Indexed OCR Text
Pages 1-20
وزارة الأوقاف وَالشِئُون الإسْلاميّة فِقْهَيَّةٌ المُؤْسُوعَةُ الْفِشَةَ الجزء التاسع والثلاثون مَلائكة - ميّت نْمِاللهِالرَّحْمُ الرَّحِيمِ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُواْ كَافَّةٌ فَلَوَّلَا نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِقَةٌ لِّيَنَفَقَّهُواْ فِي الدِيِنِ وَلِيُنذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوْ إِلَتِهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾ [سورة التوبة/ ١٢٢] ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين)). [أخرجه البخاري ومسلم] الطّبْعَة الأولى ١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠م حقوق الطبع محفوظة للوزارة ص.ب: ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت الموسُعَةُ الفِقْهِيَّةُ إصــدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية-الكويت ملائكة ١ - ٣ ملائكة التعريف : ١ - الملائكة جمع المَلَك بفتحتين، وهو واحد الملائكة، قيل: مخفف من مالك، قال الكسائي: أصله مألك بتقديم الهمزة من الألوك وهي الرسالة، ثم قلبت وقدمت اللام، وقيل: أصله المَلْك بفتح ثم سكون: وهو الأخذ بقوة، وأصل وزنه مَفْعل فتركت الهمزة لكثرة الاستعمال وظهرت في الجمع، وزيدت الهاء إما للمبالغة وإما التأنيث الجمع(١) . وفي الاصطلاح: المَلَك جسم لطيف نوراني يتشكل بأشكال مختلفة، ومسكنها السموات (٢) (١) لسان العرب، وتاج العروس، والقاموس المحيط، وفتح الباري ٣٠٦/٦ وما بعدها . (٢) التعريفات للجرجاني، وفتح الباري ٣٠٦/٦ ط دار المعرفة - بيروت، وفيض الباري ٤ / ٦ ط دار المعرفة - بيروت، وشرح الفقه الأكبر ص ٢٠ ط دار الكتب العربية - بيروت. الألفاظ ذات الصلة : أ-الإِنس: ٢ - الإِنس في اللغة: جماعة الناس، والواحد إنسي وأَنَسيّ بالتحريك، وهم بنو آدم، والإِنسي يقتضي مخالفة الوحشي، والناس يقولون: إنسي ووحشي(١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي . والفرق بين الملائكة والإِنس : أن الملائكة خلقوا من نور، ولا يأكلون ولا يشربون، ويعبدون الله ويطيعونه، قال الله تعالى: ﴿ بَلْ عِبَادٌ شُكْرَ مُونَ (٥)﴾ (٢)، وليس كذلك الإنس. ب- الجن: ٣ - الجن في اللغة: خلاف الإِنس، والجان: الواحدة من الجن، وكان أهل الجاهلية يسمون الملائكة جنًا لاستتارهم عن العيون، يقال: جنّ الليل: إذا ستر. ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي . (١) لسان العرب، والكليات ٣١٦/١، والمصباح المنير، والفروق في اللغة ص ٢٢٧ . (٢) سورة الأنبياء/ ٢٦. - ٥ - ... مَلائكة ٣ _ ٥ والصلة بين الملائكة والجن أن كلّ منهما له قوة التشكُّل بأشكال مختلفة(١). الحكم الإجمالي للملائكة : وردت في الملائكة أحكام منها: أولاً -الإِيمان بالملائكة: ٤ - من أركان العقيدة الإِسلامية الإِيمان بالملائكة، قال الله تعالى: ﴿ءَامَنَ الرَّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رَّبِّهِ، وَالْمُؤْمِنُونَّ كُلُّ ءَامَنَ بِلّهِ وَمَلَئِكَتِهِ، وَكُهِ، وَرُسُلِهِ، لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّن رُسُلِهِ، وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا ، وقال الله تعالى : ٢) وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ لِبَ. ﴿وَمَن يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَكَتِهِ، وَكُنُبِهِ، وَرُسُلِهِ، (ج) (٣). وَالْيَّوْمِ الْآَخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَلا بَعِيدًا وفي حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه عندما سأل جبريل عليه السلام عن الإِيمان، قال ◌َله: ((أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وتؤمن بالقدر خيره وشره)) (٤). فوجود الملائكة ثابت بالدليل (١) لسان العرب، ومختار الصحاح، والكليات ١٦٦/٢، وتفسير البيضاوي ٢٢٥/٤ ط المكتبة التجارية الكبرى. (٢) سورة البقرة/ ٢٨٥. (٣) سورة النساء/ ١٣٦ . (٤) حديث عمر رضي الله عنه: ((أن تؤمن بالله وملائكته ... )). أخرجه مسلم (١ / ٣٧ ط الحلبي) ضمن حديث طويل. القطعي الذي لا يمكن أن يلحقه شك، ومن هنا كان إنكار وجودهم كفراً بإجماع المسلمين، بل ينص على ذلك القرآن الكريم كما دلَّت عليه الآية السابقة (١) . ثانياً - صفاتهم الخَلْقية: ٥ - أخبرنا ربنا سبحانه أن الملائكة خلقوا قبل آدم عليه السلام، قال الله تعالى: ﴿وَ إِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَتَبِكَةِ إِنِ جَاعِلٌ فِىِ الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَّ قَالَ إِنَّّ أَعْلَمُ مَا لَا ((٢) نَعْلَمُونَ؟ كما أخبرنا النبي ◌َله أن الله خلق الملائكة من نور، فقد ورد عن عائشة رضي الله عنها أن رسول الله وسلّم قال: ((خُلقت الملائكة من نور، وخُلق الجان من مارج من نار، وخُلق آدم مما وصف لكم))(٣). فتدل النصوص فى مجموعها على أن الملائكة مخلوقات نورانية ليس لها جسم مادي يدرك بالحواس الإِنسانية، وأنهم ليسوا (١) شرح العقيدة الطحاوية ٤٠١/٢ ط مؤسسة الرسالة، وفتح الباري ٣٠٦/٦ ط دار المعرفة - بيروت، وإغاثة اللهفان ٢/ ١٢٠ وما بعدهاط مصطفى الحلبي. (٢) سورة البقرة/ ٣٠. (٣) حديث عائشة رضي الله عنها: ((خُلقت الملائكة ... )). أخرجه مسلم (٤ / ٢٢٩٤) ط الحلبي. - ٦ - ملائكة ٥ - ٧ كالبشر فلا يأكلون ولا يشربون ولا ينامون ولا يتزوجون، مطهرون من الشهوات الحيوانية، ومنزهون عن الآثام والخطايا، ولا يتصفون بشيء من الصفات المادية التي يتصف بها ابن آدم(١) غير أن لهم القدرة على أن يتمثلوا بصور البشر بإذن الله تعالى (٢) . ثالثاً - عبادة الملائكة لله وما وكل إليهم من أعمال : ٦ - علاقة الملائكة بالله هي علاقة العبودية الخالصة والطاعة والامتثال والخضوع *لا المطلق لأوامره عز وجل، قال تعالى : يَعْصُونَ اللَّهَ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ﴾(٣)، وقد وصفهم الله بأنهم لا يستكبرون عن عبادته، قال الله تعالى: ﴿لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَلَا يَسْتَحْسِرُونَ (١٠) يُسَبِّحُونَ الَّيْلَ وَالنَّهَارَ (٤) ٢٠ لَا يَفْتُرُونَ وهم منقطعون دائماً لعبادة الله وطاعة أمره(٥)، كما ورد في الآيتين السابقتين. وعن جابر رضي الله عنه قال: قال (١) شرح الفقه الأكبر لملا علي القاري ص ٢٠ ط دار الكتب العلمية، وفتح الباري ٦/ ٣٥٣ . (٢) فتح الباري ٦/ ٣٤٨ - ٣٥١ ط دار الريان للتراث - القاهرة . (٣) سورة التحريم / ٦. (٤) سورة الأنبياء/ ١٩، ٢٠. (٥) إغاثة اللهفان ٢/ ١٢٢ . رسول الله وَي: ((ما في السموات السبع موضع قدم ولا شبر ولا كف إلاّ وفیه ملك قائم أو ملك راكع أو ملك ساجد، فإذا كان يوم القيامة قالوا جميعاً: سبحانك ما عبدناك حق عبادتك إلاَّ أنَّا لم نشرك بك شيئاً)(١). ٧ - قال ابن القيم: دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة، وأنها موكلة بأصناف المخلوقات، وأنه سبحانه وكل بالجبال ملائكة، ووكل بالسحاب ملائكة، ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها، ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظه، وملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه و کتابته، ووكل بالموت ملائكة، ووكل بالسؤال في القبر ملائكة، ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها، ووكل بالشمس والقمر ملائكة، ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها (١) حديث: ((ما في السموات السبع ... )). أخرجه الطبراني في الكبير (١٨٤/٢)، وفي الأوسط (٣٤٥/٤) من حديث جابر، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٣٥٨/١٠): رجاله رجال الثقات، وفيه عروة بن مروان قال فيه الدار قطني : ليس بقوي الحديث. وله شاهد من حديث عائشة: ((ما في السماء موضع ... )). أخرجه الدولابي بسنده (١٢٢/٢) ط دار الكتب العلمية، وذكره السيوطي في الدر المنثور ٢٩٢/٢ ط المكتبة الإِسلامية . - ٧ - ( مَلائکة ٧ وعمارتها ملائكة، ووكل بالجنة وعمارتها وغراسها وعمل الأنهار فيها ملائكة، فالملائكة أعظم جنود الله تعالى، ومنهم: ﴿وَالْمُرَّسَلَتِ عُرْفًا ﴿ فَالْعَصِفَتِ عَصْفًا ﴾ وَالنَّشِرَاتِ ٢ ، فَالْمُلْقِيَتِ ذِكْرًا ٤ نَشْرَا جَ فَاَلْفَرِقَتِ فَرْقًا! جَ وَالتَّشِطَتِ نَشْطًا ومنهم: ﴿ وَالنَّزِعَتِ غَرْقًا ـَ فَالْمُدَبَِّتِ ◌َ فَالسَّبِقَتِ سَبْقًا لـ ٣ وَالسَّبِحَتِ سَبْحًا أَمْرًا ﴾﴾(٢)، ومنهم: ﴿ وَالصَّنَفَّتِ صَفًّا (٣ فَالزَّجِرَتِ زَحْرًا ؟ فَالتَّلِيَتِ ذِكْرًا ومنهم: ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، وملائكة قد وكلوا بحمل العرش، وملائكة قد وكلوا بعمارة السموات بالصلاة والتسبيح والتقديس، إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلاّ الله تعالى. ولفظ الملك يشعر بأنه رسول منفذ لأمر غيره، فليس لهم من الأمر شيء، بل الأمر كله لله الواحد القهار، وهم ينفذون أمره ﴿لَا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ. يَعْمَلُونَ (٣) يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ آَرْتَضَى وَهُم مِّنْ خَشَْتِهِ، ﴾ (٤)، ﴿يَخَافُونَ رَبَّهُم مِّن فَوْفِهِمْ ٢٨ مُشْفِقُونَ (١) سورة المرسلات / ١ - ٥. (٢) سورة النازعات / ١ _ ٥. (٣) سورة الصافات/ ١ - ٣. (٤) سورة الأنبياء/ ٢٧، ٢٨. ◌َ﴾(١)، ﴿لَّا يَعْضُونَ اللَّهَ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾ مَآ أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ مَا يُؤْمَرُونَ ﴾﴾(٢) . ٠٠٠٠ ولا تتنزل الملائكة إلاَّ بأمر الله، ولا تفعل شيئاً إلاّ من بعد إذنه. ورؤساؤهم الأملاك الثلاث: جبريل، وميكائيل، وإسرافيل، وكان النبي صلَّى الله تعالى عليه وآله وسلَّم يقول: ((اللَّهم ربَّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل، فاطرَ السماوات والأرض، عالم الغيب والشهادة، أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون، اهدني لما اخْتُلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراطٍ مستقيمٍ))(٣). فتوسل إليه سبحانه بربوبيته العامة والخاصة لهؤلاء الأملاك الثلاثة الموكلين بالحياة . فجبريل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح، وميكائيل وكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان، وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم(٤) . (١) سورة النحل / ٥٠. (٢) سورة التحريم / ٦. (٣) حديث: ((اللهم رب جبريل ... )). أخرجه مسلم (٥٣٤/١ ط الحلبي) من حديث عائشة رضي الله عنها . (٤) إغاثة اللهفان ١٢١/٢ -١٢٢. - ٨ - مَلائكة ٨ -٩ رابعاً - تفضيل الملائكة: ٨ - قال ابن عابدين من الحنفية نقلاً عن الزندوستي: أجمعت الأمة على أن الأنبياء أفضل الخليقة، وأن نبينا ◌َّ أفضلهم، وأن أفضل الخلائق بعد الأنبياء الملائكة الأربعة وحملة العرش والروحانيون ورضوان ومالك، وأن الصحابة والتابعين والشهداء والصالحين أفضل من سائر الملائكة. واختلفوا بعد ذلك، فقال الإِمام أبو حنيفة: سائر الناس من المسلمين أفضل من سائر الملائكة، وقال محمد وأبو يوسف : (١) سائر الملائكة أفضل . خامساً - سب الملائكة: ٩ - اتفق الفقهاء على أن من سب أنبياء الله تعالى أو ملائكته - الوارد ذكرهم في الكتاب الكريم والسنَّة الصحيحة - أو استخف بهم أو كذبهم فيما أتوابه أو أنكر وجودهم وجحد نزولهم قتل كفراً. واختلفوا هل يستتاب أم لا؟ فقال الجمهور: يستتاب وجوباً أو استحباباً على خلاف بينهم. وعند المالكية: لا يستتاب على المشهور (٢). (١) حاشية ابن عابدين ١ / ٣٥٤ ط بولاق. (٢) حاشية ابن عابدين ٢٣٥/٤ ط مصطفى الحلبي، والشفاء ٢/ ٤٧٣، ونسيم الرياض شرح الشفا ٤ / ٥٤٧، والمغني مع الشرح ٢١/٩، وقليوبي وعميرة= قال الدسوقي: قتل ولم يستتب - أي بلا طلب أو بلا قبول توبة منه - حدًا إن تاب وإلاَّ قتل كفراً، إلاَّ أن يسلم الكافر فلا يقتل لأن الإِسلام يجب ما قبله(١). قال المواق : وهذا کله فیمن تحقق کونه من الملائكة والنبيين كجبريل وملك الموت والزبانية ورضوان ومنكر ونكير، فأما من لم تثبت الأخبار بتعيينه ولا وقع الإِجماع على كونه من الملائكة أو الأنبياء، كهاروت وماروت، ولقمان وذي القرنين ومريم وأمثالهم فليس الحكم فيهم ما ذكرنا إذ لم تثبت لهم تلك الحرمة، لكن يؤدب من تنقّصهم . وأما إنكار كونهم من الملائكة أو النبيين فإنكان المتكلم من أهل العلم فلا حرج، وإن كان من عوام الناس زجر عن الخوض في مثل هذا، وقد كره (٢) السلف الكلام فىمثل هذا ممالیس تحتهعمل . (ر: ردة ف ١٦ - ١٧، ٣٥). ٤ /١٧٥، وشرح منتهى الإرادات ٣٨٦/٣، والقوانين = الفقهية ص ٣٥٧ الناشر الكتاب العربي. (١) حاشية الدسوقي ٤ /٣٠٩. (٢) التاج والإِكليل بهامش مواهب الجليل ٦/ ٢٨٥، وحاشية الدسوقي ٣٠٩/٤، والقوانين الفقهية ص ٣٥٧، والشرح الصغير على أقرب المسالك ٤٣٥/٤، والخرشي ٨/ ٧٤٧، ومنح الجليل ٤ /٤٧٦، وشرح منتهى الإرادات ٣٨٦/٣، وكشاف القناع ١٦٨/٦، وغاية المنتهى ٣٥٩/٣، والشفا ٤٧٣/٢ . - ٩ - مَلاءة ١ مَلاءة التعريف : ١ - الملاءة في اللغة: مصدر الفعل مَلُؤَ - بضم اللام - قال الفيومي: مَلُؤَ - بالضم - ملاءة، وهو أملاً القوم أي: أقدرهم وأغناهم، ورجل مليء - مهموز ـــ على وزن فعيل: غني مقتدر(١). وفي لسان العرب: رجل مليء: كثير المال بيّن الملاء، والجمع مِلاء، وقد مُؤَ الرجل يملُؤُ ملاءة فهو مليء: صار مليئاً، (أي ثقة، فهو غني مليء: بيّن الملاء والملاءة . وقد أُولِع فيه الناس بترك الهمز وتشديد الياء (٢) . (١) المصباح المنير. (٢) لسان العرب، ومختار الصحاح. وفي اصطلاح الفقهاء: الملاءة: هي الغِنى واليسار(١). وقد فسر أحمد الملاءة فقال: تعتبر الملاءة في المال والقول والبدن، فالمليء هو من كان قادراً بماله وقوله وبدنه، قال البهوتي: وجزم به في المحرر والنظم والفروع والفائق والمنتهى وغيرها، ثم قال البهوتي: زاد في الرعاية الصغرى والحاويين: وفعله، وزاد في الكبرى عليهما: وتمكنه من الأداء. فالملاءة في المال: القدرة على الوفاء، والملاءة في القول: أن لا يكون مماطلاً. والملاءة في البدن: إمكان حضوره مجلس الحكم، قال البهوتي : هذا معنى كلام الزركشي. ثم قال: والظاهر أن: ((فعله)) يرجع إلى عدم المطل إذ الباذل غير مماطل. و: ((تمكنه من الأداء)) يرجع إلى القدرة على الوفاء، إذ مَن ماله غائب أو في الذمة ونحوه غير قادر على الوفاء، ولذلك أسقطهما الأكثر ولم يفسرهما(٢). (١) حاشية ابن عابدين ٩/٢، ١٠، والهداية مع شروحها ٣١٩/٨ نشر دار إحياء التراث، وحاشية الجمل ٢٦١/٣، وجواهر الإكليل ١١١/٢، ١١٢، والمغني ٤ /٥٨٢، والإِقناع ٢/ ١٨٧. (٢) كشاف القناع ٣٨٦/٣. - ١٠ - مَلاءة ٢ - ٤ الألفاظ ذات الصلة : الإعسار: ٢ - الإِعسار في اللغة: مصدر أعسر، وهو ضد اليسار، والعُسْر: الضيق والشدة، والإِعسار والعسرة: قلة ذات اليد(١). والإِعسار في الاصطلاح: عدم القدرة على النفقة أو على أداء ما عليه بمال ولا كسب، أو هو زيادة خرجه عن دخله(٢) . والإِعسار ضد الملاءة. ما يتعلق بالملاءة من أحكام : يتعلق بالملاءة أحكام منها : أ - أثر الملاءة في زكاة الدين : ٣ - اختلف الفقهاء في زكاة الدين إذا كان على مليء. وينظر تفصيل ذلك في مصطلح (زكاة ف ٢٠، ٢١). ب- أثر الملاءة في أخذ المشفوع: ٤ - من أحكام الشفعة: أن الشفيع يأخذ الشقص المشفوع بمثل الثمن الذي استقر عليه (١) لسان العرب. (٢) المهذب ١٦٢/٢، ومغني المحتاج ٤٢٦/٣. العقد وقت لزومه قدراً وجنساً وصفة(١)، لحديث جابر رضي الله تعالى عنه: ((فهو أحق بها بالثمن)»(٢). فإن كان ثمن الشقص المشفوع مؤجلاً إلى أجل معلوم أخذه الشفيع بمثل ثمنه مؤجلاً إلى أجله، لأن الشفيع يستحق الأخذ بقدر الثمن وصفته، والتأجيل من صفته، وهذا عند المالكية والحنابلة . لكن الشفيع لا يستحق الأخذ إلا بشروط. قال المالكية: إنما يستحق الشفيع أخذ الشقص بالثمن المؤجل إذا كان موسراً بالثمن يوم الأخذ، ولا يُلتفت ليسره يوم حلول الأجل في المستقبل، ولا يكفي تحقق يسره يوم حلول الأجل بنزول جامكية أو معلوم وظيفة في المستقبل إذا كان يوم الأخذ معسراً مراعاةً لحق المشتري، ولا يراعى خوف طرو عسره قبل حلول الأجل إلغاء للطارىء، لوجود مصحح العقد يوم الأخذ وهو اليسر . (١) حاشية ابن عابدين ١٤٧/٥، والشرح الكبير للدردير ٤٧٦/٣، وحاشية الجمل ٥٠٥/٣، وكشاف القناع ٤ / ١٥٩. (٢) حديث جابر رضي الله عنه: ((فهو أحق بها بالثمن)). أخرجه أحمد (٣١٠/٣) ط المكتب الإسلامي وله أصل في الصحيحين. - ١١ - ... مَلاءة ٤ فإن لم يكن الشفيع موسراً يوم الأخذ، فإن أمكن أن يأتي بضامن مليء أو برهن ثقة، فإنه يستحق الأخذ، وإذا لم يكن الشفيع موسراً وقت الأخذ ولم يأت بضامن مليء أو رهن ثقة فإنه يجب عليه تعجيل الثمن للمشتري ولو ببيع الشقص لأجنبي، فإن لم يعجل الثمن فلا شفعة له. لكن إذا تساوى الشفيع والمشتري في العدم فلا يلزم الشفيع حينئذ الإتيان بضامن مليء، ويحق له أن يأخذ الشقص بالشفعة إلى ذلك الأجل، وهذا على المختار. ومقابل المختار: أنه متى كان الشفيع معدماً فلا يأخذه إلا بضامن مليء ولو كان مساوياً للمشتري في العدم، وكذلك لو كان الشفیع أشد عدماً من المشترى فإنه يلزمه أن يأتي بحميل مليء، فإن أبى أسقط الحاكم شفعته(١). وقال الحنابلة: إن كان ثمن الشقص المشفوع مؤجلاً أخذه الشفيع بالأجل إن كان الشفيع مليئاً، فإن لم يكن مليئاً - بأن كان معسراً - أقام كفيلاً مليئاً بالثمن وأخذ الشقص (١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي عليه ٤٧٨/٣، وجواهر الإكليل ٢/ ١٥٨، ١٥٩. بالثمن مؤجلاً، لأن الشفيع يستحق الأخذ بقدر الثمن وصفته، والتأجيل من صفته، واعتبرت الملاءة أو الكفيل دفعاً لضرر المشتري(١). هذا إذا كان ثمن الشقص المشفوع مؤجلاً، فإن كان حالاً وعجز الشفيع عنه أو عن بعضه سقطت شفعته، ولو أتى الشفيع برهن أو ضمين لم يلزم المشتري قبولهما ولو كان الرهن محرزاً والضمين مليئاً، لما على المشتري من الضرر بتأخير الثمن، والشفعة شرعت لدفع الضرر، فلا تثبت معه(٢). وعند الحنفية والشافعية في الأظهر: إن كان ثمن المشفوع مؤجلاً فللشفيع الخيار: إن شاء أخذ بثمن حال، وإن شاء صبر حتى ينقضي الأجل ثم يأخذ، وليس له أن يأخذ في الحال بثمن مؤجل، وليس الرضا بالأجل في حق المشتري رضا به في حق الشفيع، لتفاوت الناس في الملاءة . وقال زفر من الحنفية، وهو القول الثاني عند الشافعية: يأخذه بالثمن المؤجل تنزيلاً له (١) كشاف القناع ١٦٠/٤، ١٦١، والمغني ٣٥٠/٥. (٢) كشاف القناع ٤/ ١٦٠، وحاشية العدوي على شرح الرسالة ٢/ ٢٣٢. - ١٢ - مَلاءة ٤ - ٥ منزلة المشتري، ولأن كونه مؤجلاً وصف في الثمن كالزيافة، والأخذ بالشفعة بالثمن، فيأخذه بأصله ووصفه كما في الزيوف. والقول الثالث عند الشافعية: يأخذه بسلعة لو بيعت إلى ذلك الأجل لبيعت بذلك القدر(١) . ج- أثر الملاءة في الضمان: ٥ _ یری جمهور الفقهاء (أبو يوسف ومحمد من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة): أنه لا يشترط ملاءة المضمون عنه، ولذلك يصح ضمان كل من وجب عليه حق، سواء كان المضمون عنه حياً أو ميتاً، وسواء كان مليئاً أو مفلساً(٢)، والدليل على ذلك: ما رواه سلمة بن الأكوع رضي الله عنه قال: ((كنا جلوساً عند النبي ◌َّ إذ أُتي بجنازة، فقالوا: صلِّ عليها. فقال: هل عليه دين؟ قالوا: لا، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: لا، فصلى عليه. ثم أتي بجنازة أخرى، فقالوا: یا رسول الله صلّ علیھا. قال: هل علیه دین؟ قيل: نعم، قال: فهل ترك شيئاً؟ قالوا: ثلاثة دنانير. فصلى عليها. ثم أتي بالثالثة فقالوا: (١) تكملة فتح القدير ٣١٩/٨، ومغني المحتاج ٣٠١/٢ . (٢) بدائع الصنائع ٦/٦، ومنح الجليل ٢٤٦/٣، وحاشية الدسوقي ٣٣١/٣، ومغني المحتاج ١٩٨/٢، ٢٠٠، وشرح منتهى الإِرادات ٢٤٨/٢، والمغني ٤ / ٥٩٣. صلّ عليها. قال: هل ترك شيئاً؟ قالوا: لا. قال: فهل عليه دين؟ قالوا: ثلاثة دنانير. قال: صلوا على صاحبكم. قال أبو قتادة: صلِّ عليه يا رسول الله وعَليَّ دينه، فصلى عليه))(١) فدل الحديث على أنه يصح ضمان المدین الذي لم يخلف وفاء(٢) . وعلل أبو يوسف ومحمد صحة الكفالة بالدين عن الميت المفلس بأن الموت لا ينافي بقاء الدين لأنه مال حكمي، فلا يفتقر بقاؤه إلى القدرة على الوفاء، ولهذا بقي إذا مات مليئاً حتى تصح الكفالة به، وكذا بقيت الكفالة بعد موته مفلساً(٣) . وبنى الشافعية قولهم على أنه لا يشترط معرفة المضمون عنه - وهو المدين - لأن قضاء دين الغير بغير إذنه جائز فالتزامه أولى، كما يصح الضمان عن الميت وإن لم يخلف وفاء(٤) . وذهب أبو حنيفة ـــ وهو قول أبي ثور - إلى أنه يشترط في المكفول له أن يكون مليئاً، حتى يكون قادراً على تسليم المكفول به إما (١) حديث: ((كنا جلوساً عند النبي ◌َّ﴾ إذ أتي بجنازة فقالوا ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٦٧ ط السلفية). (٢) المراجع السابقة، وتبيين الحقائق ١٥٩/٤ - ١٦٠. (٣) بدائع الصنائع ٦/٦، وتبيين الحقائق ١٥٩/٤ - ١٦٠. (٤) مغني المحتاج ٢/ ٢٠٠ . - ١٣ - مَلاءة ٥ - ٧ بنفسه أو بنائبه، ولذلك لا يصح عنده الكفالة بالدين عن الميت المفلس، لأن الدين عبارة عن الفعل والميت عاجز عن الفعل، فكانت هذه كفالة بدين ساقط كما إذا كفل على إنسان بدين ولا دين عليه، وإذا مات مليئاً فهو قادر بنائبه(١) . د - أثر الملاءة في أداء الدين : ٦ - مَن كان عليه دين حال وكان مليئاً مقراً بدينه أو عليه بينة وجب عليه أداء الدین حین طلبه، لقول النبي وَلّ: ((مَطْلُ الغني ظُلْمٌ))(٢)، وبالطلب يتحقق المطل، إذ لا يقال: مطله إلا إذا طالبه فدافعه (٣) . وذهب بعض فقهاء الشافعية إلى أن أداء الدين للقادر على الأداء لا يتوقف على الطلب . جاء في حاشية الجمل: يجب على الغني (١) بدائع الصنائع ٦/ ٦. (٢) حديث: ((مطل الغني ظلم)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٦٦/٤ ط السلفية)، ومسلم (١١٩٧/٣ ط عيسى الحلبي) من حديث أبي هريرة رضي الله عنه . (٣) بدائع الصنائع ١٧٣/٧، والاختيار ٨٩/٢، ٩٠، والهداية ١٠٤/٣، وتكملة فتح القدير ٧/ ٢٧٨ نشر دار الفكر، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢٧٩/٣، ومنح الجليل ١٤٣/٣، ومغني المحتاج ١٥٧/٢، وكشاف القناع ٤١٨/٣، والمغني ٤ /٤٩٩ _ ٥٠١. أداء الدين فوراً إن خاف فوت أدائه إلى المستحق إما بموته أو مرضه أو بذهاب ماله، أو خاف موت المستحق، أو طالبه رب الدین، أو علم حاجته إلیه وإن لم يطالبه، ذکر ذلك البارزي(١) . ٧ - وإذا أمره الحاكم بالأداء فطلب إمهاله لبيع عروضه ليوفي دينه من ثمنها أُمهل باجتهاد الحاكم، لكن لا يؤجل إلا إذا أعطى حميلاً بالمال، وهذا ما ذهب إليه المالكية(٢). وقال الحنابلة: إن كان للمدين القادر على الوفاء سلعة، فطلب من رب الحق أن يمهله حتى يبيعها ويوفيه الدين من ثمنها أمهل بقدر ذلك، أي بقدر ما يتمكن من بيعها والوفاء من ثمنها . و کذا إن طولب بمسجد أو سوق ومالُه بداره أو مودع أو ببلدآخر فیمهل بقدر مایحضره فيه. وكذلك إن أمكن المدين أن يحتال لوفاء دينه باقتراض ونحوه فيمهل بقدر ذلك، ولا يحبس لعدم امتناعه من الأداء لقوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اَللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَأَ﴾ (٣). (١) حاشية الجمل ٣٨٨/٣. (٢) شرح الدردير وحاشية الدسوقي ٢٧٩/٣، وجواهر الإكليل ٢/ ٩٢. (٣) سورة البقرة/ ٢٨٦. - ١٤ - مَلاءة ٧ _٩ وإن خاف رب الحق هربه احتاط بملازمته أو بكفيل، ولا يجوز منعه من الوفاء بحبسه، لأن الحبس عقوبة لا حاجة إليها(١). وقال الحنابلة أيضاً: لو ماطل المدين حتى شكاه رب الحق فما غرمه في شكواه فعلى المدين المماطل إذا كان رب الحق قد غرمه على الوجه المعتاد، لأنه تسبب في غرمه بغیر حق(٢) . ٨ - وإذا امتنع المدين المليء من أداء الدين بعد الطلب، وبعد إعطائه المهلة لبيع عروضه أو غير ذلك كما سبق بيانه، أو لم يأت بحميل بالمال كما يقول المالكية، فقد ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن الحاکم یحبسه، لقول النبي ◌َّ: ((مطل الغني ظلم))(٣)، فيحبس دفعاً للظلم لقضاء الدين بواسطة الحبس، ولقوله وَلّ: «لَيُّ الواجد يُحِل عِرْضه وعقوبته)) (٤). والحبس عقوبة كما قال (١) كشاف القناع ٤١٨/٣ - ٤٢٠، وشرح منتهى الإرادات ٢٧٥/٢. (٢) كشاف القناع ٤١٩/٣، وشرح منتهى الإِرادات ٢٧٥/٢. (٣) حديث: ((مطل الغني ظلم)). سبق تخريجه ف ٦ . (٤) حديث: ((ليّ الواجد يحل عرضه وعقوبته)). أخرجه أبو داود (٤٥/٤ - ٤٦)، والنسائي (٣١٦/٧ ط المكتبة التجارية)، وابن ماجه (٨١١/٢ ط عیسی= الكاساني وابن قدامة (١) . لكن الحنفية قالوا: إن الحبس لا يكون إلا بطلب رب الدين من القاضي، فما لم يطلب رب الدين حبس المدين المماطل لا يحبس لأن الدین حقه، والحبس وسيلة إلى حقه، ووسيلة حق الإِنسان هي حقه، وحق المرء إنما يطلب بطلبه، فلا بد من الطلب للحبس، فإذا طلب رب الدين حبس المدين - وثبت عند القاضي سبب وجوب الدين وشرائطه بالحجة - حبسه لتحقق الظلم عنده بتأخير حق الدين من غير ضرورة، والقاضي نصب لدفع الظلم فيندفع الظلم عنه(٢). ٩ - ويشترط لحبس المليء المماطل أن يكون ممن سوى الوالدين لصاحب الدين، فلا يحبس الوالدون وإن علوا بدين المولودين وإن سفلوا، لقول الله تعالى : ﴿ وَصَاحِبْهُمَا فِی اُلُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾(٣)، وقوله تعالى: ﴿وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا﴾(٤)، وليس من المصاحبة الحلبي) من حديث الشريد بن سويد رضي الله عنه، = وحسن إسناده ابن حجر (فتح الباري ٥/ ٦٢ ط السلفية). (١) بدائع الصنائع ١٧٣/٧، ومنح الجليل ١٤٣/٣، وكشاف القناع ٤١٩/٣، والمغني ٤ / ٥٠١. (٢) بدائع الصنائع ٧/ ١٧٣ . (٣) سورة لقمان/ ١٥ . (٤) سورة الإِسراء/ ٢٣. - ١٥ - مَلاءة ٩ - ١٠ بالمعروف والإِحسان حبسهما بالدين، إلا أنه إذا امتنع الوالد من الإِنفاق على ولده الذي عليه نفقته فإن القاضي يحبسه، لكن تعزيزاً لا حبساً بالدین. وأما الولد فيحبس بدين الوالد، لأن المانع من الحبس حق الوالدين . وكذا سائر الأقارب، یحبس المدیون بدین قریبه كائناً من كان. ويستوي في الحبس الرجل والمرأة، لأن الموجب للحبس لا يختلف بالذكورة والأنوثة. ويحبس ولي الصغیر إذا كان ممن يجوز له قضاء دينه، لأنه إذا كان الظلم بسبيل من قضاء دينه صار بالتأخير ظالماً، فيحبس ليقضي الدين فيندفع الظلم. لكن عند المالكية يحبس الجد بدين ولد ولده، لأن حقه دون حق الأب(١). ١٠ - وإذا حبس الحاكم المدين وأصر على الامتناع عن الوفاء، فقد اختلف الفقهاء فيما يفعله الحاکم به . قال الحنفية: إذا قامت البينة على يساره (١) بدائع الصنائع ١٧٣/٧، وجواهر الإكليل ٩٣/٢، ومغني المحتاج ١٥٦/٢ . أبَّدَ الحاكم حبسه لظلمه(١) . وقال المالكية: يُضرب معلوم الملاء مرة بعد مرة باجتهاد الحاكم في العدد بمجلس أو مجالس، ولو أدى إلى إتلافه لظلمه باللدد دون أن يقصد الحاكم إتلافه، أما لو ضربه قاصداً إتلافه فإنه یقتص منه، قالوا: ولا يبيع ماله(٢) . وقال الشافعية: إن امتنع الموسر من أداء الدين أمره الحاكم به، فإن امتنع من الأداء و کان له مال ظاهر ۔۔ وهو من جنس الدین - وفى منه، وإن کان من غیر جنس الدین باع الحاكم عليه ماله - وإن كان المال في غير محل ولايته كما صرح به القاضي والقمولي - أو أكرهه على البيع بالتعزير بحبس أو غيره، لما روي عن عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ((إن الأُسَيْفعَ أُسيْفع جهينة رَضِيَ من دِينه وأمانته أن يقال: سبق الحاج، إلاّ أنه قد دان مُعْرِضاً، فأصبح قد رین به، فمن كان له علیه دين فليأتنا بالغداة نقسم ما له بينهم))(٣). ولو التمس الغريم من الحاكم الحجر على (١) الاختيار ٢ / ٩٠. (٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٧٩/٣، وجواهر الإِكليل ٢/ ٩٢. (٣) أثر عمر رضي الله تعالى عنه أنه قال: ((إن الأسیفع ... )). أخرجه مالك في الموطأ (٧٧٠/٢ - ط الحلبي). - ١٦ - مَلاءة ١٠ -١١ مال الممتنع من الأداء أجيب لئلا يتلف ماله. وإن كان للمدين مال فأخفاه وهو معلوم، وطلب غريمه حبْسه حبسه الحاكم وحجر عليه وعزره حتى يظهره، فإن لم ينزجر بالحبس ورأى الحاكم ضربه أو غيره فعل ذلك، ولو زاد مجموع الضرب على الحد. ولا يعزره ثانياً حتى يبرأ من التعزير الأول(١) . وقال الحنابلة: إن أصر المدين المليء على الحبس ولم يؤد الدين باع الحاكم ماله وقضى دينه، لما روى كعب بن مالك رضي الله عنه عن أبيه ((أن رسول الله وَل حجر علی معاذ رضي الله عنه ماله وباعه في دین کان عليه))(٢). وقال جماعة منهم: إذا أصر المدين على الحبس وصبر عليه ضربه الحاكم، قال في الفصول وغيره: يحبسه فإن أبى الوفاء عزره، ويكرر حبسه وتعزیره حتى يقضي الدين، قال ابن تيمية: نص عليه الأئمة من أصحاب أحمد (١) مغني المحتاج ١٥٧/٢، والمهذب ٣٢٧/١. (٢) حديث: ((أن رسول الله ◌َّ حجر على معاذ ... )). أخرجه الحاكم في المستدرك (٥٨/٢، ١٠١/٤) وقال: صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. ووافقه الذهبي ونقل ابن حجر في التلخيص (٣٧/٣) عن عبد الحق الإِشبيلي أنه رجح إرساله. وغيرهم ولا أعلم فيه نزاعاً، لكن لا يزاد في كل يوم على أكثر التعزير إن قيل بتقديره(١). هـ - اختلاف المدين والغريم في الملاءة : ١١ - لو أقام الغريم بينة بملاءة المدين، أو ادعى ملاءته بلا بينة، وأقام المدين بينة بإعساره، أو ادعى الإِعسار بلا بينة، فقد اختلف الفقهاء فيمن تقبل بينته، وفيمن يقبل قوله لو لم تكن معه بينة . قال الحنفية: لو اختلف الغريم والمدين في اليسار والإِعسار، فقال الطالب: هو موسر، وقال المطلوب: أنا معسر، فإن قامت لأحدهما بينة قبلت بينته، وإن أقاما جميعاً البيئة، فالبينة بينة الطالب، لأنها تثبت زيادة وهي اليسار، وإن لم يقم لهما بينة فقد ذكر محمد في الكفالة والنكاح والزيادات أنه ينظر: إن ثبت الدين بمعاقدة كالبيع والنكاح والكفالة والصلح عن دم العمد والصلح عن المال والخلع، أو ثبت تبعاً فيما هو معاقدة كالنفقة في باب النكاح فالقول قول الطالب، وكذا في الغصب والزكاة، وإن ثبت الدين بغير ذلك كإحراق الثوب أو القتل الذي لا يوجب القصاص ويوجب المال في مال الجاني وفي (١) كشاف القناع ٤٢٠/٣، والإنصاف ٢٧٦/٥ . - ١٧ - مَلاءة ١١ الخطأ فالقول قول المطلوب. وذكر الخصاف في آداب القاضي أنه إن وجب الدين عوضاً عن مال سالم للمشتري، نحو ثمن المبيع الذي سلم له المبيع والقرض والغصب والسلم الذي أخذ المسلم إلیه رأس المال فالقول قول الطالب، و کل دین ليس له عوض أصلاً کإحراق الثوب، أو له عوض ليس بمال کالمهر وبدل الخلع وبدل الصلح عن دم العمد والكفالة فالقول قول المطلوب. وقال الكاساني: واختلف المشايخ فیه : قال بعضهم: القول قول المطلوب على كل حال ولا يحبس، لأن الفقر أصل في بني آدم والغنى عارض، فكان الظاهر شاهداً للمطلوب، فكان القول قوله مع یمینه . وقال بعضهم: القول قول الطالب على كل حال، لقول النبي ◌َّلقر: ((لصاحب الحق اليد واللسان))(١). وقال بعضهم: يحگّم زيه: إذا کان زيه زي (١) حديث: ((لصاحب الحق اليد واللسان)). أخرجه ابن عدي في الكامل في الضعفاء (٢٢٨١/٦) من حديث أبي عيينة الخولاني رضي الله عنه وضعف أحد رواته واستنكر له هذا الحديث، ويدل عليه ما أخرجه البخاري من حديث أبي هريرة رضي الله عنه مرفوعاً: ((إن لصاحب الحق مقالاً)) (فتح الباري ٥٦/٥ ط السلفية) ومسلم (١٢٢٥/٣ ط عيسى الحلبي). الأغنياء فالقول قول الطالب، وإن کان زيه زي الفقراء فالقول قول المطلوب. وعن أبي جعفر الهندواني أنه یحکم زيه فيؤخذ بحكمه في الفقر والغنى، إلا إن كان المطلوب من الفقهاء أو العلوية أو الأشراف، لأن من عاداتهم التكلف في اللباس والتجمل بدون الغنى، فيكون القول قول المديون أنه (١) معسر(١). ووجه ما ذكر الخصاف أن القول في الشرع قول من يشهد له الظاهر، فإذا وجب الدين بدلاً عن مال سلم له كان الظاهر شاهداً للطالب، لأنه ثبتت قدرة المطلوب بسلامة المال، وكذا في الزكاة فإنها لا تجب إلا على الغني فكان الظاهر شاهداً للطالب. ووجه قول محمد وهو ظاهر الرواية: أن الظاهر شاهد للطالب فيما ذكرنا أيضاً من طريق الدلالة، وهو إقدامه على المعاقدة، فإن الإِقدام على التزوج دليل القدرة، إذ الظاهر أن الإِنسان لا يتزوج حتى يكون له شيء، ولا یتزوج أيضاً حتى يكون له قدرة على المهر ، وكذا الإِقدام على الخلع لأن المرأة لا تخالع عادة حتى يكون عندها شيء، وكذا الصلح لا يقدم الإِنسان عليه إلا عند القدرة، فكان (١) بدائع الصنائع ١٧٣/٧ - ١٧٤ . - ١٨ - مَلاءة ١١ الظاهر شاهداً للطالب في هذه المواضع فكان القول قوله(١) . وقال المالكية: إن شهدت بينة بملاءة المدين، وشهدت بينة بعدم ملاءته رجحت بينة الملاء على بينة العدم إن بينت بينة الملاء سببه، بأن قالت: له مال يفي بدينه وقد أخفاه، لأنها بينة ناقلة ومثبتة وشاهدة بالعلم . وقال ابن عرفة: لو قالت بينة: له مال باطن أخفاه، قدمت اتفاقاً، فإن لم تبين بينة الملاء سبب الملاء رجحت بينة العدم، سواء بينت سبب العدم أم لا . وقال علي الأجهوري : والذي جرى العمل به تقدیم بينة الملاء وإن لم تبین سببه . وإن شهد شهود بعسر المدين، وقالوا في شهادتهم: إنهم لا يعرفون للمدين مالاً ظاهراً ولا باطناً، فإن المشهود له يحلف على ما شهد به الشهود، فيقول: بالله الذي لا إله إلا هو لم أعرف لي مالاً ظاهراً ولا باطناً، ويزيد: وإن وجدت مالاً لأقضين ما عليّ(٢). وقال الشافعية: لو تعارضت بينتا إعسار وملاءة كلما شهدت إحداهما جاءت الأخرى فشهدت بأنه في الحال على خلاف ما شهدت به الأولى، فهل يقبل ذلك أبداً ويعمل بالمتأخر؟ (١) المرجع السابق. (٢) جواهر الإكليل ٩٢/٢ - ٩٣، ومنح الجليل ١٤٤/٣. أفتى ابن الصلاح بأنه يعمل بالمتأخر منهما وإن تكررت، إذا لم ينشأ من تكرارها ريبة، ولا تكاد بينة الإِعسار تخلو عن ريبة إذا تكررت(١). وقال الشيرازي: إن ادعى المدين الإِعسار نظر، فإن لم يعرف له مال قبل ذلك فالقول قوله مع يمينه، لأن الأصل عدم المال، فإن عرف له مال لم يقبل قوله: إنه معسر، إلا ببينة، لأن الأصل بقاء المال، فإن قال: غريمي يعلم أني معسر، أو أن مالي هلك فحلِّفوه حُلّف الغريم، لأن ما يدعيه محتمل(٢) . وقال الحنابلة: إن ادعى المدين الإِعسار وكذبه غريمه، فلا يخلو إما أن يكون عُرف له مال أو لم يعرف: فإن عرف له مال، ككون الدين ثبت عن معاوضة كالقرض والبيع، أو عرف له أصل مال سوى هذا فالقول قول غريمه مع يمينه، فإذا حلف الغريم أنه ذو مال حبس المدين حتى تشهد بينة بإعساره، لأن الظاهر قول الغريم، فكان القول قوله كسائر الدعاوى . فإن شهدت البينة بتلف ماله قبلت شهادتهم، سواء كانت من أهل الخبرة الباطنة (١) مغني المحتاج ١٥٦/٢ . (٢) المهذب ٣٢٧/١. - ١٩ - مَلاءة ١١ - ١٢ أو لم تكن، لأن التلف يطلع عليه أهل الخبرة وغيرهم، وإن طلب الغريم إحلافه على ذلك لم یجب إلیه لأن ذلك تكذيب للبينة . وإن شهدت البينة بالإِعسار مع الشهادة بالتلف اکتفی بشهادتها و ثبتت عسر ته . وإن لم تشهد البينة بعسرته وإنما شهدت بالتلف لا غير، وطلب الغريم يمين المدين على عسره وأنه ليس له مال آخر، استحلف على ذلك لأنه غير ما شهدت به البينة . وإن لم تشهد البينة بالتلف، وإنما شهدت بالإِعسار فقط لم تقبل الشهادة إلا من ذي خبرة باطنة ومعرفة متقادمة، لأن هذا من الأمور الباطنة لا يطلع عليه في الغالب إلا أهل الخبرة والمخالطة(١)، وذلك لما روى قبيصة بن المخارق رضي الله عنه أن النبي وقال له: ((يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة ... ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه: لقد أصابت فلاناً فاقةٌ فحلت له المسألة حتى یصیب، قواماً من عیش، أو قال: سداداً من عيش))(٢). (١) المغني ٤٩٩/٤ - ٥٠٠. (٢) حديث: ((يا قبيصة إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة ... )). أخرجه مسلم (٢/ ٧٢٢ ط عيسى الحلبي). وإن لم يعرف للمدين مال الغالب بقاؤه، ككون الحق ثبت عليه في غير مقابلة مال أخذه المدين كأرش جناية وقيمة متلف ومهر أو ضمان أو كفالة أو عوض خلع إن كان امرأة، وادعى الإِعسار ولم يقر المدين أنه مليء، فإنه يحلَّف: أنه لا مال له ويخلى سبیله، لأن الأصل عدم المال. فإن أنكر رب الدين إعسار المدين، وأقام بينة بقدرة المدين على الوفاء، فإن المدين یحبس لثبوت ملاءته . ولو حلف رب الدين: أنه لا يعلم عسرة المدين، أو حلف رب الدين: أن المدين موسر، أو ذو مال، أو أنه قادر على الوفاء حبس المدين لعدم ثبوت عسرته . فإن لم یحلف رب الدین بعد سؤال المدين حلفه أنه لا يعلم عسرته، حُلّف المدين أنه معسر وخلي سبيله، لأن الأصل عدم المال، إلا أن يقيم رب الدين بينة تشهد له بما ادعاه من يساره فيحبس المدين(١) . و- أثر الملاءة في منع المدين من السفر: ١٢ - ذهب الفقهاء إلى أن المدين إذا أراد السفر، فإن كان الدين حالاً وكان المدين مليئاً كان من حق الغريم منعه من السفر حتى يؤدي (١) كشاف القناع ٤٢١/٣، والمغني ٤ / ٥٠١. - ٢٠ -