Indexed OCR Text
Pages 201-220
مَعْدُوم ١ - ٤ مَعْدُوم التعريف : ١ - المعدوم لغة: المفقود، يقال: عدمته عدمًا من باب تعب: فقدته، والاسم: العُدْم(١). وفي الاصطلاح، قال البركتي: العدم ما .(٢) يقابل الوجود الأحكام المتعلقة بالمعدوم : يتعلق بالمعدوم أحكام منها : ١ - بيع المعدوم : ٢ - ذهب الفقهاء إلى عدم صحة بيع المعدوم، وأنه لا ينعقد بيع المعدوم ومالَه خَطَرُ العدم، واشترط الفقهاء أن يكون المعقود عليه موجودًا حين العقد (أى غير معدوم) . واستثنوا من ذلك حالات، وتفصيل ذلك في ( بيع منهي عنه ف٥ وما بعدها) . (١) لسان العرب، والمصباح المنير. (٢) قواعد الفقه للبركتي . ب - الوصية بالمعدوم : ٣ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه تصح الوصية بالمعدوم مطلقًا، لأنه يقبل التمليك في حال حياة الموصي فتصح الوصية به . وذهب الحنفية إلى أنه تجوز الوصية بالمعدوم إذا كان قابلا للتمليك بعقد من العقود، قال ابن عابدين: قال في النهاية: ولهذا قلنا بأن الوصية بما تثمر نخيله العام تجوز وإن كان الموصى به معدومًا، لأنه یقبل التمليك حال حياة الموصي بعقد المعاملة .. والوصية بما تلد أغنامه لا تجوز استحسانًا، لأنه لا يقبل التمليك حال حياة الموصي بعقد (١) من العقود (١) . وتفصيل ذلك في (وصية) ج - الوصية للمعدوم : ٤ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الوصية للمعدوم باطلة ولا تصح، لأن من شرط الموصى له أن يكون موجودا وقت (١) حاشية ابن عابدين ٤١٦/٥ - ٢٠١ - مَعْدُوم ٤ - ٧ الوصية ويتصور الملك له، فتصح الوصية لحمل في بطن أمه(١) . وذهب المالكية إلى أن الوصية للمعدوم جائزة، وهو أن يوصي لميت علم الموصي موته حین الوصية، وتصرف في وفاء دیونه، ثم لوارثه، فإن لم يكن وارث بطلت ولا يعطى لبيت المال (٢) . وتفصيل ذلك في (وصية) . د - هبة المعدوم : ٥ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أنه لا تصح هبة المعدوم، لأن من شرط الموهوب أن یکون موجودا وقت الهبة، مثل أن یھب ما يثمر نخله هذا العام أو ما تلد أغنامه هذه السنة، لأنه تمليك لمعدوم فيكون العقد باطلا(٣). وذهب المالكية إلى جواز هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود، كالعبد الآبق والبعير (١) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٤٥٩/٥ - ٤٦٢، وبدائع الصنائع ٣٣٥/٧ - ٣٣٦، ٣٥٢. ومغني المحتاج ٣/ ٤٠، والمغني ٦/ ٥٨،٢١ (٢) بداية المجتهد ٢/ ٣٠٦، وحاشية الدسوقي ٤ /٤٢٦ (٣) بدائع الصنائع ١١٩/٦، والمبسوط، ٧١/١٢ -٧٢، ومغني المحتاج ٣٣٩/٢، والمغني لابن قدامة ٥/ ٦٥٧ (١) الشارد والثمرة قبل بدو الصلاح قال ابن رشد: ولا خلاف في المذهب في جواز هبة المجهول والمعدوم المتوقع الوجود، وبالجملة كل ما لا يصح بيعه من جهة الغرر (٢) ( أى لا تأثير للغرر على صحة الهبة) . وتفصيل ذلك في مصطلح (هبة) . هـ - الخلع بالمعدوم : ٦ - ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى صحة الخلع بالمجهول وبالمعدوم إذا كان عوض الخلع مشتملا على غرر، أو معدوم ينتظر وجوده، کجنین في بطن حیوان تملكه الزوجة، أو كان مجهولا كأحد فرسین، أو غير موصوف من عوض أو حيوان وثمرة لم يبد صلاحها على تفصيل في مصطلح (خلع · ف٢٦) . و - الإجارة على معدوم : ٧ - اتفق أهل العلم على جواز الإجارة على معدوم، لأن الحاجة إلى المنافع كالحاجة إلى الأعيان، فلما جاز العقد على الأعيان (١) حاشية الدسوقي ٩٩/٤، وبداية المجتهد ٣٠٠/٢ (٢) بداية المجتهد ٢/ ٣٠٠ - ٢٠٢ - مَعْدُومِ ٧، مَعْذُور، مُعْسر، مُعَصْفِر وجب أن تجوز الإجارة على المنافع، ولا يخفى ما بالناس من الحاجة إلى ذلك(١). وانظر تفصيل ذلك في مصطلح (إجارة ف ٢٦ وما بعدها) . مُعَصْفَر مَعْذُور انظر : ألبسة انظر : عذر مُفْسِر انظر : إعسار (١) الفتاوى الهندية ٤٠٩/٤ - ٤١١، ومواهب الجليل ٣٩٠/٥، وحاشية الدسوقي ٢/٤ - ٣، ونهاية المحتاج ٢٦٣/٥، والمغني لابن قدامة ٤٣٢/٥ - ٤٣٣ - ٢٠٣ - مِعْصَم ١ - ٥ مِعْصَم التعريف : ١ - المعصم في اللغة: موضع السوار من الساعد، وهو مفصل الكف من الساعد (١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى (٢) اللغوي الألفاظ ذات الصلة : ١ - المرفق : ٢ - المرفق - بكسر الميم وفتح الفاء، وبالعكس أى بفتح الميم وكسر الفاء - من اليد: هو ما بين الذراع والعضد (٣). والعلاقة بين المعصم والمرفق: أن كلا منهما ملتقی بین عظمین من اليد . ب - المفصل : ٣ - المفصل بكسر الميم وفتح الصاد: كل (٤) ملتقى بين عظمين من الجسد (١) المصباح المنير . (٢) القليوبي ٢٠٨/٣، والبناني على الزرقاني ٥٧/١، وجواهر الإكليل ١٤/١ (٣) قواعد الفقه للبركتي . (٤) قواعد الفقه للبركتي . والعلاقة بين كل من المعصم والمفصل: العموم والخصوص المطلق، فكل معصم مفصل، وليس كل مفصل معصما . الأحكام المتعلقة بالمعصم : غسل المعصم في الوضوء ٤ - يجب غسل المعضم في الوضوء على ما سیأتی تفصيله في مصطلح (وضوء) . القطع من المعصم في حد السرقة والحرابة : ٥- قال جمهور الفقهاء: إن محل القطع من اليد في السرقة المعصم، لأن النبى علّ القيم: (قطع يد السارق من الكوع)) (١)، وهو مفصل الكف (٢)، ولأثر أبى بكر وعمر ثلاثي) قالا: إذا سرق السارق فاقطعوا يمينه من الكوع، والكوع معصم الكف (٣). والقطع في حد الحرابة يراعى فيها ما ذكر في السرقة فلا تقطع اليد فيها إلا من المعصم. (١) حديث: ((قطع يد السارق من الكوع )). أخرجه البيهقي (٢٧١/٨ ط. دائرة المعارف العثمانية) من حديث عبد الله بن عمر، وقال: ((قطع النبى عِّيَّام سارقًا من المفصل)» وفي إسناده مقال، ولكن أورد قبله شاهداً من حديث جابر بن عبد الله یتقوی به . (٢) المصباح المنير . (٣) المصباح المنير. - ٢٠٤ - مِعْصَم ٥ -٨ والتفصيل في مصطلح (سرقة ف٦٦) . محل القصاص ممن قطع يدًا من الساعد: ٦ - إن قطع يد المجني عليه من الساعد، فلا تقطع يد الجاني من الساعد، لأنه لا يقطع في حد ولا قصاص إلا من مفصل عند جمهور الفقهاء . وعند الشافعية يقتص بالقطع من المعصم، لأنه أقرب مفصل له، ويأخذ حكومة الباقي . وللتفصيل (ر: جناية على ما دون النفس ف١١، ساعد ف٩). دية قطع اليد من المعصم : ٧ - لا خلاف بين الفقهاء في وجوب دية كاملة في قطع اليدين من الكوع ((المعصم)) ووجوب نصف دية فى قطع واحدة منهما، لأن اسم اليد ينصرف عند الإطلاق إلى الكف وهو المعصم . والتفصيل في مصطلح (ديات ف٤٣) . ما يجوز النظر إليه من المرأة عند الخطبة : ٨ - يجوز لمن أراد أن ينكح امرأة أن ينظر منها كفيها ووجهها، وهو محل اتفاق بين الفقهاء، والكف من رؤوس الأصابع إلى المعصم(١). وللتفصيل (ر: خطبة ف٢٩) . (١) القليوبي ٢٠٨/٣ - ٢٠٥ - مَعْصية ١ - ٣ مَعْصِيَة التعريف: ١ - المعصية في اللغة: الخروج من الطاعة، يقال عصاه معصية وعصياناً: خرج من طاعته وخالف أمره فهو عاص وعصّاء وعصيّ(١). وفي الاصطلاح: قال البزدوي: المعصية اسم لفعل حرام مقصود بعينه (٢). الألفاظ ذات الصلة: أ - الزلة: ٢ - من معاني الزلة في اللغة: السقطة والخطيئة(٣). والزلة في الاصطلاح اسم لفعل غير مقصود في عينه لكنه اتصل الفاعل به عن فعل مباح قصده فزل بشغله عنه إلى ما هو حرام لم يقصده أصلاً (٤). والفرق بين المعصية والزلة أن الفعل المحرم هو المقصود بعينه في المعصية بخلاف الزلة. (١) الصحاح، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط. (٢) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٣/ ٢٠٠، وقواعد الفقة للبركتي. (٣) المعجم الوسيط. (٤) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ٢٠٠/٣ أقسام المعاصي باعتبار ما يترتب عليها من عقوبة: ٣ - للعلماء في تقسيم المعاصي باعتبار ما يترتب عليها من عقوبة ثلاثة آراء: الأول: قال جمهور العلماء: إن المعاصي تنقسم إلى صغائر وكبائر، لقوله تعالى: وَكَرَّةَ إِلَيْكُمْ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَاَلْعِصْيَانَ ﴾(١)، فقد جعل الله تعالى المعاصي رتباً ثلاثة وسمى بعض المعاصي نسوقاً دون بعض، وقوله تعالى: ﴿ الَّذِينَ يَحْتَنِبُونَ كَبِرَ اْإِثْمِ وَاَلْفَوَحِشَ إِلَّ اللََّمَ﴾(٢)، وفي الحديث: ((الكبائر سبع)) وفي رواية (تسع))(٣)، وفي الحديث أيضا: ((ومن كذا إلى كذا مكفرات ما بينهن إذا اجتنبت الكبائر))(٤) فخص الكبائر ببعض الذنوب، ولو كانت الذنوب کلها کبائر لم یسغ ذلك، ولأن ما عظمت مفسدته أحق باسم الكبيرة على أن قوله تعالى: ﴿إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَابِرَمَا نُنْهَوْنَ عَنْهُ (١) سورة الحجرات / ٧ (٢) سورة النجم/ ٣٢ (٣) حديث : ((الكبائر سبعٌ، وفي رواية تسع)). أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (٤٨/١٧) بروايتيه عن حديث عمير بن قتادة الليثي، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٤٨/١): رجاله موثقون. (٤) حديث: ((ومن كذا إلى كذا مكفرات .. )) أخرجه مسلم (١ /٢٠٩) من حديث أبي هريرة: - ٢٠٦ - مَعْصِيَة ٣ - ٤ نُكَفِّرْ عَنكُمْ سَمِئَاتِكُمْ﴾(١) صريح في انقسام الذنوب إلى صغائر وكبائر. قال الغزالي: لا يليق إنكار الفرق بين الكبائر والصغائر وقد عُرفا من مدارك (٢) الشرع(٢). الثاني: أنكر جماعة من العلماء أن في الذنوب صغيرة وقالوا: بل سائر المعاصي كبائر، منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفرائيني، والقاضي أبو بكر الباقلاني، وإمام الحرمين في الإرشاد، وابن القشيري في المرشد بل حكاه ابن فورك عن الأشاعرة واختاره في تفسيره فقال: معاصي الله تعالى عندنا كلها كبائر، وإنما يقال لبعضها صغيرة وكبيرة بالإضافة إلى ما هو أكبر منها(٣)، كما يقال: الزنا صغيرة بالنسبة إلى الكفر، والقبلة المحرمة صغيرة بالنسبة إلى الزنا، وكلها كبائر، قال الزركشي: لعل أصحاب هذا الوجه كرهوا تسمية معصية الله صغيرة إجلالاً لله وتعظيماً لأمره مع أنهم وافقوا في الجرح أنه لا يكون .(٤) بمطلق المعصية (٤). (١) سورة النساء/ ٣١ (٢) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٤/١ ط. دار المعرفة ببيروت، وانظر البحر المحيط ٤ / ٢٧٥ (٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر ١ /٤ (٤) البحر المحيط ٤ /٢٧٦ الثالث: قسم الحليمي المعاصي إلى ثلاثة أقسام صغيرة وكبيرة وفاحشة، فقتل النفس بغير حق كبيرة، فإن قتل ذا رحم ففاحشة، فأما الخدشة والضربة مرة أو مرتين فصغيرة (١). أقسام المعاصي باعتبار ميل النفس إليها: ٤ - قسم الماوردي المعاصي التى يمنع الشرع منها واستقر التكليف عقلاً أو شرعاً بالنهي عنها إلى قسمين: أ - ما تكون النفوس داعية إليها والشهوات باعثة عليها كالسفاح وشرب الخمر، فقد زجر الله تعالى عنها لقوة الباعث عليها وشدة الميل إليها بنوعين من الزجر: أحدهما: حد عاجل يرتدع به الجري. والثاني: وعيد آجل يزدجر به التقيّ. ب - ما تكون النفوس نافرة منها، والشهوات مصروفة عنها كأكل الخبائث والمستقذرات وشرب السموم المتلفات فاقتصر الله تعالى في الزجر عنها بالوعيد وحده دون الحد، لأن النفوس مسعدة (٢) في الزجر عنها، والشهوات مصروفة عن ركوب (١) المرجع السابق . (٢) مسعدة أي معانة نفي المعجم الوسيط: أسعد فلانا: أعانه. - ٢٠٧ - معصية ٤ - ٥ المحظور منها (١). قال الهيتمي: إن أعظم زاجر عن الذنوب هو خوف الله تعالى وخشية انتقامه وسطوته، وحذر عقابه وغضبه وبطشه، قال تعالى: ﴿فَلْيَحْذَرِالَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْيِهِ أَن تُصِيبَهُمْ فِتْنَةُ أَوْنُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾(٢)، وقال رسول الله ◌َِّالقيم: ((إني أرى ما لا ترون، وأسمع ما لا تسمعون، إن السماء أطت وحُق لها أن تئط ما فيها أو ما منها موضع أربع أصابع إلا وملك واضع جبهته ساجد لله تعالى، والله لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلاً ولیکیتم كثيراً وما تلذذتم بالنساء على الفرشات ولخرجتم إلى الصعدات - أي الجبال - تجارون إلى الله والله لوددت أني كنت شجرة تعضد))(٣). آثار المعاصي: ٥ - أوجب المشرع الحكيم على مرتكب المعصية عقوبات دنيوية وأخروية. فأما العقوبات الأخروية فتتمثل فيما جاء (١) أدب الدنيا والدين للماوردي ص ١٥٢ ط. دار ابن كثير. (٢) سورة النور / ٦٣ (٣) الزواجر عن اقتراف الكبائر ص ١٤ - ١٥ ط. دار المعرفة. وحديث : «إني أرى ما لا ترون ... )) أخرجه الحاكم (٤ / ٥٤٤) من حديث أبي ذر، وصححه الحاكم ووافقة الذهبي. به القرآن والسنة من توعد على اقترافها كقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَلِدًافِيهَا وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَلَعَنَّهُ وَأَعَذَّلَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾(١) وقول النبي عدّ لام: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا یری بها بأساً يهوي بها سبعين خريفا في النار))(٢). وأما العقوبات الدنيوية فمنها ما هو حسي ومنها ما هو معنوي، فأما العقوبات الحسية فيظهر أثرها فيما أوجبه الله تعالى من عقوبات کالحدود فیما یوجب حداً كالزنا والسرقة وشرب الخمر، وكالعقوبات المقررة على الجناية على النفس أو ما دونها، وكالتعزير فيما لم يوجب الشرع فيه عقوبة مقدرة كمباشرة أجنبية فيما دون الفرج وسرقة ما دون النصاب. وأما العقوبات المعنوية فكثيرة: منها: حرمان العلم فإن العلم نور يقذفه الله فى القلب، والمعصية تطفىء ذلك النور. ومنها: حرمان الرزق، وفي المسند: ((إن (١) سورة النساء/ ٩٣ (٢) حديث: ((إن الرجل ليتكلم بالكلمة لا يرى بها بأساً .. )). أخرجه الترمذي (٤ / ٥٥٧) من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن غريب. - ٢٠٨ - مَعْصية ٥ الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه))(١)، وكما أن تقوى الله مجلبة للرزق، فترك التقوى مجلبة للفقر فما استجلب رزق بمثل ترك المعاصي. ومنها: وحشة يجدها العاصي في قلبه بينه وبین الله لا توازنها ولا تقارنها لذة أصلاً، ولو اجتمعت له لذات الدنيا بأسرها لم تف بتلك الوحشة، وهذا أمر لا يحسّ به إلا من في قلبه حياة، وما لجرح بميت إيلام فلو لم تترك الذنوب إلا حذراً من وقوع تلك الوحشة ١(٢) لكان العاقل حريا بتركها ومنها: تعسیر أموره عليه، فلا يتوجه لأمر إلا يجده مغلقاً دونه أو متعسراً عليه، وهذا كما أن من اتقى الله جعل له من أمره يسرا، فمن عطّل التقوى جعل له من أمره عسراً. ومنها: ظلمة يجدها في قلبه حقيقة يحس بها كما يحس بظلمة الليل البهيم إذا ادلهم، فتصير ظلمة المعصية لقلبه كالظلمة الحسية لبصره، فإن الطاعة نور، والمعصية ظلمة، وكلما قويت الظلمة ازدادت حيرته حتى يقع في البدع والضلالات والأمور المهلكة وهو لا يشعر. (١) حديث: (إن الرجل ليحرم الرزق بالذنب يصيبه)) أخرجه أحمد في المسند (٢٧٧/٥) من حديث ثوبان، وفي إسناده راو قال عنه الذهبي في الميزان (٢/ ٤٠٠): وإن كان قد وثق ففيّه جهالة . (٢) الداء والدواء لابن قيم الجوزية ص ٧٣ ط. مطبعة المدني. قال عبد الله بن عباس ظوش: إن للحسنة ضياء في الوجه ونوراً في القلب وسعة في الرزق وقوة في البدن ومحبة في قلوب الخلق، وإن للسيئة سواداً في الوجه وظلمة في القلب ووهناً في البدن ونقصاً في الرزق وبغضة في قلوب الخلق(١). ومنها: أن المعاصي تقصر العمر وتمحق بركته ولا بد، فإن البر كما يزيد في العمر فالفجور يقصر في العمر. ومنها: أن المعاصي تزرع أمثالها ويولد بعضها بعضاً حتى يعز على العبد مفارقتها والخروج منها، كما قال بعض السلف: إن من عقوبة السيئة السيئة بعدها، وإن من ثواب الحسنة الحسنة بعدها، فالعبد إذا عمل حسنة قالت أخرى إلى جنبها: اعملني أيضاً، فإذا عملها قالت الثالثة كذلك وهلم جرا، فتضاعف الربح وتزايدت الحسنات وكذلك جانب السيئات أيضاً حتى تصير الطاعات والمعاصي هيئات راسخة وصفات لازمة(٢). ومنها: وهو من أخوفها على العبد، أنها تضعف القلب عن إرادته فتقوى إرادة المعصية، وتضعف إرادة التوبة شيئاً فشيئاً إلى أن تنسلخ من قلبه إرادة التوبة بالكلية، فلو (١) المرجع السابق ص ٧٤ _ ٧٥ (٢) المرجع السابق ص ٧٥ - ٧٧ - ٢٠٩ - مَعْصیة ٥ مات نصفه لما تاب إلى الله، فيأتي من الاستغفار وتوبة الكذابين باللسان بشيء كثير وقلبه معقود بالمعصية مصر عليها عازم على مواقعتها متى أمكنه، وهذا من أعظم الأمراض وأقربها إلى الهلاك(١). ومنها: أن المعصية سبب لهوان العبد على ربه وسقوطه من عينه. قال الحسن البصري: هانوا عليه فعصوه ولو عزوا عليه لعصمهم، وإذا هان العبد على الله لم یکرمه أحد. ومنها: إن العبد لا يزال يرتكب الذنب حتی یھون عليه ويصغر في قلبه وذلك علامة الهلاك فإن الذنب كلما صغر في عين العبد عظم عند الله. وقد ذكر البخاري في صحيحه عن ابن مسعود قال: «إن المؤمن یری ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل يخاف أن يقع عليه، وإن الفاجر يرى ذنوبه كذباب مر على أنفه فقال به هكذا))(٢). ومنها: أن غيره من الناس يعود عليه شؤم ذنبه فيحترق هو وغيره بشؤم الذنوب والظلم، (١) المرجع السابق ص ٧٨ -٧٩ (٢) أثر ابن مسعود: ((إن المؤمن يرى ذنوبه كأنه قاعد تحت جبل .. ، أخرجه البخاري (فتح الباري ١٠٢/١١). قال مجاهد: إن البهائم تلعن عصاة بني آدم إذا اشتد السنة وأمسك المطر وتقول هذا بشؤم معصية ابن آدم. فلا یکفیه عقاب نفسه حتی یلعنه من لا ذنب له. ومنها: أن المعصية تورث الذل ولا بد، فإن العز كل العز في طاعة الله، قال تعالى: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعِزَّةَ فَلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾(١) أي فليطلبها بطاعة الله فإنه لا يجدها إلا في طاعة الله. وكان من دعاء بعض السلف: اللهم أعزني بطاعتك ولا تذلني بمعصيتك(٢). ومنها: أن الذنوب إذا تكاثرت طبع على قلب صاحبها فكان من الغافلين، كما قال بعض السلف في قوله تعالى: ﴿ كَلَّا بَلَّ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِم مَّاكَانُواْ يَكْسِبُونَ﴾(٣) قال: هو الذنب بعد الذنب (٤). قال المحاسبي: اعلم أن الذنوب تورث الغفلة والغفلة تورث القسوة والقسوة تورث البعد من الله والبعد من الله یورث النار، وإنما (١) سورة فاطر / ١٠ (٢) الداء والدواء ص ٨٠ - ٨٢ (٣) سورة المطففين / ١٤ (٤) الداء والدواء ص ٨٤ - ٢١٠ - مَعْصية ٥ - ٧ ....... يتفكر في هذا الأحياء، وأما الأموات فقد أماتوا أنفسهم بحب الدنيا (١). ومنها: أنها تحدث في الأرض أنواعاً من الفساد في المياه والهواء والزرع والثمار والمساكن، قال تعالى: ﴿ ظَهَرَ اُلْفَسَادُ فِ آلْبَرِّ وَالْبَحْرِبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ بِرْجِعُونَ﴾(٢) . قال مجاهد: إذا ولي الظالم سعى بالظلم والفساد فيحبس الله بذلك القطر فيهلك الحرث والنسل والله لا يحب الفساد، ثم قرأ: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِيِمَا كَسَبَتْ أَيْدِى النَّاسِ لِيُذِيقَهُم بَعْضَ الَّذِى عَمِلُواْ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ﴾، ثم قال: أما والله ما هو بحركم هذا ولكن كل قرية علي ماء جار فهو بحر (٣). استدراج أهل المعاصي بالنعم: ٦ - قال الماوردي: ليس وإن نال أهلُ المعاصي لذةً من عيش أو أدركوا أمنية من دنيا كانت عليهم نعمة، بل قد يكون ذلك استدراجاً ونقمة(٤)، وورد عن عقبة بن عامر أن رسول (١) رسالة المسترشدين للمحاسبي ص ٨٢ (٢) سورة الروم / ٤١ (٣) الداء والدواء ص ٩١ (٤) أدب الدنيا والدين للماوردي ص ١٥١ - ١٥٢ ط. دار ابن کثیر - بيروت. الله عزَّم قال (١): ((إذا رأيت الله يعطي العبد علي معاصيه ما یحب، فإنما هو استدراج، ثم تلا رسول الله قوله تعالى: ﴿فَلَمَّا نَسُواْمَا ذُكِرُ واْبِهِ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَبَ كُلِّ شَىْءٍ ◌ََّ إِذَا فَرِحُواْ بِمَا أُوْنُوَ أَخَذْنَهُم بَغْتَةً فَإِذَا هُم تُبْلِسُونَ﴾ (٢). أحوال الناس في فعل الطاعات واجتناب المعاصي: ٧ - قال الماوردي: ليس يخلو حال الناس فيما أمروا به ونهوا عنه من فعل الطاعات واجتناب المعاصي من أربعة أحوال: فمنهم: من يستجيب إلى فعل الطاعات ويكف عن ارتكاب المعاصي، وهذا أكمل أحوال أهل الدين، وأفضل صفات المتقين، فهذا يستحق جزاء العاملين وثواب المطيعين. ومنهم: من يمتنع من فعل الطاعات ويُقدم على ارتكاب المعاصي، وهي أخبث أحوال المكلفين، وشر صفات المتعبدين، فهذا يستحق عذاب اللاهى عن فعل ما أمر به من طاعة الله، وعذاب المجترىء على ما أقدم عليه من معاصيه، وقد قال ابن شبرمة: عجبت لمن (١) حديث: ((إذا رأيت الله يعطي العبد على معاصيه ... )) أخرجه أحمد (٤ / ١٤٥) (٢) سورة الأنعام/ ٤٤ - ٢١١ - مَعْصيَة ٧ - ٩ يحتمي من الطيبات مخافة الداء كيف لا يحتمي من المعاصي مخافة النار؟ ومنهم: من يستجيب إلى فعل الطاعات ويقدم على ارتكاب المعاصي، فهذا يستحق عذاب المجترىء لأنه تورط بغلبة الشهوة على الإقدام على المعصية وإن سلم من التقصير في فعل الطاعة، قال بعض العلماء: أفضل الناس من لم تفسد الشهوة دينه ولم تزل الشبهة يقينه(١). قال الفقيه أبو الليث السمرقندي: في كتاب الله دليل على أن ترك المعصية أفضل من أعمال الطاعة، لأن الله تعالى قد اشترط في الحسنة المجيء بها إلى الآخرة، وفي ترك الذنوب لم يشترط شيئاً سوى الترك (٢)، وقد قال تعالى: ﴿ مَنْ جَآءَ بِالْحَسَنَةِ فَهُ, عَشْرُ أَمْثَالِهَا﴾ (٣) وقال تعالى: ﴿وَأَمَّامَنْخَافَ مَقَامَرَبِّهِ، وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْمَوَى: ﴿َ فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِىَ الْمَأْوَى (٤) (٤١ ومنهم : من يمتنع عن فعل الطاعات (١) أدب الدنيا والدين للماوردي ص ١٥٦ - ١٥٧ ط. دار ابن کثیر. (٢) تنبيه الغافلين لأبي الليث السمرقندي ١ /٤٠٥ ط. دار الشروق. (٣) سورة الأنعام/ ١٦٠ (٤) سورة النازعات/ ٤١،٤٠ ويكف عن ارتكاب المعاصي، فهذا يستحق عقاب اللاهي عن دينه المنذر بقلة يقينه (١). التوبة عن المعصية: ٨ - التوبة عن المعصية فريضة على الفور صغيرة كانت أو كبيرة، فتجب التوبة عن تأخير التوبة(٢)، لأن التوبة من أصول الإسلام المهمة وأول منازل السالكين (٣)، قال الله تعالى: ﴿وَتُوبُواْ إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾ (٤) . قال الغزالي: أما وجوب التوبة على الفور فلا يستراب فيه إذ معرفة كون المعاصي مهلكات من نفس الإيمان، وهو واجب على الفور (٥). وللتفصيل (ر: توبة ف ١٠). الإصرار على المعصية: ٩ - الإصرار هو الثبات على الأمر ولزومه وأكثر ما يستعمل في الآثام. (١) أدب الدنيا والدين ص ١٥٨ (٢) رسائل ابن نجيم (رسالة في بيان الكبائر والصغائر من الذنوب) ص ٢٦٢، والقوانين الفقهية ص ٤١٦ نشر دار الكتاب العربي. (٣) روضة الطالبين ٢٤٩/١١ (٤) سورة النور/ ٣١ (٥) إحياء علوم الدين ٤ / ٧ - ٢١٢ - مَعْصية ٩ - ١٠ قال ابن عابدين: حد الإصرار: أن تتكرر منه تكرراً يشعر بقلة المبالاة بدينه إشعار ارتكاب الكبيرة بذلك. وقال الجرجاني: هو الإقامة على الذنب والعزم على فعل مثله (١). وقال بعض العلماء: الإصرار هو أن ينوي أن لا يتوب، فإن نوى التوبة خرج عن الإصرار (٢). وقال الفقهاء: الصغيرة تكبر بأسباب منها: الإصرار والمواظبة. ولذلك قيل: لا صغيرة مع إصرار ولا كبيرة مع استغفار (٣). فكبيرة واحدة تنصرم ولا يتبعها مثلها لو تصور ذلك كان العفو عنها أرجى من صغيرة يواظب العبد عليها، ومثال ذلك قطرات من الماء تقع على الحجر على توال فتؤثر فيه، وذلك القدر لو صب عليه دفعة واحدة لم يؤثر ذلك، فكذلك القليل من السيئات إذا دام عظم تأثيره في إظلام القلب (٤). وقال بعض الفقهاء: الإصرار حكمه حكم (١) المعجم الوسيط وحاشية ابن عابدين ٢/ ١٤٠، والتعريفات للجرجاني. (٢) تفسير القرطبي ٤ / ٢١١ (٣) القوانين الفقهية ص ٤١٦، والزواجر ٧٩/١، وإحياء علوم الدين ٤ / ٣٢، ومختصر منهاج القاصدين ص ٢٥٧ (٤) إحياء علوم الدين ٣٢/٤ ما أصر عليه، فالإصرار على الصغيرة صغيرة والإصرار على الكبيرة كبيرة (١). وينظر تفصيل ذلك في مصطلح: (كبائر ف ١٢). التصدق عقب المعصية: ١٠ - قال الشافعية: يندب التصدق عقب كل معصية (٢)، قالوا: من ترك الجمعة بلا عذر يندب له أن يتصدق بدينار أو نصفه، وعممه بعضهم في إتيان كل معصية (٣)، فقد قال النبي ◌ِّ لام: ((اتق الله حيثما كنت، وأتبع السيئة الحسنة تمحها، وخالق الناس بخلق حسن)) (٤) وقال شراح الحديث: المراد بالحسنة: صلاة أو صدقة أو استغفار أو نحو ذلك. وقال الحنفية والشافعية: يستحب لمن وطىء زوجته في الحيض أن يتصدق بدينار إن كان الوطء في أول الحيض وبنصف دينار إن كان الوطء في آخره، أو وسطه عند الحنفية، وفي رواية عند الحنابلة يجب (١) إرشاء الفحول ص ٥٣ ط. الحلبي، ومغني المحتاج ٤ /٤٢٨، والبحر المحيط ٤ / ٢٧٧ (٢) القليوبي ٢٠٥/٣ (٣) القليوبي ١٠٠/١ (٤) حديث: ((اتق الله حيثما كنت .. )). أخرجه الترمذي (٣٥٥/٢) من حديث أبي ذر، وقال: حديث حسن. - ٢١٣ - مَعْصية ١٠ - ١٢ التصدق بدینار أو نصف دينار كفارة لمن وطىء في الحيض على اختلاف الرواية (١) عندهم(١) . وینظر تفصيل ذلك في مصطلح (حیض ف ٤٣). ستر المعصية: ١١ - إذا تعلق بالمعصية حد الله كحد الزنا والشرب فإن لم يظهر ذلك يندب للمسلم عند جمهور الفقهاء أن يستر على نفسه لما ورد عن النبي علّ الشّم قال: "اجتنبوا هذه القاذورة، فمن ألم فليستتر بستر الله وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله))(٢)، وقال النبي ◌ِدَّم: ((إن الله حيي (٣) .() ستير يحب الحياء والستر)) فإن أظهره، فقد صرح الحنفية بأنه لم يأثم، لأن ماعزاً والغامدية اعترفا عند رسول الله مِنَّم بالزنا فرجمهما ولم ينكر عليهما(٤)، (١) فيض القدير للمناوي ١/ ١٢٠، وتحفة الأحوذي ٦/ ٢٢٢، والمغني ٣٣٥/١ -٣٣٦، ومجموعة رسائل ابن عابدين ١١٤/١، والقليوبي ١٠٠/١ (٢) حديث: ((اجتنبوا هذه القاذورة .. )) أخرجه الحاكم (٤ /٢٤٤) من حديث ابن عمر، وصححه الحاکم ووافقه الذهبي. (٣) حديث: ((إن الله حيى ستير ... )). أخرجه أبو داود (٤ / ٣٠٢) من حديث يعلى بن أمية. وأشار ابن أبي حاتم في ((علل الحديث)) (٣٢٩/٢ - ٣٣٠) إلى إعلاله بالإرسال. (٤) حديث اعتراف ماعز والغامدية عند رسول الله . أخرجه مسلم (١٣٢٢/٣) من حديث بريدة بن الحصيب. وقال الشافعية: إظهار المعصية ليحد أو يعزر خلاف المستحب. وأما التحدث بالمعصية تفكهاً فحرام قطعاً للأخبار الصحیحة فیه (١). ويرى المالكية أن الإنسان مأمور بالستر على نفسه وعلى غيره، قال مد الشام: ((اجتنبوا هذه القاذورة فمن الم فليستتر بستر الله)) قال ابن عبد البر في التمهيد: في هذا الحديث دليل على أن الستر واجب على المسلم في خاصة نفسه إذا أتى فاحشة وواجب ذلك أيضاً في غيره (٢). وللتفصيل في معرفة أحكام ستر المسلم على معصية غيره، وستر السلطان على المعاصي (ر: ستر ف ٢ - ٤). المجاهرة بالمعاصي: ١٢ - المجاهرة بالمعاصي منهي عنها(٣)، قال النبي ◌ِيَّلام: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين، وإن من المجاهرة أن يعمل الرجل بالليل عملاً ثم يصبح وقد ستره الله فيقول: يا فلان (١) روضة القضاة للسمناني ١/ ٢٦٠، ومغني المحتاج ٤/ ٢٥٠، وشرح منتهى الإرادات ٣٤٠/٣ (٢) التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ١٦٦/٦ (٣) فيض القدير للمناوي ٥/ ١١ - ٢١٤ _ مَعْصية ١٢ - ١٥ عملت البارحة كذا وكذا وقد بات يستره الله ويصبح يكشف ستر الله عنه))(١). وللتفصيل في المسائل المتعلقة بالمجاهرة بالمعاصي (ر: مجاهرة ف ٤ وما بعدها). سفر المعصية: ١٣ - يشترط جمهور الفقهاء في السفر الذي تتغير به الأحكام أن لا يكون المسافر عاصياً بسفره(٢). وصرح الحنفية بأن السفر الذي يكون الغرض منه فعلاً هو معصية كسفر البغاة وقطاع الطريق لا يمنع الرخصة لإطلاق (٣) النصوص (٣). والتفصيل في مصطلح: (سفر ف ١٠). أثر مقارنة المعاصي لأسباب الرخص: ١٤ - قال القراني عند الكلام عن الفرق بين كون المعاصي أسباباً للرخص وبين مقارنة المعاصي لأسباب الرخص: المعاصي لا تكون أسباباً للرخص ولذلك العاصي بسفره لا يقصر ولا يفطر، لأن سبب هذين السفر وهو (١) حديث: ((كل أمتي معافى إلا المجاهرين ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤٨٦/١٠) ومسلم (٤/ ٢٢٩١) من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري. (٢) حاشية الدسوقي ٣٥٨/١، ونهاية المحتاج ٢٥١/٢ - ٢٥٢ ط. الحلبي، وكشاف القناع ١/ ٥٠٥، وشرح منتهى الإرادات ١/ ٢٩٢ (٣) فواتح الرحموت شرح مسلم الثبوت ١٦٤/١ وانظر حاشية ابن عابدين ١ / ٥٢٧ في هذه الصورة معصية فلا يناسب الرخصة لأن ترتيب الترخص على المعصية سعي في تكثير تلك المعصية بالتوسعة على المكلف بسببها، وأما مقارنة المعاصي لأسباب الرخص فلا تمنع إجماعاً، كما يجوز لأفسق الناس وأعصاهم التيمم إذا عدم الماء وهو رخصة، وكذلك الفطر إذا أضر به الصوم، والجلوس إذا أضر به القيام في الصلاة، ويقارض ويساقي ونحو ذلك من الرخص، ولا تمنع المعاصي من ذلك، لأن أسباب هذه الأمور غير معصية، بل هي عجزه عن الصوم ونحوه، والعجز ليس معصية، فالمعصية ههنا مقارنة للسبب لا سبب(١). إعطاء الزكاة لابن السبيل المسافر في معصية: ١٥ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن ابن السبيل لا يعطى من الزكاة إن خرج في معصية كقطع الطريق ونحوه. وأما الحنفية فلا يشترطون لإعطاء الزكاة (٢) لابن السبيل عدم المعصية بسفره وتفصيل ذلك في (زكاة ف ١٧٥). (١) الفروق للقرافي ٣٣/٢ - ٣٤، وانظر تهذيب الفروق بهامش الفروق ٤٤/٢ (٢) الشرح الصغير ٦٦٣/١، ٦٦٤، وحاشية الدسوقي ١/ ٤٩٧ - ٤٩٨، والمجموع ٢١٤/٦، والقليوبي ١٩٨/٣، وكشاف القناع ٢٨٧/٢، وحاشية ابن عابدين ١/ ٥٢٧ - ٢١٥ - مَعْصية ١٦ - ١٩ إعطاء الزكاة للغارم المستدين في معصية: ١٦- ذهب المالكية والشافعية فى المذهب والحنابلة إلى عدم إعطاء الزكاة للمستدين في معصية كالخمر والقمار قبل التوبة لأن في إعطائه إعانة له على المعصية. وأما الحنفية فلا يشترطون في دفع الزكاة إلى الغارم أن يكون دينه لطاعة أو مباح. وتعطى الزكاة لمن تاب في الأصح عند الشافعية لأن التوبة تجب ما قبلها، ومقابله لا تعطى لأنه ربما اتخذ ذلك ذريعة ثم يعود(١). إجابة دعوة مقترنة بمعاص: ١٧ - ذهب الحنفية إلى أن من دُعي إلى وليمة وعلم قبل حضورها بوجود معاص فيها لا يحضرها لأنه لا يلزمه حق الدعوة، لأن إجابتها إنما تلزم إذا كانت على وجه السنة سواء كان المدعو مقتدی به أو لا. وأما من دعي إلى وليمة فوجد بعد الحضور ثمة لعبا أو غناء فلا بأس أن يقعد (١) حاشية الدسوقي ١/ ٤٩٦، ٤٩٧، والشرح الصغير ١/ ٦٦٢ - ٦٦٣، ومغني المحتاج ٣/ ١١٠، وشرح المحلي على المنهاج ١٩٧/٣، والمجموع ٢٠٨/٦، وكشاف القناع ٢/ ٢٨٧، وحاشية ابن عابدين ٢/ ٦١، وأحكام القرآن للجصاص ١٢٦/٣ ويأكل، فإن قدر على المنع يمنعهم وإن لم يقدر یصبر وهذا إذا لم یکن مقتدى به، أما إذا كان ولم يقدر على منعهم فإنه يخرج ولا يقعد(١). وللفقهاء تفصيل في ذلك ينظر في مصطلح (دعوة ف ٢٧، عرس ف ٤، وليمة). الوقف على المعصية: ١٨- يشترط الفقهاء لصحة الوقف كون الموقوف عليه جهة بر فلا يجوز الوقف على معصية لأن الوقف طاعة تنافي المعصية، فمن ذلك أن يقفها على الزناة أو السراق، أو شراب الخمر، أو المرتدين عن الإسلام فيكون الوقف في هذه الجهات باطلاً لأنها معاص يجب الكف عنها فلم يجز أن يعان عليها(٢). وللتفصيل (ر: وقف). الوصية لجهة المعصية: ١٩ - ذهب الفقهاء إلى أنه إذا أوصى المسلم (١) البناية ٩/ ٢٠٥ (٢) الحاوي الكبير للماوردي ٩/ ٣٨٥ ط. دار الفكر، والفتاوى الهندية ٣٥٣/٢، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٧٨/٤، وكشاف القناع ٤ / ٢٤٥ - ٢١٦ - معصية ١٩ - ٢٢ لجهة عامة فالشرط أن لا تكون الجهة معصية فلا تصح الوصية لكنيسة وحصرها وقناديلها ونحوه ولا لبيت نار ولا لبيعة وصومعة ولا دير ولا لإصلاحها وشعلها وخدمتها ولا لعمارتها. ولو أوصى الذمي بثلث ماله لبيعة أو الكنيسة أن ينفق عليها في إصلاحها أو أوصى لبيت النار لم يجز عند جمهور الفقهاء، وجاز في قول أبي حنيفة وبعض المالكية(١). وللتفصيل (ر: وصية). نذر المعصية ٢٠- ذهب الفقهاء في الجملة إلى أنه لا يصح نذر المعصية كالقتل والزنا وشرب الخمر الحديث: ((لا نذر في معصية))(٢). ولخبر: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعص)) (٣) ولأن معصية الله لا تحل (٤). (١) مغني المحتاج ٣/ ٤٠، والحاوي الكبير ١٦/١٠، والحطاب ٣٦٥/٦، والخرشي ٨/ ١٧١، والشرح الصغير مع حاشية الصاوي عليه ٤/ ٥٨٥، وكشاف القناع ٤/ ٣٦٤، وبدائع الصنائع ٣٤١/٧ (٢) حديث: ((لانذر في معصية)) أخرجه أبو داود (٥٩٤/٣) من حديث عائشة، ثم نقل عن ابن المبارك إعلاله بالانقطاع في سنده. (٣) حديث: ((من نذر أن يطيع الله فليطعه .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٨١/١١) من حديث عائشة. (٤) الفتاوى الهندية ٢/ ٦٥، والزرقاني ٩٣/٣، والفواكه= وتفصيل ذلك في مصطلح (نذر). طاعة المخلوق فى المعصية: ٢١ - لا طاعة لأحد المخلوقين كائناً من كان ولو أبا أو أماً أو زوجاً في معصية الله تعالى، بل كل حق وإن عظم ساقط إذا جاء حق الله(١)، فقد قال النبي عَ لَّم: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الله))(٢). وللتفصيل في أحكام حدود طاعة المخلوقين ممن تجب طاعتهم (ر: طاعة ف ١١). الإجارة على المعاصي: ٢٢- لا يجوز الاستئجار على المعاصي لأن المعصية لا يتصور استحقاقها بالعقد فلا يجب على المستأجر أجر من غير أن يستحق هو على الأجير شيئاً، إذ المبادلة لا تكون إلا باستحقاق كل واحد منهما على الآخر، ولو استحق عليه للمعصية لكان ذلك مضافاً إلى الشارع من حيث إنه شرع عقداً موجباً الدواني ١٢/٢، ومغني المحتاج ٣٥٦/٤، وكشاف القناع = ٦/ ٢٧٥، والمغني ٣/٩ (١) فيض القدير للمناوي ٤٣٢/٦، وعمدة القاري ٢٤/ ٢٢٤ ط. المنيرية. (٢) حديث: ((لا طاعة لمخلوق في معصية الله .. )) أخرجه أحمد (٦٦/٥) من حديث عمران بن حصين، وقال الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٢٦/٥) رجاله رجال الصحيح. - ٢١٧ - مَعْصَةٍ ٢٢ - ٢٣، مَعْقوَّات ١ للمعصية، تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً. وبناء على هذا الأصل: لا تجوز الإجارة على شيء من الغناء والنوح والمزامير وشيء من اللهو، ولا إجارة الدار لتجعل كنيسة أو بيت نار، أو لبيع الخمر أو للقمار(١). وللتفصيل (ر: إجارة ف ١٠٨). عصمة الأنبياء من المعاصي: ٢٣- الأنبياء معصومون عن الكبائر عند عامة المسلمين(٢). ونقل القاضي عياض الإجماع على العصمة عن الصغيرة المفضية للخسة وسقوط -(٣) المروءة والحشمة (٣). ومنع الحنفية وبعض الشافعية صدور الصغائر غير الخسيسة أيضاً (٤). وتفصيل ذلك في مصطلح (نبوة، ونبي والملحق الأصولي). (١) تبيين الحقائق وحاشية الشلبي بهامشه ١٢٥/٥، وكشاف القناع ٥٥٩/٣، والقوانين الفقهية ص ٢٧٤ ط. دار الكتاب العربي، والشرح الصغير ١٠/٤، وأسنى المطالب ٤١٣/٢ (٢) كشف الأسرار عن أصول البزدوي ١٩٩/٣، والبحر المحيط ١٧٠/٤ (٣) البحر المحيط ٤/ ١٧١ (٤) فواتح الرحموت ٩٩/٢، والبحر المحيط ٤ / ١٧٠ مَعْفوَّات التعريف: ١ - المعفوات لغة: جمع مفرده معفوة وهي اسم مفعول من فعل عفا يعفو، ومن معاني العفو في اللغة: التجاوز عن الذنب وترك العقاب عليه، وأصله المحو والطمس، يقال: عفوت عن فلان أو عن ذنبه إذا صفحت عنه وأعرضت عن عقوبته، وهو يعدى بعن إلى الجاني والجناية، فإذا اجتمعا عدي إلى الأول باللام فقيل عفوت لفلان عن ذنبه (١). قال الأزهري: العفو صفح الله عن ذنوب عباده ومحوه إياها بتفضله(٢). ولا يخرج استعمال الفقهاء لهذا اللفظ عن معناه اللغوي (٣). (١) لسان العرب، والمغرب. (٢) الزاهر في غريب ألفاظ الشافعي ص ١٠٠ (٣) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٧٨/١، والخرشي ١١٣/١، ١١٤، والشرح الصغير مع حاشية الصاوي عليه ٧٩/١ - ٢١٨ - مَعْفوَّات ٢ - ٤ ضبط المعفوات من الأنجاس ٢ - الأصل أن كل مأمور يشق على العباد فعله سقط الأمر به، وكل منهي شق عليهم اجتنابه سقط النهي عنه. والمشاق ثلاثة أقسام: - مشقة فى المرتبة العليا فيعفى عنها إجماعاً كما لو كانت طهارة الحدث أو الخبث تذهب النفس أو الأعضاء. - ومشقة في المرتبة الدنيا فلا يعفى عنها إجماعاً، كطهارة الحدث والخبث بالماء البارد في الشتاء. - ومشقة مترددة بين المرتبتين، فمختلف في إلحاقها بالمرتبة العليا فتؤثر فى الإسقاط أو بالمرتبة الدنيا فلا تؤثر، وعلى هذا الأصل يتخرج الخلاف في العفو عن النجاسات نظراً إلى أن هذه النجاسة هل يشق اجتنابها أم لام (١). وفيما يلي نذكر آراء الفقهاء في ضبط المعفوات: أولاً: مذهب الحنفية: ٣ - بتتبع عبارات الحنفية في مسائل المعفوات يتبين أن العفو عندهم يدخل على أنواع (١) الذخيرة للقرافي ١٩٦/١ - ١٩٧ ط. دار الغرب الإسلامي. النجاسات، وفرقوا بين المخففة والمغلظة ووضعوا لكل نوع تقديرات وضوابط. فقد قال أبو حنيفة: ما توافقت على نجاسته الأدلة فمغلظ سواء اختلف فيه العلماء وكان فيه بلوى أم لا وإلا فهو مخفف. وقال أبو يوسف ومحمد: ما اتفق العلماء على نجاسته ولم يكن فيه بلوى فمغلظ وإلا فمخفف ولا نظر للأدلة (١) . ٤ - أما النجاسة المغلظة فقد عفي عن قدر الدرهم منها، واختلفت الروايات فيه: والصحيح أن يعتبر بالوزن في النجاسة المتجسدة، وهو أن يكون وزنه قدر الدرهم الكبير المثقال(٢)، وبالمساحة في غيرها وهو قدر مقعر الكف داخل مفاصل الأصابع (٣)، وقال منلامسكين: وطريق معرفته أن تغرف باليد ثم تبسط فما بقي من الماء فهو مقدار الكف (٤). والمراد بالعفو عن قدر الدرهم هو العفو عن فساد الصلاة به وإلا فكراهة التحريم (١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٨٢ (٢) الفتاوى الهندية ١ / ٤٥ (٣) مراقي الفلاح ص ٨٤ (٤) حاشية ابن عابدين ١/ ٢١١ - ٢١٩ - مَعْفوَّات ٤ - ٥ باقية بإجماع الحنفية إن بلغت النجاسة المغلظة الدرهم، وتنزيهاً إن لم تبلغ. وفرعوا على ذلك ما لو علم قليل نجاسة عليه، وهو في الصلاة ففي الدرهم يجب قطع الصلاة وغسلها ولو خاف فوت الجماعة لأنها سنة، وغسل النجاسة واجب وهو مقدم. وفي الثاني (أي في أقل من الدرهم) يكون ذلك أفضل فقط ما لم يخف فوت الجماعة بأن لا يدرك جماعة أخرى وإلا مضى على صلاته لأن الجماعة أقوى، كما يمضي في المسألتين إذا خاف فوت الوقت لأن التفويت حرام ولا مهرب من الكراهة إلى الحرام(١). قال الحموي: والمعتبر في ذلك وقت الإصابة، فلو كان دهنا نجساً قدر الدرهم وقت الإصابة فانبسط فصار أكثر منه لا يمنع في اختيار المرغيناني وغيره، ومختار غيرهم المنع، ولو صلى قبل انبساطه جازت وبعده لا، وبه أخذ الأكثرون(٢). ٥ - وصرح الحنفية بأنه لا يعفى عن النجاسة المغلظة إذا زادت على الدرهم مع القدرة على الإزالة (٣)، وعفي عن النجاسة المخففة عما .. ... . .... (١) حاشية الطحطاوي على مراقي الفلاح ص ٨٤، وانظر حاشية ابن عابدين ١/ ٢١٠ (٢) غمز عيون البصائر شرح الأشباه والنظائر ١٠٧/١ ط. باكستان. (٣) مراقي الفلاح ص ٨٤ دون ربع الثوب (١)، لأن التقدير فيها بالكثير الفاحش وللربع حكم الكل في الأحكام، يُروى ذلك عن أبي حنيفة ومحمد وهو الصحيح - كما قاله الزيلعي - ثم اختلفوا في كيفية اعتبار الربع: فقيل ربع جميع ثوب عليه، وعن أبي حنيفة ربع أدنى ثوب تجوز فيه الصلاة كالمئزر، وقيل ربع طرف أصابته النجاسة كالذيل والكم، وعن أبي يوسف شبر في شبر وعنه ذراع في ذراع ومثله عن محمد، وروى هشام عن محمد أن الكثير الفاحش أن يستوعب القدمين. وروي عن أبي حنيفة أنه كره أن يحد لذلك حداً وقال: إن الفاحش يختلف باختلاف طباع الناس فوقف الأمر فيه على العادة كما هو دأبه (٢). وقال الشلبي نقلاً عن زاد الفقير: والأوجه اتكاله إلى رأي المبتلى إن استفحشه منع وإلا فلا(٣). وقالوا: إنما قسمت النجاسات إلى غليظة وخفيفة باعتبار قلة المعفو عنه من الغليظة وكثرة المعفو عنه من الخفيفة ولا فرق بينهما في كيفية التطهير وإصابة الماء والمائعات لأنه لا يختلف تنجسها بهما (٤). (١) الفتاوى الهندية ٤٦/١ (٢) تبيين الحقائق ٧٣/١ - ٧٤ (٣) حاشية الشلبي بهامش تبيين الحقائق ١/ ٧٤ (٤) مراقي الفلاح ص ٨٢ - ٢٢٠ -