Indexed OCR Text

Pages 141-160

نَذْر ٧ -٨
هذا عن ابن عمر رضي الله عنهما إذ قال في
رجل قال : عليّ المشي إلى الكعبة لله .هذا نذر
فليمش ، وقال بمثل قوله سعيد بن المسيب
والقاسم بن محمد ويزيد بن إبراهيم التيمي ،
وإليه ذهب الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة ،
وحكاه ابن قدامة عن جماعة من العلماء (١) .
١
وقال أصحاب هذا الاتجاه : إن عدم ذكر لفظ
النذر في الصيغة لا يؤثر في لزوم النذر إذا كان
المقصود بالأقاويل التي مخرجها مخرج النذر
النذر ، وإن لم يصرح فيها بلفظ النذر (٢) .
وقالوا کذلك : إن من قال : لله علي کذا ولم
يذكر لفظ النذر، فإن لفظة ((عليّ)) في هذه
الصيغة للإيجاب على نفسه ، فإذا قال عليّ
المشي إلى بيت الله تعالى ، فقد أوجب على نفسه
ذلك ، فلزمه ، كما لوقال: هو عليّ نذر (٣) .
الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن النذر
لاينعقد إلا إذا صرح في صيغته بلفظ النذر
وهو قول آخر لسعيد بن المسيب والقاسم
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٦٢، ٢٨٧٤،٢٨٦٩، ومواهب
الجليل ٣١٧/٣-٣١٨، وبداية المجتهد ٤٢٢/١،
وروضة الطالبين ٣٣٣/٣، ونهاية المحتاج
٢٢٠/٨-٢٢١، وزاد المحتاج ٤٩٢/٤، والمغني ٣٣/٩ ،
وكشاف القناع ٦/ ٢٧٣ .
(٢) مواهب الجليل ٣١٨/٣، وبداية المجتهد ١/ ٤٢٢.
(٣) المغني ٩/ ٢٤.
ابن محمد (١) .
واستدل أصحاب هذا الاتجاه بالمعقول فقالوا :
إن النذر إخبار بوجوب شيء لم یوجبه الله تعالی
على الناذر إلا أن يصرح بجهة الوجوب(٢).
أقسام النذر :
٨ - قسم الفقهاء النذر تقسيمات عدة :
فالحنفية قسموا النذر إلى قسمين :
القسم الأول : النذر المسمى ، وهو الذي
صرح فيه الناذر بما نذر من صوم أو صلاة أو
صدقة أو نحوها . وهذا النذر قد يكون مطلقاً
غير مقيد ، أو معلق بشرط بأن يوجبه الناذر على
نفسه ابتداء ، شكراً لله تعالى على ما أنعم به
علیه فيما مضى ، أو لغير سبب .
وقد يكون نذراً مقيّداً بحصول شيء أو معلقاً
على شرط ، بأن يوجبه الناذر على نفسه معلقاً
على شرط حصول شيء هو من فعل الناذر ،
واجباً أو حراماً ، أو من فعل غيره من العباد ، أو
من فعل الله تعالى .
والقسم الثاني : النذر المبهم ، وهو الذي لا
نیة للناذر فیه ، ولم یعین الناذر مخرجه من
(١) مواهب الجليل ٣١٧/٣-٣١٨، وبداية المجتهد ١/ ٤٢٢،
والمغني ٩/ ٣٣.
(٢) بداية المجتهد ١/ ٤٢٢ .
- ١٤١ -

نَذْر ٨
الأعمال (١)
وقسم المالكية النذر باعتبار الإطلاق والتقييد
إلى قسمين : نذر مطلق ، ونذر مقید ، أو معلق
على شرط ، وباعتبار ماله مخرج من الأعمال
وما لیس له ذلك إلى قسمین أيضاً ، نذر مسمی
ونذر مبهم بمفهومهما عند الحنفية (٢).
وأما الشافعية فإنهم قسموا النذر باعتبار
الغرض من النذر إلى قسمين .
القسم الأول : نذر التبرر والقربة ، وهو يتنوع
باعتبار إطلاقه أو تعلیقه على شرط إلى نوعين :
النوع الأول : نذر مطلق يلتزم فیه الناذر النذر
ابتداء من غير تعليق على شرط .
النوع الثاني : نذر المجازاة ، وهو الذي يلتزم
فيه الناذر قربة في مقابل حدوث نعمة أو
اندفاع بلية .
القسم الثاني : نذر اللجاج والغضب وهو
الذي يمنع الناذر فیه نفسه من فعل أو یحثها
عليه ، بتعليق التزام قرية بالفعل أو
بالترك ، ويقال فيه : يمين اللجاج والغضب ،
(١) فتح القدير ٢٦/٤-٢٧، بدائع الصنائع
٦/ ٢٨٨٢، ٢٨٨٣، ٢٨٨٧، ٢٨٨٨.
(٢) المقدمات الممهدات ٤٠٤/١ ،٤٠٥ ، ومواهب الجليل
والتاج والإكليل ٣١٩/٣، وكفاية الطالب الرباني
٥٦/٣، ٩٩ .
ويمين الغلق ونذر الغلق .
کما قسموا النذر باعتبار الملتزم به إلى أقسام
ثلاثة :
القسم الأول : نذر الطاعة ، وهو التزام ما
يعدّ طاعة لله سبحانه ، والطاعة أنواع ثلاثة :
النوع الأول : الواجبات ، كالصلوات
الخمس وصوم رمضان وعدم شرب الخمر .
النوع الثاني : العبادات المقصودة وهي التي
شرعت للتقرب بها ، وعلم من الشارع تكليف
الخلق بإيقاعها عبادة كالصوم والصلاة والصدقة
والحج والاعتكاف .
النوع الثالث : القربات التي لم تشرع لکونها
عبادة ، وإنما هي أعمال وأخلاق مستحسنة ،
رغب الشارع فيها لعظم فائدتها ، وقد يبتغى بها
وجه الله تعالى فينال الثواب فيها : كعيادة
المرضى وإفشاء السلام بين المسلمين وتشميت
العاطس .
القسم الثاني : نذر المعصية ، وهو التزام ما
نهى عنه الشارع ، كشرب الخمر ، أوالقتل أو ترك
الصلاة .
القسم الثالث : نذر المباح ، وهو التزام ما لم
يرد فيه ترغيب من قبل الشارع ، كالأكل
- ١٤٢ -

نَذْر ٨ - ١٠
والشرب والنوم والقيام(١) .
وأما الحنابلة فإن ابن قدامة قسم النذر إلى
سبعة أقسام هي : نذر اللجاج والغضب ، ونذر
الواجب ، ونذر المستحيل ، ومثل لهذا الأخير
بمن نذر صوم أمس . وهي في مجملها لا تخرج
عما عرفت به قبلا .
وقد قسم البهوتي النذر إلى ستة أقسام هي :
نذر اللجاج والغضب ، والنذر المطلق ، ونذر
المباح ، ونذر المكروه - وقد مثل له بنذر الطلاق
أو ترك السنة - ونذر المعصية ، ونذر التبرر (٢).
وفيما يلي حكم كل قسم من أقسام النذر :
أ - نذر اللجاج :
٩ - نذر اللجاج هو النذر الذي يمنع الناذر فيه
نفسه من فعل شيء أو يحملها عليه ، بتعليق
التزام قربة بالفعل أو الترك ، وهو كقول الناذر :
إن كلمت فلاناً ، أو لم أضربه ، فعليّ حج أو
صوم سنة . أو إن لم أكن صادقاً فعلي صوم (٣).
(١) روضة الطالبين ٢٩٣/٣، ٢٩٨، ٣٠٠، ونهاية المحتاج
٨/ ٢٢٤،٢٢٠.
(٢) المغني ٩/ ٢-٦، والكافي ٤١٧/٤-٤٢٢، وكشاف
القناع ٦/ ٢٧٤ -٢٧٦ .
(٣) شرح الزرقاني على مختصر خليل ٩٢/٣ ، ونهاية
المحتاج ٢١٩/٨، وكشاف القناع ٢٧٤/٦ ، وروضة
الطالبين ٢٩٤/٣ .
واختلف الفقهاء فيما يلزم الناذر في هذا
النوع .
١٠- فذهب بعض الفقهاء إلى أنه یتخیر بین
الوفاء بما نذر ، أو یکفر عنه كفارة يمين إذا وجد
الشرط ، روي هذا عن أبي حنيفة - إذ رجع إليه
في آخر عمره بعد أن كان يقول بلزوم الوفاء به -
ومحل هذا التخییر إذا کان الناذر لا یرید تحقق
الشرط ، وهو قول محمد بن الحسن والأظهر
عند العراقيين من أصحاب الشافعي ، وهو قول
النووي وهو مشهور مذهب الحنابلة (١)
واستدلوا بالسنة والمعقول .
أما السنة المطهرة فبما ورد عن عائشة رضي
الله عنها أن النبي وسلم قال: ((لا نذر في معصية
الله ، وكفارته كفارة يمين)) (٢) ، وعن عمران بن
حصين رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه
وسلم قال: (( لا نذر في غضب ، وكفارته كفارة
(١) الهداية والعناية وفتح القدير ٢٧/٤-٢٨، والدر المختار
ورد المختار ٦٩/٣، وروضة الطالبين ٢٩٤/٣، ونهاية
المحتاج ٢١٩/٨، وزاد المحتاج ٤٩٣/٤، والكافي ٤١٧/٤ ،
وكشاف القناع ٦/ ٢٧٥ .
(٢) حديث: ((لا نذر في معصية الله، وكفارته
كفارة يمين)»
أخرجه الترمذي (١٠٣/٤ ط الحلبي) وأعله بأن الزهري
لم يسمعه من أبي سلمة .
- ١٤٣ -

نَذّر ١٠ -١١
يمين)) (١) ، ووجه الدلالة أن هذا النذر كاليمين
فیترتب على تحقق الشرط أن یخیر الناذر فیه بین
الوفاء بما نذر ، أو بالكفارة کالیمین بالله تعالی ،
فقد جعل الحديث كفارة هذا النذر ككفارة
اليمين .
وأما المعقول فقالوا : إن نذر اللجاج
والغضب يشبه النذر من حيث إنه التزام قربة ،
ويشبه اليمين من حيث إن مقصوده مقصود
الیمین ، ولا سبیل إلی الجمع بينهما من حیث
موجبهما ، ولا سبيل كذلك إلى تعطيلهما ،
فتعين التخيير (٢) .
وقالوا : إن تخيير الناذر في هذا النوع من
النذر بين الوفاء والتكفير أجمع للصفتين معاً ،
فإن اعتبر نذراً خرج الناذر عن العهدة باختيار
الوفاء به ، وإن اعتبر يميناً خرج عن العهدة
باختيار التكفير عنه ، فيخرج عن العهدة بکل
حال منهما(٣).
وقالوا كذلك : إن في نذر اللجاج معنى
اليمين وهو المنع ، وهو بظاهره نذر ، فيتخير
(١) حديث: ((لا نذر في غضب، وكفارته كفارة يمين)).
أخرجه النسائي (٧/ ٢٨ ط التجارية الكبرى) ، ثم ذكر أن
فيه راوياً ضعيفاً وأنه قد اختلف عليه في هذا الحديث .
(٢) نهاية المحتاج ٢١٩/٨، وزاد المحتاج ٤/ ٤٩٣ ، وکشاف
القناع ٦/ ٢٧٥ .
(٣) الكافي ٤ / ٤١٧ .
الناذر بين الوفاء والتكفير ، ويميل إلى إي الجهتين
شاء ، والتخيير بين القليل وهو الكفارة وبين
الكثير وهو المنذور - في جنس واحد باعتبار
معنیین مختلفین جائز ، کالعبد إذا أذن له مولاه
بالجمعة ، فإنه مخیر بین أداء الجمعة ركعتين وبین
أداء الظهر أربعاً ، والنذر واليمين معنيان
مختلفان لأن النذر قربة مقصودة واجب لعينه
واليمين قربة مقصودة واجب لغيره ، وهو صيانة
حرمة اسم الله تعالى (١) .
١١- ويرى بعض الفقهاء أن الناذر يلزمه الوفاء
بما سمى في هذا النذر . روي هذا عن علي بن
أبي طالب رضي الله عنه وهو ظاهر الرواية عن
أبي حنيفة وقول جمهور أصحابه ومشهور
مذهب المالكية ، وهو قول فى مذهب
الشافعية(٢) واستدلوا بالكتاب والسنة والمعقول .
أما الكتاب الكريم فبقوله تعالى: ﴿وَلْيُوفُواْ
نُذُورَهُمْ﴾ (٣) وقوله سبحانه فى شأن الأبرار :
﴿ يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَخَافُونَ يَوْمًا كَانَ شَرُّهُ
مُسْتَطِيرًا﴾ (٤) ووجه الدلالة أن الآيتين أفادتا
(١) الهداية والعناية ٢٧/٤.
(٢) بدائع الصنائع ٢٨٨٣/٦ ، والهداية والعناية وفتح
القدير ٢٧/٤، والمقدمات الممهدات ١/ ٤٠٥ ، وشرح
الزرقاني ٩٢/٣، وروضة الطالبين ٢٩٤/٣، ونهاية
المحتاج ٢١٩/٨.
(٣) سورة الحج / ٢٩.
(٤) سورة الإنسان / ٧ .
- ١٤٤ -

نَذْر ١١ - ١٢
وجوب الوفاء بالنذر مطلقاً من غیر فصل بين
النذر المطلق أو النذر المعلق على شرط ، كما
أفادت إثم من لم یف به .
وأما السنة النبوية المطهرة فبأحاديث منها ما
ورد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَلآل
قال : «من نذر أن یطیع الله فلیطعه ، ومن نذر أن
یعصیه فلا یعصه»(١) وما ورد عن ابن عمر عن
أبيه رضي الله عنهما قال: «نذرت نذراً في
الجاهلية فسألت النبي وَاليوم بعدما أسلمت فأمرني
أن أوفيَ بنذري)»(٢) ووجه الدلالة في هذه
الأحاديث أنها أفادت وجوب الوفاء بالنذر إن
كان في طاعة الله تعالى . ونذر الدجاج من هذا
القبيل ، فيجب الوفاء به .
وأما المعقول فقالوا : إن الوفاء بالنذر هو فعل
ما تناوله النذر وليس الكفارة لأن الأصل اعتبار
التصرف على الوجه الذي أوقعه المتصرف تنجيزاً
كان أو تعليقاً بشرط ، والمتصرف أوقعه نذراً عليه
عند وجود الشرط ، وهو إيجاب الطاعة المذكورة
لا إيجاب الكفارة (٣).
(١) حديث : ((من نذر أن یطیع الله فلیطعه))
سبق تخريجه فقره (٥) .
(٢) حديث عمر بن الخطاب: ((نذرت نذراً في الجاهلية ... ))
أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٨٧ ط عيسى الحلبي) وأصله في
الصحیحین كما تقدم فقرة (٥) .
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٨٥ .
كما قالوا : إن الناذر قد التزم عبادة في مقابلة
شرط ، فتلزمه عند وجود هذا الشرط (١) .
وأضافوا كذلك : إن المعلق بالشرط کالمنجز،
عند تحقق الشرط فصار کأنه قال عند وجود
المشروط: لله عليّ كذا(٢).
١٢- ويرى بعض الفقهاء أن الناذر تلزمه كفارة
یمین ، فيخرج عن نذره هذا بالكفارة . وقد روي
هذا عن عمر بن الخطاب وابنه عبدالله وابن
عباس وعائشة وحفصة وأم سلمة رضي الله
عنهم ، وهو قول بعض المالكية ، وقول في
المذهب الشافعي استظهره بعض الشافعية ، وهو
رواية عن أحمد بن حنبل (٣) .
واستدلوا بالكتاب والسنة والمعقول .
أما الكتاب الكريم فبقولهتعالى : ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ
اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِى أَيْمَئِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا
عَقَّدتُمُ الْأَيْمَنَّ فَكَفَّرَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةٍ مَسَيِكِينَ
مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ
أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ تِجِدْ فَصِيَامُ ثَلَاثَةِ أَيَّامٍ.
ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَئِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ ﴾(٤) ووجه
(١) زاد المحتاج ٤ /٤٩٣.
(٢) الهداية وفتح القدير ٢٧/٤، ٢٨.
(٣) التاج والإكليل ٣١٦/٣، وشرح الزرقاني على مختصر
خليل ٩٢/٣، وروضة الطالبين ٢٩٤/٣، ونهاية المحتاج
٢١٩/٨، وزاد المحتاج ٤/ ٤٩٢، والكافي ٤ / ٤١٧.
(٤) سورة المائدة / ٨٩ .
- ١٤٥ -

نَذْر ١٢ -١٤
الدلالة من الآية أن نذر اللجاج بمفهومه السابق
يمين ، لأن اليمين بغير الله تعالى شرط وجزاء،
ونذر اللجاج كذلك ، فتجب فيه عند تحقق
الشرط كفارة يمين .
وأما السنة النبوية فبأحاديث منها ما ورد عن
عمران بن حصین رضي الله عنه أن رسول الله
صلی الله علیه وسلم قال : ((لا نذر في غضب ،
وكفارته كفارة اليمين)»(١) . وبما ورد عن عقبة بن
عامر رضي الله عنه أن النبي والر قال: ((كفارة
النذر كفارة يمين))(٢) ووجه الدلالة منهما أن
الحدیثین أفادا أن نذر اللجاج والغضب تجزئ فيه
كفارة يمين ، ولا يلزم الناذر أن يفي به ، وقال
الرملي : حديث عقبة يفيد وجوب الكفارة في
النذر إن لم يَف به الناذر ، ولا كفارة واجبة في
نذر التبرر جزماً فتعين حمل النذر الموجب
للكفارة في الحديث على نذر اللجاج (٣) .
وأما المعقول . فقالوا : إن نذر اللجاج
والغضب في معنی الیمین بالله تعالى ، لأن
المقصود من اليمين بالله تعالى الامتناع عن
(١) حديث : ((لا نذر في غضب .. ))
سبق تخريجه فقره (١٠) .
(٢) حديث : ((کفارة النذر کفارة الیمین))
أخرجه مسلم (١٢٦٥/٣ ط عيسى الحلبي).
(٣) نهاية المحتاج ٢١٩/٨.
المحلوف عليه أو تحصيله خوفاً من لزوم الحنث ،
وذلك موجود في هذا النذر ، لأن الناذر إن قال :
إن فعلت كذا فعليّ حجة ، فقد قصد الامتناع من
تحصيل الشرط ، وإن قال : إن لم أفعل كذا فعليّ
حجة فقد قصد تحصيل الشرط ، وكل ذلك
خوفاً من الحنث ، فكان هذا النذر في معنى
اليمين بالله تعالى ، فلزم الناذر كفارة عند
الحنث (١).
ب - نذر الطاعة :
١٣ - يقصد بنذر الطاعة التزام ما يعد طاعة لله
تعالی ، سواء شرعت على وجه العبادة كالصلاة
والصوم والحج ونحوها ، أو لم تشرع على هذا
الوجه إلا أن الشارع رغب في تحصيلها ، وقد
يبتغى بها وجه الله تعالى كعيادة المرضى وإفشاء
السلام بين المسلمين ، وتشميت العاطس ،
وسواء نذر هذا مطلقاً ، أو مقيداً أو معلقاً
على شرط .
أولاً : نذر العبادات المقصودة :
١٤ - يقصد بهذه العبادات : ما شرعت للتقرب
بها إلى الله تعالى مما له أصل في الوجوب
بالشرع ، كالصلاة والصيام والحج والاعتكاف
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٨٤ .
- ١٤٦ -

نَذْر ١٤ -١٥
والصدقة ونحوها . فمن نذر أياً من هذه
العبادات مطلقاً ، أو معلقاً على شرط لزمه
الوفاء به بإجماع أهل العلم كما نقله النووي
وابن قدامة ، أو في مقابل نعمة استجلبها ، أو
نقمة استدفعها (١) .
وقد استدل الفقهاء على وجوب الوفاء بنذر
هذه العبادات بعموم قوله تعالى: ﴿وَلَيُوفُواْ
نُذُورَهُمْ﴾(٢) الدال على الوفاء بالنذر مطلقاً .
وبما ورد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله
﴿* قال : «من نذر أن یطیع الله فليطعه، ومن
نذر أن يعصيه فلا يعصه))(٣) ووجه الدلالة
في هذا الحديث أن من نذر قربة لله تعالى
كالصلاة أو الصدقة أو العمرة أو غيرها فإن نذره
هذا هو في طاعة الله سبحانه وقد أوجب
رسول الله ي على من نذر مثل ذلك أن يفي
بنذره ، فدل هذا الحديث على وجوب الوفاء
بهذا النذر .
(١) فتح القدير ٢٦/٤، ورد المحتار ٦٧/٣ - ٦٨، وبدائع
الصنائع ٢٨٦٤/٦-٢٨٦٥، والمقدمات الممهدات
٤٠٤/١، ومواهب الجليل ٣١٨/٣ ، وكفاية الطالب
الرباني ٣/ ٥٥، وروضة الطالبين ٣٠١/٣، وزاد المحتاج
٤٩٤/٤، ٥٠٩، والمغني ٢/٩، والكافي ٤/ ٤٢٢،
وكشاف القناع ٦/ ٢٧٧ .
(٢) سورة الحج / ٢٩ .
(٣) حديث: ((من نذر أن يطيع الله ... ))
تقدم تخريجه فقرة (٥) .
وقالوا : إن العلماء أجمعوا على وجوب
وفاء الناذر بما التزمه من العبادة المقصودة لذاتها ،
سواء التزمها قربة لله تعالى من غير شرط ، أو
التزمها شكراً لله تعالی علی نعمة حدثت أو
نقمة ذهبت ، وقد حكى هذا الإجماع النووي
وابن قدامة (١) .
ثانياً : نذر القرب غير المقصودة :
١٥ - يقصد بهذه القرب : ما لم يشرع عبادة ،
وإنما هي أعمال وأخلاق مستحسنة رغَّب الشارع
فیها لعظم فائدتها ، وقد يبتغى بها وجه الله
تعالى ، وذلك مثل : بناء المساجد ، وتشييع
الجنائز ، وتشميت العاطس ونحو ذلك مما لیس
له أصل في الفروض .
وقد اختلف الفقهاء في حکم التزامها بالنذر
على مذهبين :
المذهب الأول : یری أصحابه أنه يصح التزام
أي من هذه القرب بالنذر ويلزم الوفاء به . وإلى
هذا ذهب المالكية والحنابلة ، وهو الصحيح من
مذهب الشافعية .
واستدلوا على صحة التزام هذه القرب
بالنذر ووجوب الوفاء به بعموم الآيات الدالة
(١) روضة الطالبين ٣/ ٣٠١، والمغني ٢/٩.
- ١٤٧ -

نَذْر ١٥ - ١٦
على ذلك وقد سبق ذكرها ، كما استدلوا
بحديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وَ له
قال : «من نذر أن یطیع الله فلیطعه ، ومن نذر
أن یعصیه فلا یعصه» وبحديث عمر رضي الله
عنه أنه قال: ((إني نذرت في الجاهلية أن أعتكف
ليلة في المسجد الحرام فقال النبي وَلي : أوف
بنذرك)) (١) فقد أمر رسول الله ﴾ في هذين
الحديثين بالوفاء بالنذر إذا كان في طاعة الله
سبحانه ، ومن التزم قربة من القرب السابقة
بالنذر فقد نذر أن یطیع الله فیلزمه الوفاء بما نذر
من ذلك .
واستدلوا کذلك بالقياس من حيث إن
الشارع قد رغب في هذه القرب وحض على
تحصيلها ، والعبد يتقرب بها إلى الله تعالى ،
فهي بمثابة العبادات المقصودة (٢).
وأضافوا : إن هذه القرب وإن لم یکن لها
أصل في الفروض ، إلا أنه يصح التزامها بالنذر
ويجب الوفاء بها قياساً على ما لو ألزم الناذر
نفسه أضحية أو أوجب هدياً أو اعتكافاً أو عمرة ،
فإن هذه یصح التزامها بالنذر اتفاقاً ، وليست من
الفروض(٣).
(١) الحدیثان تقدم تخريجهما ف ٥ .
(٢) نهاية المحتاج ٨/ ٢٣٥، وزاد المحتاج ٤ / ٥٠٩.
(٣) المغني ٣/٩.
وقالوا أيضاً إن الناذر قد ألزم نفسه قربة على
وجه التبرر فتلزمه بالنذر ، قياساً على التزامه
ماله أصل في الفروض ، والذي هو موضع
إجماع العلماء (١) .
المذهب الثاني : يرى من ذهب إليه أنه لا
يصح التزام أي من هذه القرب بالنذر ، ولا يصح
النذر بها ، وإليه ذهب الحنفية ، وهو وجه في
مذهب الشافعية (٢).
واستدل هؤلاء بأن هذه القرب ليس لها أصل
في الفروض ، فلا يصح التزامها بالنذر ، إذ النذر
إيجاب العبد ، فيعتبر بإيجاب الله تعالى، إذ لا
ولاية له على الإيجاب ابتداء وإنما صححنا إيجابه
في مثل ما أوجبه الله تعالى تحصيلاً للمصلحة
المتعلقة بالنذر ، كما أن هذه القرب ليست على
أوضاع العبادات فلا يصح التزامها بالنذر (٣).
ج - نذر المعصية :
١٦ - نذر المعصية : التزام ما نهى عنه الشارع
كنذر شرب الخمر أو نذر القتل ، أو الصلاة في
-
(١) المصدر السابق .
(٢) بدائع الصنائع ٢٨٦٤/٦-٢٨٦٥ ، والدر المختار ورد
المحتار ٦٧/٣، وروضة الطالبين ٣٠٢/٣، ونهاية
المحتاج ٢٣٥/٨.
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٦٥، الاختيار ٧٧/٤ ، والدر
المختار ٦٧/٣، ونهاية المحتاج ٢٣٥/٨.
- ١٤٨ -

نَذْر ١٦ - ١٧
حال الحدث أو ذبح الولد ونحو ذلك .
وقد ذهب الحنفية والشافعية إلى عدم انعقاد
هذا النذر ، وأنه لا يصح . وقيد جمهور الحنفية
عدم انعقاد نذر المعصية بما كان حراماً لعينه أو
ليس فيه جهة قربة ، فإذا كان فيه جهة قربة :
کنذر صوم یوم العید فإن النذر به ینعقد ، ويجب
الوفاء بصوم يوم آخر ، ولو صامه خرج عن
العهدة .
ومن الحنفية من قال بانعقاد نذر المعصية
يميناً ، وأن الناذر يلزمه - والحال هذه - أن يكفر
عنه کاحانث . قال الطحاوي : إذا أضاف النذر
إلى المعاصي كلله عليّ أن أقتل فلاناً كان يميناً ،
ولزمه الكفارة بالحنث .
وقد ذهب المالكية والحنابلة إلى أن نذر المعصية
منعقد وصحيح ، إلا أنه لا يحل الوفاء به (١) .
واستدلوا بما ورد عن عائشة رضي الله عنها
أن رسول الله وسلم قال: « من نذر أن يطيع الله
فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه)) (٢).
(١) فتح القدير ٢٦/٤، ورد المحتار ٦٨/٣، وبدائع الصنائع
٢٨٦٤/٦، والمقدمات الممهدات ٤٠٤/١، وشرح
الزرقاني على مختصر خليل ٩٣/٣ ، وكفاية الطالب
الرباني ٣/ ٥٥، وروضة الطالبين ٣/ ٣٠٠ ، ونهاية المحتاج
٢٢٣/٨، وزاد المحتاج ٤٩٤/٤-٤٩٥، والمغني ٣/٩،
والكافي ٤١٩/٤، وكشاف القناع ٦/ ٢٧٥ .
(٢) حديث: ((من نذر أن يطيع الله ... ))
تقدم تخريجه فقرة (٥) .
وبما روي عن عائشة رضي الله عنها أن
رسول الله و لو قال: ((لا نذر في معصية الله
و کفارته کفارة یمین» ،(١) وما روی عمران بن
حصين رضي الله عنه أن رسول الله و الإ قال:
((لا وفاء لنذر في معصية))(٢) . ووجه الدلالة من
هذه الأحاديث هو أنها أفادت أنه لا ينبغي أن
يلتزم المرء بالنذر ما يعد معصية لله سبحانه ،
وهذا يقتضي فساد المنهي عنه ، کما أفادت هذه
الأحاديث أنه لا يحل الوفاء بمثل هذا النذر ، فهذا
هو ما يقتضيه النهي الوارد فيها عن الوفاء به .
وقد حكى ابن قدامة إجماع الفقهاء على
عدم حل الوفاء بنذر المعصية (٣) .
واستدلوا كذلك بالمعقول من حيث إن معصية
الله تعالى لاتحل في حال سواء كان هذا بطريق
النذر أو بغيره(٤) ، وبأن حكم النذر هو وجوب
المنذور به ، ووجوب فعل المعصية محال(٥) .
١٧ - وإذا كان الفقهاء مجمعين على عدم حل
الوفاء بنذر المعصية ، فإن الناذر إن وفی به أثم ولا
(١) حديث: ((لا نذر في معصية الله .. ))
تقدم تخريجه فقرة (١٠) .
(٢) حديث عمران بن حصين: ((لا وفاء لنذر في معصية ... ))
أخرجه مسلم (١٢٦٣/٣ ط عيسى الحلبي) .
(٣) المغني ٩/ ٣.
(٤) المصدر السابق .
(٥) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٦٤ .
- ١٤٩ -

نَذْر ١٧
كفارة عليه ، وإن لم يف به فقد أحسن ، إلا أن
الفقهاء اختلفوا في الواجب علیه حينئذ على
اتجاهين :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من نذر
معصية فلم يف بها لزمته كفارة يمين . روي هذا
عن ابن عباس وابن مسعود وجابر بن عبداله
وعمران بن حصین وسمرة بن جندب رضي الله
عنهم . وهو قول سفيان الثوري ، وإليه ذهب
الحنفية وهو قول للشافعي اختاره البيهقي وهو
مذهب الحنابلة (١)
٠
واستدلوا بما روي عن عائشة رضي الله عنها
أن رسول الله وَ إ قال: ((لا نذر في معصية الله ،
و كفارته کفارة یمین)» (٢) ویما روی عمران بن
حصین رضي الله عنه قال : «سمعت رسول الله
وَل يقول : النذر نذران فما كان من نذر فى طاعة
الله فذلك لله وفيه الوفاء ، وما كان من نذر في
معصية الله فذلك للشيطان ولا وفاء فيه ویکفره
ما يكفر اليمين)) (٣).
(١) رد المحتار ٦٨/٣، وبداية المجتهد ٤٢٣/١، وروضة
الطالبين ٣٠٠/٣، والمغني ٩/ ٣،١، والكافي
٤١٩/٤، وكشاف القناع ٢٧٦/٦
(٢) حديث: ((لا نذر في معصية الله .. ))
تقدم تخريجه فقرة (١٠) .
(٣) حديث: ((النذر نذران فما كان من نذر في طاعة الله ... )=
فقد أفاد هذان الحديثان أنه لا يحل الوفاء
بنذر في معصية الله تعالى ، وأن من لم يف به
تلزمه كفارة يمين .
وقالوا : إن من حلف على فعل معصية لزمته
الكفارة عن يمينه هذا ، فكذلك - قياساً - إذا
نذرها(١) .
وقالوا : إن النذر حكمه حكم اليمين ، فمن
لم يف بنذره إن كان معصية لزمته كفارة
يمين(٢) ، والدليل على أن النذر يمين ما ورد عن
عقبة بن عامر رضي الله عنه قال : («نذرت أختي
أن تمشي إلى بيت الله حافية ، فأمرتني أن أستفتي
لها رسول الله وسلم فاستفتيته فقال: لتمش
ولتركب)) (٣) ، وفي رواية أخرى ((إن الله تعالى
لا يصنع بشقاء أختك شيئاً ، فلتركب ولتختمر
ولتصم ثلاثة أيام)) (٤) وما ورد عن ابن
أخرجه النسائي (٢٩/٧ ط التجارية الكبرى) والبيهقي
=
في السنن الكبرى (١٠/ ٧٠ ط دائرة المعارف) وضعف
النسائي أحد رواته .
(١) المغني ٩/ ٥، والكافي ٤١٩/٤ .
(٢) المغني ٩/ ٤- ٥، وكشاف القناع ٢٧٦/٦.
(٣) حديث عقبة بن عامر: ((نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٧٩/٤ ط السلفية)،
ومسلم (١٢٦٤/٣ ط عيسى الحلبي) واللفظ لمسلم .
(٤) حديث : ((إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً ... ))
أخرجه الترمذي (١١٦/٤ ط الحلبي) وقال : هذا
حديث حسن .
- ١٥٠ -

نَذْر ١٧
عباس رضي الله عنهما ((أن رجلاً جاء إلى
النبي ﴾ فقال: يا رسول الله إن أختي نذرت
أن تحج ماشية فقال النبي ◌ُّ: إن الله لا يصنع
بشقاء أختك شيئاً ، فلتحج راکبة ولتكفر عن
يمينها))(١).
الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن من نذر
معصية فلم یف بها فلا كفارة عليه ، وقد روي
هذا عن مسروق والشعبي ، وإليه ذهب
المالكية ، وهو ما عليه مذهب الشافعية وقطع به
جمهورهم ، وهو رواية عن أحمد (٢) .
واستدل هؤلاء بأحادیث منها ما ورد عن ابن
عباس رضي الله عنهما أنه قال: ((بينا النبي وَالـ
یخطب إذا هو برجل قائم ، فسأل عنه ، فقالوا :
أبو إسرائيل نذر أن يقوم ولا يقعد ، ولا يستظل ،
ولا يتكلم ، ويصوم. فقال النبي وَلقر : مره
فليتكلم وليستظل وليقعد ، وليتم صومه))(٣)
(١) حديث: ((إن الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً ... ))
أخرجه أبو داود (٥٩٧/٣-٥٩٨ ط حمص) والحاكم
في المستدرك (٣٠٢/٤ ط دائرة المعارف) وقال: صحيح
على شرط مسلم .
(٢) كفاية الطالب الرباني ٣/ ٥٥، وبداية المجتهد ٤٢٣/١،
وروضة الطالبين ٣٠٠/٣ ، وزاد المحتاج ٤/ ٤٩٥ ،
والمغني ٩/ ٤ .
(٣) حديث ابن عباس: ((بينا النبي ◌َ * يخطب ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١١/ ٥٨٦ ط السلفية).
وبماورد عن عمران بن حصين رضي الله عنه «أن
أمرأة من الأنصار أسرت فانفلتت ذات ليلة من
الوثاق ، فرکبت العضباء ، ونذرت إن نجاها الله
عليها لتنحرنها، فذكروا ذلك لرسول الله وله
فقال : سبحان الله بئسما جزتها ، نذرت لله إن
نجاها الله عليها لتنحرنها ، لا وفاء لنذر في
معصية ، ولا فيما لا يملك العبد)» وفي رواية
أخرى ((لا نذر في معصية الله)) (١).
ووجه الدلالة أن رسول الله وَليل أمر في
حديث ابن عباس بالوفاء بالصوم الذي هو
طاعة ، ونهى عن الوفاء بما ليس طاعة ولا
معصية من الوقوف وترك الاستظلال وترك
الكلام ، ولم يأمر الناذر بكفارة . كما لم يأمر من
نذرت نحر العضباء بكفارة ، ولو كانت تجب
کفارة في عدم الوفاء بهذا النذر لأمر رسول الله
وَالر أبا إسرائيل وهذه الأنصارية بالتكفير.
واستدلوا کذلك بما روی عمرو بن العاص
رضي الله عنه أن رسول الله و لإ قال: ((لا نذر إلا
فیما ییتغی به وجه الله)) (٢) وبما روته عائشة
(١) حديث عمران بن حصين: ((أن امرأة من الأنصار
أسرت ... ))
أخرجه مسلم (١٢٦٣/٣ ط عيسى الحلبي).
(٢) حدیث : «لا نذر إلا فیما یتغی به وجه الله» .
أخرجه أبو داود (٥٨٢/٣ ط حمص) وأحمد في المسند
(١٨٥/٢ ط اليمنية).
- ١٥١ -

نَذْر ١٧-١٨
رضي الله عنها أن رسول الله ويل} قال: ((من نذر
أن يطيع الله فليطعه ، ومن نذر أن يعصيه فلا
يعصه))(١) .
فقد أفاد هذان الحديثان أنه لا ينبغي أن يكون
هناك نذر في معصية الله تعالى ، وأن من نذر
مثل ذلك فلا یحل له الوفاء به ، ولم يوجب
رسول الله وَليل على من لم يف بنذر المعصية
كفارة فدل هذا على أن من لم يف بنذر المعصية
فلا كفارة عليه .
وقالوا : إن النذر التزام طاعة ، وهذا التزام
معصية ، ولأنه نذر غير منعقد فلا يوجب شيئاً
عقلاً ، كاليمين غير المنعقدة(٢).
د - نذر المباح :
١٨ - نذر المباح: هو نذر مالم يرد فيه ترغيب
من قبل الشارع ، كالأكل والشرب وركوب
الدابة والقيام والقعود والنوم ، ونحو ذلك (٣).
وقد اختلف الفقهاء فى انعقاد هذا النذر
وصحة الالتزام بالمباحات وحکم الوفاء بالنذر
بها إن قيل بانعقاده وصحته ، وذلك على
اتجاهين :
(١) حديث: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه .. ))
تقدم تخريجه (ف ٥) .
(٢) المغني ٩/ ٤، الكافي ٤١٩/٤ .
(٣) روضة الطالبين ٣٠٣/٣ .
الاتجاه الأول : يرى أصحابه أن من نذر مباحاً
فلا ینعقد نذره به ، ولا يصح التزامه بالنذر ، ولا
يلزمه الوفاء به بالأولى ، وإلى هذا ذهب الحنفية
وبعض المالكية وهو مذهب الشافعية (١) .
واستدلوا على عدم انعقاد هذا النذر وعدم
صحته بحديث ابن عباس رضي الله عنه قال :
«بینا النبي صلى الله عليه وسلم يخطب إذ هو
برجل قائم ، فسأل عنه فقالوا : هذا أبو إسرائيل
نذر أن يقوم ولا يقعد ولا يستظل ولا يتكلم
ويصوم، فقال النبي وَّل: مره فليتكلم وليستظل
ولیقعد ولیتم صومه)) (٢) ویحديث: ((لا نذر إلا
فیما یبتغی به وجه الله»(٣) ، وبحديث أنس
رضي الله عنه قال: ((نذرت امرأة أن تمشي إلى
بيت الله، فسئل نبي الله وَلول عن ذلك فقال: إن
الله لغني عن مشيها، مروها فلتركب)» (٤).
ویحدیث أنس رضي الله عنه ((أن النبي ێ رأى
شيخاً يهادى بين ابنيه فقال: ما
(١) بدائع الصنائع ٢٨٦٤/٦، ومواهب الجليل ٣١٨/٣،
وروضة الطالبين ٣٠٣/٣، ونهاية المحتاج ٢٢٤/٨.
(٢) حديث: ((مره فليتكلم وليستظل .... ))
تقدم تخريجه (ف ١٧) .
(٣) حديث: ((لا نذر إلا فيما يبتغى به ... )
تقدم تخريجه (ف ١٧) .
(٤) حديث أنس: ((نذرت امرأة أن تمشي إلى بيت الله ... ))
أخرجه الترمذي (٤/ ١١١ ط الحلبي) وقال :
حسن صحيح .
- ١٥٢ -

نَذْر ١٨
بال هذا؟ قالوا : نذر أن يمشي . قال : إن الله عن
تعذيب هذا نفسه لغني ، وأمره أن یرکب)»(١) فقد
أفادت هذه الأحادیث أنه لا ینعقد نذر لا یبتغی به
وجه الله ، ونذر المشي أو الوقوف أو ترك
الاستظلال أو الكلام ليس نذراً في طاعة الله
تعالی ، ولا یبتغی به وجهه سبحانه ، ومثل هذا
النذر لا ينعقد ولا يصح التزام هذه الأمور
بالنذر ، ولهذا أمر من نذر القيام بالقعود ، ومن
نذر المشي بالركوب ، ومن نذر ترك الاستظلال
بأن يستظل ، ومن ترك الكلام بأن يتكلم ، وهذا
منه ® يدل على عدم انعقاد النذر بذلك .
واستدلوا بما روي عن قيس بن أبي حازم أن
أبا بكر رضي الله عنه أمر امرأة نذرت أن تحج
ساكتة بأن تتكلم ، وقالوا : إن المباح لا يوصف
بأنه قربة لاستواء فعله وتركه ، وما كان كذلك
فلا يصح التزامه بالنذر (٢) .
الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن من نذر
مباحاً فنذره منعقد وصحیح ، إلا أنه لا يلزمه
الوفاء به ، بل يخير فيه بين الفعل والترك ، وإليه
(١) حديث: ((أن النبي وَ ل﴿ رأى شيخاً يهادى بين ابنيه .... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ /٧٨ ط السلفية)،
ومسلم (١٢٦٤/٣ ط عيسى الحلبي).
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٦٤ .
ذهب بعض المالكية وهو مذهب الحنابلة (١) .
واستدل هؤلاء على ذلك بأحاديث منها ما
ورد عن بريدة بن الحصيب قال : ((خرج رسول
الله ◌َ لل في بعض مغازيه، فلما انصرف منها
جاءت جارية سوداء . فقالت : يا رسول الله إني
كنت نذرت إن ردك الله صالحاً أن أضرب بین
يديك بالدف وأتغنى. فقال لها رسول الله وعليه :
إن كنت نذرت فاضربي وإلا فلا ، فجعلت
تضرب)) (٢).
ووجه الدلالة أن هذه الجارية قد التزمت
بمقتضى هذا النذر أن تضرب بالدف ، وأن تغني
بين يدي النبي ێ﴿ إِن رده الله سالماً من الغزو ،
والضرب بالدف والغناء عند قدوم الغائب أباحه
الفقهاء (٣)، ولم ينكر عليها رسول الله (أَلّ ما
التزمته بالنذر ، فدل هذا على أن نذر المباح منعقد
وصحيح ، وأن للناذر أن يفي به إن شاء .
(١) المقدمات الممهدات ٤٠٤/١، ومواهب الجليل
٣١٨/٣، والمغني ٩/ ٥، والكافي ٤١٨/٤ ، وكشاف
القناع ٦/ ٢٧٥ .
(٢) حديث : ((إن كنت نذرت فاضربي ... ))
أخرجه الترمذي (٦٢٠/٥ -٦٢١ ط الحلبي) وقال :
حسن صحيح غريب .
(٣) البحر الرائق ٢١٥/٨، والفواكه الدواني ٤٠٩/٢ ،
وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢/ ٣٣٩ ، ومغني
المحتاج ٤/ ٤٢٩، والمغني ١٢/ ٤٠، ونيل المآرب
٢/ ٢١١، وإحياء علوم الدين ٦/ ١٥١، ١٥٤.
- ١٥٣ -

نَذْر ١٨ - ١٩
وقالوا : إن من المعقول أن المرء لو حلف على
فعل مباح بر بفعله ، فكذلك إذا نذره ، لأن النذر
كاليمين (١) .
ما يوجبه عدم الوفاء بنذر المباح :
١٩- اختلف الفقهاء فيما يلزم الناذر للمباح إن
لم يف به ، وفيما إذا كانت تلزمه كفارة أم لا على
اتجاهين :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من نذر مباحاً
فلم يف به فلا تلزمه كفارة ، وقد ذهب إليه
الحنفية والمالكية وهو الأصح والمذهب عند
الشافعية وهو وجه مخرج في مذهب الحنابلة (٢) .
واستدلوا على عدم وجوب الكفارة على من
لم يف بنذر المباح بالأحاديث التي استدلوا بها
على عدم الوفاء بهذا النذر .
وقالوا : إن نذر المباح نذر غير منعقد ، فلم
يوجب شيئاً كاليمين غير المنعقدة (٣) . وكذلك
فإن نذر المباح لا يوجب على الناذر فعل ما نذره
فلا يوجب عليه كفارة ، كنذر المستحيل (٤).
وأضافوا : إن نذر المباح نذر في غير طاعة الله
(١) المغني ٩/ ٥ .
(٢) الدر المختار ورد المحتار ٦٧/٣، وكفاية الطالب الرباني
٥٩/٣، وروضة الطالبين ٣٠٣/٣، ونهاية المحتاج
٢٢٤/٨، والمغني ٩/ ٥ والكافي ٤ /٤١٨ .
(٣) المغني ٩/ ٤ .
(٤) المصدر السابق ٩/ ٥-٦.
تعالى ، فلا يلزم في ترك الوفاء به كفارة (١) .
الاتجاه الثاني : یری من ذهب إليه أن من نذر
مباحاً فلم يف به فلتزمه كفارة يمين . وهذا وجه
مرجح في مذهب الشافعية . وهو الذي قطع به
بعض أصحاب الشافعي وهو المذهب عند
الحنابلة (٢).
واستدلوا على ذلك بما روى عقبة بن عامر
رضي الله عنه قال: ((نذرت أختي أن تمشي إلى
بيت الله حافية ، فأمرتني أن أستفتي لها رسول
الله { ل* فاستفتيته فقال: لتمش وتركب)) وفي
رواية أخرى: «إن الله لا يصنع بشقاء أختك
شيئاً ، فلتركب ولتختمر ولتصم ثلاثة أيام)) (٣)،
ويحديث ابن عباس رضي الله عنهما قال :
(جاء رجل إلى النبي {آ﴾ فقال : يا رسول الله إن
أختي نذرت أن تحج ماشية. فقال النبي ◌َّ: إن
الله لا يصنع بشقاء أختك شيئاً ، فلتحج راكبة
ولتكفر عن يمينها)) (٤) . ووجه الدلالة أن
(١) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٢٢٤/٨.
(٢) روضة الطالبين ٣٠٣/٣، ونهاية المحتاج ٢٢٤/٨، وزاد
المحتاج ٤٩٦/٤، والمغني ٩/ ٥ والكافي ٤ /٤١٨ ،
والإنصاف ١١/ ١٢١ .
(٣) حديث عقبة بن عامر: ((نذرت أختي أن تمشي إلى بيت
الله حافية ... ))
تقدم تخريجه (ف ١٧) .
(٤) حديث ابن عباس: ((جاء رجل إلى النبي ◌َّار .... ))
تقدم تخريجه (ف ١٧) .
- ١٥٤ -

نَذْر ١٩ -٢١
الناذرتين في هذين الحدیثین قد التزمتا بمباح ،
وهو المشي إلى بيت الله تعالى. وقد أمرهما
رسول الله ◌َ ﴿ بترك الوفاء بهذا النذر على أن
تکفرا کفارة یمین ، کما صرح به في الحدیث
الثاني . وذكر إحدی خصال هذه الكفارة- وهو
صيام ثلاثة أيام - في الحديث الأول .
واستدلوا بالقیاس فقالوا : إن النذریمین ، من
حلف على فعل مباح أو تركه وحنث لزمته
کفارة ، فكذلك من نذر مباحاً فإن لم یف به
تلزمه كفارة(١) .
وقالوا إن الكفارة تجب على من لم يف بنذر
المعصية ، فقد روي عن عائشة رضي الله عنها
أن رسول الله وَ ل﴾ قال: «لا نذر في معصية،
وكفارته كفارة يمين))(٢) وإذا وجبت الكفارة في
نذر المعصية ، ففي نذر المباح أولى بالوجوب (٣).
هـ ـ نذر الواجب :
٢٠ - الواجب هو ما يمدح فاعله ویذم تاركه ،
وهو ینقسم إلى أقسام باعتبارات عدة ، فهو
ينقسم بحسب أفراده إلى واجب معین وواجب
(١) المغني ٩/ ٤-٥ .
(٢) حديث: ((لا نذر في معصية، وكفارته .... ).
تقدم تخريجه(ف ١٠) .
(٣) الكافي ٤ /٤١٨ .
مخیر ، وبحسب الوقت الذي یؤدی فیه إلى
واجب موسع في وقته وواجب مضيق في وقته ،
وبحسب من يجب عليهم إلى واجب على
الأعيان وواجب على الكفاية .
والواجب يرادفه الفرض عند الجمهور ، وأما
عند الحنفية فالفرض ما كان دليله قطعياً
والواجب هو ما كان دليله ظنياً (١).
وفيما يلي حكم نذر الواجب : ما كان واجباً
على الأعيان ، أو كان واجباً على الكفاية .
أولاً : نذر الواجب العيني :
٢١ - نذر الواجب العيني هو نذر ما أوجب
الشارع على المكلفين فعله أو تركه عيناً بالنص :
كصوم رمضان وأداء الصلوات الخمس ، وعدم
شرب الخمر وعدم الزنا ونحو ذلك ، وهذه
الواجبات وما شابهها لاينعقد النذر بها ولا يصح
التزامها بالنذر عند جمهور الفقهاء الحنفية
والمالكية والشافعية وأكثر الحنابلة . سواء علق
ذلك على حصول نعمة أو دفع نقمة ، أو التزمه
الناذر ابتداء من غير شرط يعلق علیه النذر ،
ومثل هذه الواجبات التزام الواجب المخير بالنذر ،
كأحد خصال الكفارة (٢).
(١) إرشاد الفحول للشوكاني ص ٦ .
(٢) رد المحتار ٦٨/٣، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٨٨٢،=
- ١٥٥ -

نَذْر ٢١-٢٢
وقد استدل لعدم انعقاد هذا النذر وعدم
صحة الالتزام بالواجب العيني بالمعقول .
ووجهه : أن المنذور واجب بإيجاب الشرع فلا
معنى لالتزامه بالنذر ، لأن إيجاب الواجب لا
يتصور(١) ، وقالوا: إن الطاعة الواجبة لا تأثير
للنذر فيها ، وكذلك ترك المعصية المحرمة لا تأثير
للنذر فيها لوجوب ترك ذلك على الناذر بالشرع
دون النذر(٢). وأضافوا: إن النذر التزام والمنذور
لزم الناذر عيناً بالتزام الشرع قبل النذر ولايصح
التزام ما هو لازم كنذر المحال (٣).
ثانياً : نذر الواجب على الكفاية :
٢٢ - الواجب على الكفاية هو ما أوجبه الشارع
على المكلفين ، بحيث إذا فعله من فيهم كفاية
منهم سقط الإثم عن باقيهم ، وإذا تركوا القيام به
أثموا جميعاً بالترك ، وذلك مثل تجهيز الموتى
وغسلهم ورد السلام والجهاد في بعض أحواله
التي لا يتعين فيها على المسلمين الخروج إليه ،
= والفواكه الدواني ١/ ٤٦٣، وشرح الزرقاني ٩٣/٣،
وروضة الطالبين ٣٠٠/٣ ، ونهاية المحتاج ٢٢٣/٨-٢٢٤
والمغني ٩/ ٦، وكشاف القناع ٢٧٤/٦ .
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٢٨٨٢، ومغني المحتاج ٣٥٧/٦٤.
(٢) المقدمات الممهدات ١/ ٤٠٤ .
(٣) نهاية المحتاج ٢٢٣/٨-٢٢٤، وزاد المحتاج ٤/ ٤٩٥،
والمغني ٦/٩، والكافي ٤/ ٤٢١، وكشاف
القناع ٦/ ٢٧٤ .
وصلاة الجنازة ونحو ذلك (١) .
وقد ذهب جمهور الفقهاء : الحنفية والمالكية
والشافعية إلى عدم صحة التزام الواجب على
الكفاية بالنذر إن تعين على الناذر أداؤه قبل
النذر ، وإنما الخلاف بينهم في حكم التزام الناذر
له بالنذر إن لم یتعین علیه أداؤه قبل ذلك علی
اتجاهين :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أنه لا يصح التزام
الواجب على الكفاية بالنذر ، وإلى هذا ذهب
الحنفية وهو وجه في مذهب الشافعية(٢) .
واستدل هؤلاء بالمعقول ووجهه : أن
الواجب على الكفاية وجب على المكلف
بإیجاب الشرع ابتداء ، فلا يصح التزامه بالنذر ،
لأن إيجاب الواجب لا يتصور(٣) .
وقالوا : إن النذر التزام والطاعة الواجبة
لا تأثير للنذور فيها لوجوب فعلها بالشرع
بدون نذر ، ولا يصح التزام ما هو لازم ،
لعدم تصور انعقاده أو الوفاء به ، فأشبه الیمین
(١) الإحكام في أصول الأحكام للآمدي
١/ ١٤١- ١٤٢، ١٤٧.
(٢) الدر المختار ورد المحتار ٦٨/٣، وبدائع الصنائع
٦/ ٢٨٨٢، والفواكه الدواني ٤٦٣/٣، وروضة
الطالبين ٣/ ٣٠١ .
(٣) بدائع الصنائع ٢٨٨٢/٦.
- ١٥٦ -

نَذْر ٢٢-٢٣
على المستحيل (١) .
الاتجاه الثاني : يرى من ذهب إليه أنه يصح
التزام الواجب على الكفاية بالنذر ويجب الوفاء
به ، وإلى هذا ذهب المالكية وهو الأصح من
مذهب الشافعية وعلیه جمهورهم (٢) .
واستدل هؤلاء بالسنة والمعقول فمن السنة
حديث عائشة رضي الله عنها أن رسول الله والختم
قال : «من نذر أن یطیع الله فلیطعه ، ومن نذر أن
يعصيه فلا يعصه)) (٣) . ووجه الدلالة فيه أن
الواجب على الكفاية فيه طاعة الله تعالى ،
والتزامه بالنذر التزام بما فيه طاعة له سبحانه ،
وقد أفاد هذا الحديث صحة هذا النذر ،
ووجوب الوفاء به .
وأما المعقول فوجهه أن ما وجب بالشرع إذا
نذر العبد أو عاهد الله علیه أو بايع عليه رسول
الله وَله أو الإمام أو تحالف عليه جماعة فإن هذه
العقود والمواثيق تقتضي له وجوباً ثانياً غير
الوجوب الثابت بمجرد الأمر الأول ، فيكون
واجباً من وجهين ، ويكون تركه موجباً لترك
(١) المقدمات الممهدات ٤٠٤/١ .
(٢) المقدمات الممهدات ٤٠٤/١، والفواكه الدواني
٤٦٣/١، وروضة الطالبين ٣/ ٣٠١، ونهاية المحتاج
٢٢٤/٨، وزاد المحتاج ٤ / ٤٩٥.
(٣) الحديث تقدم تخريجه فقرة (٥) .
الواجب بالشرع والواجب بالنذر (١) .
هذا ، ولم يفرق الحنابلة في النذر بين
الواجب العيني والكفائي ، بل بینوا حکم نذر
الواجب ، واختلفوا في الترجيح والتصحيح .
فقال المرداوي : إنه لا يصح النذر في واجب
على الصحيح من المذهب وعليه الأصحاب ،
لكنه نقل عن المغني احتمالاً ونقل عن الكافي أن
قياس المذهب أن النذر ینعقد في الواجب وتجب
الكفارة إن لم يفعله .
وقال البهوتي : ينعقد النذر في واجب ،
فيكفّر إن لم يفعل ، وعند الأكثر : لا ينعقد النذر
في واجب . لأن النذر التزام ولا يصح التزام ما
هو لازم ، ثم نقل عن الموفق أن الصحيح من
المذهب أن النذر کالیمین وموجبه موجبها إلا في
لزوم الوفاء به إذا كان قربة وأمكنه فعله (٢) .
و - نذر المستحيل :
٢٣ - نذر المستحيل : نذر ما يحيل العقل أو
الشرع تحققه ، ومثال الأول : نذر صیام أمس ،
ومثال الثاني : نذر صيام أيام الحيض ، أو صيام
الليل .
ومذهب جمهور الفقهاء أنه لا ینعقد مثل هذا
(١) كشاف القناع ٢٧٤/٦.
(٢) الإنصاف ١١٨/١١-١١٩، وكشاف القناع ٢٧٤/٦.
- ١٥٧ -

نَذْر ٢٣ -٢٤
النذر ، ولا يوجب عدم الوفاء به كفارة ، وذلك
لأنه لا يتصور انعقاده أو الوفاء به ، ولا يصح
النذر بما لا يتصور وجوده شرعاً ، فأشبه اليمين
على فعل أمر مستحيل ، وإذا كان لايلزم في
الحنث في هذا اليمين كفارة فبالأولى لا يلزم في
عدم الوفاء بنذر المستحيل كفارة .
وفي رأي عند الحنابلة حكاه صاحب الكافي
قائلاً : ويحتمل أن يوجب الكفارة كيمين
الغموس (١) .
ز - النذر المبهم :
٢٤ - النذر المبهم هو النذر الذي لم يسم مخرجه
من الأعمال ، وذلك كقول الناذر : لله علي
نذر ، دون أن يبين الأعمال التي التزمها بهذا
النذر ، أصَوْمٌ هي أم صلاة أم حج أم غيرها(٢) .
وقد اختلف الفقهاء في حکم هذا النذر ،
أمنعقد هو أم غیر منعقد ، وفيما إذا كان يلزم
الوفاء به أو لا يلزم ، وما يجب إن قيل بانعقاده
وصحته ولزوم الوفاء به .
فقال الجمهور : إن النذر المبهم منعقد
(١) الدر المختار ورد المحتار ٦٨/٣، وبدائع
الصنائع ٢٨٦٣/٦، والمغني ٩/ ٦، والكافي ٤ / ٤٢١ ،
وكشاف القناع ٦/ ٢٧٤ .
(٢) كفاية الطالب الرباني وحاشية العدوي عليه ٣/ ٥٩ .
وصحيح ، وهو كالحلف بالله ولا كراهية فيه ،
إلا أنهم اختلفوا فیما یجب به على رأیین :
الرأي الأول : أنه تجب بالنذر المبهم كفارة
يمين ، روي هذا عن ابن عباس وابن مسعود
وجابر بن عبدالله وعائشة رضي الله عنهم وهو
قول الحسن البصري وعطاء وطاووس والقاسم
ابن محمد وسالم والشعبي والنخعي وعكرمة
وسعيد بن جبير والثوري ، وهو ما علیه مذهب
المالكية وهو الذي نص عليه الشافعي وقال به
جمهور أصحابه .
وقال القاضي حسين من الشافعية : إن أوجبنا
على الناذر الوفاء بهذا النذر لزمه قربة من القرب
مما يجوز التزامها بالنذر ويترك تعيينها إليه .
وثمة قول آخر في المذهب وهو : أن
الناذر يتخير بين ذلك وبين الكفارة ، وممن
رأى وجوب كفارة اليمين على من نذر نذراً
مبهماً الحنابلة (١) .
الرأي الثاني : قال به الحنفية . ولهم تفصيل
فيما يجب بهذا النذر . إذ يرون أن من نذر نذراً
(١) الدر المختار ورد المحتار ٣/ ٧١، وبدائع الصنائع
٢٨٨٧/٦، ٢٨٨٨، والتاج والإكليل ٣١٩/٣ ، وكفاية
الطالب الرباني وحاشية العدوي ٣/ ٥٩ ، وشرح الزرقاني
٩٢/٣، والمقدمات الممهدات ١/ ٤٠٦، وروضة
الطالبين ٢٩٦/٣، وتحفة المحتاج ٧٠/١٠، والمغني
٣/٩، والكافي ٤١٨/٤.
- ١٥٨ -

نَذْرِ ٢٤
مبهماً ، ولم تكن له نية ، فعليه كفارة يمين ، فإن
کانت له نیة فیه فحکمه هو وجوب ما نواه ،
سواء كان النذر مطلقاً أو معلقاً على شرط ، فإن
نوى صوماً أو صلاة أو حجاً أو عمرة لزمه الوفاء
به في المطلق للحال ، وفي المعلق بالشرط عند
وجود الشرط ، ولاتجزئ الناذر كفارة فى ذلك ،
فإن نوى فيه صياماً ولم ينو عدداً فعليه صيام
ثلاثة أيام ، وإن نوى إطعاماً ولم ينو عدد ما
يطعمه فعليه إطعام عشرة مساكين لكل مسكين
نصف صاع من حنطة ، لأنه لو لم يكن له نية
لکان علیه کفارة الیمین ، لأن النذر المبهم يمين ،
وكفارته كفارة يمين ، فما نواه ينصرف إلى
خصال الكفارة ، ولو قال : عليّ صدقة فعليه
نصف صاع ، ولو قال : علي صوم لزمه صوم
يوم ، ولو قال : علي صلاة لزمه ركعتان ، لأن
ذلك أدنى ما ورد به الأمر، والنذر معتبر به (١) .
واستدل الحنفية لذلك بالسنة المطهرة وإجماع
الصحابة رضوان الله عليهم .
أما السنة المطهرة فيما روى عقبة بن عامر
رضي الله عنه قال: قال رسول الله وص له: ((كفارة
النذر كفارة اليمين)» (٢) وفي رواية أخرى عنه أن
(١) الدر المختار ورد المحتار ٣/ ٧١، وبدائع الصنائع
٢٨٨٧/٦-٢٨٨٨ .
(٢) حديث: ((كفارة النذر كفارة اليمين)).
تقدم تخريجه (ف١٢) .
رسول الله و الله قال: «كفارة النذر إذا لم يسم
کفارة یمین»(١) و کذلك بما روی ابن عباس رضي
الله عنهما أن النبي وَ لي قال: ((من نذر نذراً لم
یسمه فكفارته کفارة یمین ، ومن نذر نذراً لا
يطيقه فكفارته كفارة يمين ، ومن نذر نذراً أطاقه
فليف به)) (٢).
ووجه الدلالة من هذين الحديثين أن الرواية
الثانية من حديث عقبة بن عامر وحديث ابن
عباس أفادتا أن النذر المبهم - وهو الذي لم يسم
مخرجه من الأعمال - نذر منعقد صحيح وأن
كفارته كفارة يمين ، وأفادت الرواية الأولى من
حدیث عقبة أن النذر كاليمين وموجبه هو
موجب اليمين ، فإن صح النذر وأمكن الوفاء
به ، وإلا وجب فیہ کفارة یمین ، والنذر المبھم لم
يعين فيه ما يوفي به فتجب فيه كفارة يمين .
وأما إجماع الصحابة رضوان الله عليهم ،
فقد روي عن ابن عباس وابن مسعود وجابر
وعائشة أنهم قالوا : تجب في النذر المبهم كفارة ،
وقال ابن قدامة بعد أن ذكر هؤلاء الصحابة :
(١) حديث: ((كفارة النذر إذا لم يسم كفارة يمين))
أخرجه الترمذي (٤ /١٠٦ ط الحلبي) وقال : حسن
صحیح غريب .
(٢) حديث: ((من نذر نذراً لم يسمه فكفارته كفارة يمين ... ))
أخرجه أبو داود (٦١٤/٣ ط حمص) وأشار ابن حجر في
الفتح (٥٨٧/١١) إلى ترجيح وقفه على ابن عباس .
- ١٥٩ -

نَذْر ٢٤ _٢٥
لا نعرف لهم في عصرهم مخالفاً فیکون
إجماعاً (١).
والاتجاه الآخر في النذر المبهم أنه لا ينعقد
وهو نذر باطل ، وإليه ذهب بعض الشافعية (٢) .
نذر التصدق بكل ما يملك :
٢٥ - اختلف الفقهاء في حكم من نذر أن
يتصدق بكل ما يملك من مال على ستة
اتجاهات :
الاتجاه الأول : یری أصحابه أن من نذر
التصدق بکل ما يملك لا يلزمه شيء بهذا النذر
ولا کفارة علیه ، روي هذا عن عائشة وحفصة
وزينب بنت أم سلمة رضي الله عنهن ، وهو قول
الحكم بن عتيبة والشعبي والحارث العكلي
وسعيد بن المسيب والقاسم بن محمد ، وثمة
وجه في مذهب الشافعي صححه الغزالي وقطع
به بعض الشافعية أن هذا النذر لغو ، لأنه لو
قال : مالي صدقة ، أو مالي في سبيل الله ، فإنه
لا یکون آتیاً بصيغة التزام فلا يلزمه به شيء (٣) .
واستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿وَءَاتٍ ذَا الْقُرْبَى
حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَأَبْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا﴾(٤)
(١) المغني ٩/ ٣ .
(٢) نهاية المحتاج وحاشية الشبراملسي والرشيدي عليه ٨/ ٢٢١.
(٣) روضة الطالبين ٢٩٧/٣.
(٤) سورة الإسراء / ٢٦ .
وقوله تعالى: ﴿وَءَاتُواْ حَقَّهُ: يَوْمَ حَصَادِهِ، وَلَا
تُسْرِقُواْ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾(١) ووجه
الدلالة أمر الحق سبحانه بالصدقة والإنفاق في سبيله ،
إلا أنه نهى عن الإسراف والتبذير فيما يتصدق به
المرء ، فهذا يدل على أن التصدق بكل ما يملكه
المرء من مال غير مطلوب للشارع والتزامه بالنذر لا
یجوز ،لأنه ليس نذراً في طاعة الله سبحانه .
كما استدلوا بأحاديث من السنة المطهرة منها
ما رواه کعب بن مالك - في حدیث تخلفه عن
غزوة تبوك - وأنه قال لرسول الله وَل ـ: ((إن من
توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى
رسوله وَله، فقال رسول الله و الله : أمسك
عليك بعض مالك فهو خير لك ، قلت : أمسك
سهمي الذي بخيبر)) (٢).
ومنها حديث جابر بن عبدالله رضى الله
عنهما قال : ((کنا عند رسول الله ﴾ ﴾ إذ جاءه
رجل بمثل بيضة من ذهب فقال : يا رسول
الله : أصبت هذه من معدن فخذها فهي
صدقة ، ما أملك غيرها، فأعرض
(١) سورة الأنعام / ١٤١ .
(٢) حديث: ((أمسك عليك بعض مالك فهو خير لك ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٨٦/٥ ط السلفية)
ومسلم (٤ / ٢١٢٧ ط عيسى الحلبي) .
- ١٦٠ -