Indexed OCR Text
Pages 161-180
مَسْبُوق٢-٤ فالمدرك من لم يفته شيء من ركعات صلاته بخلاف المسبوق. ب- الَّلاحِق: ٣- اللاحق في اللغة: اسم فاعل من لحق، يقال: لَحقه: أدركه(١). وفي الاصطلاح اللاحق: من فاتته الركعات كلها أو بعضها بعد الاقتداء بالإمام(٢). والفرق بين اللاحق والمسبوق: أن المسبوق تفوته ركعة أو أكثر من أول الصلاة، واللاحق تفوته ركعة أو أكثر من آخر الصلاة أو وسطها. الأحكام المتعلقة بالمسبوق تتعلق بالمسبوق أحكام منها: متابعة المسبوق إمامه في الصلاة: ٤- ذهب الفقهاء إلى أن المسبوق إذا تخلف في صلاته بركعة أو أكثر فإنه يتبع إمامه فيما بقي من الصلاة، ثم يأتي بما فاته من صلاته(٣). ٩٩ وقال ابن عابدين: لو قضى المسبوق ما سبق به، ثم تابع إمامه ففيه قولان مصححان، (١) لسان العرب، ومختار الصحاح. (٢) قواعد الفقه للبر کتي، وابن عابدين ٣٩٩/١ (٣) الفتاوى الهندية ١/ ٩١، ومواهب الجليل ٢/ ١٣٠، وجواهر الإكليل ٨٤/١، وروضة الطالبين ٣٧٨/١، والمجموع ٤٨٣/٣، وكشاف القناع ١/ ٤٦١ واستظهر في البحر القول بالفساد، لقولهم: إن الانفراد في موضع الاقتداء مفسد، ونقل عن البزازية أن عدم الفساد أقوى لسقوط الترتيب، وعن جامع الفتاوى: يجوز عند المتأخرين وعليه الفتوى، وقالوا: يكره له ذلك لأنه خالف السنة(١). وقال الحنفية أيضا: المسبوق إذا أدرك الإمام في القراءة في الركعة التي يجهر فيها لا يأتي بالثناء، سواء كان بعيداً أو قريباً أو لا يسمع لصممه، فإذا قام إلى قضاء ما سبق يأتي بالثناء، ويتعوذ للقراءة، وفي صلاة المخافتة يأتي به، ويسكت المؤتم عن الثناء إذا جهر الإمام وهو الصحيح، وإن أدرك الإمام في الركوع أو السجود يتحرى إن كان أكبر رأيه أنه لو أتى به أدركه في شيء من الركوع أو السجود يأتي به قائماً، وإلا يتابع الإمام ولا يأتي به، وإذا لم يدرك الإمام في الركوع أو السجود لا يأتي بهما، وإن أدرك الإمام في القعدة لا يأتي بالثناء بل يكبر للافتتاح ثم للانحطاط ثم يقعد(٢). وقالوا إن المسبوق ببعض الركعات يتابع الإمام في التشهد الأخير، وإذا أتم التشهد لا يشتغل بما (١) حاشية ابن عابدين ١/ ٤٠١، والفتاوى الخانية بهامش الفتاوى الهندية ١٠٣/١ (٢) الفتاوى الهندية ١ / ٩١ - ١٦١ - مَسْبُوق ٤ ٠٠ بعده من الدعوات، قال ابن الشجاع: إنه یکرر التشهد إلی قوله: أشهد أن لا إله إلا الله وهو المختار، والصحيح أن المسبوق يترسل في التشهد حتى يفرغ من التشهد عند سلام الإمام(١). وقال الشافعية: لو أدرك المسبوق الإمام في غیر القیام لا یأتي بدعاء الاستفتاح، حتى قال أبو محمد الجويني في التبصرة: لو أدرك الإمام رافعاً من الركوع حين كبر للإحرام لم يأت بدعاء الاستفتاح، بل يقول: سمع الله لمن حمده ربنا لك الحمد ... إلى آخره، موافقةً للإمام، وإن أدركه في القيام وعلم أنه يمكنه دعاء الاستفتاح والتعوذ والفاتحة أتى به، نص عليه الشافعي في الأم، وقاله الأصحاب، وقال أبو محمد في التبصرة: ويستحب أن يعجل في قراءته ويقرأ إلى قوله: وأنا من المسلمين، ثم ينصت لقراءة إمامه. وإن علم أنه لا يمكنه الجمع، أو شك لم يأت بدعاء الاستفتاح، وإن علم أنه يمكنه أن يأتي ببعض دعاء الاستفتاح مع التعوذ والفاتحة ولا يمكنه كله، أنى بالممكن، نص عليه في الأم(٢). وقالوا: ولو أدرك المسبوق الإمام في التشهد الأخير، فكبر وقعد، فسلم مع أول قعوده قام، ولا يأتي بدعاء الاستفتاح لفوات محله، وذکر (١) الفتاوى الهندية ١/ ٩١، وفتاوى قاضيخان بهامش الفتاوى الهندية ١٠٣/١-١٠٤ (٢) المجموع ٣١٨/٣-٣١٩ البغوي وغيره أنه لو سلم الإمام قبل قعود المسبوق لا يقعد ويأتي بدعاء الاستفتاح(١). وقال النووي: إذا حضر المسبوق فوجد الإمام فى القراءة، وخاف ركوعه قبل فراغه من الفاتحة فينبغي أن لا يقرأ دعاء الاستفتاح والتعوذ، بل يبادر إلى الفاتحة، لأنها فرض فلا يشتغل عنه بالنفل، وإن غلب على ظنه أنه إذا قال الدعاء والتعوذ أدرك تمام الفاتحة استحب الإتیان بهما. ولو ركع الإمام وهو في أثناء الفاتحة فثلاثة أوجه: أحدها: يتم الفاتحة، والثاني: يركع ويسقط عنه قراءتها لأن متابعة الإمام آكد، ولهذا لو أدر که راکعاً سقط عنه فرض القراءة، قال البندنيجي: وهو المذهب، والثالث: هو الأصح وهو قول أبي زيد المروذي وصححه القفال: أنه إن لم يقل شيئاً من دعاء الاستفتاح والتعوذ ركع وسقط عنه بقية الفاتحة، وإن قال شيئاً من ذلك لزمه أن يقرأ من الفاتحة بقدره لتقصيره بالتّشاغل(٢). وقال: ولو سلم الإمام فمكث المسبوق بعد سلامه جالساً وطال جلوسه، إن كان في موضع تشهده الأول جاز ولا تبطل صلاته، لأنه جلوس محسوب من صلاته، ولأن التشهد الأول يجوز تطویله لکنه یکره، وإن لم (١) المجموع ٣١٨/٣-٣١٩ (٢) روضة الطالبين ١/ ٣٧٢، والمجموع ٢١٢/٤، ٢١٣ - ١٦٢ - مَسْبُوق ٤-٦ يكن موضع تشهده لم يجز أن يجلس بعد تسليمه، لأن جلوسه كان للمتابعة وقد زالت، فإن جلس متعمداً بطلت صلاته، وإن كان ساهياً لم تبطل ويسجد للسهو(١). ولو كان المأموم مسبوقاً بركعة أو شاكاً في ترك ركن كالفاتحة، فقام الإمام إلى الخامسة لم يجز للمأموم متابعته فيها(٢). وقت قيام المسبوق لقضاء ما فاته: ٥- قال الحنفية: لا يقوم المسبوق إلى القضاء بعد التسليمتين أو التسليمة، بل ينتظر فراغ الإمام، ویمکث حتی یقوم الإمام إلى تطوعه إن كان صلاة بعدها تطوع، أو يستدبر المحراب إن كان لا تطوع بعدها، أو ينتقل عن موضعه، أو يمضي من الوقت مقدار ما لو كان عليه سهو لسجد(٣). ولا يقوم المسبوق قبل سلام الإمام بعد قدر التشهد إلا في مواضع: إذا خاف المسبوق الماسح زوال مدته، أو خاف صاحب العذر خروج الوقت، أو خاف المسبوق في صلاة الجمعة دخول وقت العصر، أو دخول الظهر في العيدين، أو في الفجر طلوع الشمس، أو خاف أن يسبقه الحدث، فله أن لا ينتظر فراغ الإمام ولا سجود السهو، و كذلك إذا خاف (١) المجموع ٣ /٤٨٤ (٢) روضة الطالبين ٣١٣/١ (٣) الفتاوى الهندية ١/ ٩١، وفتاوى قاضيخان بهامش الفتاوي الهندية ١/ ١٠٣ المسبوق أن يمر الناس بين يديه لو انتظر الإمام قام إلى قضاء ما سبق قبل فراغه(١). وقال المالكية: يقوم المسبوق لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه، فإن قام له قبل سلام الإمام بطلت صلاته(٢). وقال الشافعية: يستحب للمسبوق أن لا يقوم ليأتي بما بقي عليه إلا بعد فراغ الإمام من التسليمتين، فإن قام بعد فراغه من قوله: السلام عليكم في الأولى جاز، لأنه خرج بالأولى، فإن قام قبل شروع الإمام في التسليمتين بطلت صلاته، ولو قام بعد شروعه في السلام قبل أن يفرغ من قوله: عليكم فهو كما لو قام قبل شروعه(٣). وقال الحنابلة: يقوم المسبوق لقضاء ما فاته بعد سلام إمامه من الثانية، فإن قام قبل سلام إمامه ولم يرجع ليقوم بعد سلامها انقلبت صلاته نفلا(٤). تدارك المسبوق الركعة: ٦- اتفق الفقهاء على أن المسبوق إذا أدرك الإمام في الركوع فقد أدرك الركعة، لقوله مَ له: ((من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة)»(٥). (١) المصادر السابقة. (٢) الدسوقي ٣٤٥/١ (٣) روضة الطالبين ٣٧٨/١، والمجموع ٤٨٣/٣ (٤) شرح منتهى الإرادات ٢٤٨/١، والإنصاف ٢٢٢/٢ (٥) حديث: ((من أدرك الركوع فقد أدرك الركعة)). ورد بلفظ ((من أدرك ركعة من الصلاة فقد أدرك الصلاة)) أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٧/٢)، ومسلم (١/ ٤٢٤) من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري. - ١٦٣ - مَسْبُوق ٦-٧ وقال الحنفية والمالكية والحنابلة: وهذا إذا أدرك المسبوق إمامه في جزء من الركوع ولو دون الطمأنينة. وقال الشافعية: هذا إذا أدرك الإمام في طمأنينة الركوع، أو انتهى إلى قدر الإجزاء من الركوع قبل أن يزول الإمام عن قدر الإجزاء، فهذا يعتد له بالركعة، ويكون مدركاً لها، فإذا أدرك المسبوق الإمام بعد فوات الحد المجزىء من الركوع فإنه لا يكون مدركاً للركعة، لكن يجب عليه متابعة الإمام فيما أدرك وإن لم يحسب له(١). وقال الشافعية: إذا قام الإمام إلى خامسة جاهلاً، فاقتدی به مسبوق عالماً بأنها خامسة، فالصحيح المشهور الذي قطع به الأصحاب في معظم الطرق: أنه لا تنعقد صلاته، لأنه دخل في ركعة يعلم أنها لغو(٢). ٧- وذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والحنابلة) إلى أن ما أدرك المسبوق من الصلاة مع الإمام فهو آخر صلاته، وما يقضيه أولها(٣). وصرح الحنفية: أن ما يقضيه المسبوق أول صلاته حكماً لا حقيقة، بمعنى أنه أولها في حق القراءة وآخرها في حق التشهد (٤). (١) حاشية ابن عابدين ١/ ٤٨٤، وبداية المجتهد ١٨٩/١، والشرح الصغير ٤٥٨/١، والمجموع ٢١٦/٤، والقوانين الفقهية ص ٧٢ والمغني ٥٠٦/١ والإنصاف ٢٢٣/٢-٢٢٤ (٢) المجموع ٢١٨/٤ (٣) البحر الرائق ٣١٣/١، والشرح الصغير ٤٥٨/١، والإنصاف ٢٢٥/٤ (٤) البحر الرائق ٣١٣/١ وفي الفتاوى الهندية: المسبوق يقضي أول صلاته في حق القراءة وآخرها في التشهد، حتى لو أدرك ركعة من المغرب قضی ر کعتین، ويفصل بقعدة فيكون بثلاث قعدات، وقرأ في كلٍّ فاتحة وسورة، ولو ترك القراءة في إحداهما تفسد صلاته(١). وقال المالكية: إذا قام المسبوق لقضاء ما فاته قَضى القولَ والمراد به خصوص القراءة وصفتها من سر أو جهر، بأن يجعل ما فاته قبل دخوله مع الإمام بالنسبة إليه أول صلاته وما أدركه معه آخرها، وبنى الفعل، والمراد بالفعل ما عدا القراءة بصفتها، فيشمل التسميع والتحميد والقنوت، بأن يجعل ما أدركه معه أول صلاته بالنسبة للأفعال، وما فاته آخرها، فيكون فيه كالمصلي وحده، وإذا كان كذلك فمدرك ثانية الصبح مع الإمام يقْنُتُ في ركعة القضاء، لأنها آخرته بالنسبة للفعل الذي منه القنوت، ويجمع بين التسميع والتحميد، لأنها آخر ته وهو فيها کالمصلي وحده. فمن أدرك أخيرة المغرب قام بلا تکبیر لأنه لم يجلس في ثانيته، ويأتي بركعة بأم القرآن وسورة جهراً لأنه قاضى القول، أي يجعل ما فاته أول صلاته، وأولها بالفاتحة والسورة جهراً، ويجلس للتشهد، لأنه باني الفعل أي جعل ما أدركه معه أول صلاته وهذه التي أتى بها هي الثانية، والثانية (١) الفتاوى الهندية ١/ ٩١ - ٩٢ - ١٦٤ - مسبوق ٧-٨ ٠٠ يجلس بعدها، ثم بركعة بأم القرآن وسورة جهراً لأنها الثانية بالنسبة للقول- أي القراءة- ويجمع بين سمع الله لمن حمده وربنا ولك الحمد لأنه بَانِ كالمصلي وحده في الأفعال. ومن أدرك أخيرة العشاء أتى بعد سلام الإمام بركعة بأم القرآن وسورة جهراً لأنها أول صلاته بالنسبة للقول، فيقضي كما فات ويجلس للتشهد لأنها ثانيته بالنسبة للأفعال، ثم بركعة بأم القرآن وسورة جهراً لأنها ثانيته بالنسبة للأقوال، ولا يجلس بعدها لأنها ثانيته بالنسبة للأقوال، ولا يجلس بعدها لأنها ثالثته بالنسبة للأفعال، ثم بركعة بالفاتحة فقط سراً لأنها آخر صلاته، ومن أدرك الأخيرتين منها أتى بركعتين بأم القرآن وسورة جهراً لما تقدم (١). وقال الشافعية: ما أدركه المسبوق مع الإمام فهو أول صلاته، وما يفعله بعد سلام إمامه آخرها، لقوله ◌َّل: ((فما أدركتم فصلوا وما فاتكم فأتموا))(٢)، وإتمام الشيء لا يكون إلا بعد أوله، وعلى هذا إذا صلى مع الإمام الركعة الثانية من الصبح وقنت مع الإمام، فإنه يعيد القنوت، ولو أدرك ركعة من المغرب مع الإمام تشهد في ثانيته ندباً، لأنها محل تشهده الأول، وتشهده مع الإمام للمتابعة، وذلك حجة على (١) الشرح الصغير ٤٥٩/١-٤٦١ (٢) حديث: ((فما أدركتم فصلوا ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ١١٧/٢) من حديث أبي هريرة. أن ما يدركه أول صلاته(١). سجود المسبوق للسهو: ٨- ذهب الحنفية إلى أن المسبوق يسجد مع إمامه مطلقاً، سواء كان السهو قبل الاقتداء أو بعده ثم يقضي ما فاته ولو سها فيه سجد ثانیا (٢). ولو قام المسبوق إلى قضاء ما سبق به، وعلى الإمام سجدتا سهو قبل أن يدخل معه فقالوا: إن المسبوق عليه أن يعود فيسجد مع الإمام ما لم يقيد الركعة بسجدة، فإن لم يعد حتى سجد يمضي، وعليه أن يسجد في آخر صلاته، بخلاف المنفرد لا يلزمه السجود لسهو غيره(٣). وقال المالكية: بطلت الصلاة بسجود المسبوق عمداً مع الإمام سجوداً بعديًا مطلقاً أو قبليًا إن لم يلحق معه ركعة بسجدتيها، وإلا بأن لحق ركعة سجد القبلي معه قبل قضاء ما (٤) عليه إن سجده الإمام قبل السلام وقال الشافعية: إذا سها المأموم خلف الإمام لم يسجد، ويتحمل الإمام سهوه ولو سها بعد سلام الإمام، لم يتحمل لانقطاع القدوة، وكذا المنفرد إذا سها في صلاته، ثم دخل في جماعة، وجوَّزنا ذلك، فلا يتحمل الإمام سهوه ذلك. أما إذا ظن المأموم أن الإمام سلم، فسلم، ثم بان أنه لم يسلم، فسلم معه، فلا سجود علیه، (١) مغني المحتاج ١/ ٢٠٦ (٢) حاشية ابن عابدين ١/ ٤٩٩ (٣) الفتاوى الهندية ١/ ٩٢ (٤) حاشية الدسوقي ١/ ٢٩١،٢٩٠ - ١٦٥ - مَسْبُوق ٨ ٠٠٠ لأنه سها في حال القدوة. ولو تيقن في التشهد أنه ترك الركوع أو الفاتحة من ركعة ناسياً، فإذا سلم الإمام، لزمه أن يأتي بركعة أخرى، ولا يسجد للسهو، لأنه سها في حال الاقتداء. ولو سلم الإمام، فسلم المسبوق سهواً، ثم تذكر، بنى على صلاته، وسجد، لأن سهوه بعد انقطاع القدوة. ولو ظن المسبوق أن الإمام سلم، بأن سمع صوتاً ظنه سلامه، فقام لیتدارك ما علیه، و کان ما علیه ر کعة مثلاً، فأتى بها وجلس، ثم علم أن الإمام لم يسلم بعد تبين أن ظنه كان خطأ، فهذه الركعة غير معتدّ بها، لأنها مفعولة في غير موضعها، فإن وقت التدارك بعد انقطاع القدوة، فإذا سلم الإمام، قام إلى التدارك، ولا يسجد للسهو، لبقاء حكم القدوة. ولو كانت المسألة بحالها، فسلم الإمام وهو قائم، فهل يجوز له أن يمضي في صلاته أم يجب عليه أن يعود إلى القعود، ثم يقوم؟ وجهان: أصحهما: الثاني. فإن جوزنا المضي، فلا بد من إعادة القراءة، فلو سلم الإمام في قيامه، لكنه لم يعلم به حتى أتم الركعة - إن جوزنا المضي - فركعته محسوبة، ولا يسجد للسهو، وإن قلنا: علیه القعود، لم يحسب، ويسجد للسهو للزيادة بعد سلام الإمام. ولو كانت المسألة بحالها، وعلم في القيام أن الإمام لم يسلم بعد، فقال إمام الحرمين: إن رجع فهو الوجه، وإن أراد أن يتمادى وينوي الانفراد قبل سلام الإمام، ففيه الخلاف في قطع القدوة، فإن منعناه تعين الرجوع، وإن جوزناه فوجهان: أحدهما: يجب الرجوع، لأن نهوضه غير معتد به، فيرجع، ثم يقطع القدوة إن شاء، والثاني: لا يجب الرجوع، لأن النهوض ليس مقصوداً لعينه، وإنما المقصود القيام فما بعده، هذا كلام الإمام، فلو لم يُرد قطع القدوة فمقتضى كلام الإمام: وجوب الرجوع. وقال الغزالي: هو مخير، إن شاء رجع، وإن شاء انتظر قائماً سلام الإمام، وجواز الانتظار قائماً مشكل، للمخالفة الظاهرة، فإن كان قرأ قبل تبین الحال، لم يعتدَّ بقراءته في جميع هذه الأحوال، بل علیه استئنافها. قال النووي: الصحيح: وجوب الرجوع في الحالتين(١). وقال الحنابلة: لو كان المأموم مسبوقاً وسها الإمام فيما لم يدركه المسبوق فيه، بأن كان الإمام سها في الأولى وأدركه في الثانية مثلاً، فيسجد معه متابعة له، لأن صلاته نقصت حیث دخل مع الإمام في صلاة ناقصة وكذا لو أدركه فيما لا يعتد له به، لأنه لا يمنع وجوب المتابعة في السجود، كما لم يمنعه في بقية الركعة(٢). (١) روضة الطالبين ٣١١/١-٣١٢ (٢) شرح منتهى الإرادات ٢١٩/١ - ١٦٦ - مَسْبُوق ٨-١٠ وقالوا: لو قام المسبوق بعد سلام إمامه ظانا عدم سهو إمامه، فسجد إمامه رجع المسبوق فسجد معه لأنه من تمام صلاة الإمام، أشبه السجود قبل السلام، فيرجع وجوباً قبل أن يستتم، فإن استتم فالأولى أن لا يرجع كمن قام عن التشهد الأول، ولا يرجع إن شرع في القراءة، لأنه تلبس بركن مقصود فلا يرجع إلى واجب(١). وإن أدرك المسبوق إمامه في آخر سجدتي السهو سجد المسبوق مع الإمام، فإن سلم الإمام أتى المسبوق بالسجدة الثانية ليوالي بين السجدتين ثم قضى صلاته، وإن أدرك المسبوق إمامه بعد سجدتي السهو وقبل السلام لم يسجد المسبوق لسهو إمامه، لأنه لم يدرك معه بعضاً منه فيقضي الغائب، وبعد السلام لا يدخل معه، لأنه خرج من الصلاة (٢). کیفیة جلوس المسبوق: ٩- قال الشافعية: إذا جلس المسبوق مع الإمام في آخر صلاة الإمام ففيه أقوال: القول الأول: وهو الصحيح المنصوص في الأم، وبه قال أبو حامد والبندنيجي والقاضي أبو الطيب والغزالي: يجلس المسبوق مُفْتَرشاً، لأنه ليس بآخر صلاته. والثاني: المسبوق يجلس مُتُورِكاً متابعة (١) شرح منتهى الإرادات ١/ ٢١١، ومطالب أولي النهى ٥٢٩/١ (٢) شرح منتهى الإرادات ٢١١/١، ومطالب أولي النهى ١/ ٥٢٩ للإمام، حكاه إمام الحرمين والرافعي. والثالث: إن كان جلوسه في محل التشهد الأول للمسبوق افترش، وإلا تورك، لأن جلوسه حينئذ لمجرد المتابعة فيتابع في الهيئة، حكاه الرافعي. وإذا جلس مَنْ عليه سجود سهو في آخره، فوجهان: أحدهما: يجلس متوركاً لأنه آخر صلاته، والثاني: وهو الصحيح يفترش وبه قطع صاحب العدة ونقله إمام الحرمين عن أكثر الأئمة، لأنه مستوفز ليتم صلاته، فعلى هذا إذا سجد سجدتي السهو تورك ثم (١) يسلم(١). استخلاف المسبوق: ١٠- ذهب الفقهاء في الجملة إلى جواز استخلاف الإمام في الصلاة، وإلى جواز استخلاف المسبوق وذلك على التفصيل المبين في مصطلح (استخلاف ف ٢٨ وما بعدها). (١) المجموع ٤٥١/٣-٤٥٢ - ١٦٧ - مُسْتَامن ١-٤ مُسْتَأَمِن التعريف: ١- المستأمن في اللغة بكسر الميم الثانية اسم فاعل أي: الطالب للأمان، ويصح بالفتح اسم مفعول، والسين والتاء للصيرورة، أي صار مؤامنا (١)، يقال: استأمنه: طلب منه الأمان، واستأمن إليه: دخل في أمانه(٢). وفي الاصطلاح: المستأمن: من يدخل إقليم غيره بأمان مسلما كان أم حربيا(٣). الألفاظ ذات الصلة: أ- الذمّي: ٢- الذمي في اللغة: المعاهَد الذي أُعطِي عهدا یأمن به على ماله وعرضه ودينه، والذمي نسبة إلى الذمة، بمعنى العهد (٤). والذمي في الاصطلاح هو المعاهد من الكفار لأنه أومن علی ماله ودمه ودینه بالجزية(٥). (١) ابن عابدين ٣/ ٢٤٧ (٢) المصباح المنير. (٣) الدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٢٤٧/٣، وقواعد الفقه للبر کتي. (٤) المعجم الوسيط، والمصباح المنير. (٥) قواعد الفقه للبركتي. والصلة بين المستأمن والذمي: أن الأمان للمستأمن مؤقت وللذمي مؤبد(١). ب- الحربي: ٣- الحربي منسوب إلى الحرب، وهي المقاتلة والمنازلة، ودار الحرب: بلاد الأعداء، وأهلها: حربي وحربيون(٢). والصلة بينهما التباين. ما يتعلق بالمستأمن من أحكام: يتعلق بالمستأمن أحكام منها: أمان المستأمن: أ- مشروعية الأمان والحكمة فيها: ٤- الأصل في مشروعيته أمان المستأمن قوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَمَ اللَّهِثُمَّأَبْلِغَهُ مَأْمَنَهُ,﴾(٣)، وقوله عليه الصلاة والسلام: ((ذمة المسلمين واحدة یسعی بها أدناهم)» (٤). وأما الحكمة في مشروعيته کما نص عليها النووي: قد تقتضي المصلحة الأمان لاستمالة (١) بدائع الصنائع ٧/ ١٠٦، ١١٠ (٢) قواعد الفقه للبركتي. (٣) سورة التوبة/ ٦ (٤) ابن عابدين ٢٢٦/٣، وفتح القدير ٢٩٨/٤، والمغني ٣٩٩/٨ وكشاف القناع ١٠٤/٣، ومغني المحتاج ٢٣٦/٤ وحديث: ((ذمة المسلمين واحدة)» أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٧٥/١٣) ومسلم (٩٩٨/٢) من حديث علي بن أبي طالب. - ١٦٨ - مُسْتَأمن ٤-٨ الكافر إلى الإسلام، أو إراحة الجيش، أو ترتيب أمرهم، أو للحاجة إلى دخول الكفار، أو لمكيدة وغيرها(١). ب- حكم طلب الأمان أو إعطائه للمستأمن: ٥- إعطاء الأمان للمستأمن أو طلبه للأمان مباح وقد يكون حراماً أو مكروها. وبالأمان يثبت للمستأمن الأمن عن القتل والسبي وغنم المال، فيحرم على المسلمين قتل رجالهم وسبي نسائهم وذراريهم واغتنام (٢) أموالهم (٢). ج- من يحق له اعطاء الأمان للمستأمن: الأمان إما أن يكون من الإمام أو نائبه، أو من الأمير، أو من آحاد المسلمين وعامتهم. أولا - أمان الإمام أو نائبه: ٦- لا خلاف بين الفقهاء في أنه يصح أمان الإمام أو نائبه لجميع الكفار وآحادهم، لأن ولايته عامة على المسلمين، فيجوز له أن يعطي الكفار الأمان على أنفسهم وأموالهم لمصلحة اقتضته تعود على المسلمين، لا لغير مصلحة (٣). (١) روضة الطالبين ٢٧٨/١٠ (٢) بدائع الصنائع ٧ /١٠٦، ١٠٧ (٣) الشرح الصغير ٢٨٥/٢، ٢٨٦، وروضة الطالبين ٢٧٨/١٠، وكشاف القناع ١٠٥/٣، وفتح القدير ٢٩٨/٤، ٣٠٠،٢٩٩ ثانيا- أمان الأمير: ٧- نص الحنابلة على أنه يصح أمان الأمير لأهل بلدة جعل بإزائهم، أي: ولي قتالهم، لأن له الولاية عليهم فقط، وأما في حق غيرهم فهو كآحاد الرعية المسلمين، لأن ولايته على قتال (١) أولئك دون غيرهم . ثالثا- أمان آحاد الرعية: ٨- ذهب المالكية والشافعية في الأصح والحنابلة إلى أنه يصح أمان آحاد الرعية بشروطه، لواحد وعشرة، وقافلة وحصن صغيرين عرفا كمائة فأقل: لأن عمر رضي الله تعالى عنه أجاز أمان العبد لأهل الحصن، ولا يصح أمان أحد الرعية لأهل بلدة كبيرة، ولا رستاق، ولا جمع كبير، لأنه يفضي إلى تعطيل الجهاد، والافتيات على الإمام. قال المالكية: إن أمن غير الإمام إقليما أي عددا غير محصور، أو أمن عددا محصوراً بعد فتح البلد، نظر الإمام في ذلك فإن كان صوابا أبقاه وإلا رده. وقال النووي: وضابطه: أن لاينسد باب الجهاد في تلك الناحية، فإذا تأتى الجهاد بغير تعرض لمن أمن، نفذ الأمان، لأن الجهاد شعار (١) كشاف القناع ١٠٥/٣، والمغني ٣٩٨/٨ - ١٦٩ - مُسْتَأمِن ٨-١٠ .... الدين، وهو من أعظم مكاسب المسلمين. وفي مقابل الأصح للشافعية: لا يجوز أمان واحد لأهل قرية وإن قل عدد من فيها(١). وذهب الحنفية إلى أنه يصح الأمان من الواحد سواء أمّن جماعة كثيرة أو قليلة، أو أهل مصر أو قرية، وعبارة فتح القدير: أو أهل حصن أو مدينة(٢). د- ما يترتب على إعطاء الأمان: ٩- ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه إذا وقع الأمان من الإمام أو من غيره بشروطه، وجب على المسلمين جميعا الوفاء به، فلا يجوز قتلهم، ولا أسرهم، ولا أخذ شيء من مالهم، ولا التعرض لهم، لعصمتهم ولا أذيتهم بغير (٣) وجه شرعي(٣). وأما سراية حكم الأمان إلى غير المؤمَّن من أهل ومال: فقد نصّ الحنابلة، والشافعية في مقابل الأصح على أنه إذا أمّن من يصح أمانه سری الأمان إلی من معه من أهل، وما معه من مال، إلا أن يقول مؤمّنه: أمنتك وحدك ونحوه، مما يقتضي تخصيصه بالأمان، فيختص به (٤). (١) الشرح الصغير ٢٨٥/٢، ٢٨٦، وروضة الطالبين ٢٧٨/١٠، وكشاف القناع ١٠٥/٣ (٢) فتح القدير ٢٩٨/٤، وبدائع الصنائع ٧/ ١٠٧، وابن عابدين ٢٢٦/٣ (٣) بدائع الصنائع ١٠٧/٧، وابن عابدين ٣٢٦/٣، والشرح الصغير ٢٨٨/٢، وروضة الطالبين ١٠/ ٢٨١، وكشاف القناع ١٠٤/٣ (٤) كشاف القناع ١٠٧/٣، ومغني المحتاج ٢٣٨/٤ هذا بالنسبة لأهله وماله في دار الإسلام، وأما من كان منهم في دار الحرب فلا يسري إليه الأمان جزما عند الشافعية(١). وذهب الشافعية في الأصح إلى أنه لا يسري الأمان إلى من معه من أهل وما معه من مال إلا بالشرط، لقصور اللفظ عن العموم (٢). وزاد الشافعية فقالوا: المراد بما معه من ماله غیر المحتاج إليه مدة أمانه، أما المحتاج إليه فيدخل ولو بلا شرط، ومن ذلك ما يستعمله في حرفته من الآلات، ومركوبه إن لم يستغن عنه، هذا إذا أمّنه غير الإمام، فإن أمنه الإمام دخل ما معه بلا شرط، ولا يدخل ما خلفه بدار الحرب إلا بشرط من الإمام، أما إذا كان الأمان للحربي بدارهم: فما كان من أهله وماله بدارهم دخلا ولو بلا شرط إن أمّنه الإمام، وإن أمنه غيره لم يدخل أهله ولا ما لا يحتاج إليه من ماله إلا بشرط، ولا فرق في ذلك بين ما معه من ماله أو مال غيره(٣). هـ- ما ينعقد به الأمان: ١٠- ذهب الفقهاء إلى أن الأمان ينعقد بكل لفظ يفيد الغرض، وهو اللفظ الدال على الأمان نحو قول المقاتل مثلا: آمنتكم، أو أنتم (١) مغني المحتاج ٢٣٨/٤ (٢) مغني المحتاج ٢٣٨/٤، وروضة الطالبين ٢٨١/١٠ (٣) مغني المحتاج ٢٣٨/٤ - ١٧٠ - مُسْتَأمن ١٠-١١ آمنون، أو أعطيتكم الأمان، وما يجري هذا المجرى. وزاد الحصكفي من الحنفية: وإن كان الكفار لا يعرفونه، بعد معرفة المسلمین کون ذلك اللفظ أمانا بشرط سماع الكفار ذلك من المسلمين، فلا أمان لو كان بالبعد منهم. كما ذهبوا إلى أنه يجوز الأمان بأي لغة كان، بالصريح من اللفظ كقوله: أجرتك، أو آمنتك، أو أنت آمن وبالكناية: كقوله: أنت علی ما تحب، أو کن کیف شئت ونحوه. وزاد بعض الشافعية كالرملي والشربيني الخطيب اشتراط النية في الكناية. ويجوز الأمان بالكتابة لأثر فيه عن عمر رضي الله تعالى عنه، وقال الشربيني الخطيب: ولا بد فيها من النية لأنها كناية. كما يجوز بالرسالة: لأنها أقوى من الكتابة، قال الشربيني: سواء كان الرسول مسلما أم كافرا، لأن بناء الباب على التوسعة في حقن الدم، وكذلك بإشارة مفهمة ولو من ناطق: لقول عمر رضي الله تعالی عنه: والله لو أن أحدكم أشار بأصبعه إلى السماء إلى مشرك، فنزل بأمانه، فقتله، لقتلته به، ولأن الحاجة داعية إلى الإشارة لأن الغالب فيهم عدم فهم کلام المسلمین، و کذا العکس. فلو أشار مسلم لكافر فظن أنه أمنه، فأنكر المسلم أنه أمنه بها، فالقول قوله، لأنه أعلم بمراده، ولكن لا يغتال بل يلحق بمأمنه، وإن مات المشير قبل أن يبين الحال فلا أمان، ولا اغتيال فيبلغ المأمن(١). ويصح إيجاب الأمان منجزا كقوله: أنت آمن، ومعلقا بشرط، كقوله: من فعل كذا فهو آمن (٢)، لقول النبي ◌َلر يوم فتح مكة: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن))(٣). وأما القبول فلا يشترط، وهو ما صرح به البلقيني من الشافعية فقال: إن الإمام الشافعي لم يعتبر القبول وقال: وهو ما عليه السلف والخلف لأن بناء الباب على التوسعة، فيكفي السكوت، ولكن يشترط مع البسكوت ما يشعر بالقبول، وهو الكف عن القتال كما صرح به الماوردي، وتكفي إشارة مفهمة للقبول ولو من ناطق. قال الشربيني: إن محل الخلاف في اعتبار القبول: إذا لم يسبق منه استيجاب، فإن سبق منه لم يحتج للقبول جزما (٤). و- شرط إعطاء الأمان للمستأمن: ١١- ذهب جمهور الفقهاء إلى أن شرط الأمان (١) بدائع الصنائع ١٠٦/٧، وابن عابدين ٢٧٧/٣، والقوانين الفقهية ١٥٩، وجواهر الإكليل ٢٥٨/١، وروضة الطالبين ٢٧٩/١٠، الوجيز ١٩٤/٢، ومغني المحتاج ٢٣٧/٤، والقليوبي ٢٢٦/٤، وروض الطالب ٢٠٣/٤، والمغني ٣٩٨/٨-٤٠٠ وكشاف القناع ١٠٥/٣ (٢) كشاف القناع ٣/ ١٠٤، والمراجع السابقة. (٣) حديث: ((من دخل دار أبي سفيان فهو آمن)) أخرجه مسلم (١٤٠٦/٣) من حديث أبي هريرة. (٤) مغني المحتاج ٤/ ٢٣٧ - ١٧١ - مُسْتَأمن ١١-١٣ انتفاء الضرر، ولو لم تظهر المصلحة(١). وقال الحنفية: يشترط في الأمان أن تكون فيه مصلحة ظاهرة للمسلمين(٢). والتفصيل فى (أمان ف ٦). ز- شروط المؤمِّن: للمؤمِّن شروط على النحو التالي: الشرط الأول: الإسلام: ١٢ - اتفق الفقهاء على أنه يشترط أن يكون الأمان من مسلم فلا يصح من كافر، وزاد الكاساني: وإن كان يقاتل مع المسلمين، لأنه متهم في حق المسلمین، فلا تؤمن خیانته، ولأنه إذا كان متهما فلا يدري أنه بنى أمانه على مراعاة مصلحة المسلمين من التفرق عن حال القوة والضعف أم لا، فيقع الشك في وجود شرط الصحة، فلا يصح مع الشك(٣)، ونصوا على أنه لا يجوز أمان غير المسلم ولو كان ذميا، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: «ذمة المسلمین واحدة، یسعی بها (١) حاشية الدسوقي ١٨٦/٢، ومغني المحتاج ٢٣٨/٤، ٢٣٩، وكشاف القناع ١٠٤/٣، والفروع ٦/ ٢٤٩،١٤٨ (٢) بدائع الصنائع ٧/ ١٠٦، ١٠٧ (٣) بدائع الصنائع ١٠٧/٧، والشرح الصغير ٢٨٧/٢، والقوانين الفقهية/ ١٥٩، وروضة الطالبين ٢٧٩/١٠، والوجيز ١٩٤/٢، وكشاف القناع ١٠٤/٣ أدناهم»(١)، ووجه الاستدلال أن النبي جعل الذمة للمسلمين، فلا تحصل لغيرهم، ولأن كفره يحمله على سوء الظن، ولأنه متهم على الإسلام وأهله، فأشبه الحربي، ولأنه كافر فلا ولاية له على المسلمین. وزاد الحنفية: إلا إذا أمره به مسلم - سواء كان الآمر أمير العسكر أو رجلا من المسلمين- بأن قال المسلم للذمي: آمنهم، فقال الذمي: قد آمنتكم، لأن أمان الذمي إنما لا يصح لتهمة ميله إليهم، وتزول التهمة إذا أمره به مسلم، و کذلك إذا قال الذمي: إن فلانا المسلم قد آمنكم، لأنه صار مالكا للأمان بهذا الأمر، فيكون فيه بمنزلة مسلم آخر (٢). الشرط الثاني: العقل: ١٣ - اتفق الفقهاء على أنه لا يجوز أمان المجنون، لأن العقل شرط أهلية التصرف، ولأن كلامه غير معتبر فلا يثبت به حكم(٣). (١) حديث: ((ذمة المسلمين واحدة)). تقدم تخريجه في التعليق على فقره (٤) (٢) ابن عابدين ٢٢٨/٣، والشرح الصغير ٢٨٧/٢، والمغني ٣٩٨/٨، وكشاف القناع ١٠٤/٣، ومغني المحتاج ٤ /٢٣٧،٢٣٦ (٣) ابن عابدين ٢٢٨/٣، والشرح الصغير ٢٨٧/٢، والمغني ٣٩٨/٨، وكشاف القناع ١٠٤/٣، ومغني المحتاج ٢٣٦/٤، ٢٣٧، وروضة الطالبين ٢٧٩/١٠، والوجيز ١٩٤/٢ - ١٧٢ - مُسْتَأمن ١٤-١٦ الشرط الثالث: البلوغ: ١٤- لا خلاف بين الفقهاء في أنه لا يصح أمان الطفل، وكذلك الصبي المراهق إذا كان لا يعقل الإسلام قياسا على المجنون. وأما إن كان مميزا يعقل الإسلام، ولكنه كان محجورا عن القتال، فذهب جمهور الحنفية والحنابلة في وجه إلى أنه لا يصح أمانه، لأن من شرط صحة الأمان أن يكون بالمسلمين ضعف، وبالكفر قوة، وهذه حالة خفية ولا يوقف عليها إلا بالتأمل والنظر، ولا يوجد ذلك من الصبي، ولاشتغاله باللهو واللعب، ولأنه لا يملك العقود، والأمان عقد، ومن لا يملك أن يعقد في حق نفسه، ففي حق غيره أولى، ولأن قوله غير معتبر کطلاقه و عتاقه. وقال الحنابلة في وجه آخر ومحمد: يصح، لأن أهلية الأمان مبنية على أهلية الإيمان، والصبي المميز الذي يعقل الإسلام من أهل الإيمان، فيكون من أهل الأمان كالبالغ (١). وإن كان مأذونا في القتال فالأصح أنه يصح بالاتفاق بين الحنفية، لأنه تصرف دائر بين النفع والضرر، فيملكه الصبي المأذون(٢). (١) بدائع الصنائع ١٠٦/٧، وفتح القدير ٣٠٢/٤، والشرح الصغير ٢٨٧/٢، والمغني ٣٩٧/٨، وروضة الطالبين ٢٧٩/١٠ (٢) ابن عابدين ٢٢٦/٣، ٢٢٧، بدائع الصنائع ١٠٦/٧، وفتح القدير ٣٠٢/٤ وعند المالكية في الصبي المميز خلاف، قيل: يجوز ويمضي وقيل: لا يجوز ابتداء، ويخير فيه الإمام إن وقع: إن شاء أمضاه، وإن شاء رده(١). وقال الشافعية: لا يصح أمان الصبي وفي الصبي المميز وجه كتدبيره(٢). ومن زال عقله بنوم أو سكر أو إغماء، فقد نص الحنابلة على أنه في حكم الصبي غير المميز، لأنهم لا يعرفون المصلحة من غيرها، ولأن كلامهم غير معتبر فلا يثبت به حكم (٣). الشرط الرابع: الاختيار ١٥ - نص جمهور الفقهاء على أنه لا يصح الأمان من مکره، لأنه قول أُكرِه عليه بغير حق، فلم يصح كالإقرار (٤). الشرط الخامس : عدم الخوف من الكفرة: ١٦- ذهب المالكية والحنابلة والشافعية في مقابل الأصح إلى أنه يصح أمان الأسير إذا عقده غير مكره، لدخوله في عموم الخبر، ولأنه مسلم مكلف مختار فأشبه غير الأسير، قال ابن قدامة: وكذلك يصح أمان (١) الشرح الصغير ٢٨٧/٢ (٢) روضة الطالبين ٢٧٩/١٠ (٣) المغني ٣٩٨/٨ (٤) الشرح الصغير ٢٨٧/٢، والقوانين الفقهية ١٥٩، وروضة الطالبين ٢٧٩/١٠، وكشاف القناع ١٠٤/٣، والمغني ٣٩٨/٨ - ١٧٣ - مُسْتَأمن ١٦-١٧ الأجير، والتاجر في دار الحرب. ويرى الشافعية في الأصح عدم جواز أمان الأسير، قال الشربيني الخطيب: محل الخلاف في الأسير المقيد والمحبوس وإن لم يكن مکرها، لأنه مقهور بأیدیھم لا يعرف وجه المصلحة، ولأن وضع الأمان أن يأمن المؤمن، وليس الأسير آمنا، وأما أسير الدار، وهو المطلق بدار الكفر الممنوع من الخروج منها فیصح أمانه(١). وذهب الحنفية إلى أنه لا يجوز أمان من كان مقهورا عند الكفار كالأسير والتاجر فيهم، ومن أسلم عندهم وهو فيهم، لأنهم مقهورون عندهم، فلا يكونون من أهل البيان، ولا يخافهم الكفار، والأمان يختص بمحل الخوف، ولأنهم يجبرون علیه، فیعری الأمان عن المصلحة، ولأنه لو انفتح هذا الباب لانسد باب الفتح، لأنهم كلما اشتد الأمر عليهم، لا يخلون عن أسير أو تاجر فیتخلصون به، وفيه ضرر ظاهر. قال ابن عابدين: نقل في البحر عن الذخيرة أنه لا يصح أمان الأسير في حق باقي المسلمين حتى كان لهم أن يغيروا عليهم، أما (١) روضة الطالبين ٢٨١/١٠، والقليوبي ٢٢٦/٤، ومغني المسحتاج ٢٣٧/٤، والقوانين الفقهية ١٥٣، والمغني٨/ ٣٩٧ في حقه هو فصحیح، قال ابن عابدين: والظاهر أن التاجر المستأمن كذلك(١). ح- أمان العبد والمرأة والمريض: اختلف الفقهاء في أمان العبد والمرأة والمريض على التفصيل الآتي: أولا- العبد: ١٧- ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه يجوز أمان العبد، واستدلوا بقوله عليه الصلاة والسلام: ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم))(٢)، وفسره محمد بالعبد، ولقول عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه: ((العبد المسلم رجل من المسلمين ذمته ذمتهم» وفي رواية ((يجوز أمانه))، ولأنه مسلم مكلف، فصح أمانه كالحر. وزاد النووي: يصح أمان العبد المسلم وإن کان سیدہ کافرا. وفي قول للمالكية أنه لا يجوز أمان العبد ابتداء وإذا أمن فيخير الإمام بين إمضائه ورده(٣) . (١) بدائع الصنائع ١٠٧/٧، وفتح القدير ٣٠٠/٤، وشرح السير الكبير ٢٦٦/١ ط. مطبعة مصر، وابن عابدين ٢٢٨/٣، والاختيار ١٢٣/٤ (٢) حديث: ((ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم» سبق تخريجه في التعليق على فقرة (٤) (٣) بدائع الصنائع ١٠٦/٧، ١٠٧، وفتح القدير ٢٩٩/٤، ٣٠٠، ٣٠١، وابن عابدين ٢٦٦/٣، ٢٢٧، والشرح الصغير ٢٨٧/٢، وبداية المجتهد ٣٩٣/١، والمغني ٣٩٧/٨، وكشاف القناع ١٠٤/٣، وروضة الطالبين ٢٧٩/١٠ - ١٧٤ - مُسْتَأمن ١٧ -٢٠ وقال أبو حنيفة و أبو يوسف في رواية: لا يصح أمان العبد المحجور عليه إلا أن يأذن له مولاه في القتال، لأنه محجور عن القتال فلا يصح أمانه، لأنهم لا يخافونه فلم يلاق الأمان محله، بخلاف المأذون له في القتال، لأن الخوف منه متحقق، ولأنه مجلوب من دار الكفر، فلا يؤمن أن ينظر لهم تقديم مصلحتهم (١). ثانياً - المرأة: ١٨ - ذهب الفقهاء في الجملة إلى أن الذكورة ليست بشرط لصحة الأمان، فيصح أمان المرأة، واستدلوا بقوله وَ لجر: ((قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء، إنما يجير على المسلمين أدناهم)) (٢). ولما روي: ((أن زينب ابنة رسول الله وَّ رضي الله عنها وزوجة أبي العاص أمنت زوجها أبا العاص بن الربيع وأجاز رسول الله وَّ أمانها))(٣)، ولأن المرأة لا تعجز عن الوقوف على حال القوة والضعف (٤). (١) فتح القدير ٤ / ٣٠٠، ٣٠١، والمغني ٣٩٦/٨ (٢) حديث: ((قد أجرنا من أجرت يا أم هانىء ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٤٦٩/١) ومسلم (١/ ٤٩٨) من حديث أم هانىء. (٣) حديث: ((أن زينب زوجة أبي العاص أمنت زوجها أبا العاص ... )). أخرجه عبد الرزاق في المصنف (٢٢٤/٥) والبيهقي في السنن (٩٥٩/٩) من حديث عبد الله البهي، وقال البيهقي: ((وهو مرسل)). (٤) بدائع الصنائع ٧/ ١٠٦، ١٠٧، وابن عابدين ٢٢٦/٣، والقوانين الفقهية ١٥٩، والشرح الصغير ٢٨٧/٢، وروضة الطالبين ٢٧٩/١٠، وكشاف القناع ١٠٤/٣، والمغني ٣٩٧/٨ وفي قول للمالكية أنه لا يجوز أمان المرأة ابتداء، فإن أمنت نظر الإمام في ذلك فإن شاء أبقاه وإن شاء ردَّه(١). ونص النووي على أنه في جواز عقد المرأة استقلالا وجهان. وقال الشربينى الخطيب: أرجحهما الجواز كما جزم به الماوردي (٢). ثالثاً-المریض: ١٩- ذهب الحنفية والشافعية إلى أنه لا يشترط لصحة الأمان السلامة عن العمى والزمانة والمرض، فيصح أمان الأعمى والزّمن والمريض ما دام سليم العقل، لأن الأصل في صحة الأمان صدوره عن رأي ونظر في الأحوال الخفية من الضعف والقوة، (٣) وهذه العوارض لا تقدح فیه ٠ ط- الأمان على الشرط: ٢٠- ذهب الفقهاء إلى أنه إذا حاصر المسلمون حصنا فناداهم رجل وقال: آمنوني أفتح لكم الحصن، جاز أن يعطوه أمانا، لما روي أن زياد بن لبيد لما حاصر النجير، قال الأشعث ابن قيس: أعطوني الأمان لعشرة أفتح لكم (١) بداية المجتهد ١/ ٣٩٣، والشرح الصغير ٢٨٧/٢ (٢) روضة الطالبين ٢٧٩/١٠، ومغني المحتاج ٢٣٧/٤ (٣) ابن عابدين ٢٦٦/٣، بدائع الصنائع ١٠٦/٧، ١٠٧، وروضة الطالبين ٢٧٩/١٠، والوجيز ١٩٤/٢ - ١٧٥ - مُسْتَأمن ٢٠ - ٢٢ الحصن ففعلوا، فإن أشكل الذي أعطي الأمان - وادعاه كل واحد من أهل الحصن - فإن عرف صاحب الأمان عمل على ذلك، وإن لم يعرف صاحب الأمان المؤمن ، لم يجز قتل واحد منهم، لأن كل واحد منهم يحتمل صدقه، وقد اشتبه المباح بالمحرم فيما لا ضرورة إليه فحرم الكل، كما لو اشتبهت ميتة بمذکاة ونحوها (١). وإذا لم يوف الشرط فلهم ضرب عنقه كما إذا قال الرجل: كف عني حتى أدلك على كذا، فبعث معه قوم ليدلهم فامتنع من الدلالة أو خانهم، فالإمام إن شاء قتله وإن شاء جعله فيئاً، لأن إعطاء الأمان له كان بشرط، ولم یوجد، ولأنه كان مباح الدم، وعُلِّق حرمة دمه بالدلالة وترك الخيانة، فإن انعدم الشرط، بقي حل دمه على ما كان (٢). ي- مدة الأمان: ٢١ - نص الحنفية وفي قول للشافعية على أن مدة الإقامة في دار الإسلام للمستأمن لا تبلغ سنة، وقال الحنفية: يجوز التوقيت ما دون السنة كشهر أو شهرين، لكن لا ينبغي أن يلحق المستأمن ضرر وعسر بتقصير المدة جدا، خصوصا إذا كان له معاملات يحتاج في (١) شرح السير الكبير ٢٧٨/١، والخرشي ١٢١/٣، ١٢٢، وروضة الطالبين ٢٩٣/١٠، والمغني ٤٠٢/٨ (٢) شرح السير الكبير ٢٧٨/١، والخرشي ١٢١/٣، ١٢٢، وروضة الطالبين ٢٩٣/١٠، والمغني ٤٠٢/٨ اقتضائها إلى مدة أطول(١). وقال الحنابلة: يشترط أن لا تزيد مدة الأمان (٢) علی عشر سنين وعند الشافعية يجب أن لا تزيد مدة الأمان على أربعة أشهر، فإن زاد عليها بطل في (٣) الزائد (٣). وتفصيل ذلك في مصطلح (أهل الذمة ف ١٢). ك- ما ینتقض به الأمان: ينتقض الأمان بأمور هي: أولاً - نقض الإمام: ٢٢- ذهب الفقهاء إلى أن الإمام لو رأى المصلحة في نبذ الأمان و کان بقاؤه شرا له أن ينقضه، لأن جواز الأمان - مع أنه يتضمن ترك . القتال المفروض - للمصلحة، فإذا صارت المصلحة في النقض نقضه، لقوله تعالى: ﴿ فَأَنْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَآءٍ﴾(٤) لكن ينبغي أن يخبرهم بالنقض وإعادتهم إلى ما كانوا عليه قبل الأمان، ثم يقاتلهم لئلا يكون من (١) بدائع الصنائع ٧/ ١٠٧، وابن عابدين ٢٤٨/٣، ٢٤٩، وفتح القدير ٣٥١/٤، ٣٥٢، والاختيار ١٣٦/٤، والأحكام السلطانية للماوردي ١٤٦ ط. دار الكتب العلمية، والأحكام السلطانية لأبي يعلى ط. دار الكتب العلمية - بيروت ١٦١، وروضة الطالبين ٢٨١/١٠ (٢) كشاف القناع ٣/ ١٠٤ (٣) مغني المحتاج ٢٣٨/٤ (٤) سورة الأنفال / ٥٨ - ١٧٦ - مُسْتَأمن ٢٢ - ٢٧ المسلمين غدر في العهد (١). ثانيا- رد المستأمن للأمان: ٢٣- إذا جاء أهل الحصن بالأمان إلى الإمام فنقضه، ففي هذه الحالة ينبغي للإمام أن يدعوهم إلى الإسلام، فإن أبوا فإلى الذمة، فإن أبوا ردهم إلى مأمنهم، ثم قاتلهم. قال النووي: إن المستأمن إذا نبذ العهد، وجب تبليغه المأمن، ولا يتعرض لما معه بلا خلاف(٢). ثالثاً- مضي مدة الأمان: ٢٤- ينقضي الأمان بمضي الوقت إذا كان الأمان مؤقتا إلى وقت معلوم من غير الحاجة (٣) إلى النقض" . رابعاً - عودة المستأمن إلى دار الحرب: ٢٥- نص جمهور الفقهاء على أن أمان المستأمن ينتقض في نفسه دون ماله بالعودة إلى الكفار، ولو إلى غير داره مستوطنا أو محاربا، وأما إن عاد إلى دار الحرب لتجارة، أو متنزها أو لحاجة یقضیها، ثم يعود إلى دار الإسلام فهو على أمانه (٤). (١) روضة الطالبين ٢٨١/١٠-٢٩٠، ومغني المحتاج ٢٣٨/٤ (٢) المراجع السابقة (٣) بدائع الصنائع ١٠٧/٧، وأبن عابدين ٢٢٦/٣، وشرح السير الكبير ٢٦٤/١، وفتح القدير ٣٠٠/٤، والقوانين الفقهية ١٦٠، وروضة الطالبين ٢٨١/١٠، ٢٩٠، ومغني المحتاج ٤/ ٢٣٨، وكشاف القناع ١١١،١٠٦/٣ (٤) ابن عابدين ٣/ ٢٥٠، ٢٥١، والزيلعي ٢٦٩/٣، وروضة الطالبين ٢٨٩/١٠، وكشاف القناع ١٠٨/٣، والمغني ٤٠٠/٨ خامساً- ارتكاب الخيانة: ٢٦- صرح الحنابلة بأن من جاءنا بأمان، فخاننا، كان ناقضا لأمانه لمنافاة الخيانة له، ولأنه لا يصلح في ديننا الغدر(١). ل- ما يترتب على رجوع المستأمن إلى دار الحرب: ٢٧ - ذهب الحنابلة والشافعية في الصحيح - وهو مايفهم من كلام الحنفية - إلى أن من دخل دار الحرب مستوطنا، بقي الأمان في ماله، وإن بطل في نفسه. واستدل الحنابلة لذلك بقولهم: لأنه بدخوله دار الإسلام بأمان ثبت الأمان لماله الذي کان معه، فإذا بطل في نفسه بدخوله دار الحرب بقي في ماله، لاختصاص المبطل بنفسه، فیختص البطلان به. وزاد الشافعية كما نقله النووي عن ابن الحداد: للمستأمن أن يدخل دار الإسلام من غير تجديد أمان لتحصيل ذلك المال، والدخول للمال يؤمنه كالدخول لرسالة، وسماع كلام الله تعالى، ولكن ينبغي أن يعجل في تحصیل غرضه، وكذا لا يكرر العود لأخذ قطعة من المال في كل مرة، فإن خالف تعرض للقتل والأسر، وقال غير ابن الحداد: ليس له (١) كشاف القناع ١٠٨/٣ - ١٧٧ - ٠٠ مُسْتَأمن ٢٧-٣٢ الدخول، لأن ثبوت الأمان في المال لا يوجب ثبوته في النفس. ٢٨- ويترتب على عدم بطلان الأمان في ماله أنه إن طلبه صاحبه بعث إليه. وإن تصرف فيه ببيع أو هبة أو غيرهما صح تصرفه. وإن مات في دار الحرب انتقل إلى وارثه مع بقاء الأمان فيه كما نص عليه الحنابلة، وهو الأظهر عند الشافعية قياسا على سائر الحقوق من الرهن والشفعة، وبه قال الحنفية كما يأتي. وقال الشافعية في قول: يبطل الأمان في الحال في هذه الحالة ويكون فيئا لبيت المال، لأنه قد صار لوارثه، ولم يعقد فيه أمانا، فوجب أن يبطل فيه كسائر أمواله، ولأن الأمان يثبت في المال تبعا. وإن لم یکن له وارث، صار فیئا كما قال الحنابلة والشافعية. وعند الشافعية في بقاء الأمان في ماله قول ثالث: وهو أنه إذا لم يتعرض للأمان في ماله حصل الأمان فيه تبعا، فيبطل فيه تبعا، وإن ذكره في الأمان لم يبطل. ٢٩- وأما الأولاد فقد نص الشافعية على أنه لا يسبى أولاده، فإذا بلغوا وقبلوا الجزية تركوا، وإلا بلغوا المأمن(١). (١) ابن عابدين ٢٥٢/٣، وروضة الطالبين ٢٨٩/١٠ - ٢٩٠، والمغني ٤٠٠/٨ - ٤٠١، وكشاف القناع ١٠٨/٣ ٣٠- أما إن أسر، بأن وجده مسلم فأسره، أو غلب المسلمون على أهل دار الحرب، فأخذوه أو قتلوه، وكان له دين على مسلم أو ذمي أو وديعة عندهما، فقد نص الحنفية على أنه يسقط دينه، لأن إثبات اليد على الدين بالمطالبة، وقد سقطت، ویدُ مَن علیه الدین أسبق إليه من يد العامة، فيختص به فيسقط، ولا طريق لجعله فيئا لأنه الذي يؤخذ قهرا، ولا یتصور ذلك في الدین. و کذلك الحكم لو أسلم إلى مسلم دراهم على شيء، وما غصب منه وأجرة عين أجرها، و کل ذلك لسبق الید. ٣١- وأما وديعته عند مسلم أو ذمّى أو غيرهما، وما عند شريكه ومضاربه وما في بيته في دار الإسلام فيصير فيئا عند الحنفية، لأن الوديعة في يده تقديرا، لأن يد المودع کیده فیصیر فیئا تبعا لنفسه، و کذلك ما عند شريكه ومضاربه، وما في بيته. ٣٢- واختلف الحنفية في الرهن: فعند أبي يوسف للمرتهن بدينه، وعند محمد يباع ویستوفی دینه، والزيادة فيء للمسلمين، قال ابن عابدين: وينبغي ترجيح قول محمد، لأن ما زاد على قدر الدين في حكم الوديعة. - ١٧٨ - مُسْتَأمن ٣٣-٣٦ ٣٣- وإن مات أو قتل بلا غلبة عليه، فماله من القرض والوديعة لورثته، لأن نفسه لم تصر مغنومة فكذا ماله، كما لو ظهر عليه فهرب (١) فماله له، وكذا دينه حال حياته قبل الأسر ٠ م - ما يجوز للمستأمن حمله في الرجوع إلى دار الحرب: ٣٤- نص الحنفية على أنه لا يمُكَّن المستأمن إذا أراد الرجوع إلى دار الحرب أن يحمل معه سلاحا اشتراه من دار الإسلام، لأنهم يتقوَّوْن به على المسلمين، ولا يجوز إعطاء الأمان له ليكتسب به ما يكون قوة لأهل الحرب على قتال المسلمین، وله أن يخرج بالذی دخل به. فإن باع سيفه واشترى به قوسا أو نشابا أو رمحا مثلا لا يمكن منه، وكذا لو اشترى سيفا أحسن منه، فإن كان مثل الأول أو دونه مكن منه (٢). الدخول إلى دار الإسلام بغير أمان: يختلف حكم من دخل دار الإسلام بغير أمان باختلاف الأحوال على النحو التالي: أ۔ادعاء کونه رسولا: ٣٥- من دخل دار الإسلام وقال: أنا رسول (١) ابن عابدين ٣/ ٢٥٢ (٢) المبسوط ٩١/١٠، ٩٢، وفتح القدير ٣٥٢/٤، ٣٥٣ الملك إلی الخلیفة، لم يصدق كما صرح به الحنفية والحنابلة، إلا إذا أخرج كتابا يشبه أن یکون کتاب ملکھم، فهو آمن حتى يبلغ رسالته ویرجع، لأن الرسول آمن کما جرى به الرسم جاهلية وإسلاما، ولأن القتال أو الصلح لا يتم إلا بالرسل، فلابد من أمان الرسول ليتوصل إلى ما هو المقصود، وإن لم يخرج كتابا أو أخرج ولم يعلم أنه کتاب ملکھم، فهو وما معه فيء، لأن الكتاب قد يفتعل (١). وقال الشافعية: يصدّق سواء كان معه كتاب أم لا، ولا يتعرض له لاحتمال ما يدعيه (٢). وذكر الروياني تفصيلا في الرسول فقال: وما اشتهر أن الرسول آمن هو في رسالة فيها مصلحة للمسلمين من هدنة وغيرها، فإن كان رسولا في وعيد وتهديد، فلا أمان له، ويتخير الإمام فيه بين الخصال الأربع كأسير، أي: القتل، أو الاسترقاق، أو المن عليه، أو المفاداة بمال أو نفس، إلا أن المعتمد عند الشافعية الأول (٣). ب-ادعاء كونه تاجرا: ٣٦ - لو دخل الحربي دارنا وقال: إنه تاجر، وقال: ظننت أنكم لا تعرضون لتاجر، والحال أنه تاجر، فنص المالكية على أنه يقبل منه، (١) المبسوط ٩٢/١٠، وابن عابدين ٢٢٧/٣، وفتح القدير ٤/ ٣٥٢، وكشاف القناع ١٠٨/٣، والمغني ٥٢٢/٨، ٤٠٠ (٢) مغني المحتاج ٢٤٣/٤، وروضة الطالبين ٢٨٠/١٠ (٣) روضة الطالبين ٢٥١/١٠، ٢٩٩ - ١٧٩ - ... مُسْتَأمن ٣٦-٣٩ ويرده إلى مأمنه، وكذلك الحكم إذا أخذ بأرضهم، أو بين أرض العدو وأرضنا، وادعى التجارة، أو قال: جئت أطلب الأمان، حیث یرد لمأمنه (١). وقال الشافعية: قصد التجارة لا يفيد الأمان، ولكن لو رأى الإمام مصلحة في دخول التجّار، فقال: من دخل تاجراً فهو آمن، جاز، ومثل هذا الأمان لا يصحّ من الآحاد. وكذلك لو قال: ظننت أن قصد التجارة يفيد الأمان فلا أثر لظنه، ولو سمع مسلما يقول: من دخل تاجرا فهو آمن، فدخل وقال: ظننت صحته، فالأصح أنه يقبل قوله، ولا يغتال (٢). وقال الحنابلة: لو دخل وادعى أنه تاجر وكان معه متاع يبيعه، قبل منه، إن صدقته عادة، کدخول تجارتهم إلينا ونحوه، لأن ما ادعاه ممكن، فيكون شبهة في درء القتل، ولأنه يتعذر إقامة البينة على ذلك، فلا یتعرض له، ولجريان العادة مجرى الشرط، وإن لم يوجد معه متاع، وانتفت العادة، لم يقبل قوله، لأن التجارة لا تحصل بغير مال، ويجب بقاؤه على ما كان عليه من عدم العصمة (٣). ج-ادعاء کونه مؤمّنا: ٣٧- من دخل دارنا وقال: أمنني مسلم، فقد (١) حاشية الخرشي ١٢٤/٣ (٢) روضة الطالبين ٢٨٠/١٠ (٣) المغني ٥٢٣/٨، وكشاف القناع ١٠٨/٣ نص الحنفية والحنابلة في وجه على أنه لا يصدّق، لأن حق المسلمین قد ثبت فیه حین تمكنوا منه من غیر أمان ظاهر له، فلا یصدق في إبطال حقهم، ولكن إن قال مسلم: أنا أمنته، قبل قوله، لأنه يملك أن يؤمنه، فقبل قوله فيه كالحاكم إذا قال: حكمت لفلان على فلان. وذهب الشافعية في الأصح والحنابلة في وجه آخر إلى أنه يصدق بلا بينة، تغليبا لحقن دمه، فلا یتعرض له، لاحتمال کونه صادقا فيما يدعيه، لأن الظاهر أنه لا يدخل بغير أمان، وفي مقابل الأصح عند الشافعية: يطالب ببينة لإمكانها غالبا (١). نكاح المسلم بالمستأمنة: ٣٨- صرح الحنفية بأن الحربية المستأمنة إذا تزوجت مسلماً أو ذمیاً فقد توطنت وصارت ذمیة. وتفصيل ذلك في (أهل الذمة ف ١٣). ما يترتب للمستأمنة على النكاح من حقوق: ٣٩- ذهب الفقهاء إلى أن الزوجة المستأمنة الكتابية كمسلمة في نفقة وقسم وطلاق وغیر (١) المبسوط ٩٣/١٠، وفتح القدير ٣٥٢/٤، وحاشية ابن عابدين ٢٢٧/٣، ومغني المحتاج ٢٤٣/٤، وروضة الطالبين ٢٩٩/١٠، والمغني ٥٢٣/٨ - ١٨٠ -