Indexed OCR Text

Pages 121-140

مَطَل ١٦
واحدة، وفي العقار روايتان.
وفي الخانية: وعندهما في رواية: يبيع
المنقول وهو الصحيح(١).
وذهب المالكية إلى أن المدين إن امتنع من
دفع الدين، ونحن نعرف ماله، أخذنا منه
مقدار الدین، ولا يجوز لنا حبسه، و کذلك إذا
ظفرنا بماله أو داره أو شيء يباع له في الدين -
کان رهنا أم لا - فعلنا ذلك، ولا نحبسه، لأن
في حبسه استمرار ظلمه(٢).
وقال الشافعية: وأمّا الذي له مالٌ وعليه
دين، فيجب أداؤه إذا طُلب، فإذا امتنع أمره
الحاكم به، فإن امتنع باعَ الحاكم ماله وقسمه
بين الغرماء(٣).
قال النووي: قال القاضي أبو الطيب من
الشافعية والأصحاب: إذا امتنع المدين الموسر
المماطل من الوفاء، فالحاكم بالخيار: إن شاء
باع ماله عليه بغير إذنه وإن شاء أكرهه على
بيعه وعزّره بالحبس وغيره حتى يبيعه (٤).
وقال الحنابلة: إن أبى مدين له مال يفي
بدینه الحالّ الوفاء، حبسه الحاکم، وليس له
إخراجه من الحبس حتى يتبين له أمره، أو يبرأ
(١) الفتاوى الهندية ٤١٩/٣
(٢) الفروق للقرافي ٤ / ٨٠
(٣) روضة الطالبين ١٣٧/٤
(٤) المرجع السابق.
من غريمه بوفاء أو إبراء أو حوالة، أو يرضى
الغريم بإخراجه من الحبس، لأن حبسه حق
لرب الدین وقد أسقطه، فإن أصر المدین علی
الحبس باع الحاكم ماله وقضى دينه (١).
(١) كشاف القناع ٤١٩/٣، ٤٢٠
- ١٢١ -

مطلق ١ - ٣
مُطَلَق
التعريف:
١ - المُطْلقُ اسم مفعول من الإطلاق ومن
معانيه: الإرسال والتخلية وعدم التقييد، يقال:
أطلقتُ الأسير: إذا حللت إساره وخلّيت
عنه، كما يقال أطلقت القول: أرسلته من غير
قيد ولا شرط، وأطلقت البيّنة الشهادة من غير
(١)
تقييد بتأريخ(١).
وفي الاصطلاح المطلق: ما دل على الماهية
من غير أن يكون له دلالة على شيء من
قيودها(٢).
الألفاظ ذات الصلة:
المقيد:
٢ - المقيد من الأقوال ما فيه صفة أو شرط أو
استثناء، فهو نقيض للمطلق(٣).
الحكم الإجمالي:
٣ - إذا ورد الخطاب مطلقاً لا مقید له حُمل
(١) المصباح المنير.
(٢) البحر المحيط ٤١٣/٣
(٣) الكليات لأبي البقاء.
على إطلاقه، أو مقيداً لا مطلق له أجري
على تقييده، وإن ورد في موضع مقيداً وفي
آخر مطلقا ففيه هذا التفصيل:
إن اختلفا في السبب والحكم فلا يحمل
أحدهما على الآخر: كتقييد الشهادة بالعدالة
وإطلاق الرقبة في كفارة الظهار.
وإن اتفقا في السبب والحكم: يحمل
المطلق على المقيّد، كما إذا قال الشارع: إن
ظاهرت فاعتق رقبة، وقال في موضع آخر:
إن ظاهرت فاعتق رقبة مؤمنة (١)
وإن اختلفا في السبب دون الحكم فهذا
هو موضع الخلاف بين الفقهاء.
فذهب الجمهور إلى أنه يحمل المطلق
على المقيد وجوباً وبناء على هذا: اشترطوا
في إجزاء الرقبة في كفارتي الظهار واليمين:
الإيمان مع أنّ النص ورد في الموضعين مطلقاً
خلوا عن قيد الإيمان: حملاً للمطلق في
الموضعين: على المقيد في كفارة القتل(٢). في
قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَّثَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا فَتَحْرِيُ
رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾(٣).
(١) البحر المحيط ٤١٦/٣ - ٤١٧، والكليات مادة مطلق،
الحاوي الكبير ١٣/ ٣٧٦. ط. دار الفكر - لبنان.
(٢) البحر المحيط ٤١٦/٣، ٤١٧ وما بعدها، والحاوي الكبير
٣٧٦/١٣، مغني المحتاج ٣/ ٣٦٠، وتحفة المحتاج ٦/ ١٩٠،
والشرح الصغير ٦٤٣/٢، ٦٤٩، ٢١١، ٢١٣، والمغني
٣٦٠/٧
(٣) سورة النساء/ ٩٢
- ١٢٢ -

مُطَلَق ٣
قال الشافعي: إن لسان العرب وعُرْفَ
خطابهم يقتضي حمل المطلق على المقيد إذا
كان من جنسه، فحمل عرف الشرع على
مقتضى لسانهم، كقوله تعالى: ﴿ وَالذَّكِرِينَ
اللَّهَ كَثِيرًا وَالذَّكِرَتِ﴾(١)، وكما في العدالة
والشهود في قوله تعالى: ﴿وَأَسْتَشْهِدُواْ
شَهِيدَيْنِ مِن رِّجَالِكُمْ﴾(٢)، وقوله:
﴿ وَأَشْهِدُواْ ذَوَىْ عَدْلٍ مِّنْكُمْ﴾(٣)، فحمل
المطلق على المقيد في اشتراط العدالة فكذلك
الكفارة، فيحمل مطلق العتق في كفارتي
الظهار واليمين على العتق المقيّد بالإيمان في
كفارة القتل (٤) في قوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَ
مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾(٥)
وقال أبو حنيفة: لا يحمل المطلق على
المقيد، لأن المنصوص عليه إعتاق رقبة وهي
اسم لذات مرقوقة مملوكة من كل وجه وقد
وُجد، والتقييد بالإيمان زيادة على النص،
والزيادة على النَّصِّ نسخ ولا ينسخ القرآن إلا
بالقرآن أو بأخبار التواتر، ولأن الإطلاق: أمر
مقصود، لأنه ينبيء عن التوسعة على المكلف،
(١) سورة الأحزاب/ ٣٥
(٢) سورة البقرة/ ٢٨٢
(٣) سورة الطلاق/ ٢
(٤) الحاوي الكبير ٣٧٥/١٣ ط. دار الفكر - بيروت، والبحر
المحيط ٣/ ٤٢٠
(٥) سورة النساء/ ٩٢
كما أن التقييد أمر مقصود ينبيء عن
التضييق، وعند إمكان العمل بهما لا يجوز
إبطال أحدهما بالآخر، ولأن حمل أحدهما
على الآخر حمل منصوص عليه على
منصوص عليه وهو باطل، لأن من شرط
القياس أن يتعدى الحكم الشرعي الثابت
بالنص بعينه إلى فرع هو نظيره، ولا نصّ
فيه، هذا ولأن القياس حجة ضعيفة لا يصار
إلیه إلا عند عدم النص أو شبهته حتى صار
مؤخراً عن قول الصحابي، وهنا نصّ يمكن
العمل به وهو إطلاق الكتاب، ولأن الفرع
ليس نظير الأصل، لأن قتل النفس أعظم،
ولهذا لم يشرع فيه الإطعام ولا يجوز إلحاقه
بغيره في حق جواز الإطعام تغليظا للواجب
عليه، وتعظيما للجريمة حتى تتم صيانة
النفس، فكذا لا يجوز إلحاق غيره به في
التغليظ، لأن قيد الرقبة بالإيمان أغلظ فيناسبه
دون غيره، لأن جريمة القتل أعظم، ولأن
الرقبة في كفارتي الظهار واليمين مطلقة غير
مقيدة بصفة أو شرط، فتتناول كل رقبة على
أية صفة كانت، لأن معنى الإطلاق التعرض
للذات دون الصفات فتتناول الكافرة والمؤمنة
والصغيرة والكبيرة، والبيضاء والسوداء،
والذكر والأنثى، وغير ذلك من الأوصاف
- ١٢٣ -

مُطَلَق ٣ - ٧
المتضادة(١).
وللتفصيل يرجع إلى الملحق الأصولي.
شروط العمل بالخبر المطلق:
٤ - صرح الشافعية: بأنه إذا أخبر مقبول
الرواية عن نجاسة ماء فإن كان فقيها موافقا
للمخبر في مذهبه اعتمد خبره وإن أطلق، لأنه
خبر يغلب على الظن التنجيس (٢) .
والتفصيل في الملحق الأصولي.
الجرح المطلق في العدالة:
٥ - اختلف الفقهاء في قبول الجرح المطلق
کان یقول: إنه فاسق.
فذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يقبل الجرح
المطلق، لأن التعديل يسمع مطلقا فكذلك
الجرح، ولأن التصريح بالسبب قد يفضي إلى
مخاطر كالقذف.
وقال الشافعية: يجب ذكر السبب
للاختلاف فيه(٣).
والتفصيل في مصطلح (تزكية ف (١٥)
والملحق الأصولي).
(١) تبيين الحقائق ٦/٣ - ٧ والكليات ٣/ ٣٦٠ - ٣٦١،
ومغني المحتاج ٢٨/١، والمنثور للزركشي ١٧٦/٣ وما
بعدها، وتحفة المحتاج ١١٦/١
(٢) المنثور ١٧٦/٣
(٣) الكفاية في علم الرواية للنفراوي ص ١٧ - ١٠٨
إطلاق الشهادة بالرضاع:
٦ - إذا أطلق شهود الرضاع شهادتهم كأن
قالوا: بینھما رضاع محرِّم لم يقبل، بل يجب
ذكر وقت الإرضاع وعدد الرضعات، كأن
بقولا: نشهد أن هذا ارتضع من هذه خمس
رضعات متفرقات خَلَص اللبنُ فيهن إلى
جوفه في الحولين أو قبل الحولين، وذلك
لاختلاف العلماء في ذلك(١).
والتفصيل في (مصطلح رضاع ف٣٤).
المطلق يحمل على الغالب:
٧ - إذا باع بثمن مطلق حمل على نقد البلد،
فإن لم يوجد نقد غالب وكان هناك
محملان: أخف وأثقل، حُمِل على أخفهما
عملا بأقل ما يقتضيه الاسم.
واستثنى الشافعية من هذه القاعدة صوراً
منها: إذا غمس المتوضىء يده في الإناء بعد
الفراغ من غسل الوجه بنية رفع الحدث صار
الماء مستعملا، وإن نوى الاغتراف لم يصر
مستعملاً، وإن أطلق ولم ينو شيئاً فالصحيح
عندهم صيرورته مستعملاً، لأن تقدم نيّة رفع
الحدث شملته فحمل عليه.
ومنها: أنه يشترط في جواز قصر الصلاة
(١) المغني ٧/ ٥٥٩، ومغني المحتاج ٤٢٥/٣
- ١٢٤ -

مُطْلَق ٧ - ٩، مُطَهِّرات
٠٠٠٠٠ ......
في السفر: نية القصر عند الإحرام، فإن أطلق
ولم ينو قصراً ولا إتماماً لزمه الإتمام، لأن
الأصل في الصلاة الإتمام فينصرف عند
الإطلاق إليه، لأنه المعهود.
ومنها: إذا تلفظ بما يحتمل معنيين يرجع
إليه في تعیین المراد.
كأن يكون عليه دينان وبأحدهما رهن
فدفع مبلغاً من المال للدائن عن أحدهما مبهماً
غير معين فله التعيين(١).
ومنها: لو قال لزوجتيه: إحداكما طالق
ولم يقصد معيّنة طلقت إحداهما، وعليه
تعیین إحداهما للطلاق.
ومنها: يجوز أن يحرم مطلقا ويصرفه
بالتعيين إلى ما شاء من النسكين أو إليهما(٢).
شرط حمل المطلق على المقيد:
٨ - اللفظ المطلق لا يحمل على المقيد إلا إذا
كان لو صرح بذلك المقيد لصح وإلا فلا.
وخرّجوا على ذلك صوراً منها: إذا أقرّ
الأب: بأن العين ملك لولده، ثم ادعى أنه
وهبها له وأراد الرجوع فله ذلك فيما ذهب
إليه القاضيان: الحسين، والماوردي، وقال
النووي في فتاويه أنه الأصح المختار(٣).
(١) المنثور للزركشي ١٧٦/٣ وما بعدها.
(٢) المنثور للزركشي ١٧٨/٣ وما بعدها.
(٣) المنثور ١٨٠/٣
المطلق ينزل على أقل المراتب:
٩ - لو نذر صوما مطلقا من غير تعرض لعدد
بلفظ ولا نية يحمل على يوم، لأن الصوم
اسم جنس يقع على الكثير والقليل، ولا
صوم أقل من يوم، والمتيقن يوم، فلا يلزمه
أكثر منه، وإن نذر أياماً فثلاثة لأنها أقل
مراتب الجمع، أو نذر صدقة، فأقلّ ما يُتمول
أو صلاة فیجزىء بر کعتین حملا على واجب
الشرع(١).
مُطَهِّرات
انظر: طهارة
لقه
(١) مغني المحتاج ٣٦٨/٤، والمنشور ١٧٨/٣، وتحفة المحتاج
٩٦/١٠، والكليات ٢٦١/٣
- ١٢٥ -

:
ـظَالِم ١
مَظَالِم
التعريف:
١- المظالم لغة: جمع مظلمة بفتح اللام
وكسرها، مصدر ظلم يظلم، اسم لما أُخذ بغير
حق، وهي ما تطلبه عند الظالم، وأصل الظلم
وضع الشيء في غير موضعه، وعند فلان
ظلامتي ومظلمتي: أي حقي الذي ظلمته(١).
والظلم في الاصطلاح: التعدي عن الحق
إلى الباطل، وهو الجور، وقيل: هو التصرف
في ملك الغير، ومجاوزة الحد(٢).
والظلم ثلاثة أنواع:
الأول: ظلم بين الإنسان وبين الله تعالى،
وأعظمه: الكفر والشرك والنفاق، قال تعالى:
﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾(٣)، وقال تعالى:
﴿ فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّن كَذَبَ عَلَى اللَّهِ﴾(٤).
الثاني: ظلم بين الإنسان وبين الناس، ومنه
قوله تعالى: ﴿إِنَّمَا السَّبِيلُ عَلَى الَّذِينَ
(١) القاموس المحيط، ولسان العرب، والمصباح المنير، ومختار
الصحاح، وأساس البلاغة مادة (ظلم).
(٢) التعريفات للجرجاني، وكشاف اصطلاحات الفنون
٤ /٩٣٨ ط. خياط - بيروت، ودستور العلماء ٢٨٧/٢
(٣) سورة لقمان / ١٣
(٤) سورة الزمر / ٣٢
يَظْلِمُونَ النَّاسَ﴾(١)، وقوله تعالى: ﴿ وَمَنْ
قُئِلَ مَظْلُومًا ﴾(٢).
الثالث: ظلم بين الإنسان وبين نفسه، ومنه
قوله تعالى: ﴿فَمِنْهُمْ ظَالٌِّ لِنَفْسِهِ﴾(٣) وقوله
تعالى: ﴿وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَقَدْ ظَلَّمَ
نَفْسَهُ, ﴾ (٤).
وكل هذه الثلاثة في الحقيقة ظلم للنفس،
فإن الإنسان في أول ما يَهُمّ بالظلم فقد ظلم
نفسه، فإذاً الظالم أبداً مبتدىء في الظلم،
وقوله تعالى: ﴿وَلَوْ أَنَّ لِلَّذِينَ ظَلَمُواْ مَا فِى
اُلْأَرْضِ جَمِيعًا﴾ (٥)، يتناول الأنواع الثلاثة
من الظلم فما من أحد كان منه ظلم في
الدنيا إلا ولو حصل له ما في الأرض ومثله
معه لکان یفتدي به، وقوله تعالى: ﴿هُمْ
أَظْلَمَ وَأَطْغَى ﴾ (٦)، تنبيه على أن الظلم لا
يجدي ولا يخلص بل يردي (٧).
فالمظالم هي الحقوق التى أخذت ظلماً،
وقد دعا الشرع الحنيف إلى إقامة العدل فيها
(١) سورة الشورى / ٤٢
(٢) سورة الإسراء / ٣٣
(٣) سورة فاطر / ٣٢
(٤) سورة البقرة / ٢٣١
(٥) سورة الزمر / ٤٧
(٦) سورة النجم / ٥٢
(٧) المفردات للأصفهاني، وبصائر ذوي التمييز ٥٤٠/٣
٠٠
- ١٢٦ -
ے

مَظَالِم ١ - ٥
وأنشأ لها ديوان المظالم وقضاء المظالم(١).
الألفاظ ذات الصلة:
أ - القضاء:
٢ - القضاء في اللغة: الحكم.
وفي الاصطلاح: هو الإخبار عن حكم
شرعي على سبيل الإلزام في مجلس
(٢)
الحكم (٢).
والعلاقة بين القضاء والمظالم باعتبارها
ولاية خاصة هي العموم والخصوص،
فالقضاء أعم.
ب- الدعوى:
٣ - الدعوى في اللغة: اسم من الادعاء، أي
أنها اسم لما يدعى، وهو الطلب، وتجمع على
دعاوی.
وفي الاصطلاح: قول مقبول عند القاضي
يقصد به طلب حق قبل الغير، أو دفع الخصم
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٧، وانظر: الأحكام
السلطانية لأبي يعلى الفراء ص ٧٣، وصبح الأعشى
٢٧٣/٣
(٢) تبصرة الحكام ١ / ١٢، ومعين الحكام للطرابلسي ص٦،
وانظر: رد المحتار ٣٥١/٥، وشرح حدود ابن عرفة للرصاع
ص ٤٣٣، ومغني المحتاج ٣٧١/٤، وكشاف القناع
٢٨٥/٦، والروض المربع ٣٦٥/٢، وبدائع الصنائع
الكاساني ٩/ ٤٠٧٨، ودرر الحكام ٢/ ٤٠٤، والتعريفات
للجرجاني، وتحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص ٣٣١ ط. دار
القلم، ولسان العرب.
عن حق نفسه(١).
والعلاقة بين المظالم والدعوى هي أن
الدعوى وسيلة شرعية لرفع المظالم.
ج - التحكيم:
٤ - التحكيم لغة: مصدر حكّمه في الأمر
والشيء أي جعله حكماً، وفوّض الحكم
إليه، وحكّمه بينهم: أمره أن يحكم بينهم،
فھو حکم ومحكّم.
وفي الاصطلاح: التحكيم: تولية الخصمين
حكماً يحكم بينهما(٢)، وفي التنزيل العزيز:
﴿فَلَ وَرَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكْمُوكَ
فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾(٣).
والعلاقة بين المظالم والتحكيم أن التحكيم
وسيلة لفض النزاع بين الناس، ورفع المظالم.
أقسام المظالم باعتبار ما تضاف إليه من
الحقوق:
٥ - تنقسم المظالم باعتبار ما تضاف إليه
من الحقوق إلى قسمين:
(١) التعريفات للجرجاني، والفروق للقرافي ٤/ ٧٢، ودرر
الحكام ٣٢٩/٢، ونتائج الأفكار تكملة فتح القدير
٧/ ١٣٧، ومغني المحتاج ٥٤١/٤ المغني ١٤/ ٢٧٥
ط. هجر، ولسان العرب.
(٢) القاموس المحيط، ولسان العرب، مادة حكم، ورد
المحتار ٤٢٨/٥ ط. الحلبي.
(٣) سورة النساء/ ٦٥
- ١٢٧ -

٠٠
مَظَالم ٥ -٦
٥ - تنقسم المظالم باعتبار ما تضاف إليه من
الحقوق إلى قسمين:
أ - مظالم تتعلق بحقوق الله تعالى
كالزكوات والكفارات والنذور والحدود
والعبادات وارتكاب المحرمات.
ب - مظالم تتعلق بحقوق العباد،
كالغصوب، وإنكار الودائع، والأرزاق،
والجنايات في النفس والأعراض.
قال الغزالي: ومظالم العباد إما في النفوس
أو الأموال أو الأعراض أو القلوب(١).
الحكم التكليفي لرفع المظالم:
٦ - المظالم من الظلم، والظلم حرام قطعاً
بالنصوص المتواترة في القرآن الكريم والسنة
الشريفة وإجماع المسلمين.
ورفع الظلم واجب شرعاً على كل مسلم،
وهو فرض عين على الخليفة أو الإمام الذي
أنيط به حفظ الدين والدنيا، وإقامة العدل،
ورفع الظلم والعدوان(٢).
وفي الحديث القدسي: ((يا عبادي، إني
حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم
(١) إحياء علوم الدين ٤/ ٥٣ - ٥٤ ط. دار الهادي - بيروت.
(٢) الأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٧، ومقدمة ابن خلدون
ص ١٩١
محرماً فلا تظالموا))(١). والمراد لا يظلم
بعضكم بعضاً.
والخليفة إما أن يقوم بذلك بنفسه، وإما أن
ينيب عنه والياً أو أميراً أو قاضياً، أو يجمع
بين الأمرين، وتولي القضاء فرض كفاية لمن
تتوفر فيه الشروط، ورفع المظالم فرض عين
على القاضي المعين من الإمام(٢).
ورغب رسول الله عَ لقيم برد المظالم إلى
أهلها قبل أن يحاسب الإنسان عليها، فعن
أنس انه قال: ((غلا السعر على عهد رسول
الله عَلَّمِ، فقالوا: يا رسول الله، سعِّر لنا،
فقال: إن الله هو المسعِّر القابض، الباسط
الرازق، وإني لأرجو أن ألقى ربي وليس
أحد منكم يطلبني بمظلمة في دم ولا
مال))(٣).
ونظر رسول الله عدّطيقيم في المظالم بنفسه
لما رواه عبد الله بن الزبير أن رجلاً من
الأنصار خاصم الزبير عند النبي ◌َّام في
شِراج الحرّة التى يسقون بها النخل، فقال
الأنصاري: سرّح الماء يمر، فأبي عليه،
فاختصما عند النبي ◌ِّّم فقال رسول الله
(١) حديث: ((يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي ... )).
أخرجه مسلم (٤ /١٩٩٤) من حديث أبي ذر.
(٢) شرح صحيح مسلم ١٦/ ١٣٤
(٣) حديث أنس: ((غلا السعر على عهد رسول الله مديكم ... ))
أخرجه الترمذي (٥٩٧/٣) وقال: ((حديث حسن صحيح)).
- ١٢٨ -

مَظَالِم ٦ - ٧
عِدَّم للزبير: ((اسق يا زبير، ثم أرسل الماء
إلى جارك))، فغضب الأنصاري فقال: إن كان
ابن عمتك، فتلون وجه رسول الله عزّام، ثم
قال: ((اسق يا زبيرِ، ثم احبس الماء حتى يرجع
إلي الجَدْر))، فقال الزبير: والله، إني لأحسب
هذه الآية نزلت في ذلك: ﴿ فَلَا وَرَبِّكَ لَا
يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ﴾(١).
ولأن رفع المظالم يعتبر من الأمر بالمعروف
والنهي عن المنكر، وهذا واجب على الخلفاء
والولاة والقضاة وسائر المسلمين (٢).
حكمة مشروعية قضاء المظالم:
٧ - إن الحكمة من قضاء المظالم هي إقامة
العدل، ومنع الظلم، لأن الإسلام حارب
الظلم وجعله من أشد الرذائل، وأمر بالعدل
وجعله من أعظم المقاصد.
وكان رسول الله عزَّسلم أول من نظر في
المظالم، وفصل في المنازعات التى تقع من
الولاة وذوي النفوذ والأقارب، وسار على
(١) حديث عبد الله بن الزبير: ((أن رجلا من الأنصار خاصم
الزبير ...... )
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٤/٥) ومسلم (١٨٢٩/٤
- ١٨٣٠)
(٢) أحكام القرآن للجصاص ٢/ ٣٥ - ٤٠، والأحكام
السلطانية للماوردي صـ ٧٧، والأحكام السلطانية لأبي
يعلي ص ٧٣.
سنته الشريفة الخلفاء الراشدون(١).
وكان قضاء المظالم داخلا - بحسب أصله
- في القضاء العادي، وكان يتولى الفصل في
المظالم القضاة والخلفاء والأمراء، ثم صار
قضاء مستقلا، وله ولاية خاصة.
قال أبو بكر بن العربي: وأما ولاية المظالم
فهي ولاية غريبة، أحدثها من تأخر من الولاة
لفساد الولاية، وفساد الناس، وهي عبارة عن
كل حكم يعجز عنه القاضي، فينظر فيه من
هو أقوى منه يداً، وذلك أن التنازع إذا كان
بين ضعيفين قوّى أحدهما القاضي، وإذا كان
بين قوي وضعيف، أو قويين، والقوة في
أحدهما بالولاية، كظلم الأمراء والعمال،
فهذا مما نصب له الخلفاء أنفسهم (١).
وبين الماوردي الحكمة من ظهور قضاء
المظالم، فقال: ولم ينتدب للمظالم من
الخلفاء الأربعة (الراشدين) أحد، لأنهم
كانوا في الصدر الأول، مع ظهور الدين
عليهم، بين من يقوده التناصف إلى الحق، أو
يزجره الوعظ عن الظلم، وإنما كانت
المنازعات تجري بينهم في أمور مشتبهة،
(١) مغني المحتاج ٤ / ٣٧٢، والحسبة لابن تيمية ص ٨٢
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٤ /١٦٣١ ط. عيسى الحلبي.
- ١٢٩ -

مظالم ٧
يوضحها حكم القضاء ... ، فاقتصر خلفاء
السلف على فصل التشاجر بالحكم والقضاء
تعيينا للحق فى جهته لانقيادهم إلى التزامه،
واحتاج علي فثه حين تأخرت إمامته،
واختلط الناس فيها وتجوروا إلى فضل صرامة
في السياسة، وزيادة تيقظ في الوصول إلى
غوامض الأحکام، فکان أو ل من سلك هذه
الطريقة، واستقل بها، ولم يخرج فيها إلى
نظر المظالم المحض لاستغنائه عنه، ثم انتشر
الأمر بعده حتى تجاهر الناس بالظلم
والتغالب، ولم يكفهم زواجر العظة عن
التمانع والتجاذب، فاحتاجوا في ردع المتغلبين
وإنصاف المغلوبين إلى نظر المظالم الذي
تمتزج به قوة السلطنة بنصفة القضاء، فكان
أول من أفرد للظلامات يوماً يتصفح فيه
قصص المتظلمين من غير مباشرة للنظر
عبدالملك بن مروان .. ، ثم زاد من جور الولاة
وظلم العتاة ما لم يكفهم عنه إلا أقوى
الأيدي وأنفذ الأوامر، فكان عمر بن عبد
العزيز رحمه الله أول من ندب نفسه للنظر في
المظالم ... وقال: كل يوم أنقيه وأخافه دون
يوم القيامة لاوُقیته، ثم جلس لها من خلفاء
بني العباس جماعة، فكان أول من جلس لها
المهدي ثم الهادي ثم الرشيد ثم المأمون فآخر
من جلس لها المهتدي(١).
وهكذا صار النظر في المظالم وردها من
واجبات الخليفة، وهو الإمام الأعظم، ومنه
تنتقل إلى اختصاص الأمير المعين على إقليم
أو بلد، عندما يكون عام النظر، ويتعاون مع
القضاة، وهو ما قاله الماوردي عن الوالي
والأمير: ((وأما نظره في المظالم، فإن كان مما
نفذت فيه الأحكام، وأمضاه القضاة والحكام،
جاز له النظر في استيفائه، معونة للمحق
على المبطل، وانتزاعا للحق من المعترف
المماطل، لأنه موكول إلى المنع من التظالم
والتغالب، ومندوب إلى الأخذ بالتعاطف
والتناصف، فإن كانت المظالم مما تستأنف
فيها الأحكام، ويُبتدأ فيها القضاء، منع هذا
الأمير، لأنه من الأحكام التى يتضمنها عقد
إمارته وردهم إلى حاکم بلده، فإن نفذ
حكمه لأحدهم بحق، قام باستيفائه إن
ضعف عنه الحاكم)) (٢).
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٧ - ٧٨، وانظر:
الأحكام السلطانية، لأبي يعلى ص ٧٥، ومقدمة ابن خلدون
ص ٢٢٢، والإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي
ص ١٦٢ ط. حلب.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٣٢ - ٣٣، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى الفراء ص ٣٦ ط. الثانية، البابي
الحلبي.
- ١٣٠ -

مَظَالِم ٧ - ١٠
واستقر الأمر على انفراد المظالم بولاية
مستقلة، ويسمى المتولي: صاحب المظالم،
ويختلف اسمه حسب الأزمان والأماكن،
وصار ينظر في كل أمر عجز عنه القضاة، كما
سنبينه في اختصاصه، وصار قضاء المظالم
ملازماً للدولة الإسلامية طوال التاريخ،
واستقر على ذلك(١).
قاضي المظالم:
أولاً: تعيين قاضي المظالم:
٨ - إن المتصدي للفصل في المظالم إما أن
يكون الخليفة نفسه، لأنه في الأصل هو
قاضي الأمة، وهو صاحب الحق الأساسي في
إقامة العدل، ومنع الظلم، والفصل في
المظالم، وهو يتولى ذلك بمقتضى البيعة
وولایته العامة، فلا يحتاج إلى تعیین.
وإما أن يكون المخوّل في نظر المظالم من له
ولاية عامة كالحكام والولاة والأمراء
والوزراء، فهؤلاء لا يحتاجون في النظر في
المظالم إلى تقليد وتعيين، وكان لهم بمقتضى
ولايتهم العامة النظر في ذلك.
وإما أن يعين شخص خاص لقضاء المظالم
ممن ليس له ولاية عامة، وهذا يحتاج إلى
(١) مغني المحتاج ٤/ ٣٧٢، وانظر: الحسبة لابن تيمية ص ٨٢
ط. المكتبة العلمية.
تقليد من صاحب الولاية العامة كالخليفة
والحكام المفوض لهم ذلك(١).
ثانياً: شروط قاضي المظالم:
٩ - يشترط في قاضي المظالم - بالإضافة إلى
شروط القاضي العام - أن يكون جليل القدر
نافذ الأمر، عظيم الهيبة، ظاهر العفة، قليل
الطمع، كثير الورع لأنه يحتاج في نظره إلى
سطوة الحماة وتثبت القضاة فيحتاج إلى
الجمع بين صفات الفريقين(٢).
قال ابن خلدون عن ولاية المظالم: هي
وظيفة ممتزجة من سطوة السلطنة ونصفة
القضاء فتحتاج إلى علو يد وعظيم رهبة
تقمع الظالم من الخصمين وتزجر المعتدي
وكأنه يمضي ما عجز القضاة أو غيرهم عن
إمضائه(٣).
وتفصيل شروط القاضي في مصطلح
(قضاء ف ١٨).
ثالثاً: رزق قاضي المظالم:
١٠ - الرزق هو ما يرتبه الإمام من بيت المال
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٧، الأحكام السلطانية
لأبي يعلى ص ٧٣، وكشاف القناع ٢٨٣/٦
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٧٧، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص ٧٣
(٣) مقدمة ابن خلدون ص ٥٧١ ط. لجنة البيان العربي.
- ١٣١ -

مَظَالِم ١٠ - ١١
لمن يقوم بمصالح المسلمين فإن كان يخرجه
کل شهر سمي رزقاً، وإن كان يخرجه كل
عام سمي عطاء(١).
وناظر المظالم إن كان خليفة أو أميراً أو
والياً فرزقه حسب عمله، ولا يختص برزق
خاص لنظره في المظالم، وإن كان ناظر
المظالم قاضياً معيناً لذلك فیعطی كفايته من
بيت مال المسلمين من الجزية والخراج
والعشور، لأنه عامل للمسلمین، وحبس نفسه
لمصلحتهم، لذلك يجب عليهم رزقه وراتبه،
كسائر الولاة والقضاة والمفتين والمعلمين،
(٢)
وهذا رأي جماهير الفقهاء
.
وتفصيل ذلك في مصطلح: (قضاء ف
٥٨).
رابعاً: اختصاصات قاضي المظالم:
١١ - الأصل في اختصاص المظالم المحافظة
على الحقوق، ومنع الظلامات، ومحاسبة
الولاة والجباة ومراقبة موظفى الدولة إذا
تجاوزوا حدود سلطتهم وصلاحيتهم أو
(١) كشاف اصطلاحات الفنون ٤ / ١٠٧٦ ط. خياط.
(٢) المغني لابن قدامة ٩/١٤، السياسة الشرعية لابن تيمية
ص٤٩، وأدب القاضي للماوردي ٢٩٥/٢، ٢٩٦، وتبصرة
الحكام ١/ ٣٠، وأدب القضاء لابن أبي الدم ص ١٠١،
والمهذب ٢٩١/٢، وروضة القضاة للسمناني ٨٥/١، وأخبار
القضاة لوكيع ١٣٤/١، ٣٤٢، وبدائع الصنائع ٩/ ٤١٠٤.
ظلموا الناس في أعمالهم.
والأصل أن اختصاص قاضي المظالم عام
وشامل، وهو ما يمارسه الخلفاء، ومن له
ولاية عامة كالوزراء المفوضين، وأمراء
الأقاليم، ومن ينوب عنهم من القضاة، وهذه
الولاية العامة تشمل عشرة أمور ذكرها
الماوردي رحمه الله تعالى، وتبعه العلماء
والفقهاء(١)، وهي:
١ - النظر في تعدي الولاة على الرعية،
وأخذهم بالعسف في السيرة، فهذا من لوازم
النظر في المظالم الذي لا يقف على ظلامة
متظلم فيكون لسيرة الولاة متصفحا ومكتشفا
أحوالهم ليقويهم إن أنصفوا، ويكفهم إن
عسفوا، ويستبدل بهم إن لم ينصفوا، ولم
يؤدوا واجبهم المنوط بهم.
٢ - جور العمال في جباية الأموال
بمقارنتها بالقوانين العادلة فى دواوين الأئمة،
فيحمل الناس عليها، ويأخذ العمال بها،
وينظر فيما استزادوه، فإن رفعوه إلى بيت
المال، أمر برده، وإن أخذوه لأنفسهم
استرجعه لأربابه(٢).
٣ - النظر في كتاب الدواوين، لأنهم أمناء
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٠، والأحكام السلطانية
لأبي یعلی ص ٧٦، ومقدمة ابن خلدون ص ٢٢٢.
(٢) المراجع السابقة.
- ١٣٢ -

مَظَالم ١١
المسلمين على بيوت أموالهم فيما يستوفونه
له، ويوفونه منه، فیتصفح أحوالهم فيما وكل
إليهم من زيادة أو نقصان.
وهذه الأقسام الثلاثة لا يحتاج والي المظالم
في تصفحها إلى متظلم، ويبادر إليها بنفسه
(١)
بدون دعوى(١).
٤ - تظلم المسترزقة، وهم الموظفون من
نقص أرزاقهم، أو تأخرها عنهم، وإجحاف
النظّار بهم فيرجع إلى ديوانه في فرض العطاء
العادل فيجريهم عليه، وينظر فيما نقصوه، أو
مُنعوه من قبل، فإن أخذه ولاة أمورهم
استرجعه منهم، وإن لم يأخذوه قضاه من بيت
المال (٢).
٥ - ردّ الغصوب، وهي قسمان:
أحدهما: غصوب سلطانية قد تغلّب عليها
ولاة الجور، كالأموال المقبوضة عن أربابها،
إما لرغبة فيها، وإما لتعدّ على أهلها، فهذا إن
علم به والي المظالم عند تصفح الأمور أمر
برده قبل التظلم إلیه، وإن لم يعلم به فهو
موقوف على تظلم أربابه، ويجوز أن يرجع
فيه عند تظلمهم إلى ديوان السلطنة، فإذا وجد
فيه ذُكْر قبضها على مالكها عمل عليه، وأمر
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٠، والأحكام السلطانية
لأبي یعلی ص ٧٧
(٢) المرجعان السابقان.
بردها علیه، ولم يحتج إلى بينة تشهد به،
وكان ما وجده في الديوان كافيا (١).
ثانيهما: ما تغلّب عليه ذوو الأيدي القوية،
وتصرفوا فيه تصرف الملاك بالقهر والغلبة،
فهذا موقوف على تظلم أربابه، ولا ينتزع من
يد غاصبه إلا بأحد أمور أربعة، إما باعتراف
الغاصب وإقراره، وإما بعلم والي المظالم،
فيجوز له أن یحکم علیه بعلمه، وإما ببينة
تشهد على الغاصب بغصبه، أو تشهد
للمغصوب منه بملكه، وإما بتظاهر الأخبار
التى يُنفى عنها التواطؤ، ولا يختلج فيها
الشكوك، لأنه لما جاز للشهود أن يشهدوا في
الأملاك بتظاهر الأخبار كان حكم ولاة
المظالم بذلك أحق(٢).
٦ - مشارفة الوقوف، وهي ضربان: عامة
و خاصة.
فأما العامة فيبدأ بتصفحها، وإن لم يكن
فيها متظلم ليجريها على سبيلها، ويمضيها
على شروط واقفها إذا عرفها إما من دواوين
الحكام المندوبين لحراسة الأحكام، وإما من
دواوين السلطنة على ما جرى فيها من
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٢، والأحكام السلطانية
لأبي یعلی ص ٧٧
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٢، الأحكام السلطانية
لأبي يعلى ص ٧٨
- ١٣٣ -

مَظَالِم ١١ - ١٢
معاملة، أو ثبت لها من ذكر وتسمية، وإما من
کتب فيها قديمة تقع في النفس صحتها، وإن
لم يشهد الشهود بها، لأنه لا يتعين الخصم
فيها، فكان الحكم أوسع منه في الوقوف
الخاصة.
وأما الوقوف الخاصة فإن نظره فيها
موقوف علی تظلم أهلها عند التنازع فيها،
لوقفها على خصوم متعينين، فيعمل عند
التشاجر فيها على ما تثبت به الحقوق عند
الحاكم، ولا يجوز أن يرجع إلى ديوان
السلطنة، ولا إلى ما يثبت من ذكرها من
الكتب القديمة إذا لم يشهد بها شهود
معدلون(١).
٧ - تنفيذ ما وقف من أحكام القضاة،
لضعفهم عن إنفاذها، وعجزهم عن المحكوم
عليه، لتعزّره وقوة يده، أو لعلو قدره، وعظم
خطره، فيكون ناظر المظالم أقوى يداً، وأنفذ
أمراً، فينفذ الحكم على من توجه إليه بانتزاع
ما في يده، أو بإلزامه الخروج عما في ذمته(٢).
٨ - النظر فيما عجز عنه الناظرون في
الحسبة في المصالح العامة، كالمجاهرة بمنكر
ضعف عن دفعه، والتعدي في طريق عجز
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٣، الأحكام السلطانية
لأبي یعلی ص ٧٨
(٢) المرجعان السابقان.
عن منعه، والتحيُّف في حق لم يقدر على
ردّه، فيأخذهم والي المظالم بحق الله تعالى
في الجميع، ويأمر بحملهم على موجبه(١).
٩ - مراعاة العبادات الظاهرة كالجمع،
والأعياد، والحج، والجهاد، والزكاة، عند
التقصير فيها، وإخلال شروطها، فإن حقوق
الله تعالى أولى أن تستوفى وفروضه أحق أن
تؤدى، وهذا من الأمر بالمعروف والنهي عن
المنكر، والتناصح، والدعوة والتذكير(٢).
١٠ - النظر بين المتشاجرين، والحكم بين
المتنازعين، فلا يخرج في النظر بينهم عن
موجب الحق ومقتضاه، ولا يسوغ أن يحكم
بينهم إلا بما يحكم به الحكام والقضاة، وربما
اشتبه حكم المظالم على الناظرين
فيها، فیجورون في أحكامها، ويخرجون إلى
الحد الذي لا يسوغ، وهذا من عمل
.(٣)
القضاة(٣).
الفرق بين اختصاص المظالم واختصاص
القضاء:
١٢ - الفرق بين قضاء المظالم والقضاء
(١) المرجعان السابقان.
(٢) المرجعان السابقان.
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٣، والأحكام
السلطانية لأبي يعلي ص ٧٨.
- ١٣٤ -

مَظَالم ١٢
العادي يظهر في الجوانب التالية: (١).
١ - إن لنظّار المظالم من فضل الهيبة، وقوة
اليد ما ليس للقضاة في كف الخصوم عن
التجاحد، والمبالغة في إنكار الحق في كلا
الجانبين، ومنع الظلمة من التغالب،
والتجاذب.
٢ - إن نظر المظالم يخرج عن ضيق
الوجوب في التحقيق والإثبات والأحكام
والتنفيذ إلى سعة الجواز، فيكون أفسح
مجالاً، وأوسع مقالاً.
٣ - يستعمل ناظر المظالم من فضل
الإرهاب، وكشف الأسباب بالأمارات الدالة،
وشواهد الأحوال اللائحة، ما يضيق على
الحكام، فيصل به إلى ظهور الحق، ومعرفة
المبطل من المحق.
٤ - يقابل ناظر المظالم من ظهر ظلمه
بالتأديب، ويأخذ من بان عدوانه بالتقويم
والتهذيب.
٥ - لناظر المظالم استمهال الخصوم،
وتأجيل الفصل في النزاع، والتأني في ترداد
الأطراف عند اشتباه الأمور، واستبهام
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٣، والأحكام السلطانية
لأبي يعلى ص٧٩، وتبصرة الحكام ٢١/١، ١٤٥، ومعين
الحكام ص ١٢، ١٧٠ ط. الأولى بالمطبعة الأميرية ببولاق،
الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام للقرافي ص٩٣،
١٦٤.
الحقوق، ليُمْعِن في الكشف عن الأسباب
وأحوال الخصوم ما ليس للقضاة إذا سألهم
أحد الخصمين فصل الحكم، فلا يسوغ أن
يؤخره الحاكم، ويسوغ أن يؤخره والي
المظالم.
٦ - لناظر المظالم رد الخصوم إذا أعضلوا،
أي تعذر التوفيق بينهم، إلى وساطة الأمناء،
ليفصلوا في التنازع بينهم صلحاً عن تراضٍ،
وليس للقاضي ذلك إلا عن رضا الخصمین
بالرد إلى الصلح.
٧ - لناظر المظالم أن يفسح في ملازمة
الخصمين إذا وضحت أمارات التجاحد،
ويأذن في إلزام الكفالة فيما يسوغ فيه
التكفل، لينقاد الخصوم إلى التناصف،
ويعدلوا عن التجاحد والتكاذب.
٨ - لناظر المظالم أن يسمع من شهادات
المستورين ما يخرج عن عرف القضاء في
شهادة المعدّلين فقط.
٩ - يجوز لناظر المظالم إحلاف الشهود
عند ارتيابه بهم إذا بذلوا أيمانهم طوعاً،
ويستكثر من عددهم ليزول عنه الشك،
وينفي عنه الارتياب، وليس ذلك للحاكم
العادي.
١٠ - يجوز لناظر المظالم أن يبتدىء
- ١٣٥ -

مَظَالِم ١٢ - ١٤
باستدعاء الشهود، ويسأل عما عندهم في
تنازع الخصوم، أما عادة القضاة فهي تكليف
المدعي إحضار بينته، ولا يسمعونها إلا بعد
مسألته وطلبه(١).
الفرق بين اختصاص المظالم والحسبة:
١٣ - تتفق المظالم مع الحسبة في أمور
وتختلف في أمور أخرى (٢).
أما وجه الشبه بين المظالم والحسبة، فهي
أمران وهما:
١ - أن موضوع المظالم والحسبة يعتمد
على الرهبة وقوة الصرامة المختصة بالسلطنة.
٢- يجوز للقائم في المظالم والحسبة أن
ينظر من تلقاء نفسه، وفي حدود اختصاصه
لأسباب المصالح، وإنكار العدوان، والإلزام
في أحكام الشرع، بدون حاجة إلى مدع في
ذلك.
أما أوجه الاختلاف بين المظالم والحسبة
فهي:
١ - إن النظر في المظالم موضوع لما عجز
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٤، والأحكام السلطانية
لأبي يعلى ص٧٩، وتبصرة الحكام ٢/ ١٤٢، ومعين الحكام
ص ١٦٩، والإحكام في تمييز الفتاوي من الأحكام ص ١٦٤
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٤١ - ٢٤٢، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص ٢٨٦ - ٢٨٧، وتبصرة الحكام
١٩/١
عنه القضاة، أما النظر في الحسبة فموضوع لما
ترفع عنه القضاة، أو لا حاجة لعرضه على
القضاء، فكانت رتبة المظالم أعلى ورتبة
الحسبة أخفض منه، ويترتب على ذلك أنه
يجوز لوالي المظالم أن يوقع (يخاطب
ويراسل) إلى القضاة والمحتسب، ولم يجز
للقاضي أن يوقع إلى والي المظالم، ويجوز له
أن يوقع إلى المحتسب، ولا يجوز للمحتسب
أن یوقع إلی واحد منهما.
٢ - يجوز لوالي المظالم أن ينظر في
دعاوى المتخاصمين، ويفصل بينهما،
ويصدر حكماً، قضائياً قابلا للتنفيذ، أما
والي الحسبة فلا يجوز له أن يصدر حكما
لأنه مختص في الأمور الظاهرة التى لا اختلاف
فيها ولا تنازع، ولا تحتاج إلى بينة وإثبات
(١)
وحجاج(١).
طرق النظر في المظالم ومكانه وأوقاته:
أولاً: مجلس النظر في المظالم:
١٤ - يستعين قاضي المظالم بالأعوان الذين
يساعدونه في أداء مهمته الجسيمة، ويستكمل
بهم مجلس نظره، ولا يستغني عنهم، ولا
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٢٤٢ - ٢٤٣،
والأحكام السلطانية لأبي يعلى ص ٢٨٦ - ٢٨٧، وتبصرة
الحكام ١٩/١
- ١٣٦ -

مَظَالم ١٤- ١٥
ينتظم نظره إلا بهم(١)، ولذلك فإن مجلس
النظر في المظالم يتم تشكيله كما يلي:
١ - رئيس المجلس، وهو والي المظالم، أو
قاضي المظالم.
٢ - الحماة والأعوان لجذب القوي،
وتقويم الجرىء.
٣ - القضاة والحكام، لاستعلام ما ثبت
عندهم من الحقوق، ومعرفة ما يجري في
مجالسهم بين الخصوم.
٤ - الفقهاء، ليرجع إليهم فيما أشكل،
ويسألهم عما اشتبه وأعضل.
٥ - الكتاب، ليثبتوا ما جرى بين الخصوم،
وما توجه لهم أو عليهم من الحقوق، ويشترط
في الكاتب أن يكون عالماً بالشروط
والأحكام، والحلال والحرام، مع جودة الخط،
وحسن الضبط، والبعد عن الطمع، والأمانة
والعدالة.
٦ - الشهود، ليشهدوا على ما أوجبه
قاضي المظالم من حق، وأمضاه من حكم
وهم شهود للقاضي نفسه حتى يتم التنفيذ،
ويستبعد الإنكار والجحود.
فإن استكمل مجلس المظالم هؤلاء الستة
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٠، والأحكام السلطانية
لأبي یعلی ص ٧٦
شرع حينئذ في نظر المظالم (١).
ثانياً: التدابير المؤقتة في النظر بالمظالم:
١٥ - يحق لقاضي المظالم القيام بتدابير
مؤقتة، وإجراءات خاصة، قبل النظر في
دعوى المظالم، وأثناء النظر فيها، أهمها:
١ - الكفالة: وذلك بتكليف المدعى عليه
(المدين) بتقدیم كفالة بأصل الدين، ريثما
يفصل في الأمر، قال الماوردي: ((وعلى والي
المظالم أن ينظر في الدعوى، فإن كانت مالاً،
في الذمة كلفه القاضي إقامة كفيل))(٢).
٢ - الحجر: قال الماوردي: ((وإن كانت
الدعوى عيناً قائمة كالعقار حُجر عليه فيها
حجراً لا يرتفع به حكم يده)) (٣)، ويرد
استغلالها إلى أمين يحفظه على مستحقه
منهما، وبما أن الحجر من جهة، ووضع المال
عند أمين من جهة أخرى، قد ينتج عنهما
ضرر وأذى لصاحب الحق، ولذلك تشدد
فيهما الفقهاء، فقالوا: ((فأما الحجر عليه فيها،
وحفظ استغلالها مدة الكشف والوساطة
فمعتبر بشواهد أحوالهما، واجتهاد والي
(١) المراجع السابقة.
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٥، والأحكام السلطانية
لأبي يعلي ص ٨٠
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٥، والأحكام السلطانية
لأبي يعلي ص ٨٠
- ١٣٧ -

مظالم ١٥ - ١٧
المظالم فيما يراه بينهما إلى أن يثبت الحكم
بينهما))(١).
٣ - إجراء المعاينة والتحقيق المحلي، فإن
لوالي المظالم أن يكشف عن الحال من جيران
الملك، ومن جيران المتنازعین فیه، ليتوصل
بهم إلى وضوح الحق، ومعرفة المحق (٢).
٤ - الاستكتاب والتطبيق والمضاهاة، وذلك
إذا أنكر المدعى عليه الخط، فإن والي المظالم
يختبر خطه، باستكتابه بخطوطه التى يكتبها،
ويكلفه الإكثار من الكتابة ليمنعه من التصنع
فيها، ثم يجمع بين الخطین، فإذا تشابها حكم
به عليه(٣)، وهذا قول من جعل اعترافه الخط
موجبا للحكم به، والذي عليه المحققون منهم
أنهم لا يفعلون ذلك للحكم عليه، ولكن
لإرهابه وتكون الشبهة مع إنكاره للخط
أضعف منها مع اعترافه به، وترفع الشبهة إن
كان الخط منافيا لخطه، ويعود الإرهاب على
المدعي ثم يردان إلى الوساطة فإن أفضى الحال
إلى الصلح وإلا بت القاضي الحكم بينهما
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٥، والأحكام السلطانية
لأبي يعلى ص ٨٠
(٢) قضاة قرطبة للخشني ص ١٩٢، ٢١٧ ط. الدار المصرية،
القاهرة.
(٣) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٧، والأحكام السلطانية
لأبي یعلی ص ٨٢
بالأيمان.
ثالثاً: التسوية بين الخصمين:
١٦ - يقتضي نظام القضاء عامة، وقضاء
المظالم خاصة، التسوية بين الخصمين أمام
القاضي، في الجلوس والإقبال، والإشارة
والنظر، دون التفريق بين كبير وصغير، وراع
ورعية، وشريف وغيره، فالكل أمام العدل
سواء، لما روته أم سلمة في شها أن النبي عن لهم
قال: «من ابتلي بالقضاء بین الناس، فليعدل
بينهم في لحظه وإشارته، ومقعده))(١).
وينظر تفصيل ذلك في (تسوية ف ٩،
وقضاء ف٤١).
رابعاً: وقت النظر في المظالم:
١٧ - على الولاة الذين يمارسون قضاء
المظالم بجانب أعمالهم أن يخصصوا يوما
معلوما في الأسبوع للنظر في المظالم،
ليقصده المتظلمون، ويتفرغ الولاة في سائر
الأيام لأعمالهم الأخرى، وكانت المظالم في
العهود الأولی قليلة ومحدودة، و کان بعض
الخلفاء ينظر في المظالم في جميع الأوقات
(١) حديث أم سلمة: ((من ابتلي بالقضاء بين الناس ... ))
.. أخرجه الدار قطني (٤/ ٢٠٥)، وفي إسناده راو فيه
جهالة كما في الميزان للذهبي (٤ / ٥٤٤)
- ١٣٨ -

مَظَالِم ١٧ - ٢٠
متى حضرت مظلمة، فكان المهدي مثلا
يجلس في كل وقت لرد المظالم (١).
أما إن كان قاضي المظالم متعيناً لذلك،
ومتفرغاً له، فيكون نظره فيها في جميع
الأيام، وفي جميع الأوقات(٢).
خامساً: مكان المظالم:
١٨ - كان النظر في المظالم في مكان الخليفة
في دار الخلافة، أو مكان الوالي، أو في
المسجد، ولما أفردت المظالم بديوان خاص،
وكيان مستقل خصصت لها دار معينة
يقصدها المتظلمون، وتعقد فيها جلسات
النظر في المظالم، ويجتمع فيها أصحاب
العلاقة في الأمر.
وذكر الطبري أنه في أيام العباسيين
خصصت دار للمظالم في بغداد (٣)، ثم بنى
السلطان الصالح العادل نور الدين محمود
ابن زنكي الشهيد دار العدل بدمشق لكشف
الظلامات بسبب ما جرى فيها من ظلم بعض
أمرائه للناس، فكان ينصف من وزرائه
وأمرائه الرعية (٤)، وكذلك أنشأ الظاهر بيبرس
(١) الفخري، لابن طباطبا ص ١٣١
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص٧٩، ٨٠، والأحكام
السلطانية لأبي يعلى ص٧٦
(٣) تاريخ الطبري ٢١٦/٨ ط. دار المعارف، القاهرة ١٩٦٠
(٤) البداية والنهاية لابن كثير ١٢/ ٢٨٠، تصوير مكتبة المعارف
- بيروت، ومكتبة النصر - الرياض.
بمصر دار العدل، وحكم بين الناس، وأنصف
المظلوم، وخلص الحقوق(١).
ولزيادة التفصيل يرجع إلى مصطلح
(قضاء ف ٣٧ وما بعدها).
سادساً: الدعوى في المظالم:
١٩ - الأصل في رد المظالم أنها واجبة على
الإمام والخليفة، والوالي والأمير، والمحتسب
وقاضي المظالم، ويجوز لصاحب الحق أخذه
بلا دعوی إن قدر عليه.
قال القراني: كل أمر مجمع على ثبوته،
وتعين الحق فيه، ولا يؤدي أخذه إلى فتنة
وتشاجر، ولا فساد عرض أو عضو يجوز
أخذه من غير رفع للحاكم (٢).
سابعاً: القضاء بالسياسة الشرعية في المظالم:
٢٠ - إن التحقيق والإثبات في قضاء المظالم
أوسع من القضاء العادي، ويستطيع والي
المظالم أو قاضي المظالم أن يعتمد على
السياسة الشرعية العامة في قضائه، لذلك
قال الماوردي: ((فأما نظر المظالم الموضوع
على الأصلح فعلی الجائز، دون الواجب،
فيسوغ فيه مثل هذا عند ظهور الريبة وقصد
(١) النجوم الزاهرة ٧ /١٦٣
(٢) الفروق ٤ / ٧٦ - ٧٧
- ١٣٩ -

مظالم ٢٠ -٢٢
العناد، ويبالغ في الكشف بالأسباب المؤدية
إلى ظهور الحق، ويصون المدعى عليه بما اتسع
في الحكم))(١).
وقال الماوردي: ((وربما تلطف والي المظالم
في إيصال المتظلم إلى حقه، بما يحفظ معه
حشمة المتظلم منه، أو مواضعة المطلوب على
ما يحفظ به حشمة نفسه)) (١).
فإذا كان الظلم واضحاً اكتفى قاضي
المظالم بالبينة اليسيرة المؤدية إلى القناعة
الوجدانية، ولذلك قال ابن عبد الحكم: كان
عمر بن عبد العزيز يرد المظالم إلى أهلها بغير
البينة القاطعة، وكان يكتفي باليسير إذا عرف
وجه مظلمة الرجل ردّها عليه، ولم يكلفه
تحقيق البينة، كما يعرف من غشم (ظلم)
الولاة قبله على الناس، ولقد أنفذ بيت مال
العراق في رد المظالم حتى حمل إليها من
الشام(٣).
وفي ذلك إطلاق ليد صاحب المظالم
وتوسعة عليه، لمواجهة حالات الضرورات
والنوازل والحوادث، وهو ما قصده الخليفة
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٩١، والأحكام السلطانية
لأبي يعلي ص ٨٦، وتاريخ قضاة الأندلس للنباهي المالقي
ص ١٨،١٧
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٩٠، والأحكام السلطانية
لأبي یعلی ص ٨٥
(٣) سيرة عمر بن عبد العزيز، لابن عبد الحكم ص ٣٢٥
الراشد عمر بن عبد العزيز بقوله: ((تحدث
للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور))
وهو ما يقوم به القاضي بالاجتهاد والتحري.
فالقضاء بالسياسة الشرعية العادلة التي
تخرج الحق من الظالم، وترفع كثيراً من
المظالم، وتردع أهل الفساد، هي جزء من
الشريعة، وباب من أبوابها، وليست مخالفة
ها(١).
ثامناً: التنفیذ:
٢١ - وهو تنفيذ الأحكام وهو الهدف الأخير
من وجود القضاء والمحاكم، ولا سيما في
قضاء المظالم، إذا عجز القضاة عن تنفيذ
أحكامها على المحكوم عليه، لتعززه وقوة
يده، أو لعلو قدره، وعظم خطره، فیکون
ناظر المظالم أقوى يداً، وأنفذ أمراً، فينفذ
الحكم على من يوجه إليه، بانتزاع ما في يده،
أو بإلزامه الخروج مما في ذمته(٢).
توقيعات قاضي المظالم:
٢٢ - التوقيع: هو الكتاب الذي يتضمن
الادعاء من شخص، والجواب من آخر،
(١) إعلام الموقعين ٤ / ٤٦٢، والطرق الحكمية لابن القيم ص٤،
تبصرة الحكام لابن فرحون ٢/ ١٣٢، ١٤١
(٢) الأحكام السلطانية للماوردي ص ٨٣
- ١٤٠ -