Indexed OCR Text

Pages 201-220

نَذْر ٥٨ -٥٩
نذر المشي إلى المدينة المنورة وبيت المقدس أو
مسجديهما :
٥٨- اختلف الفقهاء فيمن نذر المشي إلى المدينة
المنورة وبيت المقدس أو المشي إلى مسجديهما
على أقوال :
فذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يلزمه
شيء ، واستدل الحنفية بأن من نذر المشي إلى
مسجد المدينة أو المسجد الأقصى فقد أوجب
على نفسه التحول من مكان إلى مكان ، وذلك
ليس بقربة مقصودة لأنه لا قربة في المشي ، ولا
يصح النذر بما ليس بقربة (١) .
وقال المالكية : يلغو نذر مشي وذهاب ومسیر
للمدینة أو إیلیاء فلا يلزم ذهابه لهما لا ماشیا ولا
راكباً ، ومحل عدم لزوم الاتيان لا ماشياً ولا
راكباً للبلدين إن لم ينو أو ينذر صلاة بمسجديهما
أو يسمهما - أي المسجدين لا البلدين - فإن
نوی صلاة فیهما أو سماهما لزمه الاتیان فیر کب
ولا يلزمه المشي(٢).
وقال الحنابلة : من نذر المشي إلى مسجد
المدينة المنورة أو المسجد الأقصى لزمه ذلك ،
ويلزمه بهذا النذر أن يصلي في الموضع الذي أتاه
ركعتين ، لأن القصد بالنذر القربة والطاعة ،
(١) الدر المختار ٦٧/٣، والبدائع ٢٨٦٦/٦، ومغني المحتاج
٣٦٣/٤ .
(٢) شرح الزرقاني ١٠٥/٣، والشرح الكبير ١٧٣/٢.
وتحصيل هذا إنما يكون بالصلاة ، لأن المساجد
غير المسجد الحرام إنما تقصد للصلاة ، فتضمن
ذلك نذره .
واستدلوا بأن مسجد النبي وَلّ أو المسجد
الأقصى من المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال
إلا إليها لاشتراكها في عظم الفضيلة وزيادة
ثواب الصلاة فيها عن غيرها من المساجد ، فيلزم
المشي إليهما بالنذر كالمسجد الحرام (١).
نذر حج البيت هذا العام ممن عليه حجة الإسلام :
٥٩- اختلف الفقهاء فيما يجب على من نذر أن
یحج من عامه وعليه حجة الإسلام ، وذلك على
مذاهب ثلاثة :
المذهب الأول : يرى أصحابه أنه لا يلزمه
شيء غير هذه الحجة ، إذ تجزئه عن حجة
الإسلام وعن نذره ، ولا يجب عليه حج آخر ،
روي هذا عن ابن عباس رضي الله عنهما ، وهو
قول عكرمة ، وإليه ذهب الحنفية ، وهو رواية عن
أحمد قدمها الحنابلة ، وهو قول عند المالكية إذا
نوی نذره وفریضته (٢) .
(١) كشاف القناع ٢٨٣/٦، والمغني ١٦/٩.
(٢) الدر المختار ورد المحتار ٦٨/٣، والدسوقي ١٦٩/٢ ،
وروضة الطالبين ٣٢٢/٣، ونهاية المحتاج وحاشية
الشبراملسي عليه ٢٣٠/٨، والمغني ٩/ ٢٠، ٢١،
والكافي ٤ / ٤٢٨ .
- ٢٠١ -

نَذْر ٥٩- ٦٠
واستدلوا بما روى عكرمة عن ابن عباس
رضي الله عنهما أنه قال في رجل نذر أن يحج
ولم يكن حج الفريضة : ((يجزىء لهما
جميعاً)) (١) .
ولأن من نذر الحج قد نذر عبادة في وقت
معین ، وقد أتى بها فیه ، فتجزیء عن نذره وعن
فرضه ، كما لوقال : لله علي أن أصوم
رمضان (٢).
المذهب الثاني : یری أصحابه أنه يلزمه أن
يبدأ بحجة الإسلام ، ثم یحج لنذره بعد ذلك ،
روي هذا عن ابن عمر وأنس رضي الله عنهم
وعروة بن الزبير ، وهو قول عند المالكية إذا نوى
نذره وفریضته ، وهو رواية عن أحمد ، وهو
مذهب الشافعية إن نوی غیر الفرض فإن نوی
الفرض أو أطلق لم ينعقد نذره (٣) .
واستدل الشافعية بأنه إن نوى الفرض بنذره
فإنه لا ينعقد كما لو نذر الصلاة المكتوبة أو صوم
رمضان ، و کذلك إن أطلق إذ لا ينعقد نسك
محتمل .
(١) المغني ٩/ ٢١ .
(٢) المغني ٩/ ٢١.
(٣) المغني ٩/ ٢٠، ٢١، والكافي ٤٢٨/٤ ، والمحلي
٧/ ٢٦٧، وأسنى المطالب ٥٨٦/١، ومغني المحتاج
٣٦٥/٤ .
وقالوا: إن الحج المنذور وحجة الإسلام
عبادتان تجبان بسببين مختلفين ، فلم تسقط
إحداهما بالأخرى ، كما لو نذر حجتين (١).
المذهب الثالث : يرى المالكية أن من نذر
الحج من عام النذر وعلیه حجة الإسلام ، ونوی
أداء نذره وفريضته ، أجزأه لنذره لا لفرضه ،
وعليه قضاء الفريضة قابلاً ، وهو مذهب
المدونة ، ولو أحرم ولم ينو فرضاً ولا نذراً
انصرف للفرض كمن أحرم بحج ولم ینو فرضاً
ولا نفلاً فإنه ينصرف إلى الحج (٢) .
نذر الصلاة في المسجد الحرام أو المسجد
الأقصى :
اختلف الفقهاء في حكم الصلاة المنذور في
المسجد الحرام أو المسجد الأقصى ، وبيان ذلك
فيما يلي :
أ - نذر الصلاة في المسجد الحرام:
٦٠ - اختلف الفقهاء في حكم من نذر الصلاة
في المسجد الحرام ، وذلك على مذاهب ثلاثة :
(١) المغني ٩/ ٢١، ومغني المحتاج ٤/ ٣٦٥، وأسنى
المطالب ١/ ٥٨٦ .
(٢) كفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي ٣/ ٧٠ ،
والدسوقي ٢/ ١٦٩، ومواهب الجليل والتاج والإكليل
٣٣٥/٣، وشرح الزرقاني على مختصر الخليل ٣/ ١٠١.
- ٢٠٢ -

نَذْر ٦٠
المذهب الأول : یری أصحابه أن من نذر
الصلاة في المسجد الحرام لزمه الوفاء بنذره
بالصلاة فيه ، ولا يجزئه أن يصلي في غيره
من المساجد ، قال به زفر من الحنفية ، وهو
قول في مذهب المالكية ، وإليه ذهب الشافعية
والحنابلة (١).
واستدلوا بما روي عن أبي الدرداء رضي الله
عنه أن رسول الله وسلم قال: ((الصلاة في المسجد
الحرام بمائة ألف صلاة ، والصلاة في مسجدي
بألف صلاة ، والصلاة في بيت المقدس
بخمسمائة صلاة)) (٢).
وبما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال :
قال رسول الله وَلقول : «صلاة في مسجدي هذا
خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا
المسجد الحرام)) (٣).
وبأن الناذر قد أوجب على نفسه أداء الصلاة
في مكان مخصوص ، فإن أداها في غيره لم
(١) فتح القدير ٢٦/٤ ، وبدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦ ، ورد
المحتار ٣/ ٧١، وروضة الطالبين ٣٢٥/٣، ونهاية المحتاج
٢٣٣/٨، وزاد المحتاج ٥٠٦/٤، والمغني ٩/ ١٧ ،
والكافي ٤٢٤/٤، والدسوقي ١٧٣/٢ .
(٢) حديث: ((الصلاة في المسجد الحرام بمائة .. ))
ذكره الهيثمي في مجمع الزوائد (٤ / ٧ ط القدسي)
وقال : رواه الطبراني في الكبير ورجاله ثقات ، وفي
بعضهم کلام ، وهو حديث حسن .
(٣) حديث: ((صلاة في مسجدي خير من ألف صلاة .. ))
سبق تخريجه (ف ٤٢) .
يكن مؤدياً ما عليه ، فلا يخرج عن عهدة
الواجب (١) .
ویأن إیجاب العبد معتبر بإیجاب الله تعالی ،
فإذا كان ما أوجب الله أداءه مقيداً بمكان فلا
يجوز أداؤه في غيره ، كالنحر في الحرم ،
والوقوف بعرفة ، والطواف بالبيت ، والسعي بين
الصفا والمروة ، فكذلك ما أوجبه العبد على
نفسه بالنذر مقيداً بذلك (٢).
وبأن من نذر الصلاة في المسجد الحرام ، فقد
نذر بزيادة قربة ، فیلزمه ما التزمه ، فإن أدی
الصلاة في غيره كان آتياً بغير ما نذر (٣) .
المذهب الثاني : يرى من ذهب إليه أن من
نذر الصلاة في المسجد الحرام لزمه الوفاء بنذره ،
ولا يجزئه أن يصلي في غيره من المساجد إلا
مسجد النبي ﴾ فيجزئه أن يصلي فيه ، وإلى
هذا ذهب المالكية ، ومشهور مذهب المالكية أن
المدينة أفضل من مكة ، وثواب العمل فيها أكثر
من ثواب العمل في مكة ، ومقتضى هذا أن من
نذر الصلاة في المسجد الحرام يجزئه كذلك
الصلاة في مسجد المدينة ، لأن مسجد المدينة
أفضل من المسجد الحرام بقطع النظر عن الكعبة
(١) بدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦.
(٢) المصدر السابق .
(٣) فتح القدير ٢٦/٤.
- ٢٠٣ -

نَذْر ٦٠ -٦١
وعن القبر الشريف (١) .
واستدلوا بأن مسجد المدينة موضع اختاره
الله سبحانه لنبيه مثلقول، وموضع كهذا لابد وأن
یکون أفضل من غيره ، ومن ثم فإنه يجزئ من
نذر الصلاة في المسجد الحرام أن يصلي في
مسجد المدينة (٢) .
المذهب الثالث : یری أصحابه أن من نذر
الصلاة في المسجد الحرام فإنه يجزئه الصلاة في
أي مسجد ، ذهب إلى هذا أبو حنيفة
وصاحباه (٣).
واستدلوا بأن المقصود والمبتغى من النذر هو
التقرب إلى الله عز وجل ، فلا يدخل تحت النذر
إلا ما هو قربة ، وليست القربة في عين المكان ،
فإنما هو موضع تؤدى فيه القربة ، ولهذا فإنه لا
يدخل تحت النذر ، فلا يتقيد النذر به ، فكان
ذكره والسكوت عنه بمنزلة (٤) .
وبأن المعروف من الشرع أن التزام ما هو قربة
موجب ، ولم يثبت من الشرع اعتبار تخصيص
(١) مواهب الجليل والتاج والإكليل ٣/ ٣٣١، ٣٤٤، ٣٤٥،
وشرح الزرقاني ١٠٥/٢-١٠٦، وكفاية الطالب الرباني
وحاشية العدوي ٣/ ٧٢ ، وحاشية الدسوقي ٢/ ١٧٣.
(٢) حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني ٧٢/٣ .
(٣) فتح القدير ٢٦/٤، ويدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦ ، ورد
المحتار ٣/ ٧١ .
(٤) بدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦.
العبد العبادة بمكان ، بل إنما عرف ذلك لله
تعالى ، فلا يتعدى لزوم أصل القربة بالتزامه إلى
لزوم التخصيص بمكان ، فكان تخصيص المكان
ملغى ، وبقي لازماً بما هو قربة (١) .
ب - نذر الصلاة في المسجد الأقصى :
٦١ - اختلف الفقهاء في حكم من نذر الصلاة
في المسجد الأقصى ، وفیما إذا کان یتعین بالنذر
أو لا يتعين على مذاهب ثلاثة :
المذهب الأول : یری أصحابه أن من نذر
الصلاة في المسجد الأقصى أجزأه أن يصلي فيه ،
كما يجزئه أن يصلي في المسجد الحرام أو مسجد
رسول الله وَيقر، إلى هذا ذهب المالكية، والقول
الأظهر في مذهب الشافعية : أن من عين المسجد
الأقصى للصلاة فيه ، فإنه يتعين لذلك ، وقطع
المراوزة من أصحاب الشافعي بالتعيين ، والأصح
من مذهب الشافعية أن الصلاة في المسجد الحرام
أو مسجد المدينة تجزئ من نذر الصلاة في
المسجد الأقصى ، ويخرج عن نذره بذلك ، وإلى
هذا ذهب الحنابلة (٢) .
(١) فتح القدير ٢٦/٤، ورد المحتار ٢/ ٧١.
(٢) مواهب الجليل والتاج والإكليل ٣٤٤/٣-٣٤٥ ، وشرح
الزرقاني ٣/ ١٠٥، وروضة الطالبين ٣٢٥/٣، ونهاية
المحتاج ٢٣٣/٨، وزاد المحتاج ٤ / ٥٠٦-٥٠٧، والمغني
١٧/٩، والكافي ٤/ ٤٢٤ .
- ٢٠٤ -
١

نَذْرِ ٦١
واستدلوا بما روي عن جابر بن عبدالله رضي
الله عنهما «أن رجلاً قام يوم الفتح ، فقال : يا
رسول الله ﴾﴾ إني نذرت لله إن فتح الله عليك
مکة أن أصلي في بيت المقدس رکعتین ، فقال له
رسول الله ◌َله : صل ههنا ، فأعادها عليه،
فقال : صل ههنا ، ثم أعادها ، فقال : شأنك
إذاً)(١)، وفي رواية أخرى: ((والذي بعث
محمداً بالحق لو صليت ههنا لأجزأ عنك
صلاة في بيت المقدس)) (٢).
وبما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن
امرأة اشتكت شكوى فقالت : إن شفاني الله
لأخرجن فلأصلين في بيت المقدس ، فبرأت ثم
تجهزت تريد الخروج ، فجاءت ميمونة زوج
النبي ◌ِّو تسلم عليها، فأخبرتها ذلك،
فقالت : اجلسي فكلي ما صنعت ، وصلي في
مسجد الرسول وير ، فإني سمعت رسول الله
وَلويقول : صلاة فيه أفضل من ألف صلاة فيما
سواه من المساجد إلا مسجد الكعبة)) (٣)
(١) حديث : ((إني نذرت لله إن فتح الله ... ))
سبق تخريجه (ف ٤١) .
(٢) حديث ((والذي بعث محمداً بالحق لوصليت ههنا ... )).
تقدم تخريجه (ف ٤٣) .
(٣) حديث : ((صلاة فيه أفضل ... ))
تقدم تخريجه (ف ٤٣)
وبأن مسجد مكة والمدينة أفضل من المسجد
الأقصى باتفاق(١) ، وذلك لأفضلية الصلاة فيهما
عنه ، لما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن
رسول الله ◌َ﴾ قال: ((صلاة في مسجدي هذا
خير من ألف صلاة في غيره من المساجد إلا
المسجد الحرام)) (٢).
المذهب الثاني : يرى أصحابه أن من نذر
الصلاة في المسجد الأقصى ، تجزئه الصلاة في
المسجد الأقصى ، كما يجزئه أن يصلي في غيره
من المساجد ولو كان أعلى منه أو دونه في
الفضل ، ذهب إلى هذا أبو حنيفة وصاحباه (٣) .
المذهب الثالث : يرى من ذهب إليه أن من
نذر الصلاة في المسجد الأقصى فلا يجزئه إلا أن
يصلي فيه ، ولا تجزيه الصلاة في غيره ولو كان
أكثر فضلاً منه كمسجد مكة أو المدينة ، قال به
زفر من الحنفية (٤) .
واستدل للقول الثاني (وهم جمهور
(١) مواهب الجليل ٣٤٥/٣ .
(٢) حديث: ((صلاة في مسجدي هذا خير ... ))
سبق تخريجه (ف ٤٢) .
(٣) بدائع الصنائع ٢٨٨٩/٦، وفتح القدير ٢٦/٤، ورد
المحتار ٣/ ٧١ .
(٤) المصادر السابقة .
- ٢٠٥ -

نَذْر ٦١ - ٦٢
الحنفية) ، والقول الثالث (وهو زفر)، بما سبق
الاستدلال به لما ذهبوا إليه في المسألة السابقة
(وهي نذر الصلاة في المسجد الحرام) .
نذر الهدي إلى غير مكة :
٦٢ - اختلف الفقهاء في حکم من نذر الهدي
إلى غير مكة كالمدينة ، أو الأمصار أو الثغور
المختلفة ، وحكم الذبح بها على اتجاهين :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من نذر
الهدي إلى غير مكة ، أو نذر أن يذبح في موضع
غيرها لزمه الذبح وإيصال ما أهداه إلى الموضع
الذي عينه في النذر ، وتفرقة الهدي ولحم
الذبيحة على الفقراء والمساكين من أهل ذلك
الموضع ، إلا أن يكون أهله كفاراً ، فلا يلزم الناذر
ذلك ، لعدم جواز صرف المنذور إليهم ، أو أن
یکون بالموضع المعین بالنذر ما لا يجوز النذر له :
كالصنم أو الكنيسة ، أو نحو ذلك مما يعظمه
الكفار أو غيرهم ، ومما لا يجوز تعظيمه :
كالقبر ، أو الحجر ، أو الشجر ، قال به مالك
وأشهب ، وإليه ذهب الشافعية ، والحنابلة (١) .
واستدلوا بما ورد عن ثابت بن الضحاك قال :
(١) مواهب الجليل ٣/ ٣٤١ ، وحاشية البناني على شرح
الزرقاني ١٠٣/٣، وروضة الطالبين ٣٢٧/٣، ونهاية
المحتاج ٢٣٢/٨ - ٢٣٣، وزاد المحتاج ٤ / ٥٠٦، =
«نذر رجل علی عهد رسول الله ێ ان ینحر إیلاً
ببوانة، فأتى النبي ◌َّر، فقال : إني نذرت أن
أنحر إيلاً ببوانة ، فقال النبي ◌ّار : هل كان فيها
وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟ قالوا : لا ، قال :
هل كان فيها عيد من أعيادهم؟ قالوا : لا ، قال
رسول الله ◌َ لي: أوف بنذرك))(١) .
وبأن من نذر أن يهدي إلى غير مكة ، قد
ضمن نذره نفع فقراء ذلك البلد ، بإيصال اللحم
إليهم ، وهذه قربة فلتزمه ، كما لونذر التصدق
عليهم (٢) .
وبأن المعهود في الشرع أن يفرق الناذر لحم
الهدي بالمکان الذي نذر الذبح به ، فکأنه نذر
تفرقة اللحم على فقراء أهله (٣) .
وبأن نذر الهدي إلى غير مكة فيه إطعام
مساکین البلد الذي يساق إليه الهدي ، وإطعام
مساکین أي بلد طاعة(٤) یلزم الناذر الوفاء به لما
والمغني ٩/ ١٩، والكافي ٤٢٤/٤ -٤٢٥، والحاوي
=
الكبير ٤٨٨/٥ ط دار الفكر، والمهذب ١/ ٢٥٠
ط دار المعرفة .
(١) حديث ثابت بن الضحاك: ((نذر رجل على عهد رسول
الله ... ))
أخرجه أبو داود (٦٠٧/٣ - ط حمص)، وصحح
إسناده ابن حجر في التلخيص (٤٣٩/٤ - ط دار الكتب
العلمية )
(٢) المغني ٩/ ١٩.
(٣) الكافي ٤ / ٤٢٥.
(٤) حاشية البناني على شرح الزرقاني ١٠٣/٣.
- ٢٠٦ -

نَذْر ٦٢ -٦٣
ورد عن النبي وَالقيل أنه قال: ((من نذر أن يطيع
الله فليطعه)) (١).
ويأن من نذر الهدي إلى غير مكة قد التزم
طاعة الله تعالى بما نذر ، فيلزمه الوفاء بما التزمه
بالنذر (٢) .
الاتجاه الثاني : يرى من ذهب إليه أنه لا
يجوز نذر الهدي إلی غیر مکة ، ولا يجوز ذبح
الهدي إلا في الحرم ، ومن نذر الهدي إلى غير
مکة ، فلا يلزمه شيء ، ولیس له أن یبعثه إلى
الموضع الذي عينه بنذره أو يذكيه في ذلك
الموضع ، إلى هذا ذهب الحنفية ، وجمهور
المالكية (٣).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ثُمَّ مَحِلَّهَا إِلَى
الْبَيْتِ الْعَتِيقِ﴾(٤). ووجه الدلالة من الآية:
أن الموضع الذي حل ذبح الهدي فیه ، هو
الحرم ، وليس المراد بالبيت العتيق نفس البيت ،
وإنما يراد به البقعة التي هو فيها ، وهي الحرم ،
لأن الدم لا يراق في البيت (٥) .
(١) حديث: ((من نذر أن يطيع الله ... ))
سبق تخريجه (ف ٥) .
(٢) نهاية المحتاج ٢٣٣/٨، وزاد المحتاج ٤/ ٥٠٦ .
(٣) رد المحتار ٣/ ٧٠، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٨٧١ ، ومواهب
الجليل والتاج والإكليل ٣/ ٣٤٠- ٣٤١ ، وشرح الزرقاني
وحاشية البناني ١٠٣/٣ .
(٤) سورة الحج / ٣٣ .
(٥) فتح القدير للشوكاني ٣/ ٤٥٢، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٨٧١.
وقالوا : إن الهدي إنما يكون قربة إذا كان
لمكة ، وسوق الهدي إلى غيرها من الضلال (١).
وإن الهدي اسم يطلق على ما یھدی إلى
مكان الهدايا ، وهو الحرم ، فإذا كانت لغيره فإنها
لا تسمی بهذا الاسم (٢) .
وأضافوا إن التزام الهدي لغير مكة معصية ،
ولا يجوز نذرها أو الوفاء بها(٣)، لما ورد عنه وَل
أنه قال: ((من نذر أن يعصي الله فلا يعصه)) (٤).
نذر الهدي دون تعيينه :
٦٣ - اختلف الفقهاء في حكم ما يلزم الناذر إذا
نذر هدياً دون تعيينه على اتجاهين :
الاتجاه الأول : يرى أصحابه أن من نذر هدياً
مطلقاً فلا يجزيه من الهدي إلا ما يجزي في
الأضحية (ر: أضحية ف ٢٢-٣٨) .
إلى هذا ذهب الحنفية ، ويرون أنه يجزئه في
هذه الحالة شاة ، لأنها الأقل ، هذا هو ما ذهب
إليه المالكية ، إلا أنهم يرون أن أفضل الهدي عند
إطلاقه بدنة ، فإن لم تكن فبقرة ، فإن عجز عن
ذلك فشاة ، وهذا هو رأي الشافعي في الجدید ،
(١) مواهب الجليل والتاج والإكليل ٣/ ٣٤٠-٣٤١.
(٢) رد المحتار ٣/ ٧١، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٨٧١.
(٣) مواهب الجليل ٣/ ٣٤٠.
(٤) حديث : «من نذر أن يعصي الله فلا یعصه))
سبق تخريجه (ف ٥) .
- ٢٠٧ -

نَذْر ٦٣ -٦٤
وماعليه جمهور أصحابه ، وإليه ذهب
الحنابلة (١) .
واستدلوا بأن المطلق من الهدي المنذور يحمل
على المعهود في الشرع ، وقد صرف المطلق إلى
المعهود في الشرع ، لأنه عليه اسم الهدي ، كما
لو نذر أن يصلي ، فإنه تلزمه والحال هذه صلاة
شرعية ، لا لغوية (٢) .
وبأن الهدي في اللغة والشرع واحد ، وهو ما
يهدى إلى الحرم من الإبل والبقر والغنم ،
وإطلاق الهدي على غير هذه الأنواع هو من
قبيل المجاز (٣) .
الاتجاه الثاني : أنه يجزئ الناذر في هذه الحالة
أقل ما یتقرب به إلى الله تعالى من جنس ما
یهدی ، ويخرج عن نذره بكل منحة ، حتى
الدجاجة والبيضة وكل ما يتمول ، لوقوع اسم
الهدي عليه ، وهو قول للشافعي في القديم (٤) .
واستدلوا بأن أقل ما یتقرب به إلى الله تعالى
(١) البحر الرائق ٧٥/٣، ورد المحتار ٣/ ٧٠، وبدائع الصنائع
٦/ ٢٨٧١، ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٣٤٣/٣،
وشرح الزرقاني ١٠٤/٣، وروضة الطالبين ٣٢٩/٣،
ونهاية المحتاج ٢٣٢/٨، والمغني ١٨/٩، والكافي
٤/ ٤٢٣ .
(٢) نهاية المحتاج ٢٣٢/٨، والمغني ١٨/٩، والكافي
٤/ ٤٢٣ .
(٣) البحر الرائق ٣/ ٧٥ .
(٤) روضة الطالبين ٣٢٩/٣ .
ولو کان دجاجة أو بيضة أو کل متمول یسمی
هدياً، فقد ورد عن النبي وَ لي أنه قال في شأن
التبكير في الرواح إلى الجمعة: ((من راح في
الساعة الرابعة فكأنما قرّب دجاجة ، ومن راح في
الساعة الخامسة فكأنما قرب بيضة)) (١)، فمن
تقرب بمثل ذلك فإنه يصدق عليه أنه أهدى ،
فيجزىء مثل ذلك في النذر المطلق للهدي (٢) .
نذر طاعة لا يطيقها الناذر أو عجز عنها بعد
قدرته :
٦٤- من نذر طاعة فلم يطق أداءها ابتداء ، أو
عجز عن أدائها بعد أن كان قادراً عليها ، اختلف
الفقهاء في حکم ما نذره ، وما يلزمه بهذا النذر
على أربعة مذاهب :
المذهب الأول : یری أصحابه أن من نذر ما لا
يطيق أبداً فلا يلزمه شيء بهذا النذر ، وكذلك
من نذر نذراً في وقت محدد فجاء ذلك الوقت
وهو لا يطيق أداء ما نذر ، فإنه لا يلزمه أداؤه في
هذا الوقت ولا بعد ذلك ولا يجب عليه شي ،
وهو مذهب المالكية (٣).
(١) حديث: ((من راح في الساعة الرابعة .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢/ ٣٦٦ ط السلفية) من
حديث أبي هريرة .
(٢) روضة الطالبين ٣٢٩/٣، والمهذب ١/ ٢٥٠.
(٣) المقدمات الممهدات ٤٠٤/١، ومواهب الجليل ٣٢٠/٣.
- ٢٠٨ -

نَذْر ٦٤
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللهُ
نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ (١).
وبما روي عن عائشة رضي الله عنها أن
رسول الله وَ ل﴿ قال: ((من نذر أن يطيع الله
فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه)) (٢) .
المذهب الثاني : يرى من ذهب إليه أن من
نذر ما لا يطيق الوفاء به ، أو يعجز عن الوفاء به
فإنه يجب الوفاء به تقدیراً بأداء خلفه ، إلى هذا
ذهب الحنفية ، ويرون أن من نذر صياماً فعجز
عنه لزمته الفدية عما نذره منه (٣) .
واستدلوا بأن التزام الناذر ما لا يطيق بالنذر
معصية ، لأن الوفاء به قد يؤدي إلى إهلاك
الناذر ، ومثل هذا لا يجب الوفاء به (٤) .
وبأن الوفاء بعین المنذور إنما يجب عند إمکان
الوفاء به ، فأما عند التعذر فإنه يجب الوفاء به
تقديراً ، وذلك بأداء خلفه ، لأن الخلف يقوم
مقام الأصل ، كما هو الحال في استعمال التراب
عند فقد الماء في الطهارة ، والأشهر عند عدم
الأقراء في العدة (٥) .
(١) سورة البقرة / ٢٨٦ .
(٢) حديث: ((من نذر أن يطيع الله .. .))
سبق تخريجه(ف ٥) .
(٣) رد المحتار ٣/ ٧٠، وبدائع الصنائع ٢٨٨٥/٦.
(٤) رد المحتار ٣/ ٧٠، وبدائع الصنائع ٢٨٦٤/٦.
(٥) بدائع الصنائع ٢٨٨٥/٦ .
المذهب الثالث : ذهب إليه الشافعية ، ويرون
أن من نذر صلاة أو صوماً أو اعتكافاً في وقت
معين فعجز عن أداء هذه القرب فيه ، لزمه
القضاء ولا تجب عليه كفارة للتأخير عن هذا
الوقت المعين ، وإن نذر صدقة فأعسر بها سقط
عنه النذر مادام معسراً فإذا أيسر بعد ذلك وجب
أداؤها ، وإن نذر حجاً في سنة معينة فمنعه
مرض أو نحوه قبل الإحرام ، فلا قضاء عليه ،
وكذلك لا قضاء لو کان معضوباً وقت النذر أو
طرأ العضب ، ولم يجد المال حتى مضت السنة
المعينة ، فإن منعه المرض بعد الإحرام فالمذهب
الذي قطع به الجمهور وجوب القضاء ، وكذلك
الحكم إذا امتنع الحج في ذلك العام بعد
الاستطاعة (١) .
واستدلوا بأن الصوم والصلاة يجبان شرعاً
مع العجز ، والواجب بالنذر كالواجب بالشرع ،
فلا أثر لعجز الناذر عنهما في وجوبهما عليه ،
ولهذا يلزمه قضاؤهما إن عين وقتاً للأداء ،
بخلاف الحج فإنه لايجب إلا عند وجود
الاستطاعة ، سواء في ذلك من وجبت عليه
حجة الإسلام أو الحجة المنذورة ، فمن استطاعه
فقد وجب علیه القضاء ، إن منع ذلك مانع بعد
تمکنه من أدائه ، لاستقراره في ذمته بتمکنه هذا ،
(١) روضة الطالبين ٣٢٢/٣، ونهاية المحتاج وحاشية
الشبراملسي عليه ٨/ ٢٣١، وزاد المحتاج ٤/ ٥٠٥.
- ٢٠٩ -

نَذْر ٦٤
بخلاف ما إذا لم يتمكن الناذر من أدائه ، بأن
عرض له بعد ذلك وقبل تمكنه من الأداء ما يمنعه
منه ، لأن المنذور نسك في ذلك العام ، ولم
یتمکن الناذر منه(١) .
المذهب الرابع : یری من ذهب إليه - وهم
الحنابلة - أن من نذر أداء الصيام أو الصلاة أو
الاعتكاف أو الطواف أو نحوها ، فلم يطق أداءها
أو عجز عنه عجزاً لا يرجى زواله فعليه كفارة
يمين ، وإذا كان عجزه عن ذلك مرجو الزوال ،
انتظر زواله ، وأدی ما وجب عليه بالنذر ، ولا
تلزمه كفارة في هذه الحالة ، فإن نذر حجا لزمه
صحيحاً كان أو معضوباً ، إلا أنه ينيب عنه في
حال العضب من يحج عنه ، وإن أطاق البعض
أتي به وكفر للباقي .
واختلفوا فیمن نذر صياماً فعجز عنه ، وعما
إذا کان یلزمه مع کفارة النذر إطعام عن کل یوم
منذور صيامه أم لا ، فروي عن أحمد أن الناذر
يلزمه أن يطعم عن كل يوم نذر صيامه مسكيناً ،
كما هو الحال فيمن عجز عن صيام رمضان ،
وهو ما عليه المذهب ، وذلك لأن المطلق من
كلام الآدميين يحمل على المعهود شرعاً ، وعلى
الرواية الثانية عنه : أنه لا يلزم الناذر شيء غير
(١) روضة الطالبين ٣٢٢/٣، ونهاية المحتاج ٨/ ٢٣١، وزاد
المحتاج ٤/ ٥٠٥ .
الكفارة ، لأنه نذر عجز عن الوفاء به ، فكان
الواجب فيه كفارة يمين ، كسائر النذور ، ولأن
موجب النذر موجب اليمين إلا مع إمكان الوفاء
به إذا کان قربة (١) .
واستدلوا بما روي عن عقبة بن عامر أنه سأل
النبي وَلّ عن أخت له نذرت أن تمشي حافية غير
مختمرة ، فقال له النبي وَلـ: ((مرها فلتختمر
ولتركب ولتصم ثلاثة أيام) وفي رواية أخرى :
((إن الله تعالى لا يصنع بشقاء أختك شيئاً،
فلتحج راكبة ، ولتكفر عن يمينها)) (٢) .
ویما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن
رسول الله و 8﴿ قال: ((من نذر نذراً لم يسمه
فكفارته كفارة يمين ، ومن نذر نذراً في معصية
فكفارته كفارة يمين ، ومن نذر نذراً لا يطيقه
فکفارته کفارة یمین ، ومن نذر نذراً أطاقه فلیف
به)) (٣) .
وقالوا : إن النذر حكمه حكم اليمين ،
وموجب النذر هو موجب اليمين ، إلا مع إمكان
الوفاء به إذا كان قربة ، فإن كان معجوزاً عنه
(١) المغني ٩/ ٩-١١، والكافي ٤٢٨/٤-٤٢٩، وكشاف
القناع ٦/ ٢٨٢.
(٢) حديث: ((مرها فلتختمر ... ))
سبق تخريجه (ف ١٧) .
(٣) حديث: ((من نذر نذراً لم يسمه ... ))
سبق تخريجه (ف ٢٤) .
- ٢١٠ -

نَذْر ٦٤ -٦٥
فيلزم فيه ما يلزم عند الحنث في اليمين (١) .
الموت قبل فعل الطاعة المنذورة :
من نذر طاعة لله تعالى ومات قبل فعلها ،
إما أن يكون مانذره حجاً أو صياماً أو اعتكافاً أو
صلاة أو صدقة ، أو غيرها ، وتفصيل ذلك
فيما يلي :
أولاً : موت من نذر الحج قبل أدائه :
من نذر الحج ومات قبل أدائه ، إما أن يكون
موته قبل تمكنه من أداء الحج ، أو بعد تمكنه من
أدائه ولم يؤده .
أ - موت من نذر الحج قبل تمكنه من أدائه :
٦٥ - اختلف الفقهاء في حکم من مات قبل
تمكنه من أداء الحج الذي وجب عليه بالنذر ، بأن
مات قبل حج الناس من سنة الوجوب ، وذلك
على اتجاهين :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من لم یتمکن
من أداء الحج الواجب عليه بالنذر حتى مات فإنه
يسقط عنه ، ولا يؤدى عنه إلا إذا أوصى به ، فإن
وصی به حج عنه من ثلث ماله ، ولاتجب على
الوارث أو الولي أن يأمر بالحج عنه بماله ( أي بمال
(١) المغني ٩/ ١٠، والكافي ٤/ ٤٢٨.
الوارث أو الولي) . قال به ابن سيرين ، وحماد
ابن أبي سليمان ، وحميد الطويل ، والشعبي ،
وعثمان البتي ، وإبراهيم النخعي ، وإليه ذهب
الحنفية ، والمالكية على المشهور، والشافعية (١) .
واستدلوا بأن من وجب عليه الحج بالنذر قد
مات قبل التمكن من الأداء ، فسقط عنه ما جب
عليه ، كما لو هلك النصاب قبل التمكن من
إخراج الزكاة منه (٢) .
وبأن الحج عبادة بدنية ، فتسقط بموت من
وجبت علیہ کالصلاة (٣)
.
وبأن الحج عبادة ، و کل ما کان کذلك فلا بد
فيه من الاختيار ، وذلك في الإيصاء دون
الوراثة ، لأنها جبرية ، والإيصاء تبرع ابتداء ،
ولأن الحج فعل مكلف به ، وقد سقطت الأفعال
بالموت ، فصار الحج كأنه سقط في حق الدنيا ،
فكانت الوصية بما یحج به عنه تبرعاً ، وهذه
الوصية تعتبر من الثلث (٤) .
(١) البحر الرائق ٣/ ٧٢-٧٤، تحفة الفقهاء للسمرقندي
١/ ٦٥٠، وشرح منح الجليل ٤٥٠/١ - ٤٥١ ،
ومواهب الجليل والتاج والإكليل ٣/٣ ، والمجموع
٤٩٤/٢، ١٠٩/٧، ٤٩٧/٨، والمغني ٢٤٢/٣،
المنتقى للباجي ٢/ ٢٧١ .
(٢)
المجموع ١٠٩/٧ .
(٣) المغني ٢٤٢/٣.
(٤) العناية على الهداية ٢/ ٨٤
- ٢١١ -

نَذْر ٦٥ -٦٦
الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن من نذر
الحج ولم يتمكن من أدائه حتى مات ، فإنه
يخرج من جميع ماله ما یحج به عنه ،إن لم
يوجد من يتطوع بالحج عنه ، سواء أوصى بذلك
أو لم یوص به ،روی هذا عن ابن عباس ، وأبي
هريرة رضي الله عنهم ، وهو قول سعيد بن
جبير ، وعطاء ، وطاوس ، والضحاك ، الحسن
البصري ، والثوري ، والأوزاعي ، وعبدالرحمن
ابن أبي ليلي ، وإسحاق ، وإليه ذهب الحنابلة (١)
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ
يُوصِى بِهَا أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢).
وبما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: ((أتى رجل النبي ◌َ ليّ فقال له: إن أختي
نذرت أن تحج وأنها ماتت، فقال النبي وَثار: لو
كان عليها دين أكنتَ قاضيه؟ قال : نعم ، قال :
فاقض الله فهو أحق بالقضاء))(٣).
وبما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن
امرأة من جهينة جاءت إلى النبي صَلّر، فقالت:
إن أمي نذرت أن تحج ، فلم تحج حتى ماتت ،
أفأحج عنها؟ قال : نعم حجي عنها ، أرأيت لو
(١) المغني ٣/ ٢٤٢، وكشاف القناع ٣٣٦/٢، ٣٩٣.
(٣) سورة النساء / ١١ .
(٣) حديث: ((أتى رجل النبي صلى الله عليه وسلم ... ))
أخرجه البخاري (٥٨٤/١١ ط السلفية) .
كان على أمك دين أكنت قاضيته؟ اقضوا الله ،
فالله أحق بالوفاء)) (١) .
وقالوا : إن الحج الذي وجب على هذا
الناذر ، حتى استقر عليه تدخله النیابة ، فلا
يسقط بموته کالدین الذي وجب عليه ، وبأن هذا
الحج المنذور دين استقر في ذمة الناذر ويجب
الوفاء به فكان من جميع ما ترك كدين
الآدمي(٢) .
ب - موت من نذر الحج بعد تمكنه من
أدائه ولم يؤده حتى مات :
٦٦ - اختلف الفقهاء في حكم من مات ، بعد أن
تمكن من أداء الحج الذي أوجبه على نفسه
بالنذر ، إلا أنه لم يؤده حتى مات ، وذلك على
مذهبين :
المذهب الأول : يرى أصحابه أن من مات
بعد التمكن من أداء الحج الواجب عليه بالنذر ،
فإنه يُقضى عنه من تر کته ، بأن يخرج من جميع
ماله ما يؤدى به ذلك عنه ، سواء أوصى به أو لم
یوص ، ولا يسقط عنه بموته ، روي هذا عن ابن
عباس ، وأبي هريرة رضي الله عنهم ، وقال به
(١) حديث: ((إن أمي نذرت أن تحج فلم تحج حتى ماتت ... ))
أخرجه البخاري (٤ / ٦٤، ط السلفية) .
(٢) المغني ٢٤٣/٣، وكشاف القناع ٣٣٦/٢.
- ٢١٢ -

نَذْر ٦٦
الحسن البصري ، وطاوس ، والثوري ،
والأوزاعي ، والضحاك ، وعبدالرحمن بن أبي
ليلى ،وإسحاق ، وسعيد بن المسيب ، وعطاء،
وسعيد بن جبير ، وإلیه ذهب الشافعية ، ویرون
أن المیت إن لم یخلف مالاً یحج منه النذر فلا
يلزم الوارث الحج عنه ، لكن يستحب له أداؤه
عنه ، فإن حج عنه الوارث بنفسه أو استأجر من
يحج عنه أجزأ عن الحج الواجب على الميت ،
وإلى هذا المذهب ذهب الحنابلة (١) .
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿مِنْ بَعْدٍ وَصِيَّةٍ
يُوصِى بِاَ أَوْ دَيْنٍ﴾ (٢) .
وبما ورد عن ابن عباس رضى الله عنهما
«استفتی سعد بن عبادة الأنصاري رسول الله
وَآل﴾ في نذر كان على أمه ، توفيت قبل أن
تقضيه، فأفتاه أن يقضيه)) (٣) .
وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن
امراة من جهينة جاءت إلى النبي ول# فقالت :
((إن أمي نذرت أن تحج ، فلم تحج حتى ماتت ،
أفأحج عنها؟ قال: ((نعم حجي عنها ، أرأيت
(١) المجموع ٧/ ١٠٩، ١١٢، ١١٤، ١١٦، ٤٩٤/٨، وزاد
المحتاج ٤ / ٥٠٥، والمغني ٢٤٢/٣، ٢٤٤، ٣٠/٩، ٣١،
والكافي ٤/ ٤٣٠، وكشاف القناع ٣٣٦/٢، ٣٩٣.
(٢) سورة النساء / ١١ .
(٣) حديث: ((استفتى سعد بن عبادة رسول الله له .. ))
أخرجه البخاري ١١/ ٥٨٣ ط السلفية) .
لو كان على أمك دين أكنت قاضیته؟ اقضوا الله
فالله أحق بالوفاء)) (١).
وبما ورد عن ابن عباس رضي الله عنهما ((أن
رجلاً أتى النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: إن
أختي نذرت أن تحج ، وأنها ماتت ، فقال النبي
صلی الله عليه وسلم : لو كان عليها دین أكنت
قاضیه؟ قال : نعم ، قال : فاقض الله فهو أحق
بالقضاء) (٢) .
وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما :
((أن امرأة أتته فقالت : إن أمي ماتت وعليها
حج ، أفأحج عنها؟ فقال : هل كان على أمك
دين؟ قالت : نعم ، قال فما صنعت؟ قالت :
قضیته عنها ، قال : فالله خير غرمائك ، حجي
عن أمك)) (٣) .
وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنه أنه
قال : ((إذا مات وعلیه نذر قضی عنه وليه)) (٤)
(١) حديث: ((إن أمي نذرت ... ))
سبق تخريجه (ف ٦٥) .
(٢) حديث: ((إن أختي نذرت أن تحج ... )).
سبق تخريجه (ف ٦٥) .
(٣) أثر: ((إن أمي ماتت وعليها حج .. .»
أخرجه ابن حزم في المحلى (٧/ ٦٣ ط المنيرية) .
(٤) حديث : «إذا مات وعليه نذر قضی عنه وليه)
أخرجه ابن أبي شيبة (المصنف في الجزء المطبوع باسم
الجزء المفقود/ ص ٦٥ ط دار عالم الكتب) وذكره ابن
حجر في الفتح (٥٨٤/١١ ط السلفية) وصحح إسناده .
- ٢١٣ -

نَذْر ٦٦
وقالوا : إن الحج الذي أوجبه الناذر على
نفسه حق لزمه في حال الحياة واستقر عليه ،
وهو مما تدخله النيابة ، فلم يسقط بموت من
وجب عليه کدین الآدمي(١) .
واستدلوا كذلك بأن هذا الحج الذي استقر
في ذمة الناذر دین یجب الوفاء به ، فكان من
رأس مال تركته ، كدين الآدمي(٢) .
المذهب الثاني : یری من ذهب إليه أن من
مات بعد أن تمکن من الحج الواجب علیه بالنذر
ولم يؤده حتى مات ، فإنه يسقط عنه بموته ، إلا
أن یوصي بأدائه عنه ، فإن أوصى به حج عنه من
ثلث ماله ، ولا يجب علی ولیه أن يأمر بالحج عنه
من مال نفسه ، قال به الشعبي ، والنخعي ، وابن
سيرين ، وحماد بن أبي سليمان ، وحميد
الطويل ، وداود بن أبي هند ، وعثمان البتي ،
وإليه ذهب الحنفية ، والمالكية (٣) .
واستدلوا بما روی نافع عن ابن عمر رضي
الله عنهما أنه کان یقول : « لا يصلي أحد عن
(١) المجموع ١٠٩/٧، والمغني ٢٤٣/٣.
(٢) المجموع ٧ / ١٠٩.
(٣) رد المحتار ٢٣٩،١١٩/٢، وفتح القدير ٣٢٠/٢، تحفة
الفقهاء ١/ ٦٥٠ - ٦٥١، وشرح الخرشي ٢٩٦/٢،
وشرح منح الجليل ١/ ٤٥٠ ، ومواهب الجليل والتاج
والإكليل ٣/٣، والمجموع ٧/ ١١٢، ١١٦،
والمنتقى ٢٧٠/٢.
أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ، ولا يحج أحد
عن أحد ، قال عبدالله : ولو كنت أنا أفعل ذلك
لتصدقت وأهدیت))(١)
وبأن الحج عبادة بدنية فتسقط بموت من
وجبت عليه كالصلاة (٢).
وبأن النية شرط إجزاء العبادة ، ليتحقق أداء
المكلف لها اختياراً منه ، فيظهر اختياره الطاعة
من اختياره المعصية ، الذي هو المقصود من
التكليف ، وفعل الوارث من غير أمر المبتلى
بالأمر والنهي لایحقق اختياره ، بل إنه لما مات
من غير فعل ولا أمر فقد تحقق عصيانه ،
بخروجه من دار التكليف بغير امتثال لما كلف
به ، وهذا يقرر عليه موجب العصيان ، فليس
فعل الوارث الفعل المأمور به ، فلا يسقط به
الواجب کما لو تبرع به حال حیاته ، ومن ثم فإن
المقصود من حقوق الله تعالى إنما هي الأفعال ،
لأنها التي تظهر الطاعة والامتثال ، وقد سقطت.
الأفعال كلها بالموت ، لتعذر ظهور طاعته بها في
دار التكليف ، فكان الإيصاء بالمال الذي هو
(١) أثر: ((لا يصلي أحد عن أحد ولا يصوم أحد عن أحد ولا
یحج أحد عن أحد . .»
عزاه ابن التركماني في الجوهر النقي ( بهامش السنن
للبيهقي ٤ / ٢٥٧) إلى التمهيد لابن جرير الطبري .
(٢) المغني ٢٤٢/٣.
- ٢١٤ -

نَذْر ٦٦ -٦٧
متعلق الأفعال تبرعاً من الميت ابتداء فیعتبر من
الثلث (١) .
ثانياً : موت من نذر الصيام قبل أدائه :
٦٧ - اختلف الفقهاء في حکم من مات وعليه
صيام أوجبه على نفسه بالنذر ولم يؤده
حتى مات ، وعما إذا كان يُصام عنه أو يُطعم
على مذهبین :
المذهب الأول : يرى أصحابه أن من مات
وعليه صيام منذور فلا يصام عنه وإنما يطعم عنه
ولیه مکان کل یوم مسکیناً ، روی هذا عن ابن
عمر وعائشة رضي الله تعالى عنهم ، وهو قول
الحسن البصري ، والزهري ، وإليه ذهب الحنفية
إذا أوصى الناذر به ، وتخرج فدية الصيام المنذور
من ثلث التر کة إن کان له مال ، فإن لم یوص به
فلا يلزم الوارث إخراج الفدية عنه ، وإنما يجوز
فقط ، فإن تبرع وليه بها عنه جاز وأجزأه ، وهذا
إذا كان الناذر للصیام صحيحاً مقيماً عند النذر ،
فإن نذر الصيام في أثناء مرضه أو سفره واستمر
مرضه أو سفره إلى أن مات ، فلا يلزمه شيء ،
لأن المريض ليست له ذمة صحيحة في التزام أداء
الصوم حتى يبرأ ، وكذلك المسافر لا يلتزم
بالصيام حتى يقيم ، فإن برأ المريض يوماً واحداً ،
(١) فتح القدير ٢/ ٨٥ .
أو أقام المسافر ولو ليوم واحد ولم يصم أي منهما
فقد لزمه جميع ما أوجبه على نفسه في قول أبي
حنيفة وأبي يوسف ، لأنه بعد البرء أو الإقامة
يصير كالمجدد للنذر، إذ الصحيح لو نذر صوم
شهر فمات بعد يوم لزمه صوم جميع الشهر .
وقال محمد بن الحسن : يلزمه من الصيام
المنذور بقدر ما صح وأقام من أيام ، لأنه أدرك من
الأيام ما يمكنه الوفاء فیه بما نذر ، ولا يلزمه من
ذلك إلا بمقدار ما أدرك، فيخرج الولي الفدية
على كلا القولين إن أوصى الناذر بذلك ،
ويجبر على إخراجها من ثلث التركة .
ومذهب المالكية أن من مات قبل أن يصوم ما
وجب علیه بالنذر ، أطعم عنه ولیه من ثلث
تركته ، إن كان له تركة ، إذا أوصى أن یوفی
عنه ، والقول بالإطعام عمن مات وعليه صيام
منذور هو قول الشافعي في مذهبه الجديد ، وهو
أشهر قوليه وأصحهما عند جمهور أصحابه ،
سواء أوصی به أو لم یوص به ، هذا إذا كان قد
مات بعد التمكن من الصيام ولم يصم حتى
مات ، فإما إذا مات قبل التمكن من الصيام فلا
يصام ولا يطعم عنه (١) .
(١) رد المحتار على الدر المختار ١١٨/٢ - ١١٩، والهداية
والعناية وفتح القدير ٢/ ٣٥٧ ، والمبسوط للسرخسي
٩٠/٣ - ٩١، والفروق ١٨٧/٣، والشرح الكبير=
- ٢١٥ -

نَذْر ٦٧
واستدلوا بما روي عن ابن عباس رضي الله
عنهما أن رسول الله و #قال : ((لا يصلي أحد
عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد ، ولكن يطعم
عنه مكان كل يوم مداً من حنطة)) (١) .
وحكى الإمام مالك والماوردي إجماع
الصحابة على أنه لا یصام عن الميت ما وجب
عليه من الصيام ، وممن روي عنهم ذلك ابن
عباس رضي الله عنهما أنه قال: (( لا يصلي أحد
عن أحد ، ولا يصوم أحد عن أحد))، بعد أن
روى عن النبي ◌ّ- حديث الصوم عن الميت
وهو: ((أن امرأة سألت رسول الله وقال عن صيام
منذور ماتت أمها قبل أدائه ، فأمرها أن تصوم
عنها))(٢) ، ومنهم أيضاً عائشة رضي الله عنها
أنها قالت : ((لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا
= وحاشية الدسوقي عليه ١٨/٢،٥٣/١، والحطاب
٤٠٨/٦، والمجموع ٨/ ٤٩٧، وروضة الطالبين
٣٣٣/٣، ومغني المحتاج ٤٣٩/١، وزاد المحتاج
٥٢٦/١، وعمدة القاري ٥٩/١١ ، وشرح النووي على
صحيح مسلم ٢٦/٨، والمنتقى ٢ /٦٢ - ٦٣ .
(١) حديث: ((لا يصلي أحد عن أحد ، ولا يصوم أحد عن
أحد .. ))
أخرجه النسائي في السنن الكبرى (٢/ ١٧٥ ط دار الكتب
العلمية) .
(٢) حديث: ((أن امرأة سألت رسول الله و يقول عن صيام
منذور ... )) .
أخرجه مسلم (٢/ ٨٠٤ ط عيسى الحلبي) .
عنهم))(١)، بعد أن روت عن النبي ◌ُّ حديث
الصوم عن الميت وهو أنه قال: ((من مات وعليه
صیام صام عنه وليه)»(٢) ، وفتوى الراوي على
خلاف مرویه بمنزلة روايته للناسخ ونسخ الحكم
يدل على إخراج المناط عن الاعتبار ، ولهذا فقد
اشترط في القياس : أن لا يكون حكم الأصل
منسوخاً ، لأن التعدية بالجامع ، ونسخ الحكم
يسلتزم إبطال اعتباره ، إذ لو كان معتبراً لاستمر
ترتیب الحکم على وفقه ، وممن روي عنهم
من الصحابة مثل ذلك عمر رضي الله عنه (٣) .
قال الإمام مالك : لم أسمع عن أحد من
الصحابة أو التابعين رضي الله عنهم بالمدينة ، أن
أحداً منهم أمر أحداً أن يصوم عن أحد ، أو
يصلي عن أحد ، وهذا مما يؤيد النسخ وأنه الأمر
الذي استقر عليه الشرع آخراً (٤).
وأضافوا : إن الصوم عبادة بدنية لا تدخلها
النيابة في حال الحياة ، فكذلك لا تدخلها بعد
(١) أثر عائشة: ((لا تصوموا عن موتاكم وأطعموا عنهم))
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٧
ط دائرة المعارف) .
(٢) حديث : «من مات وعليه صيام صام عنه وليه)
أخرجه البخاري (الفتح ٤ / ١٩٢ ط السلفية) ومسلم
(٨٠٣/٢ ط عيسى الحلبي).
(٣) فتح القدير ٢/ ٨٤ .
(٤) المصدر السابق .
- ٢١٦ -

نَذْر ٦٧
الموت كالصلاة ، وهذا لأن المعنى في العبادة
کونها شاقة علی بدنه ، ولا یحصل ذلك بأداء
نائبه عنه ، ولكن يطعم عنه لكل يوم مسكيناً ،
لأنه وقع اليأس عن أداء الصوم في حقه ، فتقوم
الفدية مقامه ، كما في حق الشيخ الفاني (١) .
وقالوا كذلك: إن الصوم عبادة ، و کل ما
کان کذلك فلا بد فيه من الاختيار ، وذلك في
الإيصاء دون الوراثة ، لأنها جبرية ، ثم هو تبرع
ابتداء ، لأن الصوم فعل مكلف به ، وقد سقطت
الأفعال بالموت ، فصار الصوم كأنه سقط في حق
الدنيا ، فكانت الوصية بأداء الفدية تبرعاً (٢) .
المذهب الثاني : يرى من ذهب إليه أن من
مات وعليه صيام منذور ، فإن وليه يصومه عنه ،
سواء أوصى به أو لم یوص به ، روي هذا عن ابن
عباس رضي الله عنهما ، وهو قول اللیث بن
سعد ، وأبي عبيد ، والزهري ، وإسحاق ،
وحماد بن أبي سليمان ، وطاوس ، وقتادة ،
وهو قول للشافعي في مذهبه القديم جزم
النووي بصحته ، وتابعه في القول بصحته
جماعة من محققي أصحاب الشافعي ، إلا أن
(١) المبسوط ٨٩/٣، والفروق ١٨٧/٣، ومغني المحتاج
٤٣٩/١، والمغني ١٤٣/٣، وكشاف القناع ٣٣٤/٢ ،
والمنتقى ٦٣/٢.
(٢) العناية ٨٤/٢ .
النووي قال : إنما يصام عن الناذر إذا مات بعد أن
تمکن من الصیام ولم یصم ، فأما إذا مات قبل
إمکان الصیام فلا یصام ولا یطعم عنه ، وقال :
مذهبنا ومذهب الجمهور أن الوارث لا يلزمه
قضاء النذر الواجب على الميت إذا كان غير
مالي ، أو كان مالياً ولم يترك الميت مالاً يقضى
منه النذر ، إلا أنه يستحب للوارث قضاؤه عنه .
وإلى هذا ذهب الحنابلة ، ویرون أنه لا يجب
على الولي أن يصوم عن الميت إن لم يخلف
تركة ، إلا أنه يستحب له ذلك على سبيل الصلة
له والمعروف لتفرغ ذمته منه ، والأولی - کما قال
ابن قدامة - أن يقضي النذر عنه وارثه ، فإن قضاه
عنه غيره أجزا عنه ، کما لو قضی عنه دينه ، فإن
خلف ترکة وجب صيام النذر عنه ، کقضاء
الدين ، ويستحب للولي أن يصوم عن الميت
بنفسه ، لأنه أحوط لبراءة ذمة الميت ، فإن لم
يفعل وجب أن يدفع من تركته إلى من يصوم عنه
عن كل يوم طعام مسكين ، لأن ذلك فدية ،
ويجزئ صوم غير الولي سواء أذن فيه الولي أم
لم يأذن(١) .
(١) المجموع ٦/ ٣٧٠-٣٧٣، ٤٩٧/٨، ومغني المحتاج
٤٣٩/١، وزاد المحتاج ٥٢٦/١، والمغني ١٤٣/٣،
٩/ ٣٠، وكشاف القناع ٣٣٥/٢ ، وعمدة القاري
٥٩/١١، وشرح النووي على صحيح مسلم
٨/ ٩٧/١١،٢٥ ٠
- ٢١٧ -

نَذْر ٦٧ -٦٨
واستدلوا بما ورد عن عائشة رضي الله عنها
أن رسول الله وَ ل﴾ قال: ((من مات وعليه صيام
صام عنه وليه)
وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه
قال: ((جاءت امرأة إلى رسول الله (وَێل ،
فقالت : يا رسول الله إن أمي ماتت وعليها صوم
نذر ، أفأصوم عنها؟ قال : أرأيت لو كان على
أمك دين فقضيتيه أكان يؤدي ذلك عنها؟
قالت : نعم، قال: فصومي عن أمك))(١) .
وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه
قال : (( إن امرأة نذرت وهي في البحر ، إن نجاها
الله أن تصوم شهراً ، فأنجاها الله ، وماتت قبل
أن تصوم ، فجاءت ذات قرابة لها إما أختها أو
ابنتها إلى رسول الله و ﴿ فأخبرته، فقال :
صومي عنها)) (٢)
وبما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما
قال: ((جاء رجل إلى النبي ◌َطير، فقال: يا رسول
الله إن أمي ماتت وعليها صوم شهر ، أفأقضيه
عنها؟ فقال وَلّ: لو كان على أمك دين أكنت
(١) حديث ابن عباس: ((جاءت امرأة إلى رسول الله ... ))
أخرجه مسلم (٢/ ٨٠٤ - ط الحلبي)
(٢) حديث: ((إن امرأة نذرت وهي في البحر ... ))
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٦ ط دائرة
المعارف العثمانية) .
قاضيه عنها؟ قال : نعم ، قال : فدین الله أحق
أن يقضى)) (١) .
وبما روي عن ابن عباس رضى الله عنهما
« أنه سئل عن رجل مات وعلیه نذر صوم شهر ،
وعليه صوم من رمضان؟ فقال : أما رمضان
فيطعم عنه ، وأما النذر فيصام عنه))(٢) .
ويأن الصوم من العبادات البدنية التي لا تقبل
النيابة ، إلا أن الفرق بين النذر وغيره ، أن النيابة
تدخل العبادة بحسب خفتها ، والنذر أخف
حکماً من الواجب بأصل الشرع ، لکون النذر لم
يجب بأصل الشرع ، وإنما أوجبه الناذر على
نفسه (٣).
ثالثاً : موت من نذر الاعتكاف قبل فعله :
٦٨ - اختلف الفقهاء في حكم من مات وعليه
اعتکاف منذور لم یفعله حتی مات ، وذلك على
اتجاهات ثلاثة :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من مات
(١) حديث: ((إن أمي ماتت وعليها صوم شهر ... ))
أخرجه مسلم (٢/ ٨٠٤ ط عيسى الحلبي) .
(٢) أثر ابن عباس رضي الله عنهما: ((سئل عن رجل مات
وعليه نذر صوم شهر ... ))
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (٤/ ٢٥٧
ط دار المعارف) .
(٣) المغني ١٤٤/٣، وكشاف القناع ٣٣٥/٢.
- ٢١٨ -

نَذْر ٦٨
وعلیه اعتكاف منذور فإن ولیه یعتکف عنه ،
روي هذا عن ابن عباس وابن عمر وعائشة رضي
الله عنهم ، وقال به الأوزاعي ، وإسحاق ، وهو
قول للشافعي ، وإليه ذهب الحنابلة ، إلا أن
اعتکاف الولي عن المیت ليس واجباً علیه ، وإنما
يستحب له فعله عنه على سبيل الصلة له ،
والأولى أن یقضیه عنه وارثه ، فإن قضاه عنه غیر
الوارث أجزأ الناذر ، کما لو قضی عنه دينه ،إذ
النذر شبيه بالدين ، ولأن ما يقضيه الوارث تبرع
منه ، وغيره مثله في التبرع (١) .
واستدلوا بما ورد عن ابن عباس رضي الله
عنهما «أن سعد بن عبادة استفتی رسول الله في
نذر كان على أمه فتوفيت قبل أن تقضيه ، فأفتاه
رسول الله عليه : أن يقضيه عنها فكانت سنة
بعده)) (٢).
وبما روي عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة أن
أمه نذرت اعتكافاً فماتت ولم تعتکف ، فسأل
أخوته ابن عباس عن ذلك فقال : ((اعتكف
(٣)
عنها وصم)) (٣) .
(١) المجموع ٦/ ٣٧٢، ٥٤١، ومغني المحتاج ٤٣٩/١، وزاد
المحتاج ١/ ٥٢٧، والمغني ٩/ ٣٠، ٣٢، وكشاف القناع
٣٣٥/٢، ٣٣٦ .
(٢) حديث: ((أن سعد بن عبادة استفتى رسول الله وَثير ... ))
سبق تخرجه (ف ٦٦)
(٣) أثر عبيد الله بن عبدالله: ((أن أمه نذرت اعتكافاً ... )) .=
وأنه لما جاز الصيام عن الميت ما وجب عليه
بالنذر ، فإنه يجوز الاعتكاف عنه كذلك ، وذلك
لأن كلاً من الصيام والاعتكاف كف ومنع (١) .
الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن من
مات وعلیه اعتكاف منذور یطعم عنه ، ولا
يعتكف عنه ، وهو قول الثوري ، ومذهب
الحنفية أنه يطعم عنه لكل يوم نصف صاع من
حنطة إن أوصى الناذر بذلك ، ويجبر الوارث
على إخراج الفدية في هذه الحالة من ثلث
التر کة ، وإن لم یوص فلا يجبر علیه الوارث ،
وهذا إذا كان إيجاب الاعتكاف عليه بالنذر في
حال الصحة .
وأما إذا كان مريضاً حين نذر الإعتكاف ، ولم
يبرأ حتى مات فلا شيء عليه ، لأن المریض لیس
له ذمة صحيحة في وجوب أداء الاعتكاف ، وإن
صح یوماً ثم مات أطعم عنه عن جميع الأيام
التي نذر الإعتكاف فيها في قول أبي حنيفة وأبي
يوسف ، وقال محمد بن الحسن : يطعم عنه
بعدد ما صح من أيام ، وهو قياس مذهب المالكية
أخرجه عبدالرزاق في المصنف (٣٥٣/٤ ط المجلس
=
العلمي) .
(١) مغني المحتاج ١/ ٤٣٩، وزاد المحتاج ١/ ٥٢٧، وكشاف
القناع ٣٣٦/٢ .
- ٢١٩ -

نَذْر ٦٨ - ٦٩
في العبادات البدنية ، وهو رواية عن الإمام
الشافعي ، ويطعم الولي وفقاً لهذه الرواية عن
اعتكاف يوم بليلته مداً (١).
واستدلوا بأن الاعتكاف فرع عن الصوم ، ولما
كان الصوم الذي وجب على الميت بالنذر تجزئ
فيه الفدية ، فكذلك الاعتكاف يجزئ فيه ذلك
إذا أوصى به (٢) .
وبأن الاعتكاف عبادة ، وكل ما كان كذلك
فلابد فيه من الاختيار ، وهذا يظهر فى الإيصاء
دون الوراثة ، لأنها جبرية ، ولأن الاعتكاف عن
الميت تبرع ابتداء ، لأنه فعل مكلف به ، وقد
سقطت الأفعال كلها بموت من وجب عليه
ذلك ، فصار الاعتكاف كأنه سقط في حق
الدنيا ، فكانت الوصية بأداء الفدية عنه تبرعاً ،
فيعتبر من ثلث التركة (٣) .
الاتجاه الثالث : یری أصحابه أن من مات
وعلیه اعتکاف منذور ، فلا یعتکف عنه ، ولا
يجزئه ذلك ، ولا يطعم عنه ولا يسقط عنه
الاعتكاف بالفدية ، وهو مشهور مذهب
الشافعية ، والمعروف من نصوص الشافعي في
(١) الدر المختار ١١٩/٢، والمبسوط ١٢٣/٣-١٢٤،
والمجموع ٦/ ٣٧٢، ٥٤١، والمنتقى ٢٣٠/٣.
(٢) المبسوط ١٢٣/٣ - ١٢٤.
(٣) العناية ٨٤/٢ .
الأم وغيره (١) .
واستدلوا بأنه لم يرد عن الشارع ما یفید جواز
الاعتكاف عمن مات وعليه اعتکاف منذور ،
ولا تجزئه الفدية عن هذا الاعتكاف ، لعدم ورود
ما يدل على إجزاء الفدية عنه (٢) .
رابعاً : موت من نذر الصلاة قبل أدائها :
٦٩ - اختلف الفقهاء في حكم من مات وعليه
صلاة منذورة ، لم يؤدها حتى مات ، وذلك
على اتجاهين :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أنه من مات
وعليه صلاة منذورة فلا يجوز لوليه أو غيره
فعلها عنه ، ولا تسقط عنه بالفدية ، باستثناء
ركعتي الطواف ، فإنهما تصليان عن الميت الذي
يحج أو يعتمر عنه إن قيل بجواز النيابة عنه
فیهما ، إلى هذا ذهب الحنفية ، وهو مشهور
مذهب المالكية ، ولا تنفذ عندهم وصيته
بالاستئجار عليها ، وهو مشهور مذهب
الشافعية ، ورواية عن أحمد ،وقد حكى العيني
إجماع الفقهاء على أنه لا يصلي أحد عن أحد ،
ونقل القاضي عياض الاجماع على أنه لا يصلي
(١) المجموع ٦/ ٣٧٢ ، ومغني المحتاج ٤٣٩/١، وزاد
المحتاج ١/ ٢٥٧.
(٢) مغني المحتاج ١/ ٤٣٩، وزاد المحتاج ١/ ٥٢٧.
- ٢٢٠ -