Indexed OCR Text

Pages 61-80

مُزَارَعَة ١٧ -١٩
جاز له إخراجهم منها (١).
شروط المزارعة عند الشافعية:
١٨ - لا يجيز الشافعية المزارعة إلا إذا كانت
على البياض الذي يكون بين النخيل أو العنب
الذي تمت المساقاة عليه وأن تكون تبعا لعقد
المساقاة.
وحتى تتحقق هذه التبعية اشترطوا ما يلى:
أ- اتحاد العامل: ومعنى اتحاد العامل أن يكون
عامل المساقاة هو عامل المزارعة نفسه، فإذا كان
مختلفا لا يجوز عقد المزارعة، لأن إفراد
المزارعة بعامل يخرجها عن التبعية.
ب- تعسر الإفراد: ومعناه أن يتعسر إفراد
النخيل أو العنب محل المساقاة، وإفراد البياض
بالزراعة، لأن التبعية إنما تتحقق حينئذ بخلاف
تعسر أحدهما.
ج- اتصال العقدين: ومعناه أن لا يفصل
العاقدان بين المساقاة والمزارعة التابعة لها، بل
يأتيان بهما على الاتصال لتحصل التبعية.
ويشترط اتحاد العقد بأن يشملهما عقد
واحد حتى تتحقق التبعية، فلو قال صاحب
الأرض للعامل: ساقيتك على النصف، فقال
له: قبلت، ثم زارعه صاحب الأرض على
البياض، لا تصح المزارعة، لأن تعدد العقد
يزيل التبعية، هذا هو الصحيح في المذهب.
(١) المغني ٤٠٤/٥، ٤٠٥، وكشاف القناع ٥٣٧/٣
وفي مقابل الصحيح عندهم يجوز الفصل
بين العقدين لحصولهما لشخص واحد.
د- تقدم المساقاة على المزارعة عند التعاقد:
فالأصح عند الشافعية اشتراط تقدم المساقاة
على المزارعة فلا تتقدم المزارعة على المساقاة،
بأن يأتي بالمساقاة عقبها، لأن التابع -المزارعة-
لا يتقدم على المتبوع وهو المساقاة.
ومقابل الصحيح، يجوز تقديم المزارعة
على المساقاة ولكنها تنعقد موقوفة على انعقاد
المساقاة فإن عقدا المساقاة بعدها بان صحتها،
وإلا لا تصح المزارعة (١).
الشروط المفسدة للمزارعة:
١٩ - الشروط المفسدة للمزارعة هي:
أ- شرط كون المحصول الناتج من الأرض كله
لأحد المتعاقدين فقط، سواء أكان لرب الأرض
أم كان للمزارع، وهذا باتفاق الفقهاء(٢)، لأن
هذا الشرط يقطع الشركة التي هي من
خصائص عقد المزارعة.
ب- الشرط الذي يؤدي إلى جهالة نصيب كل
من المتعاقدين، أو يشترط أحدهما لنفسه كمية
محددة من المحصول، أو زرع ناحية معينة
(١) نهاية المحتاج ٢٤٥/٥، ٢٤٦، ومغني المحتاج ٣٢٣/٢،
٣٢٤، والأم ٢٣٩/٣، وحاشية البجيرمي على شرح منهج
الطلاب ١٦٣،١٦٢/٣
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٠، وحاشية الدسوقي ٣٧٣/٣،
وكشاف القناع ٣ / ٥٤٤
- ٦١ -

مُزَارَعَة ١٩
وللآخر زرع الناحية الأخرى، وهذا باتفاق
الفقهاء أيضاً(١)، لأن هذا الشرط يعود إلى
جهالة المعقود علیه، فأشبه البيع بثمن مجهول،
والمضاربة مع جهالة نصيب أحدهما، والإجارة
مع جهالة الأجرة، كما أنه يقطع الشركة بين
المتعاقدين، إذ من الجائز ألا تخرج الأرض إلا
القدر الذي اشترطه أحدهما له.
ج- شرط العمل على صاحب الأرض وحده،
أو اشتراکه مع المزارع في العمل، وقد نص
على هذا الشرط الحنفية والحنابلة(٢).
أما عند المالكية فالمزارعة شر کة بین اثنین أو
أكثر في كل شىء من أرض وعمل ونفقات
وغير ذلك(٣).
ووجه عدم جواز اشتراط هذا الشرط، أنه
يمنع التخلية بين الأرض والمزارع وكل شرط
يمنع من ذلك یکون فاسدا كما سبق.
أما لو استعان المزارع بصاحب الأرض في
العمل فأعانه علیه، فإن ذلك یکون جائزا على
سبيل التبرع منه فقط (٤).
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٠، والمبسوط ٦١/٢٣، والمغني
٤٢٦/٥، ٤٢٧، ومنتهى الإرادات ١/ ٤٧٤، ٤٧٥، وكشاف
القناع ٥٤٤/٣، والدسوقي ٣٧٣/٣
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٠، وتكملة البحر الرائق ٨/ ١٨٢،
والفتاوى الهندية ٢٣٦/٥، والمغني ٤٢٣/٥، والمقنع
١٩٢/٢، ١٩٣
(٣) حاشية الدسوقي ٣٧٢/٣
(٤) المبسوط ٢٨/٢٣
د- شرط كون الماشية على صاحب الأرض،
لأن فيه جعل منفعة الماشية معقودا عليها
مقصودة في باب المزارعة ولا سبیل إلیه، نص
على ذلك الحنفية (١).
هـ- شرط الحمل والحفظ على المزارع بعد
قسمة المحصول بينه وبين صاحب الأرض،
لأن هذا ليس من عمل المزارعة، نص على ذلك
الحنفية والحنابلة(٢).
و- شرط حفظ الزرع على صاحب الأرض
قبل الحصاد، لأن هذا يمنع التخلیة بین الأرض
والعامل وهذا مفسد للمزارعة - كما سبق-
نص على ذلك الحنفية والحنابلة(٣).
ز- شرط الحصاد والرفع إلى البيدر (٤)،
والدياس، والتذرية على العامل، لأن الزرع لا
يحتاج إليه إذ لا يتعلق به نماؤه وصلاحه(٥).
والأصل أن كل عمل يحتاج الزرع إليه قبل
تناهیه وإدراکه وجفافه مما یرجع إلى إصلاحه،
من السقي والحفظ وقلع الحشاوة، وحفر
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٠، وتكملة البحر الرائق ١٨٢/٨،
والمبسوط ٢٢/٢٣، والفتاوى الهندية ٢٣٦/٥
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٠، وتكملة البحر الرائق ١٨٦/٨،
ومنتهى الإرادات ٤٧٣/١، المقنع ١٩٤/٢
(٣) المبسوط ١٠٩/٢٣، ومنتهى الإرادات ١/ ٤٧٣، والمقنع
١٩٤/٢
(٤) البيدر هو: الجرن (المعجم الوسيط).
(٥) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٠، وتبيين الحقائق ٢٨٣/٥، وتكملة
البحر الرائق ١٨٦/٨، وحاشية ابن عابدين ٢٨١/٦،
والمبسوط ٣٦/٢٣، والفتاوى الهندية ٢٣٦/٥
- ٦٢ -

مُزَارَعَة ١٩
الأنهار الداخلية، وتسوية المسناة(١) فعلى
المزارع، لأن ما هو المقصود من الزرع وهو
النماء لا يحصل بدونه عادة، فكان من توابع
المعقود عليه فكان من عمل المزارعة، فيكون
على المزارع.
وكل عمل يكون بعد تناهي الزرع وإدراكه
وجفافه قبل قسمة الحب مما يحتاج إليه
لخلوص الحب وتنقيته يكون بينهما على شرط
الخارج، أي يتحمل من نفقاته بنسبة ما يستحقه
من المحصول، لأنه ليس من عمل المزارعة.
وكل عمل يكون بعد القسمة من الحمل
ونحوه مما يحتاج إليه لإحراز المقسوم فعلى كل
واحد منهما في نصيبه، لأن ذلك مؤنة ملكه
فیلزمه دون غیرہ(٢).
وروي عن أبي يوسف أنه أجاز شرط
الحصاد والرفع إلى البيدر والدياس والتذرية
على الزارع، لتعامل الناس على ذلك(٣)،
وعليه الفتوى (٤)، وهو مذهب الحنابلة(٥)
وابن القاسم من المالكية(٦).
(١) المسناة: سد يبنى لحجز ماء السيل أو النهر به مفاتح للماء
تفتح على قدر الحاجة (المعجم الوسيط).
(٢) المراجع السابقة للحنفية.
(٣) بدائع الصنائع ١٨١/٦، وتبيين الحقائق ٢٨٣/٥، والمبسوط
٣٦/٢٣، وتكملة البحر الرائق ١٨٦/٨، والفتاوى الهندية
٢٣٧/٥
(٤) حاشية ابن عابدين ٦/ ٢٨٢
(٥) منتهى الإرادات ١/ ٤٧٣، وكشاف القناع ٥٤٤/٣
(٦) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ٤٩٦/٣
ح- اشتراط صاحب الأرض على المزارع عملا
يبقى أثره ومنفعته إلى ما بعد مدة المزا عة،
كبناء حائط وحفر النهر الكبير ورفع المسناة
ونحو ذلك مما يبقى أثره ومنفعته إلى ما بعد
انقضاء عقد المزارعة، لأنه شرط لا يقتضيه
العقد، نص على ذلك الحنفية والحنابلة(١).
ط- شرط الكراب (٢) على صاحب الأرض إذا
كان البذر من قبل العامل.
أما إذا كان من قبل صاحب الأرض فإن
العقد جائز لأنه إذا كان البذر من قبل العامل
فالعقد في جانب رب الأرض، يلزم بنفسه،
وهذا الشرط بعدم التخلية بعد لزوم العقد
وذلك لا يجوز، وإن كان البذر من جانب رب
الأرض فلزوم العقد في جانبه إنما يكون بعد
إلقاء البذر في الأرض والكراب يسبق ذلك،
فكأنه استأجره لعمل الزراعة في أرض مكروبة
(مقلوبة) نص على ذلك الحنفية(٣).
ي - اشتراط البذر على صاحب الأرض
.(٤)
والعامل معا عند الحنفية
.
(١) بدائع الصنائع ١٨١/٦، والمبسوط ٣٩/٢٣، والفتاوى
الهندية ٥/ ٢٣٧، ومنتهى الإرادات ٤٧٣/١
(٢) الكراب: تقليب الأرض للحراث، تقول: کرب الأرض كَرْباً
وكرَاباً قَلَبَهَا للحرث وأثارها للزرع (المعجم الوسيط، ولسان
العَرب).
(٣) المبسوط ١٠٩/٢٣
(٤) حاشية ابن عابدين ٦/ ٢٧٥، ٢٧٦، والمبسوط ١٩/٢٣،
وبدائع الصنائع ٦/ ١٧٧
- ٦٣ -

مُزَارَعَة ١٩
ك- اشتراط التفاوت في الربح عند المالكية(١)،
بأن لا يأخذ كل من المشتركين في المزارعة على
قدر بذره، کما سبق.
ل - شرط التبن لمن لا يكون البذر من قبله،
وهذا لا يخلو من ثلاثة أوجه:
الأول: أن يشترط صاحب الأرض والمزارع أن
يقسم التبن ونحوه كالحطب وقش الأرز
والدريس بينهما، وفي هذه الحالة يصح هذا
الشرط، لأنه مقرر لمقتضى العقد، لأن الشركة
في الخارج من الزرع من معانيه ولازم من
لوازمه، نص على ذلك الحنفية والمالكية(٢).
الثاني: أن يسكتا عنه، وفي هذه الحالة، قال
أبو يوسف: يفسد العقد، لأن كل واحد من
التبن والحب مقصود من العقد، فكان
السكوت عن التبن بمنزلة السكوت عن الحب
وذا مفسد بالإجماع فكذا هذا.
ويرى محمد بن الحسن عدم الفساد إذا
سكتا عن ذكر التبن، ويكون التبن لصاحب
البذر منهما، سواء أكان صاحب الأرض أم
المزارع، لأن ما يستحقه صاحب البذر إنما
يستحقه ببذره لا بالشرط، فكان شرط التبن
لأحدهما والسكوت عنه بمنزلة واحدة.
وذكر الطحاوي أن محمداً رجع إلى قول
(١) حاشية الدسوقي ٣٧٣/٣، والخرشي ٦/ ٦٣ وما بعدها.
(٢) بدائع الصنائع ١٨١/٦، وتبيين الحقائق ٢٨٢،٢٨١/٥،
وحاشية ابن عابدين ٢٧٧/٦، والخرشي ٦/ ٦٦
أبي يوسف(١).
وقال ابن عابدين: التبن يقسم بينهما تبعا
للحب، لأن التبن كالحب كل منهما يعتبر من
نتاج الأرض فوجب أن ينقسم على صاحب
الأرض والمزارع على حسب النسبة المتفق
علیھا لتقسیم الحب ذاته لأنه تابع له(٢).
الوجه الثالث: أن يشترطا أن يكون التبن
لأحدهما دون الآخر.
وفي هذه الحالة ذهب الحنفية إلى أنه إذا
اشترطاه لصاحب البذر جاز هذا الشرط ويكون
له، لأن صاحب البذر يستحقه من غير شرط
لکونه نماء ملکه فالشرط لا یزیده إلا تأکیدا.
وإن شرطاه لمن لا بذر له فسدت المزارعة،
لأن استحقاق صاحب البذر للتبن بالبذر لا
بالشرط، لأنه نماء ملكه، ونماء ملك الإنسان
ملكه، فصار شرط كون التبن لمن لا بذر من
قبله بمنزلة شرط كون الحب له، وذا مفسد
للعقد، كذا هذا(٣).
وذهب المالكية إلى أن التبن يقسم بين
صاحب الأرض والمزارع على ما تعاملا عليه،
لأن التبن كالحب فيقسم عليهما كما يقسم
الحب، ولأنه ربما يصاب الزرع بآفة سماوية فلا
(١) المراجع السابقة.
(٢) حاشية ابن عابدين ٦/ ٢٧٧، وانظر المبسوط ٢٣ / ٦١
(٣) بدائع الصنائع ١٨١/٦، وتكملة البحر الرائق ١٨٤/٨،
والمبسوط ٦١/٢٣، والهداية مع تكملة فتح القدير ٩/ ٤٧٠،
والفتاوى الهندية ٢٣٧/٥
- ٦٤ -

مُزَارَعَة ١٩ - ٢٣
تخرج الأرض إلا التبن، فلو استقل به أحدهما
فإن الآخر لن يأخذ من الخارج شيئا، وهذا
يقطع الشركة التي هي من لوازم العقد، ويكون
كمن شرط أن يكون الخارج كله له، أو شرط
لنفسه كمية معينة من المحصول(١).
صور من المزارعة:
٢٠- اختلف الفقهاء في حكم صور من
المزارعة: منها الصحيحة، وهي ما استوفت
شروط صحتها عند من يقول بها، ومنها
الفاسدة، وهي التي فقدت شرطا من هذه
الشروط.
وفيما يلي بعض هذه الصور.
صور من المزارعة الصحيحة:
٢١- أن يكون العمل من جانب، والباقي كله
من أرض وبذر وماشية وآلات ونفقات من
الجانب الآخر.
وقد نص على صحة هذه الصورة
الحنفية (٢)، والمالكية(٣)، والحنابلة(٤).
ووجه صحتها عند الحنفية أن صاحب
الأرض يصير مستأجرا للعامل لا غير، ليعمل
(١) الخرشي ٦٦/٦
(٢) بدائع الصنائع ١٧٩/٦، وتكملة البحر الرائق ١٨٢/٨،
وحاشية ابن عابدين ٢٧٨/٦، والمبسوط ١٩/٢٣
(٣) الخرشي ٦٦/٦
(٤) منتهى الإرادات ٤٧١/١، والمغني ٤٢٣/٥
له في أرضه ببعض الخارج منها، الذي هو نماء
ملکه وهو البذر.
ويشترط المالكية لصحة هذه الصورة أن
ينعقد بلفظ الشركة، فإن عقدا بلفظ الإجارة لا
تصح لأنها إجارة بجزء مجهول، وإن أطلقا
القول فقد حملها ابن القاسم على الإجارة
فمنعها، وحملها سحنون على الشركة
فأجازها، والمشهور عند المالكية الأول أي:
حملها على الإجارة، فلا تجوز.
٢٢- أن تكون الأرض من جانب، والباقي كله
من الجانب الآخر، وهذه الصورة جائزة باتفاق
الحنفية(١)، والمالكية(٢)، وظاهر المذهب عند
الحنابلة أنه إن كان البذر من رب الأرض
والعمل من العامل كانت المزارعة صحيحة(٣)،
وهذا هو الأصل في المزارعة فقد عامل
الرسول ◌َ# أهل خيبر على هذا.
ووجه صحة هذه الصورة عند الحنفية: أن
العامل يصير مستأجرا للأرض لا غير ببعض
الخارج منها الذي هو نماء ملكه وهو البذر (٤).
٢٣- أن تكون الأرض والبذر من جانب،
والعمل والماشية من الجانب الآخر وهو
(١) بدائع الصنائع ١٧٩/٦، وتكملة البحر الرائق ١٨٢/٨،
وحاشية ابن عابدين ٢٧٨/٦، والمبسوط ١٩/٢٣ والهداية
مع تكملة الفتح ٤٦٩/٩
(٢) الخرشي ٦٦/٦
(٣) منتهى الإرادات ١/ ٤٧٤
(٤) بدائع الصنائع ١٧٩/٦، وحاشية ابن عابدين ٢٧٨/٦،
وتكملة البحر الرائق ١٨٢/٨، والمبسوط ٢٠/٢٣
- ٦٥ -

مُزَارَعَة ٢٣ -٢٤
المزارع، وقد نص على صحة هذه الصورة
الحنفية، والمالكية، والحنابلة(١).
ووجه صحة هذه الصورة عند الحنفية: أن
هذا استئجار للعامل لا غير مقصودا، فأما
البذر فغير مستأجر مقصوداً ولا يقابله شيء
من الأجرة بل هي توابع للمعقود عليه وهو
منفعة العامل، لأنه آلة للعمل فلا يقابله شيء
منه، ولأنه لما كان تابعا للمعقود عليه كان
جاريا مجرى الصفة للعمل، فكان العقد عقدا
على عمل جيد، والأوصاف لا قسط لها من
العوض فأمكن أن تنعقد إجارة ثم تتم شركة
بين منفعة الأرض ومنفعة العامل(٢).
٢٤- أن يتساويا في الجميع، أرضا وعملا
وبذرا وماشية ونفقات، لأن أحدهما لا يفضل
صاحبه بشيء.
وقد نص على صحة هذه الصورة الحنفية،
والمالكية، والحنابلة(٣).
ووجه صحة هذه الصورة عند الحنفية، نص
عليه السرخسي في المبسوط فقال: وإذا كانت
الأرض بين رجلين فاشترطا على أن يعملا
فيها جميعا سنتهما هذه ببذرهما وبقرهما، فما
(١) حاشية الدسوقي ٣٧٦/٣، والخرشي ٦٦/٦، ومنتهى
الإرادات ٤٧٤/١، والمغني ٤٢٣/٥
(٢) بدائع الصنائع ١٨٩/٦
(٣) المبسوط ١٠٧/٢٣، والفتاوى الهندية ٢٢٩/٥، وحاشية
الدسوقي ٣٧٦/٣، والخرشي ٦٥/٦، والمغني ٤٢٨/٥،
٤٢٩، والمقنع ١٩٤/٢
خرج فهو بينهما نصفان فهو جائز، لأن كل
واحد منهما عامل في نصيبه من الأرض ببذره
وبقره غير موجب لصاحبه شيئا من الخارج
منه، فإن اشترطا أن یکون الخارج بينهما ثلاثا
كان فاسدا، لأن الذي شرط لنفسه الثلث كأنه
دفع نصيبه من الأرض والبذر إلى صاحبه
مزارعة بثلث الخارج منه على أن يعمل هو معه
وذلك مفسد للعقد، ولأن ما شرط من الزيادة
على النصف لصاحب الثلثين يكون أجرة له
على عمله، وإنما يعمل فيما هو شريك فيه، فلا
يستوجب الأجر فيما هو شريك فیه علی غيره،
ولو كان البذر منهما والخارج كذلك كان
جائزا، لأن الذي شرط لنفسه ثلث الخارج كأنه
أعار شريكه ثلث نصيبه من الأرض وأعانه
ببعض العمل وذلك جائز، ولو اشترطا أن
الخارج نصفان كان فاسدا، لأن الذي كان منه
ثلث البذر شرط لنفسه بعض الخارج من بذر
شريكه وإنما يستحق ذلك بعمله والعامل فيما
هو شريك فيه لا يستوجب الأجر على غيره،
إذ هو يصير دافعا سدس الأرض من شريكه
مزارعة بجميع الخارج منه، وذلك فاسد، ثم
الخارج بينهما على قدر بذرهما، وعلى
صاحب ثلثي البذر أجر مثل سدس الأرض
لشريكه، لأنه استوفى منفعة ذلك القدر من
نصيبه من الأرض بعقد فاسد ویکون له نصف
- ٦٦ -

مُزَارَعَة ٢٤-٢٧
الزرع طيبا لا يتصدق بشيء منه، لأنه رباه في
أرض نفسه، وأما سدس الزرع فإنه يدفع منه
ربع بذره الذي بذره، وما غرم من الأجر
والنفقة فيه يتصدق بالفضل، لأنه رباه في
أرض غيره بعقد فاسد ویکون له نصف الزرع
طییا لا يتصدق بشيء منه لأنه رباه في أرض
غيره بعقد فاسد (١).
وقال ابن قدامة: ولو كانت الأرض لثلاثة
فاشتركوا على أن يزرعوها بيذرهم ودوابهم
وأعوانهم على أن ما أخرج الله بينهم على قدر
مالهم فهو جائز، لأن أحدهم لا يفضل
صاحبيه بشيء(٢).
٢٥- إذا قابل بذر أحدهما عمل من الآخر،
وكانت الأرض مشتركة بينهما بملك أو إجارة
أو كانت مباحة، وتساوت قيمة العمل والبذر
فإن الشركة تكون صحيحة، نص على ذلك
المالكية(٣).
٢٦- إذا قابل الأرض وبعض البذر عمل من
الآخر مع بعض البذر، نص على صحة ذلك
المالكية (٤).
وشرط صحة هذه الصورة عندهم أن لا
ينقص ما يأخذه العامل من الربح عن نسبة
(١) المبسوط ١٠٧/٢٣، ١٠٨
(٢) المغني ٥//٤٢٨، ٤٢٩
(٣) حاشية الدسوقي ٣٧٦/٣، والخرشي ٦/ ٦٥
(٤) حاشية الدسوقي ٣/ ٣٧٦، والخرشي ٦٦/٦
بذره بأن زاد ما يأخذه على بذره أو ساواه على
الأقل.
مثال الزيادة: أن يخرج أحدهما الأرض
وثلثي البذر، والثاني العمل وثلث البذر، على
أن يأخذ كل نصف الربح، ففي هذا المثال
يكون العامل قد أخذ أزيد من نسبة ماله من
البذر فتكون المزارعة صحيحة.
ومثال المساواة: أن يأخذ صاحب الأرض
الثلثين من الربح ويأخذ العامل الثلث، ففي
هذا المثال يكون العامل قد أخذ ما يساوي مثل
نسبة ماله من البذر فتكون المزارعة صحيحة
كذلك.
أما لو أخذ العامل أقل من الثلث فإن
المزارعة تكون فاسدة، لأنه أخذ أقل من نسبة
ماله من البذر.
وهذه الصورة لا تصح عند الحنفية، لأن
البذر لا يصح أن یکون علیهما كما سبق.
٢٧ - أن تكون الأرض والماشية من جانب،
والعمل والبذر من الجانب الآخر.
وهذه الصورة جائزة عند أبي يوسف(١)،
لأنه لو كانت الأرض والبذر من جانب جاز،
وجعلت منفعة الماشية تابعة لمنفعة العامل،
فكذا إذا كانت الأرض والماشية من جانب،
(١) بدائع الصنائع ١٧٩/٦، وتبيين الحقائق ٢٨١/٥، والمبسوط
٢٠/٢٣
- ٦٧ -

مُزَارَعَة ٢٧- ٣٠
فإنها تجوز، وتجعل منفعة الدواب تابعة لمنفعة
الأرض.
وفي ظاهر الرواية لا تجوز(١)، لأن العامل هنا
يصير مستأجرا للأرض والماشية جميعا مقصودا
ببعض الخارج، لأنه لا يمكن تحقيق معنى التبعية
هنا لاختلاف جنس المنفعة، لأن منفعة الماشية
ليست من جنس منفعة الأرض فبقيت أصلا
بنفسها، فكان هذا استئجاراً للماشية ببعض
الخارج أصلا ومقصودا، واستئجار الماشية
مقصودا ببعض الخارج لا يجوز.
صور من المزارعة الفاسدة:
٢٨- أن يكون البذر والدواب من جانب،
والأرض والعمل من الجانب الآخر، نص على
ذلك الحنفية والحنابلة(٢)، لأن صاحب البذر
يصير مستأجرا للأرض والعامل معا ببعض
المحصول، والجمع بين الأرض والعامل معا في
جانب واحد يفسد المزارعة، لأنه على خلاف
مورد الأصل.
٢٩ - أن يكون البذر من طرف، والباقي كله
من الطرف الآخر، نص على ذلك الحنفية،
والحنابلة(٣)، ووجه فساد هذه الصورة هو وجه
(١) المراجع السابقة.
(٢) بدائع الصنائع ١٧٩/٦، وتكملة البحر الرائق ٨/ ١٨٢،
وتبيين الحقائق ٥/ ٢٨٠، وحاشية ابن عابدين ٢٧٨/٦،
ومنتهى الإرادات ٤٧٤/١، وكشاف القناع ٥٤٣/٣
(٣) المراجع السابقة.
فساد الصورة الأولى، حيث جمع فيها بين
الأرض والعمل في جانب واحد، وهذا على
خلاف مورد الشرع.
وروي عن أبي يوسف القول بالجواز في
الصورتين(١).
ووجه ذلك عنده، أن استئجار كل واحد
منهما جائز عند الانفراد فكذا يجوز عند
الاجتماع.
٣٠- أن يكون بعض البذر من المزارع،
والبعض من صاحب الأرض، نص على ذلك
الحنفية، والحنابلة، في ظاهر المذهب(٢).
ووجه فساد هذه الصورة عند الحنفية: أن
كل واحد منهما يصير مستأجرا صاحبه في
قدر بذره، فيجتمع استئجار الأرض والعامل
في جانب واحد، وهذا يفسد المزارعة.
ووجه فسادها عند الحنابلة: أن البذر لا
يكون إلا على صاحب الأرض ولا يجوز أن
يكون على العامل طبقا لظاهر المذهب، لأن
المال كله يجب أن يكون من جانب واحد
كالمضاربة.
ولكن هذه الصورة صحيحة عند المالكية،
لأنه يجوز عندهم أن يشترك صاحب الأرض
(١) بدائع الصنائع ١٧٩/٦
(٢) بدائع الصنائع ١٧٩/٦، وحاشية ابن عابدين ٢٧٨/٦،
والمبسوط ٢٣/ ٣٠، ٣١، ومنتهى الإرادات ٤٧٤/١،
وكشاف القناع ٥٤٣/٣
- ٦٨ -

مُزَارَعَةٍ ٣٠-٣٢
والمزارع في البذر كما سبق(١).
٣١- أن تكون الأرض من جانب، والبذر
والماشية من جانب، بأن دفع صاحب الأرض
أرضه إلى المزارع ليزرعها ببذره وماشيته مع
رجل آخر على أن ما خرج من الأرض فثلثه
لصاحب الأرض، وثلثاه لصاحب البذر
والماشية، وثلثه لذلك العامل الآخر، هذه
المزارعة صحيحة في حق صاحب الأرض،
والمزارع الأول، وفاسدة في حق المزارع الثاني،
ويكون ثلث الخارج لصاحب الأرض وثلثاه
للمزارع الأول، وللعامل الآخر أجر مثل
عمله.
قال الكاساني الحنفي: و كان ينبغي أن تفسد
المزارعة في حق الكل، لأن صاحب البذر وهو
المزارع الأول جمع بين استئجار الأرض
والعامل، والجمع بينهما مفسد للمزارعة بكونه
خلاف مورد الشرع، ومع ذلك حُکم بصحتها
في حق الأرض والمزارع الأول، وإنما كان
كذلك، لأن العقد فيما بين صاحب الأرض
والمزارع الأول وقع استئجاراً للأرض لا غير
وهذا جائز، وفيما بين المزارعين وقع استئجار
الأرض والعامل جميعا وهذا غير صحيح،
ويجوز أن يكون للعقد الواحد جهتان، جهة
الصحة وجهة الفساد خصوصا في حق
شخصين، فيكون صحيحا في حق أحدهما
وفاسدا في حق الآخر.
أما لو كان البذر في هذه الصورة من
صاحب الأرض فإن المزارعة تقع صحيحة في
حق الجميع ويكون الخارج بينهما على الشرط،
لأن صاحب الأرض في هذه الصورة يصير
مستأجرا للعاملين معا، والجمع بين استئجار
العاملين لا يقدح في صحة عقد المزارعة وإذا
صح العقد كان النماء على الشرط، هذا ما
.(١)
ذكره الحنفية(١).
٣٢- إذا قال صاحب الأرض لرجل: أنا أزرع
الأرض ببذري، وعواملي، ويكون سقيها من
مائك، والزرع بيننا، فعند الحنابلة روايتان:
إحداهما: لا تصح، لأن موضع المزارعة أن
يكون العمل من أحدهما والأرض من الآخر،
وليس من صاحب الماء هنا أرض ولا عمل،
لأن الماء لا يباع ولا يشترى ولا يستأجر،
فكيف تصح به المزارعة؟
وقد اختار هذه الرواية كل من القاضي وابن
قدامة، وعلل الأخير هذا الاختيار بأن هذا ليس
بمنصوص عليه ولا في معنى المنصوص.
والثانية: تصح المزارعة، لأن الماء أحد
الأشياء التي يحتاجها الزرع، فجاز أن يكون
من أحدهما كالأرض والعمل، وقد اختار هذه
(١) حاشية الدسوقي ٣٧٦/٣، والخرشي ٦٥/٦
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٠
- ٦٩ -

مُزَارَعَة ٣٢-٣٥
الرواية أبو بكر ونقلها عن الإمام أحمد
يعقوب بن بختان وحرب(١).
٣٣- إذا قال صاحب الأرض لآخر: أجرتك
نصف أرضي هذه بنصف بذرك ونصف
منفعتك ومنفعة ماشيتك، وأخرج المزارع البذر
كله لا يصح العقد، لأن المنفعة مجهولة وإذا
جهلت فسد العقد، وكذلك لو جعلها أجرة
لأرض أخرى لم يجز، ويكون الزرع كله
للمزارع وعليه أجر مثل الأرض.
وإن أمكن علم المنفعة وضبطها بما لا
تختلف معه معرفة البذر جاز وكان الزرع
بینھما.
وقيل: لا يصح أيضا، لأن البذر عوض
فيشترط قبضه كما لو كان مبيعا وما حصل فيه
قبض.
وإن قال له: آجرتك نصف أرضي بنصف
منفعتك ومنفعة ماشیتك، وأخرجا البذر معا،
فهي كالصورة السابقة، إلا أن الزرع يكون بينهما
على كل حال، نص على كل ذلك الحنابلة(٢).
٣٤- إذا اشترك أربعة في عقد مزارعة على أن
يكون من أحدهم الأرض، ومن الثاني الماشية،
ومن الثالث البذر، ومن الرابع العمل فسدت
المزارعة، وقد نص الحنفية على فساد
(١) المغني ٤٢٧/٥، ومنتهى الإرادات ٤٧٤/١، والمقنع
١٩٤/٢، وكشاف القناع ٥٤٥/٣
(٢) المغني ٤٢٥/٥، وكشاف القناع ٥٤٣/٣، ٥٤٤
هذه الصورة(١).
ولو اشترك ثلاثة: من أحدهم الأرض، ومن
الثاني البذر، ومن الثالث الماشية والعمل، على
أن يقسم المحصول بينهم فسدت المزارعة، نص
على ذلك الحنابلة(٢).
وعلى قياس ما روي عن أبي يوسف
هذا العقد جائز
.. (٣).
آثار المزارعة:
تترتب على المزارعة آثار تختلف باختلاف
صحتها أو فسادها.
أولا: الآثار المترتبة على المزارعة الصحيحة:
٣٥- إذا توافرت شروط صحة المزارعة
انعقدت صحيحة وترتب عليها الآثار الآتية:
أ- على المزارع كل عمل من أعمال المزارعة مما
يحتاج الزرع إليه لنمائه وصلاح حاله، کالري
والحفظ وتطهير المراوي الداخلية والتسميد،
نص على ذلك الحنفية، والحنابلة(٤)، لأن عقد
المزارعة قد تناول هذه الأشياء فیکون ملزما بها.
ب- على المزارع تقليب الأرض بالحرث
(الكراب) إن اشترط في العقد، لأنه شرط
(١) بدائع الصنائع ١٧٩/٦، وتكملة البحر الرائق ١٨٢/٨،
وحاشية ابن عابدين ٢٧٩/٦، والمبسوط ١٥/٢٣، ١٦
(٢) المغني ٥/ ٤٢٨، ومنتهى الإرادات ٤٧٤/١، والمقنع ١٩٤/٢
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٠
(٤) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٢، وابن عابدين ٢٨١/٦، والفتاوى الهندية
٢٣٧/٥، ومنتهى الإرادات ٤٧٢/١، وكشاف القناع ٣/ ٥٤٠
- ٧٠ -

مُزَارَعَة ٣٥
صحیح فوجب الوفاء به، وإن سکتا عنه ولم
يشترطاه، أجبر عليه أيضا إن كانت الأرض لا
تخرج زرعا أصلا بدونه، أو كان ما تخرجه
قليلا لا يقصد مثله بالعمل، لأن مطلق عقد
المزارعة يقع على الزراعة المعتادة، أما إذا كانت
الأرض مما تخرج الزرع بدون حاجة إلى
الحرث زرعا معتادا يقصد مثله في عرف
الناس، فإنه لا يجبر عليه المزارع، نص على
ذلك الحنفية(١).
وعلى هذا إذا امتنع المزارع عن سقي
الأرض بالماء، وقال: أتركها حتى تسقى من
ماء المطر، فإن كان الزرع مما لا يكتفي بماء
المطر، وإنما يحتاج إلي الري بالماء، فإنه يجبر
عليه، لأن مطلق عقد المزارعة يقع على الزراعة
المعتادة، وإن كان مما لا يحتاج إليه، وإنما يكفيه
ماء المطر، ويخرج زرعا معتادا به، فإنه لا يجبر
عليه، وقد نص على ذلك الحنفية(٢).
وقال الحنابلة: يلزم العامل بما فيه صلاح
الثمرة والزرع من السقي والحرث ونحوهما (٣).
ج- على صاحب الأرض تسليمها إلى المزارع
ليزرعها أو يعمل عليها إذا كان بها نبات، لأن
عدم التسليم يمنع التخلية بين الأرض والعامل
وهو مفسد للمزارعة.
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٢، والمبسوط ٣٩،٣٨/٢٣
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٢، والمبسوط ٣٨/٢٣، ٣٩
(٣) كشاف القناع ٣/ ٥٤٠
د- على صاحب الأرض، الأعمال الأساسية
التي يبقى أثرها ومنفعتها إلى ما بعد عقد
المزارعة، كبناء حائط وإجراء الأنهار الخارجية،
ونحو ذلك مما يبقى أثره ومنفعته، نص على
ذلك الحنفية، والحنابلة(١).
هـ- على صاحب الأرض خراجها عند الحنفية
والحنابلة (٢)، ولا يجوز عندهم اشتراطه على
المزارع، ولا دفعه من المحصول والباقي يقسم
عليهما، ووجه ذلك كما قال الحنفية: أن
الخراج مبلغ معين من المال، فاشتراط دفع هذا
المبلغ من الخارج من الأرض بمنزلة اشتراط
ذلك القدر من الخارج لصاحب الأرض، وهذا
شرط فاسد، لأنه يؤدي إلى قطع الشركة في
الريع مع حصوله، لجواز ألا يحصل إلا ذلك
القدر أو دونه.
و- على المزارع وصاحب الأرض معا، كل ما
كان من باب النفقة على الزرع، ویکون ذلك
على قدر حقهما كثمن السماد وقلع الحشائش
المضرة، وعليهما أيضا أجرة الحصاد، وحمل
المحصول إلى الجرن، والدياس، والتذرية، لأن
هذه الأعمال ليست من أعمال المزارعة حتى
يختص بها المزارع وحده.
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨١، والمبسوط ٣٩/٢٣، ومنتهى
الإرادات ٤٧٣/١، وكشاف القناع ٣/ ٥٤٠
(٢) المبسوط ٣٣/٢٣، ومنتهى الإرادات ١/ ٤٧٣، وكشاف
القناع ٥٤١/٣
- ٧١ -

مُزَارَعَة ٣٥
وروي عن أبي يوسف وغيره أن هذه
الأشياء الأخيرة على المزارع لتعامل الناس
بذلك، وهذا عند الحنفية(١).
ز- يقسم محصول الأرض بين صاحبها
والمزارع على حسب الاتفاق المبرم بينهما،
وعلى كل من المزارع وصاحب الأرض، حمل
نصيبه من المحصول وحفظه بعد القسمة، لأنه
بانتهاء قسمة المحصول ينتهي عقد المزارعة،
فکل عمل بعد ذلك يتحمل صاحبه نفقاته،
نص على ذلك الحنفية(٢).
ح- قال الحنفية: إن كان ماجاز إنشاء العقد
عليه جازت الزيادة عليه وما لا فلا، أما الحط
فجائز في الحالين معا(٣).
وعلى هذا فالزيادة والحط على وجهين:
إما أن یکون ذلك من المزارع، وإما أن يكون
من صاحب الأرض، وإما أن يكون بعد حصاد
الزرع، وإما أن یکون قبله.
ولا يخلو إما أن يكون البذر من المزارع وإما
أن يكون من صاحب الأرض.
فإن كان بعد الحصاد -والبذر من قبل العامل -
فإن الزيادة لا تجوز من العامل، وإنما ينقسم
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٢، تكملة البحر الرائق ١٨٦/٨،
وحاشية ابن عابدين ٢٨١/٦، الهداية مع تكملة فتح القدير
٤٧٧/٩، والفتاوى الهندية ٥/ ٢٣٧
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٠، وتكملة البحر الرائق ١٨٦/٨
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٢، وتكملة البحر الرائق ١٨٤/٨،
والمبسوط ٤٣/٢٣، ٤٤، والفتاوى الهندية ٢٣٧/٥
المحصول على حسب الاتفاق المبرم بينهما.
وإن زاد صاحب الأرض في نصيب المزارع،
ورضي بها المزارع، جازت الزيادة، ووجه
ذلك: أن المزارع في الحالة الأولى زاد على
الأجرة بعد انتهاء عمل المزارعة باستيفاء
المعقود عليه وهو المنفعة، وهذا لا يجوز لأنهما
لو أنشاً عقد المزارعة بعد الحصاد لا يجوز،
فكذلك الزيادة على النصيب لا تجوز بعد، أما
في الحالة الثانية، فقد حط صاحب الأرض
من الأجرة، والحط لا يستلزم قيام المعقود
علیه.
هذا إذا كان البذر من العامل، أما إن كان
البذر من صاحب الأرض فزاد صاحب
الأرض من نصيب المزارع، فإن الزيادة لا
تجوز، ولكن إن زاد المزارع في نصيب صاحب
الأرض جازت الزيادة لما ذکر.
هذا إذا كانت الزيادة من أيهما بعد حصاد
الزرع.
أما إن كانت قبله فإنها جائزة من أي منهما،
لأن الوقت يحتمل إنشاء العقد، فيحتمل
الزيادة، بخلاف الأمر بعد الحصاد فإنه لا
يحتمل إنشاء العقد، فلا يحتمل الزيادة عليه.
أما الحط فجائز فى الحالين أي قبل الحصاد
وبعده.
ط - إذا لم تخرج الأرض شيئا فلا يستحق
- ٧٢ -

مُزَارَعَة ٣٥-٣٦
أحدهما تجاه الآخر أي شيء، لا أجر العمل
للعامل ولا أجرة الأرض لصاحبها، سواء أكان
البذر من قبل العامل أم كان من قبل صاحب
الأرض، لأنها إما إجارة أو شركة، فإن كانت
إجارة فالواجب في العقد الصحيح منها هو
المسمى - وهو معدوم- فلا يستحق غيره، وإن
كانت شركة فالشركة في الخارج فقط دون
غیره، ولیس هنا خارج، فلا يستحق غيره، نص
على ذلك الحنفية(١).
ثانيا: الآثار المترتبة على المزارعة الفاسدة:
٣٦- إذا فسدت المزارعة لفقدان شرط من
شروط صحتها ترتبت عليها الآثار التالية:
أ- عدم وجوب أي شيء من أعمال المزارعة
على المزارع، لأن وجوبه بالعقد الصحیح، وقد
فسد العقد، فلا يطالب المزارع بأي عمل من
الأعمال المترتبة عليه.
ب- قال الحنفية والحنابلة: يستحق صاحب
البذر الخارج كله من الأرض، سواء أكان
صاحبه هو المزارع أم رب الأرض (٢)، وعليه
الأجرة لصاحبه.
ووجه ذلك عند الحنفية: أن استحقاق صاحب
البذر الخارج لكونه نماء ملكه وهو البذر، لا
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٢، وتكملة البحر الرائق ١٨٤/٨ والهداية
مع شروحها ٩/ ٤٧٠
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٢، والفتاوى الهندية ٢٢٩/٥، والمقنع ١٩٣/٢
بالشرط لوقوع الاستغناء بالملك عن الشرط،
واستحقاق الأجر الخارج بالشرط وهو العقد،
فإذا لم يصح العقد استحقه صاحب الملك ولا
يلزمه التصدق بشيء لكونه نماء ملکه.
وإذا كان البذر من قبل صاحب الأرض
أخذ الخارج كله ووجب عليه للعامل أجر مثل
عمله، وذلك باتفاق الفقهاء(١).
ووجه ذلك عند الحنفية: أن صاحب الأرض
يكون مستأجرا للعامل، فإذا فسدت الإجارة
وجب له أجر مثل عمله علیه.
وإذا كان البذر من قبل العامل فإنه يستحق
الخارج كله، ووجب عليه لصاحب الأرض
أجرة مثل أرضه، وهذا بالاتفاق أيضا(٢).
ووجه ذلك عند الحنفية: أن العامل يكون
مستأجرا للأرض، فإذا فسدت الإجارة وجب
عليه مثل أجر الأرض لصاحبها.
وهل يطيب الناتج لصاحب البذر عندما
يستحقه؟ في المسألة تفصيل:
إذا كان البذر من قبل صاحب الأرض
واستحق الخارج كله وغرم للعامل أجر مثل
عمله، فإن الخارج کله من الأرض یکون طیبا
له، لأنه ناتج من ملكه وهو البذر - في ملكه-
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٢، والمبسوط ١٦/٢٣، والخرشي
٦٧/٦، وحاشية الدسوقي ٣٧٧/٣، ونهاية المحتاج
٢٤٧/٥، وحاشية البجيرمي ١٦٣/٣، والمغني ٤٢٥/٥،
٤٢٦، ومنتهى الإرادات ٤٧٥/١، والمقنع ١٩٣/٢
(٢) المراجع السابقة.
- ٧٣ -

مُزَارَعَة ٣٦
وهو الأرض -نص على ذلك الحنفية(١).
أما إذا كان البذر من قبل العامل، واستحق
الخارج كله وغرم لصاحب الأرض أجر مثل
أرضه، فإن الخارج کله لا یکون طيبا له، وإنما
يأخذ من الزرع قدر بذره وقدر أجر مثل
الأرض ويطيب له ذلك، لأنه سلم له بعوض
ويتصدق بالفضل على ذلك، لأنه وإن تولد
من بذره لكن في أرض غيره بعقد فاسد،
فتمكنت فيه شبهة الخبث، وما كان هكذا
فسبيله التصدق به، نص على ذلك الحنفية(٢).
ج- ولا يجب أجر المثل في المزارعة الفاسدة ما
لم يوجد استعمال للأرض، لأن المزارعة عقد
إجارة، والأجرة في الإجارة الفاسدة لا تجب
إلا بحقيقة الاستعمال ولا تجب بمجرد التخلية،
لانعدام التخلية فيها حقيقة، إذ هي عبارة عن
رفع الموانع والتمكن من الانتفاع حقيقة وشرعا
ولم يوجد، بخلاف الإجارة الصحيحة، نص
على ذلك الحنفية(٣).
د- إذا استعمل المزارع الأرض في المزارعة
الفاسدة وجب عليه أجر المثل وإن لم تخرج
.(٤)
شيئا، نص على ذلك الحنفية
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٢، والمبسوط ٢٢/٢٣
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٢، والهداية مع تكملة فتح القدير
٤٧٢/٩، والفتاوى الهندية ٢٣٩/٥
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٢
(٤) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٣
هـ- وأجر المثل في المزارعة الفاسدة يجب عند
أبي يوسف مقدرا بالمسمى، وعند محمد بالغا
ما بلغ، هذا إذا كانت الأجرة وهي حصة كل
منهما مسماة في العقد، أما إذا لم تكن مسماة
فيه فإنه يجب أجر المثل بالغا ما بلغ عندهما
معا(١).
وقال المالكية: المزارعة إذا وقعت فاسدة بأن
اختل شرط من شروط صحتها فإنها تفسخ قبل
العمل، فإن فاتت بالعمل وتساويا فيه فإن
الزرع يكون بينهما على قدر عملهما، لأنه
تکوّن عنه ویترادان غیر العمل، کما لو كانت
الأرض من أحدهما والبذر من الآخر، فيرجع
صاحب البذر على صاحب الأرض بمثل
نصف بذره، ويرجع صاحب الأرض على
صاحب البذر بأجرة نصف أرضه.
وإذا وقعت فاسدة ولم يتكافآً في العمل،
بل كان العامل أحدهما فقط، فالزرع كله
يكون للعامل، لأنه نشأ عن عمله، وعليه أجرة
الأرض لصاحبها وأجرة البقر لصاحبه أو
مكيلة البذر لصاحبه إن كان العامل هو
صاحب الأرض، لكن شرط اختصاص العامل
بالزرع: أن يكون له مع العمل إما بذرٌ
والأرض للآخر، أو أرض والبذر للآخر، وإذا
لم ينضم إلى عمله شيء من أرض أو بذر أو
(١) بدائع الصنائع ١٨٣/٦، والهداية مع تكملة فتح القدير ٩/ ٤٧١
- ٧٤ - .

مُزَارَعَة ٣٦
بقر فليس له إلا أجرة مثله، لأنه أجیر وليس له
من الزرع شيء، ولو كانت الأرض والبذر
لكل من الشريكين والعمل من أحدهما فالزرع
لصاحب العمل، سواء كان مخرج البذر
صاحب الأرض أو غيره، وعلیه إن كان هو
مخرج البذر كراء أرض صاحبه، وإن كان
صاحبه مخرج البذر فعلیه له مثل بذره.
قال العدوى: وقد ذكر صاحب الجواهر في
المزارعة الفاسدة: إذا فاتت بالعمل ستة أقوال:
الراجح منها أنه لمن اجتمع له شيئان من ثلاثة
أصول: البذر والأرض والعمل، فإن كانوا ثلاثة
واجتمع لكل واحد شيئان منها أو انفرد كل
واحد بشيء واحد منها كان بينهم أثلاثا، وإن
اجتمع لواحد شيئان منها دون صاحبيه كان له
الزرع دونهما وهو مذهب ابن القاسم واختاره
محمد، ونقل شيخنا عبد الله عن شيخه ابن عبد
الباقي أنه المفتى به، ومثل ذلك إذا اجتمع شيئان
لشخصين منهم فالزرع لهما دون الثالث،
فالصور أربع ویبقی النظر في ثلاث صور:
الأولى: أن تجتمع الثلاثة لواحد منهم ولكل
واحد من الباقين اثنان.
الثانية: أن تجتمع الثلاثة لكل واحد من
شخصین منهم ویجتمع للشخص الثالث اثنان.
الثالثة: أن تجتمع الثلاثة لواحد ويجتمع
اثنان لواحد وينفرد الثالث بواحد، والظاهر أن
من له اثنان يساوي من له ثلاثة لأن من له ثلاثة
يصدق عليه أنه اجتمع له اثنان(١).
وقال الشافعية في المزارعة الفاسدة: إن
أفردت أرض بالمزارعة فالمغل للمالك لأنه نماء
ملكه، وعليه للعامل أجرة عمله ودوابه وآلاته
إن كانت له، وسلم الزرع لبطلان العقد، ولا
يمكن إحباط عمله مجانا، أما إذا لم يسلم
الزرع فلا شيء للعامل لأنه لم يحصل للمالك
(٢)
شيء(٢).
وقال الحنابلة في توجيه الحكم المتفق عليه
مع الحنفية: إن الزرع يكون لصاحب البذر،
لأنه عين ماله ينمو كأغصان الشجر وينقلب
من حال إلى حال، وقالوا في تعليل كون
الأجرة على من أخذ الزرع لصاحبه: أي لأنه
دخل على أن يأخذ ما سمي، فإذا فات رجع
إلى بدله، فعلى المذهب إن كان البذر من
العامل فالزرع له، وعليه أجرة مثل الأرض،
وإن كان من رب الأرض فالزرع له وعليه
أجرة مثل العامل، ولو دفع بذرا لصاحب
أرض یزرعها فيها وما يخرج یکون بينهما فهو
فاسد، لأن البذر لیس من رب الأرض ولا من
العامل فالزرع لمالك البذر وعليه أجرة الأرض
(٣)
والعمل، وقيل: يصح
(١) حاشية العدوي على الخرشي ٦/ ٦٧-٦٨
(٢) نهاية المحتاج ٥/ ٢٤٧
(٣) المقنع ٢/ ١٩٣
- ٧٥ -

مُزَارَعَة ٣٧-٣٩
الضمان في المزارعة:
٣٧- المزارع أمين على ما تحت يده من
محصول لصاحب الأرض، سواء أكانت
المزارعة صحيحة أم فاسدة نص على ذلك
الحنفية(١).
ويترتب علی کونه أمینا، أنه لا یضمن ما
تحت يده من محصول لصاحب الأرض إذا
هلك بدون تعد أو تقصير منه، کما في سائر
عقود الأمانات، أما إذا تعدى أو قصر فإنه
یکون ضامنا له.
وإذا قصر في سقي الأرض حتى هلك الزرع
بهذا السبب كان ضامنا له إذا كانت المزارعة
صحيحة لوجوب العمل عليه فيها، وهي أمانة
في بده فیضمن بالتقصير، أما لو كانت فاسدة
فإنه لا یضمنه لعدم إیجابه عليه فيها.
قال الحنفية: أكَّار (٢) ترك السقي عمدا حتى
يبس ضمن وقت ما ترك السقي قيمته نابتا في
الأرض، وإن لم يكن للزرع قيمة قومت
الأرض مزروعة وغير مزروعة، فيضمن فضل
ما بينهما(٣).
وإن شرط عليه رب الأرض الحصاد فتغافل
حتی هلك ضمن، إلا أن يؤخر تأخیرا معتادا.
وإن ترك تأخير الزرع حتى أكله الدواب
(١) حاشية ابن عابدين ٦/ ٢٨٣، والمبسوط ١٢٧/٢٣، والفتاوى
الهندية ٢٦١/٥
(٢) الأكار: الحراث (المعجم الوسيط).
(٣) حاشية ابن عابدين ٢٨٣/٥، نقلا عن السراجية.
كان ضامنا له، هذا قبل الإدراك، أما بعده
فلیس علیه ضمان، لأن الحفظ بعدہ لیس علی
المزارع، نص على ذلك الحنفية(١).
ما يفسخ به عقد المزارعة:
٣٨- ينفسخ عقد المزارعة بالعذر
الاضطراري، وبصريح الفسخ ودلالته،
وبانقضاء المدة، وبموت أحد المتعاقدين،
وباستحقاق الأرض.
وتفصيل ذلك كما يلي:
أولاً: العذر الاضطراري الذي يحول دون
مضي العقد:
العذر الاضطراري إما أن يرجع إلى
صاحب الأرض، وإما أن يعود إلى المزارع.
أ- العذر الذي يرجع إلى صاحب الأرض:
٣٩- أما العذر الذي يرجع إلى صاحب
الأرض فهو الدين الفادح الذي لا يستطيع
صاحب الأرض قضاءه إلا من ثمنها، فلو كان
عليه دين كهذا، بيعت الأرض لسداد هذا
الدین وفسخ عقد المزارعة إذا أمكن فسخه، بأن
كان قبل زراعة الأرض، أو بعدها ولكن الزرع
بلغ الحصاد، لأنه لا يمكن لرب الأرض المضي
في العقد إلا بضرر يلحقه فلا يلزمه تحمله،
(١) حاشية ابن عابدين ٦/ ٢٨٢، ٢٨٣، والفتاوى الهندية
٢٦٧/٥
- ٧٦ -

مُزَارَعَةٍ ٣٩ - ٤٣
فيبيع القاضي الأرض بدينه أولا، ثم يفسخ
عقد المزارعة، ولا تنفسخ بنفس العذر.
أما إذا لم يمكن الفسخ بأن كان الزرع بقلا،
فإن الأرض لا تباع في الدين ولا ينفسخ العقد
إلا بعد بلوغ الزرع الحصاد، نص على ذلك
الحنفية(١)، لأن في البيع في هذه الحالة إبطال
حق المزارع، وفي الانتظار إلى وقت الحصاد
تأخير حق صاحب الدين، وفيه رعاية للجانبين
فكان أولى.
فإذا كان صاحب الأرض محبوسا بالدين
فإنه يطلق من حبسه إلى غاية إدراك الزرع، لأن
الحبس جزاء الظلم وهو المطل وهو غير مماطل
قبل الإدراك، لكونه ممنوعا عن بيع الأرض
شرعا، والممنوع معذور، فإذا أدرك الزرع فإنه
يرد إلى الحبس مرة أخرى ليبيع أرضه ويؤدي
دينه بنفسه، وإلا فيبيع القاضي (٢).
ب- العذر الذي يرجع إلى المزارع:
٤٠- وأما العذر الاضطراري الذي يرجع إلى
المزارع فنحو المرض الشديد، لأنه معجز عن
العمل، ونحو السفر البعيد، لأنه قد يكون في
حاجة إليه، ونحو تركه حرفته إلى حرفة
أخرى، لأن من الحرف ما لا يغني من جوع
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٣، وحاشية ابن عابدين ٦/ ٢٨٠،
والهداية مع التكملة ٩/ ٤٧٤، والفتاوى الهندية ٢٦٠/٥
(٢) بدائع الصنائع ١٨٤/٦، وتبيين الحقائق ٥/ ٢٨٢، وتكملة
البحر الرائق ٨/ ١٨٥، والمبسوط ٤٤/٢٣، ٤٥، والهداية مع
التكملة ٩/ ٤٧٥، والفتاوى الهندية ٢٦٠/٥
فيكون في حاجة إلى الانتقال إلى غيرها، نص
على ذلك الحنفية (١).
ثانياً: فسخ المزارعة صراحة أو دلالة:
٤١- تنفسخ المزارعة باللفظ الصريح، وهو ما
يكون بلفظ الفسخ أو الإقالة، لأن المزارعة
مشتملة على الإجارة والشركة، وكل واحد
منهما قابل لصريح الفسخ والإقالة.
أما الدلالة: فكأن يمتنع صاحب البذر عن
المضي في العقد لعدم لزومه في حقه قبل إلقاء
البذر في الأرض، فكان بسبيل من الامتناع عن
المضي فيه بدون عذر ویکون ذلك فسخا منه
.(٢)
دلالة، نص على ذلك الحنفية
ثالثاً: انقضاء المدة:
٤٢- إذا انقضت المدة المحددة لعقد المزارعة
فسخ العقد، لأنها إذا انقضت فقد انتهى العقد
وهو معنى الانفساخ، نص على ذلك الحنفية(٣).
رابعا: موت أحد المتعاقدين:
٤٣- ذهب الحنفية إلى أن المزارعة تفسخ
بموت أحد المتعاقدين سواء صاحب الأرض،
أو المزارع، وسواء أكانت الوفاة قبل زراعة
(١) بدائع الصنائع ١٨٤/٦، وحاشية ابن عابدين ٦/ ٢٨٠،
والفتاوى الهندية ٢٦٠/٥
(٢) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٤، والمبسوط ٢٦،٢٥/٢٣
(٣) بدائع الصنائع ١٨٤/٦، وحاشية ابن عابدين ٦/ ٢٨٠،
والفتاوى الهندية ٢٦٠/٥
- ٧٧ -

مُزَارَعَة ٤٣ -٤٥
الأرض أم كانت بعدها، وسواء أكان الزرع
بقلا أم بلغ الحصاد(١).
ووجه ذلك أن العقد أفاد الحكم للعاقد
خاصة دون وارثه، لأنه عاقد لنفسه، والأصل
أن من عقد لنفسه بطريق الأصالة فإن حكم
تصرفه يقع له لا لغيره إلا لضرورة.
وذهب الحنابلة إلى ذلك أيضا وقالوا: إن
على ورثة المزارع متابعة العمل إذا كان المزارع
هو المتوفی، و کان الزرع قد أدرك، ولكنهم لا
يجبرون على ذلك، وقالوا: هذا ما لم يكن
المزارع مقصودا لعينه، فإن كان مقصودا لعينه
لم يلزم ورثته ذلك(٢).
خامساً: استحقاق أرض المزارعة:
٤٤- إذا استحقت أرض المزارعة قبل زراعتها
أخذها المستحق وفسخ العقد، ولا شيء
للعامل على الذي دفعها إليه ليزرعها، حتى
ولو كان عمل فيها بعض الأعمال التي تسبق
الزرع كالحرث والتسوية والتسميد بالسماد.
ولو استحقت بعد الزرع وقبل الحصاد
أخذها المستحق وأمرهما أن يقلعا الزرع،
وخير المزارع بین أخذ نصف الزرع على حاله،
(١) بدائع الصنائع ١٨٤/٦، وتبين الحقائق ٢٨٢/٥، وتكملة
البحر الرائق ١٨٥/٨، وحاشية ابن عابدين ٦/ ٢٨٠،
والمبسوط ٤٥/٢٣، والفتاوى الهندية ٢٦٠/٥، والهداية مع
التكملة ٩/ ٤٧٣
(٢) كشاف القناع ٠٥٣٨/٣-٥٣٩، وشرح منتهى الإرادات
٣٤٥/٢
ويكون النصف الآخر للذي دفع إليه الأرض
مزارعة، وبين تضمين الذي دفع الأرض نصف
قيمة الزرع نابتا وترك له الزرع کله.
ويضمن المستحق نقصان الأرض للزارع
خاصة، ثم يرجع به على الذي دفع الأرض
إليه في قول أبي يوسف الآخر، وفي قوله
الأول - وهو قول محمد بن الحسن -: إن
شاء ضمن الدافع وإن شاء ضمن الزارع، فإن
ضمن الزارع رجع به على الدافع، لأنه هو
الذى غره فكان الضمان عليه(١).
الآثار المترتبة على الفسخ:
الفسخ إما أن يكون قبل زرع الأرض، وإما
أن یکون بعده.
أ- الفسخ قبل الزرع:
٤٥- إذا كان الفسخ قبل الزرع فإن العامل لا
يستحق شيئا، أيا كان سبب الفسخ أي سواء
أکان بصريح الفسخ أم كان بدلالته، وسواء
كان بانقضاء المدة أو بموت أحد المتعاقدين.
ووجه ذلك: أن أثر الفسخ يظهر في
المستقبل بانتهاء حكمه لا في الماضي، فلا يتبين
أن العقد لم يكن صحيحا، والواجب في العقد
الصحيح هو الحصة المسماة، وهي بعض نماء
الأرض، ولم يوجد هنا شيء، فلا يجب
للعامل أي شيء.
(١) المبسوط ٥٤/٢٣، ٥٥
- ٧٨ -

مُزَارَعَة ٤٥ - ٤٧
وقيل: إن عدم الوجوب هو حكم القضاء.
فأما ديانة فالواجب على صاحب الأرض.
إرضاء العامل فيما لو امتنع الأول عن المضي
في العقد قبل الزراعة، ولا يحل له ذلك
شرعا. لأنه يشبه التغرير وهو حرام(١).
ب- الفسخ بعد الزرع:
أما إذا كان الفسخ بعد ما زرعت الأرض،
فإن هذا الفسخ إما أن يكون بعد إدراك الزرع،
وإما أن یکون قبل ذلك.
الحالة الأولى: الفسخ بعد إدراك الزرع:
٤٦- إذا كان الفسخ بعد إدراك الزرع وبلوغه
مبلغ الحصاد، فإن النماء يقسم بين صاحب
الأرض والمزارع حسب النسبة المتفق عليها
بينهما(٢).
الحالة الثانية: الفسخ قبل الإدراك:
٤٧- أما إن كان الفسخ قبل إدراك الزرع بأن
كان لا زال بقلا، فإن الزرع يقسم بينهما حسب
النسبة المتفق عليها بينهما كالحالة الأولى. وذلك
إذا كان الفسخ صريحاً أو دلالة أو بانقضاء
(١) بدائع الصنائع ١٨٤/٦، ١٨٥، وتبيين الحقائق، ٢٨٣/٥،
وتكملة البحر ١٨٥/٨، والمبسوط ٤٧/٣، والهداية مع
التكملة ٩/ ٤٧٣
(٢) بدائع الصنائع ١٨٤/٦، ١٨٥، والمبسوط ٤٧/٢٣، ٤٨
المدة، لأن الزرع بينهما على الشرط، والعمل
فيما بقي إلى وقت الحصاد عليهما، وعلى
المزارع أجر مثل نصف الأرض لصاحبها.
ووجه قسمة الزرع بينهما: أن انفساخ العقد
يظهر أثره في المستقبل لا في الماضى، فبقي الزرع
بينهما على ما كان قبل الانفساخ، ووجه کون
العمل عليهما معا فيما بقي إلى وقت الحصاد أنه
عمل في مال مشترك لم يشترط العمل فيه على
واحد منهما، فوجب عليهما معا.
أما وجه وجوب أجر مثل نصف الأرض
على المزارع: فهو أن العقد قد انفسخ وفي
القلع ضرر بالمزارع، وفي الترك بغير أجر ضرر
بصاحب الأرض فكان الترك بنصف أجر المثل
رعایة للجانبین.
وإن أنفق أحدهما بدون إذن الآخر وبغير
أمر من القاضي كان متطوعا ولو أراد صاحب
الأرض أن يأخذ الزرع بقلا لم يكن له ذلك،
لأن فيه إضراراً بالمزارع.
أما لو أراد المزارع أخذه بقلا، فإنه يكون
لصاحب الأرض ثلاثة خيارات:
الأول: قلع الزرع وقسمته بينهما.
الثاني: إعطاء المزارع قيمة نصيبه من الزرع
وتركه في الأرض حتى يبلغ الحصاد.
الثالث: الإنفاق على الزرع من ماله
- ٧٩ -

مُزَارَعَة ٤٧-٤٩
الخاص، ثم يرجع على المزارع بحصته، لأن في
ذلك رعایة للجانبین.
نص على كل ذلك الحنفية(١)، هذا إذا كان
الفسخ صريحا أو دلالة أو بانقضاء المدة.
أثر موت أحد العاقدین:
إذا كان الفسخ بموت أحد المتعاقدين فقد
فرق الحنفية بين ما إذا كان الذي مات هو
صاحب الأرض، وبين ما إذا كان هو المزارع(٢).
أ- موت صاحب الأرض:
٤٨- إذا مات صاحب الأرض والزرع ما زال
بقلا، فإن الأرض تترك في يد المزارع حتى
وقت الحصاد، ويقسم الخارج بينه وبين ورثة
صاحب الأرض على حسب الشرط المتفق
عليه بين المزارع وبين صاحب الأرض.
ووجه ذلك عندهم: أن في الترك إلى هذا
الوقت نظرا ورعاية للجانبين، وفي القلع
إضراراً بأحدهما وهو المزارع، ويكون العمل
على المزارع خاصة لبقاء العقد تقريرا حتى
الحصاد دفعا للضرر عنه(٣).
ب- موت المزارع:
٤٩- أما إذا كان الذي مات هو المزارع، وكان
(١) المبسوط ٤٧/٢٣، ٤٨ وبدائع الصنائع ١٨٤/٦، ١٨٥،
والهداية مع التكملة ٤٧٦/٩
(٢) بدائع الصنائع ١٨٤/٦، وحاشية ابن عابدين ٦/ ٢٨٤،
والمبسوط ٤٥/٢٣، ٤٦، ٤٩، والفتاوى الهندية ٢٥٤/٥
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٤، والهداية مع تكملة فتح القدير ٩/ ٤٧٧
الزرع لا يزال بقلا، فإنه يكون لورثته الحق في
الحلول محل مورثهم في العمل بنفس الشرط
الذي تم بينه وبين صاحب الأرض، سواء
رضي ذلك الأخير أم أبى، لأن في قلع الزرع
إضرارا بهم ولا ضرر على صاحب الأرض
من ترك الزرع إلى وقت الحصاد، بل قد یکون
في تر که فائدة له.
وإذا ترك الزرع تحت أيدي الورثة لا أجر
لهم على عملهم، لأنهم يعملون على حكم
عقد مورثهم تقديرا، فكأنه يعمل هو، وإذا
عمل هو كان عمله بدون أجر، فكذلك یکون
عملهم.
وإن أراد الورثة قلع الزرع لم يجبروا على
العمل، لأن العقد ينفسخ حقيقة، ولكنه بقي تقديرا
باختيارهم نظرا لهم حتى لا يضاروا من الفسخ.
فإن امتنعوا عن العمل بقي الزرع مشتركا
بينهم وبين صاحب الأرض على الشرط،
وكان لصاحب الأرض نفس الخيارات الثلاثة
السابقة. وهي:
- قسمة الزرع بينهم بالحصص المتفق عليها.
- إعطاء الورثة قدر حصتهم من الزرع بقلا.
- الإنفاق على الزرع من مال نفسه إلى
وقت الحصاد، ثم يرجع عليهم بحصتهم، لأن
فيه رعاية للجانبين(١).
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٨٤، والهداية مع تكملة فتح القدير ٩/ ٤٧٧
- ٨٠ -