Indexed OCR Text

Pages 181-200

مُخَاصَّة ٤ - ٦
المحجور عليه، كما قال جمهور الفقهاء،
قالوا: فإن كانت الديون مخالفة لجنس مال
المفلس وصفته فإن الحاكم يبيع مال المفلس
ويقسمه بين الغرماء، وإن كان فى الغرماء من
دینه من غیر جنس الأثمان وليس في مال
المفلس من جنسه ورضي الغريم أن يأخذ
عوضه من الأثمان جاز، وإن لم يرض وطلب
جنس حقه اشتری له بحصته من الثمن التي
آلت إليه بالمحاصة من جنس دينه (١).
وقال المالكية: إذا كان على المفلس ديون
مختلفة بعضها نقد وبعضها عرض وبعضها
طعام بأن كان لأحد الغرماء دنانير ولآخر
عروض ولبعضهم طعام فإن ما خالف
النقد من مقوم ومثلي يقوم يوم الخصاص
(أي يوم قسم المال) فإذا كان لغريم مائة
دينار على المفلس، ولغريم آخر عرض قيمته
مائة، ولآخر طعام قيمته مائة ومال المفلس
مائة فإنها تقسم بين الغرماء أثلاثا فيأخذ
صاحب النقد ثلثها، ولكل من صاحبي
العرض والطعام الثلث فيعطي لصاحب
النقد منابه، ويشتري لصاحب العرض
عرضا من صفة عرضه بما نابه، وكذلك
صاحب الطعام يشترى له طعاما من صفة
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٢٦٩/٣ - ٢٧٢، ومغني
المحتاج ١٥١/٢، وكشاف القناع ٤٣٢/٣، والمغني
٤٩٤/٤
طعامه بالثلث الثالث، ويجوز مع التراضي
أخذ الثمن إن خلا من مانع .
هذا تفصيل المالكية وقريب منه ما ذهب
إليه الشافعية والحنابلة (١).
ويجوز عند المالكية أن يقوم الغرماء بتفليس
المدين الذي أحاط الدين بماله وقسم ماله
بينهم بالمحاصة دون أن يحجر عليه من قبل
الحاكم (٢).
ظهور غريم بعد المحاصة :
٥ - لو تحاص الغرماء دين المفلس ثم ظهر
غريم آخر فلا تنقض المحاصة ويرجع
الغريم على الغرماء بقسطه عند جمهور
الفقهاء وهذا في الجملة.
وینظر تفصيل ذلك في (إفلاس ف ٥٣).
مخاصة أصحاب الديون المؤجلة :
٦ - الدين المؤجل يحل بتفليس الحاكم عند
المالكية وفي قول للشافعية ورواية عن أحمد،
وعلى ذلك فإن أصحاب الديون المؤجلة
يشاركون أصحاب الديون الحالّة في
المحاصة.
وينظر تفصيل ذلك في (إفلاس ف ٢٤).
وإذا وجد أحد الغرماء عين ماله التي
(١) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٧٢/٣، ومغني المحتاج
١٥١/٢، والمغني ٤ / ٤٩٤
(٢) حاشية الدسوقي ٢٦٣/٣، ٢٦٤
- ١٨١ -

مُخَاصَّة ٦ - ٧
باعها للمفلس جاز له أن يأخذها وجاز له أن
يحاصص الغرماء بثمن العين.
وهذا عند جمهور الفقهاء (١)، لقول النبي
مثل: ((من أدرك ماله بعينه عند رجل أو
إنسان قد أفلس فهو أحق به من غيره)) (٢).
وقال الحنفية: من أفلس وعنده متاع
لرجل بعينه ابتاعه منه فصاحب المتاع أسوة
للغرماء فيه، صورته: رجل اشترى من رجل
شيئاً وقبضه فلم يؤد ثمنه حتى أفلس، وليس
له غیر هذا الشيء فادعی البائع بأنه أحق من
سائر الغرماء، وادعى الغرماء التسوية في
ثمنه فإنه يباع ويقسم الثمن بينهم بالحصص
إن كانت الديون كلها حاله، وإن كان
بعضها مؤجلا وبعضها حالا يقسم الثمن
بين الغرماء الذين حلت ديونهم، ثم إذا حل
الأجل شاركهم أصحاب الديون المؤجلة فيما
قبضوا بالحصص، وأما إذا لم يقبض المبيع ثم
أفلس فصاحب المتاع أولى بثمنه من سائر
الغرماء (٣).
ولرجوع الغريم في عين ماله شروط لابد
من تحققها وهي اثنا عشر شرطا فإن تخلف
(١)) المغني ٤٥٣/٤، والدسوقي ٢٨٣/٣، ومغني المحتاج
١٥٨/٢
(٢)، حديث: ((من أدرك ماله بعينه ... ».
أخرجه البخاري (فتح الباري ٦٣/٥) ومسلم (١١٩٣/٣)
من حديث أبي هريرة.
(٣) الفتاوى الهندية ٦٤/٥
شرط منها فلا حق له في عين ماله وإنما
يحاصص الغرماء.
وينظر تفصيل ذلك في (إفلاس ف ٢٨ -
٣٩).
مخاصة الورثة تركة مورثهم:
٧ - ذهب الفقهاء إلى أنه إذا كانت سهام
أصحاب الفروض المقدرة شرعا تزيد على
أصل التركة المقدر بالواحد الصحيح فمعنى
ذلك أن التركة لا تفي أصحاب الفروض،
فإذا ماتت امرأة عن زوج وأم وأخت شقيقة
فإن للزوج النصف فرضا وللأم الثلث فرضا
والأخت الشقيقة النصف فرضا، ففي هذه
الحالة قد زادت الفروض عن أصل التركة
(أي الواحد الصحيح) وهنا قد تساوى الورثة
في سبب الاستحقاق فإن النبي # حين أمر
بإلحاق الفرائض بأهلها لم يخص بعضهم دون
بعض، وذلك يوجب المساواة في الميراث
فيأخذ كل واحد منهم جميع حقه إن اتسع
المحل، فإن ضاق المحل تحاصوا - كالغرماء
- في التركة ولا يصح إسقاط حق واحد من
الورثة لأنه استحق نصيبه بنص ثابت (١).
(١) شرح السراجية ص ٩٩، ١٠٠ طـ. مصطفى الحلبي،
والعذب الفائض ١٦٠/١، ١٦٤، والفواكه الدواني
٣٠١،٣٠٠/٢
وحديث: ((أن رسول الله ) أمر بإلحاق الفرائض بأهلها .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١١/١٢) ومسلم (١٢٣٣/٣)
من حديث ابن عباس .
- ١٨٢ -

مُخَاصَّة ٧ - ٨
والتفصيل في مصطلح (عول ف ٣،
وإرث ف ٥٦ وما بعدها).
محخاصة الغرماء تركة الميت:
٨ - قال الشافعية والحنابلة: لو قسم مال
التركة فظهر غريم يجب إدخاله في القسمة
شارك بالحصة ولم تنقض القسمة، لأن
المقصود يحصل بذلك، وقيل تنقض القسمة
كما لو اقتسمت الورثة ثم ظهر وارث آخر فإن
القسمة تنقض على الأصح، قال الرملي :
وفرق الأول بأن حق الوارث في عين المال
بخلاف حق الغريم فإنه في قیمته وهو يحصل
بالمشاركة (١).
وقال الحنفية: إذا اجتمعت الديون
فالغرماء يقسمون التركة على قدر ديونهم
بالحصص، ولو توى شيء من التركة قبل
القسمة اقتسموا الباقي بينهم بالحصص
ويجعل التاوي کأنه لم یکن أصلاً، لأن حق
كل واحد منهم تعلق بكل جزء من التركة
فكان الباقي بينهم على قدر ديونهم (٢).
ولو وقعت القسمة ثم ظهر في التركة دین
محيط ولم توف الورثة من مالهم ولم يبرىء
الغرماء ردت القسمة، لأن الدين يمنع وقوع
الملك للوارث .
(١) نهاية المحتاج ٣١٦/٤ -٣١٧، وكشاف القناع ٤٣٨/٣
(٢) بدائع الصنائع ٢٢٦/٧
وكذا إذا كان الدين غير محيط بالتركة إلا
إذا بقي من التركة ما یفي من الدیون وراء ما
قسم، لأنه لا حاجة إلى نقض القسمة في
إيفاء حقهم، ولو أبرأه الغرماء بعد القسمة أو
أداه الورثة من مالهم جازت القسمة، أي
تبين جوازها سواء كان الدين محيطا أو غير
محيط ؛ لأن المانع قد زال بخلاف ما إذا ظهر
له وارث أو الموصى له بالثلث أو الربع بعد
القسمة وقالت: الورثة نحن نقضي حقهما،
فإن القسمة تنقض إن لم يرض الوارث أو
الموصى له، لأن حقهما في عين التركة فلا
ينتقل إلى مال آخر إلا برضاهما (١).
وقال المالكية: إذا قسم مال الميت بين
الغرماء بالحصص ثم ظهر غريم آخر، فإنه
يرجع على الغرماء الذين اقتسموا المال، قال
مالك في رجل مات وترك علیه دينا فقسم ماله
بين الغرماء ثم قدم قوم فأقاموا البينة على دين
لهم على هذا الميت وقد أعدم بعض الغرماء
الأولين الذين أخذوا دينهم قال مالك: يكون
هؤلاء الذين قدموا فأحیوا على هذا المیت دينا
أن يتبعوا كل واحد من الغرماء بما يصير عليه
من دينهم إذا فض دينهم على جميع الغرماء
الذين قبضوا دينهم ويكون ذلك على
المحاصة في مال الميت، وليس لهؤلاء الذين
(١) العناية بهامش تكملة فتح القدير ٣٧٦/٨
- ١٨٣ -

مُخَاصَّة ٨ - ١٠
أحيوا على هذا المیت دینا أن يأخذوا کل ما
وجدوا في يد هذا الغريم من مال الميت الذى
لم يتلف ما اقتضی من دینه، ولکن یأخذون
من هذا مقدار ما يصير عليه من ذلك
ويتبعون بقية الغرماء بقدر ما يصير لهم على
کل رجل منهم مما اقتضی من حقه، وكذلك
أبدا إنما ينظر إلى مال الميت الذي أخذه
الغرماء وينظر إلى دين الغرماء الأولين ودين
هؤلاء الذين أحيوا دينهم على هذا الميت
فيقسم بينهم مال الميت بالحصص، فما صار
لهؤلاء الذين أحيوا على الميت الدين كان لهم
أن يتبعوا أولئك الغرماء الذین قبضوا دینهم،
قبل أن يعلموا بهؤلاء، ولا يتبعون كل أحد
منهم إلا بما أخذ من الفضل على حقه في
المحاصة، ويتبعون العديم والمليء بما يصير
عليهم من الفضل الذي أخذوا حين وقعت
المحاصة بينهم وبين هؤلاء الذين
أحيوا دينهم (١) .
ورجوع الغريم الطارىء على الغرماء
الذين اقتسموا المال إنما هو إذا لم يكن الميت
مشتهرا بالدين ولم يعلم الوارث أو الوصي
ببعض الغرماء، فإذا كان الميت مشتهرا
بالدين أو علم الوارث أو الوصي ببعض
الغرماء فتعدى الوارث أو الوصي وأقبض
(١). المدونة ٤٨٤/٥، ٤٨٥
التركة لبعض الغرماء، فإن الطارىء من
الغرماء يرجع على الوارث أو على الوصي
فيأخذ منه جميع حقه لتعديه بالقسم ثم يرجع
الوارث أو الوصي على الغرماء الذين قبضوا
أولا بقدر ما أخذ هذا الطارىء
منه (١).
٩ - واختلف الفقهاء في حلول الدين المؤجل
بالموت أو عدم حلوله: فقال بعضهم يحل
وقال آخرون: لا يحل.
والتفصيل في (أجل ف ٩٥، وتركة ف
٢٤).
١٠ - واختلف الفقهاء فيما إذا وجد بعض
الغرماء عين ماله في التركة، كمن باع شيئا ولم
يقبض ثمنه ثم مات المشتري وكانت الديون
تحيط بالتركة، فهل لهذا الغريم أخذ عين
ماله أم يكون أسوة الغرماء ويتحاصون
جمیعا؟
ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة إلى أن
الغريم الذي وجد عين ماله في التركة لا
يكون أحق بها بل يكون أسوة الغرماء
فیتحاصص معهم بالثمن الذي له، لأن ذمة
الميت قد خربت بالموت (٢).
(١) اخرشي ٢٧٤/٥
(٢) حاشية ابن عابدين ٤٤/٤ والمبسوط ٢٧/١٨ - ٢٨ والشرح
الكبير مع حاشية الدسوقي ٢٨٢/٣، والخرشي ٢٨١/٥،
وكشاف القناع ٤٢٦/٣، والمغني ٥٠٢/٤
- ١٨٤ -

مُخَاصَّة ١٠ - ١١، مُحاطّة، مُحَاقَلَة
٠٠٠
وقد قال النبي بَّر: ((أيما رجل باع متاعا.
فأفلس الذي ابتاعه ولم يقبض الذي باعه من
ثمنه شيئا فوجد متاعه بعينه فهو أحق به،
وإن مات المشتري فصاحب المتاع
أسوة الغرماء)) (١).
وقال الشافعية: إن كانت التركة لا تفي
بالدين فالغريم بالخيار بين أن يضرب مع
الغرماء بالثمن وبین أن يفسخ ویرجع في عين
ماله، لما روى أبو هريرة رضي الله تعالى عنه
أنه قال في رجل أفلس: هذا الذي قضی فیه
رسول الله مَّ: ((أيما رجل مات أو أفلس
فصاحب المتاع أحق بمتاعه إذا وجده
بعينه))(٢)، فإن كانت التركة تفي بالدين
فوجهان :
أحدهما: له أن يرجع في عين ماله لحديث
أبي هريرة، والثاني: لا يجوز له أن يرجع في
عين ماله، وهو المذهب لأن المال يفي بالدين
فلم يجز الرجوع في المبيع كالحي المليء، وإن
خلف وفاء فهو أسوة الغرماء (٣).
المحاصة في الوصية :
١١ - من أوصى بوصايا تزيد على ثلث ماله
ولم يجز الورثة تلك الزيادة، وكان الثلث
يضيق بالوصايا فإن الموصى لهم يتحاصون في
مقدار ثلث التركة بنسبة ما لكل منهم،
فيدخل النقص على كل منهم بقدر وصيته،
فمن أوصی لرجل بثلث ماله ولآخر بالسدس
ولم تجز الورثة فالثلث بينهما أثلاثا فيقتسمانه
علی قدر حقیهما كما في أصحاب الدیون
الذين يتحاصون مال المفلس، وهذا أصل
متفق عليه بين المذاهب (١).
والتفصيل في مصطلح (وصية).
مُحاطّة
انظر: وَضِيعَة
مُحَاقَلَة
(١): حديث: ((أيما رجل باع متاعا فأفلس .. )).
أخرجه أبو داود (٧٩١/٣ - ٧٩٢) من حديث أبي بكر بن عبد
الرحمن بن الحارث مرسلا .
(٢): حديث: ((أيما رجل مات أو أفلس .. ))
أخرجه الدارقطني (٢٩/٣) من حديث أبي هريرة وقد ضعفه
الشوكاني في نيل الأوطار (٢٤٢/٥) .
(٣) المهذب ٣٣٤/١
انظر: بيع المحاقلة
(١). بدائع الصنائع ٣٧٤/٧، وتكملة فتح القدير ٣٦٨/٩،
والدر المختار مع حاشية ابن عابدين ٤٢٧/٥، والفواكه
الدواني ١٩١/٢، والمدونة ٥١/٦، ٥٤، ومغني المحتاج
٤٨/٣، وكشاف القناع ٤/ ٣٤٠، والمغني ١٥٩/٦
- ١٨٥ -

حَبّة ١ - ٤
مَحَبّة
التعريف :
١ - المحبة في اللغة: الميل إلى الشيء السار.
قال الراغب الأصفهاني: المحبة إرادة ما
تراه أو تظنه خيرا، وهي على ثلاثة أوجه:
محبة للذة كمحبة الرجل للمرأة، ومحبة للنفع
كمحبة شيء ينتفع به، ومنه قوله تعالى:
: وَأُخْرَى تُحِبُّونَهَا نَصْرٌ مِنَ الَّهِ وَفَتْحٌ
قَرِيبٌ﴾ (١)، ومحبة للفضل كمحبة أهل
العلم بعضهم لبعض لأجل العلم (٢).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - المودة:
٢ - المودة في اللغة: محبة الشيء وتمني كونه،
ويستعمل في كل واحد من المعنيين على أن
التمني يتضمن معنى الود، لأن التمني هو
(١) سورة الصف / ١٣
(٢) المفردات للأصفهاني والمعجم الوسيط، وتفسير القرطبي
٥٩/٤- ٦٠، ١٦٠/١١-١٦١
تشهي حصول ما توده ومنه قوله تعالى:
﴿وَحَعَلَ بَيْنَِكُمْ قَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ (١).
ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن معناه
اللغوي .
والفرق بين المحبة والمودة، أن الحب يكون
فيما يوجبه ميل الطباع والحكمة جميعا، والود
من جهة ميل الطباع فقط (٧).
وعلى هذا فالمحبة أعم من المودة.
ب - العشق :
٣ - العشق في اللغة: الإغرام بالنساء
والإِفراط في المحبة (٣).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي، والصلة بين المحبة والعشق أن
المحبة أعم من العشق.
جـ - الإرادة:
٤ - الإرادة في الأصل قوة مركبة من شهوة
وحاجة وأمل، وجعل اسما النزوع النفس إلى
الشيء مع الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل أو
لا يفعل، ثم يستعمل مرة في المبدأ وهو نزوع
النفس إلى الشيء، وتارة في المنتهى وهو
الحكم فيه بأنه ينبغي أن يفعل، أو لا يفعل.
وقد تذكر الإرادة ويراد بها القصد (٤)،
(١) سورة الروم / ٢١.
(٢) الفروق اللغوية / ٩٩، والمفردات للأصفهاني والمعجم الوسيط
(٢) المصباح المنير، والمعجم الوسيط، والفروق اللغوية / ٩٩
(٤) المصادر السابقة، والمفردات لمعاني القرآن.
-١٨٦-

عَبّة ٤ -٦
ومنه قوله تعالى: ﴿لَا يُرِدُونَ عُلُوَّافِي
الارض﴾ ١١) أي لا يقصدونه ولا يطلبونه .
ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي .
والصلة بين المحبة والإرادة أن المحبة أعم
من الإرادة .
الأحكام المتعلقة بالمحبة :
أ - محبة الله ومحبة الرسول *:
٥ - أجمعت الأمة على أن حب الله سبحانه
وتعالى وحب رسوله 1 فرض على كل مسلم
ومسلمة وأن هذه المحبة من شروط الإِيمان،
لقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونٍ
اللّهِأَنْدَادَا مُحِبُّونَهُمْ كَحُبّ اللّهِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ
أَشَدُّ حُبَّا لِلَّهُ﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿يَكَأَيُّهَا
الَّذِينَ ءَامَنُواْ مَن يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَوْفَ يَأْتِىِ اللَّهُ بِقَوْمٍ
◌ُهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾(٣).
ولقول النبي صل#: ((والذي نفسه بيده لا
يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده
وولده)»(٤) .
ولقوله## كذلك: ((لا يؤمن أحدكم
(١) سورة القصص / ٨٣
(٢) سورة البقرة / ١٦٥
(٣) سورة المائدة / ٥٤
(٤) حديث: ((والذي نفسي بيده لا يؤمن أحدكم ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٨)، من حديث أبي هريرة .
حتی أکون أحب إلیه من والده وولده والناس
أجمعين)) (١)
كما أن محبة الله ورسوله منجاة من النار
وموجبة للجنة (٢) لحديث الأعرابي الذي سأل
الرسول #: متى الساعة؟ فقال له الرسول
#: ((ما أعددت لها؟)) قال: حب الله
ورسوله، وفي رواية: ((ما أعددت لها من كثير
صلاة ولا صوم ولا صدقة ولكني أحب الله
ورسوله قال: ((أنت مع من أحببت» (٣).
ب - محبة العلماء والصالحين وعموم المؤمنين:
٦ - ذهب الفقهاء إلى أن من أفضل الأعمال
التي تقرب إلى الله حب العلماء والصالحين
وأهل العدل والخير لقوله تعالى: ﴿وَأَصْبِرْ
نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَوَةِ وَالْمَشِّ
٦,٠٠
يُرِيدُونَ وَجْهَمْ﴾ (٤).
وقوله: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَهُ والدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن
(١) حديث: ((لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه .... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٨/١)، ومسلم (١ / ٦٧)من
حديث أنس بن مالك .
(٢)، إحياء علوم الدين ٤٢٨/٤ وما بعدها، وتفسير القرطبي
٦٠/٤ وما بعدها، وشرح العقيدة الطحاوية / ٢٩٤،
والآداب الشرعية ١٧٣/١، ودليل الفالحين شرح رياض
الصالحين ٢٣٣/٢
(٣) حديث الأعرابي الذي سأل الرسول (50: ((متى الساعة ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥٥٧/١٠) ومسلم
(٢٠٣٢/٤) من حديث أنس والرواية الثانية أخرجها مسلم
كذلك .
(٤) سورة الكهف /٢٨.
-١٨٧ -

محبة ٦ - ٧
قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ﴾ (١)،
ولحديث: قيل للنبي وَّو: الرجل يحب القوم
ولما يلحق بهم؟ قال: ((المرء مع
من أحب)) (٢).
وحديث: «ثلاث من کن فيه وجد بهن
حلاوة الإيمان: أن يكون الله ورسوله أحب
إليه مما سواهما وأن يحب المرء لا يحبه إلا
لله)» (٣) .
كما يجب على المؤمن أن يبغض أهل الجور
والخيانة، لأن هذا من محبة الله، فإن على
المحب أن يحب ما يحب محبوبه ويبغض ما
يبغض محبوبه، لحديث: ((وأن يحب المرء لا
يحبه إلا لله)) (٤)
.
ج - علامة محبة الله لعبده:
٧ - قال العلماء إن من علامات محبة الله
لعبده أن يضع له القبول في قلوب عباده،
وأن ينعم عليه بالمغفرة، وأن يقبل توبته، وأن
يتولاه بالنصر والتأييد والتوفيق لما يحبه
ويرضاه، وأن يحفظ جوارحه وأعضاءه حتى
(١) سورة الحشر / ٩
(٢) حديث: ((المرء مع من أحب))
. أخرجه البخاري (فتح البارى ١٠ /٥٥٧) ومسلم
(٤ /٢٠٣٤) من حديث ابن مسعود .
(٣) حديث: ((ثلاث من كن فيه ... ))
أخرجه البخاري (فتح البارى ١/ ٦٠) ومسلم (٦٦/١) من
حديث أنس .
(٤) إحياء علوم الدين ٤٣٦/٤، ودليل الفالحين ٢٣١/٢، ٢٤٦
وما بعدها، والعقيدة الطحاوية / ٣٨٣
يقلع عن الشهوات ويستغرق في الطاعات
بجعله له واعظا من نفسه وزاجرا من قلبه
يأمره وينهاه (١)، لقوله تعالى: ﴿إِنَّالَّذِين
ءَامَنُوا وَ عَمِلُواْ الصَّالِحَتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ
وُدَّا﴾ (٢)، وقوله تعالى: ﴿مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَن
دِينِهِ، فَسَوْفَ يَأْتِى اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ (٢
الآية وللحديث القدسي: ((وما تقرب إلي
عبدي بشيء أحب إلي مما افترضته عليه وما
يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه،
فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به
وبصره الذي يبصر به، ويده التي يبطش
بها، ورجله التي يمشي بها، وإن سألني
أعطيته، ولئن استعاذني لأعيذنه)) (٤).
ولحديث النبي وَلّ قال: ((إن الله إذا
أحب عبدا نادى جبريل: إن الله قد أحب
فلانا فأحبه، فیحبه جبريل ثم ینادي جبريل
في السماء: إن الله قد أحب فلانا فأحبوه
فيحبه أهل السماء، ويوضع له القبول في
أهل الأرض وفي رواية: (( ... وإذا أبغض
عبدا دعا جبريل فيقول: إني أبغض فلانا
(١) إحياء علوم الدين ٤٧٣/٤ - ٤٧٦، وتفسير القرطبي
٥٩/٤، وما بعدها، ١٦٠/١١ - ١٦١، دليل الفالحين
٢٦٠/٢، وما بعدها، الآداب الشرعية ١٧٣/١
(٢) سورة مريم / ٩٦
(٣) سورة المائدة / ٥٤
(٤) الحديث القدسي: ((ما تقرب إلي عبدي بشيء ... ) .
أخرجه البخاري (فتح الباری ٣٤١/١١) من حديث أبي
هريرة .
-١٨٨ -

تحبّة ٧ -٨
فأبغضه، قال: فیبغضه جبريل، ثم ینادی
فى أهل السماء: إن الله يبغض فلانا
فأبغضوه، قال: فيبغضونه ثم توضع له
البغضاء في الأرض)) (١).
د - محبة إحدى الزوجات أو أحد الأولاد أكثر
من غيره :
٨ - ذهب الفقهاء إلى أن الإِنسان لا يؤاخذ
إذا مال قلبه إلى إحدى زوجاته وأحبها أکثر
من غيرها، وكذا إذا أحب أحد أولاده أكثر
من الآخرين، لأن المحبة من الأمور القلبية
التي ليس للإنسان فيها خيار ولا قدرة له على
التحكم فيها، لحديث عائشة رضي الله عنها
قالت: كان رسول الله لم يقسم لنسائه
فيعدل ويقول: ((اللهم هذه قسمتي فيما
أملك فلا تلمني فیما تملك ولا أملك» (٢)،
قال الترمذي - في تفسير قوله فيما تملك ولا
أملك - يعني به الحب والمودة.
وقال الصنعاني: والحديث يدل على أن
المحبة، وميل القلب أمر غير مقدور للعبد بل
هو من الله تعالی لا یملكه العبد.
وإنما يحرم عليه أن يفضل المحبوب على
(١) المصادر السابقة، وانظر الآداب الشرعية ١٧٣/١
وحديث: ((إذا أحب الله العبد ... ))
أخرجه البخاري (فتح البارى ٤٦١/١٣) ومسلم
(٤ /٢٠٣٠) من حديث أبي هريرة، والرواية الثانية لمسلم .
(٢) حديث عائشة: ((كان رسول الله # يقسم لنسائه ... ))
أخرجه الترمذي (٤٣٧/٣) وصوب إرساله .
غيره بالعطايا، أو بغيرها من الأمور التي
يملكها الإِنسان بغير مسوغ لقوله تعالى:
وَلَنْ تَسْتَطِيعُوْ أَن تَعْدِ لُواْ بَيْنَ اَلْنِسَآءِ وَلَوْ
خَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَ اُلْمَيْلِ فَتَذَّرُوهَا
كَالْمُعَلَّقَةٍ﴾ (١).
ولقول النبي وَل: ((من كان له امرأتان
يميل لإِحداهما جاء يوم القيامة أحد شقيه
مائل)) (٢)، قال العلماء: المراد الميل في القسم.
والإِنفاق لا في المحبة، لما عرفت من أنها مما لا
يملكه العبد(٣).
ولقوله # في التسوية بين الأولاد بالعطايا
ونحوها لبشير رضي الله عنه: ((أكل ولدك
نحلت مثله))؟ قال: لا. قال: «فأرجعه» وفى
رواية: ((أعطيت سائر ولدك مثل هذا))؟
قال: لا قال ((فاتقوا الله واعدلوا بين
أولادكم»، وفي ثالثة: ((أکلهم وهبت له مثل
هذا))؟ قال: لا. قال: ((فلا تشهدني إذن
فإني لا أشهد على جور)) (٤).
(١) سورة النساء /١٢٨
(٢) حديث: ((من كان له امرأتان ... ))
أخرجه النسائي (٦٣/٧) والحاكم (١٨٦/٢) من حديث أبي
هريرة واللفظ للنسائي وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .
(٣) سبل السلام ٣١١/٣، ومغني المحتاج ٤٠١/٢، ٢٥١/٣
والمغني ٢٧/٧، ٣٥، وابن عابدين ٩٨/٢، والفواكه الدواني
٤٥/٢ - ٤٦
(٤) حديث بشير: ((أكل ولدك نحلت مثله ... ))
أخرج الروايتين الأولى والثانية البخاري (فتح الباري
٢١١/٥)، وأخرج مسلم (١٢٤٣/٣) الرواية الثالثة .
-١٨٩-

محبّة ٩ - ١٠
هـ - محبة أهل البيت:
٩ - ذهب العلماء إلى أن محبة أهل بيت النبي
* والولاء لهم مطلوبة من المسلمين، وأن
محبتهم من محبة النبي #، وأن معرفة
مقدارهم وتوقيرهم وحرمتهم ورعاية ما يجب
من حقوقهم والبر لهم والنصرة لهم كذلك من
موجبات الجنة .
كما أن بغضهم أو كرههم معصية تؤدي
بأصحابها إلى النار، والأدلة على ذلك كثيرة
منها :
قول الله تبارك وتعالى: ﴿قُلِلَّا أَسْلُكُمْ
عَلَيْهِ أَجْرًا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِ اَلْقُرْبِىُّ﴾ (١)، أي : لا
أسألكم أجرا إلا أن تودوا قرابتي وأهل بيتي .
وروى سعيد بن جبير عن ابن عباس
رضي الله عنهم قال: لما نزلت: ﴿قُدلَّ
أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًّا إِلَّ الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبِىُ ﴾
قالوا: يا رسول الله: من قرابتك هؤلاء الذين
وجبت علينا مودتهم؟ قال: ((علي وفاطمة
وأبناؤهما)) (٢).
(٩) سورة الشورى / ٢٣ .
(٢) تفسير السفرطبي ٢٠/١٦ - ٢٣، فتح الباري
٥٦٤/٨ - ٥٦٥، الشفا ٢ / ٥٧٣، ٦٠٥، وما بعدها، دليل
الفالحين شرح رياض الصالحين ١٩٥/٢ -٢٠٢، والقوانين
الفقهية / ٢١
وحديث: لما نزلت ﴿قل لا أسألكم عليه أجراً إلا المودة في
القرى﴾
أخرجه الطبراني في المعجم الكبير (١١ / ٤٤٤) وضعف إسناده
السيوطى في الدر المنثور (٧/ ٣٤٨).
وقول النبي صل9: ((أما بعد، ألا أيها
الناس فإنما أنا بشر یوشك أن يأتي رسول ربي
فأجيب وأنا تارك فيكم ثقلين، أولهما كتاب
الله فيه الهدى والنور فخذوا بكتاب الله
واستمسکوا به ۔ قال الراوي - فحث على
کتاب الله ورغب فیه، ثم قال: وأهل بيتي
أُذکرکم الله في أهل بيتي، أُذکرکم الله في أهل
بيتي، أذكركم الله في أهل بيتي)) (١).
وكان الصحابة رضي الله عنهم ومن تبعهم
بإحسان يحبون أهل البيت ويظهرون ولاءهم
واحترامهم لهم تقربا إلى الله سبحانه وتعالى
ووفاء للنبي وَل*، عن أبي بكر رضي الله عنه
قال: ارقبوا محمداً 18 في أهل بيته: قال
النووي: أي راعوه واحترموه وأكرموه (٢).
و- محبة المهاجرين والأنصار
والخلفاء الراشدين :
١٠ - ذهب العلماء إلى أن محبة المهاجرين
وتوقيرهم وبرهم والولاء لهم ومعرفة حقهم
مطلوبة من المسلمين، لما لهم من الفضل
السابق إلى الإِيمان والهجرة (٣).
(١) حديث: ((أما بعد، ألا أيها الناس، فإنما أنا بشر .. ))
أُخرجه مسلم (١٨٧٣/٤) من حديث زيد بن أرقم .
(٢). دليل الفالحين ٢٠٢/٢ - ٢٠٣، والشفا ٦٠٥/٢ - ٦١٠،
وتفسير القرطبي ٢٣/١٦
وقول أبى بكر رضي الله عنه: ((ارقبوا محمداً 8# في أهل بيته»
أخرجه البخاري (فتح الباري ٧٨/٧) ....
(٣) فتح الباري ٨/٧ وما بعدها، وتفسير القرطبي =
- ١٩٠ -

تَحَبّة ١٠
وقال تعالى: ﴿وَاَلسَّبِقُونَ الْأَوَّلُونَ
مِنَ الْمُهَجِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ ياحْسَنِ
رَضِىَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُواْعَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّتِ
تَجْرِى تَحْتَهَا الْأَنْهَرُ خَلِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ
اَلْفَوْزُ اَلْعَظِيمُ﴾ (١).
محبة الخلفاء الراشدين رضي الله
عنهم، مطلوبة كذلك، لأنهم خير
الناس بعد رسول الله * وأحقهم بالمحبة
والموالاة، عن ابن عمر رضي الله عنهما قال:
كنا نخير بين الناس في زمن النبي مَلآر، فنخير
أبا بكر ثم عمر بن الخطاب ثم عثمان بن
عفان رضي الله عنهم (٢).
قال ابن عبد البر: واتفق أهل السنة على
أن عليا رضي الله عنه أفضل الناس بعد
الثلاثة (٣).
قال القاضي عياض: ومن انتقص أحدا .
منهم فهو مبتدع مخالف للسنة والسلف :
الصالح، وأخاف أن لا يصعد له عمل إلى
السماء حتى يحبهم جميعا ويكون
قلبه سليما (٤).
= ٢٣٥/٨ - ٢٤٠/١٧٠٢٤٠ - ٢٤٢، ١٩/١٨، الشفا
٦١٥/٢ وما بعدها .
(١) سورة التوبة / ١٠٠
(٢). أثر ابن عمر: «كنا نخير بين الناس في زمن النبي # ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٦/٧)
(٧) فتح الباري ١٦/٧
(٤). الشفا ٦١٦/٢
أما محبة الأنصار رضي الله عنهم فقد ورد
في الحث عليها نصوص كثيرة لما لهم في
الإِسلام من الأيادي الجميلة في نصرة دين الله
والسعي في إظهاره وإيواء المسلمين وقيامهم
في مهمات دين الإِسلام حق القيام وحبهم
للنبي مصر وحبه ◌َّ* إياهم (١).
ومن هذه النصوص الواردة في حق
الأنصار قوله تعالي: ﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّهُو الدَّارَ
وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا
◌َجِدُونَ فِى صُدُورِ هِمْ حَاجَةٌ مِمَّا أُوتُواْ وَيُؤْثِرُونَ
عَلَ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْكَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُعَّ
نَفْسِهِ، فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ (٢).
وحديث البراء بن عازب رضي الله عنهما
عن النبي صل أنه قال: ((الأنصار لا يحبهم إلا
مؤمن ولا يبغضهم إلا منافق، فمن أحبهم
أحبه الله ومن أبغضهم أبغضه الله)) (٣).
ولقوله : «آية الإيمان حب الأنصار
وآية النفاق بغض الأنصار)) (٤).
(١). دليل الفالحين ٢٥٤/٢ - ٢٥٥، والشفا ٦١٧/٢، وفتح
الباري ١١٠/٧ وما بعدها .
(٢) سورة الحشر /٩
(٣) حديث: ((الأنصار لا يحبهم إلا مؤمن ولا يبغضهم إلا
منافق ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٧/ ١١٣)
(٤). حديث: ((آية الإيمان حب الأنصار .. »
أخرجه البخاري (فتح الباري ٦٢/١) من حديث أنس.
وانظر فتح الباري ١١٣/٧ وما بعدها، وتفسير القرطبي
٢١/١٨، ٢٦، والشفا ٦١٤/٢ - ٦١٦
-١٩١-

تَحَبّة ١١ - ١٢
ز- محبة لقاء الله تعالى:
١١ - قال العلماء: ينبغي للمسلم أن يحب
لقاء الله تعالى (١). لقول النبي بَل: ((من
أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء
الله كره الله لقاءه)). قالت عائشة رضي الله
عنہا ۔ أو بعض أزواجه ۔ رضي الله عنهن : إنا
لنكره الموت قال: ليس ذلك، ولكن المؤمن
إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته
فليس شيء أحب إليه مما أمامه فأحب لقاء
الله وأحب الله لقاءه، وإن الكافر إذا حضر
بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه
مما أمامه فكره لقاء الله وكره الله لقاءه)) (٢)).
وقال العلماء: إن محبة لقاء الله لا تدخل
في النهي عن تمني الموت الوارد في قوله {آلاته :
«لا یتمنین أحدكم الموت لضر نزل به، فإن
كان لا بد متمنياً فليقل: اللهم أحيني ما
كانت الحياة خيرا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة
خيراً لي)) (٣). لأن محبة لقاء الله ممكنة مع
عدم تمني الموت كأن تكون المحبة حاصلة لا
يفترق حاله فيها بحصول الموت، ولا بتأخره،
(١) فتح الباري ١١/ ٣٥٧ - ٣٦١، وإحياء علوم الدين
٤ / ٦٧٥
(٢) حديث: ((من أحب لقاء الله .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣٥٧/١١) من حديث عبادة
ابن الصامت.
(٣) حدیث: ((لا یتمنین أحدكم الموت لضر نزل به .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢٧/١٠) ومسلم
(٤ / ٢٠٦٤) من حديث أنس واللفظ لمسلم .
وأن النهي محمول على حالة الحياة المستمرة،
وأما عند الاحتضار والمعاينة فلا تدخل تحت
النهي بل هي مستحبة، ومثله إذا تمنى الموت
لخوف فتنة في الدين، أو لتمني الشهادة في
سبيل الله أو لغرض أخروي آخر (١).
ح - علامات محبة العبد الله تعالى:
١٢ - قال العلماء: من علامات محبة العبد
لربه أن يتنعم بالطاعة ولا يستثقلها وأن يؤثر
ما أحبه الله على ما يحبه في ظاهره وباطنه،
فيلزم مشاق العمل ويجتنب اتباع الهوى،
ويعرض عن دعة الكسل ولا يزال مواظبا على
طاعة الله، ومتقربا إليه بالنوافل وطالبا عنده
مزايا الدرجات كما يطلب المحب مزيد القرب
في قلب محبوبه، ولأن من أحب الله لا يعصيه
كما قال محمد بن المبارك:
تعصى الإله وأنت تظهر حبه هذا لعمري في الفعال بديع
لو كان حبك صادقا لأطعته إن المحب لمن يحب مطيع
قال تعالى: ﴿قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللّهَ
فَأَنَّبِعُونِ﴾ (٢) قالوا: نزلت في قوم من أهل
الكتاب قالوا: نحن الذين نحب ربنا،
وروي أن المسلمین قالوا يا رسول الله والله إنا
(١) فتح الباري ٣٦٠/١١ - ٣٦١، وسبل السلام ١٨٤/٢،
١٨٥ ومغني المحتاج ٣٥٧/١، وإحياء علوم الدين
٤ /٤٧٧ - ٤٧٨
(٢) سورة آل عمران / ٣١
- ١٩٢-

محبة ١٢، محبوس، محتسِب، محراب ١
لنحب ربنا، فأنزل الله عز وجل الآية.
وقال الأزهري: محبة العبد لله ورسوله
طاعته لهما واتباعه أمرهما (١).
◌ْراب
محبوس
انظر: حَبْس
محتسب
انظر: حِسْبه
(١) تفسير القرطبي ٦٠/٤ - ٦١، ١٦٠/١١ -١٦١، وإحياء
علوم الدين ٤٧٧/٤ - ٤٨٩
التعريف :
١ - المحراب فى اللغة: الغرفة، وصدر البيت
وأكرم مواضعه، ومقام الإِمام من المسجد،
والموضع ينفرد به الملك فيتباعد عن الناس،
والأجمة، وعنق الدابة (١).
قال الفيومى : المحراب صدر المجلس،
ويقال: هو أشرف المجالس، وهو حيث
يجلس الملوك والسادات والعظماء ومنه محراب
المصلي (٢). وقال ابن الأنباري عن أحمد بن
عبيد: سمى محراباً لانفراد الإِمام إذا قام فيه
وبعده عن القوم (٣) .
والمحراب عند الفقهاء هو : مقام الإِمام في
الصلاة، والجهة التي يصلي نحوها
المسلمون، قال الطحطاوي، بعد تعريف
القبلة تعريفا شرعيا: وتسمى - أى القبلة -
أيضا محرابا، لأن مقابلها يحارب الشيطان
(١) القاموس المحيط.
(٢) المصباح المنير.
(٣) النظم المستعذب في شرح غريب المهدب، مع المهذب،
٦٨/١
- ١٩٣-

محراب ١ - ٥
والنفس، أي بإحضار قلبه (١).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - القبلة :
٢ - القبلة فى اللغة: الجهة، يقال: ليس
لفلان قبلة. أي جهة، ويقال: أين قبلتك؟
أي جهتك، والقبلة أيضا: وجهة المسجد
وناحية الصلاة (٢).
وفي الاصطلاح: قال الشربيني الخطيب:
القبلة صارت في الشرع حقيقة الكعبة لا
يفهم منها غيرها، سميت قبلة لأن المصلي
يقابلها (٣).
والصلة بين المحراب والقبلة : أن المحراب
الذي نصب باجتهاد علماء المسلمین یکون -
في الجملة - أمارة على القبلة.
ب - المسجد:
٣ - المسجد فى اللغة: بيت الصلاة، وموضع
السجود من بدن الإِنسان، والجمع مساجد.
وفي الاصطلاح: الأرض التى جعلها
مالكها مسجدا بقوله : جعلتها مسجدا وأفرز
طريقه وأذن بالصلاة فيه (٤).
والعلاقة بين المحراب والمسجد: أن
(١) رد المحتار ٤٣٤/١، وحاشية الطحطاوي على مراقى الفلاح
١١٤ والمصباح المنير.
(٢) لسان العرب.
(٣) مغنى المحتاج ١٤٢/١
(٤) المصباح المنير، وقواعد الفقه .
المحراب جزء من المسجد، ومقام الإِمام
للصلاة فيه .
ج - الطاق :
٤ - الطاق في اللغة: ما عطف من الأبنية
وجعل كالقوس (١) .
وفي الاصطلاح: المحراب، والظلة التى
عند باب المسجد أو حوله (٢).
والصلة بين المحراب والطاق الترادف على
المعنى الاصطلاحي الأول، وأن كلا منهما
بناء في المسجد أو في رحبته على المعنى الثاني.
حكم اتخاذ المحراب:
٥ - اختلف الفقهاء فى حكم اتخاذ المحراب:
فقال الحنابلة: اتخاذ المحراب مباح، نص
عليه، وقيل: يستحب، أومأ إليه أحمد
واختاره الآجري وابن عقيل وابن الجوزي
وابن تميم، ليستدل به الجاهل، وكان أحمد
يكره كل محدث، واقتصر ابن البناء عليه
فدل على أنه قال به (٣) .
وقال الزركشي: كره بعض السلف اتخاذ
المحاريب في المسجد (٤).
وعبارة الحنفية والمالكية تدل على إباحته.
قال ابن عابدين: إن الإِمام ۔ الراتب - لو
(١) القاموس المحيط، والمعجم الوسيط.
(٢) فتح القدير ٣٥٩/١، وقواعد الفقه.
(٣) كشاف القناع ٤٩٣/١، وتحفة الراكع والساجد في أحكام
المساجد للجراعي ص ٢٣٤
(٤) إعلام الساجد بأحكام المساجد ص ٢٦٢
-١٩٤-

جراب ٥ -٨
ترك المحراب وقام في غيره یکره ولو كان قيامه
وسط الصف لأنه خلاف عمل الأمة (١)).
وقال الدسوقي : المشهور أن الإِمام يقوم فى
المحراب حال صلاة الفريضة كيف اتفق (٢).
أول من اتخذ المحراب:
٦- لم يكن للمسجد النبوي الشريف محراب
في عهد رسول الله وَلافر، ولا في عهد الخلفاء
بعده، وأول من اتخذ المحراب عمر بن عبد
العزيز، أحدثه وهو عامل الوليد بن عبد
الملك على المدينة المنورة عندما أسس مسجد
رسول الله /# لما هدمه وزاد فيه، وكان هدمه
للمسجد سنة إحدى وتسعين للهجرة، وقیل
سنة ثمان وثمانین وفرغ منه سنة إحدى وتسعين
- وهو أشبه - وفيها حج الوليد (٣).
ويعني بمحراب رسول الله صل﴾ مصلاه
وموقفه، لأن هذا المحراب المعروف لم يكن في
زمن النبي { 14(4) .
تزويق المحراب ووضع مصحف فيه :
٧ - نص المالكية على أنه یکره تزویق محراب
(١) حاشية ابن عابدين ٤٣٤/١
(٢) حاشية الدسوقي ٣٣١/١
(٣) تحفة الراكع والساجد في أحكام المساجد ص ١٣٦ - ٢٣٤.
وفاء الوفا بأخبار دار المصطفى ٣٧٠/١، وإعلام الساجد
بأحكام المساجد ص ٢٦٣
(٤) المجموع ٢٠٣/٣، ومغني المحتاج ١٤٦/١، وفاء الوفا
بأخبار دار المصطفى ٣٨٣/١
المسجد بذهب أو غيره، وكذلك الكتابة
فیه، بخلاف تحصیصه فیستحب، وتعمد
مصحف في المحراب أي جعله فيه عمدا
ليصلى له، أي إلى جهة المصحف أو ليصلى
متوجها إليه، فإن لم يتعمد ذلك بأن كان
المصحف في الموضع الذي يعلق فيه لم تكره
الصلاة لجهته .
ونقل الزركشي عن مالك أنه يكره أن
یکتب في قبلة المسجد ۔ أي محرابه - آية من
القرآن أو شيء منه، وأردف الزركشي ذلك
بقوله: وجوزه بعض العلماء وقال: لا بأس به
لقوله تعالى: ﴿ إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَجِدَ اللّهِ مَنْ ◌َآ مَنَ
باللّهِ﴾ (١) . الآية، ولما روى من فعل عثمان
رضي الله تعالى عنه ذلك بمسجد رسول الله
و ◌َ* ولم ينكر ذلك(٢).
قيام الإِمام في المحراب:
٨ - اختلف الفقهاء في حكم قيام الإِمام في
المحراب أثناء صلاة الجماعة :
فذهب الشافعية والمالكية في المشهور
عندهم وبعض الحنفية إلى أنه يجوز للإِمام
القيام في المحراب حال صلاة الفريضة.
وذهب الحنابلة وبعض الحنفية إلى كراهة
(١) سورة التوبة /١٨
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٢٥٥/١، وإعلام الساجد
بأحكام المساجد ٣٣٧ .
-١٩٥-

غْراب ٨
قيام الإِمام فى المحراب حال صلاة الفريضة
فى الجملة.
وروي عن بعض فقهاء الحنفية أنه يكره
للإِمام أن يقوم في غير المحراب إلا لضرورة،
وروي عن أحمد أنه يستحب وقوف الإِمام في
المحراب .
وللفقهاء في ذلك وغيره تفصيل :
لخص ابن عابدين اختلاف فقهاء الحنفية
بقوله: حاصله أنه صرح محمد في الجامع
الصغير بالكراهة ولم يفصل، فاختلف
المشائخ في سببها :
فقيل: كونه يصير ممتازا عنهم في المكان،
لأن المحراب في معنى بيت آخر، وذلك صنيع
أهل الكتاب، واقتصر عليه في الهداية،
واختاره السرخسي وقال إنه الأوجه.
وقيل: اشتباه حاله على من في يمينه
ويساره .
فعلى الأول يكره مطلقا، وعلى الثاني لا يكره
عند عدم الاشتباه .
وأيد الثاني في الفتح بأن امتياز الإِمام في
المكان مطلوب وتقدمه واجب، وغايته اتفاق
الملتين في ذلك، وارتضاه في الحلية وأيده.
لكن نازعه في البحر بأن مقتضى ظاهر
الرواية الكراهة مطلقا، وبأن امتياز الإِمام
المطلوب حاصل بتقدمه بلا وقوف في مكان
آخر، ولهذا قال في الولوالجية وغيرها: إذا لم
يضق المسجد بمن خلف الإِمام لا ينبغي له
ذلك، لأن یشبه تباین المکانین. انتھی،
يعني وحقيقة اختلاف المكان تمنع الجواز
فشبهة الاختلاف توجب الكراهة، والمحراب
وإن كان في المسجد فصورته وهيئته اقتضت
شبهة الاختلاف، قال ابن عابدين: أي لأن
المحراب إنما بنى علامة لمحل قيام الإِمام
ليكون قيامه وسط الصف كما هو السنة، لا
لأن يقوم في داخله، فهو وإن کان من بقاع
المسجد لكن أشبه مكانا آخر فأورث
الكراهة، لكن التشبه إنما يكره في المذموم
وفيما قصد به التشبه لا مطلقا، ولعل هذا من
المذموم .
وفي حاشية البحر للرملي: الذي يظهر من
کلامهم أنها كراهة تنزيه .
وقال ابن عابدين في معراج الدراية من
باب الإِمامة: الأصح ما روي عن أبي حنيفة
أنه قال: أكره للإمام أن يقوم بين الساريتين
أو زاوية أو ناحية المسجد أو إلى سارية ...
لأنه بخلاف عمل الأمة . وفيه أيضا: السنة
أن يقوم الإِمام إزاء وسط الصف، ألا ترى أن
المحاريب ما نصبت إلا وسط المساجد وهي
قد عينت لمقام الإِمام .
وفي التتارخانية: ويكره أن يقوم في غير
المحراب إلا لضرورة، ومقتضاه: أن الإِمام لو
-١٩٦-

غْراب ٨ - ١٠
ترك المحراب وقام في غيره یکره ولو كان قيامه
وسط الصف، لأنه خلاف عمل الأمة، وهو
ظاهر في الإِمام الراتب دون غيره والمنفرد (١).
والمشهور عند المالكية أن الإِمام يقف في
المحراب حال صلاته الفريضة كيفما اتفق،
وقيل: يقف خارجه ليراه المأمومون، ويسجد
فیه (٢).
وقال الشافعية: لا تكره الصلاة في
المحراب ولم يزل عمل الناس عليه من غير
نكير(٣)).
وقال الحنابلة: يكره للإِمام الصلاة في
المحراب إذا كان يمنع المأموم مشاهدته،
روي عن ابن مسعود رضي الله عنه وغيره،
لأن الإِمام يستتر عن بعض المأمومين، أشبه
ما لو کان بینه وبینهم حجاب، إلا من حاجة
كضيق المسجد وكثرة الجمع فلا يكره لدعاء
الحاجة إليه، ولا يكره سجود الإِمام في
المحراب إذا كان واقفا خارجه لأنه ليس محل
مشاهدته، ويقف الإِمام عن يمين المحراب
إذا كان المسجد واسعا نصا، لتميز جانب
الیمین.
(١) رد المحتار ١ / ٤٣٤
.(٢) حاشية الدسوقي ٣٣١/١، والشرح الصغير ٤٤٢/١.
(٣) حاشية القليوبي ١٣٦/١، وإعلام الساجد بأحكام المساجد
ص ٣٦٤ .
ونقل الجراعي عن أحمد أنه يستحب
وقوف الإِمام في المحراب (١).
تنفل الإِمام في المحراب:
٩- نص المالكية على أنه يكره للإِمام
التنفل بالمحراب، لأنه لا يستحقه إلا حال
كونه إماما، ولأنه قد يوهم غيره أنه في صلاة
فیقتدى به .
وقالوا: يكره للإِمام الجلوس في المحراب
بعد الصلاة على هيئة الصلاة، ويخرج من
الكراهة بتغيير الهيئة لحديث سمرة بن
جندب: ((كان النبي وَ لّ إذا صلى صلاة أقبل
علينا بوجهه)) (٢)، أي التفت إليهم يمينا أو
شمالا ولم يستدبر القبلة لكراهة ذلك (٣).
دلالة المحراب على القبلة :
١٠ - ذهب الفقهاء إلى أن المحراب من
الأدلة التي تعرف بها القبلة، وأنه يعتمد في
الدلالة عليها، ولا يجوز الاجتهاد في القبلة أو
تحريها مع وجود المحراب المعتمد في الدلالة
عليها، وهذا في الجملة، ولهم بعد ذلك
تفصيل .
(١) كشاف القناع ٤٩٣/١، والمغنى ٢١٩/٢ -٢٢٠، وتحفة
الراکع والساجد في أحکام المساجد ص ٢٣٤
(٢) حديث سمرة بن جندب: ((كان النبي صل إذا صلى
صلاة ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٣٣ )
(٣) الشرح الصغير ١/ ٤٤٢
-١٩٧-

غراب ١٠
فقال الحنفية: تعرف القبلة بالدليل، وهو في
القرى والأمصار محاريب الصحابة والتابعين
والمحاريب القديمة، وهي لا يجوز تحرى
القبلة معها، بل تعتمد هذه المحاريب في
الدلالة على القبلة، لئلا يلزم تخطئة السلف
الصالح وجماهير المسلمين الذين أقاموا هذه
المحاريب (١).
وقال المالكية : المسلم الذي يريد الصلاة وهو
في غير مكة ولا ما لحق بها يجتهد في استقبال
جهة الكعبة، إلا أن يكون بالمدينة المنورة
بأنوار سيدنا محمد #، أو بجامع عمرو
بمصر العتيقة فلا يجوز له الاجتهاد المؤدي
لمخالفة محرابهما، ويجب عليه تقليد محرابهما،
لأن محراب المدينة بالوحي، ومحراب جامع
عمرو بإجماع جماعة من الصحابة نحو
الثمانين، ولا يقلد المجتهد محرابا منصوبا إلى
جهة الكعبة إلا محرابا لمصر - أي بلد عظيم -
حضر نصب محرابه إلى جهة الكعبة جمع من
العلماء العارفين، وذلك كبغداد ومصر
والإِسكندرية، والمحاريب التي جهل حال
ناصبيها داخلة فيما قبل الاستثناء،
والمحاريب التي قطع العارفون بخطئها لا
تجوز الصلاة إليها لا لمجتهد ولا لغيره.
وقلد الجاهل بالأدلة التي تحدد القبلة محرابا
- ولو لغير مصر - لم يتبين خطؤه (١).
وقال الشافعية: المحراب يجب اعتماده ولا
يجوز معه الاجتهاد، قال النووي: واحتج له
أصحابنا بأن المحاريب لا تنصب إلا بحضرة
جماعة من أهل المعرفة بسمت الكواكب
والأدلة فجرى ذلك مجرى الخبر، واعلم أن
المحراب إنما يعتمد بشرط أن يكون في بلد
کبیر، أو في قرية صغيرة یکثر المارون بها
بحيث لا يقرونه على الخطأ، فإن كان في قرية
صغيرة لا يكثر المارون بها لم يجز اعتماده، قال
صاحب التهذيب: لو رأى علامة في طريق
يقل فيه مرور الناس، أو في طريق يمر فيه
المسلمون والمشركون ولا يدري من نصبها، أو
رأى محرابا في قرية لا يدري بناه المسلمون أو
المشركون، أو كانت قرية صغيرة للمسلمين
اتفقوا على جهة يجوز وقوع الخطأ لأهلها فإنه
يجتهد في کل هذه الصور ولا یعتمده، وكذا
قال صاحب التتمة: لو كان في صحراء أو
قرية صغيرة أو في مسجد في برية لا يكثر به
المارة فالواجب عليه الاجتهاد، قال: ولو
دخل بلدا قد خرب وانجلى أهله فرأى فيه
محاريب، فإن علم أنها من بناء المسلمين
اعتمدها ولم يجتهد، وإن احتمل أنها من بناء
المسلمين واحتمل أنها من بناء الكفار لم
(١) رد المحتار ٢٨٨/١
(١) جواهر الإكليل ٤٤/١
-١٩٨-

غجْراب ١٠
يعتمدها بل يجتهد، ونقل الشيخ أبو حامد
في تعليقه هذا التفصیل في البلد الخراب عن
أصحابنا كلهم .
وأضاف النووي: قال أصحابنا إذا صلى
في مدينة رسول الله مثل﴿ فمحراب رسول الله
* في حقه کالكعبة، فمن یعاینه یعتمده،
ولا يجوز العدول عنه بالاجتهاد بحال، وفي
معنى محراب المدينة سائر البقاع التي صلى
فيها رسول الله وس إذا ضبط المحراب، وكذا
المحاريب المنصوبة في بلاد المسلمين بالشرط
السابق فلا يجوز الاجتهاد في هذه المواضع في
الجهة بلا خلاف وأما الاجتهاد في التيامن
والتياسر فإن كان محراب رسول الله وَ له لم يجز
بحال،
وإن كان في سائر البلاد ففيه أوجه:
أصحها يجوز. قال الرافعي: وبه قطع
الأکثرون،
والثاني: لا يجوز في الكوفة خاصة،
والثالث: لا يجوز فيها ولا في البصرة لكثرة
من دخلها من الصحابة رضي الله عنهم.
وقال النووي: قال أصحابنا: الأعمى
يعتمد المحراب إذا عرفه بالمس حيث يعتمده
البصير، وكذا البصير في الظلمة، وفيه وجه:
أن الأعمی إنما يعتمد محرابا رآه قبل العمى،
ولو اشتبه على الأعمى مواضع لمسها صبر
حتى يجد من يخبره، فإن خاف فوت الوقت
صلى على حسب حاله وتجب الإِعادة (١).
وقال الحنابلة: لو أمكن من يريد الصلاة
أو التوجه إلى القبلة معرفة القبلة بالاستدلال
بمحاريب المسلمين، لزمه العمل به إذا
علمها للمسلمين، عدولاً كانوا أو فساقا،
لأن اتفاقهم عليها مع تكرار الأعصار إجماع
عليها ولا تجوز مخالفتها، قال في المبدع: ولا
ينحرف لأن دوام التوجه إليه كالقطع، وإن
وجد محاريب ببلد خراب لا يعلمها
للمسلمين لم يلتفت إليها، لأنها لا دلالة
فیھا، لاحتمال كونها لغير المسلمین، وإن كان
عليها آثار الإِسلام، جواز أن یکون الباني
مشركا عملها ليغر بها المسلمين، قال في
الشرح: إلا أن يكون مما لا يتطرق إليه هذا
الاحتمال، ويحصل له العلم أنه من محاريب
المسلمين فيستقبله، وعلم منه أنه إذا علمها
للكفار لا يجوز له العمل بها، لأن قولهم لا
يرجع إليه فمحاريبهم أولى.
وقال ابن قدامة: لا يجوز الاستدلال
بمحاريب الكفار إلا أن يعلم قبلتهم،
كالنصارى يعلم أن قبلتهم المشرق، فإذا رأى
محاريبهم في كنائسهم علم أنها مستقبلة
المشرق (٢).
(١) المجموع ٢٠١/٣-٢٠٤
(٢) كشاف القناع ٣٠/١- والمغنی ٤٤٠/١
-١٩٩-

تَحْرَم ١ - ٤
٠٥٠
مَحْرَم
التعريف :
١ - المحرم في اللغة: الحرام، والحرام: ضد
الحلال، ويقال: هو ذو محرم منها: إذا لم يحل
له نكاحها(١) ورحم محرم: محرم
تزوجها، (٢). وفي المعجم الوسيط : المحرم:
ذو الحرمة. ومن النساء والرجال: الذي يحرم
التزوج به لرحمه وقرابته وما حرم الله تعالى،
والجمع محارم (٣).
وفي الاصطلاح: المحرم من لا يجوز له
مناكحتها على التأبيد بقرابة أو رضاع أو
صهرية (٤).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الرحم :
٢ - الرحم في اللغة: (بكسر الحاء
وتسكينها): وهو في الأصل: موضع تكوين
الجنين ووعاؤه في البطن، ثم أطلق على
(١) الصحاح للجوهري ..
(٢) القاموس المحيط، ولسان العرب.
(٣) المعجم الوسيط .
(٤) حاشية ابن عابدين: ١٤٥/٢، ٢٧٦ وما بعدها .
القرابة وأسبابها، وعلى الأقارب الذين ليسوا
من العصبة ولا من ذوي الفروض، كبنات
الإِخوة وبنات الأعمام، وهو يذكر ويؤنث،
وجمعه أرحام (١) .
ولأن الرحم نوعان : محرم، وغير محرم، فهو
إذاً أعم من (محرم).
(ر: أرحام ف١).
ب - القريب:
٣ - القريب فى اللغة: الداني في المكان أو
الزمان أو النسب .. والجمع أقرباء وقرابی،
وفي مختار الصحاح: القرابة والقربى: القرب
في الرحم (٢).
أما في الاصطلاح: فقد تعددت اتجاهات
الفقهاء في تعريف القرابة وتفصيلها في
مصطلح (قرابة ف١).
والصلة بين القريب والمحرم العموم
والخصوص .
ج - النسب:
٤ - النسب: القرابة، ويقال: نسبه في بنى
فلان؛ هو منهم. والجمع أنساب. ويقال:
رجل نسيب: شريف معروف حسبه
وأصوله (٣). وهو نسيبه أي قريبه (٤).
(١) المعجم الوسيط.
(٢) المعجم الوسيط، ومختار الصحاح.
(٣) المعجم الوسيط .
(٤) مختار الصحاح.
- ٢٠٠ -