دار إحياء التراث العربي - بيروت،
والمغني مع الشرح الكبير ٢٥٩/٩.
(٢) المغني مع الشرح الكبير ٢٥٩/٩، والروض
المربع ٣٦٢/٢ ط دار الكتب العلمية.
(٣) تبيين الحقائق ٦٢/٣، وحاشية الدسوقي
٥٢٢/٢، ومغني المحتاج ٤٤٦/٣،
والإنصاف ٣٩٢/٩.
(٤) سورة الإسراء /٢٣.
ومن الإحسان الإنفاق عليهما عند
حاجتهما .
ولقوله تعالى: ﴿وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا
مَعْرُوفًا﴾(١)، ومن المعروف القيام بكفايتهما
عند الحاجة.
ولما رواه عبد الله بن عمرو أن رجلاً أتى
النبي وَ ل﴿ فقال: يا رسول الله إن لي مالاً
ووالداً، وإن والدي يجتاح مالي، فقال
النبي ◌َ لور: ((أنت ومالك لوالدك، إن أولادكم
من أطيب كسبكم، فكلوا من كسب
أولادكم))(٢). فإذا كان كسب الولد يعد من
كسب الأب، فإن نفقة الأب تكون واجبة
فیه، لأن نفقة الإنسان تكون من كسبه.
وقد حكى ابن المنذر الإجماع في هذا
فقال: وأجمعوا على أن نفقة الوالدين اللذين
لا كسب لهما ولا مال واجبة في مال
الولد(٣).
أما الأجداد والجدات، فقد تقدم أن
(١) سورة لقمان /١٥.
(٢) حديث: ((أنت ومالك لوالدك)).
أخرجه أبو داود (٨٠١/٣ ط حمص) وابن
ماجه (٧٦٩/٢ ط الحلبي) من حديث
عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده. واللفظ
لأبي داود، وصححه البوصيري في مصباح
الزجاجة (٢٥/٢ ط الجنان).
(٣) مغني المحتاج ٤٤٧/٣، والمغني ٣٧٣/١١ ط
هجر.
٧٤

نفقة ٥١ - ٥٢
المالكية يرون أنه لا نفقة لأحد منهم، وقد
خالفهم الجمهور في ذلك حيث قالوا بوجوب
النفقة لسائر الأصول وإن علوا.
وقد احتج المالكية بأن الأدلة قد قامت
على وجوب نفقة الأبوين المباشرین دون سائر
الأصول، فيقتصر عليهما، ومن ثم لا نفقة
على الولد لجد أو جدة (١).
أما الجمهور فقالوا: إن الأجداد والجدات
ملحقون بالأبوين المباشرين وإن لم يتناولهم
إطلاق ما تقدم، كما ألحقوا بهما في عدم
القود ورد الشهادة، وغير ذلك.
ولأن الأجداد والجدات يقومان مقام
الأبوين المباشرين في الإرث وغيره.
ولأنهم تسببوا في إحياء ولد الولد،
فاستوجبوا عليه الإحياء كالأبوين(٢).
شروط وجوب الإنفاق على الأصول:
٥٢ - يشترط لوجوب الإنفاق على الأصول ما
یآتي :
أ - أن يكون الأصل فقيراً أو عاجزاً عن
الكسب، فلا يجب على الفرع نفقة أصله إن
كان أصله غنياً أو قادراً على الكسب، لأنها
(١) حاشية الدسوقي ٥٢٣/٢.
(٢) تبيين الحقائق ٦٣/٣، ومغني المحتاج
٤٤٧/٣، والمغني بأعلى الشرح الكبير
٢٥٧/٩.
تجب على سبيل المواساة والبر، والقادر على
الكسب كالموسر مستغن عن المواساة.
وبهذا قال المالكية والحنابلة والشافعية في
قول(١)
وقال الحنفية والشافعية في الأظهر كما قال
النووي وهو قول بعض المالكية: إن كان
الأصل فقيراً قادراً على الكسب تجب نفقته
على فرعه كذلك، لأن الله تعالى قد أمر
بالإحسان إلى الوالدين، وفي إلزام الآباء
التكسب مع غنى الأبناء ترك للإحسان إليهم
وإيذاء لهم، وهو لا يجوز(٢).
ب - أن يكون الفرع موسراً وهذا باتفاق
الفقهاء، أو قادراً على التكسب وهو ما ذهب
إليه الحنابلة وهو الأصح عند الشافعية،
والرواية التي جزم بها صاحب الهداية عند
الحنفية(٣)، وأن یکون في ماله أو کسبه فضل
(١) منح الجليل ٤٤٨/٢، وحاشية الدسوقي
٥٢٢/٢، ومغني المحتاج ٤٤٦/٣ - ٤٤٨،
والإنصاف ٣٩٢/٩، والمغني بأعلى الشرح
الكبير ٢٥٦/٩.
(٢) اللباب شرح الكتاب ١٠٤/٣، وحاشية ابن
عابدين ٦٧٨/٢، وحاشية الدسوقي ٥٢٢/٢،
ومغني المحتاج ٤٤٨/٣.
(٣) تبيين الحقائق ٦٤/٣، وحاشية ابن عابدين
٦٧٨/٢، ومغني المحتاج ٤٤٨/٣،
والإنصاف ٣٩٢/٩ والكافي ٣٧٤/٣، ٣٧٥
ومطالب أولي النهى ٦٤٤/٥.
٧٥

نفقة ٥٢ - ٥٣
عن نفقة نفسه وولده وامرأته، فإن لم یفضل
منه شيء لا تجب عليه النفقة.
وقال المالكية: لا يجب على الفرع
المعسر التكسب لينفق على والديه، وهو
مقابل الأصح عند الشافعية، وقال الحلواني
من الحنفية: إذا كان الابن فقيراً كسوباً وكان
الأب كسوباً لا يجبر الابن على الإنفاق عليه
لأنه كان غنياً باعتبار الكسب فلا ضرورة في
إيجاب النفقة على الغير(١).
ج - اتحاد الدين بين المنفق والمنفق علیه،
وهو المذهب عند الحنابلة، لأن النفقة مواساة
على سبيل البر والصلة، فلم تجب مع
اختلاف الدين، کنفقة غیر عمودي النسب،
ولأنهما غير متوارثين فلم يجب لأحدهما
على الآخر نفقة بالقرابة(٢).
وقال الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
في رواية: اتحاد الدين ليس شرطاً لوجوب
نفقة الأصل على الفرع، فتجب النفقة عليه
وإن اختلف دينهما، لأن الله تعالى قال في
حق الأبوين الكافرين: ﴿وَإِن جَهَدَاكَ عَلَى أَنْ
تُشْرِكَ بِىِ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ، عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَّاً
وَصَاحِبْهُمَا فِ الدُّنْيَا مَعْرُوفَا﴾(٣).
(١) حاشية الدسوقي ٥٢٢/٢، وتبيين الحقائق
٦٤/٣.
(٢) المغني بأعلى الشرح الكبير ٢٥٩/٩.
(٣) سورة لقمان /١٥.
ولأنه ليس من الإحسان ولا من المعروف
أن يعيش الإنسان في نعم الله تعالى ويترك
أبويه يموتان جوعاً لوجود الموجب وهو
البعضية(١).
من تجب عليه نفقة الأصول:
٥٣ - تجب نفقة الأصول على الولد، لأن
للأبوين تأويلاً في مال الولد بالنص، ولأنه
أقرب الناس إليهما، فكان أولى باستحقاق
نفقتهما عليه.
وهي عند الحنفية على الذكور والإناث
بالسوية في ظاهر الرواية، لأن المعنى
يشملهما(٢).
وتجب أيضاً على ولد الولد وإن نزل على
رأي الجمهور خلافاً للمالكية، فلا تجب
عندهم على ولد الولد (ر: ف ٥٠).
واختلف الفقهاء فيمن تجب عليه نفقة
الأصول إن تعددت الفروع.
فعند الحنفية: إن اتحدت درجة القرابة
(١) حاشية رد المحتار ٦٨٣/٢ ط بولاق، وتبيين
الحقائق ٦٣/٣، وشرح منح الجليل ٤٤٨/٢،
وحاشية الدسوقي ٥٢٢/٢، ومغني المحتاج
٤٤٧/٣، وحاشية الشرواني وابن القاسم على
تحفة المحتاج ٣٤٤/٨، ٣٤٥، والمغني
بأعلى الشرح الكبير ٢٥٩/٩.
(٢) فتح القدير ٤١٧/٤ ط دار الفكر.
٧٦

نفقة ٥٣
كابنين أو بنتين، كانت النفقة بينهم بالتساوي،
للتساوي في القرب والجزئية دون النظر إلى
الميراث، حتى إنه لو كان له أخ شقيق وبنت
بنت، كانت نفقته على بنت البنت، وإن كان
ميراثه لأخيه وإن اختلفت درجة القرابة، كما
لو كان له بنت وابن ابن وجبت النفقة على
الأقرب، فتكون على البنت خاصة وإن كان
الميراث بينهما لقرب البنت(١).
.
وعند المالكية في المشهور أن النفقة تجب
على الحر الموسر كبيراً كان أو صغيراً، ذكراً
كان أو أنثى، واحداً أو متعدداً، مسلماً أو
كافراً، صحيحاً أو مريضاً للوالدين أي الأم
والأب المباشرين، والمشهور أن النفقة توزع
على الأولاد الموسرين بقدر يسار كل
(٢).
منهم
وعند الشافعية أن من استوى فرعاه في
قرب وإرث أو عدمهما أنفقا عليه، وإن اختلفا
في الذكورة وعدمها كابنين أو بنتين، أو ابن
وبنت، وإن تفاوتا في قدر اليسار، أو أيسر
أحدهما بالمال والآخر بالكسب، لأن علة
إيجاب النفقة تشملهما، فإن غاب أحدهما
أخذ قسطه من ماله فإن لم يكن له مال
اقترض عليه الحاكم إن أمكن، وإلا أمر
(١) فتح القدير ٤١٩/٤ ط دار الفكر - بيروت.
(٢) مواهب الجليل ٢٠٩/٤ ط دار الفكر، ومنح
الجليل ٤٤٨/٢.
الحاكم الحاضر بالإنفاق بقصد الرجوع على
الغائب أو ماله إذا وجده
.
وإن اختلفا في القرب، فالأصح أقربهما
تجب النفقة عليه، وارثاً كان أو غيره،
ذكراً كان أو أنثى، لأن القرب أولى
بالاعتبار(٢).
فإن استوى قربهما فبالإرث تعتبر النفقة في
الأصح لقوته.
وإن تساوى الفرعان في أصل الإرث دون
غيره كابن وبنت، فهل يستويان في قدر .
الإنفاق أم يوزع الإنفاق عليهما بحسب
الإرث؟ وجهان:
وجه التوزيع: إشعار زيادة الإرث بزيادة
قوة القرب، ووجه الاستواء في قدر الإنفاق
اشتراكهما في الإرث(٣).
وذهب الحنابلة إلى أنه إن اتحدت درجة
القرابة كابن وبنت فالنفقة بينهما أثلاثاً
كالميراث لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ
ذَلِكٌ﴾ (٤).
فإنه رتب النفقة على الإرث، فيجب أن
تترتب في المقدار عليه.
(١) مغني المحتاج ٤٥٠/٣.
(٢) مغني المحتاج ٤٥١/٣.
(٣) مغني المحتاج ٤٥٠/٣، ٤٥١.
(٤) سورة البقرة / ٢٣٣.
٧٧

نفقة ٥٣ - ٥٤
وإن اختلفت درجة القرابة کبنت وابن ابن
فالنفقة بينهما كالميراث(١).
إنفاق الأصول على الفروع:
٥٤ - لا خلاف بين الفقهاء على وجوب
إنفاق الأب على ولده المباشر ذكراً كان أو
أنثى(٢). لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَلُودِ لَهُ
رِفْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعَرُونِ﴾(٣). والمولود له هو
الأب، فأوجب الله تعالى عليه رزق النساء
لأجل الأولاد، فلأن تجب عليه نفقة الأولاد
من باب أولى (٤).
ولقوله تعالى: ﴿فَإِنْ أَرْضَعْنَ لَكُمْ فَاتُوهُنَّ
أُجُورَهُنَّ﴾(٥). فقد أوجب سبحانه وتعالى أجرة
الرضاع للأولاد على آبائهم، وإيجاب الأجرة
لإرضاع الأولاد يقتضي إيجاب مؤنتهم
والإنفاق عليهم(٦).
ولقوله عليه الصلاة والسلام لهند: ((خذي
(١) المغني ٥٩١٨٧ نشر مكتبة الكليات الأزهرية
بالقاهرة.
(٢) تبيين الحقائق ٦٢/٣، ومواهب الجليل
٢٠٩/٤، وتحفة المحتاج بشرح المنهاج
بهامش شرواني وابن القاسم ٣٤٤/٨،
والروض المربع ٣٦٢/٢ ط دار الكتب
العلمية - بيروت.
(٣) سورة البقرة /٢٣٣.
(٤) مُغني المحتاج ٦٢/٣.
(٥) سورة الطلاق /٦.
(٦) مغني المحتاج ٤٤٦/٣.
ما يكفيك وولدك بالمعروف)»(١). فقد أباح
رسول الله ﴿ لامرأة أبي سفيان الأخذ من
مال زوجها لتنفق على نفسها وأولادها ولولا
أن الإنفاق على الأولاد والزوجات حق
واجب لما أباح لها رسول الله وَ ل غير ذلك لحرمة
مال المسلم .
ولأن ولد الإنسان بعضه وهو بعض والده،
فكما يجب عليه أن ينفق على نفسه وأهله،
كذلك يجب عليه أن ينفق على بعضه(٢).
قال ابن المنذر: أجمع كل من نحفظ عنه
من أهل العلم على أن على المرء نفقة أولاده
الأطفال الذين لا مال لهم (٣).
وإنما الخلاف بينهم في وجوب إنفاقه على
أولاد الأولاد وفروعهم.
فذهب جمهور الفقهاء إلى وجوب النفقة
لسائر الفروع، وإن نزلوا، لأن الولد يشمل
الولد المباشر وما تفرع منه (٤) .
ولأن النفقة تجب عندهم بالجزئية
لا بالإرث، وولد الولد وإن نزل بعض من
(١) حديث: ((خذي ما يكفيك وولدك ... )).
سبق تخريجه ف (٨).
(٢) المغني ٥٨٣/٧.
(٣) المرجع السابق.
(٤) العناية على الهداية بأسفل شرح فتح القدير
٤١٠/٤، ٤١١، ومغني المحتاج ٤٤٦/٣،
والمغني ٥٨٣/٧.
٧٨

نفقة ٥٤ - ٥٥
جده، فوجبت له النفقة علیه، وإن لم یکن
وارثاً منه.
وذهب المالكية إلى عدم وجوب النفقة
لأولاد الأولاد على جدهم لظاهر النص
القرآني: ﴿وَعَلَى الْوَلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ وَكِسْوَتُهُنَّ
بِالمعْرُوفِ﴾(١).
فهذا النص يدل على وجوب الإنفاق على
ولد الصلب، فلا يلحق به غيره(٢).
ولأن النفقة عندهم تجب بالإرث لا
بالجزئية .
شروط وجوب نفقة الأولاد:
٥٥ - يشترط لوجوب نفقة الأولاد أربعة
شروط :
الشرط الأول: أن يكونوا فقراء لا مال لهم
ولا كسب يستغنون به عن إنفاق غيرهم
عليهم.
فإن كانوا موسرين بمال أو كسب، فلا
نفقة لهم، لأنها تجب على سبيل المواساة،
والموسر مستغن عن المواساة(٣).
الشرط الثاني: أن يكون ما ينفقه الأصل
(١) سورة البقرة / ٢٣٣.
(٢) حاشية الدسوقي ٥٢٣/٢.
(٣) الهداية شرح بداية المبتدى بأعلى شرح فتح
القدير ٤١٤/٤، وحاشية الدسوقي ٥٢٢/٢،
والمهذب ١٦٦/٢، والمغني ٥٨٤/٧.
عليهم فاضلاً عن نفقة نفسه، سواء أكان ذلك
من ماله أم من کسبه.
فالذي لا يفضل عنه شيء، لا شيء علیه،
لقوله و الر: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها، فإن
فضل شيء فلأهلك، فإن فضل عن أهلك
شيء فلذي قرابتك))(١).
ولأن نفقة الأقارب مواساة فلا تجب على
المحتاج كالزكاة(٢).
وهذان الشرطان متفق عليهما بين الفقهاء.
الشرط الثالث: اتحاد الدين، وبهذا قال
الحنابلة في رواية، فلا تجب النفقة في
عمودي النسب مع اختلاف الدين في الرواية
المعتمدة عندهم، ولأنها مواساة على سبيل
البر والصلة فلم تجب مع اختلاف الدين،
كنفقة غير عمودي النسب، ولأنهما غير
متوارثين، فلم يجب لأحدهما على الآخر
نفقته بالقرابة .
ولا تقاس نفقة الأولاد عندهم على نفقة
الزوجات، لأن نفقة الزوجة عوض يجب مع
.(١) حديث: ((ابدأ بنفسك فتصدق عليها ... )).
أخرجه مسلم (٦٩٣/٢ ط عيسى الحلبي) من
حديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما.
(٢) اللباب في شرح الكتاب ١٠٥/٣، وحاشية
العدوي على شرح الخرشي ٢٠٤/٤ ط بولاق
مصر، ونهاية المحتاج ٢٦٥/٦ ط مصطفى
الحلبي بمصر، والمغني ٥٨٤/٧.
٧٩

نفقة ٥٥ _ ٥٦
الإعسار، فلا ینافيها اختلاف الدین کالصداق
والأجرة(١).
خلافاً للجمهور الذين لم يشترطوا هذا
الشرط، لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْمَوَّلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾(٢)، فهذه الآية تدل على أن
الولادة سبب لوجوب نفقة الأولاد على
الآباء: اتحد الدين أو اختلف.
الشرط الرابع: أن يكون المنفق وارثاً،
وبهذا قال الحنابلة، مستدلين بقوله تعالى:
﴿وَعَلَى الْوَارِثِ مِثْلُ ذَلِكٌَ﴾(٣).
موجهين استدلالهم بأن بين المتوارثين
قرابة تقتضي كون الوارث أحق بمال
الموروث من سائر الناس، فينبغي أن يختص
بوجوب صلته بالنفقة دونهم، فإن لم يكن
وارثاً لم تجب عليه النفقة (٤).
تعدد الأصول:
٥٦ - إذا تعددت الأصول (الأب والأم والجد
والجدة) فقد اتفق الفقهاء على أن نفقة الفروع
تكون واجبة على الأب إذا كان موجوداً
وقادراً على الإنفاق لا يشاركه فيها أحد،
لقوله تعالى: ﴿وَعَلَى الْوَلُودِ لَُّ رِزْقُهُنَّ﴾ فالآية
(١) المغني ٥٨٥/٧.
(٢) سورة البقرة /٢٣٣.
(٣) سورة البقرة /٢٣٣.
(٤) الإنصاف ٣٩٢/٩ وما بعدها.
تدل على حصر النفقة في الأب دون
سواه(١) .
واختلفوا في حالة عدم وجود الأب، وكذا
إذا كان موجوداً لكنه غير قادر على الإنفاق.
فالحنفية: يرون أنه ينظر إلى الأصول
الموجودة، فإن كانوا جميعاً وارثين، فهم
جميعاً مطالبون بالنفقة على حسب أنصبائهم
في الميراث، فإذا وجد جدِّ لأب مع الأم
فالنفقة عليهما بنسبة ميراثهما، فيكون على
الأم الثلث وعلى الجد الثلثان.
ولو وجدت جدة لأم وجدة لأب فالنفقة
عليهما بالتساوي، لأن ميراثهما متساوٍ .
وإن كانوا جميعاً غير وارثين، بأن كانوا
من ذوي الأرحام، فالنفقة على أقربهم درجة،
فإن اتحدت درجتهم كانت النفقة عليهم
بالتساوي.
وإن كان بعضهم وارثاً وبعضهم غير
وارث، كانت النفقة على الأقرب، وإن لم
يكن وارثاً، فإن اتحدوا في درجة القرابة
كانت النفقة على الوارث دون غيره(٢).
وأما المالكية؛ فإن صورة تعدد الأصول
(١) فتح القدير ٤١٠/٤، وشرح الخرشي
٢٠٤/٤، والمهذب ١٦٦/٢، والإنصاف
٣٩٢/٩.
(٢) فتح القدير ٤٢١/٤.
٨٠