Indexed OCR Text
Pages 1-20
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية الموسوعةَ الفِقْفِيَّة الجزء السابع والثلاثون مَرَضْ المَوْت - مُصَاهَرة ◌ِلَهِالرَّمِالرَّحِيمِ نشـ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لَِفِرُواْ كَفَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَ مِن كُلِ فِرْ قَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَّقَّهُوا فِي الدِيْنِ وَلُِذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يُخْذَرُونَ﴾. (سورة التوبة آية : ١٢٢) ((من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين )) (أخرجه البخاري ومسلم) الْمَوْعَةُ الفِقِيَّةُ إصدار وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت الطبعة الأولى ١٤١٨ هـ - ١٩٩٧ م مطابع دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع حقوق الطبع محفوظة للوزارة ص. ب ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت مَرَضُ المَوْت ١ مَرَضُ الموت التعريف: ١ - المرض: سبق تعريفه لغة واصطلاحا. (١) والموت فى اللغة: ضد الحياة وفي الاصطلاح: مفارقة الروح الجسد . (٢) واختلف الفقهاء في تحديد مرض الموت. فذهب جمهور الفقهاء إلى أن مرض الموت هو: المرض المخوف الذى يتصل بالموت، ولو لم یکن الموت بسببه(٣). وذهب الحنفية إلى أن مرض الموت: هو الذى يغلب فيه خوف الموت، ويعجز معه المریض عن رؤية مصالحه خارجا عن داره إن كان من الذكور، وعن رؤية مصالحه داخل داره إن كان من الإناث، ويموت علی ذلك الحال قبل مرور سنة، سواء كان صاحب (١) المعجم الوسيط. (٢) نهاية المحتاج ٢/ ٤٢٣ ط. المكتبة الإسلامية. (٣) انظر الأم للشافعي ٣٥/٤ وما بعدها (بولاق ١٣٢٢ هـ)، ومغني المحتاج ٣/ ٥٠ وما بعدها، و کشاف القناع ٢٢٨/٥ فراش أو لم یکن، هذا مالم يشتد مرضه ويتغیر حاله، فيعتبر ابتداء السنة من تاريخ الاشتداد (١). فعلى هذا، يشترط لتحققه أن يتوافر فيه وصفان: الوصف الأول: أن يكون مخوفا(٢)، أى یغلب الهلاك منه عادة أو یکثر. جاء في الفتاوى الهندية: حَدُّ مرض الموت تکلموا فیه، والمختار للفتوى أنه إن كان الغالب منه الموت كان مرض الموت، سواء كان صاحب فراش أم لم يكن (٣). وقال النووي: المرض المخوف والمخيف: هو الذي يُخاف منه الموت، لكثرة من يموت به، فمن قال: مخوف قال: لأنه يخاف منه الموت، ومن قال: مُخيف لأنه يخيف من رآه (٤). وقال التسولي: ومراده بمرض الموت: المرضُ المخوف الذى حكم أهل الطب بكثرة الموت به (٥). وقال الشافعية والحنابلة: ما أشكل أمره من (١) المادة ١٥٩٥ من مجلة الأحكام، وشرح الأتاسي ٤٠٨/٢ (٢) قال ابن رشد: والأمراض التي يحجر فيها عند الجمهور هي الأمراض المخوفة (بداية المجتهد ٣٢٧/٢ ط. الحلبي). (٣) الفتاوى الهندية ١٧٦/٤، وانظر بدائع الصنائع ٢٢٤/٣ (٤) تحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص ٢٤١ (٥) البهجة شرح التحفة ٢/ ٢٤٠، وانظر شرح الخرشي ٣٠٤/٥ - ٥ - مَرضُ الموت ١-٢ الأمراض يرجع فیه إلى قول أهل المعرفة، وهم الأطباء، لأنهم أهل الخبرة بذلك والتجربة والمعرفة، ولا يقبل إلا قول طبيبين مسلمین ثقتین بالغین، لأن ذلك يتعلق به حق الوارث وأهل العطايا، فلم يقبل فيه إلا ذلك، وقياسُ قول الخرقي: أنه يقبل قول الطبيب العدل إذا لم يقدر على طبيبين(١). ولو اختلف الأطباء يؤخذ بقول الأعلم، ثم بالأكثر عددا، ثم بمن يخبر بأنه مخوفٌ، لأنه علم من غامض العلم ماخفي على غيره، قاله الماوردي، ونقله ابن الرفعة وأقرّه(٢). فإن لم يتوفر من يرجع إليه من الأطباء، كأن مات قبل أن يراجع أحدا من الأطباء، فإنه يمكن أن يعتبر عجز المريض عن الخروج لمصالحه خارج بيته إن کان من الذكور، وعن رؤية مصالحه داخل بيته إن كان من الإناث علامة تدل على كون المرض مخوفاً إن كان قادرا على رؤية تلك المصالح قبله، أو أن تعتبر أية علامة أخرى تنبئ عن كونه مخوفاً في نظر الأطباء العارفين. ويقصد بالعجز عن الخروج لمصالحه خارج بيته: عجزه عن إتيان المصالح القريبة العادية، فلو كان محترفا بحرفة شاقة كالحمّال والدقاق والحداد والنجار ونحو ذلك مما لایمکن إقامته مع أدنی عجز أو مرض، مع قدرته على الخروج إلى المسجد والسوق لا يكون في مرض الموت، إذ لايشترط في هؤلاء العجز عن العمل في حرفتهم ليعتبروا في مرض الموت، بل عن مثل ما يعجز عنه صاحب الحرفة العادية (١). الوصف الثاني: أن يتصل المرض بالموت، سواء وقع الموت بسببه أم بسبب آخر خارجي عن المرض كقتل أو غرق أو حريق أو تصادم أو غير ذلك(٢). فإذا صح من هذا المرض تبین أنه ليس بمرض الموت، وتعتبر تصرفاته فیه کتصرفات الصحیح دون فرق، فالمريض مادام حيا لايجوز لورثته ولا لدائنيه الاعتراض على تصرفاته لجواز أن يشفى من مرضه، أما إذا انتهى المرض المخوف بالموت فيتبين أن التصرف وقع في مرض الموت (٣). مايلحق بمرض الموت في الحکم: ٢ - ألحق جمهور الفقهاء بالمريض مرض الموت في الحكم حالات مختلفة وعديدة لیس فيها مرض أو اعتلال صحة مطلقا، وإنما (١) شرح المجلة للأناسي ٤٠٨/٢ ٠ (١) المغني لابن قدامة ٥٠٧/٦ (مط. المنار بهامشه الشرح الكبير)، والمهذب ١/ ٤٦٠ (٢) نهاية المحتاج للرملي ٦/ ٦٠ (٢) تبيين الحقائق للزيلعي ٤٤٨/٢ (٣) نهاية المحتاج ٥٩/٦، وانظر الروضة للنووي ٦/ ١٢٣، والمهذب ١/ ٤٦٠، والمغني ٦/ ٥٠٥ - ٦ - مَرضُ الموت ٢-٣ توفر فيها الوصفان المشترطان، منها: أ - ما إذا كان الشخص في الحرب والتحمت المعركة واختلطت الطائفتان في القتال(١)، وقد ذكر ابن قدامة وجه إلحاقه بالمريض مرض الموت بقوله: إنّ توقّع التّلف ههنا كتوقّع المرض أو أكثر، فوجب أن يلحق به، ولأن المرض إنما جعل مخوفا لخوف صاحبه التلف، وهذا كذلك(٢). ب۔ماإذا ر کب البحر، فإن کان ساکنا فليس بمخوف، وإن تموج واضطرب وهبت الريح العاصف، وخيف الغرق، فهو مخوف(٣)، وكذا إذا انكسرت السفينة وبقي على لوح، وخيف الغرق (٤). ج - إذا قدّم للقتل، سواء أكان قصاصا أو (٥) غيره (٥). د - الأسير والمحبوس إذا كان من العادة أن يقتل (٦). (١) الأم ٣٦/٤، وبدائع الصنائع ٢٤٤/٣، وشرح الخرشي ٣٠٥/٥، والمنتقى للباجي ١٧٦/٦ (٢) المغني ٦ / ٥٠٩ (٣) رد المحتار ٧١٧/٢، والبدائع ٢٢٤/٣، ومغنى المحتاج ٥٢/٣، والمنتقى ١٧٦/٦، والمغني ٥١٠/٦ (٤) رد المحتار ٧١٧/٢، وشرح المجلة للأناسي ٤ / ٦٦٠ (٥) الإنصاف للمرداوي ١٧٠/٨، والمغني ٦/ ٥١٠، وبدائع الصنائع ٢٢٤/٣، ورد المحتار ٧١٧/٢، وشرح الخرشي ٣٠٥/٥، ونهاية المحتاج ٦٣/٦، ومغني المحتاج ٥٢/٣، وجواهر العقود ومعين القضاة والموقعين والشهود ٤٤٤/١ (٦) الأم ٣٦/٤، والإنصاف ٨/ ١٧٠، ونهاية المحتاج ٦/ ٦٣، والمغني ٦/ ٥١٠ هـ - المرأة الحامل إذا أتاها الطلق (١). ويشترط في هذه الحالات المذكورة وما أشبهها أن يتصل حال خوف الهلاك الغالب أو الکثیر بالموت، حتی تلحق بمرض الموت في (٢) الحكم (٢). حكم الأمراض المزمنة: ٣ - الأمراض المزمنة أو الممتدة لاتعدّ مرض الموت، إلا إذا تغيّر حال المریض واشتد وخیف منه الهلاك، فیکون حال التغير مرض الموت إن اتصل (٣) بالموت (٣). قال الكاساني: وكذلك صاحب الفالج ونحوه إذا طال به ذلك فهو في حكم الصحيح، لأن ذلك إذا طال لايخاف منه الموتُ غالبا، فلم يكن مرض الموت، إلا إذا تغيّر حاله من ذلك ومات من ذلك التغير، فیکون حال التغیر مرض الموت، لأنه إذا تغير يخشى منه الموت غالبا، فیکون مرض الموت، وكذا الزّمِنُ والمقعد (٤). (١) البدائع ٢٢٤/٣، ونهاية المحتاج ٦٣/٦، والأم ٣٥/٤، والإنصاف ٨/ ١٧٠، والمغني ٥٠٨/٦، وشرح المجلة للأناسي ٤/ ٦٦٠ (٢) انظر م ٢٦٧ من الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية لقدري باشا. (٣) انظر المهذب ١/ ٤٦٠، وشرح ابن ناجي على الرسالة ٥٢/٢ (٤) بدائع الصنائع ٢٢٤/٣ - ٧ - مَرضُ الموت ٣-٤ وجاء في فتاوی علیش: قال ابن سلمون: ولا يعتبر في المرض العللُ المزمنة التى لايخاف على المریض منها کالجذام والهرم، وأفعال أصحاب ذلك أفعالُ الأصحاء بلا خلاف. أ.هـ. قال عبد الباقي: وفي المدونة، كون المفلوج والأبرص والأخذم وذي القروح من الخفيف مالم يقعده ويُضْنه، فإن أقعده وأضناه وبلغ به حدّ الخوف علیه، فله حكم المرض المخوف (١). الاختلاف في مرض الموت: ٤- إذا طعن الورثة - مثلا - في تصرفات مورثهم، بدعوى صدورها عنه في مرض موته بما يمسّ حقوقهم، وادّعى المنتفع أنّ هذه التصرفات وقعت من مورّتهم في صحته، یفرّق بين حالات ثلاث: الحالة الأولى: إذا خلت دعوى كل منهما عن البينة، فقد اختلف الفقهاء في ذلك علی قولین: أحدهما للحنفية والحنابلة: وهو أنّ القول قولُ مدعي صدورها في المرض، لأنّ حال المرض أدنى من حال الصحة، فما لم يتيقن حال الصحة يُحمل على الأدنى، ولأنّ هذه التصرفات من الصفات العارضة، فھی حادثة، والحادثُ يضاف إلى أقرب وقت من الحكم (١) فتح العلي المالك ٣٦١/١ الذي يترتب عليه، والأقرب ههنا المرضُ المتأخر زمانه عن زمان الصحة، فكان القول قولَ من يدّعي حدوثها في المرض، إذ هو الأصل، ولو أراد مدّعي الصحة استحلاف مدعي المرض لكان له ذلك (١). والثاني للشافعية: وهو أنّ القول قولُ مدعي صدورها في الصحة، لأن الأصل في التصرف السابق من المتوفّى أن يعتبر صادراً في حال صحته، وعلى من يتمسك بصدوره في مرض الموت يقع عبء الإثبات (٢). الحالة الثانية: وهي ما إذا اقترنت دعوی کل منهما بالبينة، وقد اختلف الفقهاء في هذه الحالة على قولين: أحدهما للحنفية: وهو أنه ترجّح بينة وقوعها في حال الصحة على بينة وقوعها في المرض، لأنّ الأصل اعتبار حالة المرض، لأنه حادث، والأصل إضافة الحادث إلى أقرب وقت من الحكم الذي يترتب عليه، والأقرب هو المرض المتأخر زمانه عن الصحة، فلهذا كانت البينة الراجحة بينة من يدعي حدوثها في زمان الصحة، إذ البينات شرعت لإثبات (١) جامع الفصولين ١٨٣/٢ ط. بولاق، والأشباه والنظائر لابن نجيم ص ٢٥٨ ط. الحلبي، والعقود الدرية في تنقيح الفتاوى الحامدية ٥٤/٢، ٨٠ والإنصاف للمرداوي ٧/ ١٧٤ (٢) نهاية المحتاج ٤١٤/٥، والبجيرمي على المنهج ٢٧٤/٣، ومغنى المحتاج ٣ / ٥٠ - ٨ - مَرَضُ الموت ٤-٥ خلاف الأصل (١). وقد جاء في مجلة الأحكام العدلية: ترجح بينة الصحة على بينة المرض، مثلاً إذا وهب أحد مالاً لأحد ورثته ثم مات، وادّعى باقي الورثة أنه وهبه في مرض موته، وادّعى الموهوب له أنه وهبه فى حال صحته، ترجح بينة الموهوب له (٢). والثاني للشافعية: وهو أنه ترجحُ بينةٌ وقوعها في مرضه على بينة وقوعها في (٣) صحته(٣). الحالة الثالثة: وهي ما إذا اقترنت دعوى أحدهما بالبينة دون الآخر، وفي هذه الحالة لا خلاف بين الفقهاء في تقديم قول المدعي صاحب البينة على قول الآخر الذي خلت دعواه عن البيئة، سواء أقام صاحبُ البينة بينته على صدور التصرف في الصحة أو في المرض. الهبة في مرض الموت: جعل جمهور الفقهاء لهبة المريض أحكاماً تختلف عن أحكام هبة الصحيح، وفرّقوا بين (١) الفتاوى البزازية ٤٥٣/٥ (بهامش الفتاوى الهندية)، وواقعات المفتين ص ٢٠٨، والعقود الدرية لابن عابدين ٢/ ٨٠، وحاشية الرملي على جامع الفصولين ١٨٣/٢ (٢) مجلة الأحكام العدلية مادة / ١٧٦٦ (٣) نهاية المحتاج ٦/ ٥٥، وإعانة الطالبين ٢١٣/٣، والبجيرمي على المنهج ٢٧٤/٣ ما إذا قبضها الموهوبُ له قبل موت المریض الواهب، وبين ما إذا لم يقبضها قبله. أولا- هبة المريض غير المدين المقبوضة: ٥- إذا وهب المريض غير المدين شيئاً من ماله، فإما أن يكون الموهوب له أجنبياً عنه، وإمّا أن یکون وارثاً له: أ- فإن كان الموهوبُ له أجنبياً عن المريض، وقبض العين الموهوبة، والمريض الواهب غير مدين، فيفرّق بين ما إذا لم يكن للواهب وارث وبين ما إذا كان له وارث: فإن لم يكن له وارث، فقال الحنفية: إنّ هذه الهبة صحیحة نافذة، ولو استغرقت كلّ ماله، ولا تتوقف على إجازة أحد (١). وقال الشافعية والمالكية: تبطل الهبة فيما زاد على ثلث مال المريض، لأنّ ماله ميراث للمسلمين، ولا مجيز له منهم، فبطلت (٢). أما إذا كان للمريض ورثة، فقد اتفق الفقهاء من الحنفية والشافعية والمالكية والحنابلة على نفاذ هبة المريض في هذه الصورة إن حملها ثلث ماله، أمّا إذا زادت (١) المبسوط ١٢/ ١٠٣ وانظرم (٨٧٧) من مجلة الأحكام العدلية. (٢) الأم ٤/ ٣٠ ط. بولاق، والمهذب ٤٥٧/١، والمنتقى للباجي ١٥٦/٦، والأبي على مسلم ٣٣٩/٤ - ٩ - مَرَضُ الموت. على الثلث، فيتوقف القدر الزائد منها على إجازة الورثة، فإن أجازوه نفذ، وإن ردّوه بطل (١). وتعتبر إجازتهم لو وقعت تنفيذاً وإمضاءً لهبة مورثهم، إلاّ على قول للشافعي (٢)، وقول مشهور عند المالكية (٣) ، حيث اعتبراها ابتداء عطية منهم. واستدل الفقهاء على اعتبار هبة المريض للأجنبي من ثلث ماله کالوصية (٤) بما روي عن سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه قال: ((عادني رسول الله وَل# في حجة الوداع من شكوى أشفيتُ منها على الموت، فقلت: یا رسول الله، بلغ پي ما تری من الوجع، وأنا ذو مال، ولا يرثني إلا ابنة لي واحدة، أفأتصدق بثلثي مالي؟ قال: ((لا))، قلت: فبشطره؟ قال: ((لا))، قال: ((الثلث كثير)» (٥). (١) الفتاوى البزازية ٢٤١/٦، والعقود الدرية لابن عابدين ٢/ ٨٥، وشرح معاني الآثار ٤/ ٣٨٠،، ومغني المحتاج ٤٧/٣، والأم ٤/ ٣٠، والمهذب ١/ ٤٦٠، ونهاية المحتاج ٦/ ٥٥، وكفاية الطالب الرباني ٢٣٥/٢، والمغني مع الشرح الكبير ٢٨٦/٦، وانظر مادة (٨٧٩) من مجلة الأحكام العدلية، ومادة (٨٥) من مرشد الحيران. (٢) المهذب ٤٥٧/١، ونهاية المحتاج ٦/ ٥٤ (٣) البهجة شرح التحفة للتسولي ٢٤٠/٢ (٤) شرح معاني الآثار ٣٧٩/٤ وما بعدها، والباجي على الموطأ ١٥٦/٦ وما بعدها. (٥) حديث: ((عادني رسول الله له في حجة الوداع .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٧٩/١١)، ومسلم (١٢٥٠/٣) واللفظ للبخاري. قال الطحاوي: ففي هذا الحدیث جعل صدقته في مرضه من الثلث، كوصاياه من الثلث بعد موته(١). أمّا إذا وهب المريض غير المدين لوارثه شيئاً من ماله، وأقبضه إياه، فيفرّق بين ما إذا لم يكن للواهب المريض وارث سوى الموهوب له، وبین ما إذا كان له وارث غيره. فإن لم یکن له وارث سوی الموهوب له، فقال الحنفية: إنّ هذه الهبة صحیحةٌ نافذة، ولا تتوقف على إجازة أحد، سواء كان الموهوب أقلّ من الثلث أم أكثر منه (٢) أما إذا كان للمریض ورثة غیر الموهوب له فقال جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية في الأظهر، والمالكية والحنابلة : تتوقف الهبةُ على إجازة باقي الورثة، سواء أكان الموهوب أقلّ من الثلث أم أكثر منه - كما في الوصية لوارث - فإن أجازها الورثة نفذت، وإن ردّوها بطلت (٣). وتعتبر إجازتهم تنفيذاً وإمضاءً لهبة (١) شرح معاني الآثار ٣٨١/٤ (٢) مجلة الأحكام العدلية المادة / ٨٧٨، وانظر شرح المجلة للأناسي ٣/ ٤٠٢ وما بعدها. (٣) الفتاوى الهندية ٤/ ٤٠٢، وجامع الفصولين ١٨١/٢ وما بعدها، ونهاية المحتاج ٤٠٨/٥، ٤٨/٦، والمهذب ٤٥٨/١، والبهجة شرح التحفة ٢٤٠/٢، وتوضيح الأحكام للتوزري ٢٨/٤، والمغني ٢٨٦/٦، ٤٩١، ومجلة الأحكام العدلية مادة ٨٧٩ - ١٠ - مَرضُ الموت ٥-٧ مورثهم عندهم إلاّ علی قول للشافعي وقول مشهور عند المالكية وهو أنها تعتبر ابتداء عطية. وخالف في ذلك الإمام الشافعي في غير الأظهر وقال: هبة المريض المقبوضة لوارث باطلة مردودة (١). ثانيا - هبة المريض المدين المقبوضة: ٦- إذا كان المريضُ الواهب مدينًا، فإما أن یکون دینه مستغرقاً لماله، وإمّا أن یکون غیر مستغرق: فإن کان المریض مدیناً بدیْن مستغرق، ووهب شيئاً من ماله، وقبضه الموهوب له، فلا تنفذ هبته، سواء أكان الموهوبُ أقلّ من الثلث أم أكثر منه، وسواء أكان الموهوب له أجنبيا من الواهب أو وارثاً له، بل تتوقف على إجازة الدائنين، فإن أجازوها نفذت، وإن ردّوها بطلت، وقد جاء في مجلة الأحكام العدلية: إذا وهب من استغرقت تركته بالديون أمواله لوارثه أو لغيره، وسلّمها، ثم توفي، فلأصحاب الديون إلغاء الهبة، وإدخال أمواله في قسمة الغرماء. أما إذا كان المريض الواهبُ مدیناً بدین غير مستغرق، وقبض الموهوب له المال (١) الأم ٣٢/٤ ط. بولاق. الموهوب، ففي هذه الحالة يخرج مقدار الديون من التركة، ويحكم على الهبة في المبلغ الزائد بنفس الحكم عليها في حالة ما إذا كانت التركة خالية عن الدين (١). والتفصيل في مصطلح (هبة). ثالثا - هبة المريض غير المقبوضة: ٧- إذا وهب المريض شيئاً من ماله، ولم يقبض الموهوبُ له العينَ الموهوبة حتى مات الواهب، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على قولین: أحدهما للحنفية والشافعية: وهو أنّ الهبة تبطل في هذه الحالة لموت الواهب قبل القبض، كما تبطل أيضاً لو كان الواهب صحيحاً وقت الهبة، قالوا: ولا تنقلب هبة المريض في هذه الحالة وصيّةً، لأنها صلة، والصلاتُ يبطلها الموت كالنفقات، ولأن الواهب أراد التمليك في الحال لا بعد الموت، إذ الهبة من العقود التي تقتضي التمليك المنجّز في الحياة(٢). قال الشافعي: إذا وهب الرجل في مرضه الهبة، فلم یقبضها الموهوب له حتى مات (١) مجلة الأحكام العدلية المادة ٨٨٠ وشروحها. (٢) المبسوط ١٠٢/١٢، ورد المحتار ٤/ ٧١٠ ط. بولاق، وجامع الفصولين ٢/ ١٨٠، والفتاوى البزازية ٦/ ٢٤٠، والعقود الدرية لابن عابدين ٢/ ٨٢ - ١١ - ٠٠ مَرضُ الموت ٧-٨ الواهب، لم يكن للموهوب له شيء، وكانت الهبة للورثة (١). وجاء فى الفتاوى الهندية: ولا تجوز هبة المريض ولا صدقته إلا مقبوضة، فإذا قبضت جازت من الثلث، وإذا مات الواهب قبل التسليم بطلت (٢). والثاني للمالكية وابن أبي ليلى: وهو أن الهبة في هذه الحالة صحيحة، وتأخذ حکم الوصية، ولو أنّ الموهوب له لم يقبضها قبل موت الواهب المريض (٣). جاء في فتاوى عليش: ما قولكم في هبة المریض وصدقته وسائر تبرّعاته، هل تحتاج لحيازة قبل موته، كتبرعات الصحيح، أم لا؟ فأجبت: لا تحتاج لحوز عنه قبل موته، لأنها كالوصية في الخروج من الثلث، قال البناني: وأمّا المريض فتبرعاته نافذة من الثلث مطلقاً، أشهد أم لا، فلا يتوقف مضيّ تبرعه على حوز ولا على الإشهاد الذي يقوم مقامه، قال في المدونة: وكلّ صدقة أو هبة، أو حبس أو عطية بتله المریض لرجل بعينه أو للمساکین، فلم تخرج من یده حتى مات، فذلك نافذ من (١) الأم ٢٨٥/٣ (٢) الفتاوى الهندية ٤/ ٤٠٠ (٣) مواهب الجليل ٣٨١/٦، والمدونة ٣٢٦/٤، ٣٤٨، والمنتقى للباجي ١٥٧/٦، والمبسوط ١٠٢/١٢، واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص ٤٩ ثلثه کوصاياه، وهذا ما لم يكن مالُه مستغرقاً بالدين، فإن كان مستغرقا بطلت في أحد القولين ، واقتصر عليه ابن الحاجب (١). أداء المريض حقوق الله المالية: ٨ - إذا أدّى الإنسان في مرض موته ما وجب عليه من الحقوق المالية لله عز وجل، فقد اختلف الفقهاء هل يعتبر ذلك من الثلث على ثلاثة أقوال: أحدها للحنفية: وهو أنه يعتبر هذا الأداء من الثلث، سواءٌ وجب مالاً من الابتداء كالزكاة وصدقة الفطر، أو صار مالاً في المآل، كالفدية في الصلاة والصوم بسبب العجز، فإن لم يؤده بنفسه لا يصير ديناً في التركة بعد الموت مقدماً على الميراث، إلا إذا أوصى بها (٢). والثاني للشافعية: وهو أنه إن أدّاه بنفسه كان معتبراً من جميع المال، وإن لم يؤدّه بصير ديناً في جميع التركة مقدماً على الميراث (٣). والثالث للمالكية: وهو أنه إن أدّاه بنفسه كان معتبراً من جميع المال، وإن لم يؤدّه بنفسه، فلا يجبر الورثة بعد موته على إخراجه من تركته مقدماً على الميراث، إلاَّ أن يتطوعوا بذلك (٤). (١) فتاوى عليش ٢/ ٢٤٢، والحطاب ٦/ ٥٦ (٢) كشف الأسرار على أصول البزدوي لعبد العزيز البخاري ٤/ ١٤٣٠ ط. استانبول ١٣٠٧هـ. (٣) المرجع السابق ٤ /١٤٣١ (٤) المدونة ٣٠٩/٤ ط. المطبعة الخيرية. - ١٢ - مَرضُ الموت ٩ - ١٠ الرجوع عن هبة الموهوب له المریض: ٩- إذا رجَعَ الواهبُ عن هبته، والموهوب له مريضٌّ، وقد كانت الهبة في الصحة، قال الحنفية: إن كان بقضاءِ قاضٍ فالرجوع فيها صحيح، ولا سبيل لغرماء الموهوب له وورثته بعد موته على الواهب، لأنّ الواهب يستحقه بحق سابق له على حقهم، وإن كان ذلك بغیر قضاء قاضٍ، كان ردّ المريض لها حين طلب الواهب بمنزلة هبة مبتدأة من المريض، وتسري على ذلك أحكام هبة المريض (١). الكفالة بالمال في مرض الموت: إذا كفل المریض غيره بماله، فإمّا أن يكون غير مدين، وإمّا أن يكون مديناً. أولا- كفالة المریض غير المدین: ١٠- قال المالكية والشافعية والحنابلة: كفالة المريض بماله ديناً لشخصٍ على آخر تعتبر تبرعاً بالتزام مال لا يلزمه، ولم يأخذ عنه عوضاً، وهي استهلاكٌ لمال المريض، فتأخذ (٢) حكم الوصية (٢). (١) المبسوط ١٠٥/١٢، والزيلعي ١٠٢/٥ وما بعدها، والفتاوى الهندية ٤ / ٤٠١ (٢) التاج والإكليل للمواق ٩٧/٥، والخرشي ٢٢/٦ وما بعدها، والمدونة ١٤٢/٤، والمغني لابن قدامة ٧٩/٥ وقال الحنفية: يفرّق في حكم كفالة المريض غير المدين بين ما إذا كان كلّ من المکفول له، وهو الدائن، والمکفول عنه، وهو المدين، أجنبياً عن المريض، وبين ما إذا كان أحدهما وارثا له: أ- فإذا كفل المريض ديناً لشخص على آخر، وكان كلّ من المكفول له وعنه أجنبياً عن المريض، نفذت الكفالة من كلّ مال المریض إذا لم یکن له وارث، وللدائن الحقّ في أخذ الدین المضمون به من تر کته، ولو استغرق ذلك الدین کلّ التر کة، ولیس لأحد حقّ في معارضته. أما إذا كان للمریض ورثةٌ، فینظر: فإن كان المالُ المضمون به لا يتجاوز ثلث ماله، نفذ وإن لم يجزه الورثة، وإن تجاوز الثلث توقف القدر الزائد على إجازتهم، فإن ردّوه بطل، وإن أجازوه نفذ، لأنّ المنع كان لحقهم وقد أسقطوه، فيزول المانع (١). ب - أمّا إذا كان المكفول له أو عنه وارثاً، ولم يكن للمريض الضامن وارثٌ سواه، فإنّ الكفالة تنفذ من كلّ مال المريض، ولا اعتراض لأحد عليه. أما إذا كان له ورثة غيره، فلا تنفذ هذه (١) رد المحتار ٤٩٠/٢ ط. بولاق الثالثة ١٢٩٩ هـ.، وبدائع الصنائع ٦/ ٦، وجامع الفصولين ١٧٩/٢، وفتاوى قاضيخان ٦٩/٣ - ١٣ - مَرضُ الموت ١٠-١١ الكفالة إلاّ إذا أجازها الورثة وكانوا من أهل التبرع، سواء أكان الدين المكفول به قليلاً أم كثيراً، فإن أجازت الورثة ثبت للمكفول له أخذ الدين من التركة، وإن لم يجيزوها فلا حقّ له في أخذ شيء منها، بل يأخذ دينه من المدين الأصلي، وهو المكفول عنه (١). ثانيا - كفالة المريض المدین: ١١- يفرّق في كفالة المريض المدين بماله بين ما إذا كان دينه مستغرقاً لتر كته، وبين ما إذا كان غير مستغرق. أ- فإن کان دینه مستغرقاً لتر کته، فلا تنفذ کفالته، ولو قلّ الدین المكفول به، إلاّ إذا أبراه الدائنون الذين تعلّق حقهم بأمواله قبل هذه الكفالة من المال المکفول به، لأن الحقّ لھم، ولهم أن يسقطوه برضاهم (٢). ب - أما إذا كان دينه غير مستغرق لتركته، ففي هذه الحالة يخرج من التر كة مقدار الدیون الثابتة على المريض، ويحكم على الكفالة بالمبلغ الزائد على الدين بنفس الحكم على الكفالة في حالة خلوّ التركة عن الديون (٣). وقال الكاساني: ولو كفل في صحته، (١) رد المحتار ٣٤٩/٤، وجامع الفصولين ١٧٩/٢، والفتاوى الهندية ٢٨٩/٣، وانظر م (١٦٠٥) من مجلة الأحكام العدلية. (٢) الفتاوى الهندية ٢٨٩/٣، ورد المحتار ٣٤٩/٤ (٣) مرشد الحيران: مادة / ٧٣٣ وأضاف ذلك إلى ما يستقبل، بأن قال للمکفول له: کفلتُ بما یذوب لك علی فلان، ثم وجب له على فلان دینٌ في حال مرض الكفيل، فحكمُ هذا الدین وحكمُ دين الصحةِ سواء، حتى يضرب المكفولُ له بجميع ماً يضربُ به غريمُ الصحة، لأنّ الكفالة وجدت في حال الصحة (١). وجاء في فتاوى قاضيخان: وإن أقرّ المريض أنّ الكفالة بذلك كانت في صحته، لزمه جميع ذلك في ماله إذا لم تكن الكفالة لوارث ولا عن وارث، لأنّ إقرار المريض بأنّ الكفالة کانت في صحته إقرارٌ منه بمال کان سببه في الصحة، فيكون بمنزلة الإقرار بالّدين، فصحّ إذا كان المكفول له أجنبياً ولم يكن عليه دین محيط بماله (٢). وجاء في م (١٦٠٥) من مجلة الأحكام العدلية: إذا أقرّ في مرض موته بکونه قد کفل في حال صحته، فيعتبر إقراره من مجموع ماله، ولكن تقدّم دیون الصحة إن وجدت. الوقف في مرض الموت: يفرق في الوقف بين ما إذا كان المريض الواقف غير مدين وبين ما إذا كان مديناً: (١) بدائع الصنائع ٧/ ٣٧٠، وانظر شرح المجلة للأناسي ١٥/٣، ٤/ ٦٨٥. (٢) فتاوی قاضیخان ٦٩/٣ - ١٤ - مَرضُ الموت ١١-١٤ أولا- وقف المریض غیر المدین: إذا وقف المريض غير المدين ماله أو شيئاً منه: فإمّا أن يكون وقفه على أجنبي، وإمّا أن یکون علی وارث: أ - وقف المريض غير المدين على أجنبىّ: ١٢- ذهب الفقهاء إلى أنّ وقف المريض غير المدين شيئاً من ماله على أجنبي عنه أو على جھة من جهات البر صحیحٌ نافذ لا يتوقف على إجازة أحد إن كان مقدار الوقف لا يزيد على ثلث التركة عند موت الواقف. أما إذا كان مقدار الموقوف زائداً على الثلث، فينفذ الوقف في قدر الثلث، ويتوقف في القدر الزائد على إجازة الورثة (١). ب- وقف المريض غير المدين على الوارث: ١٣- إن كان وقفه على جميع الورثة، ثم على أولادهم، ثم على جهة برِّ لا تنقطع، فينظر إن أجاز الورثة جميعا هذا الوقف نفذ، سواءٌ كان الموقوف يخرج من ثلث تركته أم كان أكثر منه. (١) الفتاوى الهندية ٢/ ٤٥١، والعقود الدرية لابن عابدين ١/ ١٠٠، وجامع الفصولين ٢/ ١٧٧، وفتاوى قاضيخان ٣١٦/٣، ومغني المحتاج ٣٧٧/٢، وفتاوى عليش ٢١٧/٢، وحاشية العدوي على شرح الخرشي ٧/ ٧٥، والدردير على خليل ٨١/٤، والمدونة ٣٤٦/٤، والمغني لابن قدامة (مع الشرح الكبير) ٢١٩/٦، وانظر المادة (٣٣) من قانون العدل والإنصاف لقدري باشا. وإن لم يجيزوه نفذ وقف ما يخرج من الثلث. وإن أجازه بعض الورثة دون بعض، كانت حصة المجيز وقفاً مع الثلث (١). وإن كان وقف المريض غير المدين على بعض ورثته، فقد اختلف الفقهاء في وقفه على مذاهب، وتفصيل ذلك في مصطلح (وقف). ج - وقف المريض المدین: ١٤ - إذا وقف المريضُ ماله أو شيئاً منه، ومات وهو مدین بدین مستغرق لتر كته، فإنه يتوقف وقفه كلّه على إجازة الدائنين، سواء أكان الموقوف عليه وارثا أم غير وارث، وسواء أكان الموقوف أقلّ من الثلث أم مساوياً له أم أكثر منه، فإن أجازوه نفذ، وإن لم يجيزوه بطل الوقف، وبيعت الأعيان الموقوفة لوفاء ما عليه من الديون (٢). وأما إذا وقف المريض شيئاً من ماله، وكان مدیناً بدین غير مستغرق لتركته، فيخرج مقدار الدين من التركة، ويحكم على الوقف في الباقي من التركة بعد الإخراج بالحكم على الوقف عندما تكون التركة خالية من الدیون. والتفصيل في مصطلح (وقف). (١) رد المحتار ٣/ ٥٠٠، والعقود الدرية لابن عابدين ١٠٢/١، ١٠٣ (٢) فتاوى قاضيخان ٣١٦/٣، وجامع الفصولين ١٧٧/٢، وواقعات المفتين ص ٨٦. - ١٥ - مَرضُ الموت ١٥ التصرفات المالية في مرض الموت: للتصرفات المالية في مرض الموت أحكام منها: أولا- البيع في مرض الموت: أ- بيع المريض غير المدين ماله لأجنبي: ١٥- اتفق الفقهاء على أنّ المريض إذا باع شيئاً من أعيان ماله لأجنبي بثمن المثل أو بما یتغابن الناس بمثله، فبیعہ صحیحٌ نافذ على البدل المسمى، لأنّ المريض غير محجور عن المعاوضة المعتادة التى (١) لا تمس حقوق دائنیه و ورثته ٠ أما إذا باعه مع المحاباة: فقد ذهب الحنفية إلى أنه إذا باع المريض شيئاً من ماله لأجنبي وحاباه في البيع. فإن كانت المحاباة بحيث يحملها الثلث، فإنّ البیع صحیح ونافذ على البدل المسمى، لأن المريض له أن يتبرع لغير وارثه بثلث ماله، ويكون هذا التبرع نافذاً، وإن لم يجزه الورثة (٢). أما إذا كانت المحاباة أكثر من ثلث ماله، فإن أجازها الورثة نفذت، لأنّ المنع كان لحقهم، وقد أسقطوه، وإن لم یجیزوها، فإن (١) كشف الأسرار على أصول البزدوي ١٤٢٩/٤، والأم ٤/ ٣٠، وشرح الخرشي ٣٠٥/٥، والمغني (مع الشرح الكبير) ٥/ ٤٧٢، وانظر م (٣٩٤) من مجلة الأحكام العدلية وم (٢٦٥) من مرشد الحيران. (٢) انظر شرح المجلة للأناسي ٢/ ٤١١ لم يكن البدلان من جنس واحد من الأموال الربوية وزادت المحاباة على الثلث، ولم يجزها الورثة، فيخيّر المشتري بين أن يدفع للورثة قيمة الزائد على الثلث لیکمل لهم الثلثين، وبين أن يفسخ البيع ويردّ المبيع إلى الورثة ويأخذ ما دفعه من الثمن إن كان الفسخ ممكناً، أما إذا تعذّر الفسخ - كما إذا هلك المبيع تحت يده أو أخرجه عن ملكه - ألزم بإتمام الثمن إلى أن يبلغ القيمة (١). وأما إذا كان البدلان من جنس واحد من الأموال الربوية غير النقدين، وكانت المحاباة بأکثر من ثلث ماله، ولم يجزها الورثة، فليس للورثة أن يلزموا المشتري بأن يدفع لهم الزائد على الثلث أو یفسخ البيع، لأن هذا يؤدي إلى ربا الفضل، لهذا ينسب الثلث إلى المحاباة، ويصحّ البيع بقدر النسبة ويبطل فيما عداها، والمشتري بالخيار بين فسخ العقد لتفرق الصفقة عليه، وبين الرضا بالبيع في (٢) القدر الباقي (٢). وقال المالكية: إذا باع المريض ماله لأجنبي بأقل من ثمن المثل ومما يتغابن الناس بمثله: فإن قصد ببيعه ماله بأقل من قيمته بكثير (١) انظرم (٣٩٤) من مجلة الأحكام العدلية، وم (٢٦٦) من مرشد الحيران. (٢) المبسوط السرخسي ٢٩/ ٥٩ - ١٦ - مَرَضُ الموت ١٥ نفعَ المشتري، فما نقص عن القيمة يعتبر محاباةً حكمها حكم الوصية للأجنبي، تنفذ من ثلث ماله إن حملها الثلث، وتبطل في القدر الزائد على الثلث إن لم يجزها الورثة، وإن أجازوها جازت، وتكون ابتداء عطية منهم تفتقر إلى الحوز (١)، والوقت المعتبر في تقدير قيمة المبيع هو وقت البيع، لا وقت موت البائع (٢). أما إذا لم يقصد ببيعه ماله بأقل من قيمته بکثیر نفع المشتري، كأن وقع منه ذلك جهلاً بقيمته، فهو غبن يصحّ معه البيع على البدل المسمى وينفذ، ولا يعتبر النقصانُ عن ثمن المثل من الثلث مهما بلغ على المشهور (٣) المعمول به (٣). وقال الشافعي: إذا باع المريض شيئاً من أعيان ماله للأجنبي، وحاباه في البدل، فحكم هذه المحاباة حكم الوصية للأجنبي، تنفذ من ثلث ماله، وما زاد عن الثلث يتوقف على إجازة الورثة، فإن أجازوها نفذت، وإلاّ خيّر المشتري بين ردّ المبيع إن كان قائما، ويأخذ ثمنه الذي دفعه، وبين أن يعطي الورثة الفضل (١) الخرشي على خليل ٣٠٥/٥، والبهجة على التحفة للتسولي ٨٢/٢ (٢) المنتقى للباجي ١٥٨/٦ (٣) توضيح الأحكام للتوزري ٧٤/٣ (ط. تونس سنة ١٣٣٩ هـ). عمّا يتغابن الناسُ بمثله مما لم يحمله الثلث، وإن كان المبيع هالكاً، ردّ الزيادة على ما يتغابن الناسُ بمثله مما لم يحمله الثلث، وكذا إذا كان المبيع قائما، لكنه قد دخله عيب (١). وقال الحنابلة: إذا حابى المريض أجنبياً في البيع، فالبيع صحيحٌ، وتنفذ المحاباة من ثلث ماله إن حملها. أمّا إذا كانت أكثر من الثلث: فإن أجازها الورثة نفذت، وإن لم يجيزوها - فإن لم يكن البدلان من جنس واحد من الأموال الربوية، وزادت المحاباة على الثلث - بطل البيع في قدر الزيادة على الثلث، وسلم للمشتري الباقي، وكان بالخيار بين فسخ البيع لتفرق الصفقة عليه وبين أن يأخذ ما سلم له من (٢) المبيع أما إذا كان البدلان من جنس واحد من الأموال الربوية غير الثمنين، وزادت المحاباة على الثلث، ولم يجزها الورثة، فينسب الثلث إلى المحاباة، ويصحّ البيع بقدر النسبة، ويبطل فيما عداها، والمشتري بالخيار بين فسخ البيع لتفرق الصفقة عليه، وبين الرضا بالبيع في القدر الباقي، وإنما فعل ذلك لئلا يفضي (١) الأم ٤/ ٣٠ وما بعدها. (٢) المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ٥١٦/٦، والإنصاف للمرداوي ٧/ ١٧٥. - ١٧ - مَرضُ الموت ١٥ - ١٧ إلی الربا (١). قال المرداوي: وإن باع مريضٌ قفيزاً لا یملك غيره يساوي ثلاثین بقفیز يساوي عشرة، فأسقط قيمة الردئ من قيمة الجيد، ثم نسب الثلث إلى الباقي وهو عشرة من عشرين تجده نصفها، فيصحّ البيع في نصف الجيد بنصف الردئ، ويبطل فيما بقي، وهذا بلا نزاع (٢). ب- بيع المريض المدين ماله لأجنبي: ١٦ - إذا باع المريضُ شيئا من ماله لأجنبي بثمن المثل، وكان مدينا بدين مستغرق فإن البيع صحيحٌ نافذٌ على العوض المسمى، ولاحقّ للدائنين في الاعتراض عليه، لأن حقهم متعلّقٌ بمالية التركة لا بأعيانها، والمدين وإن كان قد أخرج شيئاً من ملكه بهذا البيع إلاّ أنه قد أدخل فيه ما يقابله من الثمن المساوي لقیمته. أما إذا كان في البيع محاباة للمشتري، فلا تنفذ المحاباة سواء أكانت قليلة أم كثيرة إلاَّ بإجازة الدائنین، لتعلق حقهم بماله، فإن لم يجيزوا خيّر المشتري بين أن يُبلغ المبيع تمام قیمته، ولا اعتراض للدائنین علیه، إذ لا ضرر يلحقهم، وبین فسخ العقد وأخذ ما دفعه من (١) الإنصاف ٧/ ١٧٤ وما بعدها. (٢) الإنصاف ٧/ ١٧٤. الثمن إن كان الفسخ ممكناً، أمّا إذا تعذر الفسخ، کما إذا هلك المبیع تحت يده أو أخرجه عن ملکه ألزم بإتمام الثمن إلى أن يبلغ القيمة . وإذا باع المريض شيئاً من ماله لأجنبي بثمن المثل، وكان مديناً بدين غير مستغرق لماله، صحّ البيعُ ونفذ على البدل المسمى، أمّا إذا كان فيه محاباة، فيخرج مقدار الدين من التركة، ويأخذ هذا البيع حكم البيع فيما لو كان المريض غير مدين أصلاً بالنسبة للمبلغ الباقي بعد الإخراج (١). ج-بیع المریض ماله لوارث: إذا باع المريض شيئاً من ماله لوارثه، فإما أن يكون المريضُ البائع غير مدين، وإما أن یکون مدیناً. بیع المریض غیر المدین ماله لوارث: ١٧- ذهب أبو يوسف ومحمد بن الحسن وابن أبي ليلى: إلى أنه إن باع المريض وارثه عيناً من ماله بمثل القيمة أو بما يتغابن الناس بمثله، فإنّ بیعہ یکون صحیحاً نافذاً، لأنه لیس فيه إبطال لحق الورثة عن شيء مما يتعلّق به (١) جامع الفصولين ١٧٨/٢، والعقود الدرية لابن عابدين ٥٤/٢، وواقعات المفتين ص ٨٩، وانظر م (٣٩٥) من مجلة الأحكام العدلية وم (٢٦٧) من مرشد الحيران، وانظر شرح المجلة للأناسي ٤١٤/٢ - ١٨ - مَرضُ الموت ١٧ حقهم، وهو المالية، فكان الوارث والأجنبي في ذلك سواء (١). أما إذا باع المريض وارثه عيناً من ماله وحاباه في الثمن، فإنّ البيع يتوقف على إجازة الورثة، سواء حمل ثلث ماله هذه المحاباة أم لم يحملها، فإن أجازوه نفذ، وإلا خيّر الوارث بين أن يُبلغ المبيع تمام القيمة، وعندها يسقط حقّ الورثة في الاعتراض علیه، وبین أن يفسخ البيع، ويردّ المبيع إلى التركة، ويستلم الثمن الذي دفعه للمورث (٢). وقال أبو حنيفة: البيع يكون موقوفاً على إجازة باقي الورثة، فإن أجازوه نفذ، وإن ردّوه بطل، سواء أكان البدل مساوياً لمثل القيمة أم کان فيه محاباة (٣). وهو القول الراجح في المذهب الحنفي، وبه قال أبو الخطاب من الحنابلة (٤). وقال المالكية: إذا باع المريض وارثه شيئاً من ماله دون محاباة فالبيع جائز ونافذ على (١) كشف الأسرار على أصول البزدوي ١٤٢٩/٤، ورد المحتار ٤/ ١٩٣، والمبسوط ١٤/ ١٥٠ واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص ٢٩، شرح المجلة للأناسي ٤٠٩/٢ (٢) رد المحتار ١٩٣/٤ (٣) المبسوط ١٥٠/١٤، رد المحتار ١٩٣/٤، والعقود الدرية لابن عابدين ٢٦٨/٢، وكشف الأسرار ١٤٢٩/٤ وما بعدها، واختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص ٢٩، فتاوى قاضيخان ١٧٧/٢، وانظر م (٣٩٣) من مجلة الأحكام العدلية، وم (٢٦٤) من مرشد الحيران. (٤) الإنصاف للمرداوي ٧/ ١٧٢ البدل المسمى (١). أما إذا حابى المريض وارثه في البيع، فإن حاباه في الثمن كأن باعه بمائة ما يساوي مائتين مثلاً، فالبيع باطل بقدر المحاباة كلها إن لم يجزها الورثة، ولا تعتبر المحاباة من الثلث، ویصحّ البیع وینفذ فيما عداها، وتعتبر إجازة الورثة للقدر المحابى به ابتداء عطية منهم تفتقر إلى حوز، قالوا: والمعتبر في تقدير محاباته ليوم البيع لا ليوم الحكم، ولا عبرة بتغيّر الأسواق بعد ذلك بزيادة أو نقص (٢). أما إذا حابى المريض وارثه في عين المبيع، کأن يقصد إلی خیار ما يملكه فيبيعه من ولده، ففي هذه الحالة يكون لورثته نقض ذلك البيع، ولو كان بثمن المثل أو أكثر (٣). وذهب الشافعية إلى أنه يجوز للمريض أن يبيع ما شاء من أعيان ماله إلى أي شخص من ورثته، وينفذ بيعه على العوض المسمى إذا كان البيع بمثل القيمة أو بما يتغابن الناس بمثله (٤)، أما إذا كان في البدل محاباة (١) المدونة ٢٢٢/٣ (٢) البهجة شرح التحفة للتسولي ٨٢/٢، والخرشي على خليل ٣٠٥/٥، والمنتقى للباجي ١٥٨/٦، وتوضيح الأحكام للتوزري ٧٤/٣ (٣) شرح ابن سودة على التحفة ٤٤/٢، وشرح ابن ناجي على الرسالة ٣١٥/٢، وتوضيح الأحكام ٧٤/٣، والبهجة شرح التحفة ٢/ ٨٣ (٤) نهاية المحتاج ٤٠٨/٥، والمهذب ١/ ٤٦٠، والأم ٧/ ٩٧ - ١٩ - مَرضُ الموت ١٧ - ١٨ للوارث، فحكم هذه المحاباة حكم الوصية للوارث حيث إنّ الأظهر عند الشافعية أنّ الوصية للوارث تكون موقوفة على إجازة الورثة، فإن أجازوها نفذت، وإن لم يجيزوها بطلت، فيبطل البيع في قدر هذه المحاباة، (١) قال الرملي: المرض إنما يمنع المحاباة، ولا (٢) یمنع الإيثار (٢). وقال الحنابلة : يجوز للمريض أن يبيع ما شاء من ماله لوارثه، وينفذ بيعه إذا كان (٣) بثمن المثل (٣). أما إذا حابى وارثه في البيع، فهناك ثلاثة أقوال في المذهب: أحدها: لا يصح البيع، لأن المشتري بذل الثمن في كل المبيع، فلم يصحّ في بعضه، كما لو قال: بعتك هذا الثوب بعشرة. فقال: قبلت البيع في نصفه، أو قال: قبلت نصفه بخمسة، ولأنه لم يمكن تصحيح البيع على الوجه الذي تعاقدا عليه، فلم يصحّ كتفريق الصفقة (٤) . والثاني: أنه يصحّ فيما يقابل الثمن (١) نهاية المحتاج ٤٨/٦، والبجيرمي على الخطيب ٣٠٣/٣، والمهذب ٣٨٦/١ (٢) نهاية المحتاج ٤١٧/٥ (٣) الإنصاف للمرداوي ٧/ ١٧٢، والمغني (مطبوع مع الشرح الكبير) ٤٧٢/٥، ٤٢١/٦، والشرح الكبير على المقنع ٢٩٨/٦ (٤) المغني ٤٧٣/٥، والإنصاف ١٧٣/٧ المسمى، وتتوقف المحاباة على إجازة الورثة، فإن أجازوها نفذت، وإن ردّوها بطل البيع في قدر المحاباة وصحّ فيما بقي (١). والثالث: أنه يبطل البيع في قدر المحاباة، ويصح فيما يقابل الثمن المسمى، وللمشتري الخيار بين الأخذ والفسخ، لأنّ الصفقة تفرقت عليه، قالوا: وإنما حكمنا بالصحة في ذلك القدر؛ لأنّ البطلان إنما جاء من المحاباة، فاختصّ بما يقابلها، وهذا هو القول الصحيح في المذهب (٢). بيع المريض المدین ماله لوارث: ١٨ - اتفق أبو حنيفة وأصحابه على أنّ المريض المدين بدين مستغرق إذا باع ماله لوارث بثمن المثل، فإنّ البيع صحیح نافذ على البدل المسمى، ولا حقّ للدائنين في الاعتراض عليه، لأنّ حقهم متعلق بمالية التركة لا بأعيانها، والمريض وإن كان قد أخرج شيئاً من ملكه بهذا البيع إلاَّ أنه قد أدخل فيه ما يقابله من الثمن المساوي لقیمته. أما إذا كان في بيع المريض المدين محاباة للوارث في البدل، فلا تنفذ المحاباة سواء أكانت قليلةٌ أم كثيرةً إلا بإجازة الدائنين، فإن (١) المغني ٤٧٣/٥ (٢) الإنصاف ١٧٢/٧، والشرح الكبير على المقنع ٢٩٨/٦، والمغني ٤٧٣/٥ - ٢٠ -