Indexed OCR Text
Pages 1-20
دور
وزارة الأوقاف والشئون الإسْلامية
المُؤْسُوعَةُ الفِقْهِيَّةَ
الجزء السادس والثلاثون
مَأْتَم - مَرَض
◌ِلَهِ الرَّمنِ الرَّحِيمِ
نس
{ وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَفِرُواْ كَفَّةٌ فَلَوْلَا نَفَرَمِن
كُلِ فِرْ قَلْ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلُذِرُواْ
قَوْمَهُمْ إِذَا رَهُوَاْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يُحْذَرُونَ﴾.
(سورة التوبة آية: ١٢٢)
(( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ))
(أخرجه البخاري ومسلم)
الْبُوعَةُ الفِقْفِيَّة
إصدار
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الگُوَیت
الطبعة الأولى
١٤١٧ هـ - ١٩٩٦ م
مطابع دار الصفوة للطباعة والنشر والتوزيع ج.م.ع
حقوق الطبع محفوظة للوزارة
ص. ب ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت
مأتم ١ - ٣
مأتم
التعريف:
١ - المأتم في اللغة: مجتمع الرجال والنساء في
الغم والفرح، ثم خص به اجتماع النساء
للموت، وقيل: هو للشواب من النساء لا
غير، والعامة تخصه بالمصيبة .
والمأتم عند الفقهاء هو: اجتماع الناس في
الموت (١).
الألفاظ ذات الصلة :
التعزية :
٢ - التعزية في اللغة: مصدر عَزّى والثلاثي
منه عَزِي أي: صبر على مانابه، يقال:
عزيته تعزية: قلت له: أحسن الله عزاءك،
أي رزقك الصبر الحسن، والعزاء اسم من
ذلك، ويقال تعزى هو: تصبر، وشعاره أن
يقول: إنا لله وإنا إليه راجعون (٢).
قال الأزهري: أصلها التعبير لمن أصيب
(١) النهاية في غريب الحديث والأثر: ولسان العرب، ومواهب
الجليل ٢ / ٢٤١ .
(٢) المصباح المنير.
بمن يَعِزّ عليه (١)
والتعزية اصطلاحا: الأمر بالصبر والحمل
علیه بوعد الأجر والتحذير من الوزر بالجزع،
والدعاء للميت بالمغفرة، وللمصاب بجبر
المصيبة (٢).
والتعزية أخص من المأتم.
الحکم الإجمالي:
٣ - يرى الشافعية والحنابلة وكثير من متأخري
الحنفية كراهة المأتم (٣).
جاء في المجموع: وأما الجلوس للتعزية
فنص الشافعي وسائر الأصحاب على
كراهته، قالوا: يعنى بالجلوس لها أن يجتمع
أهل الميت في بيت فيقصدهم من أراد
التعزية، قالوا: بل ينبغي أن ينصرفوا في
حوائجهم، فمن صادفهم عزاهم، ولا فرق
بين الرجال والنساء في كراهة الجلوس لها،
قال الشافعي في الأم: وأكره المأتم وهي
الجماعة، وإن لم يكن لهم بكاء فإن ذلك يجدد
الحزن ويكلف المؤنة (٤).
وقال البهوتي: ويكره الجلوس لها أي
للتعزية، بأن يجلس المصاب في مكان
(١) تحرير ألفاظ التنبيه للنووي ص ٩٩.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٣٣٥.
(٣) روضة الطالبين ٢ / ١٤٤، والمجموع ٥ / ٣٠٦ - ٣٠٧،
والمغني ٢/ ٥٤٥، وتسلية أهل المصائب للمنبجي ص ١١٣،
وحاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٤.
(٤) المجموع ٥ / ٣٠٦ - ٣٠٧.
-٥-
مأتَم ٣، مأدبة
ليعزوه، أو يجلس المعزي عند المصاب
للتعزية، لما في ذلك من استدامة الحزن،
وقال نقلا عن الفصول: يكره الاجتماع بعد
خروج الروح لتهييجه الحزن (١).
وقال ابن عابدين نقلاً عن الإمداد: وقال
كثير من متأخري أئمتنا: يكره الاجتماع عند
صاحب البيت، ويكره له الجلوس في بيته
حتى يأتي إليه من يعزي، بل إذا فرغ ورجع
الناس من الدفن فليتفرقوا ويشتغل الناس
بأمورهم وصاحب البيت بأمره (٢) .
وعند المالكية وبعض الحنفية: يجوز أن
يجلس الرجل للتعزية كما فعل النبي وَل فر حين
جاء خبر جعفر، وزيد بن حارثة، وعبد الله
بن رواحة، ومن قتل معهم - رضي الله
عنهم - بموتة (٣)، وواسع كونها قبل الدفن
وبعده، والأولى عند رجوع الولي إلى
بيته (٤)، وقال المالكية: كره اجتماع نساء
لبكاء سراً، ومنع جهرا كالقول القبيح
مطلقاً (٥).
وذهب الحنفية إلى أنه يجوز الجلوس
(١) كشاف القناع ٢ / ١٦٠.
(٢) حاشية ابن عابدين ١ / ٦٠٤.
(٣) حديث: ((أن النبي # جلس للتعزية .. ))
أورده ابن عابدين في الحاشية (١ / ٦٠٤) ولم يعزه إلى أي
مصدر، ولم نهتد لمن أخرجه.
(٤) حاشية الصاوي على الشرح الصغير ١ / ٥٦٠ - ٥٦١، وحاشية
ابن عابدين ١ / ٦٠٤.
(٥) الشرح الصغير ١ / ٥٦٩، ومواهب الجليل ٢ / ٢٤٠ - ٢٤١.
للمصيبة ثلاثة أيام، وهو خلاف الأولى،
ويكره في المسجد (١)، وفي الأحكام عن
خزانة الفتاوى: الجلوس في المصيبة ثلاثة أيام
للرجال جاءت الرخصة فیه، ولا تجلس
النساء قطعا !(٢).
(ر: تعزية ف ٦)
مأدبة
انظر: وليمة
(١) غنية المتملي في شرح منية المصلي ص ٦٠٨، وحاشية ابن
عابدين ٦٠٣/١.
(٢) حاشية ابن عابدين ٦٠٣/١ - ٦٠٤، والبريقة المحمودية في
شرح الطريقة المحمدية ٤ / ١٦٨ ط : استانبول.
-٦-
1
مأذون
التعريف :
١ - المأذون في اللغة: اسم مفعول من أذن،
يقال: أذن له في الشيء : أي أباحه له (١).
والاسم: الإذن، ويكون الأمر إذنا، وكذا
الإرادة نحو بإذن الله، ويقال: أذنت للصغير
في التجارة، فهو مأذون له .
والفقهاء يحذفون الصلة تخفيفا،
فيقولون: العبد المأذون، لفهم
المعنى (٢).
وتأتى أذن بمعنى: علم، على مثل
قوله تعالى: ﴿فَأَذَنُواْ يَحَبٍ مِّنَ اللَّهِ
صح
وَ سُولِهِ﴾ (٣).
وبمعنى استمع كما في قوله تعالى:
﴿وَأَوْنَتْ لِرَّتِهَا وَحُقَّتْ﴾ (٤).
والمأذون اصطلاحا: هو الذي فك
الحجر عنه، وأذن للتجارة، وأطلق له
(١) القاموس المحيط للفيروز آبادي.
(٢) المصباح المنير - للفيومي.
(٣) سورة البقرة/ ٢٧٩
(٤) سورة الإنشقاق / ٢
مأذون ١ - ٥
التصرف من مولاه إن کان عبدا، ومن ولیه إن
كان صغيرا (١).
الألفاظ ذات الصلة :
المحجور:
٢ - المحجور لغة واصطلاحا: هو الممنوع
من نفاذ التصرف
والصلة بين المأذون والمحجور التضاد.
حكم الإذن للمأذون:
٣ - الإذن بالتصرف للمأذون جائز عند
جمهور الفقهاء إذا قام مبرر لذلك كالقاصر
إذا قارب البلوغ فإنه يؤذن له بالتصرف.
والأصح عند الشافعية أنه لا يجوز الإِذن
له بالتجارة، وإنما يتولى وليه العقد (٢).
شروط المأذون له :
٤ - للمأذون له شروط معينة منها: التمييز،
وإيناس الخبرة في التجارة والتصرفات المالية.
وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في
مصطلح (صغر ف ٣٩).
تقيد الإذن بالزمان والمكان ونوعية التصرف:
٥ - الإِذن للصغير قد يكون عاماً في كل أنواع
(١) قواعد الفقه للبركتي.
(٢) تبيين الحقائق ٥/ ٢٣٠ وما بعدها، وابن عابدين
٥/ ١٠٨ - ١١١، والشرح الكبير ٣/ ٢٩٤، ٣٣٠، ومغني
المحتاج ٢ / ١٧٠، والمغني ٤ / ٤٦٨.
-٧-
مأذون ٥ - ٦
التجارة، وقد یکون خاصاً بأن یکون في نوع
من أنواع التجارة، لا يتعداه إلى غيره.
فالحنفية يرون أن الإذن إن كان عاما في
جميع أنواع التجارة، أو لم يحدد بوقت كان
عاما في جميع الأنواع وتوابعها، وما يترتب
عليها من رهن وإعارة .
وإن كان خاصاً في نوع من التجارة، أو
حدد الإِذن بوقت۔۔ کشھر أو عدة أشهر- فإن
الإذن عام في جميع أنواع التجارات وتوابعها
وضروراتها، فينقلب الإِذن الخاص عاماً، ولا
یتحدد بنوع من التجارات، ولا بوقت بل لو
أذن له في نوع، ونهاه عن غيره، لم يكن
الصغير ملزما بهذا النهي، وكان له الحق
أن يتصرف فيما نهاه عنه الولي خلافا لزفر.
وله أن یبیع وإن کان بغبن فاحش عند
الإمام أبي حنيفة، ولم يجوز الصاحبان ذلك،
وجوزاه في الغبن اليسير المحتمل عادة (١).
ويرى المالكية أن الإذن موقوف على إجازة
الولي، وأن هذا الإِذن لا يعدو أن يكون
اختباراً وتمرينا للصغير، فللولي أن يدفع إلى
الصبي مقداراً محدوداً وقليلا من المال، وأن
يأذن له أن يتصرف بهذا المبلغ، ولكن حتى
بعد هذا الإذن، فلن يكون عقد الصغير
(١) تحفة الفقهاء للسمرقندي ٣/ ٤٨٣، ٤٨٤، وبدائع الصنائع
للكاماني ١٠ / ٤٥٢٩، والهداية للمرغيناني مع تكملة فتح
القدير ٩/ ٢٨٧، وابن عابدين ٥/ ١٠٠ .
لازماً نافذاً، بل هو موقوف على
إجازة ولیه (١).
وأما الشافعية فعندهم وجهان في وقت
اختبار الصبي، أحدهما: بعد البلوغ،
وأصحهما قبله، وعلى هذا ففي كيفية اختباره
وجهان، أصحهما: يدفع إليه قدر من المال،
ويمتحن في الماكسة والمساومة، فإذا آل الأمر
إلى العقد عقد الولي، والثاني: يعقد الصبي
ويصح منه هذا العقد للحاجة (٢).
وذهب الحنابلة: إلى أن الإذن محل
اعتبار، فإن كان عاما کان للصغير أن يمارس
التجارة بشكل عام، وإن كان خاصا التزم
الصغير به، فللولي أن يأذن للصغير في
التجارة، وعلى الصغير أن يلتزم بما حدده له
الولي قدراً ونوعاً، فإذا حدد له الاتجار في
نوع، فليس له أن يتعداه، أو مبلغاً فليس له
أن يتجاوزه، وإذا أذن له في التجارة إذنا
مطلقا، فليس له أن يتصرف في غيرها من
وكالة أو توكيل، أو رهن أو إعارة (٣).
من له حق الإذن:
٦ - حق الإذن بالتصرف للمأذون يكون لمن
يملك التصرف عنه وهو الولي، والوصي،
(١) البهجة شرح التحفة للتسولي ٢/ ٣٠٢
(٢) روضة الطالبين ٤ / ١٨١، والقليوبي وعميرة ٢/ ٣٠٢.
(٣) شرح منتهى الإرادات ٢ / ٢٩٦، ٢٩٧، وكشاف القناع.
البهوتي ٣/ ٤٥٧، والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف
٤ / ٢٦٧ - ٢٦٨ .
-٨-
مأذون ٦ - ٧
والقاضي، وذلك بشروط وضوابط بينها
الفقهاء في مواضعها .
والتفصيل في مصطلحات (إذن ف ٢٧ ،
ولي، وصي).
تصرفات الصغير المأذون :
٧ - تصرفات الصغیر تعتربها حالات ثلاث:
فإما أن تكون نافعة، وإما أن تكون ضارة،
وإما أن تكون متأرجحة بين النفع والضرر.
وهذه التصرفات بعضها تصح بإذن وليه،
وبعضها لا تصح ولو بالإِذن، وبعضها لا
يحتاج إلى إذن.
أ - فالتصرفات التي تكون نافعة للصغیر، ولا
تحتمل الضرر: من تملك مال، أو منفعة دون
مقابل، لا تحتاج إلى إذن، ويصح تصرفه
عند جمهور الفقهاء غير الشافعية، ورواية
عند الحنابلة .
وتفصيل ذلك: أن الحنفية والمالكية،
قالوا: بأن الصبي المميز يصح له أن يقبل
الهبة المطلقة، وأن يقبضها، ويملكها
بقبضه، وإن لم يأذن له ولیه، وهو اختيار
بعض الحنابلة (١)
ولما كان قبول الهبة وقبضها نفعاً محضا لا
(١) الهداية مع تكملة فتح القدير للمراغيناني ٩/ ٣١٢، وشرح
الحطاب على مختصر خليل ٦/ ٢٥، والمغني لابن قدامة
٦ / ٤٩، ٥٠.
يشوبه ضرر، صح من الصبي من غير إذن
الولي، لأجل مصلحته.
وذهب الشافعية: إلى أن الصبي لا يصح
منه قبول الهبة ولا یقبضها، وإن أذن له ولیه،
حتى لو قبضها لم يملكها بهذا القبض،
لإِبطالهم سائر تصرفات الصغير، لأنه محجور
عليه، ولو كان عقد هبة، لأنه ليس أهلا
لإِبرام العقود، وإن تمحض نفعا (١).
وذهب الحنابلة: إلى أن الصغير يصح
قبوله الهبة وقبضها، إذا أذن له الولي في
ذلك، فإن لم يأذن له لم يصح قبوله ولا
قبضه، لأن الهبة عقد، ولابد لمن يقبل، أن
يكون أهلا لإبرام العقود، والصبي ليس
أهلا لذلك إلا بإذن الولي (٢).
ولأنه بالقبض يصير مستوليا على المال،
وهناك احتمال تضييعه أو التفريط في حفظه،
فينبغي أن يحفظ عنه ویمنع من قبضه، أما
إذا كان بالإذن، فإن الاحتمال هذا
مدفوع (٣).
ب - أما التصرفات الضارة التي تؤدي إلى
ضرر محض، ولا تحتمل النفع كالهبة والوقف
والقرض، فلا تصح من الصغير، ولو أذن له
ولیه .
(١) المجموع للنووي ٩/ ١٦٦.
(٢) الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ٤ / ٢٦٩.
(٣) المغني لابن قدامة ٦/ ٥٠.
-٩-
مأذون ٧
وهذا باتفاق الفقهاء لأن الولي لا يملك
هذه التصرفات، فلا يملك الإذن بها.
أما الوصية، والصلح، والإِعارة، فقد
اختلف الفقهاء في جوازها نظراً لما رأوه فيها
من نفع أو ضرر (١).
ج - أما تصرف الصغير المميز في
المعاوضات، فإما أن تكون قبل إذن الولي،
أو بعد إذنه، فتصرفه قبل الإِذن ينعقد
صحيحا، ويكون نفاذه موقوفا على إجازة
ولیه، إن أجازه لزم، وإن رده فسخ، وهذا
مذهب الحنفية والمالكية، ورواية عند
الحنابلة .
وتعليل ذلك: أن عبارة الصغير المميز
صحیحة، لأنه قاصد لها، فاهم لمعناها، وما
يترتب عليها، فلا معنى لإلغائها، ولأن في
تصحيح عبارته تعويداً له على التجارة، ومراناً
واختباراً لمدى ما وصل إليه من إدراك، مما
يسهل الحكم برشده، أو عدم رشده بعد
البلوغ (٢).
وذهب الشافعية والحنابلة - في رواية - إلى
(١) بدائع الصنائع للكاساني ٨/ ٣٩١٠، ومغني المحتاج
٢ / ٣٩٧، وتحفة المحتاج لابن حجر ٦ / ٢٣٦، ونهاية المحتاج
للرملي ٤ / ٢٢٤.
(٢) كشف الأسرار للبخاري ٤ / ٢٥٦، ٢٥٧، والإنصاف في معرفة
الراجح من الخلاف ٤ / ٢٦٧، وبدائع الصنائع للكاساني
٦/ ٣٠٢٢، والمبدع لابن مفلح ٤ / ٨، والبهجة شرح التحفة
للتسولي ٢ /٣٠٤
عدم صحة تصرفه بدون إذن وليه، لأن عبارته
ملغاة، فلا تصح بها العقود، ولأنه محجور
عليه، فلا يصح تصرفه كالسفيه، ولأن في
تصحیح تصرفه ضياعا لماله، وضرراً عليه،
لأنه لا يحسن التصرف، فلا يصح منه (١).
أما تصرفاته بعد الإذن، فقد اختلف فيها
الفقهاء .
فالحنفية، والمالكية، والحنابلة: يرون أن
للولي أن يأذن للصغير المميز في المعاوضات،
وأن تصرفه حينئذ صحیح نافذ، واستدلوا
بقوله تعالى: ﴿وَاُلُواْ الْتَتْعَى حَتَّى إذَا بَلَغُواْ
الْكَّاعَ فَإِنْ ءَانَهُم ◌ِنْهُمْ رُسُّدًا فَأَدْ فَعُواْ إِلَيْهِمُ
أَمُوَّلَمْ﴾ (٢) والابتلاء يكون قبل البلوغ،
ولأن الصبي عاقل مميز، فيصح تصرفه بإذن
وليه، كما يصح تصرف العبد المحجور عليه
بإذن سیده .
وذهب الشافعية في الأصح ورواية عن
أحمد: إلى أنه ليس للولي أن يأذن للصغير في
التجارة، ولو أذن له لم يصح إذنه، فلا يصح
تصرفه بعد الإذن، کما لم يصح قبل الإِذن،
لقوله : ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم
حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر،
(١) المجموع للنووي ٩/ ١٦١، ١٦٤، والمبدع ٤ / ٨، وكشاف
القناع للبهوتي ٣/ ٤٤٢، ٤٥٨
(٢) سورة النساء / ٦.
- ١٠-
مأذون ٧ - ٩
وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق)) (١)، فلو
صح بيعه لزمه تسليم المبيع، وما يترتب على
العقد من عهدة، والحديث ينفي التزام
الصبي بأي شيء، فالقول بصحة تصرفاته
يتنافى مع الحديث، فلا يجوز القول به.
وفي رواية أخرى عند الشافعية يصح من
المأذون للحاجة (٢).
والصحيح أن الصغير المميز يمكن أن
يؤدي المبيع أو الثمن، ویمکن أن ینوب عنه
وليه (٣).
تصرفات السفيه المأذون :
٨ - ذهب الحنفية والمالكية إلى أن السفيه
المأذون له بالبيع والشراء ينفذ تصرفه هذا.
وأما الشافعية في الأصح عندهم،
والحنابلة في أحد وجهین فقد ذهبوا إلى عدم
صحة ذلك العقد .
وفي القول المقابل للأصح عند الشافعية
والوجه الآخر عند الحنابلة يصح عقده.
وتفصيل ذلك في مصطلح (سفه ف
٢٦ وما بعدها).
(١) حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة ... ))
أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٥٨) والحاكم (٥٩/٢) من حديث
عائشة، واللفظ لابن ماجه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) روضة الطالبين ٤ / ١٨١، وحاشية القليوبي ٢/ ٣٠٢.
(٣) الهداية مع تكملة فتح القدير ٩/ ٣١٠، ٣١١، وكشاف
القناع ٣/ ٤٥٧، والمجموع للنووي ٩/ ١٦٤، ١٦٥،
والإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف للمرداوي ٥/ ٣١٨.
وفاة الآذن وأثره في بطلان الإِذن :
٩ - إذا مات الآذن: إن كان أباً، انتهت
الولاية، وترتب على ذلك بطلان الإِذن
واستمرار الحجر عليه.
وإن كان الآذن وصيا، فتنتهي الوصاية
بوفاته، وينتهي الإذن أيضا، وما يفعله
المأذون من تصرفات بعد موت الآذن، لا
تصح، ولا يترتب عليها أي آثار.
وینظر تفصيل ذلك في مصطلح (إذن ف
٦٥) ومصطلح (ولاية ووصية).
-١١-
المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُم ١ -٢
اَلَْنَّةُ وَلَا السَّيِّئَةُ أَدْفَعْ بِالَّتِىِ هِىَ أَحْسَنُ﴾(١).
ج
المؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُم
التعريف :
١ - المؤلفة في اللغة: جمع مؤلف وهو اسم
مفعول من الألفة، يقال: ألفت بينهم تأليفاً
إذا جمعت بينهم بعد تفرق، والمراد بتأليف
قلوبهم: استمالة قلوبهم بالإِحسان والمودة (١).
والمؤلفة قلوبهم في الاصطلاح: هم الذين
یراد تأليف قلوهم بالاستمالة إلى الإِسلام، أو
تقريراً لهم على الإِسلام، أو كفَّ شرهم عن
المسلمين، أو نصرهم على عدو لهم، ونحو
ذلك (٢).
حكمة تأليف القلوب:
٢ - حث الإسلام أتباعه بالإحسان إلى
خصومهم وأعدائهم، وبذلك يفتح الإِسلام
القلوب بالإِحسان، كما يفتح العقول بالحجة
والبرهان، قال الله تعالى: ﴿وَلَا تَسْتَوِى
(١) المصباح المنير، وتاج العروس، ولسان العرب، ومختار
الصحاح، والمفردات في غريب القرآن مادة (ألف)، وتحرير
ألفاظ التنبيه ص ١١٩ .
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٦٠ - ط. بولاق مصر، وقواعد الفقه
للبركتي ص ٤٥٩، والمغرب في ترتيب المعرب ص ٢٧ .
ولذلك شرع الإِسلام نصيباً من مال
الزكاة لتأليف القلوب، قال القرطبي : قال
بعض المتأخرين: اختلف في صفة المؤلفة
قلوبهم، فقيل: هم صنف من الكفار
يعطون ليتألفوا على الإِسلام، وكانوا لا
يسلمون بالقهر والسيف، ولكن يسلمون
بالعطاء والإِحسان، وقيل: هم قوم من
عظماء المشركين لهم أتباع يعطون ليتألفوا
أتباعهم على الإِسلام، قال: هذه الأقوال
متقاربة، والقصد بجميعها الإِعطاء لمن لا
يتمكن إسلامه حقيقة إلا بالعطاء فكأنه
ضرب من الجهاد.
وقال: المشركون ثلاثة أصناف: صنف
يرجع بإقامة البرهان، وصنف بالقهر،
وصنف بالإِحسان، والإِمام الناظر للمسلمين
يستعمل مع كل صنف ما يراه سببا لنجاته
وتخليصه من الكفر (٢)، وقد فقَّه الرسول الفول
أمته في تأليف الناس على الإِسلام بقوله :
((إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلى منه خشية
أن يُكب في النار على وجهه)» (٣).
(١) سورة فصلت/ ٣٤.
(٢) تفسير القرطبي ٨/ ١٧٩.
(٣) حديث: ((إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلى منه ... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٣/ ٣٤٠) ومسلم (٢ / ٧٣٣) من
حدیث سعد ابن أبي وقاص.
-١٢-
المُؤَلَّفَةُ قُلُوبُهُم ٣ - ٤ مَأْمُومة ١ -٢
سهم المؤلفة قلوبهم:
٣ - اختلف الفقهاء في سهم الزكاة
المخصص للمؤلفة قلوبهم، فجمهور الفقهاء
من المالكية والشافعية والحنابلة على أن
سهمهم باقٍ.
وذهب بعضهم إلى أن سهمهم منقطع
لعز الإِسلام، لكن إذا احتيج إلى تألفهم
أعطوا.
وقال الحنفية بسقوط سهم المؤلفة قلوبهم.
٤ - ثم اختلف الفقهاء في أقسامهم.
فقال المالكية: المؤلفة قلوبهم كفار
يتألفون .
وقال الشافعية: لا یعطی من هذا السهم
لکافر أصلاً.
وجوز الحنابلة الإعطاء لمؤلف مسلماً كان
أو كافراً.
وقال ابن قدامة: المؤلفة قلوبهم ضربان :
كفار ومسلمون، والكفار صنفان،
والمسلمون أربعة أصناف.
والتفصيل في مصطلح: (زكاة ف ١٦٧ -
١٦٨).
مَأْمُومَة
التعريف :
١ - المأمومة في اللغة: هي الشجة التي تبلغ
أم الرأس، وهي الجلدة التي تجمع الدماغ،
ويقال لها: آمّة أيضاً، قال المطرزي : إنما قيل
للشجة آمّة ومأمومة على معنى ذات أم
كعيشة راضية، وجمعها أوام ومأمومات
ومآميم (١).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحى عن المعنى
اللغوي (٢).
الألفاظ ذات الصلة :
الشجة :
ں
٢ - الشجة في اللغة: الجراحة في الوجه أو
الرأس، والشجج أثر الشجة في الجبين.
ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ الشجة
عن المعنى اللغوي (٣).
(١) المصباح المنير، ولسان العرب، والمغرب في ترتيب المعرب.
(٢) تبيين الحقائق للزيلعي ٦/ ١٣٢، والمغني لابن قدامة ٨/ ٤٧،
مغني المحتاج ٤ / ٢٦ .
(٣) المصباح المنير، ولسان العرب، ورد المحتار ٥/ ٣٧٢، وبدائع
الصنائع ٧/ ٢٩٦، وحاشية الدسوقي ٤ / ٢٥٠، ومغني
المحتاج ٤ / ٢٦.
-١٣-
٠
مَأْمُومة ٢ - ٣، مُؤْنة ١
والصلة: أن الشجة أعم من المأمومة،
لأن الأمومة واحدة من شجاج الوجه والرأس.
الحكم الاجمالي:
٣ - ذهب الفقهاء إلى أن في المأمومة ثلث
الدیة (١)، وذلك لما ورد في حديث عمرو بن
حزم رضي الله عنه أن النبي ◌َ ير قال: ((وفي
المأمومة ثلث الدية)) (٢)
والتفصيل في مصطلح (دیات ف ٦٨،
وشجاج ف ٤ وما بعدها).
(١) الاختيار ٥ / ٤٢، وجواهر الإكليل ٢ / ٢٦٠، وروضة الطالبين
٩/ ٢٦٢، ٢٦٤، والمغني ٨ / ٤٧.
(٢) حديث عمرو بن حزم: ((في المأمومة ثلث الدية)).
أخرجه النسائي (٨/ ٥٨) ونقل ابن حجر في التلخيص
(٤ / ١٨) تصحيحه عن جماعة من العلماء.
مُؤنة
التعريف:
١ - المؤنة - بهمزة ساكنة - في اللغة: الثقل
والمؤونة مثله، والمؤونة: القوت (١).
والمؤنة عند الفقهاء: الكُلْفة (٢)، أي ما
يتكلفه الإنسان من نفقة ونحوها (٣).
وكثيرا ما يعبر الفقهاء عن النفقة بالمؤنة
وعن المؤنة بالنفقة (٤).
وصرح بعضهم بأن المؤنة أعم من النفقة،
قال الشرقاوي: لأن المؤنة في اللغة: القيام:
بالكفاية قوتاً أو غيره، والإنفاق النفقة بل ذو
القوت فقط (٥).
والفقهاء يعقدون باباً خاصاً للنفقة
ويقصدون بها نفقة الزوجة والأقارب
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والمعجم الوسيط.
(٢) مغني المحتاج ١ / ٣٦٣.
(٣) فتح القدير ٥/ ٤٣٤. نشر دار إحياء التراث، والمغني
٣/ ٣٩، ومغني المحتاج ٢/ ٣٩٥، والفتاوى الهندية
٤ / ٣٧٢، والمجموع شرح المهذب ٥/ ٤٢٦ تحقيق المطيعي،
والمهذب ١ / ٤٠٨ .
(٤) مغني المحتاج ٣/ ٤٤٠ ١/ ٤٦٣، والقليوبي ٣/ ١٧٢.
(٥) القليوبي ٣/ ٥٧، وحاشية الشرقاوي على شرح التحرير
١/ ٠١٠٢
-١٤-
مُؤْنة ١ - ٤
....
والمماليك، فيقولون: أسباب النفقة ثلاثة:
النكاح والقرابة والملك (١).
ما يتعلق بالمؤنة من أحكام:
المؤنة فى الزكاة :
٢ - اختلف الفقهاء في احتساب المؤنة التي
تتكلفها الزروع والثمار التي تجب فيها الزكاة .
فذهب المالكية إلى أنه يحسب من نصاب
الزكاة (خمسة أوسق فأكثر) ما استأجر المالك
به من الزرع في حصاده أو دراسته، أو تذريته
حال كونه قتًّا (أي محزوما)، ويحسب كذلك
الكيل الذي استأجر به، ولقط اللقاط الذي
مع الحصاد لأنه من الأجرة، لا لقط ما تركه
ربه، ولا يحسب أکل دابة في حال دوسها
لعسر الاحتراز منها، فنزل منزلة الآفات
السماوية وأكل الوحوش، ويحسب ما تأكله
حال استراحتها (٢).
وقال الشافعية: مؤنة تجفيف التمر وجذاذ
الثمار وحصاد الحب، وحمله ودياسه وتصفيته
وحفظه، وغير ذلك من مؤن الثمر والزرع،
تکون کلها على المالك لامن مال الزكاة .
وحكى صاحب الحاوي عن عطاء بن أبي
رباح أنه قال: تكون المؤنة من وسط المال لا
يختص بتحملها المالك دون الفقراء، لأن
(١) مغني المحتاج ٣/ ٤٢٥.
(٢) منح الجليل ١ / ٣٤٠، والشرح الصغير ١/ ٢١٦ - ط.
الحلبي، وجواهر الإكليل ١ / ١٢٥ .
المال للجميع فوزعت المؤنة عليه (١).
وقال أحمد: من استدان ما أنفق على
زرعه، واستدان ما أنفق علی أهله، احتسب
ما أنفق على زرعه دون ما أنفق على أهله،
لأنه من مؤنة الزرع، وعندهم في ذلك
تفصيل (٢).
ويرى الحنفية وجوب إخراج زكاة الزرع
بلا رفع مؤنة من أجرة العمال ونفقة البقر،
وكرى الأنهار وأجرة الحافظ وبلا رفع
إخراج البذر (٣).
وللتفصيل (ر: زكاة ف ١١٦).
المؤنة في الإِجارة:
٣ - المؤنة في الإِجارة إما أن تكون بالنسبة
لِكُلفَة رد العين المستأجرة، وإما أن تكون
بالنسبة لما يحتاجه المستأجر من مؤنة أثناء
الإجارة .
وبیان ذلك فيما يلي:
أولا: مؤنة رد العين المستأجرة:
٤ - ذهب الحنفية - على ما قال محمد في
الأصل - إلى أنه ليس على المستأجر رد ما
استأجر على المالك، وعلى الذي آجر أَن
يقبض من منزل المستأجر، قال محمد في
(١) المجموع ٥/ ٤٢٦، ٤١٢، ٤٥٣، ٤٥٧، ٤٤١ تحقيق
المطيعي، ومغني المحتاج ١/ ٣٨٦
(٢) المغني ٢ / ٧٢٧
(٣) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥١
- ١٥-
.
مُؤْنة ٤ -٦
الأصل: إذا استأجر الرجل رحی يطحن
عليها شهرا بأجر مسمى، فحمله إلى منزله
فمؤنة الرد على رب الرحى، والمصر وغير
المصر في ذلك سواء، فمؤنة الرد على رب
المال، لكن هذا إذا کان الإخراج بإذن رب
المال، فأما إذا حصل الإخراج بغير إذن رب
المال فمؤنة الرد على المستأجر.
وأما الرد بالنسبة للأجير المشترك نحو
القصار والصباغ والنساج فهو على الأجير،
لأن الرد نقض القبض، فیجب علی من کان
منفعة القبض له، ومنفعة القبض في هذه
المواضع للأجير، لأن للأجير عينا وهو
الأجرة، ولرب الثوب المنفعة، والعین خیر من
المنفعة فكان الرد عليه (١).
والشافعية يبنون تحمل مؤنة رد الشيء
المستأجر على لزوم الرد وعدم لزومه .
جاء في المهذب: اختلف أصحابنا في رد
المستأجَر بعد انقضاء الإِجارة فمنهم من
قال: لا يلزم المستأجِر الرد قبل المطالبة، لأن
المستأجر أمانة فلا يلزمه ردها قبل الطّلِب
کالودیعة، ومنهم من قال: یلزمه لأنه بعد
انقضاء الإجارة غیر مأذون له في إمساكها،
فلزمه الرد كالعارية المؤقتة بعد انقضاء وقتها،
فإن قلنا: لا يلزمه الرد لم يلزمه مؤنة الرد
(١) الفتاوى الهندية ٤ / ٤٣٨، وانظر البدائع ٤ / ٢٠٩
کالوديعة، وإن قلنا: يلزمه الرد لزمه مؤنة الرد
كالعارية (١).
وقال الحنابلة: لا يلزم المستأجر رد الشيء
المستأجر، ولا مؤنته كالمودّع؛ لأن الإِجارة عقد
لا يقتضي الضمان، فلا يقتضي الرد ولا
مؤنته (٢)
ثانيا: مؤنة المستأجَر أثناء الإِجارة:
٥ - اتفق الفقهاء على أن مؤنة الشيء
المستأجَر كعلف الدابة وسقيها تكون على
المؤجِر أثناء مدة الإِجارة، لأن ذلك من
مقتضى التمكين فكان عليه (٣)، إلا أن
الفقهاء يختلفون في التفصیل کما يلي:
٦- ذهب الحنفية إلى أن نفقة المستأجر على
الآجر عينا كانت أو منفعة، وعلف الدابة
المستأجرة وسقيها على المؤجر، لأنها ملكه فإن
علفها المستأجر بغير إذنه فهو متطوع، لا
يرجع به على المؤجر (٤).
وليس على المستأجِر طعام الأجير إلا أن
يتطوع بذلك، أو یکون فیه عرف ظاهر (٥).
وقد ذكر الحنفية حكم ما إذا شرط المؤجر
(١) المهذب ١ / ٤٠٨
(٢) كشاف القناع ٤ / ٤٦
(٣) الفتاوى الهندية ٤/ ٤٥٥، ومنح الجليل ٣/ ٧٨٣، ٧٩٩،
٨٠٠
(٤) الفتاوى الهندية ٤/ ٤٥٥
(٥) الفتاوى الهندية ٤/ ٤٣٥
-١٦-
مُؤْنة ٦ -٨
على المستأجر الطعام أو العلف، جاء في
الفتاوى الهندية: رجل استأجر عبداً: كل
شهر بكذا، على أن يكون طعامه على
المستأجِر، أو دابة على أن يكون علفها على
المستأجر، ذكر في الكتاب أنه لا يجوز.
وفي الفتاوى الهندية: كل إجارة فيها رزق
أو علف فهي فاسدة إلا في استئجار الظئر
بطعامها وكسوتها - كذا في المبسوط (١) .
وإذا اکتری رجل حمارا فعيي في الطريق،
فأمر المكترى رجلا أن ينفق على الحمار ففعل
المأمور، فإن علم المأمور أن الحمار لغير الآمر
لا یرجع بما أنفق علی أحد، لأنه متبرع، وإن
لم يعلم المأمور أن الحمار لغير الآمر له أن يرجع
على الآمر، وإن لم يقل الأمر على أني
ضامن (٢)
٧ - وأجاز المالكية اشتراط المؤنة على
المستأجر، جاء في منح الجليل: جاز كراء
الدابة على أنّ على المكتري علفھا، ولا بأس
أن يكتري إبلا من رجل على أن عليه
رحلتها ، أو يكتري دابة بعلفها أو أجيرا
بطعامه، فذلك جائز وإن لم توصف النفقة
لأنه معروف، قال مالك : لا بأس أن يؤاجر
الحر والعبد أجلا معلوما بطعامه في الأجل أو
(١) الفتاوى الهندية ٤ / ٤٤٢
(٢) الفتاوى الهندية ٤/ ٤٥٥
بکسوته فیه (١) .
وجاء في منح الجليل أيضا: وإذا اكتريت
من رجل إبله، ثم هرب الجمّال وتركها في
یدیك، فأنفقت عليها فلك الرجوع بذلك،
وکذلك إن اکتریت من یرحلها رجعت
بكرائه، وتأول أبو إسحاق ذلك بكون العادة
أن رب الإِبل هو الذي یرحلها، قال ابن
عرفة: والأظهر بمقتضى القواعد: أن يلزم
المكرى البرذعة والسرج ونحوهما، لا مؤنة
الحط والحمل (٢).
وقال المالكية: لا بأس بإجارة الظئر على
إرضاع الصبي، ولا يلزم المستأجر غير ما
استأجرها به من أجرة، إلا أن يشترط أن
یکون على المستأجر طعامها وكسوتها، فذلك
جائز، قال ابن حبيب: وطعامها وكسوتها على
قدرها وقدر هيئتها وقدر أبي الصبي في
غناه وفقره (٣).
ويجوز أن يكون طعام الأجير وحده هو
الأجرة أو مع دراهم (٤).
٨ - وقال الشافعية: على المكرى علف الظهر
وسقیه، لأن ذلك من مقتضى التمكين فكان
علیه، ومن اکتری جمالا فهرب الجمال وتركها
(١) منح الجليل ٣/ ٧٩٩ - ٨٠٠
(٢) منح الجليل ٣ / ٧٨٣، والمدونة ٤ / ٥٠٠
(٣) منح الجلیل ٣/ ٧٥٨
(٤) منح الجليل ٣/ ٧٦٠
:٠
-١٧-
مُؤْنة ٨-٩
عند المکتری فلا فسخ له ولا خیار، بل إن
شاء تبرع بمؤنتها، وإن لم يتبرع رفع الأمر إلى
القاضي: ليمونها القاضي ويمون من يقوم
بحفظها من مال الجمال إن کان له مال، فإن
لم یکن للجمال مال ولم یکن في الجمال فضل،
اقترض القاضي على الجمّال من المكتري أو
من أجنبي أو من بيت المال، فإن وثق
القاضي بالمکتری دفع ما اقترضه إليه، وإن
اقترضه منه لینفقه علیها، وإن لم يثق به جعل
القاضي ما اقترضه عند ثقة ينفق عليها.
وإذا لم يجد القاضي مالاً يقترضه فله أن
یبیع من الجمال قدر النفقة عليها وعلى من
يتعهدها، وإذا كان في الجمال المتروكة زيادة
على حاجة المستأجر فلا يقترض القاضي على
الجمّال، كما صرح به العراقيون بل يبيع
الفاضل عن الحاجة .
ولو أذن القاضي للمكترى في الإنفاق على
الجمال، وعلى متعهدها من ماله أو من مال
غيره، لیرجع بما أنفقه عليها وعلى متعهدها،
جاز في الأظهر، کما لو اقترض ثم دفع إليه،
ولأنه محل ضرورة، فقد لا يجد القاضي من
يقرضه أو لا يراه، ومقابل الأظهر المنع
ويجعل متبرعا.
وإذا أنفق المستأجر بغير إذن الحاكم فإنه
لا يرجع بما أنفق ويعتبر متبرعا، لكن محل
هذا إذا أمكن إذن الحاكم، فإذا لم يمكن
إذن الحاکم کان لم یکن حاكم، أو عسر
إثبات الواقعة عنده، فأنفق وأشهد على ما
أنفق لیرجع رجع، والقول قوله في قدر ما
أنفق إذا ادعى نفقة مثله في العادة، لأنه
أمين (١).
وإن كانت الإجارة في الذمة فمؤنة الدليل
وسائق الدابة وأجرة الخفير على المكرى، لأن
ذلك من مؤن التحصيل، وإن كانت الإجارة
على ظهر بعينه فهو على المكترى، لأن الذي
يجب على المكرى تسليم الظهر وقد فعل (٢).
وطعام المرضعة وشرابها عليها، وعليها أن
تأكل وتشرب ما یدر به اللبن ويصلح به،
وللمستأجر أن يطالبها بذلك، لأنه من
مقتضى التمكين من الرضاع، وفي تركه
إضرار بالصبي (٣).
٩ - وذهب الحنابلة إلى ما ذهب إليه الشافعية
في الجملة، وذلك بالنسبة للإنفاق على الجمال
التى تركها المكرى عند المستأجر دون أن
يكون له مال، وحينئذ يرفع المستأجر الأمر
للقاضي ليقترض له، أو ليأذن له في الإنفاق
ويكون ديناً على المكرى، وفي الإنفاق عند
(١) مغني المحتاج ٢ / ٣٥٧ - ٣٥٨، والمهذب ١ / ٤٠٨
(٢) المهذب ١ / ٤٠٨، ومغني المحتاج ٢ / ٣٤٨
(٣) المهذب ١ / ٤٠٨
-١٨-
مُؤْنة ٩ - ١٠
عدم الحاکم مع الإشهاد وعدمه، وهذا على
ما سبق من التفصيل في مذهب
الشافعية (١).
واختلفت الرواية عن أحمد فیمن استأجر
أجیرا بطعامه وکسوته، أو جعل له أجرا
وشرط طعامهوكسوته، فروی عنه جواز ذلك،
وروي عن أبي بكر وعمر وأبي موسى رضي الله
عنهم أنهم استأجروا الأجراء بطعامهم
وکسوتهم، وروي عن أحمد أن ذلك جائز في
الظئر دون غيرها، واختار القاضي هذه
الرواية، لأن ذلك مجهول، وإنما جاز في الظئر
لقول الله تعالى: ﴿وَعَلَى الْؤُلُودِ لَهُ رِزْقُهُنَّ
وَكِسْوَتُهُنَّ بِالْعْرُوفِ﴾ (٢) فأوجب لهن النفقة
والكسوة على الرضاع.
وروى عن أحمد رواية ثالثة: أنه لا يجوز
ذلك بحال لا في الظئر ولا في غيرها.
واستدل ابن قدامة على رواية جواز
استئجار الأجير بطعامه وكسوته بما روى عتبة
ابن المنذر رضي الله عنه قال: كنا عند رسول
الله﴾ فقرأ: ﴿طسّمْ﴾ حتى إذا بلغ قصة
موسی قال: « إن موسی پے آجر نفسه ثماني
سنين أو عشرا على عفة فرجه وطعام بطنه)) (٣)
(١) المغني ٥ / ٥١٧ - ٥١٨ - ط. الرياض، وشرح المنتهى
٢ / ٣٧٢
(٢) سورة البقرة / ٢٣٣
(٣) حديث عتبة بن المنذر: كنا عند رسول الله﴾ فقرأ:
﴿طسم﴾.
قال ابن قدامة: وشرع من قبلنا شرع لنا ما
لم یثبت نسخه.
وقال ابن قدامة أيضاً: وإن شرط الأجير
كسوة معلومة ونفقة موصوفة كما يوصف في
السلم جاز ذلك، وإن لم يشترط طعاما ولا
كسوة فنفقته وكسوته على نفسه،
وكذلك الظئر.
ولو استأجر دابة بعلفها أو بأجر مسمى
وعلفها لم يجز، لأنه مجهول، ولا عُرف له يرجع
إليه إلا أن يشترطه موصوفا فيجوز (١).
وقال الحنابلة: أجرة الدلیل تكون على
المكترى، لأن ذلك خارج عن البهيمة المكتراة
وآلتها فلم يلزمه کالزاد، وقيل: إن كان
اكترى منه بهيمة بعينها فأجرة الدليل على
المكترى، لأن الذي عليه أن يسلم الظهر وقد
سلمه، وإن كانت الإِجارة على حمله إلى
مكان معين في الذمة فهو على المكرى، لأنه
من مؤنة إيصاله إليه وتحصيله فیه (٢).
مؤنة رد المغصوب :
١٠ - من غصب شيئا وجب رده لصاحبه
متى كان باقيا لقول النبي مثل: ((على اليد ما
= أخرجه ابن ماجه (٢ / ٨١٧) وضعف إسناده البوصيري في
مصباح الزجاجة (٢ / ٥٢)
(١) المغني ٥/ ٤٩٢ - ٤٩٣
(٢) المغني ٥/ ٥١٥ - ٥١٦
=
-١٩-
مُؤْنة ١٠
.....
أخذت حتى تؤدي)) (١).
والرد واجب على الفور عند التمكن،
ومؤنة الرد تكون على الغاصب، باتفاق
الفقهاء في الجملة، وإن عظمت المؤنة في رده
كما قالت الشافعية والحنابلة (٢).
ومن غصب شيئا ونقله إلى بلد أخرى
ولقيه المغصوب منه في هذا المكان، والعين في
يد الغاصب، فملخص ما قاله الحنفية : أنه
إن كان نقل المغصوب يحتاج إلى حمل ومؤنة
فالمالك بالخيار إن شاء طالبه بالقيمة، وإن
شاء انتظر إلى أن يرده الغاصب إلى مكان
الغصب، وإن لم یکن له حمل ومؤنة كما لو
کان المغصوب دراهم أو دنانیر فليس
للمغصوب منه مطالبة الغاصب بالقيمة،
وإنما له أخذ عين شيئه (٣)
وقال المالكية: إن كان المغصوب مثلیا فلا
يلزم الغاصب إلا مثله في بلد الغصب، وقال
أشهب: ويخير المغصوب منه بین أخذه في
هذا البلد أو في مكان الغصب، وإذا طلب
المغصوب من الغاصب رد المثلي لبلد الغصب
(١) حديث: «على اليد ما أخذت حتى تؤدي))
أخرجه الترمذي (٣/ ٥٥٧) من حديث الحسن عن سمرة،
وقال ابن حجر في التلخيص (٣/ ٥٣): الحسن مختلف في
سماعه من سمرة .
(٢) البدائع ٧ / ١٤٨، وتكملة فتح القدير ٧/ ٤٧٧ - ٤٧٨،
وجواهر الإكليل ٢ / ١٤٨، ومغني المحتاج ٢ / ٢٧٦ - ٢٧٧،
وكشاف القناع ٤ / ٧٨ - ٧٩، والمغني ٥/ ٢٨١
(٣) البدائع ٧ / ١٥٩
ليأخذه بعينه فلا يجبر الغاصب على رده
لبلده، قال في الذخيرة: نقل المغصوب
تباينت فيه الآراء بناء على ملاحظة أصول
وقواعد منها: أن الغاصب لا ينبغي أن يغرم
كلفة النقل لأن ماله معصوم كمال المغصوب
منه (١).
وإن كان المغصوب متقوما فإن كان لا
يحتاج في نقله إلى كبير حمل كالدواب أخذه
المغصوب منه من الغاصب، وإن کان يحتاج
إلى كبير حمل فيخير ربه بين أخذه أو أخذ
قیمته یوم غصبه (٢).
وقال الشافعية: لو لقى المالك الغاصب
بمفازة والمغصوب معه فإن استرده لم يكلف
الغاصب أجرة النقل، وإن امتنع المالك من
قبوله فوضعه الغاصب بین یدیه بری۔ إن لم
یکن لنقله مؤنة .
ولو أخذه المالك وشرط على الغاصب مؤنة
النقل لم يجز، لأنه نقل ملك نفسه (٣)
وقال الحنابلة: إذا غصب إنسان شيئا
ببلد فلقيه المالك ببلد آخر فإن كان من
المثليات وکانت قيمته مختلفة في البلدین فإن
لم يكن له حمل ومؤنة فله المطالبة بمثله، لأنه
(١) جواهر الإكليل ٢ / ١٤٩، ومنح الجليل ٣/ ٥١٦، والمواق
بهامش الحطاب ٥/ ٢٧٩
(٢) جواهر الإکلیل ٢ / ١٥٠، والمواق بهامش الحطاب ٥/ ٢٧٩
(٣) مغني المحتاج ٢ / ٢٧٧
- ٢٠-