Indexed OCR Text

Pages 241-260

المسْجِد الحَرَ ام ١٢-١٤
كره حيث كان للطائف مندوحة (١).
ونص الرملي على أنه لو قصر المصلي،
بأن وقف في قارعة الطريق أو بشارع أو درب
ضيق أو نحو باب مسجد كالمحل الذي
يغلب مرور الناس به في وقت الصلاة ولو في
المسجد كالمطاف، وكأن ترك فرجة في صف
إمامه فاحتيج للمرور بين يديه لفرجة قبله فلا
يحرم المرور في جميع ذلك، ولو في حريم
المصلى وهو قدر إمكان سجوده، خلافاً
للخوارزمي، بل ولا يكره عند التقصير (٢).
وقال الحنابلة: المصلي بمكة المشرفة لا
يرد المار بين يديه، قال أحمد: لأن مكة ليست
كغيرها لأن الناس يكثرون بها ويزدحمون
فمنعهم تضییق علیھم، ولأنه پڭ صلى بمكة
والناس یمرون بین یدیه وليس بينهما ستر.
وألحق الموفق بمكة سائر الحرم لمشاركته
لها في الحرمة.
وقال الرحيباني: إنما يتمشى كلام الموفق
في زمن حاج لكثرة الناس واضطرارهم إلى
المرور، وأما في غير أيام الحج فلا حاجة
للمرور بين يدي المصلي للاستغناء عنه،
وكلام أحمد يمكن حمله على الصلاة في
(١) حاشية الصاوي مع الشرح الصغير ٣٣٦/١ -٣٣٧
(٢) نهاية المحتاج ٥٣/٢ - ٥٤
المطاف أو قريباً منه وهو متجه (١).
أفضلية صلاة العيد بالمسجد الحرام:
١٣ - ذهب الفقهاء في الجملة إلى ندب إيقاع
صلاة العيد بالمصلى في الصحراء، وقيد
الشافعية أفضلية الصلاة في الصحراء بما إذا
كان مسجد البلد ضيقاً.
واستثنى المالكية والشافعية والحنابلة من هذا
الحكم صلاة العيد بمكة، فمن كان بمكة فإيقاعه
صلاة العيد بالمسجد الحرام أفضل للمزايا التي
تقع فيه لمن يصلي العيد وهي النظر
والطواف المعدومان في غيره (٢)، لخبر ((ينزل
الله على أهل المسجد مسجد مكة كل يوم عشرين
ومائة رحمة: ستين منها للطائفين، وأربعين
(٣)
للمصلين، وعشرين منها للناظرين))
٠
نذر الإتيان إلى المسجد الحرام:
١٤ - ذهب المالكية وأبو يوسف ومحمد
والحنابلة والشافعية في أصح الطريقين إلى أن
(١) مطالب أولى النهى ١ / ٤٨٢
(٢) غنية المتملي شرح منية المصلي ص ٥٧١ - ٥٧٢، وحاشية
ابن عابدين ٥٥٧/١، والفتاوى الهندية ١/ ١٥٠، والشرح
الصغير مع حاشية الصاوي عليه ٥٢٩/١، والمجموع ٤/٥،
والمغني ٣٧٢/٢، وتحفة الراكع والساجد ص ١٠٨
(٣) حديث: ((ينزل الله على أهل المسجد مسجد مكة كل يوم
عشرين ومائة رحمة ... ))
أخرجه الطبراني في الأوسط (١٦٩/٧) من حديث ابن عباس،
وأورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٩٢/٣)، وذكر أن فيه راوياً
مترو کا.
- ٢٤١ -

المسْجِد الحَرّام ١٤ -١٥
من نذر إتیان المسجد الحرام ينعقد نذره بحج
أو عمرة لحديث عقبة بن عامر: ((نذرت أختي
أن تمشي إلى بيت الله، وأمرتني أن أستفتي لها
النبي ـ فاستفتيته، فقال له: لتمش
ولتركب))(١)، ولأن مطلق كلام الناذرين
محمول على ما ثبت له أصل في الشرع،
والعرف قصد المسجد الحرام بالحج والعمرة
فیحمل نذره عليه (٢).
وقيد المالكية لزوم المشي إلى المسجد
الحرام بما إذا نذر الناذر المشي له لحج أو
عمرة، أو لصلاة فيه فرضاً كانت أو نفلاً(٣).
وقال المالكية: إذا لزمه المشي مشى من
حيث نذر المشي منه، وإن لم ينو محلاً
مخصوصاً فمن المكان المعتاد لمشي
الحالفين بالمشي، وإن لم يكن مكاناً معتاداً
للحالفين فمن حيث حلف أو نذر وأجزأ
المشي من مثله في المسافة، وجاز رکوب
لحاجة كأن يرجع لشيء نسیه أو احتاج إليه
كما يجوز له الركوب في الطريق لبحر اعتيد
ر کوبه للحالفین أو اضطر إلی رکوبه، ويستمر
(١) حديث عقبة بن عامر: ((نذرت أختي أن تمشي إلى بيت الله ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٧٩/٤) ومسلم
(١٢٦٤/٣)
(٢) الشرح الصغير ٢٥٥/٢ -٢٥٦، والهداية ٢/ ٩٠ - ٩١ط
مصطفى الحلبي، والبناية ٣١٥/٥ - ٣١٦، وإعلام الساجد ص
٢٠٨، وتحفة الراكع والساجد ص ١٢٣
(٣) الشرح الصغير ٢/ ٢٥٥
ماشياً لتمام طواف الإفاضة أو تمام السعي إن
كان سعيه بعد الإفاضة (١).
وذهب أبو حنيفة إلى أن من قال: عليّ
المشي إلى المسجد الحرام لا شيء عليه لأن
التزام الإحرام بهذه العبارة غير متعارف
عليه، ولا يمكن إيجابه باعتبار اللفظ فامتنع
أصلا(٢).
وللتفصیل (ر: نذر).
حاضر المسجد الحرام:
١٥- قال القرطبي: اختلف الناس في حاضري
المسجد الحرام - بعد الإجماع على أن أهل
مكة وما اتصل بها من حاضريه - وقال
الطبري: بعد الإجماع على أهل الحرم. قال
ابن عطية: وليس كما قال- فقال بعض
العلماء: من كان يجب عليه الجمعة فهو
حضري، ومن کان أبعد من ذلك فهو بدوي،
فجعل اللفظة من الحضارة والبداوة.
وعند أبي حنيفة وأصحابه: هم أهل مكة
ومن في حكمهم من أهل داخل المواقيت (٣).
وذهب الشافعية في الأصح المعتمد
(١) الشرح الصغير ٢٥٦/٢
(٢) الهداية ٩٠/٢ - ٩١ ط. الحلبي، وانظر البناية ٣١٥/٥ -
٣١٦
(٣) تفسير القرطبي ٤٠٤/٢، وحاشية ابن عابدين ٢/ ١٩٧،
وجواهر الإكليل ١٧٢/١
- ٢٤٢ -

المسْجِد الحَرَ ام ١٥-١٦
المختار إلى أن حاضري المسجد الحرام من
مساكنهم دون مرحلتين من الحرم.
وفي القول المقابل للأصح: حاضروا
المسجد الحرام من مساكنهم دون مرحلتين
من مكة (١).
وقال ابن المنذر في الإشراف: حاضرو
المسجد الحرام هم أهل مكة وأهل ذي طُوى:
وقال مجاهد وطاوس: هم أهل الحرم (٢).
دخول الكافر المسجد الحرام:
١٦ - ذهب الشافعية والحنابلة ومحمد بن
الحسن الشيباني إلى أن الكافر ليس له
دخول المسجد الحرام بحال (٣) لقوله تعالى:
﴿يَمُهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسُرُ فَلَا
يَقْرَبُواْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا﴾ (٤)
ويقرب من هذا ما ذهب إليه المالكية إذ
أنهم يرون أن الكافر يمنع من دخول المسجد
مطلقاً وإن أذن له مسلم ما لم تدع ضرورة
لدخوله كعمارة (٥)، وقالوا: إن الآية:
﴿ فَلَ يَقْرَبُواْلْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ
(١) حاشية القليوبي على شرح المحلي ١٢٨/٢
(٢) تحفة الرائع والساجد ص ٦٣
(٣) نهاية المحتاج ٨٦/٨، وإعلام الساجد للزركشي ص
١٧٣، والمغني ٥٣١/٨، والدر المختار ٢٧٥/٣، وتفسير
القرطبي ١٠٥/٨، وأحكام أهل الذمة ١/ ١٨٤ - ١٨٧
(٤) سورة التوبة / ٢٨
(٥) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١٣٩/١
هَذَا﴾ عامة في سائر المشركين وسائر
المساجد، وبذلك كتب عمر بن عبد العزيز
إلی عمّاله، ونزع في كتابه بهذه الآية، ويؤید
ذلك قوله تعالى ﴿فِي ◌ُوتٍ أَذِنَ اَللَّهُ أَنْ تُرْفَعَ
وَيُذْكَرَفِيهَا اسْمُهُ ﴾ (١)، ودخول الكفار فيها
مناقض لترفيعها (٢).
وصرح الحنفية بأنه لا بأس بدخول أهل
الذمة المسجد الحرام وسائر المساجد (٣).
(١) سورة النور/ ٣٦
(٢) تفسير القرطبي ٨/ ١٠٤ - ١٠٥
(٣) الفتاوى الهندية ٢٤٦/٥، والبناية ٩/ ٣٧٢، وتكملة فتح
القدير ٨/ ١٣٠ ط. الأميرية.
- ٢٤٣ -

المسْجِد النّبويّ ١-٤
المسْجِد النّوِيّ
التعريف:
١ - المسجد - لغة - بكسر الجيم - الموضع
الذي يسجد فيه، قال الزجاج: كل موضع
يُتَعَبَّد فيه فهو مَسْجِد، والمسجد بالفتح موضع
وقوع الجبهة على الأرض(١).
وشرعا: عرفه الزركشي بأنه: كل موضع من
الأرض لقوله مَلّر: ((جعلت لي الأرض
مسجداً)(٢) قال: وهذا من خصائص هذه الأمة،
ثم قال: إن العرف خصص المسجد بالمكان المهيأ
الصلوات الخمس حتى يخرج المصلّى المجتمع
فیه للأعياد ونحوها فلا یعطی حكمه(٣).
والمسجد النبوي: هو المسجد الذي بناه
رسول الله ﴿ في موقعه المعروف بالمدينة حين
قدم مهاجراً إليها من مكة، وهو ثاني الحرمين
الشريفين (٤).
(١) تاج العروس - ط. الكويت، وسبل السلام ١/ ١٥٢
(٢) حديث: ((جعلت لي الأرض مسجداً).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٥٣٣)
(٣) إعلام الساجد للزركشي ص٢٧، ٢٨ وتحفة الرائع والساجد
للجراعي ص١٢
(٤) إعلام الساجد ص٢٢٣، وتحفة الراكع والساجد للجراعي
ص١٢
الألفاظ ذات الصلة:
أ- المسجد الحرام:
٢ - وهو المسجد الذي بناه إبراهيم عليه
السلام ومعه ابنه إسماعيل، في مكة
المكرمة(١)، وهو المقصود بقوله تعالى: ﴿إِنَّ
أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِى بِبَّكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدِّى
لِلْعَلَمِينَ﴾(٢).
ب- المسجد الأقصى:
٣ - ويسمى بيت المقدس
، وهو المقصود
(٣)
بقوله تعالى: ﴿سُبْحَانَ الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَّيْلًا
مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَا﴾ (٤).
والصلة أن كلا من المسجد الحرام والمسجد
النبوي والمسجد الأقصى من المساجد التي تشد
إليها الرحال ويضاعف فيها الأجر.
تأسيس المسجد النبوي:
٤ - قدم النبي ◌َله المدينة مهاجراً إليها من مكة
حين اشتد الضحى من يوم الإثنين لاثنتي عشرة
ليلة مضت من شهر ربيع الأول - على
ماصححه ابن الجوزي وجزم به ابن النجار
والنووي فمكث في بني عمرو بن عوف أيام
(١) إعلام الساجد ص٢٩، ٤٥
(٢) سورة آل عمران/ ٩٦
(٣) إعلام الساجد ص ٢٧٥ -٢٨٣
(٤) سورة الإسراء/ ١
- ٢٤٤ -

المسْجِد النّبْوِيّ ٤
الإثنين والثلاثاء والأربعاء والخميس وبنى فيهم
مسجد قباء وصلی فیه إلى بيت المقدس، ثم
ركب يوم الجمعة فمر على بني سالم فجمَّع
بهم وبمن كان معه من المسلمين في مسجدهم
فكانت أوّل جمعة صلاها النبي ◌َّ بالمدينة
وأصبح ذلك المسجد يسمى مسجد الجمعة إلى
اليوم، ثم ركب من بنى سالم فجعل كلما مر
داراً من دور الأنصار يدعونه إلى المقام عندهم
يقولون يارسول الله هلم إلى القوة والمنعة فيقول
وَله: ((خلوا سبيلها(١) - يعنى ناقته القصواء -
فإنها مأمورة))، وقد أرخى زمامها وما يحركها
وهي تنظر يمينا وشمالا حتى إذا أنت موضع
المسجد بركت - وهو يومئذ مربد للتمر
لغلامين يتيمين - ثم ثارت الناقة والنبى وَاللّه
عليها حتى بركت على باب دار أبي أيوب
الأنصاري رضي الله عنه ثم ثارت منه وبركت
في مبركها الأول وألقت جرانَها - أي باطن
عنقها - بالأرض وأرزمت أي صوَتَتْ من غير
أن تفتح فاها - فنزل عنها رسول الله ا له وقال:
((هذا المنزل إن شاء الله تعالى))، واحتمل أبو
أیوب رحله ګ وأدخله في بيته، فقال رسول
الله ◌َّ: ((المرء مع رحله))(٢).
ونقل السيوطي عن ابن سعد في الطبقات
(١) حديث: ((خلوا سبيلها ... )).
أخرجه ابن سعد مع القصة في الطبقات (١/١/ ١٦٠)
(٢) إعلام الساجد ص٢٢٣-٢٢٥، وتحفة الراكع والساجد
ص١٣١، ووفاء الوفا ص ٣٢٢، والدرة الثمينة ص٣٥٥
عن الزهري قال: بركت ناقة رسول الله وعليه
عند موضع المسجد - وهو يومئذ يصلي فيه
رجال من المسلمين، وكان مربداً لسهل وسهيل
- غلامین یتیمین من الأنصار وکانا في حِجْر
أبي أمامة: أسعد بن زرارة، فدعا رسول الله إليهم
بالغلامين فساومهما بالمربد ليتخذه مسجداً،
فقالا: بل نهبه لك يارسول الله، فأبى النبي ◌َّ
حتى ابتاعه منهما بعشرة دنانير وأمر أبا بكر أن
يعطيهما ذلك(١)، فأمر رسول الله وسل بالنخل
الذي في الحديقة وبالغرقد الذي فيه أن يقطع،
وأمر باللّبن فضُرب، وكان في المربد قبور
جاهلية فأمر بها رسول الله وَالر فنبشت، وأمر
بالعظام أن تُغَيَّب، وأسسوا المسجد فجعلوا
طوله مما يلي القبلة إلى مؤخره مائة ذراع، وفي
هذین الجانبین مثل ذلك فهو مربع، ويقال كان
أقل من المائة وجعلوا الأساس قريبا من ثلاثة
أذرع على الأرض بالحجارة ثم بنوه باللّبن،
وبناه رسول الله ﴾ وأصحابه وجعل ينقل
الحجارة معهم بنفسه ويقول:
((اللهم لاعيش إلا عيش الآخرة فاغفر
للأنصار والمهاجرة )»(٢).
(١) حديث: ((بركت ناقة رسول الله ﴾ ... )).
أخرجه ابن سعد في الطبقات (١/٢/١) وفي إسناده محمد بن
عمر الواقدي وقد ضعفه المزي في («تهذيب الكمال)» (٢٦/ ١٨٠)
(٢) أبيات الشعر ((اللهم لاعيش إلا عيش الآخرة ... )).
قد ثبتت عن النبي صل# حين حفر الخندق كما أخرجها البخاري
(فتح الباري ١١٨/٧)
- ٢٤٥ -

1
المسْجِد النّبويّ ٤- ٦
وجعل له ثلاثة أبواب، بابا في مؤخره، وباباً
يقال له باب الرحمة وهو الباب الذي يدعی
باب عاتكة، والباب الثالث الذي يدخل منه
رسول الله - وهو الباب الذي يلي آل عثمان
وجعل طول الجدار بسطة، وعمده الجذوع،
وسقفه جريداً فقيل له ألا تسقفه؟ فقال: عريش
كعريش موسى خشيبات وتمام الشأن أعجل
من ذلك، وبنی بیوتا إلى جنبه باللّبن وسقفها
بجذوع النخل والجريد(١) وكانت تلك البيوت
مكان حجرته اليوم، فلما توفيت أزواجه
خلطت البيوت والحجر بالمسجد في زمن عبد
الملك بن مروان(٢).
توسعة المسجد وعمارته:
٥ - قال الزركشي: روى البخاري في
صحيحه عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما
قال: کان المسجد على عهد رسول الله څے مینیا
باللّبن وسقفه الجريد وعُمده خشب النخل (٣)
فلم يزد فيه أبوبكر رضي الله عنه شيئا، وزاد فيه
(١) الحاوي للفتاوى للسيوطي ٧٦/٢ (ط.التجارية الكبرى -
الثالثة).
و حدیث: ((عریش کعریش موسی ... ).
أخرجه البيهقي في ((دلائل النبوة)) (٢/ ٥٤٢) من طريقين، قال
ابن كثير في «البداية والنهاية)» (٢١٥/٣) قال عن الطريق
الأول ((مرسل)) من حديث الحسن البصري، والثاني: ((حديث
غریب)».
(٢) إعلام الساجد ص٢٢٤
(٣) حديث: ((كان المسجد على عهد رسول اللهصل- مبنياً ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١/ ٥٤٠)
عمر رضي الله عنه وبناه على بنائه في عهد
رسول الله وَلير باللبن والجريد وأعاد عمده
خشباً، ثم غيّره عثمان رضي الله عنه فزاد فيه
زيادة كبيرة وبنى جداره بالحجارة المنقوشة
والقصة (١)، وجعل عمده من حجارة منقوشة
وسقفه بالساج، وقال خارجة ابن زيد: بنى
رسول الله وقدر مسجده سبعين ذراعا في ستين
ذراعا أو يزيد، قال أهل السير: جعل عثمان
طول المسجد مائة وستين ذراعا وعرضه مائة
وخمسين ذراعا وجعل أبوابه ستة كما كانت
في زمن عمر ثم زاد فيه الوليد بن عبد الملك
فجعل طوله مائتي ذراع وعرضه في مقدمه
مائتين وفي مؤخره مائة وثمانين ثم زاد فيه
المهدي مائة ذراع من جهة الشام فقط دون
الجهات الثلاث(٢).
الروضة الشريفة:
٦ - ورد في فضل الروضة الشريفة عدة
أحاديث، من ذلك ما رواه الشيخان عن أبي
هريرة رضي الله عنه أن رسول الله چ# قال: ((ما
بين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة،
(١) القَصَّة: الجص والجير، القاموس المحيط.
(٢) إعلام الساجند للزركشي ص٢٢٤، ٢٢٥، ثم إنه لم تزل
أيدي الخلفاء والملوك تتوالى على الحرمين الشريفين بالتوسعة
والبناء على مر العصور وكان آخرها التوسعة التي أمر بها
الملك عبدالعزيز بن سعود عام ١٣٧٠ هـ ثم التوسعة الحالية
التي أمر بها خادم الحرمين الشريفين الملك فهد بن عبدالعزيز.
- ٢٤٦ -

المسْجِد النّبويّ ٦-٧
...
ومنبري على حوضي)) (١)، وما أخرجه أحمد
عن جابر بن عبدالله رضي الله عنهما قال: قال
رسول الله وقال: ((مابين منبري إلى حجرتي
روضة من رياض الجنة وإن منبري على ترعة
من ترع الجنة))(٢) وفي رواية من حديث عبدالله
ابن زيد: «ما بين هذه البيوت - يعني بيوته ◌َّ
- إلى منبري روضة من رياض الجنة))(٣).
قال النووي: ذكروا في معنى قوله {مَلچ:
((مابين بيتي ومنبري روضة من رياض الجنة))
قولين: أحدهما أن ذلك الموضع بعينه ينقل إلى
الجنة، والثاني أن العبادة فيه تؤدي إلى الجنة(٤)،
وقال محب الدين الطبري قال بعض العلماء:
لما کان جلوسه و جلوس الناس إلیه یتعلمون
القرآن والدين والإيمان هناك شبّه ذلك الموضع
بالروضة لكرم مايجتنى فيه، وأضافه إلى الجنة
لأنها تؤول إلى الجنة، كما قال التالية: ((الجنة تحت
ظلال السيوف)»(٥).
(١) حديث: ((مابين بيتي ومنبري ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري (٣/ ٧٠).
(٢) حديث: ((مابين منبري إلى حجرتي ... ))
أخرجه أحمد في المسند (٢/ ٤١٢)
(٣) حديث: ((مابين هذه البيوت ... ))
أخرجه أحمد في ((المسند) (٤١/٤)
(٤) شرح النووي على مسلم ٩/ ١٦٣، وإعلام الساجد
ص٢٥١، ٢٥٢، وتحفة الراكع والساجد ص١٤٣
(٥) حديث: ((الجنة تحت ظلال السيوف))
أخرجه مسلم (١٣٦٢/٣ - ١٣٦٣)
أساطين المسجد النبوي الأصلي:
٧ - من أساطين المسجد النبوي أسطوانة
المخلَّق التي هي علم على المصلى الشريف،
فعن سلمة بن الأكوع رضي الله تعالى عنه قال:
رأيت رسول الله ◌َلا يتحرى الصلاة عندها.
ومنها: أسطوانة القرعة وتعرف بأسطوانة
عائشة رضي الله تعالى عنها وبأسطوانة
المهاجرين أيضا، روي عن ابن زبالة أن عبدالله
ابن الزبير واثنين معه دخلوا على عائشة رضي
الله تعالى عنها فتذاكروا المسجد فقالت عائشة
إني لأعلم سارية من سواري المسجد لو يعلم
الناس مافي الصلاة إليها لاضطربوا عليها
بالسهمان، فخرج الرجلان وبقي ابن الزبير، ثم
خرج ابن الزبير مسرعا فصلى إلى هذه
السارية، وعن ابن زبالة أيضا: وبلغنا أن الدعاء
فيها مستجاب.
ومنها: أسطوانة التوبة وتعرف بأسطوانة
أبي لبابة رضي الله تعالى عنه وهي التي ربط
أبو لبابة نفسه إليها حتى نزلت توبته.
ومنها: أسطوانة السرير وهي التي كان
یوضع عندها سریر رسول الله ( إذا اعتكف.
ومنها: أسطوانة الحرس وهي التي كان
يجلس علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه
في صفحتها التي تلي القبر مما يلي باب رسول
الله ◌َ﴾ بحرس النبي ◌َل﴾.
- ٢٤٧ -

المسْجِد النّبويّ ٧-١٠
ومنها: أسطوانة الوفود وهي التي كان يجلس
رسول الله الطر إليها لوفود العرب إذا جاءته.
ومنها: أسطوانة التهجد وهي التي كان
رسول الله ◌ٍَّ﴿ يخرج إذا انكفت الناس فيصلي
عندها صلاة الليل(١).
حجرات أزواج النبي ◌ِّر:
٨ - قال ابن النجار: لما بنى رسول الله اليه
مسجده بنى بيتين لزوجتيه عائشة وسودة -
رضي الله عنهما - على نعت بناء المسجد من
لبن وجريد النخل، ولما تزوج لل* نساءه بنى
لهن حُجُراً وهي تسعة أبيات وهي ما بين بيت
عائشة رضي الله عنها إلى الباب الذي يلي باب
النبي ◌َ ◌ّ، وقال أهل السير: ضرب النبي ◌َّل
الحجرات ما بينه وبين القبلة والشرق إلى
الشامى ولم يضربها غربيه، وكانت خارجة من
المسجد مديرة به إلا من المغرب و کانت أبوابها
شارعة في المسجد.
وكان بيت فاطمة بنت النبي # خلف بيته
عن يسار المصلى إلي الكعبة وكان فيه خوخة
إلى بيت النبي ◌َّ وكان إذا قام من الليل إلى
المخرج اطلع منها يعلم خبرهم(٢)، و كان يأتي
بابها كل صباح فيأخذ بعضادتيه ويقول:
((الصلاة: ﴿إِنَّمَا بُرِيدُ اللَّهُ لِيُذْهِبَ عَنكُمُ
(١) وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى السمهودي ٤٣٩/٢- ٤٥٣
(٢) الدرة الثمينة ص ٣٥٩، وفاء الوفا ٢ /٤٦٣
اُلْرِّحْسَ أَهْلَ الْبَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيرًا﴾(١).
منبر النبي ﴾:
٩ - وردت عدة روايات من طرق متعددة أن
النبي ◌َّه كان إذا أراد أن يخطب وأطال القيام
يسند ظهره إلى إحدى سواري مسجده - دَاخر
- التي كانت من جذوع النخل، وكان يشق
علیه طول قيامه فأُتي بجذع فحفر له فصار
يخطب إلى جنبه وإذا طال قيامه - راء - استند
فاتّكى عليه، ولما رأى الصحابة أنه - اَلر -
یشکو ضعفا في رجليه ويشق عليه طول القيام
عملوا له منبراً من خشب الطرفاء وكان
بمرقاتين - أي درجتين أو ثلاث(٢) فلما تحول
مَّ إلى المنبر يخطب عليه سُمع لذلك الجزع
حنين كصوت العشار فأتى النبي ◌َلقر إليه
فاحتضنه وضمه فسكن(٣).
موضع قبر النبي ێۇ وصاحبيه:
١٠ - قال ابن هشام: لما فُرغ من جهاز النبي
ګ يوم الثلاثاء وضع على سريره في بيته وقد
(١) حديث: ((أن رسول الله(# كان يمر بباب فاطمة»
أخرجه الترمذي (٥/ ٣٥٢) من حديث أنس بن مالك دون
ذکر صفة بيت فاطمة رضي الله عنها، وقال الترمذي: ((حدیث
حسن غريب)) والآية من سورة الأحزاب/ ٣٣.
(٢) الدرة الثمينة ص ٣٦٠، وتاريخ ابن كثير ١٢٤/٦، ووفاء
الوفا ٣٨٨/١
(٣) حديث: أن النبي * إذا أراد أن يخطب ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٦٠١/٦-٦٠٢) والدارمي
(٢٩/١) واللفظ للدارمي.
- ٢٤٨ -

٠٫٠٠
المسْجِد النّبويّ ١٠- ١٢
کان المسلمون اختلفوا في دفنه فقال قائل ندفنه
في مسجده، وقال قائل بل ندفنه مع
أصحابه(١)، فقال أبوبكر إني سمعت رسول
الله ﴾ يقول: ((ماقبض نبيّ إلا دفن حيث
قبض)) (٢)، فرُفع فراش رسول الله و # الذي
توفي عليه فحفر له تحته ثم دخل الناس على
رسول الله وسلّم يصلون عليه أرْسالاً - جماعة
بعد جماعة -.
وقال ابن كثير: قد علم بالتواتر أنه عليه
الصلاة والسلام دفن في حجرة عائشة التي
كانت تختص بها شرقي مسجده في الزاوية
الغربية القبلية من الحجرة، ثم دفن بعده فيها
أبوبكر ثم عمر رضي الله عنهما(٣).
مكان أهل الصُّفَّة:
١١ - الصُّفّةُ: بضم الصاد المشددة وتشديد
الفاء - مكان مظلل في مؤخر المسجد النبوي
وإليها ينسب أهل الصفة(٤)، وهم أناس من
فقراء المسلمين، وأكثرهم من المهاجرين ممن لم
يكن لهم منازل ولامأوى، أنزلهم النبي ◌َّل
(١) السيرة النبوية لابن هشام ٤ / ٦٦٢ ط مصطفى الحلبي.
(٢) حديث: ((ماقبض نبيّ ... ))
أخرجه الترمذي (٣٣٨/٣) وابن ماجه (٥٢٠/١-٥٢١)
بإسنادين مختلفين وكلا الإسنادين ضعيف، الأول ضعفه
الترمذي والآخر ضعفه البوصيري في «مصباح الزجاجة»
(٢٩١/١)
(٣) البداية والنهاية ٢٧٢/٥ مكتبة المعارف - بيروت.
(٤) القاموس المحيط.
المسجد وسماهم أهل الصفة، وكان اله
يجالسهم ويأنس بهم، وكان إذا جاءته هدية
أصاب منها وبعث إليهم منها، وإذا جاءته
الصدقة أرسل بها إليهم ولم يصب منها(١).
قال ابن النجار (٢): روى البخاري في
الصحيح أن أصحاب الصفة كانوا فقراء،
وروى - أيضاً - عن أبي هريرة رضي الله عنه
قال: رأيت سبعين من أهل الصفة مامنهم رجل
عليه رداء، إما إزار وإما كساء قد ربطوه في
أعناقهم، فمنها ما يبلغ نصف الساقین ومنها
مايبلغ الكعبين فيجمعه بيده كراهة أن تُرى
و (٣)
عورتُهُ(٣).
آداب دخول المسجد النبوي:
١٢ - يستحب لمن دخل المسجد النبوي أن
يقول الذكر الوارد في ذلك عند دخول
المساجد، فيقدم رجله اليمنى ويقول: بسم الله
اللهم صل على محمد، رب اغفر لي ذنوبي
وافتح لي أبواب رحمتك.
وعند الخروج یقدم رجله اليسرى ويقول
ذلك، ولكن بلفظ: (وافتح لي أبواب
فضلك)، ويصلي عند الدخول ركعتين تحية
(١) تاريخ ابن كثير ١٠٢/٦
(٢) وفاء الوفا ٢/ ٤٥٤
(٣) أثرٍ أبي هريرة رضي الله عنه: (( رأيت سبعين من أهل
الصفة .. »
أخرجه البخارى (فتح الباري ١ / ٥٣٦)
- ٢٤٩ -

المسْجِد النّبويّ ١٢ - ١٤
المسجد والمسجد النبوى وغيره من المساجد في
ذلك سواء إلا المسجد الحرام فإن تحيته
الطواف.
ثم يقصد الحجرة الشريفة التي فيها قبر النبي
وَ ر فيستقبل القبر ويستدبر القبلة، ويدعو
بالدعاء الوارد في ذلك(١).
ر: مصطلح (زيارة قبر النبي وس ليم ف ٧).
الأحكام الخاصة بمسجد النبي - ﴾-
للمسجد النبوي ماللمساجد من أحكام،
ويختص بأحكام منها
١ - شد الرحال إليه:
١٣ - فعن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله ◌َيِّ قال: ((لاتُشَدُّ الرحالُ إلا إلى ثلاثة
مساجد: المسجد الحرام، ومسجد الرسول -
وَ * - ومسجد الأقصى))(٢).
وفي الحديث دليل على أن المسجد النبوي
أحد المساجد الثلاثة التى تختص بمزية جواز
شد الرحال إلیھا.
وفي هذا الحديث فضيلة هذه المساجد
ومزيتها على غيرها لكونها مساجدَ الأنبياء،
ولأن الأول قبلة الناس وإليه حجهم والثاني كان
(١) فتح القدير ٩٤/٣، والشرح الصغير ٤٠٥/١-٤٠٧،
وإعلام الساجد ص٣٤٧، والمغني ٣/ ٥٧٧، ٥٥٨
(٢) حديث: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاث ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٦٣/٣)، ومسلم (١٠١٤/٢)
قبلة الأمم السالفة، والثالث أسس على التقوى.
واختلف في شد الرحال إلى غيرها
كالذهاب إلى زيارة الصالحين أحياءً وأمواتا،
وإلى المواضع الفاضلة لقصد التبرك بها
والصلاة فيها، فقال أبو محمد الجويني: يحرم
شد الرحال إلى غيرها عملا بظاهر هذا
الحدیث وبه قال عياض وطائفة.
والصحيح عند إمام الحرمين وغيره من
الشافعية أنه لايحرم(١).
٢ - ثواب الصلاة في المسجد النبوي فرضا
ونفلا:
١٤ - عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول
الله وَالتّ قال: ((صلاة في مسجدي هذا خير من
ألف صلاة فيما سواه من المساجد إلا المسجد
الحرام)» (٢).
ولا خلاف بين العلماء في حصول هذه
الأفضلية ومضاعفة الثواب الواردة في الحديث
- لصلاة الفرض.
أما في صلاة النفل فيرى الحنفية والمالكية -
على الصحيح - والحنابلة: أن الأفضلية
ومضاعفة الثواب الواردة في الحديث خاصة
بالفرائض دون النوافل، لأن صلاة النافلة في
(١) فتح الباري شرح البخاري ٣٠٥/٣-٣٠٨ط، مصطفى
الحلبى، وصحيح مسلم بشرح النووي ١٠٦/٩، وصحيح
مسلم بشرح الأبي ٣/ ٤٨٠
(٢) حديث: («صلاة في مسجدي هذا ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٦٣/٣)، ومسلم (١٠١٢/٢)
- ٢٥٠ -

المسْجِد النّبويّ ١٤ - ١٥
البيت أفضل وأقرب إلى الإخلاص وأبعد عن
الرياء، لقوله ◌َلج : ((صلاة المرء في بيته أفضل
من صلاته في مسجدى هذا إلا المكتوبة))(١)،
وقوله مدير: ((إذا قضى أحدكم الصلاة في
مسجده فلیجعل لبیته نصيباً من صلاته فإن الله
جاعل في بيته من صلاته خيراً))(٢).
لكن المالكية فرقوا بين مَنْ كان من أهل
المدينة وبين مَنْ كان من الغرباء عنها، فقالوا إن
صلاة أهل المدينة النفل المطلق في بيوتهم
أفضل من فعلها في المسجد بخلاف الرواتب
وماتسنّ له الجماعة فإن فعلها في المسجد
أفضل.
أما الغرباء عن المدينة فإن صلاتهم النافلة
في مسجده ◌َلّ أفضل من صلاتهم لها في
بيوتهم وسواء أكانت النافلة من الرواتب أم
کانت نفلا مطلقا.
وقالوا: إن المراد بالغريب عن المدينة وهو
مَنْ لايُعرف فيها، وإن المجاور بها حكمه حكم
أهلها حيث كان يعرف(٣).
(١) حديث: ((صلاة المرء في بيته أفضل ... ))
أخرجه أبو داود (٦٣٢/١)، والترمذي (٣١٢/٢) من حديث
زید بن ثابت، وقال الترمذي: «حدیث حسن))
(٢) حديث: ((إذا قضى أحدكم الصلاة ... ))
أخرجه مسلم (٥٣٩/١)
(٣) حاشية ابن عابدين ٦٥٩/١ ط. دار الفكر، وفتح القدير
٩٦/٣، وحاشية الدسوقي ٣١٤/١، وكفاية الطالب الرباني
وبهامشه حاشية العدوي ٤ /٥٩ (طبع المدني - الأولى)،
والمغني لابن قدامة ١٤١/٢ -الرياض.
ويرى الشافعية - ومطرف من المالكية - أن
التفضيل الوارد بالحديث يعم صلاة الفرض
وصلاة النفل.
قال النووي: واعلم أن مذهبنا أنه لايختص
هذا التفضيل بالصلاة في هذين المسجدين -
أي المسجد الحرام والمسجد النبوي - بالفريضة
بل يعم الفرض والنفل جميعا، وبه قال مطرف
من أصحاب مالك، وقال الزركشي: ذكر في
شرح المهذب أن التحقيق: أن صلاة النفل في
بيته أفضل من المسجد(١).
٣ - حكم مازيد في بناء المسجد النبوي:
١٥ - طرأت على بناء المسجد النبوي توسعة
وزيادات في بنائه عما كان عليه في عصر النبي
وَلّة، وقد بحث العلماء حكم هذه الزيادة من
جهة نيل الثواب، فمنهم من قال إن الفضل
الثابت لمسجده # ثابت لما زید فيه.
قال محب الدين الطبري: عن ابن عمر قال
زاد عمر بن الخطاب في المسجد من شاميه
وقال: (لو زدنا فيه حتى تبلغ الجبّانة كان
مسجدَ رسول اللّه ◌َ﴾﴾(٢)، وعن أبي هريرة
(١) شرح النووي على صحيح مسلم ٩ / ١٦٤، وإعلام الساجد
ص٢٤٦، وشرح الأبي على مسلم ٤٧٧/٣ - دار الكتب
العلمية - بيروت.
(٢) أثر عمر: لوزدنا فيه حتى بلغ الجبانة
أورده ابن تيمية في كتاب الرد على الإخنائي
(ص١٩٨ - بهامش تلخيص كتاب الاستغاثة)، وعزاه لعمر بن
شبة في تاريخ المدينة.
- ٢٥١ -

المسْجِد النّبويّ ١٥
رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَالر: (لو بني
هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي))(١)،
وكان أبوهريرة رضي الله عنه يقول: ظهر
المسجد كقعره.
وإلى هذا ذهب الحنفية والحنابلة وهو اختيار
ابن تیمیة، قال ابن عابدين: ((ومعلوم أنه قد
زيد في المسجد النبوي، فقد زاد فيه عمر ثم
عثمان ثم الوليد ثم المهدي، والإشارة بهذا إلى
المسجد المضاف إليه وَلّ، ولاشك أن جميع
المسجد الموجود الآن يسمى مسجدَه وَّةٍ، فقد
اتفقت الإشارة والتسمية على شيء واحد فلم
تُلْغَ التسمية فتحصل المضاعفة المذكورة في
الحدیث، فيما زيد فيه))(٢).
ونقل الجراعي عن ابن رجب مثل ذلك،
وأنه قد قيل إنه لايُعلم عن السلف في ذلك
خلاف (٣).
وروي عن الإمام أحمد التوقف(٤).
ورجح السمهودي - من المالكية - أن
مازيد في المسجد النبوي داخل في الأفضلية
(١) حديث: ((لوبني هذا المسجد إلى صنعاء كان مسجدي)).
أورده ابن تيمية في الرد على الإخنائي (ص١٩٨ - بهامش
تلخيص كتاب الاستغاثة) وعزاه إلى تاريخ المدينة لابن شبة،
وقد ضعف غير واحد أحد رواته كما في الميزان للذهبي
(٤٢٩/٢)
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٢٧/١، ٦٥٩، والإقناع ٣٢٣/١،
والفتاوى لابن تيمية ١٤٦/٢٦
(٣) تحفة الراكع والساجد ص١٣٩
(٤) الإقناع ٣٢٣/١
الواردة بالحديث، ونَقَل عن الإمام مالك أنه
سئل عن حد المسجد الذي جاء فيه الخبر هل
هو على ماكان في عهد النبي ◌َّ أو هو على
ماعليه الآن؟ فقال بل هو على ماهو الآن،
وقال لأن النبي ◌ّال# أخبر بما یکون بعده وزويت
له الأرض فأري مشارق الأرض ومغاربها،
وتحدث بما يكون بعده فحفظ ذلك من حفظه
في ذلك الوقت ونسي ذلك من نَسيه، ولولا
هذا ما استجاز الخلفاء الراشدون المهديون أن
يزيدوا فيه بحضرة الصحابة ولم ينكر عليهم
ذلك منکر(١).
لكن قال الأبّي في شرح الحديث: ((صلاة
في مسجدي هذا خير من ألف صلاة ... ))(٢)
إن التفضيل مختص بمسجده الذي كان في
زمانه پ# دون مازيد فيه بعد ذلك، فلايتناول
التفضيل مازاد فيه عثمان لأنه من اتخاذه،
ويدل على أنه من اتخاذه احتجاجه حين أنكر
عليه فيه الزيادة بقوله وَل: ((من بنى مسجداً بنى
الله له بيتا في الجنة))(٣)، فجعله من بنائه
(٤)
لنفسه (٤).
(١) وفاء الوفا ٣٥٧/١، ٤٢٤/٢
(٢) حديث: ((صلاة في مسجدي هذا ... ))
تقدم (ف١٤).
(٣) حديث: ((من بنى مسجدا ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٤٤/١) ومسلم (٤/ ٢٢٨٧)
(٤) شرح صحيح مسلم للأبي ٣/ ٤٧٧ ط. دار الكتب العلمية
بيروت.
- ٢٥٢ -

المسْجِد النّبويّ ١٥ - ١٧
وذهب الشافعية إلى أن هذه الفضيلة
مختصة بنفس مسجده # الذي كان في زمانه
دون مازید فیه بعده(١).
وإلى هذا ذهب ابن عقيل وابن الجوزي
وجمع من الحنابلة(٢).
٤ - نذر المشي إلى المسجد النبوي:
١٦- اختلف الفقهاء في حكم الوفاء على من
نذر المشي إلى مسجد النبي ◌َّر، فيرى الحنفية
أنه لايلزمه الوفاء به، لأن من شروط النذر
عندهم أن يكون قربة مقصودة وأن يكون من
جنسه واجب أو فرض، والذهاب إلى المسجد
النبوي غير واجب بخلاف مالو نذر المشي إلى
المسجد الحرام فإنه يلزمه الوفاء به"
(٣)
وإلى ذلك ذهب الشافعية (٤).
ويرى المالكية وجوب الوفاء بالنذر إن نوى
صلاة أو صوما أو اعتكافا، لكن لا يلزمه المشي
وله أن يذهب راكبا(٥).
ويرى الحنابلة لزوم الوفاء بالنذر ماشياً،
واستدلوا بقول النبي ◌َّة: ((لاتشد الرحال إلا
إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي
(١) إعلام الساجد ص٢٤٧، ومغني المحتاج ٥١٣/١، ونهاية
المحتاج ٣١١/٣، وحاشية الجمل ٤٨٣/٢، والمجموع
٢٧٧/٨
(٢) الإقناع ٣٢٣/١
(٣) حاشية ابن عابدين ٧٣٥/٣
(٤) مغني المحتاج ٣٦٣/٤
(٥) بداية المجتهد ١/ ٤٤٥، والشرح الصغير ٢٥٥/٢
هذا، والمسجد الأقصى))(١).
وقالوا إنه يلزمه - حينئذ - أن يصلي في
المسجد ركعتين لأن القصد بالنذر القربة
والطاعة، وإنما يكون تحصيل ذلك بالصلاة
فتضمن ذلك نذره كما يلزم ناذر المشي إلى
بيت الله الحرام أحد النسكين(٢).
وللتفصيل ينظر مصطلح: (نذر)
٥ - زيارة قبر النبي ::
١٧ - ذهب جمهور العلماء إلى أن زيارة قبر
النبي ◌َّ مستحبة، وقالت طائفة إنها سنة
مؤكدة تقرب من درجة الواجبات، وهو المفتى
به عند طائفة من الحنفية(٣).
وذهب الفقيه المالكي أبو عمران موسى بن
عيسى الفاسي إلى أنها واجبة (٤).
ومن أدلة مشروعيتها قوله تعالى: ﴿وَلَوْ
أَنَّهُمْ إِذ ◌َظَلَمُوْ أَنفُسَهُمْ جَآءُ ولَكَ فَاسْتَغْفَرُواْ
اللَّهَ وَأُسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَ جَدُواْ اللَّهَ تَوَابًا
رَّحِيمًا﴾ (٥)، وقوله بَّر: ((من زارني بعد موتي
فكأنما زارني في حياتي»(٦).
(١) حديث: ((لا تشد الرحال ... ))
تقدم (ف١٣)
(٢) المغني ١٦/٩
(٣) فتح القدير ٩٤/٣، وحاشية ابن عابدين ٦٢٦/٢، والمغني
٥٥٦/٣
(٤) الشفا ١٥٠/٢
(٥) سورة النساء/ ٦٤
(٦) حديث: ((من زارني بعد موتي ... ))
أخرجه الدار قطني في («السنن» (٢٧٨/٢) وضعفه ابن حجر
في ((التلخيص الحبير)) (٢٦٦/٢-٢٦٧)
- ٢٥٣ -

المسْجِد النّبويّ ١٧ - ١٨، مَسْح ١-٢
وللتفصيل: ر: مصطلح (زيارة النبي ◌َّل
ف٢).
آداب وداع المسجد النبوي:
١٨ - يستحب لمن عزم على الرجوع إلى بلده
أن يودع المسجد بصلاة ويدعو بعدها بما أحب
وأن يأتي القبر الشريف فيسلم على النبي تَّل
ويدعو الله بما أحب ويسأله سبحانه أن يوصله
إلى أهله سالما غانما ويقول: غير مودع يارسول
الله، ويسأل الله تعالی أن یرده إلى حرمه وحرم
نبيه محمد ◌ّ في عافية (١).
=
(١) فتح القدير ٩٧/٣ وحاشية ابن عابدين ٦٢٦/٢ والمغني
٥٤٦/٣
مَسْح
التعريف:
١- للمسح في اللغة معان، يقال: مسح الشيء
المتلطخ أو المبتل مسحا: أمرّ يده عليه لإذهاب
ما عليه من أثر ماء ونحوه، ومسح على الشيء
بالماء أو الدهن: أمرّ يده عليه به، ويقال: مسح
بالشيء، وفي التنزيل العزيز: ﴿ وَأَمْسَحُواْ
بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾(١)، ومسح
الله العلة عن العليل: شفاه، وغير ذلك(٢).
والمسح في الاصطلاح لا يخرج عن المعنى
(٣)
اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة:
أ- الغسل:
٢- الغسل لغة: بفتح الغين، مصدر غسل،
والاسم: الغُسْل وهو تمام غسل الجسد كله (٤).
وفي الاصطلاح: قال الشربيني الخطيب:
هو سيلان الماء على جميع البدن بنية (٥).
(١) سورة المائدة / ٦
(٢) المعجم الوسيط.
(٣) ابن عابدين ١/ ٦٧
(٤) المصباح المنير والمعجم الوسيط.
(٥) مغني المحتاج ٦٨/١.
- ٢٥٤ -

مَسْح ٣ - ٥
ب - التيمم:
٣- التيمم لغة: القصد والتوخي والتعمد،
يقال: تیممه بالرمح، تقصده وتوخاه وتعمده
دون من سواه (١)، ومثله تأمه، ومنه قوله
تعالى: ﴿وَلَا تَيَمَّمُواْالْخَبِيثَ مِنْهُ تُنفِقُونَ﴾(٢).
وأما في الاصطلاح: فهو مسح الوجه
والیدین بتراب طھور على وجه مخصوص
كما قال الحنابلة(٣).
والمسح أعم من التيمم.
أحكام المسح:
للمسح أحكام منها:
أولا: مسح الرأس في الوضوء:
الكلام على مسح الرأس في مواضع كما يلي:
أ- مسح الرأس في الوضوء:
٤- لا خلاف بين الفقهاء في أن مسح الرأس
مطلقا من فرائض الوضوء، لقوله تعالى:
﴿وَأَمْسَحُواْ بِرُءُ وسِكُمْ﴾ (٤).
ب - القدر المجزئ في مسح الرأس:
٥- اختلف الفقهاء في مسح القدر المجزئ، فذهب
(١) تاج العروس، ولسان العرب.
(٢) سورة البقرة / ٢٦٧
(٣) كشاف القناع ١٦٠/١
(٤) سورة المائدة / ٦
الحنفية في أشهر الروايات عندهم إلى أن القدر
المجزئ هو مسح ربع الرأس، كما رواه الحسن عن
أبي حنيفة، وهو قول زفر أيضا، قال ابن عابدين: إن
المعتمد رواية الربع وعليه مشى المتأخرون.
ووجه التقدير بالربع أنه قد ظهر اعتبار
الربع في كثير من الأحكام كما في حلق ربع
الرأس أنه یحل به المحرم، ولا يحل بدونه.
والرواية الثانية: مقدار الناصية، ذكرها
الكرخي والطحاوي وبه قال القاضي من
الحنابلة، واختاره القدوري، وفي الهداية: وهي
الربع، والتحقيق أن الناصية أقل من الربع.
ووجه التقدير بالناصية، أن مسح جميع
الرأس ليس بمراد من الآية بالإجماع، فلا يمكن
حمل الآية على جميع الرأس، ولا على بعض
مطلق، فلابد من الحمل على مقدار يسمى
المسح عليه مسحا في المتعارف، وذلك غير
معلوم، لكن بينه النبي بَير: بفعله وهو ما ورد
عن المغيرة بن شعبة عن النبي ◌َّير ((أنه بال
وتوضأ ومسح علی ناصیته))(١). فصار فعله
عليه الصلاة والسلام بياناً لمجمل الكتاب.
والرواية الثالثة: مقدار ثلاثة أصابع، رواها
هشام، وقيل هي ظاهر الرواية، وذكر في
الظهيرية أن عليها الفتوى.
ووجه هذه الرواية: أن الأمر بالمسح يقتضى
(١) حديث المغيرة: ((أنه ێے بال وتوضأ ومسح على ناصيته)»
أخرجه مسلم (١/ ٢٣١).
- ٢٥٥ -

مَسْح ٥ - ٨
آلة، إذ المسح لا يكون إلا بالآلة، وآلة المسح
هي أصابع اليد عادة، وثلاث أصابع اليد
أکثرها، وللأکثر حکم الکل، فصار کأنه نص
على الثلاث(١).
وذهب المالكية في المشهور والحنابلة في
المذهب إلى أن الواجب مسح جميع الرأس.
واستدل المالكية بقوله تعالى: ﴿وَأَمْسَحُواْ
بِرُءُوسِكُمْ﴾(٢).
والباء في الآية زائدة للتأكيد، والمعنى
وامسحوا رءوسكم (٣).
كما استدل الحنابلة بنفس الآية وقالوا: إن
الآية تفيد الاستيعاب، وفعل النبي ◌َّ وقع
بيانا للآية، والباء في الآية للإلصاق أي إلصاق
الفعل بالمفعول (٤).
وذهب الشافعية إلى أنه يجزئ في فرض
الوضوء مسمى مسح لبعض بشرة رأسه أو
بعض شعر ولو واحدة أو بعضها في حد
الرأس بأن لا يخرج الشعر بالمد عنه فلو خرج
به عنه من جهة نزوله لم یکف، قال الله تعالی:
﴿ وَأَمْسَحُواْ بِرُءُ وسِكُمْ﴾ وورد ((أنه ◌ِّر مسح
(١) فتح القدير ١٥/١ وما بعدها ط. دار إحياء التراث العربي،
وبدائع الصنائع ٤/١، والاختيار ٧/١-٨
وحاشية ابن عابدين ١/ ٦٧
(٢) سورة المائدة / ٦
(٣) حاشية الدسوقي ٨٨/١، وتفسير القرطبي ٨٧/٦، وبداية
المجتهد ٢٧/١
(٤) كشاف القناع ٩٨/١، والإنصاف ١٦١/١
بناصيته وعلى العمامة))(١)، واكتفى بمسح
البعض لأنه المفهوم من المسح عند إطلاقه(٢).
وللفقهاء في كيفية مسح الرأس وتكرار
المسح وغسل الرأس بدل المسح وغير ذلك
تفصيل ينظر في (وضوء).
ثانيا: مسح الأذنين:
٦- اختلف الفقهاء في مسح الأذنين هل هو
سنة أو فريضة، وهل يجدد لهما الماء على
تفصيل ينظر في مصطلح (وضوء).
ثالثاً: مسح الرقبة:
٧- ذهب المالكية والشافعية ما عدا الرافعي إلى
أنه لا یندب مسح الرقبة، بل يكره، لأنه من الغلو
في الدين، وقال النووي: إنه بدعة(٣).
ويرى الحنفية أنه يستحب مسح الرقبة (٤)،
وتفصيل ذلك في مصطلح (رقبة ف ٢).
رابعا: المسح على العمامة:
٨- ذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز المسح على
العمامة لقوله تعالى: ﴿ وَأَمْسَحُواْ
بِرُءُوسِكُمْ﴾،ولأنه لا تلحقه المشقة في نزعها
فلم يجز المسح عليها كالكمين، لأن المسح
(١) حديث: (أنه صلى ز مسح بناصيته وعلى العمامة))
أخرجه مسلم ١٣١/١
(٢) مغني المحتاج ١/ ٥٣
(٣) حاشية الدسوقي ١٠٣/١، ١٠٤، والجمل ١٣٠،١٢٩/١
(٤) الاختيار ٩/١
- ٢٥٦ -

مَسْح ٨ - ٩
على الخفين للحرج ولا حرج في نزع العمامة،
وقال محمد في موطئه: بلغنا أن المسح على
العمامة كان ثم ترك، وبهذا قال عروة،
والنخعي، والشعبي، والقاسم (١).
وعند المالكية لا يجوز المسح على العمامة
إلا إذا خيف بنزعها ضرر ولم يقدر على مسح
ما هي ملفوفة عليه كالقلنسوة، ولو أمكنه
مسح بعض الرأس أتى به وكمل على العمامة
(٢)
وجوبا على المعتمد
.
وعند الشافعية لا يجوز المسح على العمامة
لأداء فرض مسح الرأس في الوضوء بل لابد
من مسح شيء من شعر الرأس والأفضل أن لا
يقتصر على أقل من الناصية، ثم يجوز لأداء
سنة مسح كل الرأس مسح ما ذكر والتكميل
على العمامة بشروط ذكرها الجمل هي:
أن لا يكون عليها نحو دم البراغيث، وأن لا
يمسح منه ما حاذى القدر المسموح من الرأس
وأن لا يكون عاصيا بلبس العمامة(٣).
ويرى الحنابلة جواز المسح على العمامة،
قال ابن المنذر: وممن مسح على العمامة أبو بكر
الصديق رضي الله عنه، وبه قال عمر بن عبد
العزيز، والحسن وقتادة، ومكحول،
(١) حاشية ابن عابدين ١٨١/١، والاختيار ٢٥/١، وحاشية
الدسوقي ١٦٤/١، وبداية المجتهد ٢٨/١، ٢٩، والمغني
١/ ٣٠٠ وما بعدها.
(٢) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ١ / ١٦٤، ١٦٥
(٣) حاشية الجمل ١٢٩،١٢٨/١
والأوزاعي، وأبو ثور، واستدلوا بما ورد عن
المغيرة بن شعبة قال: ((توضأ رسول الله وَ ل﴾
ومسح على الخفين والعمامة)) (١)، ولأنه حائل
في محل ورود الشرع بمسحه، فجاز المسح
عليه كالخفين، ولأن الرأس عضو يسقط فرضه
في التيمم، فجاز المسح على حائله كالقدمين،
والمذهب أنه يجزئ مسح أكثر العمامة لأنها
أحد الممسوحين على وجه البدل(٢).
شروط المسح على العمامة:
٩- ويشترط لجواز المسح على العمامة عند من
يقول به ما يلي:
أ- أن تكون ساترة لجميع الرأس إلا ما جرت
العادة بكشفه كمقدم الرأس والأذنين، لأن هذا
الكشف جرت العادة به لمشقة التحرز عنه، وإذا
كان بعض الرأس مكشوفا مما جرت العادة
بكشفه استحب أن يمسح عليه مع العمامة،
نص عليه أحمد لأن النبي ◌َّ مسح على
عمامته وناصيته في حديث المغيرة بن شعبة
رضي الله عنه.
وهل الجمع بينهما واجب؟ توقف أحمد
عنه، فيخرج في المسألة وجهان: أحدهما:
وجوبه للخبر، ولأن العمامة نابت عما استتر،
(١) حديث: ((توضأ رسول الله حل ومسح على الخفين والعمامة)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٠٨/١)، ومسلم (١/ ٢٣٠)
(٢) المغني ٣٠٠/١، والإنصاف ١٨٧/١، وشرح منتهى
الإرادات ١/ ٦٢
- ٢٥٧ -

مَسْح ٩ - ١٢
فبقي الباقي على مقتضى الأصل كالجبيرة،
والثاني: لا يجب: لأن العمامة نابت عن
الرأس، فتعلق الحكم بها، وانتقل الفرض
إليها، فلم يبق لما ظهر حكم، ولأن وجوبهما
معا یفضي إلى الجمع بين بدل ومبدل في عضو
واحد، فلم يجز من غير ضرورة كالخف.
فإن کان تحت العمامة قلنسوة یظهر بعضها،
فالظاهر جواز المسح عليهما لأنهما صارا
كالعمامة الواحدة.
ب- أن تكون على صفة عمائم المسلمين، بأن
تكون تحت الحنك منها شيء، لأن هذه عمائم
العرب، وهي أكثر سترا من غيرها ويشق
نزعها، فيجوز المسح علیها، سواء كانت لها
ذؤابة، أو لم يكن تحت الحنك منها شيء.
ج- أن لا تكون العمامة محرمة كعمامة الحرير
والمغصوبة.
د- أن يكون لابس العمامة رجلا، فلا يجوز
للمرأة المسح على العمامة لأنها منهية عن التشبه
بالرجال، فکانت محرمة فی حقها، وإن کان لها
عذر فهذا يندر، ولا يرتبط الحكم بالنادر (١).
التوقيت في مسح العمامة:
١٠- التوقيت في مسح العمامة كالتوقيت في
مسح الخف، لما روى أبو أمامة: أن النبي ◌َثّل
قال: ((يمسح على الخفين والعمامة ثلاثا في
(١) المراجع السابقة.
السفر، ويوما وليلة للمقيم))(١)، ولأنه ممسوح
على وجه الرخصة فتوقت بذلك كالخف. (٢).
نزع العمامة بعد المسح:
١١- نص الحنابلة على أنه إن نزع العمامة بعد
المسح عليها بطلت طهارته، و کذلك إن
انکشف رأسه، إلا أن یکون یسیرا، و کذلك إن
انتقضت بعد مسحها، لأن ذلك بمنزلة نزعها.
وإن انتقض بعضها ففیه روایتان: إحداهما:
لا تبطل طهارته، لأنه زال بعض الممسوح عليه
مع بقاء العضو مستورا، فلم تبطل الطهارة
ككشط الخف مع بقاء البطانة.
والأخرى تبطل طهارته، قال القاضي: ولو
انتقض منها کور واحد بطل المسح، لأنه زال
الممسوح عليه، فأشبه نزع الخف (٣).
خامسا: المسح على القلنسوة في الوضوء:
١٢- ذهب الحنفية والحنابلة في المذهب إلى
أنه لا يجوز المسح في الوضوء على القلنسوة
بدلا من الرأس لعدم الحرج في نزعها.
وقال المالكية: يجوز المسح على القلنسوة إن
خیف من نزعها ضرر.
(١) حديث أبي أمامة: ((يمسح على الخفين والعمامة ثلاثاً في
السفر».
أورده ابن قدامة في المغني (٣٨٣/١ - ط دار هجر) وعزاه إلى
الخلال، وأشار إلى إعلاله.
(٢) المغني ٣٠٤/١
(٣) المغني ٣٠٣/١
- ٢٥٨ -

مَسْح ١٢ - ١٥
وقال الشافعية: إن عسر رفع قلنسوة أو لم
يرد ذلك كمّل بالمسح عليها وحصل له سنة
مسح جميع الرأس وإن لبسها على حدث(١).
سادساً: المسح على القفازين:
١٣- نص الحنفية على أنه لا يجوز المسح على
القفازين، لأن المسح شرع دفعا للحرج لتعذر
النزع، ولا حرج في نزع القفازين(٢).
سابعاً: مسح المرأة على الخمار:
١٤- ذهب الحنفية والحنابلة في رواية إلى أنه
لا يجوز للمرأة أن تمسح علی خمارها، لما
روي عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها
أدخلت يدها تحت الخمار، ومسحت برأسها،
وقالت: ((بهذا أمرني رسول اللّه ◌َلٍ)(٣)، وبه
قال نافع والنخعي وحماد بن أبي سليمان،
والأوزاعي، وسعيد بن عبد العزيز، لأنه
ملبوس لرأس المرأة، فلم يجز المسح عليه
كالوقاية، والوقاية لا يجزيء المسح عليها بلا
خلاف كالطاقية للرجل.
قال ابن قدامة: ولا نعلم فيه خلافا لأن
الوقاية لا يشق نزعها، إلا إذا كان الخمار رقيقا
(١) حاشية ابن عابدين ١/ ١٨١، والشرح الكبير ١٦٣/١،
١٦٤، ومغني المحتاج ١ / ٦٠، والمغني ٣٠٤/١
(٢) بدائع الصنائع ١١/١، وحاشية ابن عابدين ١/ ١٨١،
والاختیار ٢٥/١
(٣) حديث عائشة رضي الله عنها ((أنها أدخلت يدها تحت الخمار ... ))
أورده الكاساني في ((البدائع)) (٥/١) ولم نهتد لمن أخرجه
ينفذ الماء إلى شعرها، فيجوز عند الحنفية
لوجود الإصابة.
وعند الحنابلة يصح المسح على خمر النساء
المدارة تحت حلوقهن لأن أم سلمة كانت تمسح
على خمارها(١)، وعن النبي ◌َّر أنه أمر بالمسح
على الخفين والخمار (٢)، ولأنه ملبوس للرأس
معتاد يشق نزعه فأشبه العمامة (٣).
ثامنا: المسح على الجبيرة:
١٥- اتفق الفقهاء على مشروعية المسح على
الجبائر في حالة العذر نيابة عن الغسل أو المسح
الأصلي في الوضوء أو الغسل أو التيمم.
والأصل في ذلك ما روي عن علي رضي
الله تعالى عنه أنه قال: كسر زندي يوم أحد،
فسقط اللواء من يدى، فقال النبي وهلة: (اجعلوها
في يساره، فإنه صاحب لوائي في الدنيا
والآخرة))، فقلت: يارسول الله: ما أصنع
بالجبائر؟ فقال: ((امسح عليها))(٤).
(١) أثر أم سلمة رضي الله عنها ((أنها كانت تمسح على خمارها))
أخرجه ابن أبي شيبة في «المصنف» (٢٥/١)، وفي إسناده
الحسن البصري وهو ثقة مدلس كما في ((ميزان الاعتدال))
(٥٢٧/٢) وقد عنعن.
(٢) حديث: ((أنه ما أمر بالمسح على الخفين والخمار)).
أخرجه مسلم (١/ ٢٣١) من حديث بلال رضي الله عنه.
(٣) الاختيار لتعليل المختار ٢٥/١، والبدائع ٥/١، وابن عابدين
١٨١/١، والمغني ١/ ٣٠٥، وكشاف القناع ١٢١/١
(٤) حديث: ((اجعلوها في يساره فإنه صاحب لوائي .. ))
أخرجه ابن ماجه (٢١٥/١) مختصراً، والبيهقي (٢٢٨/١)
وضعفه البوصيري في الزوائد (٨٤/١)، وقال البيهقي في
((السنن الكبرى)) (٢٢٨/١) ((ولا يثبت في هذا الباب شيء)).
- ٢٥٩ -

مَسْح ١٥ - ١٨
والتفصيل في : (جبيرة ف ٤ وما بعدها).
كيفية المسح في التيمم:
١٦- اتفق الفقهاء على أن مسح الوجه
واليدين من أركان التيمم(١)، لقوله تعالى:
﴿فَأَمْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ مِنْهٌ﴾(٢).
وللتفصيل انظر مصطلح:
(تيمم فقرة ١١).
ما يطهر بالمسح:
أ- الجسم الصقيل:
١٧- في طهارة الجسم الصقيل بالمسح إذا
أصابه نجاسة خلاف وتفصيل على النحو التالي:
ذهب الحنفية والمالكية في قول نقله الباجي
عن مالك إلى أنه يطهر بالمسح كل صقيل لا
مسام له كمرآة، وظفر، وعظم، وزجاج، وآنية
مدهونة، سواء أصابه نجس له جرم أو لا، رطبا
كان أو بابسا، لأنه لصلابتها لا يتداخلها شيء
من النجاسة، فيزول بالمسح، ولأن أصحاب
رسول الله پے کانوا یقتلون الكفار بسيوفهم، ثم
يمسحونها، ويصلون معها، ولأنه لا تتداخلها
النجاسة، وما على ظاهره يزول بالمسح.
وأما الحديد إذا كان عليه صدأ أو كان
(١) حاشية ابن عابدين ١٦٣/١، وبدائع الصنائع ١/ ٥٥ وما
بعدها، وحاشية الدسوقي ١/ ١٥٤، ومغني المحتاج ٩٨/١،
وكشاف القناع ١/ ١٧٣ - ١٧٤.
(٢) سورة المائدة / ٦
منقوشاً فلا يطهر بالمسح لأنه غير صقيل،
وكذلك الثوب الصقيل لا يطهر بالمسح لأن له
مساماً (١).
والمعتمد عند المالكية أنه یعفی ما أصاب كل
صقيل لا مسام له کسیف، ومرآة وجوهر سواء
مسحه من الدم أم لا، وعللوا الحكم بفساد هذه
الأشياء بالغسل، وبكون الدم مباحا كدم جهاد
وقصاص وذبح وعقر صيد فإذا كان دم عدوان
(٢)
يجب الغسل(٢).
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أنه إذا
أصابت النجاسة شيئاً صقيلا كسيف وسكين
ومرآة لم يطهر بالمسح بل لابد من غسله(٣).
ب - موضع الحجامة:
١٨ - صرح الحنفية بأنه يطهر بالمسح موضع
الحجامة إذا مسحها بثلاث خرق رطبات
نظاف، وقاس صاحب الفتح عليه ما حول
محل الفصد إذا تلطخ، ويخاف من الإسالة
السريان إلى الثقب (٤).
ويقرب من هذا ما صرح به المالكية في
موضع الحجامة بقولهم: يعفى عن أثر دم
موضع الحجامة أو الفصادة إذا كان ذلك
(١) حاشية ابن عابدين ٢٠٦/١، ٢٠٩، وبدائع الصنائع ١/ ٨٤،
٨٥، والاختيار ٣٣/١، وحاشية الدسوقي ١/ ٧٨،٧٧
(٢) حاشية الدسوقي ١/ ٧٧، ٧٨
(٣) حاشية الجمل ١/ ١٩٠، والمغني ١/ ٥٧
(٤) ابن عابدين ٢٠٦/١، والاختيار ٣٣/١
- ٢٦٠ -