Indexed OCR Text

Pages 301-320

لُقَطَّة ١٢ - ١٣
بدون إذنه وبدون إذن الشرع.
ويرى أبو حنيفة ومحمد أنه إذا أخذ اللقطة
ولم يشهد عليها وقال أخذتها للحفظ وكذبه
المالك يضمن، وعند البقية من الفقهاء لا
يضمن، والقول قول الملتقط مع یمینه، وإنما
قيل بعدم الضمان لأن الظاهر شاهد له
لاختياره الحسبة دون المعصية، لأن فعل
المسلم محمول على ما يحل له شرعا، والذي
يحل له هو الأخذ للردّ لا لنفسه، فيحمل
مطلق فعله عليه، وهذا الدليل الشرعي قائم.
مقام الإِشهاد منه، وأما أن القول قوله فلأن
صاحبها يدعي عليه سبب الضمان ووجوب
القيمة في ذمته، وهو منكر لذلك، والقول
قول المنكر مع يمينه، كما لو ادعى عليه
الغصب .
ووجه قول أبي حنيفة ومحمد أن الملتقط أقر
بسبب الضمان وهو أخذ مال الغیر، وادعی ما
یبرئه وهو الأخذ للمالك، وفيه وقع الشك فلا
يبرأ.
وإن أتلفها الملتقط أو تلفت عنده بتفريطه
ضمنها بمثلها إن كانت من ذوات الأمثال
وبقيمتها إن لم يكن لها مثل، وإن تلفت بعد
الحول ثبت في ذمته مثلها أو قيمتها بكل
حال، لأنها دخلت في ملكه وتلفت من ماله
سواء فرط في حفظها أو لم يفرط، وإن جاء
صاحبها بعد الحول ووجد العين ناقصة أخذ
العین وأرش نقصها، لأن جميعها مضمون إذا
تلفت فكذلك إذا نقصت، حدیث زید بن
خالد وأبي بن كعب السابقين، وإن وجد
العين بعد خروجها من ملك الملتقط ببيع أو
هبة، لم يكن له الرجوع فيها، وله أخذ بدها
لأن تصرف الملتقط وقع صحيحاً لكونها
صارت في ملكه، وإن وجدها رجعت إلى
الملتقط بفسخ أو شراء فله أخذها لأنه وجد
عين ماله في يد ملتقطه فكان له أخذه، وقيمة
اللقطة تعتبر يوم التملك، لأنه يوم دخول
العين في ضمانه (١).
رد اللقطة إلى موضعها:
١٣ - يرى أبو حنيفة في ظاهر الرواية ومالك
أن الملتقط إذا أخذ اللقطة ثم ردها إلى مكانها
الذي أخذها منه فلا ضمان عليه، لأنه
أخذها محتسباً متبرعاً ليحفظها على صاحبها،
فإذا ردها إلى مكانها فقد فسخ التبرع من
الأصل، فصار كأنه لم يأخذها أصلاً، وهذا
الحكم إذا أخذها ليحفظها لصاحبها ویعرف
ذلك بالإِشهاد عليها حين الالتقاط، أما إذا
أخذها ليتملكها فإنه يضمن، وعند أبي
(١) فتح القدير ٦ / ١١٨ - ١٢٠، والمدونة ٦ / ١٧٨، وبدائع
الصنائع ٦ / ٣٨٦٦ - ٣٨٦٨، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٦،
وروضة الطالبين ٤١٥/٥، والمغني والشرح الكبير ٣٣٩/٦ -
٣٤٣
- ٣٠١ -

لُقَطَة ١٣ - ١٤
یوسف ومحمد لا یضمن سواء أشهد أم لا،
ویکون القول قول الملتقط مع يمينه.
ويرى أحمد والشافعي أن الملتقط إذا رد
اللقطة بعد أخذها فضاعت أو هلكت
ضمنها، لأنها أمانة حصلت في يده فلزمه
حفظها فإذا ضيعها لزمه ضمانها كما لو ضيع
الوديعة، أما إذا ضاعت اللقطة من ملتقطها
بغير تفريط فلا ضمان عليه، لأنها أمانة في
یده، فإن ضاعت من الأول فالتقطها آخر
فعرف أنها ضاعت من الأول فعلیه ردها إليه،
لأنه قد ثبت له حق التمول، وولاية التعريف
والحفظ، فلا يزول ذلك بالضياع، فإن لم
يعرف الثاني ممن ضاعت حتى عرفها حولاً
ملکها لأن سبب الملك وجد منه من غیر
عدوان فیثبت الملك به، ولا يملك الأول
انتزاعها منه، لأن الملك مقدم على حق
التملك، وإذا جاء صاحبها فله أخذها من
الثاني وليس له مطالبة الأول لأنه لم يفرط في
الحفظ (١).
تملك اللقطة :
١٤ - يرى جمهور الفقهاء مالك والشافعي
وأحمد جواز تملك الملتقط اللقطة إذا عرفها
للتملك سنة أو دونها ولم تعرف، وصارت من
(١) بدائع الصنائع ٦/ ٣٨٦٧ - ٣٨٦٨، والمدونة الكبرى
٦/ ١٧٨، والمغني والشرح الكبير ٦/ ٣٤١ -٣٤٣
ماله، سواء أكان غنياً أم فقيراً وتدخل في
ملكه عند تمام التعريف، كما أن الشافعي
يرى أن اللقطة لا تدخل ملك الملتقط حتى
يختار التملك بلفظ يدل على الملك کتملكت
ما التقطته، أما الأخرس فتكفي إشارته
المفهمة كسائر عقوده .
ويرى أبو حنيفة أنه لا يجوز تملك اللقطة
والانتفاع بها إلا إذا كان الملتقط فقيراً، لما في
ذلك من تحقيق النظر من الجانبين، نظر
الثواب للمالك، ونظر الانتفاع للملتقط،
ولهذا جاز الدفع إلى فقير غيره، كما يجوز
للملتقط أن يدفعها إلى أبيه أو ابنه أو زوجته
إذا كانوا فقراء وإن كان هو غنياً.
وولد اللقطة كاللقطة إن كانت حاملاً
عند التقاطها وانفصل منها قبل تملكها، وإلا
ملكه تبعاً لأمه.
ویری الشافعية والحنابلة أنه لا فرق بين
الهاشمي وغيره، ولا بين الغني والفقير في
جواز تملك اللقطة، أما أبو حنيفة فيرى أنه
لا يجوز تملك اللقطة لمن لا تحل له الصدقة
کالغني .
وإذا التقطها اثنان أو أكثر ملكاها جميعاً،
وإن رآها أحدهما وأخذها الآخر ملكها الآخذ
دون من رآها، لأن استحقاق اللقطة بالأخذ
-٣٠٢ -

لُقَطَة ١٤ - ١٥
لا بالرؤية كالاصطياد (١).
واللقطة تملك ملكاً مراعيً يزول بمجيء
صاحبها، ویضمن له بدها إن تعذر ردها،
والظاهر أنه يملكها بغير عوض يثبت في
ذمته، وإنما يتجدد وجوب العوض بمجيء
صاحبها .
واستدل من ذهب إلى جواز تملك اللقطة
بعد حول التعريف، بالحديث الشريف:
((من وجد لقطة فليشهد ذا عدل أو ذوي
عدل ولا یکتم ولا یغیّب، فإن وجد صاحبها
فليردها عليه، وإلا فهو مال الله عز وجل
یوتیه من يشاء)» (٢).
واستثنى الشافعية من جواز التملك
الحالات الآتية :
أ - اللقطة التي دفعها للحاكم وترك التعريف
والتملك ثم ندم وأراد أن يعرّف ويتملك فإنه
لا یمگّن لأنه أسقط حقه.
ب - أخذ اللقطة للخيانة.
جـ - لقطة الحرم.
قال ابن قدامة: وإذا مات الملتقط
واللقطة موجودة عنده بعينها قام مورّته مقامه
بإتمام تعريفها إن مات قبل الحول، ويملكها
(١) تبيين الحقائق ٣/ ٣٠٧، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٢١، ومغني
المحتاج ٢ / ٤١٥، والمغني والشرح الكبير ٦/ ٣٢٦ - ٣٣٠
(٢) حديث: ((من وجد لقطة فليشهد ... ))
أخرجه أبو داود (٢/ ٣٣٥) من حدیث عیاض بن حمار .
بعد إتمام التعريف، فإن مات بعد الحول
ورثها الوارث کسائر أموال المیت، فإن جاء
صاحبها أخذها من الوارث کما یأخذها من
المورث، فإن كانت معدومة العین فصاحبها
غريم للميت بمثلها إن كانت من ذوات
الأمثال، أو بقيمتها إن لم تكن كذلك،
فيأخذ ذلك من تركته إن اتسعت لذلك، فإن
ضاقت التركة زاحم الغرماء ببدلها، سواء
تلفت بعد الحول بفعله أو بغیر فعله، لأنها
دخلت في ملكه بمضي الحول، وإن عُلم أنها
تلفت قبل الحول بغیر تفريطه فلا ضمان
عليه، ولا شيء لصاحبها لأنها أمانة في يده
تلفت بغیر تفریطه فلم یضمنها کالوديعة،
وكذلك إن تلفت بعد الحول قبل تملكها من
غير تفريط على رأى من رأي أنها لا تدخل في
ملكه حتى يتملكها وذلك في الراجح عند
الشافعية (١).
الاتجار في اللقطة :
١٥ - ذهب الفقهاء إلى أن يد الملتقط على
اللقطة ید أمانة وحفظ خلال الحول،ولذلك لا
يجوز له الاتجار فيها خلال هذه المدة، لأن في
ذلك تعريضا للهلاك أو الضياع أو النقص
بفعل من الملتقط عن قصد، إذ التجارة
تحتمل الربح والخسارة، والملتقط ممنوع من
(١) مغني المحتاج ٢/ ٤١٥ - ٤١٧ والمغني والشرح الكبير
٦/ ٣٤٩
- ٣٠٣ -

٠٠
لُقَطَة ١٥ - ١٦
تعريض ما التقطه للهلاك أو الضياع أو
النقصان، وإذا اتجر فيها خلال الحول فهو
ضامن لها، أو ضامن لأرش نقصها عند
جمهور الفقهاء، وإذا ربحت خلال الحول
وجاء صاحبها فيجب على الملتقط ردها إليه
مع زيادتها المتصلة أو المنفصلة (١).
النفقة على اللقطة :
١٦ - اللقطة خلال مدة التعريف إما أن
تحتاج إلى نفقة للإبقاء عليها كما هو الحال
بالنسبة إلى الأنعام مثل نفقة الطعام والشراب
وأجرة الراعي، وإما أن لا تحتاج إلى نفقة كما
في النقود، وإما أن تحتاج إلى بعض النفقة كما
في أجرة الحمل بالنسبة للأمتعة، وقد ذهب
جمهور الفقهاء إلى أن ملتقط الأنعام إذا أنفق
علیهابإذن الحاكم وأمره کان ما أنفقه ديناً على
صاحبها لأن للحاكم والقاضي ولاية في مال
الغائب نظراً له، وقد يكون النظر بالإِنفاق،
وكذلك الحال إذا أنفق بغير إذن الحاكم على
رأي مالك بينما يرى الأئمة الثلاثة أنه إن أنفق
عليها بغير إذن الحاكم أو القاضي فهو متبرع
بما أنفقه لقصور ولایته في مال الغائب بإشغال
ذمته بالدین بدون أمره، ويجري الخلاف
(١) فتح القدير ٦/ ١١٨ - ١٢٠، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٠٢ -
٢٠٣، والمدونة الكبرى ٦/ ١٧٥، ١٧٨، ومغني المحتاج
٢ / ٤١٦، وروضة الطالبين ٥/ ٤١٥، والمغني والشرح الكبير
٦/ ٣٣٩ - ٣٤٣
السابق فيما إذا التقط ما يمكن بقاؤه بلا
إنفاق عليه كالرطب الذي يتتمر والعنب
الذي يتزبب واللبن الذي يتحول إلى أقط إن
كان الأحظ والأفضل لصاحبه الإِبقاء عليه
والاحتفاظ به، وإلا أمره القاضي ببيعه
والاحتفاظ بثمنه .
وإذا رفع الملتقط الأمر إلى الحاكم نظر
فيه، فإن كان للبهيمة منفعة وثم من
يستأجرها آجرها وأنفق عليها من أجرتها، لأن
فيه إبقاءً للعين على ملك صاحبها من غير
إلزام الدين عليه، وإن لم يكن لها منفعة
وخاف أن تستغرق النفقة قيمتها باعها وأمر
بحفظ ثمنها، إبقاءً له معنى عند تعذر إبقائه
صورة، لأن الثمن يقوم مقام العين إذ يصل
به إلى مثله في الجملة، وإن كان الأصلح
الإنفاق عليها أذن في ذلك وجعل النفقة دينا
علی مالکها، لأنه نصب ناظراً، وفي هذا نظر
من الجانبين، وإنما يأمر بالإِنفاق مدة
يوم أو يومين على قدر ما يرجى أن يظهر
مالكها، فإذا لم يظهر يأمر ببيعها لأن دوام
النفقة مستأصلة بالعين معنىً، بل ربما
تذهب بالعین ویبقی الدین علی مالکها ولا
نظر في ذلك أصلاً، بل ينبغي أن لا ينفذ
ذلك من القاضي لو أمر به للتيقن بعدم
النظر، وإذا باعها أعطي الملتقط من ثمنها ما
- ٣٠٤ -

لُقَطَة ١٦ - ١٧
أنفق في اليومين أو الثلاثة، لأن الثمن مال
صاحبها والنفقة دين عليه بعلم القاضي،
وصاحب الدین إذا ظفر بجنس حقه كان له
أن يأخذه، فإن باعها الملتقط بغير إذن
القاضي لا ينفذ البيع ويتوقف على إذن
المالك، فإن جاء وهي قائمة في يد المشتري
فإن شاء أجاز البيع وإن شاء أبطله وأخذها
من يده، وإن جاء وهي هالكة فإن شاء
ضمن المشتري قيمتها، وإن شاء ضمن
البائع، فإن ضمن البائع نفذ البيع لأنه ملك
اللقطة من حين أخذها، وكان الثمن للبائع
ويتصدق بما زاد على القيمة .
وإذا حضر المالك وقد أنفق عليها الملتقط
فله أن يمنعها منه حتى يحضر النفقة، لأنها
حية بنفقته، فصار المالك كأنه استفاد الملك
من جهة الملتقط فأشبه المبيع، ثم لا يسقط
دين النفقة بهلاك اللقطة في يد الملتقط قبل
الحبس، ويسقط إذا هلك بعد الحبس لأنها
تصیر بالحبس شبيهة بالرهن من حیث تعلق
حقه بها .
أما إن أنفق الملتقط على اللقطة وانتفع بها
كأن تكون دابة فركبها أو ماشية فحلبها
وشرب لبنها فلا يرجع على مالكها
بالنفقة (١).
(١) فتح القدير ٦ / ١٢٥ - ١٢٧، وبدائع الصنائع ٦ / ٣٨٧١،=
التصدق باللقطة :
١٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى جواز التصدق
باللقطة إذا عرفها الملتقط ولم يحضر صاحبها
مدة التعریف، ولا يتوقف ذلك على إذن
الحاكم، ويتصدق بها على الفقراء
والمساکین.
ويرى أبو حنيفة أن صاحب اللقطة إذا
جاء بعدما تصدق بها الملتقط فهو بأحد
خیارات ثلاث :
أ - إن شاء أمضى الصدقة، لأن التصدق
وإن حصل بإذن الشرع لم يحصل بإذن
المالك، فيتوقف على إجازته، وحصول
الثواب للإِنسان يكون بفعل مختار له، ولم
يوجد ذلك قبل لحوق الإِذن والرضا،
فبالإِجازة والرضا یصیر کأنه فعله بنفسه لرضاه
بذلك.
ب - وإن شاء ضمن الملتقط، لأنه سلم ماله
إلى غيره بغير إذنه، إلا أنه بإباحة من جهة
الشرع، وهذا لا ينافي الضمان حقا للعبد،
كما في تناول مال الغير حالة المخمصة،
والمرور في الطريق مع ثبوت الضمان.
ج - وإن شاء ضمن المسكين إذا هلك
= ومختصر الطحاوي ص ١٤٠، ١٤١، والمدونة الكبرى
٦ / ١٧٦، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٠ - ٤١٤، والمغني والشرح
الكبير ٦ / ٣٦٦، ٣٦٧
- ٣٠٥ -

لُقَطَة ١٧ - ١٩
المدفوع إليه في يده، لأنه قبض ماله بغير
إذنه، وأيهما ضمن لم يرجع على صاحبه (١).
ترك المتاع :
١٨ - سبق القول أن ملك المالك لا یزول إلا
بسبب مشروع، وقد يظهر من فعله ما يدل
علی تخليه عن ملکه لعدم حاجته، أو
لتقصيره عن النفقة عليه، أو لحقارة ما فقده
أوسقط منه، فإن علم أن المالك قد تخلى عنه
لما تقدم فيجوز أخذه وملکه، ولا یعرفه الآخذ
لأن التعريف إنما يكون من أجل معرفة
صاحبه والوصول إليه لرد ما فقده، أما وأن
المالك قد تخلى عنه فلا يرد إليه، كما في إلقاء
بعض الأثاث في مواضع القمامة أو خارج
البيوت ليلاً، وكما هو الحال بالنسبة للسنابل
الساقطة أثناء الحصاد وعلى الطرقات
وكسقوط السوط والعصا وحبات من التمر في
الطريق، فمثل هذه الأشياء يجوز أخذها
والانتفاع بها ولا تعرّف (٢).
الجعل على اللقطة :
١٩ - يرى جمهور الفقهاء جواز أخذ الجعل،
إن جعل صاحب اللقطة جعلاً معلوماً لمن
(١) فتح القدير ٦ / ١٢٤، وتبيين الحقائق ٣/ ٣٠٤، وبدائع
الصنائع ٦ / ٣٨٧٠، والمدونة الكبرى ٦/ ١٨٠، ومغني
المحتاج ٢ / ٤١٠، والقواعد لابن رجب ص ٢٤٠
(٢) الشرح الكبير مع الدسوقي ٤ / ١٢٠، ومغني المحتاج
٢/ ٤١٤، وكشاف القناع ٤/ ٢٠٩
وجدها، فللملتقط أخذ الجعل إن كان
التقطها بعد أن بلغه الجعل، لأن الجعالة في
ردّ الضالة والآبق وغيرهما جائزة بدليل قوله
تعالى: ﴿وَلِمَن جَاءَ بِ حِلُ بَعِيرٍ وَأَنَابِهِ.
(١)
زَعِيدٌ﴾ (١).
ومن الحدیث ما رواه أبو سعيد الخدري
رضي الله عنه، أن ناساً من أصحاب رسول
الله ﴿ أتوا حياً من العرب فلم يقروهم،
فبينما هم كذلك إذ لدغ سيد أولئك فقالوا:
هل فيكم راق؟ فقالوا: لم تقرونا فلا نفعل
حتى تجعلوا لنا جُعلاً فجعلوا لهم قطيع
شياه، فجعل رجل يجمع بزاقه ويتفل ويقرأ
بأم القرآن، فبرأ الرجل فأتوا بالشاء فقالوا: لا
نأخذها حتى نسأل عنها رسول الله (چ،
فسألوه فقال: ((وما يدريك أنها رقية، اقسموا
واضربوا لي معكم سهماً) (٢).
والحاجة تدعو أحيانا كثيرة إلى جعل جُعل
على رد اللقطة، طلبا للسرعة في ردها، ولأنه
قد لا يجد من يتبرع به.
ويجوز أن يجعل الجُعل لشخص بعينه
فیقول: إن رددت لقطتی فلك دینار مثلا،
(١) سورة يوسف / ٧٢
(٢) حديث أبي سعيد: ((أن ناساً من أصحاب رسول الله ﴾ أتوا
حيّاً من العرب ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٤٥٣) ومسلم.
(٤ / ١٧٢٧)
-٣٠٦ -

لُقَطَة ١٩ - ٢٠
فيجتهد هذا في البحث عنها وردها، ويجوز
أن يجعل الجعل لغیر معین فیقول: من رد
علي ضالتي فله کذا فمن ردها عليه استحق
الجعل (١)، أما إن رد اللقطة أو الضالة على
صاحبها ولم يجعل جُعلاً عليها فلا يستحق
شيئا، لأنه عمل يستحق به العوض مع
المعاوضة فلا يستحق مع عدمها كالعمل في
الإِجارة، كما أنه لا يستحق الجعل إن التقط
قبل أن يبلغه الجعل فردها لعلة الجعل، لأنه
التقطها بغير عوض، وعمل في مال غيره بغير
جُعْلٍ جُعِلَ فلا يستحق شيئا، كما لو التقطها
ولم يجعل ربها فيها شيئاً (٢).
رد اللقطة إلى صاحبها :
٢٠ - يشترط لرد اللقطة إلى صاحبها أن
يصفها ویتعرف عليها بذکر علامات تميزها
عن غيرها، کذکر عددها أو بعض علامات
الدابة ومكان فقدها وما أشبه ذلك، أو يثبت
أنها له بالبينة، فإذا ذكر علاماتها من
العفاص والوكاء والعدد والوزن فيجوز
للملتقط أن يدفعها إليه، وإن شاء أخذ منه
کفيلاً زيادة في الاستیثاق، لأن ردها إلیه إذا
وصفها مما ورد به الشرع، وهذا باتفاق
(١) المغني ٥ / ٧٢٤، ٧٢٥
(٢) المغني والشرح الكبير ٦/ ٣٥٠ - ٣٥٨، والبناية شرح الهداية
٦ / ٣٥
الفقهاء، ولكنهم اختلفوا بعد ذلك هل يجبر
قضاءً علی ردها لصاحبها بمجرد ذکر علاماتها
المميزة أم لابد من البينة على النحو التالي:
ذهب الحنفية والشافعية في الراجح من
المذهب إلى أن الملتقط لا يجبر على تسليم
اللقطة إلى مدعيها بلا بينة، لأنه مدع
فيحتاج إلى بينة كغيره، ولأن اللقطة مال
للغير فلا يجب تسليمه بالوصف كالوديعة،
لکن یری الحنفية جواز تسليمها لمدعيها عند
إصابة علامتها، كما يرى الشافعية جواز
تسليمها إذا غلب على ظن الملتقط صدق
مدعیھا .
واستدلوا بقوله ولا: (( ... فإن جاء
صاحبها فعرف عفاصها وعددها ووكاءها
فأعطها إياه، وإلا فهي لك)) (١).
وذهب المالكية والحنابلة إلى أن الملتقط
يجبر على تسليم اللقطة لصاحبها إذا وصفها
بصفاتها المذكورة، سواءً غلب على ظنه
صدقه أم لا، ولا يحتاج إلى بينة، عملا
بظاهر حديث زيد بن خالد الجهني السابق
وفيه: (( ... اعرف وكاءها وعفاصها، ثم
عرفها سنة، فإن لم تعرف فاستنفقها، ولتكن
وديعة عندك، فإن جاء طالبها يوماً من الدهر
(١) حديث: ((فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها ... ))
أخرجه مسلم (١٣٤٩/٣) من حديث زيد بن خالد الجهني.
- ٣٠٧ -

لُقَطَة ٢٠ - ٢٢
فأدها إليه)) (١).
وقوله آله: «فإن جاء أحد يخبرك بعددها
ووعائها ووكائها فأعطها إياه)) (٢).
ولأنه من المتعذر إقامة البينة على اللقطة،
لأنها ضاعت من صاحبها حال السهو
والغفلة وليس عنده شهود في هذه الحالة،
ویمکن أن یکون ذکر الأوصاف والعفاص
والوكاء من البينة (٣).
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن الملتقط لا
يجوز له أن يدفعها لمدعيها إذا لم يصفها
بصفاتها ولم يقم بينة عليها، ولم يعلم الملتقط
أنها له، ولا يجبره الحاكم على دفعها إليه، لأن
الناس لايعطون بمجرد الدعوى، فإن
ادعاها اثنان ووصفاها، أو أقاما بينتين
متساويتين أقرع الملتقط بينهما، فمن وقعت له
القرعة حلف ودفعت إليه، لأنهما تساويا فيما
يستحق به الدفع فتساويا فيه (٤).
اللقطة في الحرم:
٢١ - يرى جمهور الفقهاء أنه لا فرق بين لقطة
(١) حديث: ((اعرف وكاءها وعفاصها .... ))
أخرج هذه الرواية مسلم (٣/ ١٣٤٩)
(٢) حديث: ((فإن جاء أحد يخبرك بعددها ... ))
أخرجه مسلم (١٣٥١/٣) .
(٣) فتح القدير ٦/ ١٢٩، ١٣٠، والمدونة الكبرى ٦ / ١٧٤ ،
١٧٥، وتبيين الحقائق ٣/ ٣٠٦، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٦،
٤١٧، والمغني والشرح الكبير ٦/ ٣٣٦، ٣٣٧
(٤) المغني والشرح الكبير ٦/ ٣٣٧
الحل ولقطة الحرم من حيث جواز الالتقاط
والتعريف لمدة سنة، لأن اللقطة كالوديعة فلم
يختلف حكمها بالحل والحرم، والأحاديث
النبوية الشريفة لم تفرق بين لقطة الحل
والحرم، مثل قوله عليه الصلاة والسلام: (( ...
اعرف وكاءها وعفاصها ثم عرفها سنة)) (١).
ويرى الشافعي أن لقطة الحرم لا يحل
أخذها إلا للتعريف وأنها تعرف على الدوام،
إذ أن الأحاديث الخاصة بلقطة الحرم لم توقت
التعريف بسنة كغيرها، فدلت على أنه أراد
التعريف على الدوام، وإلا فلا فائدة من
التخصيص، ولأن مكة شرّفها الله، مثابة
للناس يعودون إليها المرة بعد المرة، فربما يعود
مالكها من أجلها مرة ثانية، أو يبعث في
طلبها، فكأنه جعل ماله به محفوظاً من
الضياع (٢).
اللقطة في دار الحرب:
٢٢ - من وجد لقطة في دار الحرب فإن كان .
في الجيش عرفها سنة في دار الإِسلام ثم
يطرحها في المغنم، وإنما يعرّفها في دار
الإِسلام لأن أموال أهل الحرب مباحة، ويجوز
أن تكون لمسلم، ولأنه قد لا يمكنه المقام في
(١) حديث: ((اعرف وكاءها ... ))
تقدم تخريجه ف ٨
(٢) فتح القدير ٦ / ١٢٨، الأم ٤ / ٦٧، مغني المحتاج
٢ / ٤١٧، والمغني والشرح الكبير ٦/ ٣٣٢
- ٣٠٨ -

لُقطَة ٢٢ - ٢٣
دار الحرب لتعريفها، وابتداء التعريف يكون
في الجیش الذي هو فيه، لاحتمال أنها لأحد
أفراده، فإذا قفل راجعاً أتم التعريف في دار
الإِسلام، أما إن دخل دار الحرب بأمان
فوجد لقطة فينبغي أن يعرّفها في دارهم، لأن
أموالهم محرمة عليه، فإذا لم تعرف ملكها كما
یملکها في دار الإِسلام، وإن دخل دارهم
متلصصاً فوجد لقطة عرّفها في دار الإِسلام،
لأن أموالهم مباحة له، ثم يكون حكمها
حكم غنيمته (١).
زكاة اللقطة :
٢٣ - اللقطة التي لا یعرف عنها صاحبها شیئا
لا يجب عليه زكاتها خلال فترة فقدها
وضياعها، لأن ملكه لها ليس تاماً إذ أنها
ليست تحت يده حتى يتصرف فيها، ولا
يزكيها الملتقط في عام التعريف لأنه لا يملكها
خلال هذه المدة، فإذا جاء صاحب اللقطة
خلال حول التعريف زكّاها للحول الذي
كان الملتقط ممنوعاً منها إن بلغت النصاب،
فإن كانت ماشية فإنما تجب زكاتها على
صاحبها إذا كانت سائبة عند الملتقط، فإن
علفها فلا زکاة علی صاحبها، وزکاتها بعد
الحول الأول على الملتقط في ظاهر مذهب
(١) المغني والشرح الكبير ٦ / ٣٤٨، نهاية المحتاج ٥ / ٤٢٦
أحمد لأنها تدخل في ملكه كالميراث فتصير
کسائر ماله.
أما إذا أخذ اللقطة للتملك فإنه يزكيها
للعام الذي عرّفها فيه، فإذا جاء صاحبها لم
يزكها لذلك الحول، ولا يرجع الملتقط على
مالكها بزكاتها كما يرجع عليه بالنفقة
عليها (١).
(١) فتح القدير ٦ / ١١٩، والبناية شرح الهداية ٦/ ١٧، والمغني
والشرح الكبير ٦ / ٤٤٩، ٤٥٠، ومغني المحتاج ٤ / ٤١٢
- ٣٠٩ -

لَقِيط ١ - ٤
لَقِيط
التعريف :
١ - اللقيط في اللغة: الطفل الذي يوجد
مرميا على الطرق لا يعرف أبوه ولا أمه (١).
وفي المصباح: وقد غلب اللقيط على
المولود المنبوذ (٢) .
واصطلاحا عرفه الحنفية بأنه : اسم لحي
مولود طرحه أهله خوفا من العيلة أو فرارا من
تهمة الريبة (٣).
وعرفه ابن عرفة من المالكية بأنه : صغير
آدمي لم يعلم أبوه ولا رقه (٤).
وعرفه الشافعية بأنه: كل صبي ضائع لا
كافل له (٥) .
وعرفه الحنابلة بأنه :طفل غیر مميز لا يعرف
نسبه ولا رقه طرح في شارع أو ضل الطريق
ما بين ولادته إلى سن التمييز (٦) .
(١) لسان العرب.
(٢) المصباح المنير.
(٣) الدر المختار على رد المحتار ٣١٤/٣
(٤) الخرشي ٧ / ١٣٠
(٥) روضة الطالبين ٥ / ٤١٨
(٦) كشاف القناع ٤/ ٢٢٦
الألفاظ ذات الصلة : .
أ - اللقطة :
٢ - اللقطة في اللغة - بفتح القاف كما قال
الأزهري - اسم الشيء الذي تجده ملقى
فتأخذه .
واللقط - بفتحتين - مايلقط من معدن
وسنبل وغيره، واللقطة: ما التقط (١).
وشرعا هي : مال يوجد ضائعا.
قال ابن عابدين: وخص اللقيط ببني
آدم، واللقطة بغيرهم للتمييز بينهما (٢).
ب - الضائع :
٣ - الضائع في اللغة من ضاع الشيء يضيع
ضيعا: إذا فقد وهلك، وخصه أهل اللغة
بغير الحيوان كالعيال والمال، يقال: أضاع
الرجل عياله وماله .
ولا يخرج معناه الاصطلاحي عن المعنى
اللغوي (٣).
وعلى ذلك فالضائع أعم من اللقيط لأنه
يشمل الإِنسان والمال.
حكم التقاط اللقيط:
٤ - ذهب جمهور الفقهاء - المالكية والشافعية
والحنابلة - إلى أن التقاط المنبوذ فرض كفاية
(١) لسان العرب.
(٢) الدر المختار ٣/ ٣١٨، وانظر: كشاف القناع ٤/ ٢٠٩
(٣) الصحاح ولسان العرب والمصباح المنير والمعجم الوسيط.
- ٣١٠ -

لَقیط ٤ -٥
إذا قام به بعضهم سقط عن الباقين وإلا
أثموا جميعا لقوله تعالى: ﴿ وَتَعَاوَنُواْ عَلَى اُلْبِّ
وَالنَّقوى ﴾ (١)، ولأن فيه إحياء نفس، قال
تعالى: ﴿وَمَنْ أَحْيَاهَافَكَأَنَّمَا أَخْيَا النَّاسَ
جَمِيعًاً﴾(٢)، إذ بإحيائها يسقط الحرج عن
الناس لأنه آدمي محترم.
وقال الشافعية والمالكية: هذا إذا لم يوجد
غيره سیراه، فإن علم أنه لا يوجد غيره كان .
التقاطه فرض عين (٣).
وذهب الحنفية إلى أن التقاط المنبوذ
مندوب إلیه لما روي ان رجلاً أتی سیدنا عليا
رضي الله تعالى عنه بلقيطٍ فقال: ((هو حر
ولأن أكون وليت من أمره مثل الذي وليت
أنت كان أحب إلىّ من كذا وكذا، عدّ جملة
من أعمال الخير) فقد رغب في الالتقاط وبالغ
في الترغيب فيه حيث فضله على جملة من
أعمال الخير على المبالغة في الندب إليه،ولأنه
نفس لا حافظ لها بل هي مضيعة فكان
التقاطها إحياء لها معنى (٤) .
وهذا إذا لم یغلب على ظنه هلاكه، فإن
(١) سورة المائدة / ٢
(٢) سورة المائدة / ٣٢
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤/ ١٢٤، ونهاية المحتاج
٥ / ٤٤٤، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٨، والمغني ٥ / ٧٤٧ ط
الرياض، وكشاف القناع ٤ / ٢٢٦
(٤) بدائع الصنائع ٦ / ١٩٨
غلب على ظنه هلاکه لو لم يرفعه بأن وجده في
مفازة ونحوها من المهالك کان التقاطه فرض
کفایة، وإذا کان لا يعلم به غيره كان التقاطه
فرض عين (١)
الإِشهاد على الالتقاط:
٥ - قال المالكية: ينبغي للملتقط الإِشهاد
عند الالتقاط على أنه التقطه خوف طول
الزمان فيدعي الولدية أو الاسترقاق، فإن
تحقق أو غلب على الظن ذلك وجب
الإشهاد (٢).
وقال الشافعية: يجب الإِشهاد على
الالتقاط في الأصح وإن کان الملتقط مشهور
العدالة لئلا يسترق ويضيع نسبه، ويجب
الإشهاد على ما معه بطريق التبعية .
ومقابل الأصح: لا يجب الإشهاد اعتمادا
على الأمانة .
ومحل وجوب الإشهاد ما لم يسلمه له
الحاكم فإن سلمه له سُنّ ولا يجب (٣).
وقال الحنابلة: يستحب للملتقط الإشهاد
عليه كاللقطة دفعا لنفسه لئلا تراوده
باسترقاقه، كما يستحب الإشهاد على ما مع
(١) فتح القدير ٥/ ٣٤٢ نشر دار إحياء التراث.، وحاشية ابن
عابدین ٣/ ٣١٤
(٢) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ١٢٦
(٣) نهاية المحتاج ٥ / ٤٤٤، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٨
- ٣١١ -

لَقیط ٥ - ٧
اللقيط من مال صونا لنفسه عن جحده (١).
الأحق بإمساك اللقيط :
٦ - الملتقط أحق بإمساك اللقيط من غيره
ولیس لغيره أن یأخذه منه لأنه هو الذي أحياه
بالتقاطه ولأنه مباح الأخذ سبقت يد الملتقط
إليه، والمباح مباح من سبق لقول النبي أمير:
«من سبق إلى ما لم يسبق إليه مسلم فهو أحق
به)» (٢)، وهذا أصل متفق عليه بين المذاهب
إذا تحققت في الملتقط الشروط التي اعتبرها
كل مذهب فإن تخلف شرط منها انتزع من
یده (٣).
٧ - وعلى ذلك فإن الحاکم ینتزعه من ید
الملتقط في الأحوال الآتية:
أ - إذا التقطه صبي أو مجنون لعدم أهليتهما
وهذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية والحنابلة
وهو ما يفهم من كلام المالكية (٤) .
ب - إذا التقطه محجور عليه لسفه فإنه ينتزع
(١) كشاف القناع ٤ / ٢٢٩، والمغني ٥ / ٧٥٦
(٢) حديث: ((من سبق إلى ما لم يسبق إليه ... )).
أخرجه أبو داود (٣/ ٤٥٣) من حديث أسمر بن مضرس،
واستغربه المنذري كما في مختصر السنن (٤ / ٢٦٤) .
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ١٩٨، والهداية وفتح القدير ٥/ ٣٤٣،
نشر دار إحياء التراث، والشرح الكبير مع حاشية الدسوقي
٤ / ١٢٦، ونهاية المحتاج ٥/ ٤٤٧، وكشاف القناع
٤/ ٢٢٨
(٤) حاشية ابن عابدين ٣١٤/٣، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٨،
وكشاف القناع ٤ / ٢٢٩، والشرح الكبير للدردير ٤ / ١٢٦،
ونهاية المحتاج ٥ / ٤٤٦
منه لأنه لا ولاية له على نفسه فعلى غيره أولى،
وهذا ما ذهب إليه المالكية والشافعية
والحنابلة، ولا يشترط ذلك عند الحنفية إذ
يجوز عندهم التقاط السفیه ولا ینتزع من يده
فقد قال ابن عابدين العبد المحجور عليه
يصح التقاطه فالمحجور لسفه أولى (١).
ج - إذا التقطه فاسق فإنه ينتزع منه لأن
العدالة شرط في إقراره في يد الملتقط وهذا ما
ذهب إليه الشافعية والحنابلة.
قال الشافعية: وأما من ظاهر حاله
الأمانة : إلا أنه لم يختبر فلا ینتزع من يده لكن
یوکل القاضي به من یراقبه بحیث لا يعلم
لئلا يتأذي (٢).
وقال الحنابلة: إذا التقط اللقيط من هو
مستور الحال لم تعرف منه حقيقة العدالة ولا
الخيانة أقر اللقيط في یدیه،لأن حكمه حكم
العدل في لقطة المال والولاية في النكاح
والشهادة فيه ،ولأن الأصل في المسلم العدالة،
ولذلك قال عمر رضي الله تعالى عنه:
المسلمون عدول بعضهم على بعض (٣).
ولا يشترط ذلك عند الحنفية فقد جاء في
(١) حاشية ابن عابدين ٣/ ٣١٤، والفواكه الدواني ٢ / ٢٤٣،
ونهاية المحتاج ٥ / ٤٤٦، وروضة الطالبين ٥/ ٤١٩، وكشاف
القناع ٤ / ٢٢٩ .
(٢) روضة الطالبين ٥/ ٤١٩، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٨
(٣) المغني ٥/ ٧٥٧، وکشاف القناع ٤/ ٢٢٩
- ٣١٢ -

لَقیط ٧
حاشية ابن عابدين: التقاط الكافر صحيح
والفاسق أولى، لكن قال ابن عابدين لو كان
الملتقط فاسقا فإنه ينتزع منه إن خشي عليه
الفجور باللقيط فينتزع منه قبل حد
الاشتهاء (١).
د - إذا التقطه عبد دون إذن سیده فإنه ينتزع
منه فإن أذن له السيد في الالتقاط أو علم
السید بعد التقاطه وأقره في يده فلا ينتزع منه
وكان السيد هو الملتقط وهو نائبه في الأخذ
والتربية، وهذا ما ذهب إليه المالكية
والشافعية والحنابلة (٢).
ولم يشترط الحنفية الحرية في الالتقاط
فقالوا: يصح التقاط العبد المحجور
عليه (٣) .
هـ ـ إذا التقطه كافر وكان اللقيط محكوما
بإسلامه فإنه ينتزع منه لأنه يشترط الإِسلام في
التقاط المسلم ولأن الكفالة ولاية ولا ولاية
للكافر على المسلم ولأنه لا يؤمن أن يفتنه في
دينه، فإن كان اللقيط محكوما بكفره أقر في
يده لأنه على دينه، ولأن الذين كفروا بعضهم
(١) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣/ ٣١٤
(٢) حاشية الدسوقي ٤ / ١٢٦، ١٢٧، والفواكه الدواني
٢ / ٢٤٣، وروضة الطالبين ٤١٩/٥، والمغني ٥/ ٧٥٩،
ومنتهى الإرادات ٢/ ٤٨٣
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣/ ٣١٤
أولياء بعض، وهذا ما ذهب إليه المالكية
والشافعية والحنابلة (١)، ولم يشترط الحنفية
الإِسلام فيمن يلتقط (٢).
و- وقد ذكر الحنفية شرطا عاما وهو كون
الملتقط أهلا لحفظ اللقيط، قالوا: وينبغي
أن ينتزع منه إذا لم يكن أهلا لحفظه (٣)، كما
أنه لا يشترط أن يكون الملتقط ذكرا عند جميع
الفقهاء فيصح التقاط المرأة ولا ينتزع منها إلا
أن المالكية قيدوا ذلك بما إذا كانت المرأة حرة
خالية من الأزواج أو كانت ذات زوج وأذن لها
زوجها (٤).
ز- في وجه عند الشافعية أنه إذا التقطه فقير
فإنه لا يقر في يده، لأنه لا يقدر على القيام
بحضانته وفي ذلك إضرار باللقيط، والوجه
الثاني أنه يقر في يده لأن الله تعالى يقوم بكفاية
الجميع.
هذا ما ذكره الشيرازي إلا أن النووي ذکر
بأن الصحيح أنه لايشترط الغنى (٥).
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ١٢٧، والمهذب
٤٤٢/١، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٨، والمغني ٥/ ٧٥٩
(٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٣/ ٣١٤
(٣) المرجع السابق ص ٣١٤ - ٣١٥
(٤) الفواكه الدواني ٢ / ٢٤٣، وروضة الطالبين ٥ / ٤١٩، والمغني
٧٦١/٥
(٥) المهذب ١ / ٤٤٣، وروضة الطالبين ٥/ ٤١٩
- ٣١٣ -

لَقیط ٨
السفر باللقيط :
٨ - ذكر حكم السفر باللقيط الشافعية
والحنابلة مع تفصیل لكل منهما بیانه فيما يلي:
فرق الشافعية بين التقاط المقيم في مكان
والغريب عن مكان الملتقط فقالوا:
أ - الأصح أن الغريب إذا كان أمينا واختبرت
أمانته ووجد لقیطا ببلد فله أن ینقله إلى بلده
لتقارب المعيشة لكن بشرط أمن الطريق
وتواصل الأخبار، فإن لم تختبر أمانته وجهل
حاله لم يقر في يده لأنه لا يؤمن أن يسترقه إذا
غاب.
ومقابل الأصح لا يجوز له نقله خشية
ضياع النسب (١) .
ب - وقال الشافعية: إذا وجد بلديّ لقيطاً
ببلد فليس له نقله إلى بادية لخشونة عيشها
وتفويت العلم والدين والصنعة، وقيل
لضياع النسب.
والأصح أن له نقله إلى بلد آخر.
وهذا الخلاف إنما هو عند أمن الطريق
وتواصل الأخبار، فإن كان الطريق مخوفا أو
انقطعت الأخبار بينهما لم يُقَرّ اللقيط في يده
قطعاً .
ولم يفرق الجمهور (أي جمهور فقهاء
(١) مغني المحتاج ٢ / ٤٢٠، ونهاية المحتاج ٥/ ٤٤٨
الشافعية) بین مسافة القصر ودونها، وجعل
الماوردي الخلاف في مسافة القصر وقطع فيما
دونها بالجواز ومنعه في الكفاية، وما عليه
الجمهور هو المعتمد (١).
ج - وإن وجد اللقيط بلديّ ببادية في حِلّة أو
قبيلة فله نقله إلى قرية وإلى بلد يقصده لأنه
أرفق به، وقيل وجهان، فإن كانت البادية في
·مهلكة فله نقله لمقصده قطعا.
د - وإن وجد اللقيط بدويٌّ ببادية أُقِرّ بيده
وإن كان أهل حِلته ينتقلون لأنها في حقه
كبلدة أو قرية، وقيل: إن كانوا ينتقلون
للنجعة - أي الانتقال لطلب المرعى - لم يُقَر
في يده لأن فيه تضييعاً لنسبه.
قال الرملي: وعلم مما تقرر أن للملتقط
نقل اللقيط من بلد أو قرية أو بادية لمثله أو
أعلى منه لا لدونه، وأنّ شرط جواز النقل
مطلقا إن أمن الطريق والمقصد وتواصل
الأخبار واختبار أمانة الملتقط (٢).
ويفرق الحنابلة بين السفر باللقيط لغير
النقلة والسفر به إلى مكان للإقامة به .
كما يفرقون بين الملتقط إذا كان مستور
الحال لم تعرف منه حقيقة العدالة ولا الخيانة
وبین من عرفت عدالته وظهرت أمانته.
(١) نهاية المحتاج ٥ / ٤٤٨، ومغني المحتاج ٢ / ٤١٩، ٤٢٠
(٢) مغني المحتاج ٢ / ٤٢٠، ونهاية المحتاج ٥/ ٤٤٩
- ٣١٤ -

لَقِيط ٨ -٩
قال ابن قدامة: من كان مستور الحال لم
تعرف منه حقيقة العدالة ولا الخيانة وأراد
السفر باللقيط ففيه وجهان:
أحدهما: لا يقر في یدیه، لأنه لم يتحقق
أمانته فلم تؤمن الخيانة منه.
والثاني : يقر في يديه، لأنه يقر في يديه في
الحضر من غير مشرف يضم إليه فأشبه
العدل ولأن الظاهر الستر والصيانة.
أما من عرفت عدالته وظهرت أمانته فيقر
اللقيط في يده في سفره وحضره، لأنه مأمون
عليه إذا كان سفره لغير النقلة.
فإن كان سفر الملتقط الأمين باللقيط إلى
مكان يقيم به نظرنا، فإن كان التقطه من
الحضر فأراد الانتقال به إلى البادية لم يقر في
يده، لأن مقامه في الحضر أصلح له في دينه
ودنياه وأرفه له، ولأنه إذا وجد في الحضر
فالظاهر أنه ولد فيه فبقاؤه فیه أرجی لكشف
نسبه وظهور أهله واعترافهم به .
فإن أراد الانتقال به إلى بلد آخر من
الحضر ففيه وجهان :
أحدهما : لا يُقر في يده، لأن بقاءه في بلده
أرجى لكشف نسبه، فلم يقر في يد المنتقل
عنه قياسا على المنتقل به إلى البادية .
والوجه الثاني: يقر في يده، لأن ولايته
ثابتة، والبلد الثاني كالأول في الرفاهية فيقر في
يده كما لو انتقل من أحد جانبي البلد إلى
الجانب الآخر.
وإن كان الالتقاط من البادية فله نقله إلى
الحضر، لأنه ينقله من أرض البؤس والشقاء
إلى الرفاهية والدعة والدین، وإن أقام في حلة
يستوطنها فله ذلك .
وإن كان ينتقل به إلى المواضع احتمل أن
يقر في يديه لأن الظاهر أنه ابن بدويين
وإقراره في يد ملتقطه أرجی لکشف نسبه،
ويحتمل أن يؤخذ منه فيدفع إلى صاحب
قرية، لأنه أرفه له وأخف عليه.
وكل موضع قلنا ينزع من ملتقطه فإنما
یکون ذلك إذا وجد من يدفع إليه ممن هو
أولی به فإن لم يوجد من يقوم به أقر في يدي
ملتقطه، وإن لم يوجد إلا مثل ملتقطه
فملتقطه أولى به إذ لا فائدة في نزعه من
یده (١).
حرية اللقيط ورقه :
٩ - ذهب الفقهاء إلى أن اللقيط حر من
حيث الظاهر لأن الأصل في بني آدم إنما هو
الحرية فإن الله تعالى خلق آدم وذريته أحرارا
وإنما الرق لعارض ، فإذا لم يعلم ذلك العارض
فله حكم الأصل، وقد روي هذا عن عمر
(١) المغني لابن قدامة ٥/ ٧٥٧ - ٧٥٩
- ٣١٥ -

لَقِيط ٩ - ١٠
وعلي رضي الله تعالى عنهما وبه قال عمر بن
عبد العزيز والشعبي والحكم وحماد والثوري
وإسحاق (١).
وللفقهاء في ذلك تفصيل ينظر في (رق
ف ٣ وما بعدها).
الحكم بإسلام اللقيط أو كفره:
١٠ - اختلف الفقهاء في الأصل الذي يحكم
به على اللقيط من حيث الإِسلام أو الكفر،
هل يكون الأصل في ذلك هو الدار التي وجد
فیھا من حیث کونها دار إسلام أو دار كفر أو
أن الأصل في ذلك هو حال الواجد من كونه
مسلماً أو غير مسلم؟ .
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن المعتبر في
ذلك هو الدار التي يوجد فيها اللقيط فإن
کانت الدار دار إسلام حكم بإسلامه تبعا
للدار التي وجد فيها، والدار التي تعتبر دار
إسلام عندهم هي :
أ - دار يسكنها المسلمون ولو كان فيها أهل
ذمة تغليبا للإِسلام ولظاهر الدار ولأن
الإِسلام يعلو ولا يُعلى عليه.
ب- دار فتحها المسلمون وقبل ملكها أقروها
بید الکفار صلحا.
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٩٧، وفتح القدير ٥/ ٣٤٢ نشر دار
إحياء التراث، والدسوقي ٤ / ١٢٥، والخرشي وحاشية العدوي
بهامشه ٧/ ١٣٢، ومغني المحتاج ٢ / ٤٢٥، والمغني
٥/ ٧٤٧، وكشاف القناع ٤/ ٢٢٦
ج - دار فتحها المسلمون وملكوها عنوة وأقروا
أهلها عليها بجزية .
د - دار كان المسلمون يسكنونها ثم أجلاهم
الكفار عنها .
ففي هذه الأماكن يعتبر اللقيط الذي
یوجد فيها مسلماً لكن بشرط أن يوجد بها
مسلم یمکن أن یکون اللقيط منه لأنه يحتمل
أن يكون لذلك المسلم تغليبا للإِسلام (١).
فإن لم يكن فيها مسلم، بل كان جميع من
فیھا کفارا فهو كافر كما إذا وجد بدار كفار لم
يسكنها مسلم يحتمل إلحاقه به، فإن كانت
الدار دار كفر وكان فيها مسلمون كتجار
وأسرى فأصح الوجهين عند الشافعية وفي
احتمال للحنابلة أن اللقيط فيها يعتبر مسلما
تغلیبا للإسلام، وفي الوجه الثاني عند
الشافعية والاحتمال الآخر للحنابلة يحكم
بكفره تغليبا للدار والأكثر (٢).
وعند الحنفية لا يخلو حال اللقيط من أمور
أربعة :
أ - أن يجده مسلم في مصر من أمصار
المسلمين أو في قرية من قراهم، فإنه في هذه
الحالة يحكم بإسلامه حتى لو مات يغسل
(١) مغني المحتاج ٢ / ٤٢٢، والروضة ٥/ ٤٣٣، والمغني
٥/ ٧٤٨، وکشاف القناع ٤/ ٢٢٦ - ٢٢٧
(٢) الروضة ٥/ ٤٣٣، ٤٣٤، ومغني المحتاج ٢ / ٤٢٢، وكشاف
القناع ٤ / ٢٢٧،٢٢٦، والمغني ٥ / ٧٤٨، ٧٤٩
-٣١٦ -

لَقِيط ١٠
ويصلى عليه ويدفن في مقابر المسلمين.
ب - أن يجده ذمي في بيعة أو كنيسة أو في
قرية ليس فيها مسلم فإنه یکون ذمیا تحكيما
للظاهر.
ج - أن يجده مسلم في بيعة أو كنيسة أو في
قرية من قرى أهل الذمة فإنه يكون ذميا
أيضا.
د - أن يجده ذمي في مصر من أمصار
المسلمین أو في قرية من قراهم فإنه یکون
مسلما (١).
كذا ذكر في كتاب اللقيط من الأصل
واعتبر المكان، وروى ابن سماعة عن محمد
أنه اعتبر حال الواجد من کونه مسلما أو ذمیا،
وفي كتاب الدعوى اعتبر الإِسلام إلى أيهما
نسب إلى الواجد أو إلى المكان، قال
الكاساني: والصحيح رواية هذا الكتاب
(أي كتاب اللقيط، وقد صرح به في العناية
على الهداية) لأن الموجود في مكان هو في أيدى
أهل الإِسلام وتصرفهم في أيديهم، واللقيط
الذي هو في يد المسلم وتصرفه يكون مسلما
ظاهرا، والموجود في المكان الذي هو في أیدی
أهل الذمة، وتصرفهم في أيديهم، واللقيط
الذي هو في يد الذمي وتصرفه یکون ذميا
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٩٨، وفتح القدير والعناية ٥/ ٣٤٥
والمبسوط ١٠ / ٢١٥
ظاهرا فكان اعتبار المكان أولى (١).
وفي بعض الروايات يعتبر الزي والعلامة،
جاء في فتح القدير وفي كفاية البيهقي : قيل
يعتبر بالسيما والزي لأنه حجة (٢)، قال الله
تعالى: ﴿تَعْرِفُهُم بِسِيمَهُمْ﴾ (٣)، ﴿يُعْرَفُ
الْمُجْرِمُونَ بِسِيمَهُمْ﴾ (٤) .
وقال المالكية: إذا وُجد اللقيط في بلاد
المسلمین فإنه يحكم بإسلامه، لأنه الأصل
والغالب وسواء التقطه مسلم أو كافر، وإذا
وجد في قرية ليس فيها من المسلمين سوى
بیتین أو ثلاثة فإنه يحكم بإسلامه أيضا تغليبا
للإسلام بشرط أن يكون الذي التقطه
مسلم، فإن التقطه ذمي فإنه يحكم بكفره
على المشهور، ومقابل المشهور ما قاله أشهب
وهو أنه يحكم بإسلامه مطلقاً أي سواء التقطه
مسلم أو کافر.
وإذا وجد في قرى الشرك فإنه يحكم بكفره
سواء التقطه مسلم أو كافر تغليبا للدار
والحكم للغالب وهو قول ابن القاسم، وأما
أشهب فيقول: إن التقطه مسلم فهو مسلم
(١) بدائع الصنائع ٦/ ١٩٨، والعناية وفتح القدير ٥/ ٣٤٥،
٣٤٦ نشر دار إحياء التراث، والمبسوط ١٠ / ٢١٥
(٢) فتح القدير ٥ / ٣٤٦
(٣) سورة البقرة / ٢٧٣
(٤) سورة الرحمن / ٤١
- ٣١٧ -

لَقِيط ١٠ - ١١
تغليبا لحكم الإسلام لأنه يعلو ولا يعلى
علیه (١).
نسب اللقيط :
١١ - إذا ادعى اللقيط شخص واحد سواء
أکان هو الملتقط أو غيره فإن كان رجلا مسلما
حرا لحق نسبه به إن أمكن أن یکون منه بأن
تتحقق فيه شروط الاستلحاق، وهذا ما
ذهب إليه الشافعية والحنابلة لأن الإِقرار
محض نفع للطفل لاتصال نسبه، ولا مضرة
على غيره فیه فقبل کما لو أقر له بمال (٢).
وهذا ما ذهب إليه الحنفية أيضا في
الاستحسان لأن في إثبات النسب نظراً من
الجانبين، جانب اللقيط بشرف النسب
والتربية والصيانة عن أسباب الهلاك وغير
ذلك، وجانب المدعی بولد یستعین به على
مصالحه الدينية والدنيوية.
وفي القياس عند الحنفية لا تسمع
الدعوى إلا ببينة لأنه يدعى أمرا جائز الوجود
والعدم فلابد لترجيح أحد الجانبين على
الآخر من مرجح وذلك بالبينة ولم توجد (٣).
وإذا كان المدعی دمیا تصح دعواه ویثبت
نسبه منه لکنه یکون مسلما لأنه- كما يقول
الكاساني - ادعى شيئين يتصور انفصال
(١) شرح الخرشي ٧/ ١٣٢
(٢) روضة الطالبين ٥ / ٤٣٧، والمغني ٥/ ٧٦٣
(٣) بدائع الصنائع ٦/ ١٩٩
أحدهما عن الآخر في الجملة وهو نسب الولد
وكونه کافرا، ویمکن تصدیقه في أحدهما
لكونه نفعا للقيط وهو کونه ابنا له ولايمكن
تصدیقه في الآخر لكونه ضررا به وهو كونه
کافرا فيصدق فيما فيه نفعه فیثبت نسب الولد
منه، ولا يصدق فيما يضره فلا يحكم بكفره،
وهذا ما ذهب إليه الحنفية والشافعية والحنابلة
قالوا: ولا حق له أيضا في حضانته.
وقالوا: إنما يكون مسلما في ادعاء الذمي
له إذا كان ذلك عن طريق الإِقرار أما إذا أقام
الذمي بينة على أن اللقيط ابنه ثبت نسبه منه
ویکون على دينه خلافا للإِقرار (١).
وإذاكان المدعى عبدا تصح دعواه ویثبت
نسبه منه لکنه یکون حرا لأنه ادعی شیئین
أحدهما نفع للقيط والآخر مضرة هو الرق
فیصدق فیما ینفعه لا فیما يضره، ولا حضانة
للعبد عليه لاشتغاله بالسيد فيضيع فلا
يتأهل للحضانة، فإذا أذن السيد جاز لانتفاء
مانع الشغل، كما أنه لا تجب عليه نفقته لأنه
لا مال له ولا على سيده، لأن الطفل محكوم
بحريته فتكون نفقته في بيت المال، وهذا ما
ذهب إليه الحنفية والشافعية في المذهب
والحنابلة .
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٩٩، وروضة الطالبين ٥/ ٤٣٧، ومغني
المحتاج ٢ / ٤٢٢، والمغني ٥ / ٧٦٣ - ٧٦٤، وكشاف القناع
٤/ ٢٣٥
- ٣١٨ -

لَقِيط ١١ - ١٢
وفي قول عند الشافعية يلحق الملتقط
بالعبد إن صدقه السيد وقيل لا يلحق
مطلقا، وقيل: يلحق قطعا إن كان مأذونا له
في النكاح ومضى زمان إمكانه وإلا
فقولان (١).
وذهب المالكية إلى أنه إذا ادعى اللقيط
الملتقط أو غيره فلا يلحق نسبه به إلا بأحد
أمرین .
الأمر الأول: أن يأتي المدعي ببينة تشهد
له بأنه ابنه ولا یکفي قول البینة ذهب له ولد
أو طرح، فإن أقام البينة لحق به سواء كان
اللقيط محكوما بإسلامه أو كفره وسواء كان
المستلحق له الذي شهدت له البينة مسلما أو
کافرا .
الأمر الثاني: أن یکون لدعواه وجه کرجل
عُرِف أنه لا یعیش له ولد فزعم أنه رماه لقول
الناس: إذا طرح عاش ونحوه مما يدل على
صدقه فإنه يلحق بصاحب الوجه المدعى،
سواء كان اللقيط محكوما بإسلامه أو كفره
وسواء كان المستلحق له صاحب الوجه مسلما
أو کافرا وهذا على ما ذهب إليه ابن عرفة
والنتائي وعبد الرحمن الأجهوري، وذهب
آخرون إلى أنه لا يلحق بصاحب الوجه إلا
(١) بدائع الصنائع ٦ / ١٩٩، وروضة الطالبين ٥ / ٤٣٧، والمغني
٥/ ٧٦٣
إذا كان صاحب الوجه مسلما وأما إذا
استلحقه ذمي فلابد من البينة (١).
١٢ - وإن ادعى نسب اللقيط اثنان، مسلم
وكافر أو حر وعبد فهما سواء، لأن كل واحد
لو انفرد صحت دعواه، فإذا تنازعوا تساووا في
الدعوى كالأحرار المسلمين فلابد من
مرجح، فإن كان لأحدهما بينة فهو ابنه، وإن
أقاما بينتين تعارضتا وسقطتا ولا يمكن
استعمالهما هاهنا.
فإذا لم تكن لأحدهما بينة أو كانت لهما
بينتان وتعارضتا وسقطتا فإنه يعرض على
القافة مع المدعيين فيلحق بمن ألحقته به
منهما، لما روت عائشة رضي الله عنها أن النبي
وَ* دخل عليها يوما مسرورا تبرق أسارير
وجهه فقال: ((ألم تری أن مجززا المدلجي دخل
علىّ فرأى أسامة وزيداً وعليهما قطيفة قد
غطیا رءوسھما وبدت أقدامهما فقال: إن هذه
الأقدام بعضها من بعض)) (٢)، فلولا جواز
الاعتماد على القافة لما سرّ به النبي وَلِ﴾ ولا
اعتمد عليه .
هذا ما ذهب إليه الشافعية والحنابلة ، وهو
(١) الشرح الكبير مع حاشية الدسوقي ٤ / ١٢٦، والتاج والإكليل
بهامش الحطاب ٦/ ٨٢
(٢) حديث عائشة: أن النبي# دخل عليها يوماً مسروراً ..
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٥٦) ومسلم (٢ / ١٠٨٢)
واللفظ للبخاري .
- ٣١٩ -

لَقِيط ١٢
قول أنس رضي الله عنه وعطاء وزيد بن عبدالملك
والأوزاعي والليث وأبي ثور (١).
فإن ألحقته القافة بأحدهما لحق به وإن
ألحقته بهما فعند الشافعية سقط قولهما ولا
يلحق بهما ويترك حتى يبلغ فإذا بلغ أمر
بالانتساب إلى من يميل طبعه إليه فمن
انتسب إلیه منهما لحق به «لما ورد أن رجلین
ادعیا رجلا لا یدری أيهما أبوه فقال عمر رضي
الله عنه: اتبع أيهما شئت)) (٢)، ولأن طبع
الولد يميل إلى والده ويجد به ما لا يجد بغيره.
وقال الحنابلة: يلحق بهما وكان ابنهما يرثهما
ميراث ابن ويرثانه جميعا ميراث أب واحد
وهذا يروى عن عمر وعلى رضي الله تعالى
عنهما وهو قول أبي ثور وذلك لما روي عن
سليمان بن يسار عن عمر في امرأة وطئها
رجلان في طهر فقال القائف: قد اشتركا فيه
جميعا فجعله بينهما، وعن الشعبي قال: وعلي
يقول: هو ابنهما وهما أبواه يرثهما ويرثانه (٣).
وقد نص أحمد على أنه إن ادعاه أکثر من
اثنين فألحقته بهم القافة أنه يلحق بالثلاثة،
وقال عبد الله بن حامد: لا يلحق بأكثر من
(١) مغني المحتاج ٢/ ٤٢٨، والمغني ٥ / ٧٦٥ - ٧٦٦
(٢) أثر: ((أن رجلين ادعيا رجلا ... ))
أخرجه البيهقي (١٠ / ٢٦٣)
(٣) روضة الطالبين ٥ / ٤٣٩، والمهذب ١ / ٤٤٤، ومغني المحتاج
٢/ ٤٢٨، والمغني ٥ / ٧٧١ - ٧٧٢، ٧٦٦
اثنین، وقال القاضي لا يلحق بأكثر من ثلاثة
لأن المعنى الذي لأجله لحق باثنين موجود فيما
زاد عليه فيقاس عليه، وإذا جاز أن يلحق
من اثنين جاز أن يلحق من أكثر من
ذلك (١).
وقال الحنفية: لو ادعى رجلان أن اللقيط
ابنهما ولا بينة لهما فإن كان أحدهما مسلما
والآخر ذميا فالمسلم أولى لأنه أنفع للقيط
وکذلك إذا كان أحدهما حرا والآخر عبدا
فالحر أولى لأنه أنفع له.
وإن كانا مسلمين حرين فإن وصف
أحدهما علامة في جسده فالواصف أولى به
لأن الدعوتين متى تعارضتا يجب العمل
بالراجح منهما وقد ترجح أحدهما بالعلامة لأنه
إذا وصف العلامة ولم يصف الآخر دل على
أن یده علیه سابقة فلابد لزوالها من دلیل.
والدليل على جواز العمل بالعلامة قوله
تعالى: ﴿إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّمِنْ قُبُلٍ
فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَذِبِينَ ﴿ وَإِن كَانَ قَمِيصُهُ.
قُدَّ مِن دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّدِّقِينَ ) فَلَيَّا
رَءَا قَمِيصَهُ، قُدَّ مِن دُبُرٍقَالَ إِنَّهُ مِن كَيْدِكُنَّ
إِنَّ كَيْدَكُنَّعَظِيمٌ﴾ (٢)، حكى الله تعالى عن
الحكم بالعلامة عن الأمم السالفة ولم يغير
(١) المغني ٥/ ٧٧٢ - ٧٧٣
(٢) سورة يوسف / ٢٦ - ٢٨
- ٣٢٠ -