Indexed OCR Text

Pages 81-100

مُزَارَعَة ٥٠-٥١
الاختلاف حول شرط الأنصباء أو صاحب
البذر:
٥٠- إذا مات صاحب الأرض أو المزارع أو
ماتا جميعا، فاختلف ورثتهما، أو اختلف الحي
منهما مع ورثة الآخر في شرط الأنصباء، فإن
القول یکون قول صاحب البذر مع یمینه إن
كان حيا، أو ورثته إن كان ميتا. نص على
ذلك الحنفية(١) لأن الأجر يستحق عليه
بالشرط، فإذا ادعى عليه زيادة في المشروط
- وأنكرها هو- کان القول قوله مع یمینه إن
کان حیا، وإن كان ميتا فورثته یخلفونه، فیکون
القول قولهم مع أيمانهم بالله على عملهم،
والبينة بينة الآجر، لأنه يثبت الزيادة ببينة.
وإن اختلفوا في صاحب البذر من هو؟ كان
القول قول المزارع مع یمینه إن کان حیا، وقول
ورثته مع أيمانهم إن كان ميتا.
ووجه ذلك: أن الخارج في يد المزارع أو في
ید ورثته، فالقول قول ذي الید مع الیمین عند
عدم البينة، والبينة بینة رب الأرض، لأنه خارج
محتاج إلى الإثبات بالبيئة.
ولو كانا حيين فاختلفا، فأقام صاحب
الأرض البينة أنه صاحب البذر، وأنه شرط
للمزارع الثلث، وأقام المزارع البينة أنه هو
صاحب البذر، وأنه شرط لصاحب الأرض
الثلث، فالبينة بينة رب الأرض، لأنه هو
الخارج المحتاج إلى الإثبات بالبينة.
وإن علم أن البذر من قبل رب الأرض
وأقاما البينة على الثلث والثلثين فالبينة بينة
المزارع، لأنه يثبت الزيادة ببينة(١).
التولية في المزارعة والشركة فيها:
٥١- إذا دفع شخص أرضه إلى آخر لیزرعها
مدة معينة على أن الخارج بينهما نصفان أو غير
ذلك، فإما أن يدفعها المزارع بدوره إلى آخر
مزارعة أو يشاركه في المزارعة، وإما أن يكون
البذر من صاحب الأرض أو يكون من المزارع
وتفصيل ذلك فيما يلي:
أ- إذا كان البذر من قبل صاحب الأرض، فإما
أن يقول للمزارع: اعمل برأيك، وإما ألا يقول
له ذلك، فإن قال له: اعمل برأيك جاز له أن
يعطيها لغيره مزارعة، وفي هذه الحالة يقسم
الخارج بين صاحب الأرض والمزارع الآخر،
ولا شيء للمزارع الأول.
وإن لم يقل له: اعمل فيها برأيك فإنه لا
يجوز له أن يعطيها لغيره ليزرعها، فإذا خالف
وأعطاها لآخر ليزرعها مناصفة - وكان البذر
من صاحب الأرض - كان الخارج بين المزارع
الأول والمزارع الثاني نصفين على حسب
الشرط، ولصاحب الأرض أن يضمّن بذره
(١) المبسوط ٨٩/٢٣، ١٥٦
(١) المبسوط ١٥٦/٢٣
- ٨١ -

مُزَارَعَة ٥١-٥٢
أيهما شاء، وكذلك نقصان الأرض في قول
عند الحنفية، وفي القول الآخر يضمن الثاني
خاصة، ثم للثاني أن يرجع على الأول بما
ضمن لأنه غره.
ب- إذا كان البذر من قبل صاحب الأرض،
ولم يقل له: اعمل فيه برأيك، فأشرك فيه رجلا
آخر ببذر من قبل ذلك الرجل، واشتركا على
أن يعملا بالبذرين جميعا على أن الخارج
بينهما نصفان، فعملا على هذا، فجميع الخارج
بينهما لكل منهما نصفه، ولا شيء لصاحب
الأرض منه، وإنما يضمن له المزارع وحده ثمن
بذره، وضمان النقصان في الأرض على
الاثنین.
أما لو كان أمره بأن يعمل برأيه ويشارك من
أحب -وكانت المسألة بحالها- فإنه يجوز،
ويقسم الخارج بينهم جميعا، نصفه للمزارع
الآخر، والنصف الثاني بين الأول وبين رب
الأرض لكل منهما الربع.
ج- إذا كان البذر من قبل العامل فدفع الأرض
مزارعة لآخر بالنصف جازت، سواء قال له
صاحب الأرض: اعمل برأيك أو لم يقل،
ويقسم الخارج بين صاحب الأرض والمزارع
الآخر، ولا شيء للمزارع الثاني، وكذلك لو
كان البذر من قبل الآخر(١).
(١) المبسوط ٢٣/ ٧٠، ٧٧، والفتاوى الهندية ٥/ ٢٥٠ وما بعدها.
الوكالة في المزارعة:
الوكالة في المزارعة إما أن تكون من
صاحب الأرض، وإما أن تكون من المزارع.
الحالة الأولى: الوكالة من صاحب الأرض:
٥٢- إذا و کل صاحب الأرض رجلا بأن يدفع
أرضه لآخر مزارعة، جاز ذلك، و کان للو کیل
أن يدفعها له ويشترط أية حصة من الخارج
لرب الأرض، لأن الموكل حين لم ينص على
حصة معينة يكون قد فوض الأمر إليه في
تحديد هذه الحصة مع المزارع، فبأية حصة دفعها
مزارعة كان ممتثلا لأمره محصلا لمقصوده.
ولكن لا يجوز للوكيل أن يدفعها بشيء
يعلم أنه حابی فیه بما لا يتغابن الناس في مثله،
لأن مطلق التوكيل يتقيد بالمتعارف.
فإن دفعها مع هذه المحاباة كان الزرع بين
المزارع والوكيل على شرطهما، ولا شيء منه
لرب الأرض، أي أن الوكالة تكون باطلة في
هذه الحالة، لأن الوكيل صار غاصبا للأرض
بمخالفته الموكل، وغاصبها إذا دفعها مزارعة
كان الزرع بينه وبين المدفوع إليه على الشرط.
ولصاحب الأرض تضمين الوكيل أو
المزارع نقصان الأرض في قول أبى يوسف
الأول وقول محمد، فإن ضمن المزارع رجع
على الو کیل بما ضمن، لأنه مغرور من جهته.
وفي قول أبي يوسف الآخر: يضمن المزارع
- ٨٢ -

مُزَارَعَة ٥٢-٥٣
خاصة، لأنه هو المتلف، فأما الو کیل فغاصب
والعقار عندہ لا یضمن بالغصب، ثم يرجع
المزارع على الوكيل للغرور.
فإن كان حابی فیه بما يتغابن الناس في مثله،
فالخارج بين المزارع ورب الأرض على الشرط،
والوكيل هو الذي قبض نصيب الموكل لأنه هو
الذي أجر الأرض.
وإنما وجب نصيب رب الأرض بعقده فهو
الذي يلي قبضه، وليس لرب الأرض أن
(١)
يقبضه إلا بوكالة من الوكيل
وإذا وكله ولم يحدد له مدة للمزارعة جاز
للوكيل أن يدفعها مزارعة سنته الأولى، فإن
دفعها أكثر من ذلك أو بعد هذه السنة ولم
يدفع هذه السنة الأولى، لم يجز ذلك
استحسانا، وإنما یجوز قياسا.
وجه القياس: أن التوكيل مطلق عن الوقت
ففي أي سنة وفي أي مدة دفعها لم یکن فعله
مخالفا لما أمر به مو کله فجاز.
ووجه الاستحسان: أنّ دفع الأرض مزارعة
يكون في وقت مخصوص من السنة عادة
والتقييد الثابت بالعرف في الوكالة كالثابت
بالنص، فإذا دخله التقييد من هذا الوجه يحمل
على أخص الخصوص، وهو وقت الزراعة من
السنة الأولى(٢).
(١) المبسوط ١٣٧/٢٣
(٢) المبسوط ١٣٧/٢٣
الحالة الثانية: التوكيل من المزارع:
٥٣- إذا وكل رجل آخر بأن يأخذ له هذه
الأرض مزارعة هذه السنة على أن يكون البذر
من الموكل كانت الوكالة جائزة(١)، وتسري
أحكام الوكالة المطلقة التي ذكرت في الحالة
الأولى هنا أيضا، أي أن الوكيل يكون مقيدا
بالمتعارف عليه بين الناس في التعامل، كما
یکون مقیدا بالشرع، فلا يتصرف تصرفا یضر
بالموكل.
هذا إذا كان التوكيل مطلقا عن القيود، أما
إذا قيد الموكل - سواء أكان صاحب الأرض
أم المزارع - وكيله بقيد معين فإنه يجب على
الوكيل الالتزام به (٢) فإذا خالفه بطلت الوكالة
إلا إذا كانت المخالفة لمصلحة الموكل فإنها
تكون نافذة في حقه، لأنها تعتبر موافقة
ضمنية، فالعبرة في العقود بالمعاني لا بالألفاظ
والمباني.
فلو وكل صاحب الأرض رجلا ليدفع له
أرضه لآخر مزارعة بالثلث مثلا، فدفعها
الو کیل له بالنصف، فإن الو کیل هنا یکون قد
خالف مو کله، ولکن العقد یکون صحيحا،
لأن المخالفة لخير الموكل ومصلحته، فقد عقد
له بالنصف بدلا من الثلث.
(١) المبسوط ١٣٩/٢٣
(٢) المبسوط ٢٣/ ١٤١، والفتاوى الهندية ٢٦٦/٥
- ٨٣ -

مُزَارَعَة ٥٣-٥٤
لذلك لا تبطل الوكالة إذا أجاز الموكل
تصرف وكيله المخالف، لأن الإجازة اللاحقة
كالوكالة السابقة(١) وهذا كله طبقا للقواعد
العامة فى الوكالة.
وللتفصيل انظر مصطلح (وكالة).
الكفالة في المزارعة:
٥٤- إذا دفع رجل لآخر أرضا له مزارعة
بالنصف، وضمن رجل آخر لرب الأرض
الزراعة من الزارع كان الضمان باطلا، لأن
المزارع مستأجر للأرض عامل والمزارعة لنفسه،
إلا أن يكون العمل مستحقا عليه لرب
الأرض، وإنما يصح الضمان بما هو مستحق
على الأصيل للمضمون له.
فإذا كان الضمان شرطا في المزارعة كانت
فاسدة، لأنها استئجار للأرض، فتبطل بالشرط
الفاسد، وإن لم يكن شرطا فيها جازت
المزارعة وبطل الضمان.
وإن كان البذر من قبل صاحب الأرض
جاز الضمان والمزارعة فى الوجهين جميعا،
لأن رب الأرض مستأجر للعامل، وقد صارت
إقامة العمل مستحقة عليه لصاحب الأرض،
وهو مما تجري فيه النيابة في تسليمه، فيصح
التزامه بالكفالة شرطا في العقد أو مقصودا
بعد عقد المزارعة.
(١) المبسوط ١٣٩/٢٣، ١٤١، والفتاوى الهندية ٢٦٦/٥
وإن تعنت الزارع أخذ الكفيل بالعمل، لأنه
التزم المطالبة بإيفاء ما كان على الأصيل وهو
عمل الزراعة.
فإذا عمل الكفيل وبلغ الزرع الحصاد ثم
ظهر المزارع كان الخارج بينهما على الشرط،
لأن الكفيل كان نائبا عنه في إقامة العمل،
ويستحق الکفیل أجر مثل عمله إن كان كفله
بأمره، لأنه التزم العمل بأمره وقد أوفاه، فيرجع
عليه بمثله، ومثله هو أجر المثل. ولا يجوز
ضمان المزارع إذا كان رب الأرض قد اشترط
عليه أن يعمل بنفسه، لأن ما التزمه العامل هنا
لا تجرى فيه النيابة، وهو عمل المزارع بنفسه، إذ
ليس في وسع الكفيل إبقاء ذلك، فيبطل
الضمان وتبطل معه المزارعة أيضا لو كان
شرطاً فيها.
وإذا ضمن الكفيل لرب الأرض حصته من
الخارج فإن الكفالة لا تصح سواء أكان البذر
من قبل رب الأرض أم كان من قبل المزارع،
لأن نصيب صاحب الأرض من الخارج أمانة
في يد المزارع.
والكفالة بالأمانة لا تصح، وإنما تصح بما هو
مضمون التسليم على الأصل، ثم تبطل
المزارعة إن كانت الكفالة شرطا فيها، وهذا كله
.(١)
قول الحنفية
(١) المبسوط ١٢٧/٢٣، وحاشية ابن عابدين ٢٨٣/٦، والفتاوى
الهندية ٢٦٨/٥
- ٨٤ -

مُزَارَعَة ٥٥ - ٥٨
مزارعة الأرض العشرية:
٥٥- لو زارع بالأرض العشرية فإن كان البذر
من قبل العامل فعلى قياس قول أبي حنيفة:
العشر على صاحب الأرض كما في الإجارة.
وعند أبي يوسف ومحمد يكون في الزرع
كالإجارة.
وإن كان البذر من رب الأرض فهو على
رب الأرض في قولهم جميعاً (١).
المزارعة في الأرض المرهونة:
٥٦- إذا رهن إنسان عند آخر أرضا بيضاء
بدين له عليه، فلما قبضها المرتهن زارعه
الراهن عليها بالنصف والبذر من المرتهن
جازت المزارعة ويقتسمان الخارج على الشرط،
لأن صاحب البذر وهو الدائن المرتهن مستأجر
للأرض، والمرتهن إذا استأجر المرهون من
الراهن بطل عقد الرهن، لأن الإجارة ألزم من
الرهن، وقد طرأ الاثنان في محل واحد فكان
الثاني رافعا للأول، فلهذا كان الخارج على
الشرط، وليس للمرتهن بعد انتهاء المزارعة أن
یعیدها رهنا.
وإن مات المدين الراهن وعليه دين لم يكن
المرتهن أحق بها من غرمائه لبطلان عقد الرهن.
أما إن كان البذر من المدين الراهن فإن
(١) فتح القدير ٨/٢، دار صادر بيروت.
المزارعة تكون جائزة أيضا ولكن الرهن لا
يبطل، ويكون للمرتهن أن يعيد الأرض في
الرهن بعد الفراغ من الزرع، لأن العقد هنا يرد
على عمل المزارع فلا يبطل به عقد الرهن،
نص على ذلك الحنفية(١).
أخذ المأذون له الأرض مزارعة:
٥٧- يجوز للمأذون له أن يأخذ الأرض
مزارعة، لأن فيه تحصيل الربح، لأنه إن كان
البذر من قبله فهو مستأجر للأرض ببعض
الخارج، وذلك أنفع من الاستئجار بالدراهم،
لأنه إذا لم يحصل خارج لا يلزمه شيء
بخلاف الاستئجار بالدراهم.
وإن کان البذر من قبل صاحب الأرض فھو
آجر نفسه من رب الأرض لعمل الزراعة
ببعض الخارج، ولو آجر نفسه بالدراهم جاز
فكذا هذا(٢).
اشتراط عدم بيع النصیب أو هبته:
٥٨- إذا اشترط في المزارعة أن لا يبيع الآخر
نصيبه أو يهبه جازت المزارعة وبطل الشرط،
لأنه ليس لأحد العاملين فيه منفعة (٣).
(١) المبسوط ١٥٩/٢٣، والفتاوى الهندية ٢٦٤/٥
(٢) العناية على الهداية ٣٣٧/٧
(٣) فتح القدير ٢١٦،٢١٥/٥
- ٨٥ -

مُزَايَدَة ١- ٣
مُزَايَدَة
٠٠٠٠
التعريف:
١ - المزايدة في اللغة: التنافس في زيادة
ثمن السلعة المعروضة للبيع (١).
وفي الاصطلاح هو: أن ينادى على السلعة
ویزید الناس فيها بعضهم على بعض حتى
تقف على آخر زائد فيها فيأخذها (٢).
ومعظم كلام الفقهاء ورد بشأن (بيع
المزايدة) لأنه أغلب التصرفات التي تجري
فيها المزايدة، وبيع المزايدة هو - کما قال ابن
عرفة - بيع التزم مشتريه ثمنه على قبول
الزيادة (٣).
انظر مصطلح (سوم ف ٣).
ولعقد المزايدة - أو بيع المزايدة - أسماء
أخرى، منها: بيع من يزيد، وبيع الدلالة، وبيع
(١) القاموس وشرحه تاج العروس، ومعجم مقاييس اللغة،
والمعجم الوسيط مادة (زيد)، وأساس البلاغة للزمخشري
١٩٨
(٢) القوانين الفقهية ص ١٧٥، ٢٦٢، وانظر فتح القدير
١٠٨/٦ ط. دار إحياء التراث، والفتاوى الهندية ٢١٠/٣،
والدسوقي على شرح الدردير لمختصر خليل ١٥٩/٣،
ومغني المحتاج ٣٧/٢
(٣) حدود ابن عرفة بشرح الرصاع ٣٨٣/٢
المناداة، وسماه بعض الفقهاء (بيع الفقراء)
لوقوعہ علی بيع أثاثهم عند الحاجة، وبيع من
کسدت بضاعته لوقوعه على بيع السلع غير
الرائجة (١).
الألفاظ ذات الصلة:
أـ النجش:
٢- النجش لغة: الإثارة.
١
واصطلاحاً: الزيادة فى ثمن السلعة ممن لا
يريد شراءها ليغرر بغيره، وذلك لما في
النجش من إثارة رغبة الغير في السلعة ولو
بثمن أكثر مما يقدره المشتري.
فالنجش يشترك مع المزايدة في الصورة
بوقوع الزيادة من الناجش، ويختلف عنها في
انتفاء قصد الناجش الشراء (٢).
ب - البيع على بيع الغير:
٣- البيع على بيع الغير هو أن يعرض البائع
سلعته على من أراد شراء سلعة غيره وقد ركن
إليه، ويتحقق بأن يقول لمن اشترى سلعة وهو
في زمن خيار المجلس أو خيار الشرط: افسخ
بيعك وأنا أبيعك مثل السلعة بثمن أقل، فالبيع
على بيع الغير يختلف عن المزايدة بأنه يقع
(١) الفتاوي الهندية ٣/ ٢١٠، وحاشية ابن عابدين ١٣٣/٤،
وكشاف القناع ١٨٣/٣
(٢) لسان العرب، والمعجم الوسيط، وعمدة القاري ٢٥٩/١١،
وفتح الباري ٤/ ٣٥٣ _ ٣٥٥، وجواهر الإكليل ٢٦/٢،
ومغني المحتاج ٣٧/٢
- ٨٦ -

مُزَايَدَة ٣- ٥
بعد الركون لإتمام الصفقة ولم يبق إلا العقد
والرضا.
أما المزايدة فهي: عروض للشراء تقع قبل
الركون بين مالك السلعة ومن يرغب في
شرائها أولاً(١).
ج - السوم على سوم الغير:
٤- المراد من السوم على سوم الغير: أن
يتفق صاحب السلعة والراغب فيها على البيع،
ولم يعقداه، فيقول آخر لصاحب السلعة: أنا
أشتريها بأكثر، أو يقول للراغب في السلعة: أنا
أبيعك خيرا منها بأرخص، فالسوم على سوم
الغير يختلف عن المزايدة أيضا في وقوعه
بعد الركون خلافا للمزايدة (٢).
الحكم التكليفي، وحكمة التشريع:
٥- ذهب جمهور الفقهاء إلى إباحة بيع
المزايدة (٣)، واستدلوا لذلك بفعل النبي مَثّ،
(١) إكمال المعلم شرح صحيح مسلم للأبي ١٧٨/٤، والتمهيد
لابن عبد البر ٣١٧/١٤ و١٩١/١٨، ومعالم السنن
للخطابي ٦٩/٢، ومغني المحتاج ٣٧/٢
(٢) عمدة القاري ٢٥٧/١١، والبيان والتحصيل لابن رشد الجد
٨/ ٤٧٥، والروضة للنووي ٤١٣/٣
(٣) بدائع الصنائع ٢٢٢/٥، وحاشية ابن عابدين ١٠٢/٥،
والبحر الرائق ١٠٨/٦، وفتح القدير ١٠٨/٦ ط. دار
إحياء التراث، والمقدمات الممهدات لابن رشد
١٣٨/٢، ومواهب الجليل ٢٣٩/٤، وميارة على التحفة
٦٩/٢، وشرح العمليات ص٣١٩، وتحفة المحتاج
٣١٣/٤، ونهاية المحتاج ٤٦٨/٣، ومغني المحتاج ٣٧/٢،
وكشاف القناع ١٨٣/٢، والمغني ٢٣٦/٤
وهو أنه باع قدحاً وحلساً بيع من یزید، وقال:
((من يشتري هذا الحلس والقدح؟)) فقال
رجل: أخذتهما بدرهم، فقال النبي وَلّ:
((من يزيد على درهم؟ من يزيد على درهم؟»
فأعطاه رجل درهمین فباعه منه (١) .
قال ابن قدامة: وهذا أيضاً إجماع
المسلمين يبيعون في أسواقهم بالمزايدة.
وذهب النخعي إلى كراهته مطلقاً، وذهب
الحسن البصري وابن سيرين والأوزاعي
وإسحاق بن راهويه إلى كراهته فيما عدا بيع
الغنائم والمواريث (٢)، واستدلوا بحديث
سفيان بن وهب الخولاني رضي الله عنه قال:
سمعت رسول الله وَ﴾ ((ينهى عن بيع
المزايدة)) (٣)، وبحديث ابن عمر رضي الله
عنهما: ((نهى رسول الله صل أن يبيع أحدكم
على بيع أحد حتى يذر إلا الغنائم
(٤)
والمواريث)) (٤).
وقال عطاء: أدركت الناس لا يرون بأساً
(١) حديث: ((من يشتري هذا الحلس والقدح؟ ... ))
أخرجه أبو داود (٢٩٢/٢)، والترمذي (٥٢٢/٣) من
حديث أنس بن مالك ونقل ابن حجر في التلخيص الحبير
(١٥/٣) عن ابن القطان تضعيفه.
(٢) فتح الباري ٤/ ٣٥٤
(٣) حديث: ((أنه نهى عن بيع المزايدة)).
أخرجه البزار (كشف الأستار ٢/ ٩٠) من حديث سفيان بن
وهب، وضعفه ابن حجر في فتح الباري (٤/ ٣٥٤)
(٤) حديث: ((نهى رسول الله مثل أن يبيع أحدكم على بيع أحد .. ))
أخرجه ابن الجارود في المنتقى (ص ١٩٨)، والدار قطني
(١١/٣) من حديث ابن عمر.
- ٨٧ -

مُزَايَدَة ٥- ٨
في بيع الغنائم فیمن یزید.
وصرح الحنابلة باستحباب المزايدة في بيع
مال المفلس لما فيها من توقع زيادة الثمن
وتطييب نفوس الغرماء، ويستحب
للحاكم أن يحضرهم فيه (١).
ركن المزايدة (كيفية الإيجاب والقبول في
المزايدة):
٦- من المقرر أن ركن البيع هو الصيغة - كما
قال الحنفية - أو هو الصيغة مع الأطراف
(العاقدين والمحل: المبيع والثمن) كما قال
الجمهور ثم إن الصيغة هي الإيجاب والقبول.
وفي المزايدة إذا نادى الدلال على السلعة
فإن ما يصدر من كل من الحاضرين هو
إيجاب عند الحنفية وهي إيجابات متعددة،
والقبول هو موافقة البائع - أو الدلال المفوض
منه - على البيع بثمن ما، وأما عند الجمهور
فالإيجاب هو موافقة البائع والدلال وقد تأخر
وتقدم عليه القبول فهو كقوله بعْنيه بكذا (٢).
إلزام جميع المشاركين في المزايدة بالشراء -
في مجلس المناداة - ولو زيد عليهم:
٧- صرح ابن رشد الجد، وقال: إنه ظاهر
المذهب - أي مذهب المالكية - ونقله عن أبی
(١) كشاف القناع ٤٣٢/٤.
(٢) مواهب الجليل ٢٣٧/٤ - ٢٣٩)
جعفر بن رزق أيضاً بأن كل من زاد في السلعة
لزمته بما زاد إن أراد صاحبها أن يمضيها له
بما أعطى فيها ما لم يسترد سلعته فيبيع بعدها
أخرى أو يمسكها حتى ينقضي مجلس
المناداة.
وقد علل ابن رشد ذلك بأن البائع قد لا
یحب مماطلة الذي زاد علی من قبله، فلیس
طلب الزيادة بها وإن وجدها إبراء لمن قبله،
وربط الدسوقي ذلك بالعرف فقال: وللبائع
إلزام المشتري في المزايدة ولو طال الزمان أو
انفض المجلس حيث لم يجر العرف بعدم
إلزامه، كما عندنا بمصر أن الرجل لو زاد في
السلعة وأعرض عنه صاحبها أو انفض
المجلس فإنه لا يلزمه بها وهذا ما لم تكن
السلعة بيد المشتري (١)، وإلا كان لربها
إلزامه، وذكر ابن عرفة أن العادة بتونس في
أيامه عدم اللزوم، وذكر الحطاب أن
العرف بمكة في زمنه جرى على عدم
الإلزام أيضا (٢).
إلزام جميع المشاركين في المزايدة بالشراء
بعد مجلس المناداة:
٨ - ذهب المالكية إلى أنه إذا كان العرف
اللزوم بعد الافتراق، أو اشترط ذلك البائع فيلزم
(١) البيان والتحصيل لابن رشد ٤٧٥/٨ -٤٧٦، والدسوقي
٥/٣، والزرقاني ٦/٥، والحطاب ٢٣٧/٤-٢٣٩
(٢) الحطاب ٢٣٨/٤-٢٣٩
- ٨٨ -

مُزَايَدَة ٨-١١
المشتري البيع بعد الافتراق في مسألة العرف
بمقدار ما جرى به العرف، وفي مسألة الشرط
في الأيام المشروطة، وبعدها بقرب ذلك
على مذهب المدونة، ويتأكد هذا إذا حصل
الاشتراط بأن يزيد على السلعة أياماً (١).
وقد صرح الزرقاني بأن ذلك مخالف للبيع
المطلق حيث لا يلزم البيع فيه بتراخي القبول
عن الإيجاب حتى انقضى المجلس، أو
بحصول فاصل يقتضي الإعراض عما كان
المتبايعان فيه إلا بيع المزايدة، فللبائع أن يلزم
السلعة لمن شاء حيث اشترط البائع ذلك أو
جری به عرف إمساكها حتى انقضى مجلس
المناداة، قال المازري: بعض القضاة ألزم
بعض أهل الأسواق في بيع المزايدة بعد
الافتراق، مع أن عادتهم الافتراق على غير
إيجاب اغتراراً بظاهر ابن حبيب وحكاية غيره،
فنهيته عن هذا لأجل مقتضى عوائدهم، وإذا
اشترط المشتري أن لا يلتزم البيع إلا ما دام في
المجلس فله شرطه، ولو كان العرف بخلافه،
لتقدم الشرط عليه (٢).
خيار الرجوع عن الإيجاب في المزايدة:
٩- الرجوع عن المزايدة: إما أن يقع قبل
زيادة آخر على ما دفعه، وإما أن يقع بعدها،
فإن وقع الرجوع قبل زيادة آخر على ما دفعه
(١) الحطاب ٢٣٨/٤ - ٢٣٩
(٢) الزرقاني ٦/٥، والحطاب ٢٣٨/٤ _٢٣٩
من ثمن فإنه لا يختلف بيع المزايدة عن غيره
في مسألة الرجوع عن الإيجاب، من حيث إن
للموجب حق الرجوع قبل أن يقع القبول
لإيجابه، ولا يرد هنا الخلاف المنقول عن
بعض المالكية فيما لو ربط الإيجاب بوقت،
وأنه حينئذ يتقيد بوقته فلا يملك الموجب
الرجوع، وذلك لأن مذهب المالكية في لزوم
المزايدة لجميع المشتركين فيها يغني عن
(١)
مقتضى هذا القول
.
خيار المجلس في المزايدة:
١٠ - قال الحطاب: جرت العادة بمكة أن من
رجع بعد الزيادة لا يلزمه شيئ ما دام في
(٢)
المجلس (٢).
الزيادة بعد بت البيع لأحد المشاركين في
المزايدة:
١١ - لا خلاف في أنه تجوز الزيادة في السلعة
إذا توقف المالك أو الدلال عن النداء - لأنه
أعرض عن البيع - لعدم وصول السلعة إلى
قيمتها وكف الحاضرين عن الزيادة.
وأما في حالة الركون فقد ذهب الحنفية
والمالكية إلى أنه إذا كان صاحب المال ينادي
على سلعته فطلبها إنسان بثمن، فكف عن
(١) الحطاب ٢٣٨/٤-٢٣٩
(٢) المرجع السابق.
- ٨٩ -

مُزَايَدَة ١١ - ١٤
النداء ور کن إلى ما طلب منه ذلك الرجل،
فليس للغير أن يزيد في ذلك، وهذا استيام
على سوم الغير، وإن لم يكف عن النداء فلا
بأس لغيره أن یزید.
وإن كان الدلال هو الذي ينادي على
السلعة وطلبها إنسان بثمن فقال الدلال: حتى
أسأل المالك فلا بأس للغير أن یزید، فإن أخبر
الدلال المالك فقال: بعه واقبض الثمن، فلیس
لأحد أن يزيد بعد ذلك، قال الحطاب: وسواء
ترك السمسار الثوب عند التاجر أو كان في
يده وجاء به إلى ربه فقال له ربه: بعه، ثم زاد
فیه تاجر آخر أنه للأول، وأما لو قال له رب
الثوب لما شاوره: اعمل فيه برأيك فرجع
السمسار ونوی أن یبیعه من التاجر فزاد فيه
تاجر آخر، فإنه يعمل فيه برأيه ویقبل الزيادة إن
شاء ولا يلزم البيع بالنية (١).
واستظهر الشرواني من الشافعية: أنه لا
تحرم الزيادة حيث لم يعين الدلال
المشتري، ثم قال: بل لا يبعد عدم التحريم
وإن عینه (٢).
زیادة اثنین مبلغاً متماثلاً:
١٢ - ذهب ابن القاسم من المالكية إلى أنه
(١) الفتاوي الهندية ٢١٠/٣-٢١١، وفتح القدير ١٠٧/٦،
والخطاب ٢٣٩/٤، والروضة للنووي ٤١٣/٣، والمبدع
٤٤/٤
(٢) الشرواني على تحفة المحتاج ٣١٣/٤
لو زاد اثنان مبلغاً متماثلاً ولم يزد علیھما
غيرهما فإنهما يكونان شريكين في السلعة،
وقال عيسى: هي للأول، ولا أرى للصائح أن
يقبل من أحد مثل الثمن الذى قد أعطاه غيره
إلا أن يكونا جميعاً قد أعطياه فيه ديناراً معاً
فهما فیه شریکان (١).
خيار العيب في بيع المزايدة:
١٣- ذهب الفقهاء إلی أن خیار العیب یثبت
بحكم الشرع ولو لم يشترطه المشتري لأن
الأصل في البيع السلامة.
وبيع المزايدة من البيوع التي يثبت فيها
خيار العيب كبقية البيوع.
وينظر تفصيل ذلك في (خيار العيب
ف ٢٠ - ٢٥).
المطالب بخيار العيب في بيع المزايدة:
١٤ - نص المالكية على أن الرجوع بخيار
العيب يكون على أصحاب السلع، جاء في
المدونة: أفرأيت الذي يبيع فیمن یزید یستأجر
على الصياح، فيوجد من ذلك مسروق أو
خرق أو عيب، قال: ليس عليه ضمان، وإنما
هو أجير آجر نفسه وبدنه، وإنما وقعت العهدة
على أرباب السلع فليتبعوهم، فإن وجدوا
(١) البيان والتحصيل ٤٧٥/٨
- ٩٠ -

مُزَايَدَة ١٤ -١٧
أربابها وإلا لم يكن عليه تباعة (١).
دعوى الغبن في المزايدة:
١٥- مشهور المذهب عند المالكية أنه لا حق
لمدعى الغبن في الرجوع على البائع ولو كان
الغبن خارجاً عن المعتاد إلا إذا توافرت ثلاثة
شروط هي:
أ- أن يكون المغبون جاهلاً بثمن المثل في
السوق لما باعه أو اشتراه، أما العارف بالقيم
فلا یختلف في إمضائه علیه لأنه - كما قال
المازري - إنما فعله لغرض، وأقل مراتبه أن
یکون کالواهب لماله.
ب- أن يدعي قبل مضي سنة من يوم العقد،
وقد نص الوزاني في إحدى فتاويه على عدم
التفريق بين بيع المزايدة وغيره، وأيد فتواه
بكلام نقله عن ابن عرفة في ذلك، وذكر
التسولي أنه لا يسمع الادعاء بالغبن في بيع
المزايدة، لما يتوافر فيه من الإشهار وحضور
المتزايدين، قال ابن عات من المالكية: إن
أكرى ناظر الحبس (الوقف) على يد القاضي
ريع الحبس بعد النداء عليه والاستقصاء ثم
جاءت زيادة لم يكن له نقض الكراء، ولا
قبول الزيادة إلا أن يثبت بالبينة أنّ في الكراء
غبنا على الحبس فتقبل الزيادة ولو ممن كان
(١) المدونة ٣٣٩/٣، ولباب اللباب لابن راشد القفصي
١٥٦
حاضراً، وإذا حصل التناكر في دعوى الجهل
فتقبل بينة من يدعى المعرفة، لأنها بينة ناقلة
عن الأصل الذي هو الجهل فتقدم (١).
ج- أن يكون الغبن فاحشا بحيث يزيد على
ثمن المثل قدر الثلث فأكثر.
ولم نجد لغير المالكية أن للغبن وحده
تأثيرا ما لم يقترن به التغرير، وهو لا يختلف
فيه الحكم بين المزايدة وغيرها عندهم.
النجش في المزايدة:
١٦- النجش في بيع المزايدة - كالنجش
في غيره من البيوع، حرام عند جمهور الفقهاء
لثبوت النهي عنه، لما فيه من خديعة المسلم،
وهو مكروه تحريما عند الحنفية إذا بلغت
السلعة قيمتها.
وفي حكمه التكليفي وحكمه الوضعي
تفصيل ينظر في مصطلح (بيع منهي عنه
ف١٢٨).
مشاركة الدلال في الشراء مع بعض من يزيد
دون علم البائع:
١٧- قال ابن تيمية: لا يجوز للدلال الذي هو
(١) الخطاب ٣٧١/٤، والمواق ٤٦٨/٤ - ٤٧٢، والمعيار
للونشريسي ٣٨/٥، وميارة على تحفة الحكام لابن عاصم
٣٨/٢، وتحفة الحذاق بنشر ما تضمنته لامية الزقاق
٣٠٣
- ٩١ -

مُزَايَدَة ١٧ - ١٨
٠٠٠
وكيل البائع في المناداة أن يكون شريكاً لمن
یزید بغير علم البائع، فإن هذا یکون هو الذي
يزيد ويشتري في المعنى، وهذا خيانة للبائع،
ومن عمل مثل هذا لم يجب أن يزيد عليه
أحد، ولم ينصح للبائع في طلب الزيادة وإنهاء
المناداة، ثم إن هذا يؤول إلى بيع الوكيل من
نفسه ما وكل ببيعه، وقد اختلف فيها الفقهاء
فمنعها الحنفية والمالكية، وأجازها الشافعية
بإذن المالك، لأن العرف في البيع أن يوجب
لغيره فحمل الوكالة علیه، ولأن إذن المو کل
يقتضي البيع ممن يستقصى في الثمن علیه،
وفي البيع لنفسه لا يستقصى في الثمن فلم
يدخل في الإذن وصرح ابن عبد البر باستثناء
ما لو اشترى بعض ما وكل ببيعه بسعره، وقال
ابن قدامة: ولا يجوز للو کیل أن یبیع لنفسه،
وعن أحمد رواية أنه يجوز إذا زاد على مبلغ
ثمنه في النداء أو وكل من يبيع وكان هو
أحد المشترين (١) وقال ابن تيمية أيضا: إذا
تواطأ جماعة من الدلالين على أن يشتركوا في
شراء ما يبيعونه، فإن على ولي الأمر أن
يعزرهم تعزيرا بليغا يردعهم وأمثالهم عن
هذه الخيانة، ومن تعزيرهم أن يمنعوا من
(١) تكملة فتح القدير ٦٩/٧، والكافي لابن عبد البر ٢/ ٧٩١،
وانظر المهذب مع تكملة المجموع ١٢٢/١٤، والمبدع
شرح المقنع ٣٦٧/٤، والمغني ١١٩/٥. ومجموع فتاوى
ابن تیمیة ٣٠٥/٢٩
مهنة الدلالة في السوق حتى تظهر
(١)
توبتهم (١).
التواطؤ على ترك المزايدة بعد سعر محدد:
١٨ - ذهب المالكية وتابعهم ابن تيمية إلى أن
التواطؤ على ترك المزايدة إن تم بين أحد
الحاضرين وآخر، بأن يسأله ترك المزايدة فهو
لا بأس به. ولو كان ذلك في نظير شيء من
المال يجعله لمن كف عن الزيادة، كما لو قال
له: کف عن الزیادة ولك دینار أو قال له: کف
عن الزيادة ونحن شريكان في السلعة، وذلك
لأن باب المزايدة مفتوح وإنما ترك أحدهما
مزايدة الآخر.
أما إن تم التواطؤ بين جميع الحاضرين
على الكف عن الزيادة فلا يجوز لما فيه من
الضرر على البائع. ومثل تواطؤ الجميع
تصرف من حكمهم كمجموعة متحكمة في
سوق المزايدة أو شيخ السوق.
والهدف من التواطؤ قد يكون الاشتراك
بينهم في تملك السلعة المبيعة بأقل من قيمتها
لاقتسامھا بینھم، وقد یکون بتخصيص
سلعة لكل واحد منهم، ليشتريها بأقل من
قيمتها دون منازعة الآخرين له، وفي الحالتين
ضرر بالبائع وبخس لسلعته قال الله تعالى :
(١) مجموع فتاوى ابن تيمية ٣٠٥/٢٩
- ٩٢ -

مُزَآَيَدَةٍ ١٨، مَزْبَلة ، مُزْدَلِفَة ١
﴿وَلَا تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَآءَ هُمْ﴾(١) فإن وقع
التواطؤ الممنوع خير البائع بين الرد
والإمضاء، فإن هلكت السلعة فله الأكثر من
.(٢)
الثمن والقيمة (٢).
مَزْبَلة
انظر: زبل
(١) سورة هود / ٨٥
(٢) فتاوى ابن تيمية ٣٠٤/٢٩، والشرح الصغير للدردير
١٠٦/٣، والتيسير في أحكام التسعير للمجيلدي ٨٧
مُزْدَلِفَة
التعريف:
١ - قال أهل اللغة: الزلفة والزلفى: القربة
والحظوة، وأزلفه: قربه، وفي الحديث:
((ازدلف إلى الله بركعتين)) ومنه: مزدلفة سميت
بذلك لاقترابها إلى عرفات.
وقيل: سميت بذلك لا جتماع الناس بها،
من قولهم: أزلفت الشيء جمعته.
وحدّها في الاصطلاح: هي مكان بين
مأزمي عرفة ووادي محسّر، وبعضهم يقول: ما
بين مأزمي عرفة إلى قرن محسّر، فما على
یمین ذلك وشماله من الشعاب فهو منی.
قال الإمام النووي: قال أصحابنا: المزدلفة
ما بين وادي محسر ومأزمي عرفة، ولیس
الحدان منها، ويدخل في المزدلفة جميع تلك
الشعاب القوابل والظواهر والجبال الداخلة في
الحد المذكور (١).
(١) المصباح المنير، والمفردات للأصفهاني، وحاشية
ابن عابدين ١٧٦/٢، ومغني المحتاج ٤٩٧/١، والمغني
لابن قدامة ٤٢١/٣، والمطلع على أبواب المقنع ص ١٩٥،
وتفسير القرطبي ٤٢١/٢، والمجموع للنووي ١٢٨/٨
- ٩٣ -

مُزْدَلَفَة ٢- ٤
الألفاظ ذات الصلة:
أ- منی:
٢- منی: موضع قرب مکة، ويقال: بینه وبین
مكة المكرمة ثلاثة أميال، ينزله الحجاج أيام
التشریق، وسمي منی لما یمنی به من الدماء
أي يراق، وأمنى الرجل أو الحاج بالألف: أتى
(١)
منی (١).
والصلة بين المزدلفة وبين منى أن كلا
منهما من مناسك الحج.
ب- المشعر الحرام:
٣- المشعر، بفتح الميم في المشهور وحکي
كسرها: جبل صغير آخر مزدلفة، اسمه قُزح
بضم القاف وبالزاي.
وسمي مشعراً: لما فيه من الشعائر وهي
معالم الدين وطاعة الله تعالى، ووصف بالحرام
لأنه يحرم فيه الصيد وغيره، ويجوز أن يكون
. (٢)
معناه ذو الحرمة
والصلة بينه وبين مزدلفة أنه جزء منها، أو
جميع المزدلفة وعلى هذا فهو مرادف
(٣)
للمزدلفة (٣).
(١) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والمجموع للنووي
١٢٩/٨
(٢) تفسير القرطبي ٤٢١/٢، والمجموع للنووي ١٣٠/٨.
(٣) المجموع ٨/ ١٥٢.
الأحكام المتعلقة بمزدلفة:
المبيت في مزدلفة للحاج:
٤- اختلف الفقهاء في حكم المبيت في مزدلفة
للحاج ليلة النحر.
فذهب جماعة إلى أنه فرض، ومن هؤلاء
من أئمة التابعين: علقمة والأسود والشعبي
والنخعي، والحسن البصري رحمهم الله، كما
ذهب إليه من أئمة المذهب الشافعي: أبو عبد
الرحمن ابن بنت الشافعي، وأبو بكر بن
خزيمة، والسبكى قالوا: المبيت بمزدلفة فرض
أو رکن لا يصح الحج إلا به، كالوقوف
بعرفة (١).
واحتجوا بالحديث المروي عن النبي ◌َليق
أنه قال: «من فاته المبيت بالمزدلفة فقد فاته
(٢)
الحج)) (٢).
وذهب الشافعية في الأصح، والحنابلة إلى
أنه واجب وليس بركن، فلو تركه الحاج
صح حجه وعليه دم (٣)، لحديث: ((الحج
يوم عرفة، من جاء قبل الصبح من ليلة جمع
(١) بدائع الصنائع ١٣٥/٢، والمجموع للنووي ١٣٤/٨،
١٥٠، وروضة الطالبين ٩٩/٣، ومغني المحتاج ٤٩٩/١
(٢) حديث: ((من فاته المبيت بالمزدلفة ... »
أورده النووي في المجموع (٨/ ١٥٠) ثم قال: ليس بثابت ولا
معروف» ولم يعزه إلى أي مصدر.
(٣) المجموع للنووي ١٢٣/٨ - ١٥٠، والمغني لابن قدامة
٤٢١/٣ وما بعدها.
- ٩٤ -

مُزْدَلفة ٤-٥
فتم حجه)) (١)، يعني: من جاء عرفة.
٥- ويحصل المبيت بالمزدلفة بالحضور في
أية بقعة كانت من مزدلفة، لحديث: ((مزدلفة
كلها موقف، وارتفعوا عن بطن محسر)) (٢).
كما أن هذا المبيت يحصل عند الشافعية
والحنابلة بالحضور في مزدلفة في ساعة من
النصف الثاني من ليلة النحر، وأنه لو دفع من
مزدلفة بعد نصف الليل أجزأه وحصل المبيت
ولا دم عليه، سواء كان هذا الدفع لعذر أم لغير
عذر، وأنه لو دفع من مزدلفة قبل نصف الليل
ولو بيسير ولم يعد إليها فقد ترك المبيت، فإن
عاد قبل طلوع الفجر أجزأه المبيت ولا شيء
عليه، ومن لم يوافق مزدلفة إلا في النصف
الأخير من الليل فلا شيء عليه (٣).
ووجوب الدم بترك المبیت خاص فیمن
تر کہ بلا عذر، أما من تر که لعذر کمن انتھی
إلى عرفات ليلة النحر واشتغل بالوقوف بعرفة
عن المبيت بالمزدلفة فلا شيء عليه، وكالمرأة
لو خافت طروء الحيض أو النفاس، فبادرت
إلى مكة بالطواف، وكمن أفاض من عرفات
إلى مكة وطاف للركن ولم يمكنه الدفع إلى
المزدلفة بلا مشقة ففاته المبيت وكالرعاة
والسقاة فلا دم عليهم لترك المبيت (١)، لأن
النبي ◌َّ: رخص للرعاة في ترك المبيت
لحديث عدي رضي الله عنه: ((أن رسول الله
وَلّ أرخصَ لرعاء الإبل في البيتوتة خارجين
عن منى)) (٢)، وأن العباس بن عبد المطلب
استأذن رسول الله وَّر، أن يبيت بمكة ليالي
منی، من أجل سقایته، فأذن له (٣).
وقال المالكية: يندب المبيت بمزدلفة بقدر
حط الرحال، سواء حطت بالفعل أم لا، وإن
لم ينزل فيها بهذا القدر حتى طلع الفجر بلا
عذر وجب علیه دم، أما إن ترکه بعذر فلا
شيء عليه (٤).
(١) حديث: ((الحج عرفة، من جاء قبل الصبح من ليلة ... ))
أخرجه أبو داود (٤٨٦/٢)، والترمذي (٢٢٨/٣)، والحاكم
في المستدرك (٢٧٨/٢)، واللفظ لأبي داود، ونقل الترمذي
عن وكيع أنه قال: «هذا الحدیث أم المناسك»، وقال
الحاكم: ((هذا حديث صحيح).
(٢) حديث: ((مزدلفة كلها موقف، وارتفعوا ... ))
أخرجه أحمد في المسند (٢١٩/١)، والطبراني في «المعجم
الكبير» (٤٢٤/١١)، واللفظ للطبراني، وقال أحمد محمد
شاكر في تعليقه على مسند الإمام أحمد (٢٧٤/٣): «إسناده
صحیح)).
(٣) المجموع للنووي ١٣٥/٨، والمغني لابن قدامة ٤٢٢/٣
(١) المجموع للنووي ١٣٦/٨، ومغني المحتاج ١/ ٥٠٠،
و كشاف القناع ٤٩٧/٢
(٢) حديث: ((أرخص لرعاء الإبل في البيتوتة ... ))
أخرجه مالك في الموطأ (٤٠٨/١)، وأبو داود (٤٩٨/٢)
والترمذي (٢٨١/٣) واللفظ لمالك، وقال الترمذي:
(حديث حسن صحيح)).
(٣) حديث: ((رخص النبي ◌َّ للعباس رضي الله عنه .. ))
أخرجه البخاري ((فتح الباري)) (٤٩٠/٣ -٤٩١)، ومسلم
(٩٥٣/٢).
(٤) جواهر الإكليل ١/ ١٨٠ - ١٨١، والقوانين الفقهية
ص ١٣٢.
- ٩٥ -

مُزدلفة ٥-٧
وعند الحنفية: المبيت في مزدلفة ليلة النحر
سنة مؤكدة إلى الفجر، لا واجبة (١).
قال الكاساني: والسنة أن يبيت ليلة النحر
بمزدلفة والبيتوتة ليست بواجبة إنما الواجب
هو الوقوف، والأفضل أن یکون وقوفه بعد
الصلاة، فيصلي صلاة الفجر بغلس، ثم يقف
عند المشعر الحرام فيدعو الله تعالى ويسأله
حوائجه إلى أن يسْفر، ثم يفيض منها قبل
طلوع الشمس إلى منى (٢).
تقديم النساء والضعفة إلى منى:
٦- ذهب الفقهاء إلى أنه من السنة تقديم
الضعفاء من النساء وغيرهن من مزدلفة إلى
منى قبل طلوع الفجر بعد نصف الليل، ليرموا
جمرة العقبة قبل زحمة الناس (٣)، لحديث
عائشة رضي الله عنها قالت: ((استأذنت سودة
رسول الله ( # ليلة المزدلفة تدفع قبله،
وقبل خطمة الناس، وكانت امرأة ثبطة فأذن
لها)» (٤)، وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال:
(١) بدائع الصنائع ١٣٦/٢، ورد المحتار على الدر المختار
١٧٨/٢ وما بعدها.
(٢) بدائع الصنائع في ترتيب الشرائع ١٣٦/٢، ورد المحتار
على الدر المختار ١٧٨/٢ وما بعدها.
(٣) بدائع الصنائع ١٣٦/٢، وحاشية ابن عابدين ١٧٨/٢،
وجواهر الإكليل ١/ ١٨٠، والمجموع للنووي ١٣٩/٨ -
١٤٠، ومغني المحتاج ١/ ٥٠٠، وروضة الطالبين ٩٩/٣،
والمغني لابن قدامة ٤٢٢/٣، وكشاف القناع ٢/ ٤٩٧
(٤) حديث: ((استأذنت سودة رسول الله (﴾ ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٢٦/٣)، ومسلم (٩٣٩/٢)
(«أنا ممن قدّم النبي ◌َّ ليلة المزدلفة في ضعفة
أهله)) (١).
الجمع بين صلاتي المغرب والعشاء في
المزدلفة:
٧- ذهب الفقهاء إلى مشروعية الجمع بين
المغرب والعشاء للحاج في مزدلفة ليلة النحر،
إلا أنهم اختلفوا في بعض التفاصيل.
فذهب الحنفية إلى أن الحاج يصلي
المغرب والعشاء في مزدلفة جمعا بأذان
وإقامة، لأن العشاء في وقتها فلا تحتاج
للإعلام فيقتصر على إقامة واحدة، ولا يشترط
لهذا الجمع عندهم جماعة، فلو صلاهما
منفردا جاز ولكن الجماعة فيه سنة.
وللجمع بمزدلفة عندهم شروط هي:
لـ الإحرام بالحج.
ب- تقديم الوقوف بعرفة عليه.
ج- الزمان، والمكان، والوقت، فالزمان ليلة
النحر، والمكان مزدلفة، والوقت وقت العشاء
ما لم يطلع الفجر، فلا يجوز هذا الجمع لغير
المحرم بالحج، ولا في غير الزمان والمكان
والوقت المذكور.
فلو صلى المغرب والعشاء فى عرفات أو
في الطريق أعادهما، لحديث أسامة بن زيد
(١) حديث: ((أنا ممن قدّم النبي ◌َّ ليلة المزدلفة .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٢٦/٣)، ومسلم (٢/ ٩٤١)
- ٩٦ -

مُزْدَفَة ٧
رضي الله عنهما قال: ((دفع رسول الله (ێ﴾ من
عرفة، فنزل الشعب فبال، ثم توضأ ولم يسبغ
الوضوء فقلت له: الصلاة فقال: الصلاة
أمامك فجاء المزدلفة فتوضأ فأسبغ، ثم
أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل
إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة،
فصلى ولم يصل بينهما)) (١).
قال الشهاوي من الحنفية: هذا فيما إذا
ذهب إلى المزدلفة من طريقها، أما إذا ذهب
إلى مكة المكرمة من غير طريق المزدلفة جاز
له أن يصلي المغرب في الطريق (٢).
وقال المالكية: إذا غربت الشمس يوم عرفة
دفع الإمام والناس معه إلى المزدلفة وجمع
الإمام والناس معه المغرب والعشاء بمزدلفة
جمع تأخير وقصروا العشاء، إلا أهل المزدلفة
فيتمونها مع جمعها بالمغرب، والمذهب أن
هذا كله سنة إن وقف مع الإمام، فإن لم يقف
معه بأن لم يقف أصلا، أو وقف وحده فلا
يجمع، لا بالمزدلفة ولا بغيرها ويصلي كل
صلاة في مختارها من غير جمع.
وإن عجز من وقف بعرفة مع الإمام عن
السير معه، لضعفه أو ضعف دابته، فيجمع
(١) حديث: ((دفع رسول الله وّ﴾ من عرفة ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٢٣/٣).
(٢) رد المحتار على الدر المختار ١٧٦/٢ - ١٧٩
بينهما بعد مغيب الشفق الأحمر في مزدلفة أو
قبلها إن كان وقف بعرفة ونفر منها مع الإمام
وتأخر عنه لعذر به (١).
وإن قدم العشاءين على الشفق الأحمر، أو
على النزول بمزدلفة أعادهما ندبا إن صلاهما
بعد الشفق قبل وصوله مزدلفة، ووجوبا إن
قدمهما على الشفق بالنسبة لصلاة العشاء،
لأنها باطلة، لصلاتها قبل وقتها، أما المغرب
فیعیدها ندبا إن بقي وقتها.
وذكر ابن حبيب من المالكية: أنه إذا صلى
في المزدلفة فلا يعيد، وإنما الإعادة عنده لمن
صلى قبل المزدلفة (٢)، لقول النبي وثيقة:
((الصلاة أمامك)).
وقال الشافعية: السنة أن يؤخر الحجاج
صلاة المغرب ويجمعوا بينها وبين العشاء في
المزدلفة في وقت العشاء ما لم يخش الحاج
فوات وقت الاختيار للعشاء، وهو ثلث الليل
في أصح القولين، ونصفه في القول الآخر.
وجواز الجمع بينهما بمزدلفة في وقت
العشاء للحاج المسافر دون غيره، لأن الجمع
عندهم بسبب السفر لا بسبب النسك.
قالوا: والسنة إذا وصلوا مزدلفة أن يصلّوا
(١) جواهر الإكليل ١/ ١٨٠ - ١٨١، والقوانين الفقهية
ص ١٣٢.
(٢) جواهر الإكليل ١٨١/١
- ٩٧ -

مُزْدَلَفَة ٧
قبل حط الرحال وینیخ كل إنسان جمله
ویعقله، ثم يصلون(١)، لحديث أسامة بن زيد
رضي الله عنهما ((أن النبي ◌ُّ لما جاء
المزدلفة توضأ، ثم أقيمت الصلاة فصلى
المغرب ثم أناخ كل إنسان بعيره في منزله ثم
أقيمت العشاء فصلاها ولم يصل بينهما
شیئا)).
قال الشافعي: ولو ترك الجمع بينهما
وصلى كل واحد في وقتها أو جمع بينهما في
وقت المغرب أو جمع وحده لا مع الإمام، أو
صلى إحداهما مع الإمام والأخرى وحده
جامعا بينهما، أو صلاهما في عرفات، أو في
الطريق قبل المزدلفة جاز، وفاتته الفضيلة.
وإن جمع بينهما في المزدلفة في وقت
العشاء أقام لكل واحدة منهما، ولا يؤذن
للثانية، ويؤذن للأولى في الأصح (٢)، لحديث
جابر رضي الله عنه: ((أن النبي وَلي أتى
المزدلفة، فصلى بها المغرب والعشاء بأذان
واحد وإقامتین، ولم يسبّح بينهما شيئا، ثم
اضطجع حتى طلع الفجر وصلى الفجر)) (٣).
وقال الحنابلة: السنة لمن دفع من عرفة أن
(١) المجموع للنووي ١٣٣/٨ - ١٣٤، ومغني المحتاج
٤٩٨/١، وروضة الطالبين ٩٨/٣ - ١٠٠
(٢) المجموع للنووي ١٣٣/٨ وما بعدها.
(٣) حديث: ((أن النبي ◌َّل﴿ أتى المزدلفة .. ))
أخرجه مسلم (٨٩١/٢)
لا يصلي المغرب حتى يصل مزدلفة، فيجمع
بين المغرب والعشاء ويقيم لكل صلاة إقامة
لحديث أسامة بن زيد رضي الله عنهما قال:
((دفع رسول الله وَلخير من عرفة حتى إذا كان
بالشعب نزل فبال، ثم توضأ فقلت له: الصلاة
يارسول الله، قال: الصلاة أمامك فرکب فلما
جاء مزدلفة نزل، فتوضأ فأسبغ الوضوء، ثم
أقيمت الصلاة فصلى المغرب، ثم أناخ كل
إنسان بعيره في منزله، ثم أقيمت الصلاة
فصلی، ولم یصلّ بينهما)).
وروي هذا القول عن ابن عمر رضي الله
عنهما.
وإن جمع بينهما بإقامة الأولى فلا بأس،
يروى ذلك عن ابن عمر أيضاً، وبه قال
الثوري، لما روى ابن عمر قال: (( جمع رسول
الله ◌َالقر بين المغرب والعشاء بجمع: صلى
المغرب ثلاثًا والعشاء ركعتين بإقامة
واحدة)) (١)، وإن أذن للأولى وأقام ثم أقام
للثانية فحسن، فإنه یروی في حديث جابر،
وهو متضمن للزيادة، وهو معتبر بسائر
الفوائت والمجموعات، وهو قول ابن المنذر
وأبي ثور، والذي اختار الخرقي إقامة لكل
صلاة من غير أذان، قال ابن المنذر: وهو آخر
(١) حديث: ((جمع رسول الله وَّه بين المغرب والعشاء .. ))
أخرجه مسلم (٢/ ٩٣٨)
- ٩٨ -

مُزْدَلفَة ٧-٨
قولي أحمد، لأنه رواية أسامة رضي الله عنه،
وهو أعلم بحال النبي پڼ فإنه كان رديفه، وقد
اتفق هو وجابر رضي الله عنهما في حديثهما
على إقامة لكل صلاة. ،واتفق أسامة وابن عمر
رضي الله عنهم على الصلاة بغير أذان (١).
الوقوف في المشعر الحرام والدعاء فيه:
٨ - يرى جمهور الفقهاء أنه يستحب للحاج
بعد بياته بمزدلفة في ليلة النحر أن يصلي
صلاة الفجر مغلسا في أول وقتها (٢)، لحديث
جابر رضي الله عنه في صفة حج النبي ◌َّر وفيه
: ((حتى أتى المزدلفة فصلى بها المغرب
والعشاء بأذان واحد وإقامتين ولم يسبِّح بينهما
شيئا، ثم اضطجع حتى طلع الفجر، وصلى
الفجر حين تبين له الصبح بأذان وإقامة، ثم
ركب حتى أتى المشعر الحرام، فاستقبل
القبلة، فدعا الله تعالی و کبره وهلله فلم يزل
واقفا حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع
(٣)
الشمس)» (٣).
ثم يأتي الحاج المشعر الحرام (جبل قزح)
ويقف عنده فيدعو الله سبحانه وتعالى ويحمده
(١) المغني ٤١٩/٣ ط. الرياض.
(٢) جواهر الإكليل ١/ ١٨١، والمجموع للنووي ١٢٣/٨،
١٤١، ١٤٢، ومغني المحتاج ٤٩٩/١ -٥٠١، والمغني
لابن قدامة ٣/ ٤٢٠ - ٤٢١، وكشاف القناع ٤٩٦/٢-٤٩٨
(٣) حديث جابر ...
سبق تخريجه ف (٧)
ويكبره ويهلله، ويوحده، ويكثر من التلبية،
ومن الذكر، لما رواه جابر رضي الله عنه: ((أن
النبي ◌َّر أتى المشعر الحرام فرقی علیه فدعا
(١)
الله وهلله و کبره و وحده))
ويدعو الله بما أحب، ويختار الدعوات
الجامعة والأمور المبهمة ويكرر دعواته،
ويستحب أن یکون من دعائه: اللهم كما وقفتنا
فيه وأريتنا إياه فوفقنا بذكرك كما هديتنا
واغفر لنا وارحمنا كما وعدتنا بقولك
وقولك الحق ﴿فَإِذَا أَفَضْتُمْ مِنْ عَرَفَاتٍ
فَأَذْكُرُواْ اللَّهَ عِندَ الْمَشْعَرِ الْحَرَاءِ وَأَذْكُرُوهُ
كَمَاهَدَنكُمْ وَإِن كُنتُم ◌ِنْ قَبْلِهِ، لَمِنَ
الضَّالِينَ (٨) ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ
النَّاسُ وَأَسْتَغْفِرُواْاللّهَ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ
(٢).
ويكثر من قوله: ((اللهم آتنا في الدنيا حسنة
وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار))، ثم لا
يزال يدعو مستقبلا القبلة رافعا يديه إلى
السماء إلى أن يسفر جدا (٣)، لحديث
جابر رضي الله عنه: ((فلم يزل واقفا حتى
(٤)
أسفر جدا)) (٤).
(١) حديث جابر: ((أن النبي ◌َّ أتى المشعر الحرام فرقى عليه .. »
أخرجه مسلم (٨٩١/٢)
(٢) سورة البقرة/ ١٩٨ -١٩٩
(٣) انظر المراجع السابقة كلها.
(٤) حديث جابر ..
سبق تخريجه ف (٧).
- ٩٩ -

مُزْدَلَفَةٍ ٩-١٠
٩- ولو فاتت سنة الوقوف عند المشعر الحرام
لم تجبر بدم عند الجمهور كسائر الهيئات
والسنن، ولا إثم على الحاج بهذا الترك، وإنما
فاتته الفضيلة.
ولا تحصل هذه الفضيلة بالوقوف فيه قبل
صلاة الصبح، لأنه خلاف السنة.
١٠- والسنة الدفع من المشعر الحرام إلى منى
قبل طلوع الشمس، ويكره تأخير السير منه
حتى تطلع الشمس (١)، لحديث جابر
رضي الله عنه: ((أن النبي ◌َّر لم يزل واقفا حتى
أسفر جدا فدفع قبل أن تطلع الشمس)» (٢).
قال عمر رضي الله عنه: ((إن المشركين
كانوا لا يفيضون حتى تطلع الشمس ويقولون:
أشرق ثبيركيما نغير، وأن رسول الله وله
خالفهم فأفاض قبل أن تطلع الشمس)) (٣)
وعن نافع أن عبد الله بن الزبير رضي الله عنهما
أخر في الوقت حتى كادت الشمس تطلع،
فقال ابن عمر رضي الله عنهما: إني أراه يريد
أن يصنع كما صنع أهل الجاهلية فدفع ودفع
(٤)
الناس معه (٤).
وقال النووي وقد استبدل الناس بالوقوف
على قزح ((المشعر الحرام)) الوقوف على بناء
مستحدث فى وسط المزدلفة، وفي حصول
أصل هذه السنة بالوقوف في ذلك المستحدث
وغيره من مزدلفة مما سوى قزح وجهان:
أحدهما: لا يحصل به، لأن النبي ◌َّل﴾ وقف
على قزح وقد قال علي: (لتأخذوا عني
مناسككم)) (١)، والثاني: وهو الصحيح بل
الصواب أنها تحصل، وبه جزم القاضي أبو
الطيب في كتابه المجرد، والرافعي وغيره،
لحديث جابر رضي الله عنه أن رسول الله الدم
قال: ((نحرت ههنا ومنى كلها منحر، فانحروا
في رحالكم ووقفت ههنا وعرفة كلها موقف
ووقفت ههنا وجمع كلها موقف)) (٢)، وجمع
هي المزدلفة والمراد: وقفت على قزح (٣)،
وجميع المزدلفة موقف لكن أفضلها قزح،
كما أن عرفات كلها موقف وأفضلها موقف
رسول الله ◌َلة عند الصخرات.
وذهب الحنفية إلى أن الوقوف بمزدلفة
(١) مغني المحتاج ٤٩٩/١ - ٥٠١، والمجموع ١٢٣/٨،
١٤٢، ١٥١، وجواهر الإكليل ١/ ١٨١، والقوانين الفقهية
ص ١٣٢، والمغني ٤٢٣/٣
(٢) سبق تخريجه ف (٧)
(٣) حديث: ((إن المشركين كانوا ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٣١/٣).
(٤) الأثر: ((إن عبد الله بن الزبير أخر في الوقت حتى كادت=
= الشمس أن تطلع .. ))
أورده ابن قدامة في المغني (٤٢٣/٣) ولم يعزه لأي مصدر
ولم نھتد لمن أخرجه.
(١) حديث: ((لتأخذوا عني مناسككم))
أخرجه مسلم (٢ / ٩٤٣).
(٢) حديث جابر: ((نحرت ههنا ومنى كلها منحر ... ))
أخرجه مسلم (٨٩٣/٢)
(٣) المجموع ٨/ ١٤١ _ ١٤٢، وانظر المغني ٤٢٣/٣
- ١٠٠ -