Indexed OCR Text

Pages 241-260

مُوالاة ٦
واختلفوا في الفصل الذي يقطع الموالاة.
فيرى جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية
والشافعية) أنه يكره الفصل بين ألفاظ الأذان
والإِقامة ولو برد سلام أو تشميت عاطس
أو نحوهما؛ لما فيه من ترك سنّة الموالاة،
ولأنه ذكر معظم كالخطبة، فلا يسع ترك
حرمته، فإن تكلم استأنفه، إلاّ إذا كان الكلام
يسيراً، فإنه لا يستأنف عند الحنفية والمالكية
والشافعية والحنابلة.
وزاد المالكية والشافعية أنه إذا اضطر
المؤذن للكلام، مثل أن يخاف على صبي
أو دابة أو أعمى أن يقع في بئر، فإنه يتكلم
ويبني .
وفي قول عند الشافعية: أنه لا يضر كلام
وسكوت طويلان بين كلمات الأذان والإِقامة
كغيرهما من الأذكار، وهذا إذا لم يفحش
الطول، فإن فحش بحيث لا يسمى مع الأول
أذاناً في الأذان ولا إقامة في الإِقامة استأنف
جزماً .
وقيل: يضر كثير الكلام دون كثير
السكوت (١)
(١) حاشية ابن عابدين ٢٦٠/١، وبدائع الصنائع ١٤٩/١،
والعناية ١/ ١٧٠، وتبيين الحقائق ٩١/١، والفتاوى
الهندية ٥٦/١، والخطاب ٤٢٣٧/١، ومغني المحتاج=
وللحنابلة تفصيل فقالوا: ولا يصح
الأذان، وكذا الإقامة، إلاَّ متوالياً عرفاً؛ لأنه
لا يحصل المقصود منه، وهو الإِعلام بدخول
الوقت بغير موالاة، وشرع في الأصل كذلك،
بدليل ((أنه وَّ علَّمَ أبا محذورة الأذان مرتباً
متوالیا))(١) . فلو فرق بينه بسكوت طويل، ولو
بسبب نوم أو إغماء أو جنون، أو فرق بينه
بكلام كثير لم يعتد به لفوات الموالاة، ولو
فرق بينه بكلام محرم، کسب وقذف ونحوهما
وإن کان یسیراً لم يعتد به، لأنه قد یظنه سامعه
متلاعباً أشبه المستهزىء، ولو ارتد في أثنائه
لم يعتد به لخروجه عن أهلية الأذان .
ويكره في الأذان سكوت يسير بلا حاجة
و کره فیه کلام مباح یسیر بلا حاجة فإن كان لها
لم يكره؛ لأنَّ سليمان بن صرد رضي الله عنه
- وله صحبة - كان يأمر غلامه بالحاجة في
أذانه .
وله رد سلام في الأذان والإقامة ولا يبطلان
به، ولا يجب الرد؛ لأنَّ ابتداء السلام إذن غیر
مسنون (٢)
١٣٧/١، والأشباه للسيوطي ١/ ٤٠٧، وتحفة المحتاج
=
٤٧٠/١، والمجموع ١١٤/٣، وكشاف القناع
٢٤٠/١ _٢٤١.
(١) حديث: ((أنه وَّرَ علَّمَ أبا محذورة ... )).
أخرجه مسلم (٢٨٧/١ - ط عيسى الحلبي).
(٢) كشاف القناع ٢٤٠/١ -٢٤١.
- ٢٤١ -

مُوالاة ٧
هــ الموالاة بين كلمات الفاتحة:
٧ - قال المالكية: يكره الدعاء في الصلاة
المفروضة قبل قراءة الفاتحة وبعدها وأثنائها
بأن يخللها به؛ لاشتماله على الدعاء، ولا
يكره في النفل(١) .
وقال الشافعية: تجب الموالاة بين كلمات
الفاتحة بأن يصل الكلمات بعضها ببعض ولا
يفصل إلاَّ بقدر التنفس للاتباع مع خبر:
((صلوا كما رأيتموني أصلِّي))(٢)، فلو أخلَّ بها
سهواً لم يضر كترك الموالاة في الصلاة بأن
طول ركناً قصيراً ناسياً، بخلاف ما لو ترك
الفاتحة سهواً فإنه يضر؛ لأنَّ الموالاة صفة
والقراءة أصل، فإن تخلل ذكر أجنبي
لا يتعلق بالصلاة قطع الموالاة وإن قل
كالتحميد عند العطاس وإجابة المؤذن
والتسبيح للداخل؛ لأنَّ الاشتغال به يوهم
الإِعراض عن القراءة فليستأنفها، هذا إن
تعمّد، فإن كان سهواً فالصحيح المنصوص
أنه لا یقطع بل یبني.
وقيل: إن طال الذكر قطع الموالاة وإلاّ
فلا .
(١) جواهر الإكليل ١/ ٥٣.
(٢) حديث: ((صلُّوا كما رأيتموني أصلِّي)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢/ ١١١ - ط السلفية) من
حديث مالك بن الحويرث.
فإن تعلق بالصلاة كتأمينه لقراءة إمامه
وفتحه عليه إذا توقف فيها فلا يقطع الموالاة
في الأصح لندب ذلك للمأموم في الأصح،
والثاني يقطعها لأنه ليس مندوباً كالحمد عند
العطاس وغيره، ومحل الخلاف في العامد،
فإن كان ساهياً لم يقطع ما ذكر جزماً.
ويقطع الموالاة السكوت العمد الطويل
لإِشعاره بالإِعراض مختاراً كان أو لعائق
الإِخلاله بالموالاة المعتبرة، أما الناسي فلا
يقطع على الصحيح، وكذا يقطع يسير قصد به
قطع القراءة في الأصح لتأثير الفعل مع النية
كنقل الوديعة بنية الخيانة، فإنه يضمن، وإن
لم يضمن بأحدهما منفرداً، والثاني لا يقطع؛
لأن قصد القطع وحده لا يؤثر، والسكوت
اليسير وحده لا يؤثر أيضاً، فكذا إذا اجتمعا،
فإن لم يقصد القطع ولم يطل السكوت لم يضر
كنقل الوديعة بلا نية تعد، وكذا إن نوى قطع
القراءة ولم يسكت(١).
وقال الحنابلة: إن قطع قراءة الفاتحة بذكر
من دعاء أو قراءة أو سكوت يسير أو فرغ الإِمام
من الفاتحة في أثناء قراءة المأموم قال ((آمين))
ولا تنقطع قراءته؛ لقول أحمد: إذا مرت به آية
رحمة سأل، وإذا مرت به آية عذاب استعاذ،
(١) مغني المحتاج ١٥٨/١ -١٥٩.
- ٢٤٢ -

مُوالاة ٧ __ ٩
وإن كثر ذلك استأنف قراءتها، إلاَّ أن يكون
السكوت مأموراً به كالمأموم يشرع في قراءة
الفاتحة ثم يسمع قراءة الإِمام فينصت له، فإذا
سكت الإِمام أتم قراءتها وأجزأه، أومأ إليه
أحمد، وكذلك إن كان السكوت نسياناً أو نوماً
أو لانتقاله إلى غيرها غلطاً لم يبطل، فمتى ذكر
أتى بما بقي منها، فإن تمادى فيما هو فيه بعد
ذكره أبطلها، ولزمه استئنافها كما لو ابتدأ
بذلك، فإن نوى قطع قراءتها من غير أن يقطعها
لم تنقطع؛ لأنَّ فعله مخالف لنيته، والاعتبار
بالفعل لا بالنية، وكذا إن سكت مع النية سكوتاً
يسيراً لما ذكرناه من أنه لا عبرة بالنية فوجودها
كعدمها، وذكر القاضي في الجامع أنه متى
سكت مع النية أبطلها، ومتى عدل إلى قراءة غير
الفاتحة عمداً أو دعاء غير مأمور به بطلت
قراءته، ولم يفرق بين قليل أو كثير، وإن قدم
آية منها في غير موضعها عمداً أبطلها، وإن كان
غلطاً رجع إلى موضع الغلط فأتمها (١).
و - الموالاة بین کلمات التشهد :
٨ - قال الشافعية: تجب الموالاة بين كلمات
التشهد، صرح بذلك المتولي. قال ابن
الرفعة: وهو قياس الفاتحة(٢).
(١) المغني ١/ ٤٨٤ .
(٢) المنثور في القواعد ٢٤٢/٣، وروض الطالب ١/ ١٥١.
ز - الموالاة في تكبيرات صلاة العيد :
٩ - اختلف الفقهاء في الموالاة في تكبيرات
صلاة العيد أو الفصل بينها بشيء من التحميد
والتسبيح ونحو ذلك .
فذهب الحنفية والمالكية إلى أنه يوالي
بينها كالتسبيح في الركوع والسجود، قالوا:
لأنه لو كان بينها ذكر مشروع لنقل كما نقل
التكبير، وبه قال ابن مسعود وحذيفة
وأبو موسى وأبو مسعود البدري رضي الله
عنهم وابن سيرين والثوري والأوزاعي
والحسن(١).
قال السرخسي: وإنما قلنا بالموالاة بين
القراءتين، لأن التكبيرات يؤتى بها عقب ذكر
هو فرض، ففي الركعة الأولى يؤتى بها عقب
تكبيرة الافتتاح، وفي الثانية عقب القراءة،
ولأنه يجمع بين التكبيرات ما أمكن، ففي
الركعة الأولى يجمع بينها وبين تكبيرة
الافتتاح، وفي الثانية يجمع بينها وبين تكبيرة
الركوع، ولم يبين مقدار الفصل بين التكبيرات
في الكتاب .
وروي عن أبي حنيفة في مقدار الفصل
(١) فتح القدير ٤٢٦/١ ط بولاق، والشرقاوي ٢٨٤/١،
والمجموع ١٧/٥ نشر المكتبة السلفية، والمغني
٢٧٩/٢، ونيل الأوطار ٣٠٠/٣، وجواهر الإِكليل
١/ ١٠٢.
- ٢٤٣ -

مُوالاة ٩ - ١٠
بين التكبيرات أنه قال: يسكت بين كل
تکبیر تین بقدر ثلاث تسبیحات(١)
وقال الشافعية والحنابلة: يفصل بين
التكبيرات بذكر مسنون، فقال الشافعي
وأصحابه: يستحب أن يقف بين كل تكبيرتين
من الزوائد قدر قراءة آية لا طويلة ولا قصيرة،
يهلل الله تعالى ويكبره ويحمده ويمجده،
واختلف أصحاب الشافعي فيما يقوله بين
التكبيرتين فقال جمهور أصحاب الشافعي:
يقول: سبحان الله والحمد لله ولا إله إلاَّ الله
والله أكبر، وقال بعضهم: يقول: لا إله
إلاّ الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد
بيده الخير وهو على كل شيء قدير .
وقال بعضهم: إنه يفصل بينها، بقول: الله
أكبر كبيرا والحمد لله كثيراً وسبحان الله بكرة
وأصيلا وصلَّى الله على محمد وآله وسلم
كثيراً.
وقال بعضهم: يقول ((سبحانك اللَّهُمَّ
وبحمدك تبارك اسمك وتعالى جدك وجل
ثناؤك ولا إله غيرك)) ولا يأتي بهذا الذكر بعد
السابعة والخامسة(٢).
وقال الحنابلة: إنه يحمد الله ويثني عليه
(١) المبسوط السرخسي ٣٨/٢ -٣٩، والاختيار ٨٦/١.
(٢) المجموع للنووي ١٧/٥ - ١٨، والشرقاوي ٢٨٤/١ -
٢٨٥.
ويصلي على النبي وَّة بين كل تكبيرتين، وإن
أحب قال: الله أكبر كبيرا والحمد لله بكرةً
وأصيلا، وصلى الله على محمد النبيّ الأمِّيّ
وعليه السلام. وإن أحب قال: سبحان الله
والحمد لله ولا إله إلاّ الله والله أكبر ، أو ما
شاء من الذكر(١).
ح- الموالاة في جمع التقديم بين
الصلاتين :
١٠ - قال جمهور الفقهاء (الحنفية في ظاهر
الرواية والمالكية والشافعية والحنابلة):
تشترط الموالاة في جمع التقديم بين
الصلاتين بأن لا يفصل بينهما فاصل طويل؛
لأنَّ الجمع يجعلهما كصلاة واحدة، فوجب
الولاء كركعات الصلاة، أي فلا يفرق بينهما
كما لا يجوز أن يفرق بين الركعات في صلاة
واحدة، فإن فصل بينهما بفصل طويل ولو
بعذر كسهو أو إغماء بطل الجمع ووجب
تأخير الصلاة الثانية إلى وقتها لفوات الجمع،
وإن فصل بينهما بفصل يسير لم يضر كالفصل
بينهما بالأذان والإقامة والطهارة(٢)؛ لما ورد
عن أسامة رضي الله عنه: ((أنَّ النبي ◌َّ جاء
(١) المغني ٢٨٣/٢ - ٢٨٤ ط مكتبة القاهرة.
(٢) حاشية ابن عابدين ١٧٣/٢، والاختيار ١٤٩/١، ١٥٠،
وجواهر الإكليل ٩١/١، والمجموع ٤٧٥/٤، ومغني
المحتاج ٢٧٣/١، والمغني ٢٧٩/٢.
- ٢٤٤ -

مُوالاة ١٠ - ١٢
المزدلفة فتوضأ فأسبغ، ثم أقيمت الصلاة
فصلَّى المغرب، ثم أناخ كل إنسان بعيره في
منزله، ثم أقيمت الصلاة فصلَّى، ولم يصل
بينهما))(١).
وذهب بعض الحنفية إلى أنه يستثنى من
الموالاة سنَّة الظهر، وذهب بعض آخر إلى
استثناء تكبيرات التشريق(٢).
وذهب بعض الشافعية إلى أنه يجوز الجمع
بين الصلاتين - جمع تقديم ــ وإن طال بينهما
الفصل مالم يخرج وقت الأولى منهما (٣) .
ط - الموالاة بين أشواط الطواف:
١١ - ذهب المالكية والحنابلة، والشافعية في
قول إلى أنَّ الموالاة بين أشواط الطواف
واجبة، فإن ترك الموالاة وطال الفصل ابتدأ
الطواف، وإن لم يطل بنى، ولا فرق بين ترك
الموالاة عمداً وسهواً، مثل من يترك شوطاً من
الطواف يحسب أنه قد أتمه؛ لأنَّ النبي ◌َّه
والى بين طوافه وقال: ((خذوا عنِّي
مناسككم))(٤)، ولأنه صلاة؛ قال النبي ◌َّه :
(١) حديث: ((جاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٢٣/٣ - ط السلفية)،
ومسلم (٩٣٤/٢)، واللفظ للبخاري.
(٢) فتح القدير ١٦٤/٢، وحاشية ابن عابدين ١٧٣/٢ .
(٣) المجموع ٤ / ٤٧٦ .
(٤) حديث: ((خذوا عنِّي مناسككم)).
=
((الطواف بالبيت صلاة)) (١)، فاشترطت لها
الموالاة كالصلاة، ويرجع في طول الفصل
وقصره إلى العرف من غير تحديد(٢) .
وقال الحنفية والشافعية في الأصح: إنَّ
الموالاة سنة؛ لأنه ﴾﴾ والى طوافه .
وصرَّح الحنفية بأن التفريق بين الأشواط
تفريقاً كثيراً مكروه(٣).
ي - الموالاة بين أشواط السعي:
١٢ - ذهب الحنفية إلى أنَّ الموالاة بين
أشواط السعي مستحبة، فلو فرق بينها تفريقاً
كثيراً كره واستحب له أن يستأنف (٤).
وذهب الشافعية إلى أنها سنة (٥).
وقال المالكية والحنابلة في المعتمد: إنَّ
أخرجه البيهقي في السنن الكبرى (١٢٥/٥ - ط مجلس
=
دائرة المعارف).
(١) حديث: ((الطواف بالبيت صلاة)).
أخرجه النسائي (٢٢٢/٥ - ط المكتبة التجارية
الكبرى)، والبيهقي في السنن الكبرى (٨٧/٥ -
ط مجلس دائرة المعارف) من حديث ابن عباس .
(٢) الذخيرة ٢٥/٣، وحاشية الدسوقي ٣٢/٢، ومغني
المحتاج ٤٩١/١، والمغني ٣٩٥/٣.
(٣) حاشية ابن عابدين ١٦٨/٢ و١٦٩، ومغني المحتاج
١/ ٤٩١.
(٤) حاشية ابن عابدين ١٦٨/٢، وفتح القدير ١٥٦/٢ -
١٥٧.
(٥) المجموع ٧٩/٨.
- ٢٤٥ -

موالاة ١٢ _١٦
الموالاة بين أشواط السعي شرط لصحة
السعي(١).
والتفصيل في مصطلح (سعي ف ٢٣).
ك- الموالاة في رمي الجمرات:
١٣ - الموالاة في الجمرات بين الرميات
السبع سنَّة بحيث لا يزيد الفصل بينها عن
الذكر الوارد فيما بينها (٢).
ل-الموالاة في تغريب الزاني:
١٤ - ذهب الشافعية إلى أنَّ الموالاة في
تغریب الزاني شرط ولو رجع إلى بلد غرب منه
استؤنفت المدة ليتوالى الإِيحاش حتى يكمل
له الحول مسافراً.
وذهب المالكية والحنابلة إلى أنه إن عاد
قبل مضي الحول أعيد تغريبه حتى يكمل
الحول مسافراً ويبني على ما مضى (٣).
م- الموالاة بين كلمات اللعان:
١٥ - يشترط الموالاة في اللعان بين الكلمات
(١) حاشية العدوي ١/ ٤٧١، وكشاف القناع ٤٨٥/٢ -
٤٨٧.
(٢) حاشية ابن عابدين ١٨٤/٢، والحاوي الكبير ٢٦٤/٥،
ومغني المحتاج ٥٠٧/١، والفروع ٥١٢/٣.
(٣) أسنى المطالب ١٣٠/٤، والمغني لابن قدامة ١٦٨/٨،
وحاشية الدسوقي ٣٢٢/٤، ومغني المحتاج ١٤٨/٤ .
الخمس الواردة في قوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يَرَّمُونَ
أَزْوَجَهُمْ وَلَمْ يَكُن ◌َُّمْ شُهَدَآَهُ إِلَّ أَنْفُسُهُمْ فَشَهَدَةُ أَحَدِهِمْ
أَرْبَعُ شَهَدَاتٍ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ الصَدِقِينَ (٥) وَاَلْخَمِسَةُ
أَنَّ لَعْنَتَ اللَّهِ عَلَيْهِ إِن كَانَ مِنَ الْكَذِبِينَ (٥َ وَيَدْرَؤُأُ عَنْهَا
الْعَذَابَ أَنْ تَشْهَدَ أَرْبَعَ شَهْدَاتٍِ بِاللَّهِ إِنَّهُ لَمِنَ
◌َ وَالْخَمِسَةَ أَنَّ غَضَبَ اللَّهِ عَلَيْهَا إِن كَانَ
٨
الْكَذِبِين
فَ﴾(١)، فيؤثِّر الفصل الطويل؛
مِنَ الصَّدِقِينَ
لأنهم جعلوها كالشيء الواحد، والواحد
لا تفرق أجزاؤه كما في الصلاة المؤلفة من
ركعات(٢).
ن - الموالاة في البيع بين الإِيجاب
والقبول:
١٦ - ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية
والمالكية والحنابلة) إلى أنَّ الموالاة
لا تشترط في الإِيجاب والقبول، ولا يضر
تراخي القبول عن الإِيجاب ما داما في
المجلس ولم يتشاغلا بما يقطعه(٣).
(١) سورة النور / ٦ - ٩.
(٢) بدائع الصنائع ٢٣٧/٣، وحاشية الدسوقي ٤٦٣/٢،
ونهاية المحتاج ١٠٨/٧ - ١٠٩، والمنثور في القواعد
للزركشي ٢٤٢/٣، وكشاف القناع ٣٩٢/٥، ومغني
المحتاج ٣٧٦/٣.
(٣) بدائع الصنائع ١٣٧/٥، والهداية ٢١/٣، وحاشية ابن
عابدين ١٩/٤ -٢٠، ٢٦٦/٢، وحاشية الدسوقي
٥/٣، والحطاب ٤/ ٢٤٠ -٢٤١، وشرح منتهى
الإرادات ٢/ ١٤١ .
- ٢٤٦ -

مُوالاة ١٦ __ ١٩
وقال الشافعية: الموالاة بين الإِيجاب
والقبول في العقد شرط، ويشترط أن لا يطول
الفصل بينهما، فإن طال ضر؛ لأنَّ طول
الفصل يخرج الثاني عن أن يكون جواباً عن
الأول، فكل ما يشترط فيه القبول من العقود
فعلى الفور، أي أن يكون عقب الإِيجاب، ولا
يضر عندهم الفصل اليسير (١) .
وانظر التفصيل في مصطلح (عقد
ف ٢٤).
س - الموالاة في الاستثناء في اليمين :
١٧ - يشترط لصحة الاستثناء في اليمين
الموالاة بحيث يكون الاستثناء متصلاً بالكلام
السابق، فلو فصل عنه بسكوت كثير بغير عذر
أو بكلام أجنبي لم يصح الاستثناء فلا
يخصص ما قبله إن كان استثناء بنحو إلاَّ (٢).
والتفصيل في مصطلح (استثناء ف ١٦).
ع - الموالاة في رد السلام:
١٨ - ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه يجب رد
السلام على الفور.
قال ابن عابدين: إذا أخر رد السلام لغير
(١) حاشية الجمل ١٢/٣، ومغني المحتاج ٥/٢ - ٦.
(٢) بدائع الصنائع ١٥/٣، وحاشية ابن عابدين ٥٠٩/٢،
١٠٠/٣،٣١٠.
عذر كره تحريماً ولا يرفع الإِثم بالردبل
بالتوبة .
وقال الزركشي والسيوطي: مما تجب فيه
الموالاة .. الموالاة في رد السلام(١).
ف -التخلل القاطع للموالاة:
١٩ - قال السيوطي نقلاً عن ابن السبكي:
الضابط في التخلل المضر في الأبواب أن يُعد
الثاني منقطعاً عن الأول.
هذا يختلف باختلاف الأبواب؛ فرب باب
يطلب فيه من الاتصال ما لا يطلب في غيره،
وباختلاف المتخلل نفسه؛ فقد يغتفر من
السكوت ما لا يغتفر من الكلام، ومن الكلام
المتعلق بالعقد ما لا يغتفر من الأجنبي، ومن
المتخلل بعذر ما لا يغتفر في غيره، فصارت
مراتب، أقطعها للاتصال كلام كثير أجنبي،
وأبعدها عنه سكوت يسير لعذر وبينهما مراتب
لا تخفی(٢) .
(١) حاشية ابن عابدين ٢٦٦/٥، والمنثور في القواعد
للزركشي ٢٤١/٣، والأشباه والنظائر للسيوطي
ص ٤٠٨.
(٢) الأشباه والنظائر للسيوطي ص ٤١٠، والأشباه والنظائر
لابن الوكيل ١٢٩/٢.
- ٢٤٧ -

مَوْت ١ - ٢
مَوْت
التعريف :
١ - الموت في اللغة: ضدّ الحياة. يقال:
ماتَ يموتُ، فهو مَيِّتُ ومَيْت(١)، ومن
أسمائه: المَنُون، والمَنَا، والمَنيَّة،
والشَّعُوب، والسَّام، والحِمَام، والحَیْن،
والردى، والهلاك، والثُكل، والوفاة،
والخَبَال(٢) .
وفي مقاييس اللغة (٣): الميم والواو والتاء
أصلٌ صحيحٌ يدلُّ على ذهاب القوة من
الشيء، ومنه الموت، خلاف الحياة.
والموت في الاصطلاح هو: مفارقة الروح
للجسد(٤). قال الغزالي: ومعنى مفارقتها
(١) القاموس المحيط، والمصباح المنير، والكليات
للكفوي ٢٧٨/٤، وأساس البلاغة ص ٤٣٩، وأنيس
الفقهاء ص ١٢٣ .
(٢) فقه اللغة للثعالبي (ط الدار العربية للكتاب)
ص ١٣٣، ١٣٤
(٣) معجم مقاييس اللغة لابن فارس ٢٨٣/٥ .
(٤) المجموع شرح المهذب ١٠٥/٥، ومغني المحتاج=
للجسد انقطاعُ تصرفها عن الجسد، بخروج
الجسد عن طاعتها(١).
علامات الموت :
٢ - نظراً لتعذر إدراك كُنْه الموت، فقد علَّق
الفقهاء الأحكام الشرعية المترتِّبة عليه بظهور
أمارته في البدن، فقال ابن قدامة: إذا اشتبه
أمر الميِّت اعتبر بظهور أمارات الموت، من
استرخاء رجليه، وانفصال كفَّيه، وميل أنفه،
وامتداد جلدة وجهه، وانخساف صدغيه(٢) .
وجاء في روضة الطالبين: تستحبُ
المبادرة إلى غسله وتجهيزه إذ تحقّق موته،
بأن يموت بِعِلَّة، وتظهر أمارات الموت، بأن
تسترخي قدماه ولا تنتصبا، أو يميل أنفه، أو
ينخسف صدغاه، أو تمتدُّ جلدةُ وجهه، أو
ينخلع كفَّاه من ذراعيه، أو تتقلَّص خصیتاه إلى
فوق مع تدلي الجلدة ... إلخ(٣).
٣٢/١، وتحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص ٩٤، وقواعد
=
الأحكام ص ٦٩٦ - ط دار الطباع بدمشق، ومختصر
منهاج القاصدين ص ٤٤٩، والفتاوى الحديثية لابن
حجر الهيتمي ص ١٢١ .
(١) إحياء علوم الدين ٤٢١/٤، وما بعدها، وانظر الأربعين
في أصول الدين للغزالي ص ٢٧٥، ٢٧٧ .
(٢) المغني (٣٦٧/٣ ط هجر).
(٣) روضة الطالبين ٩٨/٢، وانظر الفتاوى الهندية
١٥٧/١، وشرح منتهى الإرادات ٣٢٣/١، ورد
المحتار ١/ ٥٧٠، وأسنى المطالب ٢٩٩/١.
- ٢٤٨ -

موت ٢ -٣
هذا، وقد نبّه النبيِ وَّ إلى أنَّ شخوص
بصر المحتضر علامة ظاهرة على قبض روحه
ومفارقتها لجسده، فقد ورد عنه وَال أنه قال:
((إن الروح إذا قُبض تبعه البصر))(١) .
وقال مَّ: ((إذا حضرتم موتاكم فأغمضوا
البصر، فإنَّ البصر يتبع الروح))(٢) .
هل الموت للبدن والروح أو للبدن وحده؟
٣ - نصَّ جمهور علماء أهل السنّة والجماعة
على أنَّ الأرواح بعد الموت باقية غير فانية،
إمَّا في نعيم مقيم، وإمَّا في عذاب أليم(٣)،
قال في الإِحياء: الذي تشهد له طرق
الاعتبار، وتنطق به الآيات والأخبار أنَّ
الموت معناه تغيُّر حال فقط، وأنَّ الروح باقية
(١) حديث ((إن الروح إذا قبض ... )).
أخرجه مسلم (٢/ ٦٣٤ - ط عيسى الحلبي) من
حديث أم سلمة رضي الله عنها .
(٢) حديث: ((إذا حضرتم موتاكم ... )).
أخرجه ابن ماجه (٤٦٨/١) من حدیث شداد بن أوس
رضي الله عنه، وحسن إسناده البوصيري في مصباح
الزجاجة (٢٦١/١ _ ط دار الجنان).
(٣) الروح لابن القيم ص ٥٠، والفتاوى الحديثية لابن حجر
الهيتمي ص ١٢١، وإحياء علوم الدين ٤/ ٤٢٢،
ومجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩٢/٤، ٢٩٦، ولوامع
الأنوار البهية للسفاريني ٢٥/٢، وأسنى المطالب
٢٩٧/١، وفتح الباري ٢٣٣/٣، ومغني المحتاج
٣٢٩/١.
بعد مفارقة الجسد، إما معذبة، وإما
منعمة(١) . قال الزبيدي: وهذا قول أهل السنّة
والجماعة وفقهاء الحجاز والعراق ومتكلمي
الصفاتية (٢).
وقد بيَّن أحمد بن قدامة ذلك بقوله :
والذي تدل عليه الآيات والأخبار أن الروح
تكون بعد الموت باقية، إمَّا معذَّبة، أو
منعَّمة، فإن الروح قد تتألم بنفسها بأنواع
الحزن والغمّ، وتتنعَّم بأنواع الفرح والسرور
من غير تعلُّق لها بالأعضاء، فكل ما هو وصف
للروح بنفسها، يبقى معها بعد مفارقة الجسد،
وكل مالها بواسطة الأعضاء يتعطَّل بموت
الجسد إلى أن تُعاد الروح إلى الجسد(٣).
واحتج على أن الروح لا تنعدم بالموت
بقوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِي سَبِيلٍ
اللَّهِ أَمْوَتَا بَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ
(٤)
١٦٩
حيث قال عليه الصلاة والسلام فيه: ((جعل الله
أرواحهم في أجواف طير خضر، ترد أنهار
الجنة، تأكل من ثمارها، وتأوي إلى قناديل
من ذهب في ظل العرش)) (٥)، وبما ورد عن
(١) إحياء علوم الدين ٤ / ٤٢١ .
(٢) إتحاف السادة المتقين ٣٧٦/١٠.
(٣) مختصر منهاج القاصدين ص ٤٩٩، ٥٠٠.
(٤) سورة آل عمران/ ١٦٩ .
(٥) حديث ((جعل الله أرواحهم في أجواف طير ... )).
=
- ٢٤٩ -

مَؤْت ٣-٤
ابن عمر رضي الله عنهما قال، قال
رسول الله وَل: ((إن أحدكم إذا مات عرض
عليه مقعده بالغداة والعشيّ، إن كان من أهل
الجنة فمن أهل الجنة، وإن کان من أهل النار
فمن أهل النار، يقال : هذا مقعدك حتى يبعثك
الله إليه يوم القيامة))(١)، فدلَّ ذلك على نعيم
الأرواح وعذابها بعد المفارقة، إلى أن
يرجعها الله في أجسادها، ولو ماتت الأرواح
لانقطع عنها النعيم والعذاب(٢).
وقد أورد الإِمام الغزالي توضيحاً لحال
الروح وحياتها بعد موت البدن فقال: هذه
الروح لا تفنى ألبتة ولا تموت، بل يتبدَّل
بالموت حالها فقط، ويتبدل منزلها، فتنتقل
من منزل إلى منزل، والقبر في حقها إما روضة
من رياض الجنة أو حفرة من حفر النيران، إذاً
لم يكن لها مع البدن علاقة سوى استعمالها
البدن واقتناصها أوائل المعرفة به بواسطة
شبكة الحواس، فالبدن آلتها ومركبها
أخرجه أحمد (٢٦٦/١ - ط الميمنية)، والحاكم في
=
المستدرك (٨٨/٢ - ط دار الكتاب العربي) من
حديث ابن عباس، وقال الحاكم: صحيح على شرط
مسلم ولم يخرجاه.
(١) حديث ((إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٤٣/٣ - ط السلفية)،
ومسلم (٢١٩٩/٤ - ط عيسى الحلبي)، واللفظ لمسلم.
(٢) الروح لابن القيم ص ٥٠.
وشبكتها، وبطلان الآلة والمركب والشبكة
لا يوجب بطلان الصائد(١).
وذهبت طائفة إلى أن الروح تفنى وتموت
بموت الجسد، لأنها نفس(٢)، وقد قال
تعالى: ﴿ كُلُّ نَفْسٍ ذَابِقَةُ الْوَّتِّ﴾(٣). قال
الزبيدي: وقد قال بهذا القول جماعة من
فقهاء الأندلس قديماً، منهم عبد الأعلى بن
وهب بن لبابة، ومن متأخريهم كالسهيلي
(٤)
وابن العربي(٤).
وقال ابن القيم: والصواب أن يقال: موت
النفوس هو مفارقتها لأجسادها وخروجها
منها، فإن أريد بموتها هذا القدر فهي ذائقة
الموت، وأن أريد بأنها تعدم وتضمحلٌ وتصیر
عدماً محضاً، فهي لا تموت بهذا الاعتبار،
بل هي باقية بعد خلقها في نعيم أو في
عذاب(٥) .
الألفاظ ذات الصلة :
أ- الروح:
٤ - ذهب أهل السنَّة من المتكلمين والفقهاء
(١) الأربعين في أصول الدين للغزالي ص ٢٧٦ .
(٢) الروح ص ٥٠.
(٣) سورة آل عمران/ ١٨٥.
(٤) إتحاف السادة المتقين ١٠/ ٣٧٧ .
(٥) الروح ص ٥٠.
- ٢٥٠ -

٠٠٠
......
مَوْت ٤ -٥
٠٠
والمحدِّثين إلى أن الروح(١) جسم لطيف
متخلل في البدن، تذهب الحياة بذهابه،
وعبارة بعض المحققين: هي جسم لطيف،
مشتبك بالبدن اشتباك الماء بالعود الأخضر،
وبه جزم النووي وابن عرفة المالكي، ونقلا
تصحيحه عن أصحابهم(٢) .
وقال الفيومي: ومذهب أهل السنّة أن
الروح هو النفس الناطقة المستعدة للبيان
وفهم الخطاب ولا تفنى بفناء الجسد وأنه
جوهر لا عرض(٣).
والصلة بين الموت وبين الروح هي
التباين .
ب - النفس :
٥ - ذهب جمهور أهل السنَّة من فقهاء
ومحدثين ومتكلمين إلى أن المراد بالنَّفْس :
الروح.
يقال: خرجت نفسه، أي روحه، وأنه يعبر
(١) قال الكفوي: الروح مؤنث إذا كان بمعنى النفس،
ومذكر إذا كان بمعنى المهجة. (الكليات ٣٧٧/٢).
(٢) شرح العقيدة الطحاوية للغنيمي الميداني ص ١١٥،
ومغني المحتاج ٣٢٩/١، وحاشية القليوبي ٣٢٠/١،
وعارضة الأحوذي ٢٨٩/١١، والشرح الصغير للدردير
٥٤٢/١، والكليات ٣٧٣/٢، ٣٧٧، ٣٤٨/٤،
٣٤٩، وكشاف اصطلاحات الفنون ١/ ٥٤٠ _٥٤٨.
(٣) المصباح المنير، وانظر الروح لابن القيم ص ٢٨٦ .
عن النفس بالروح وبالعكس(١).
قال ابن تيمية: الروح المدبِّرة للبدن التي
تفارقه بالموت هي الروح المنفوخة فيه، وهي
النَّفس التي تفارقه بالموت ... وإنما تسمى
نفساً باعتبار تدبيرها للبدن، وتسمى روحاً
باعتبار لطفها(٢) .
ودليلهم على ذلك قوله تعالى: ﴿اَللَّهُ
يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَأَلَّتِى لَمْ تَمُتْ فِى
مَنَامِهَاً فَيُمْسِكُ الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ
اُلْأُخْرَىَ إِلَى أَجَلٍ تُسَمَّى﴾(٣)، قال ابن القيم:
والأنفس ههنا هي الأرواح قطعاً (٤).
وتقسم النفس إلى النفس الأمارة،
واللوامة، والمطمئنة(٥)، وذكر ابن تيمية أن
النفس يراد بها عند كثير من المتأخرين صفاتها
(١) الروح لابن القيم ص ٢٨٦ وما بعدها، المعتمد في
أصول الدين لأبي يعلى (ط دار المشرق) ص ٩٥،
وفتح الباري ٢٣٣/٣، ومجموع فتاوى ابن تيمية
٢٢٥/٤، ورسالة في العقل والروح ٢١/٢، وبصائر
ذوي التمييز ٩٧/٥، والكليات ٣٤٨/٤، وكشاف
اصطلاحات الفنون ١٣٩٦/٢، وما بعدها، والنظم
المستعذب لابن بطال ١ / ١٢٤.
(٢) رسالة في العقل والروح ٣٦/٢، ٣٧.
(٣) سورة الزمر / ٤٢ .
(٤) الروح لابن القيم ص ٢٠٣.
(٥) التعريفات للجرجاني ص ١٢٧، والتوقيف على مهمات
التعاريف للمناوي ص ٧٠٦، وكشاف اصطلاحات
الفنون ٢/ ١٤٠٢، ورسالة في العقل الروح ٢/ ٤١ .
- ٢٥١ -

مَوْت ٥-٦
المذمومة، فيقال: فلان له نفس : أي مذمومة
الأحوال، وأيضاً: فإن النفس لما كانت حال
تعلقها بالبدن يكثر عليها اتباع هواها صار لفظ
((النفس)) يُعبر به عن النفس المتبعة لهواها، أو
عن اتباعها الهوى، بخلاف لفظ ((الروح)) فإنه
لا يعبّر به عن ذلك(١).
وقال الفيومي: والنفس أنثى إن أريد
بها الروح، قال تعالى: ﴿ خَلَقَّكُمْ مِّن نَّفْسٍ
وَحِدَةٍ﴾(٢)، وإن أريد الشخص فمذكر(٣) .
وحكى الكفوي في الكليات أن الإِنسان له
نفسان: نفس حيوانية، ونفس روحانية.
فالنفس الحيوانية لا تفارقه إلاَّ بالموت،
والنفس الروحانية - التي هي من أمر الله -
هي التي تفارق الإِنسان عند النوم، وإليها
الإِشارة بقوله تعالى: ﴿اَللَّهُ يَتَوَنَّى الْأَنْفُسَ حِينَ
مَوْتِهَا وَأَلَِّى لَمْ تَمُتْ فِى مَنَامِهَا﴾، ثم إنه
تعالى إذا أراد الحياة للنائم ردَّ عليه روحه
فاستيقظ، وإذا قضى عليه بالموت أمسك عنه
روحه فیموت، وهو معنى قوله: ﴿فَيُمْسِكُ
الَّتِى قَضَى عَلَيْهَا الْمَوْتَ وَيُرْسِلُ الْأُخْرَىّ إِلَ أَجَلٍ
تُسَمَّى﴾، أما النفس الحيوانية فلا تفارق
الإِنسان بالنوم، ولهذا يتحرك النائم، وإذا
(١) رسالة في العقل والروح ٢/ ٤٠ .
(٢) سورة النساء/ ١ .
(٣) المصباح المنير.
مات فارقه جميع ذلك(١) .
والصلة بين النفس والموت التباين.
ج-الحياة:
٦ - الحياة في اللغة نقيض الموت، وهي في
الإِنسان عبارة عن قوة مزاجية تقتضي الحسَّ
والحركة، وهي الموجبة لتحريك من قامت
به، ومفهومها عند الفقهاء: أثر مقارنة النفوس
للأبدان، وإنها لتسري في الإِنسان تبعاً لسريان
الروح في جسده. وحكى القزويني أن الروح
هي الحياة، وأن الحياة عرض يقوم بالحيَّ،
فمتی وجد فیه یکون حيًّا، وإذا عدم فيه فقد
حصل ضدُّه، وهو الموت(٢).
وقد ذكر الراغب الأصفهاني أن ((الحياة))
تستعمل على أوجه :
الأول: للقوَّة النامية الموجودة في النبات
والحيوان، ومنه قيل: نبات حيٌّ، قال تعالی:
﴿ وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَآءِ كُلَّ شَىْءٍ حَيٍّ﴾(٣).
(١) الكليات ٣٤٩/٤.
(٢) التوقيف على الأسباب التي أوجبت الاختلاف بين
المسلمين لابن السيد البطليوسي ص ١٢٢ ، ورسالة في
العقل والروح لابن تيمية ٤٧/٢، والمعتمد لأبي يعلى
ص ٩٧، ٩٨، والفروق لأبي هلال العسكري ٩٥،
٩٦، ٩٨، والكليات ٢٦٤/٢، وكشاف اصطلاحات
الفنون ٣٩٨/١، ومفيد العلوم للقزويني ص ٦٣.
(٣) سورة الأنبياء/ ٣٠.
- ٢٥٢ -

مَؤْت ٦ -٨
والثاني: للقوَّة الحسّاسة، وبه سمي
الحيوان حيواناً، قال تعالى: ﴿ وَمَا يَسْتَوِى
اُلْأَحْيَُّ وَلَ الْأَمْوَتُ﴾(١).
والثالث: للقوة العالمة العاقلة، كقوله:
﴿ أَوَ مَنْ كَانَ مَيْتًا فَأَحْيَيْنَهُ﴾(٢) .
والرابع: عبارة عن ارتفاع الغمَّ، وعلى
ذلك قوله تعالى: ﴿ وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُواْ فِى
سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَتَأَبَلْ أَحْيَاءُ عِندَ رَبِّهِمْ﴾(٣)، أي هم
متلذذون لما روي في الأخبار الكثيرة عن
أرواح الشهداء.
والخامس: الحياة الأخروية الأبدية، وقد
جاء ذلك في قوله تعالى: ﴿يَلَيَّتَنِ قَدَّمْتُ
٢٤
يعني بها الحياة الأخروية
(٤)
◌ِحَاتِی
الدائمة .
والسادس: الحياة التي يوصف بها الباري
تعالى، فإنه إذا قيل فيه سبحانه، هو حيٌّ،
فمعناه لا يصحُّ عليه الموت، وليس ذلك
إلَّ لله عز وجل.
ثم إن الحياة باعتبار الدنيا والآخرة ضربان:
الحياة الدنيا، والحياة الآخرة. وقوله
(١) سورة فاطر / ٢٢.
(٢) سورة الأنعام/ ١٢٢ .
(٣) سورة آل عمران/ ١٦٩.
(٤) سورة الفجر / ٢٤ .
عز وجل: ﴿ وَلَكُمْ فِىِ الْقِصَاصِ حَيَوَةٌ﴾(١)، أي
يرتدع بالقصاص من يريد الإِقدام على القتل،
فيكون في ذلك حياة الناس (٢).
والصلة بين الموت والحياة أنهما نقيضان .
د - الأهلية:
٧ - الأهلية شرعاً: هي كون الإِنسان بحيث
يصحُ أن يتعلق به الحكم(٣)، والمعنى أنها
صفة أو قابلية يقدرها الشارع في الشخص
تجعله محلاً صالحاً لأن يتعلق به الخطاب
التشريعي(٤).
والصلة بين الموت وبين الأهلية أن الموت
سبب من أسباب انعدام الأهلية .
هــ الذمة :
٨ - الذمة كما عرفها الجرجاني: وصف يصير
الشخص به أهلاً للإيجاب له وعليه(٥).
والصلة بين الموت وبين الذمة أن الموت
سبب من أسباب انعدام الذمة أو ضعفها
أو شغلها .
(١) سورة البقرة/ ١٧٩.
(٢) المفردات للراغب ص ٢٦٨، وانظر نفس الكلام في
بصائر ذوي التمییز ٥١٢/٢، وما بعدها .
(٣) فواتح الرحموت ١ / ١٥٦.
(٤) كشف الأسرار للبخاري ٤/ ١٣٥٧، وتيسير التحرير
٢٤٩/٢.
(٥) التعريفات للجرجاني ص ٥٧ .
- ٢٥٣ -

مَوْت ٩ - ١٠
أقسام الموت :
٩ - الموت عند الفقهاء على ثلاثة أقسام:
حقيقي، وحکمي، وتقديري.
فأما الموت الحقيقي: فهو مفارقة الروح
للجسد على وجه الحقيقة واليقين، ويعرف
بالمشاهدة، ويثبت بإقامة البينة عليه أمام
القضاء.
وأما الموت الحكمي: فهو حكم يصدر من
قبل القاضي بموت شخص من الأشخاص
- وإن كان لا يزال حيًّا - لسبب شرعي
يقتضي ذلك .
ومن أمثلته عند الحنفية: المرتد إذا لحق
بدار الحرب، وصدر حكم القاضي بلحوقه
بها مرتداً، فإنه يعتبر ميتاً من حين صدور
الحكم، وإن كان حيًّا يرزق بدار الحرب،
فيقسم ماله بين ورثته(١)، وقد علل ذلك
السرخسي بقوله: لأنَّ الإِمام لو ظفر به موَّته
حقيقةً، بأن يقتله، فإذا عجز عن ذلك بدخوله
بدار الحرب موَّته حكماً، فقسم ماله(٢) .
ومن أمثلته عند المالكية: المفقود (وهو
الذي يعمى خبره، وينقطع أثره، ولا يُعلم
موضعه، ولا تُدری حیاته ولا موته) إذا حکم
(١) المبسوط للسرخسي ١٠٣/١٠، ٢٣/١١، ١٠٨/١٥.
(٢) المبسوط ٣٨/١١.
القاضي بموته بناءً على ما ترجَّح لديه من
الظروف وقرائن الأحوال، فإنه يعتبر ميتاً من
حیث الحكم، قال الدسوقي : لأنهذاتمویت،
أي حكم بالموت، لا موت حقيقة (١)، وعلى
ذلك فإنه يرثه من ورثته من كان حيًّا في ذلك
الوقت، دون مَنْ مات قبل ذلك(٢).
وأما الموت التقديري: فهو للجنين الذي
أسقط ميتاً بجناية على أمه. كما إذا ضرب
إنسان امرأة، فأسقطت جنيناً ميتاً فإنه يجب
على الجاني أو عاقلته الغرَّة (دية الجنين)،
وهذه الدية تكون لورثة الجنين على فرائض
الله تعالى، حيث يقدّر حياً في بطن أمه قبل
الجناية ثم موته منها(٣).
الأحكام المتعلقة بالموت:
تتعلق بالموت أحکام منها :
انتهاء الأهلية وخراب الذمة بالموت :
١٠ - لا خلاف بين الفقهاء في أنَّ الموت هادم
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤٧٩/٢ .
(٢) الخرشي ١٥١/٤ وما بعدها، والمعونة للقاضي
عبد الوهاب ٢/ ٨٢٠، والمغني ٢٤٧/١١ وما بعدها،
وحاشية الدسوقي ٢/ ٤٧٩ .
(٣) شرح منتهى الإِرادات ٣١٠/٣، والمغني ١٢ /٦٧،
ومغني المحتاج ٤ /١٠٥، وأسنى المطالب ٨٩/٤،
٩٥، والخرشي ٣٢/٨ - ٣٤، والمبسوط ١٠٨/١٥،
وتحفة المحتاج ٣٩/٧، وبدائع الصنائع ٣٢٦/٧ .
- ٢٥٤ -

مَوْت ١٠-١١
لأساس التكليف، لأنه عجز كله عن إتيان
العبادات أداءً وقضاءً، ولأن الميت قد ذهب
من دار الابتلاء إلى دار الجزاء(١)، قال ابن
نجيم: إن الموت ينافي أحكام الدنيا مما فيه
تكليف، لأن التكليف يعتمد القدرة والموت
عجز كله(٢) .
وحيث إن الذمة خاصة من الخصائص
الإِنسانية فإنها تبدأ مع الشخص منذ الحمل
به، وتبقى معه طيلة حياته، فإذا مات خربت
ذمته وانتهت أهليته .
غير أن الفقهاء اختلفوا هل تخرب الذمة
وتنتهي فوراً بمجرد حصول الموت، أم أن
الموت يضعفها، أم أنها تبقى كما هي بعد
الموت حتى تستوفى الحقوق من التركة؟
وذلك على ثلاثة مذاهب ينظر تفصيلها في
(ذمة ف ٦ _ ٩).
انقطاع العمل بالموت ومدى انتفاع
الموتى بسعي الأحياء :
١١ - لا خلاف بين أهل العلم في انقطاع عمل
ابن آدم بموته في الجملة، لأن الموت عجز
كامل عن إتيان العبادات أداءً وقضاءً، ولأن
الميت قد ارتحل من دار الابتلاء والتكليف
(١) فواتح الرحموت ١/ ١٧٥ .
(٢) فتح الغفار شرح المنار ٩٨/٣.
إلى دار الجزاء(١)، ولكنه ينتفع بما تسبب إليه
في حياته من عمل صالح (٢)، لما روى أبو
هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَّل قال:
((إذا مات الإنسان انقطع عمله إلاّ من ثلاثة:
إلاَّ من صدقة جارية، أو علم يُنتفع به، أو ولد
صالح يدعو له))(٣)، وعن أبي هريرة قال:
قال رسول الله وَّلَهُ: ((إن مما يلحقُ المؤمن من
عمله وحسناته بعد موته علما علمه ونشره،
أو ولداً صالحاً تركه، أو مصحفاً ورَّثه،
أو مسجداً بناه، أو بيتاً لابن السبيل بناه،
أو نهراً أجراه، أو صدقة أخرجها من ماله في
صحته و حیاته يلحقه من بعد موته»(٤)، وروی
جرير بن عبد الله رضي الله عنه قال: قال
رسول الله وَلَى: ((من سنَّ في الإِسلام سنَّة
حسنةً، فله أجرها وأجر من عمل بها بعده،
من غير أن ينقص من أجورهم شيء، ومن سنَّ
في الإِسلام سنّة سيئة، كان عليه وزرها ووزر
(١) فواتح الرحموت ١/ ١٧٥ .
(٢) الروح لابن القيم ص ١٦٣ .
(٣) حديث: ((إذا مات الإِنسان انقطع عمله ... )).
أخرجه مسلم (١٢٥٥/٣ - ط عيسى الحلبي).
(٤) حديث: ((إن مما يلحق المؤمن .. )).
أخرجه ابن ماجه (٨٨/١ - ٨٩، ط عيسى الحلبي)،
وابن خزيمة (١٢١/٤ - ط المكتب الإسلامي). وقال
البوصيري في مصباح الزجاجة: (١ / ٨٠ - ط دار
الجنان): هذا إسناد مختلف فيه .
- ٢٥٥ -

مَوْت ١١ - ١٢
من عمل بها من بعده، من غير أن ينقص من
أوزارهم شيء)»(١).
أما انتفاعه بغير ما تسبب إليه في حياته من
عمل صالح، فقد فرَّق الفقهاء في ذلك بين
أمرین :
أ - دعاء المسلمين له واستغفارهم، وفي
ذلك قال النووي: أجمع العلماء على أنَّ
الدعاء للأموات ينفعهم ويصلهم ثوابه،
واحتجوا بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ جَءُو مِنْ
بَعْدِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَغْفِرْ لَنَا وَلِإِخْوَنِنَا
الَّذِينَ سَبَقُونَا بِالْإِيمَانِ﴾(٢)، وغير ذلك من
الآيات المشهورة بمعناها، وبالأحاديث
المشهورة كقوله وَّر: ((اللَّهمَّ اغفر لأهل بقيع
الغرقد))(٣)، وكقوله: ((اللَّهمَّ اغفر لحيِّنا
ومیتنا)» (٤).
(١) حديث: ((من سن في الإِسلام سنَّة حسنة ... )).
أخرجه مسلم (٢/ ٧٠٥ - ط عيسى الحلبي).
(٢) سورة الحشر/ ١٠ .
(٣) حديث: ((اللَّلهم اغفر لأهل البقيع)).
أخرجه مسلم (٢/ ٦٦٩ - ط عيسى الحلبي) ضمن
حديث طويل،
(٤) حديث: ((اللهم اغفر لحينا وميتنا)).
أخرجه أبو داود (٥٣٩/٣ - ط حمص)، والنسائي
(٤ / ٧٤ - ط المكتبة التجارية)، والترمذي
(٣٣٥/٣ - ط مصطفى الحلبي) من حديث
أبي هريرة، وقال الترمذي: حسن صحيح.
ب - ما جعل الأحياء ثوابه للميت من
الأعمال الأخرى كالحج والصدقة والصوم
والصلاة وتلاوة القرآن ونحو ذلك، فقد
اختلف الفقهاء في مشروعية كل واحد منها
ووصوله للميت .
وتفصيل ذلك في مصطلح (أداء ف ١٤ ،
وقراءة ف ١٨ وقربة ف ١١).
السلام على الموتى وردهم :
١٢ - ورد عن النبي وَلقر أنه قال: ((ما من أحد
مر بقبر أخيه المؤمن كان يعرفه في الدنيا،
فسلم عليه إلاَّ عرفه ورد عليه السلام))(١)،
وورد عن النبي وَلّ ((أنه أمر بقتلى بدر، فألقوا
في قلیب، ثم جاء حتى وقف عليهم وناداهم
بأسمائهم: يا فلان ابن فلان، ويا فلان ابن
فلان، هل وجدتم ما وعدکم ربکم حقًّا، فإني
وجدت ما وعدني ربي حقًّا، فقال له عمر :
يا رسول الله، ما تخاطب من أقوام قد جيفوا،
فقال عليه الصلاة والسلام: والذي بعثني
بالحقّ، ما أنتم بأسمع لما أقول منهم، ولكنه
لا يستطيعون جواباً))(٢)، وورد عن النبي وَل
(١) حديث: ((ما من أحد مر بقبر ... )).
أخرجه ابن عبد البر في الاستذكار (١٦٥/٢ - ط دار
قتيبة - دمشق) من حديث ابن عباس وقال صاحب عون
المعبود: صح عن ابن عباس مرفوعاً .
=
(٢) حديث: ((أنه أمر بقتلى بدر فألقوا في قليب ... )).
- ٢٥٦ -

مَوْت ١٢ - ١٣
أنه قال: ((إنَّ العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه
أصحابه إنه ليسمع قرع نعالهم)»(١)، ولهذا أمر
النبيَّ بَّر بالسلام على الموتى، حيث جاء
أنه وَ لّ كان يعلِّم أصحابه إذا زاروا القبور أن
يقولوا: ((السلام عليكم أهل الديار من
المؤمنين والمسلمين، وإنا إن شاء الله بكم
للاحقون))(٢)
قال ابن القيم: وهذا خطاب لمن يسمع
ويعقل، ولولا ذلك لكان هذا الخطاب بمنزلة
خطاب المعدوم والجماد، والسلف مجمعون
على هذا، وقد تواترت الآثار بأن الميت يعرف
زيارة الحيّ له ويستبشر به(٣) .
وجاء في فتاوى العزبن عبد السلام:
والظاهر أنَّ الميِّت يعرف الزائر، لأنَّا أمرنا
بالسلام عليهم، والشرع لا يأمر بخطاب من
(٤)
لا يسمع (٤).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٧/ ٣٠٠ - ط السلفية) من
=
حديث أبي طلحة رضي الله عنه، ومسلم (٢٢٠٣/٤ -
ط عيسى الحلبي) من حديث أنس بن مالك رضي الله عنه.
(١) حديث: ((إن العبد إذا وضع في قبره ... )).
أخرجه مسلم (٤ /٢٢٠٠ _ ٢٢٠١ - ط عيسى
الحلبي) ضمن حديث طويل عن أنس رضي الله عنه .
(٢) حديث: ((السلام على أهل الديار من المؤمنين ... )).
أخرجه مسلم (٦٦٩/٢ - ط عيسى الحلبي) من
حديث بريدة بن الحصيب رضي الله عنه .
(٣) الروح ص ٧، ٨.
(٤) فتاوى العز بن عبد السلام ص ٤٤ .
عودة أرواح الموتى في الحياة البرزخية :
١٣ - المراد بالبرزخ ههنا: الحاجز بين الدنيا
والآخرة، قال العلماء: وله زمان ومكان
وحالّ، فزمانه من حين الموت إلى يوم
القيامة، وحالّه الأرواح، ومكانه من القبر إلى
عليين لأرواح أهل السعادة، أما أهل الشقاوة
فلا تفتح لأرواحهم أبواب السماء، بل هي في
سجِّين مسجونة، وبلعنة الله مصفودة(١)، قال
ابن القيم: إنه ينبغي أن يُعلم أنَّ عذاب القبر
ونعيمه اسم لعذاب البرزخ ونعيمه، وهو ما
بين الدنيا والآخرة(٢). قال تعالى: ﴿وَمِن
وَرَآَبِهِم بَرَّزَغُ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ ()﴾(٣) .
هذا وقد اختلف العلماء في السؤال في
القبر، هل يقع على البدن أم على الروح أو
عليهما معاً، وذلك على أربعة أقوال (٤):
الأول: لجمهور علماء أهل السنَّة، وهو أنَّ
(١) شرح الخريدة للدردير وحاشية السباعي المالكي عليه
ص ٣٢٥ ــ ط هجر.
(٢) الروح ص ١٠٣ - ١٠٥.
(٣) سورة المؤمنين/ ١٠٠ .
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩٢/٤، ٢٩٦، والروح
ص ٦٢، ٦٣، وإتحاف السادة المقتين ١٠/ ٣٧٧،
وشرح عقيدة أهل السنة للبابرتي ص ١٢٧، ١٢٨ ،
وشرح العقيدة الطحاوية للغنيمي ص ١١٦، والنووي
على مسلم ١٧ / ٢٠٠، ٢٠١، وفتح الباري ٢٣٥/٣،
وشرح الخريدة وحاشية السباعي ص ٣٢٥، ٣٢٦،
والمعتمد لأبي يعلى ص ١٧٨ .
- ٢٥٧ -

مَوْت ١٣ -١٤
الروح تعاد إلى الجسد أو بعضه، ولا يمنع من
ذلك كون الميت قد تتفرق أجزاؤه، لأنَّ الله
قادر على أن يعيد الحياة إلى جزء من الجسد،
ويقع عليه السؤال، كما هو قادر على أن يجمع
أجزاءه، قال ابن حجر الهيتمي: ويجوز أن
ترجع الروح في حال آخر وأمرٍ ثان، وبعودها
يرجع الميِّت حيًّا، وهو المعبّر عنه بحياة القبر
عند إتيان الملكين للسؤال، فإذا ردَّت إليه
الحياة، للجسم والروح، تبعتها الإِدراكات
المشروطة بها، فيتوجه حينئذٍ على الميت
السؤال، ويتصوَّر منه الجواب(١).
وقال ابن تیمیة: عود الروح إلى بدن الميت
في القبر ليس مثل عودها إليه في هذه الحياة
الدنیا، وإن کان ذلك قد یکون أکمل من بعض
الوجوه، كما أن النشأة الأخرى ليس مثل هذه
النشأة، وإن كانت أكمل منها، بل كل موطن
في هذه الدار وفي البرزخ والقيامة له حكم
يخصُّه(٢) .
وقال ابن حجر العسقلاني: المراد بالحياة
في القبر للمسألة ليست الحياة المستقرة
المعهودة في الدنيا التي تقوم فيها الروح
بالبدن وتدبيره وتصرفه، وتحتاج إلى ما
(١) الفتاوى الحديثية ص ١٢١ .
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤ / ٢٧٤ .
يحتاج إليه الأحياء، بل هي مجرد إعادة لفائدة
الامتحان الذي وردت به الأحاديث
الصحيحة، فهي إعادة عارضة(١).
الثاني: لأبي حنيفة والغزالي: وهو
التوقف. قال الغنيمي الحنفي: واعلم أن أهل
الحقَّ اتفقوا على أنَّ الله يخلق في الميت نوع
حياة في القبر، قدر ما يتألم ويلتذَّ، لكن
اختلفوا في أنه هل تعاد الروح إليه أم لا؟
والمنقول عن الإِمام أبي حنيفة
التوقف(٢)، وقال الغزالي: ولا يبعد أن تعاد
الروح إلى الجسد في القبر، ولا يبعد أن تؤخر
إلى يوم البعث، والله أعلم بما حكم به على
عبد من عباده(٣) .
الثالث: لابن جرير وجماعة، وهو أنه يقع
على البدن فقط، وأنَّ الله يخلق فيه إدراكاً
بحيث يسمع ويعلم ويلتذَّ ويألم.
الرابع: لابن هبيرة وغيره: وهو أنَّ السؤال
يقع على الروح فقط من غير عود إلى
الجسد (٤).
١٤ - وقد تفرع عن ذلك الخلاف اختلاف
(١) فتح الباري ٣/ ٢٤٠.
(٢) شرح الغنيمي الميداني على العقيدة الطحاوية
ص ١١٧ .
(٣) إحياء علوم الدين ٤/ ٤٢١ .
(٤) المراجع السابقة .
- ٢٥٨ -

مَوْت ١٤ _ ١٥
العلماء في نعيم القبر وعذابه في الحياة
البرزخية، هل يقع على الروح فقط أم على
الجسد أم على كليهما؟
فذهب ابن هبيرة والغزالي إلى أنَّ التنعيم
والتعذيب إنما هو على الروح وحدها(١).
وقال جمهور أهل السنّة والجماعة من
المتكلمين والفقهاء: هو على الروح
والجسد(٢). قال النووي: النعيم والعذاب
للجسد بعینه أو بعضه بعد إعادة الروح إليه أو
إلى جزء منه(٣)، وقال ابن تيمية: العذاب
والنعيم على النفس والبدن جميعاً باتفاق أهل
السنَّة والجماعة، تنعَّم النفس وتعذَّب منفردةٌ
عن البدن، وتعذب متصلة بالبدن، والبدن
متصل بها، فيكون النعيم والعذاب عليهما في
هذه الحال مجتمعين، كما يكون للروح
منفردة عن البدن (٤) .
وذهب ابن جرير إلى أن الميت يعذَّب في
قبره من غير أن تردّ الروح إليه، ويحسُّ بالألم
(١) شرح الخريدة للدردير وحاشية السباعي علیه ص ٣٢٥،
والأربعين في أصول الدين للغزالي ص ٢٨٢، ومجموع
فتاوى ابن تيمية ٢٦٢/٤، ٢٨٣، ولوامع الأنوار البهية
للسفاريني ٢٤/٢، ٢٦.
(٢) لوامع الأنوار البهية ٢٤/٢، والروح لابن القيم
ص ٧٣، ٧٤، وفتاوى ابن حجر العسقلاني ٤ / ٤١ .
(٣) شرح النووي على صحيح مسلم ١٧ / ٢٠١ .
(٤) مجموع فتاوى ابن تيمية ٤/ ٢٨٢ .
وإن کان غیر حيّ(١) .
مستقرّ أرواح الموتى ما بين الموت إلى
يوم القيامة :
١٥ - قال ابن القيم: إنَّ الله جعل الدور ثلاثاً:
دار الدنيا، ودار البرزخ، ودار القرار، وجعل
لكل دار أحكاماً تختصُّ بها، وركَّب هذا
الإِنسان من بدن وروح، وجعل أحكام الدنيا
على الأبدان والأرواح تبعاً لها، ولهذا جعل
أحكامه الشرعية مرتَّبة على ما يظهر من
حركات اللسان والجوارح، وإن أضمرت
النفوس خلافه، وجعل أحكام البرزخ على
الأرواح، والأبدان تبعاً لها، فكما تبعت
الأرواح الأبدان في أحكام الدنيا، فتألمت
بألمها والتذَّت براحتها، فإن الأبدان تتبع
الأرواح في أحكام البرزخ في نعيمها
وعذابها(٢) حتى إذا كان يوم القيامة أعيدت
الأرواح إلى الأجساد، وقاموا من قبورهم
لرب العالمين (٣).
والبرزخ هو أول دار الجزاء، وعذاب
البرزخ ونعيمه أول عذاب الآخرة ونعيمها،
وهو مشتقُّ منه، وواصل إلى أهل البرزخ،
يدلُّ على ذلك ما ورد عن النبي ◌َّ في نعيم
(١) المعتمد في أصول الدِّين لأبي يعلى ص ١٧٨ .
(٢) الروح لابن القيم ص ٩١ بتصرف.
(٣) الروح ص ٧٤ .
- ٢٥٩ -

مَوْت ١٥ - ١٧
القبر وعذابه بعد سؤال الملکین: «فينادي منادٍ
من السماء - في حق المؤمن الصادق - أن
صدَقَ عبدي، فافرشوه من الجنة، وافتحوا له
باباً إلى الجنة، وألبسوه من الجنة. قال: فيأتيه
من روحها وطيبها، ويُفتح له فيها مدَّ بصره)).
أما في حق الكافر: «فينادي منادٍ من السماء:
أن كذب، فافرشوه من النار، وألبسوه من
النار، وافتحوا له باباً إلى النار. قال: فيأتيه
من حرِّها وسمومها، ويضيّق عليه قبره، حتى
تختلف فيه أضلاعه»(١).
وقد اختلف العلماء في مستقر أرواح
الموتى ما بيت الموت إلى يوم القيامة، هل
هي في السماء أم في الأرض، وهل هي في
الجنة والنار أم لا، وهل تودع في أجساد أم
تكون مجردة؟ فهذه من المسائل العظام قد
تكلم فيها الناس، وهي إنما تتلقى من السمع
فقط(٢) .
(١) حديث: ((نعيم القبر وعذابه .. )).
أخرجه أبو داود (١١٤/٥ - ط حمص)، والحاكم
(٣٨/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث
البراء بن عازب.
(٢) مجموع فتاوى ابن تيمية ٢٩٥/٤ وما بعدها، والروح
لابن القيم ص ١٢٩ - ١٥٩، والمعتمد لأبي يعلى
ص ٩٩، ولوامع الأنوار البهية ٤٦/٢ وما بعدها،
وفتاوى العز بن عبد السلام ص ٤٤، وقواعد الأحكام
للعزص ٦٩٧، ٦٩٨ .
قال الحافظ ابن حجر: إنَّ أرواح المؤمنين
في عليِين، وأرواح الكفار في سجِّين، ولكل
روح اتصال، وهو اتصال معنوي لا يشبه
الاتصال في الحياة الدنيا، بل أشبه شيء به
حال النائم انفصالاً، وشبَّهه بعضهم
بالشمس، أي بشعاع الشمس، وهذا مجمع ما
افترق من الأخبار أنَّ محلّ الأرواح في عليِين
وفي سجِّين، ومن كون أفنية الأرواح عند أفنية
قبورهم، كما نقله ابن عبد البرعن
الجمهور (١).
أثر الموت على حقوق المتوفى :
أثر الموت على الحقوق المالية
المحضة :
١٦ - الحقوق المالية المحضة: هي ما
تستحيل في النهاية إلى مال مثل الديون في
ذمم الغرماء، وحق حبس المبيع لاستيفاء
الثمن، وحق حبس الرهن لاستيفاء الدَّين،
وحق الدية والأرش في الأطراف، وحقوق
الارتفاق، وبيان ذلك فيما يلي :
أولاً - الديون في ذمة الغرماء:
١٧ - لا خلاف بين الفقهاء في عدم تأثير موت
(١) فتاوى الحافظ ابن حجر العسقلاني (مطبوع ضمن
مجموعة الرسائل المنيرية ٤ / ٤٠).
- ٢٦٠ -