Indexed OCR Text
Pages 141-160
کنایة ١٣ - ١٧ النية مقارنة للفظ الكناية، فلو تلفظ بالكناية غیر ناو للطلاق ثم نوی بها الطلاق بعد ذلك لم يقع، أو يأتي مع الكناية بما يقوم مقام نية الطلاق کحال خصومة وغضب وجواب سؤالها الطلاق، فيقع الطلاق ممن أتى بكناية إذن ولو بلا نية، لأن دلالة الحال كالنية، فلو ادعى في هذه الأحوال - أي حال الغضب والخصومة وسؤالها الطلاق - أنه ما أراد الطلاق، أو ادعى أنه أراد غيره دُیِنَ لاحتمال صدقه، ولم يقبل في الحکم لأنه خلاف ما دلت عليه الحال. ويقع مع النية بالكناية الظاهرة ثلاث وإن نوی واحدة، روي ذلك عن علي وابن عمر وزيد بن ثابت وابن عباس وأبي هريرة رضي الله عنهم في وقائع مختلفة (١). ب - ألفاظ الكناية في الإِيلاء: ١٤ - الكناية في الإِيلاء: كل ما يحتمل الجماع وغيره ولم يغلب استعماله في الجماع عرفا، كأن يقول: والله لا يجتمع رأسك ورأسي بشيء، ولا قربت فراشك، ولأسوءنك، ولأغيظنك، ولتطولن غيبتي عنك، ولا یمس جلدي جلدك، ولا أویت معك، ولا أنام معك، لأن هذه الألفاظ تستعمل في الجماع وفي غيره، فلابد من (١) كشاف القناع ٥/ ٢٥٠، ٢٥١ النية، ليكون إيلاء (١). وللتفصيل ر: (إيلاء ف ٥). ج - كنايات الظهار: ١٥ - كنايات الظهار كثيرة: كأنت أمي : أنت عليّ كعين أمي، أو رأسها أو روحها، وكل لفظ يحتمل التحريم ويحتمل الكرامة فهو کنایة فیه (٢). ر: (ظهار ف ١٣). د - كنايات القذف: ١٦ - کنایات القذف: کقوله یا فاجر، یا فاسق، يا خبيث، أو أنت تحبين الخلوة، لا تردين يد لامس، لم أجدك عذراء (٣)، ونحو ذلك. وللتفصيل ر: (قذف ف ٧ ومابعدها). هـ- كنایات الوقف: ١٧ - كنايات الوقف كقوله: تصدقت، وحرمت، وأبدت (٤)، فإن قصد الوقف صار موقوفاً، وإلا فلا يكون، لتردد اللفظ بين الوقف وغيره . وللتفصيل ر: (وقف). (١) بدائع الصنائع ٣/ ١٦٢، والمغني ٧ / ٣١٦، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٠٤ (٢) نهاية المحتاج ٧/ ١٨٣، والأشباه والنظائر للسيوطي ص ٣٠٥ (٣) كشاف القناع ٦ / ١١١، والأشباه للسيوطي ص ٣٠٥ (٤) المغني ٥ / ٦٠٢ - ١٤١ - كناية ١٨، كَنْز ١ - ٢ و- كنايات الخلع : ١٨ - كنايات الخلع كقوله: باراتك، وأبرأتك، وأبنتك، ولا يقع الخلع بالكناية إلا بنية من تلفظ به (١). والتفصيل في مصطلح (خلع ف ٣٠) گنْز التعريف : ١ - يطلق الكنز في اللغة على عدة معان: أولها: الجمع والادخار، ومن ذلك قولهم: ناقة کناز اللحم أى مجتمعة، وکنزت التمر في وعائه أکنزه، وزمن الكناز هو أوان كنز التمر وجمعه . والثاني: المال المدفون تحت الأرض تسمية بالمصدر، وجمعه کنوز، مثل فلس وفلوس. الثالث: کل کثیر مجموع یتنافس فیه (١). ولا يخرج المعنى الاصطلاحي عن المعنى اللغوي (٢). الألفاظ ذات الصلة : أ - الرکاز: ٢ - الركاز لغة بمعني المرکوز وهو من الرکز أي الإِثبات، وهو المدفون في الأرض إذا خفي، والركز بكسر الراء هو الصوت الخفي. (١) نهاية المحتاج ٥/ ٣٦٠ (١) المصباح المنير، ولسان العرب مادة: كنز. (٢) التعريفات للجرجاني، والمفردات للراغب الأصفهاني. - ١٤٢ - كنز ٢ - ٤ وفي الاصطلاح عند الجمهور: ما دفنه أهل الجاهلية، كما يطلق على كل ما كان مالا على اختلاف أنواعه. وخصه الشافعية بالذهب والفضة . وعرفه الحنفية بأنه مال مرکوز تحت أرض أعم من كون راكزه الخالق أو المخلوق. والعلاقة بين الكنز والركاز أن الكنز أعم من الركاز. (ر: ركاز ف ١ - ٣). ب - المعدن : ٣ - المعدن لغة: مكان كل شيء فيه أصله ومركزه، وموضع استخراج الجوهر من ذهب ونحوه (١). وهو في الاصطلاح قال الكمال: أصل المعدن المکان بقید الاستقرار فيه، ثم اشتهر في نفس الأجزاء المستقرة التي ركبها الله تعالى في الأرض يوم خلق الأرض حتى صار الانتقال من اللفظ إليه ابتداء بلا قرينة (٢). أنواع الكنز: يقسم الفقهاء الكنز تقسيمات متنوعة بالنظر إلى عدید من الاعتبارات التي تؤثر في الحكم. (١) المعجم الوسيط. (٢) فتح القدير ٢ / ١٧٨ وفيما يلي تفصيل ما يتعلق بهذه التقسيمات. أولا: تقسيم الكنز بالنظر لنسبته التاريخية: أ - الكنوز الإِسلامية: ٤ - الكنوز الإِسلامية هي التي يغلب في الظن نسبتها إلى أحد من المسلمين، وذلك إذا كان عليها نقش من النقوش الإِسلامية، ككلمة التوحيد أو الصلاة على النبي (وَلاي، أو اسم ملك من ملوك الإِسلام أو أية علامة أخرى من العلامات الدالة على نسبة الكنز إلى أحد من المسلمين (١). وفي الحكم على هذا النوع اتجاهان: أولهما: أنه لا يأخذ حكم اللقطة ويلزم واجده أن يحفظه أبدا، قال النووي: فعلى هذا یمسکه الواجد أبدا و للسلطان حفظه في بيت المال كسائر الأموال الضائعة، فإن رأى الإِمام حفظه أبدا فعل، وإن رأى اقتراضه لمصلحة فعل، وعلى هذا الوجه لا يملكه الواجد بحال، قال أبو علي: والفرق بينه وبين اللقطة أن اللقطة تسقط من مالكها في مضيعة، فجوز الشارع لواجدها تملكها بعد التعريف ترغيبا للناس في أخذها وحفظها، وأما الكنز المذكور فمحرز بالدفن غير مضيع، فأشبه الإِبل الممتنعة من السباع إذا (١) المجموع ٦ / ٩٧ - ١٤٣ - كَنْز ٤ -٥ وجدها في الصحراء، فإنه لا يجوز أخذها للتمليك (١). أما الاتجاه الآخر: فهو إلحاق ما يعد من هذه الكنوز باللقطة في الرد على المالك إن عرف، وفي التعريف، وفي التصرف فيها التصرف الواجب في اللقطة، ويوضح إلحاق الكنز باللقطة عند أكثر الفقهاء إغفالهم للرأي السابق وعدم إشارتهم إليه في أکثر الكتب الفقهية، جاء في المغني أن هذا الكنز بمنزلة اللقطة، فعليه (أي على واجده) أن يعرف ما يجده منه (٢) أما وجوب التعريف بها وعدم کتمانها أو إخفائها فلا خلاف فيه بين الفقهاء، إلا أن یضر به هذا التعريف فیعذر عنه فيما نص عليه الشبراملسي وأوضحه بقوله: اطردت العادة في زماننا بأن من نسب له شيء من ذلك تسلطت علیه الظلمة بالأذى واتهامِه أن هذا بعض ما وجده، فهل یکون ذلك عذرا في عدم الإِعلام، ویکون في يده کالوديعة، فيجب حفظه ومراعاته أبدا، أو يجوز له صرفه مصرف بيت المال کمن وجد مالا أيس من مالكه، وخاف من دفعه لأمین بیت المال أن أمین بیت المال لا يصرفه مصرفه؟ فيه نظر، ولا یبعد الثاني للعذر المذکور، وینبغي له إن أمکن دفعه لمن ملك منه تقدیمه علی غیره إن كان مستحقا لبيت المال (١). ومدة التعريف عند الحنفية سنة فيما تزيد قیمته على عشرة دراهم، وما قلت قیمته عن ذلك يعرَّف أياما عندهم (٢). ولا خلاف بين أحد من الفقهاء في وجوب دفع الكنز لصاحبه إن وجد، أما إن لم يوجد صاحبه فقد اختلفوا في حكمه بناء على اختلافهم فيما يجب في اللقطة التي لايُدرى صاحبها بعد تعريفها التعريف الواجب. وتفصيل ذلك في مصطلح: (لقطة ف ١٤). ب- کنوز الجاهلية: ٥ - يطلق اصطلاح كنوز الجاهلية على ما ينتسب إلى ما قبل ظهور الإِسلام، سواء انتسب إلى قوم أهل جهل لا يعرفون شيئا عن الدين ممن عاشوا في فترات الرسل، أو انتسب إلى قوم من اليهود أو النصارى، ويتقيد هذا النوع من الكنوز بمقتضى هذا الوصف بكونه دفین غير مسلم ولا ذمي . وعلى الرغم من إشارة أكثر الفقهاء إلى هذا النوع من الكنوز بأنه دفین الجاهلية فإن هذا لا يعني اشتراط کونه مدفونا في باطن (١) المجموع ٦ / ٩٨ (٢) المغني لابن قدامة ٢ / ٦١٣، وانظر الدسوقي ١ / ٤٩٢ (١) حاشية الشبراملسي مع نهاية المحتاج ٣/ ٩٩ (٢) الجامع الصغير لمحمد بن الحسن ص ١٠٧ - ١٤٤ - كُنْز ٥ -٦ الأرض لترتب الأحكام الفقهية الخاصة به، إذ يذكر أكثر الشراح فیما نص عليه الدسوقي أن ما وجد فوق الأرض من أموالهم فهو رکاز، وأن التقييد بالدفن لأنه شأن الجاهلية في الغالب (١)، ومع ذلك فقد ذكر بعض العلماء اشتراط الدفن لاعتباره من الركاز حقيقة، ولكن غير المدفون من الأموال يلتحق بالمدفون قياسا علیه، يدل على هذا الرأي ما جاء في حاشية الدسوقي : أن غير المدفون لیس برکاز وإن کان فيه الخمس قياسا علیه (٢) . وقال الشافعية: لابد أن يكون الموجود مدفوناً، فلو وجده ظاهراً وعلم أن السيل أو السبع أو نحو ذلك أظهره فركاز، أو علم أنه کان ظاهراً فلقطة، فإن شك کان لقطة كما لو تردد في کونه ضرب الجاهلية أو الإِسلام، قاله المارودي (٣) . وقد ورد في سنة النبي ◌َّير الإشارة إلى هذا النوع من الكنوز بهذا الاصطلاح الذي اتبعه الفقهاء فيما بعد، فعن عبد الله بن عمرو بن العاص أن رجلاً من مزينة سأل رسول الله ولي فقال: يا رسول الله: الكنز نجده في الخرب وفي الآرام فقال رسول الله وَلي: ((فيه (١) حاشية الدسوقي ١ / ٤٨٩ (٢) المرجع السابق ١ / ٤٩٠ (٣) نهاية المحتاج ٣ / ٩٨ وفي الركاز الخمس)) (١). والضابط في التحاق ما يكتشف من الأموال بكنوز الجاهلية أن يعلم أنها من دفنهم، ولم تدخل في ملك أحد من المسلمين ولا من أهل الذمة، وإنما يظن ذلك ظنا غالبا بأن تكون عليه علاماتهم أو نقوشهم أو أي شيء آخر يدل عليهم، جاء في المغني اعتبار الكنز دفْنا جاهليا بأن ترى عليه علاماتهم كأسماء ملوكهم وصورهم وصلبهم وصور أصنامهم ونحو ذلك (٢). ومن هذه العلامات فیما نص علیه البعض أن يوجد في قبورهم (٣)، أو أن يوجد في قلاعهم وخرائبهم (٤) . وحكم هذا الكنز وجوب الخمس فيه باتفاق الفقهاء اذا توافرت شروطه للنص على هذا الوجوب (٥) ج - الكنز المشتبه الأصل: ٦ - وهو النوع الثالث من الكنوز فهي التي لا نعرف حقيقتها، بألا يوجد عليها أثر مطلقا کتبر وآنية وحلي، أو كان عليها أثر لا يكشف (١) حديث: ((أن رجلا من مزينة سأل رسول الله -.... )) أخرجه أحمد (٢ / ١٨٦)، وصحح إسناده أحمد شاكر في تحقيقه للمسند (١١ / ٣٤) (٢) المغني لابن قدامة ٢ / ٦١٣ (٣) تحفة المحتاج ٣ / ٢٨٨ (٤) نهاية المحتاج ٣ / ٩٨ (٥) المبسوط ٢ / ٢١١، البحر الرائق ٢ / ٢٥٢، حاشية الدسوقي ١ / ٤٨٩ والمغني ٢ / ٦١٥ .- ١٤٥ - ٠ گنْز ٦ - ٧ عن أصلها، كما إذا كانت نقدا يضرب مثله في الجاهلية والإِسلام (١). وإنما يصدق هذا إذا لم يمكن معرفة حقيقة الكنز من المكان الذي وجد فيه، كما إذا وجد في قرية لم یسکنها مسلم فإنه يعد جاهليا، وإذا كان المسلمون هم الذين اختطوها ولم يسكنها جاهلي فإن الموجود يعد کنزا إسلامیا . واختلف الفقهاء في حكم هذا الكنز، فألحقه الحنفية في ظاهر المذهب والمالكية والحنابلة وهو قول عند الشافعية بكنوز الجاهلية فیعطی حكم الركاز. وألحقه بعض الحنفية والشافعية في الأصح بالكنوز الإِسلامية فيعطى حكم اللقطة (٢). ثانيا: تقسيم الكنز الجاهلي بالنظر إلى الدار التي وجد فيها: يفرق الفقهاء بين الكنز الذي يجده الواجد في دار الإِسلام، وبين ذلك الذي يوجد في دار الحرب، وفيما يلي بيان هذا التقسيم . (١) نهاية المحتاج ٣/ ٩٨ (٢) بدائع الصنائع ٢ / ٦٥، والبحر الرائق ٢/ ٢٥٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٩٨ - ٤٩٩، والمجموع ٦ / ٩٦، ونهاية المحتاج ٣/ ٩٨، والمغني مع الشرح الكبير ٢/ ٦١٣ النوع الأول: الكنز الذي يوجد في. دار الإِسلام: ٧ - تختلف أحكام الكنوز التي توجد في دار الإِسلام تبعا لاختلاف ملكية الأرض التي وجدت فيها وسبيل هذه الملكية، ويختلف النظر الفقهي إلى ما يوجد من هذه الكنوز في أرض لا مالك لها، أو في طريق غير مسلوك، أو في أرض ملكها صاحبها بشراء أو بميراث، أو في أرض ملكها صاحبها بالإِحياء، على التفصيل التالي بين هذه الأنواع: أ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الكنز الجاهلي الذي يوجد في موات أو في أرض لا يعلم لها مالك، مثل الأرض التي توجد فيها، آثار الملك كالأبنية القديمة والتلول وجدران الجاهلية وقبورهم ... فهذا فيه الخمس ولو وجده في هذه الأرض على وجهها أو في طريق غير مسلوك أو في قرية خراب فهو كذلك في الحکم، لما روى عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده قال: سئل رسول الله وَله عن اللقطة فقال: ((ما كان في طريق مأتي أو في قرية عامرة فعرفها سنة، فإن جاء صاحبها وإلا فلك، وما لم یکن في طريق مآتي ولا في قرية عامرة ففيه وفي الركاز الخمس)) (١). (١) حديث: ((سئل رسول الله ﴿ عن اللقطة ... )) أخرجه النسائي (٤٤/٥)، وإسناده حسن. - ١٤٦ - گنْز ٧ ومنه كذلك ما يوجد في بلاد الإِسلام في أرض غير مملوكة لأحد كالجبال والمفاوز (١). وقال الشافعية: يملك الواجد الركاز وتلزمه الزكاة فيه إذا وجده في موات أو في خرائب أهل الجاهلية أو قلاعهم أو قبورهم (٢). ب- وأما ما یوجد من الکنوز في أرض أو دار يملكها الواجد نفسه بشراء أو میراث أو هبة فالاتفاق على وجوب الخمس باعتباره کان مال الكفرة استولى عليه على طريق القهر فیخمس (٣). وأما الأربعة الأخماس الباقية فهي لصاحب الخطة عند أبي حنيفة ومحمد إن كان حياً، وإن كان ميتاً فلورثته إن عرفوا، وإن . کان لا یعرف صاحب الخطة ولا ورثته تكون لأقصی مالك للأرض أو لورثته. وقال أبو يوسف: أربعة أخماسه للواجد (٤) . وذهب أبو حنيفة ومحمد إلى أن ملكية الأخماس الأربعة في الكنز الموجود في أرض مملوكة للواجد أو غيره لیست للواجد ولا لمالك 1 (١) البحر الرائق ٢ / ٢٥٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٩١، والمغني مع الشرح الكبير ٢ / ٦١٣ (٢) نهاية المحتاج ٣ / ٩٨ (٣) بدائع الصنائع ٢ / ٦٦ (٤) بدائع الصنائع ٢ / ٦٦ الأرض، وإنما يرجع هذا الملك إلى المختط له الأول الذي انتقلت إليه ملكية الأرض بما فيها بعد تقسيم الإِمام لها عقب فتحها على أيدي الجيش المسلم، ويعرف المرغيناني المختط له بأنه هو الذي ملكه الإِمام هذه البقعة أول الفتح، ويعقب الكمال على هذا بقوله: لا نقول إن الإِمام يملك المختط له الكنز بالقسمة، بل يملكه البقعة ويقرر يده فيها ويقطع مزاحمة سائر الغانمین فيها، وإذا صار مستوليا عليها أقوى الاستيلاءات، وهو بيد خصوص الملك السابقة فيملك بها ما في الباطن من المال المباح، للاتفاق على أن الغانمين لم يعتبر لهم ملك في هذا الكنز بعد الاختطاط، وإلا لوجب صرفه إليهم أو إلى ذرارہم، فإن لم يعرفوا وضع في بيت المال واللازم منتف، ثم إذا ملكه (أي الكنز) لم يصر مباحا فلا يدخل في بيع الأرض، فلا يملكه مشترى الأرض كالدرة في بطن السمكة یملکھا الصائد لسبق ید الخصوص إلى السمكة حال إباحتها، ثم لا يملكها مشتري السمكة لانتفاء الإباحة، وما ذكر في السمكة من الإِطلاق ظاهر الرواية . أما إن لم يعرف هذا المختط له ولا ورثته فإنما يستحق الكنز أقصى مالك يعرف في الإسلام، وهو اختیار السرخسي، خلافا لأبي - ١٤٧ - گنْز ٧ الیسر البزدوي الذي اختار استحقاق بيت المال للكنز، يقول السرخسي: إن كان المختط له باقیا أو وارثه دفع إليه، وإلا فهو لأقصى مالك يعرف لهذه البقعة في الإِسلام، وهذا قول أبي حنيفة ومحمد، ولعل أبا اليسر قد نظر إلى تعذر التعرف على المختط له في عصره فأوجب ملك الأربعة الأخماس لبيت المال (١). وقال المالکیة: إن ملکت الأرض بإرث فأربعة الأخماس الباقية لمالكها، وإن ملكت بشراء أو هبة فهي للبائع الأصلى أو الواهب إن علم وإلا فلقطة، وقيل لمالكها في الحال (٢). وقالوا: إن ملك ما يوجد من الكنوز في أرض مملوكة بشراء أو ما يشبهه يختص بمالك تلك الأرض حكما وهو الجيش الذي فتحها عنوة، فيدفع الباقي لمن وجد منهم، فإن لم یوجد الجیش فلوارثه إن وجد، فإن انقرض الوارث فقال سحنون: إنه لقطة فيجوز التصدق به عن أربابه ويُعمل فيه ما يعمل في اللقطة، وقال بعضهم: إذا انقرض الوارث حل محله بيت المال من أول الأمر، لأنه مال جهلت أربابه، وهذا هو المعتمد وهو ما مشی (١) المبسوط ٢ / ٢١٤، فتح القدير ١ / ٥٤٠ ط. الأميرية. (٢) الشرح الصغير ١ / ٦٥٥، والدسوقي ١ / ٤٩١. علیه الشارح، وكان مالك يقول: كل كنز وجد من دفن الجاهلية في بلاد قوم صالحوا عليها فأراه لأهل تلك الدار الذين صالحوا علیھا، وليس هو لمن أصابه، وما أصيب في أرض العنوة فأراه لجماعة مسلمي أهل تلك البلاد الذين افتتحوها، وليس هو لمن أصابه دونهم، لأن ما في داخلها بمنزلة ما في خارجها فهو لجمیع أهل تلك البلاد، ویخمس (١). وقال الشافعية: إذا کان الركاز في أرض انتقلت إلى واجده من غيره لم يحل للواجد أخذه، بل يلزمه عرضه على من ملك الأرض عنه، ثم الذي قبله إن لم يدعه، ثم هكذا حتى ينتهي إلى المحيي (٢). وذهب الحنابلة في الأصح إلى أن الأربعة الأخماس لواجدها لأنها مال کافر مظهور علیه في الإِسلام، فکان لمن ظھر علیہ کالغنائم، وهذا قد ظهر عليه فوجب أن يملكه، وفي رواية ثانية للحنابلة هي للمالك قبله إن اعترف به، وإن لم يعترف به فهي للذي قبله کذلك إلی أول مالك، فإن لم یعرف له أول مالك فهو كالمال الضائع الذي لا يعرف له مالك (٣) . (١) حاشية الدسوقي ١ / ٤٩٩، والخرشي ٢ / ٢١١، والمدونة ٢٩١/١ (٢) المجموع ٦ / ٩٤ (٣) المغني مع الشرح الكبير ٢ / ٦١٣ - ١٤٨ - كَنْز ٧ - ٩ ج - ما يوجد من الكنز في بلاد الإِسلام في أرض ملکها صاحبها بالإِحياء فیخمس ما يوجد (١)، ويستحق المحيي الأخماس الأربعة الباقية . ونص الحنابلة على أن الكنز للواجد إن وجده في أرض ملكها بالإِحياء أو انتقلت إليه بميراث أو بيع أو غير ذلك (٢). د - ما يوجد من الكنز في بلاد الإِسلام في أرض موقوفة فالكنز لمن في يده الأرض، كذا ذكره البغوي (٣). النوع الثاني: الكنوز التي يجدها المسلم أو الذمي في دار الحرب: ٨ - فصل الفقهاء أنواع ما يجده المسلم أو الذمي من كنوز في دار الحرب على النحو التالي : فقال المالكية والحنابلة: هو كموات دار الإسلام فيه الخمس (٤) لعموم قوله ويآثار : ((وفي الركاز الخمس)) (٥). وقال الحنفية: إذا وجد الکنز في أرض ليست بمملوكة لأحد في دار الحرب فهو (١) المجموع ٦ / ٩٤ (٢) كشاف القناع ٢/ ٢٢٧ (٣) المجموع ٦ / ٩٤ (٤) حاشية الدسوقي ١ / ٤٩١، والمغني مع الشرح الكبير ٢ / ٦١٥. (٥) حديث: ((وفي الركاز الخمس)). أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٣٦٤) ومسلم (٣/ ١٣٣٤) من حديث أبي هريرة. للواجد، ولا يخمس، لأنه مال أخذه لا عن طريق القهر والغلبة لانعدام غلبة أهل الإِسلام على ذلك الموضع فلم یکن غنيمة، ولا خمس فیه، ویکون الکل له، لأنه مباح استولى عليه بنفسه فيملكه كالحطب والحشيش، وسواء دخل بأمان أو بغير أمان، لأن حكم الأمان يظهر في المملوك لا في المباح (١). وفصل الشافعية فقالوا: إذا وجده في دار الحرب في موات لا يذبون عنه فهو كموات دار الإِسلام فيه الخمس، لعموم قوله ممثلين: ((وفي الركاز الخمس)). وإن وجده في موات في دار الحرب یذبون عنه ذبهم عن العمران فالصحيح أنه ركاز کالذي لا یذبون عنه لعموم الحدیث (٢). ٩ - أما إن وجد الكنز في أرض مملوكة لأهل هذه الدار فيفرق الفقهاء بين حالين: أوهما، أن يدخل بأمان فلا يحل له أخذ الكنز لا بقتال ولا غيره، وليس له خيانتهم في أمتعتهم، فإن أخذه لزمه رده، قال الحنفية: ویرده إلى صاحب الأرض، وإلا ملكه ملكا خبيثا، لتمكن خبث اخيانة فیه فسبیله التصدق به، ولو باعه يجوز بيعه لكن لا يطيب للمشتري ، (١) بدائع الصنائع ٢ / ٦٦، والسير الكبير ٥/ ٢١٦٥ (٢) المجموع ٦ / ٩٤ - ١٤٩ - گنْز ٩ - ١٠ بخلاف بيع المشترى شراء فاسدا (١)، ويعد سارقا إن أخذه خفية، ومختلسا إن أخذه جهارا (٢). والثاني: أن یکون قد دخل بغیر أمان فيحل للواجد أن يأخذ ما یظفر به من کنوزهم ولا شيء فيه عند الحنفية إن كان أخذه بغير قتال، أما إن كان أخذه على سبيل القهر والغلبة بقتال وحرب كما لو دخل جماعة ممتنعون في دار الحرب فظفروا بشىء من كنوزهم يجب فيه الخمس ... لكونه غنيمة لحصول الأخذ عن طريق القهر والغلبة (٣). وقال الشافعية: إن وجد في موضع مملوك لهم نظر: إن أخذ بقهر وقتال فهو غنيمة كأخذ أموالهم ونقودهم من بيوتهم فيكون خمسه لأهل خمس الغنيمة وأربعة أخماسه لواجده، وإذا أخذ بغير قتال ولا قهر فهو فيء ومستحقه أهل الفيء، كذا ذكره إمام الحرمين (٤). ملكية الكنز: تناول الفقهاء أحكام ملكية الكنز من حيث طبيعة ملكية الخمس وسبب ملكية الأربعة أخماس الباقية والعلاقة بين ملكية الأرض وملكية الكنوز التي توجد فيها . (١) بدائع الصنائع ٢ / ٦٦ (٢) المجموع ٦/ ٦٤ (٣) بدائع الصنائع ٢ / ٦٦ (٤) المجموع ٦ / ٩٤. أ - ملكية الخمس: ١٠ - يميز فقهاء الحنفية بين نوعين من الحقوق : أولهما: الحقوق المتعلقة بذمة أحد من العباد، كدين القرض في ذمة المقترض، والثمن في ذمة المشتري، والأجرة في ذمة المستأجر، وقيمة المغصوب أو مثله في ذمة الغاصب، والمهر والنفقة في ذمة الزوج. والثاني: الحقوق القائمة بنفسها المتعلقة بالأشياء ذاتها لا في ذمة أحد، وهي التي عرفها صدر الشريعة بأنها حقوق قائمة بنفسها لا تجب في ذمة أحد كخمس الغنائم والمعادن، فالخمس فيهما مفروض على عين الغنائم والمعادن قبل الاستيلاء أو الكشف، دون نظر إلى شخص الغانم أو الواجد للمعدن (١). وقد نص الحنفية على أن الخمس للفقراء، والواجد منهم، والأربعة الأخماس للواجد إذا لم تبلغ مائتي درهم، فإن بلغت لم يجز له الأخذ من الخمس. قال السرخسي: من أصاب كنزا أو معدنا وسعه أن يتصدق بخمسه على المساکین، فإذا أطلع الإمام على ذلك أمضى.له ما صنع، لأن الخمس حق الفقراء وقد (١) التوضيح لصدر الشريعة ص ٧٣٦ طبعة كراتشي. - ١٥٠ - كَنْز ١٠ أوصله إلى مستحقه (١). وقال الكاساني: يجوز دفع الخمس إلى الوالدين والمولودين إذا كانوا فقراء بخلاف الزكاة والعشر، ويجوز للواجد أن يصرفه في مصالحه إذا كان محتاجا ولا تغنيه الأربعة الأخماس الباقية بأن كانت تقل عن المائتين، أما إذا بلغت الأخماس الأربعة المائتين فليس للواجد الأخذ من الخمس لغناه، ولا يقال ينبغي ألا يجب الخمس مع الفقر كاللقطة، لأنا نقول إن النص عام فيتناوله (٢) . وقال المالكية: خمس الرکاز مصرفه لیس كمصرف الزكاة وإنما هو كخمس الغنائم يحل للأغنياء وغيرهم، ويجب الخمس في الركاز ولو كان الواجد عبداً أو كافراً أو صبياً أو مديناً، وإن احتاج إلى كبير عمل في تخليصه وإخراجه من الأرض ففيه الزكاة ربع العشر، ولا يشترط لوجوب الزكاة بلوغ النصاب ولا غيره من شروط الزكاة (٣). وقال الشافعية: في الركاز الخمس يصرف مصرف الزكاة على المشهور، لأنه حق واجب في المستفاد من الأرض، فأشبه الواجب في الزرع والثمار، ولابد أن يكون الواجد أهلاً (١) المبسوط ٣ / ١٧ (٢) بدائع الصنائع ٢ / ٦٨، ١٢٤/٧ - ١٢٥، وانظر السير الكبير ٥/ ٢١٧٣، والبحر الرائق ٢ / ٢٥٢ (٣) التاج والإكليل ٢ / ٣٣٩، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٨٩ - ٤٩٠ للزكاة . والثاني: أنه يصرف لأهل الخمس، لأنه مال جاهلي حصل الظفر به من غير إيجاف خيل ولا ركاب، فكان كالفيء، وعليه فیجب علی المکاتب والكافر من غیر احتیاج لنية . وشرطه النصاب - ولو بالضم - والنقد أي الذهب والفضة وإن لم يكن مضروباً على المذهب، لأنه مال مستفاد من الأرض فاختص بما تجب فيه الزكاة قدراً ونوعاً كالمعدن . والثاني: لا يشترطان للخبر المار، ولا يشترط الحول بلا خلاف (١). والمذهب عند الحنابلة : أن الخمس یکون مصرفه مصرف الفيء، اختاره ابن أبي موسی والقاضي وابن عقيل، ويجب الخمس على كل · من وجده من مسلم وذمي وحر وعبد ومكاتب وكبير وصغير وعاقل ومجنون، إلا أن الواجد له إذا كان عبداً فهو لسیده، وإن کان صبيا أو مجنونا فھو لهما ويخرج عنهما وليهما. وفي رواية عن أحمد: أنه زكاة، جزم به الخرقي، وإن تصدق به على المساكين أجزأه لأن علي ابن أبي طالب رضي الله عنه أمر صاحب الكنز أن يتصدق به على المساکین. (١) نهاية المحتاج ٣ / ٩٧ - ٩٨ - ١٥١ - کنْز ١٠ - ١٢ وإذا كان الخمس زكاة فلا تجب على من ليس من أهلها (١). ب - ملكية الأخماس الأربعة: ١١ - يملك واجد الكنز ما يبقى منه بعد صرف الخمس بالشروط التالية: أولا: أن یکون الواجد مسلما أو ذميا، فإن کان حرییا اشترط سبق إذن الإِمام له بالعمل في التنقيب عن الكنوز، ويتقيد حقه في الكنز باتفاقه مع الإِمام، وقد نص فقهاء المذهب الحنفي على أن الحربي إذا عمل في المفاوز بإذن الإِمام على شرط فله المشروط (٢). ثانيا: أن يكون الكنز من دفين الجاهلية لم يدخل في ملك مسلم ولا ذمي وإلا أخذ الكنز حكم اللقطة . ثالثا: أن يوجد الكنز في أرض غير مملوكة لأحد كالجبال والمفاوز والطرق المهجورة التي لا يأتيها المسلمون ولا أهل الذمة (٣). ونص الشافعية على أن الواجد يملك الرکاز، لأنه کسب له فيملكه بالاكتساب، وإذا ملكه وجبت الزكاة فيه وهي الخمس لأنه من أهلها (٤). (١) الإنصاف ٣/ ١٢٣ - ١٢٥، والمغني مع الشرح الكبير ٦١٥/٢-٦١٦ (٢) البحر الرائق ٢ / ٢٥٣، وحاشية ابن عابدين ٢ / ٥١ (٣) البحر الرائق ٢ / ٢٥٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٩١، والإنصاف ٣/ ١٢٦ (٤) المجموع ٦ / ٩٢ ج - ملكية الكنز الموجود في أرض مملوكة لغير معين : ١٢ - قال الحنفية: إذا وجد الكنز في أرض مملوكة فإما أن تكون مملوكة لغير معين أو مملوكة لمعين، والأراضي المملوكة لغير معين هي التي آلت إلى المسلمين بلا قتال ولا إيجاف خيل ولا ركاب، وكذا التي آلت إلى بيت المال لموت المالك من غير وارث، كما صرح به بعض الفقهاء فيما يتعلق بأراضي مصر (١)، وتنتقل ملكية هذا النوع من الأرضين إلى بيت المال وتصير أملاك دولة، فيملكها جميع المسلمين، واعتبرها بعض الفقهاء وقفا، وحكم ما يوجد من كنز في هذا النوع من الأراضي أن يذهب خمسه لبيت المال أما الباقي وهو الأربعة الأخماس فالقياس أن يذهب إلى الواحد على مذهب أبي يوسف والحنابلة، أو إلى المختط له الأول إن عرف، وإلا فلبيت المال أو للجيش وورثته عند القائلين به حسبما يأتي تفصيله، وفي هذا يذكر ابن عابدين أنه لم ير حكم ما وجد في أرض مملوكة لغير معين، ثم يقول: والذي يظهر لي أن الكل لبيت المال، أما الخمس فظاهر، وأما الباقي فلوجود المالك - وهو جميع المسلمين - فيأخذه وكيلهم (١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٤ - ١٥٢ - کْز ١٢ - ١٤ وهو السلطان (١). وهو مذهب المالكية بناء على أصلهم في صرف الباقي بعد الخمس أو دفع نسبة الزكاة إلى مالك الأرض، ويفسر الخرشي هذا الأصل بقوله: باقي الركاز سواء وجب فيه الخمس أو الزكاة، وهو الأربعة الأخماس في الأول والباقي بعد ربع العشر في الثاني لمالك الأرض، وأراد بالمالك حقيقة أو حكما، بدلیل قوله: ولو جيشاً، فإن الأرض لا تملك للجیش، لأنها بمجرد الاستيلاء تصیر وقفا، فإن لم يوجد فهو مال جهلت أربابه، قال مطرف وابن الماجشون وابن نافع: لواجده، وحكى ابن شاس عن سحنون أنه كاللقطة ، ومفاده أن الأربعة الأخماس تذهب إلى مالك الأرض، سواء كان معينا أو غير معين (٢) . ملكية الكنوز الإِسلامية : ١٣ - تأخذ هذه الكنوز حكم اللقطة في المذاهب المختلفة، لأنها مال مسلم لا يعرف على التعيين، من حيث وجوب الالتقاط، والتعريف ومدته والتملك والانتفاع بها، وضمانها بعد التصدق، وما إلى ذلك .. (ر: لقطة). (١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٨ (٢) الخرشي ٢ / ٢١١ مسائل فقهية خاصة بالكنز. أ- حكم التنقيب عن الکنوز: ١٤ - بحث الفقهاء المسلمون حكم التنقيب عن الكنوز، ولم يروا حرمته فيما نصوا عليه، الإيجاب الشريعة الخمس فيما خرج منها، مما يدل بوجه الاقتضاء على حل استخراجه وجواز البحث عنه، وما روي عنهم من الكراهة أو الحرمة فإنما هو لمعنى آخر، من ذلك أن مالكا قد كره الحفر في القبور ولو كانت لموتى الجاهلية تعظيما لحرمة الموت، ففي المدونة: قال مالك: أكره حفر قبور الجاهلية والطلب فيها ولست أراه حراما، فما نيل فيها من أموال الجاهلية ففيه الخمس (١)، وذلك - كما جاء في حاشية الدسوقي - لإِخلاله بالمروءة، وخوف مصادفة قبر صالح من نبي أوولي، واعلم أن مثل قبر الجاهلي في كراهة الحفر لأجل أخذ ما فيه من المال قبر من لايعرف هل هو من المسلمين أو الكفار، وكذا قبور أهل الذمة، أي الكفار تحقیقا، وأما نبش قبور المسلمین فحرام، وحكم ما وجد فيها حكم اللقطة (٢)، وقد خالف أشهب في هذا، ورأی جواز نبش قبر . الجاهلي وأخذ ما فيه من مال وعرْض، وفيه (١) المدونة ١ / ٢٩٠ . (٢) حاشية الدسوقي ١ / ٤٩٠، والخرشي ٢ / ٢١١ . - ١٥٣ - کنْز ١٤ الخمس (١)، وهو مذهب الأحناف، فعندهم أنه لا بأس بنبش قبور الكفار طلبا للمال (٢). ولا يشترط إذن الإِمام في التنقيب عن الكنوز والمعادن ليأخذ الواجد حقه عند الأحناف، ففي السير: أنه إن أصاب الذمي أو العبد أو المكاتب أو الصبي أو المرأة معدناً في دار الإِسلام أو رکازا خمس ما أصاب، وكانت البقية لمن أصابه، وإن كان ذلك بغیر إذن الإِمام، لأن هؤلاء يثبت لهم في الغنيمة حق وإن أصابوها بغير إذن الإِمام، فإنهم لو غزوا مع عسكر من المسلمين بغير إذن الإِمام رضخ لهم من الغنيمة، فكذلك ثبت لهم حق فيما أصابوا في دار الإِسلام (٣). ولو أذن الإِمام لأحد في استخراج المعادن أو الكنوز على شرط لزم هذا الشرط، فكل شيء قدره الإِمام صار كالذي ظهر تقديره بالشريعة (٤)، فيما لا يصادم نصا ولا أصلا من الأصول الشرعية، ولذا لا يجوز للإِمام الاتفاق على إسقاط شيء من الخمس الذي أوجبه الشارع لحظ الفقراء، فلو أن مسلما حرا أو عبدا أو مكاتبا أو امرأة أذن له الإِمام في طلب الكنوز والمعادن من الذهب والفضة وغير ذلك علی أن ما أصاب من ذلك فهو له لاخمس فيه فأصاب مالا كثيرا من المعادن فلیس ینبغي للإِمام أن يسلم ذلك له إن كان موسرا، لأن ما يصاب من الركاز والمعدن هو غنيمة، والخمس حق الفقراء في الغنيمة، ولا يجوز له أن يبطل حق الفقراء، فإن كان الذي أصابه محتاجاً عليه دين كثير لا يصير غنيا بالأربعة الأخماس فرأى الإِمام أن يسلم ذلك الخمس له جاز، لأن الخمس حق الفقراء، وهذا الذي أصابه فقير، فقد صرف الحق إلى مستحقه فيجوز، والدليل عليه ما روي عن علي رضي الله عنه أنه قال لذلك الرجل الذي أصاب الركاز: إن وجدتها في أرض خربة فالخمس لنا وأربعة أخماسه لك، ثم قال: وسنتمها لك، وإنما قال ذلك لأنه رآه أهلا للصدقة (١)، ولو اشترط الزيادة على الخمس لم يجز هذا الشرط، ففي السير الكبير أن الإِمام إذا أذن لمسلم أو ذمي في طلب الكنوز والمعادن على أن له النصف وللمسلمين النصف فأصاب كنزا أو أموالا من المعادن، فإن الإمام يأخذ منه الخمس وما بقي فهو لمن أصابه (٢)، وهذا لأن استحقاقه بالإِصابة لا بالشرط، ولذا لايعتبر الشرط . (١) المرجع السابق. (٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ٢٤٦ (٣) السیر الکبیر لمحمد بن الحسن الشيباني ٥/ ٢١٦٨ (٤) المرجع السابق ٥/ ٢١٦٩ (١) السير الكبير ٥/ ٢١٧٣ (٢) السير الكبير ٥/ ٢١٧٠ - ١٥٤ - کنْز ١٥ - ١٦ احتفار الذمي والمستأمن للكنوز: ١٥ - الذمي كالمسلم في إيجاب الخمس وفي عدم اشتراط إذن الإِمام لاستحقاق الملك. يقول الشيباني: وما أصاب الذمي من ركاز في دار الإِسلام أو معدن ذهب أو فضة أو رصاص أو زئبق فهو والمسلم فیه سواء، يخمس ما أصاب وما بقي فهو له، سواء كان بإذن الإمام أو بغير إذن الإمام، لأنه من أهل دارنا ويجري عليه حكمنا فكان بمنزلة المسلم (١). أما الحربي المستأمن فقال الشيباني: إذا دخل الحربي دار الإِسلام بأمان فأصاب رکازا أو معدنا، فاستخرج منه ذهبا أو ورقا أو حدیدا فإن إمام المسلمین یأخذه منه كله، ولا یکون له شيء، لأن هذا غنيمة، فإن المسلمين أوجفوا عليها الخيل، ألا ترى أن المسلم لو كان هو الذي أصاب يخمس والباقي له،ولو لم یکن غنيمة لکان لا خمس فيه، والحربي لا حق له في غنائم المسلمین، فإن كان الحربي المستأمن استأذن إمام المسلمين في طلب ذلك والعمل فيه حتى يستخرجه فأذن له في ذلك، فعمل فأصاب شيئا خمس ما أصاب وكان ما بقي للحربي المستأمن، لأن الحربي المستأمن لو قاتل المشركين بإذن الإِمام صار له في الغنيمة نصیب، حتی أنه یرضخ له كما يرضخ للذمي (١). وقال: لو أن الحربي المستأمن استأذن الإِمام في طلب الكنوز والمعادن، فأذن له الإِمام على أن للمسلمين مما يصيب النصف وله النصف، فعمل على هذا فأصاب رکازا معدنا فإن الإِمام يأخذ نصف ما أصاب والحربي نصفه، وذلك لأن الحربي المستأمن إنما يستحق من الرکاز الذي أصابه في دار الإِسلام ما استحقه بشرط إذن الإِمام، فإنه لو أصابه بعد إذن الإمام أخذ منه، وإذا كان استحقاقه بالشرط ... والإِمام شرط له النصف فلا يستحق أكثر من النصف. ثم الإِمام يأخذ خمس ما أصاب الحربي من النصف الذي أخذه من الحربي فيجعله للفقراء، ويجعل النصف للمقاتلة، وذلك لأن إذن الإِمام يصير ما أصابه الحربي غنيمة يجب فيها الخمس (٢). ب- الاستئجار على العمل في استخراج الکنوز: ١٦ - أجاز جمهور الفقهاء الاستئجار على العمل في استخراج الكنوز، شريطة (١) السير الكبير ٥/ ٢١٦٣ (١) السير الكبير ٥/ ٢١٦١ - ٢١٦٣ (٢) المرجع السابق ٥/ ٢١٧٠ - ١٥٥ - كَنْز ١٦ استجماع شروط صحه الإِجارة، وهي أن تكون الأجرة معلومة وأن يكون العمل مضبوطا بزمن أو غيره مما يحصل به الضبط، کحفر کذا وإزالة جدار أو نقل قدر معین من التراب، ويستحق العامل الأجر ویذهب ما يخرج من الكنوز إلى المستأجر ، جاء في البحر الرائق: أنه إذا استأجر أجراء للعمل في المعدن فالمصاب للمستأجر لأنهم يعملون له (١). وفي حاشية الدسوقي أنه يجوز دفعه أي المعدن لمن يعمل فيه بأجرة معلومة يأخذها من العامل في نظير أخذه ما يخرجه من المعدن بشرط كون العمل مضبوطا بزمن أو عمل خاص كحفر قامة أو قامتين نفيا للجهالة في الإِجارة، وسمي العوض المدفوع أجرة لأنه ليس في مقابلة ذات، بل في مقابلة إسقاط الاستحقاق (٢)، ويرى المالكية أنه إذا استأجره على أن ما يخرج لربه والأجرة يدفعها ربه للعامل فيجوز ولو بأجرة نقد ... وفي جواز دفع المعدن بجزء للعامل مما يخرج منه كنصف أو ربع كالقراض ومنعه ... قولان رجح كل منهما (٣). وإنما جازت الإجارة في استخراج الكنوز (١) البحر الرائق ٢/ ٢٥٢ (٢) حاشية الدسوقي ١ / ٤٨٨ (٣) المرجع السابق ١ / ٤٨٩. لجواز المعاوضة على هذه المنفعة، يقول السرخسي: وإذا تقبل الرجل من السلطان معدنا ثم استأجر فيه أجراء، واستخرجوا منه مالا، قال يخمس، وما بقي فهو للمتقبل، لأن عمل أجرائه كعمله بنفسه، ولأن عملهم صار مسلما إليه حكماً بدليل وجوب الأجرة لهم عليه، وإن كانوا عملوا فيه بغير أمره فالأربعة الأخماس لهم دونه، لأنهم وجدوا المال، والأربعة الأخماس للواجد، والتقبل من السلطان لم يكن صحيحا، لأن المقصود منه ما هو عین، والتقبل في مثله لا يصح، كمن تقبل أجمة فاصطاد فيها السمك غيرهُ كان للذي اصطاده، وكذلك من تقبل بعض المقانص من السلطان فاصطاد فيها غيرهُ كان الصيد لمن أخذه، ولا يصح ذلك التقبل منه، فهذا مثله (١). ومعنى التقبل الالتزام بالعمل بعقد (ر: تقبل ف ١) لكن لو فسدت الإجارة فالقیاس ألا تجب الأجرة للأجير وأن يكون عمله في استخراج الکنوز لنفسه، وقد نص ابن عابدین فیما لو لم يتفقا علی تعیین العمل بما لا يضبطه - كأن لا يذكرا وقتا يحددانه لهذا العمل - أن الركاز هنا للعامل أيضا، إذا لم يوقتا، لأنه إذا فسد (١) المبسوط ٢ / ٢١٧، وانظر في هذه المسألة بنصها أو بما يقاربه في الأصل لمحمد ٢ / ١٣٩ - ١٥٦ - کنْز ١٦ - ١٧ الاستئجار بقي مجرد التوكيل، والتوكيل في أخذ المباح لا يصح بخلاف ما إذا حصله أحدهما بإعانة الآخر، فإن للمعین أجر مثله، لأنه عمِل له غیرَ متبرع، هذا ما ظھر لي فتأمله (١). ج - الاشتراك في استخراج الكنوز: ١٧ - انقسم الفقهاء في حكم الاشتراك في استخراج الكنوز إلي فريقين: الأول: الحكم بفساد الشركة في استخراج الکنوز ورجوع ما يستخرجه کل شريك من الشركاء لنفسه وهو مذهب الحنفية، قال الحصكفي : لو عمل رجلان في طلب الركاز فهو للواجد، قال ابن عابدين: ظاهره أنه لا شيء عليه للآخر وهذا ظاهر فيما إذا حفر أحدهما مثلا، ثم جاء آخر وأتم الحفر واستخرج الرکاز، أما لو اشترکا في طلب ذلك فسيذكر في باب الشركة الفاسدة أنها لا تصح في احتشاش واصطياد واستقاء وسائر مباحات کاجتناء ثمار من جبال وطلب معدن من كنز وطبخ آجر من طين مباح لتضمنها الوكالة، والتوكيل في أخذ المباح لا يصح، وما حصله أحدهما فله، وما حصلاه معا فلهما نصفين إن لم يُعلم ما لكل، وما حصله أحدهما بإعانة صاحبه فله، ولصاحبه أجر (١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٢. مثل بالغا ما بلغ عند محمد، وعند أبي يوسف لا يجاوز به نصف ثمن ذلك (٢)، وإنما كانت الشركة في تحصيل المعادن الخلقية أو الكنوز الجاهلية فاسدة عند الحنفية لأن هذه الأموال من المباحات فلا تقبل التوكيل في أخذها، والشركة إنما تقوم على معنى الوكالة، فکل من الشريكين وكيل عن الآخر في التقبل والعمل حتى يشتركا في الربح الحاصل لهما، ولا فرق في ذلك بين الاشتراك في التحصيل بآلة يستخدمها كل منهما في عمله أو بآلات مشتركة (٢) . الثاني: جواز الاشتراك في استخراج المعادن والكنوز، وهو مذهب المالكية والحنابلة، خلافا لاتجاه الحنفية، ففي حاشية الدسوقي جواز الاشتراك في الحفر على الركاز والمعدن والآبار والعيون وكذا البنيان بشرط اتحاد الموضع، فلا يجوز أن يحفر هذا في غار فيه معدن وهذا في غار آخر (٣)، وقد ذكر ابن قدامة جواز الاشتراك في المباح كالحطب والحشيش والثمار المأخوذة من الجبال والمعادن والتلصص على دار الحرب، فهذا جائز، نص عليه أحمد (٤). (١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٢، ٣/ ٣٨٢. (٢) الفتاوى الخانية مع الفتاوى الهندية ٣/ ٦٢٤ - ٦٢٥، والمبسوط ١١/ ٢١٧. (٣) حاشية الدسوقي ٣/ ٣٦٢. (٤) المغني لابن قدامة ٥ / ١١١. - ١٥٧ - کنْز ١٧ - ١٩ ويستدل الحنابلة لمذهبهم من المنقول بما روي عن عبد الله بن مسعود قال: ((اشتركت أنا وعمار وسعد یوم بدر، فجاء سعد بأسیرین ولم أجىء أنا وعمار بشيء)) (١)، قال ابن قدامة: ومثل هذا لا يخفى عن رسول الله ◌َّ وقد أقرهم عليه. أما من المعقول فيستدلون بأن العمل أحد جهتي المضاربة وصحة الشرکة علیه کالمال (٢). د - الاختصاص والمزاحمة : ١٨ - لا يتوقف العمل في استخراج الكنوز والمعادن على إذن الإِمام إلا عند المالكية الذين اشترطوا إذن الإِمام للعمل في المعادن منعا للهرج والنزاع بين العامة، وذلك لأن المعادن قد يجدها شرار الناس، فلو لم يكن حكمه إلى الإِمام لأدى ذلك إلى الفتن واهرج (٣) ولا يعني عدم اشتراط إذن الإِمام في العمل في الكنوز والمعادن إثبات حق كل أحد في مزاحمة العامل فيها، فلا تجوز مزاحمته فیما اختص به بسبق یده علیه، جاء في الأصل للشيباني فيما لو كان الرجل يعمل في (١) حديث (ابن مسعود اشتركت أنا وعمار بن ياسر ... )) أخرجه أبو داود (٣ / ٦٨١) وقال المنذري في ختصر السنن (٥: ٥٣): هو منقطع، فإن أبا عبيدة لم يسمع من أبيه (٢) المغني لابن قدامة مع الشرح الكبير ٥/ ١١٢. (٣) حاشية الدسوقي ١ / ٤٨٧. المكان يوما فيجىء آخر من الغد فيعمل في ذلك المکان ویصیب منه المال معتبرا أحقيته، قال محمد: يخمس وما بقي بعد الخمس فهو للذي عمل فيه بعد ذلك أخيرا (١)، إذ فرض المسألة أن المستخرج الأول ترك مكان الحفر في الفترة التي عمل فيها الآخر. أما إذا لم ينقطع عن العمل فيه فإنه لا حق لأحد في مزاحمته، لسبق اختصاصه به (٢) ومقتضاه أن مجرد العمل في مكان للبحث عما فیه من کنوز أو معادن لا یوجب ملك ما يوجد فيه، إذ الواقع أن من ملك أن يملك لم يعد مالكا، طبقا لما حرره القرافي (٣) . إقطاع المعادن: ١٩ - اختلف الفقهاء في حكم إقطاع المعادن، وهي البقاع التي أودعها الله تعالى جواهر الأرض، بعد أن قسموها إلى معادن ظاهرة ومعادن باطنة، فأجاز ذلك بعضهم ومنعه آخرون، وفرق بعضهم بين المعادن الظاهرة والمعادن الباطنة . والتفصيل في: (إقطاع ف ١٧، ١٨ ومعدن) (١) الأصل أو المبسوط للشيباني ٢ / ١٢٩ . (٢) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ٢ / ٨٦. (٣) الفروق ٣ / ٢٠ وما بعدها. - ١٥٨ - .. گنْز ٢٠ - ٢٢ أثر النفقة في وجوب الخمس : ٢٠ - يرى المالكية في المعتمد طبقاً لما ذكره الدسوقي أن الرکاز فیه الخمس إلا في حالتین وهما: إذا ما توقف إخراجه من الأرض على .. کبیر نفقة، أو عمل، وأما فيهما فالواجب إخراج ربع العشر، ويخالف ابن يونس في هذا التفسير ويوجب الخمس في الركاز مطلقا، سواء افتقر إخراجه من الأرض إلى كبير نفقة وإلى كبير جهد وعمل أم لم يفتقر (١). وقال الشافعية: الواجب في الركاز الخمس، ولا اعتبار بالنفقة أو العمل في الحصول عليه، حيث إنه لا نفقة لتحصيله غالبا، لأنه يصل إلى الواجد من غير نفقة ولا تعب، أو بقليل من ذلك خلافاً للذهب والفضة المستخرجين من المعدن فاعتبرت النفقة والعمل في مقدار ما يجب فيهما، لأن الواجب يزداد بقلة المؤنة وينقص بکثرتها كالمعشرات (٢). نوع وجوب الخمس : ٢١ - اختلف الفقهاء في تكييف الخمس الذي يجب في الكنز، هل هو كالزكاة أو کخمس الغنيمة؟ فقال بعضهم: إنه من قبيل الغنيمة، (١) حاشية الدسوقي ١ / ٤٩٠. (٢) مغني المحتاج ١ / ٩٥، ونهاية المحتاج ٣ / ٩٧، والمهذب مع المجموع ٩ / ٩١. وقال آخرون: إنه من قبیل الزكاة . والتفصيل في (ركاز ف ١٠ - ١٥). شروط وجوب الخمس : أ - التمول والتقوم: ٢٢ - ذهب الفقهاء إلى اشتراط تمول الخارج من الأرض لوجوب الخمس فيه، أما ما لا یتموله الناس في العادة ولا یبذلون الأثمان للحصول عليه فلا شيء فيه. واختلفوا في اشتراط كون الخارج من الأثمان لوجوب الخمس فيه أو في عدم اشتراط ذلك. فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة وهو مقابل المذهب عند الشافعية إلى أنه لا يشترط في الکنز الذي يجب فيه الخمس کونه من الأثمان، بل قالوا: إن الخمس يجب في الخارج عینا كان أو عرضا کنحاس وحديد وجوهر ورخام وصخور. وقال الشافعية: يشترط لوجوب الخمس في الخارج من الأرض أن یکون نقدًا أي ذهبًا وفضة، سواء أكانا مضروبين أم غير مضروبین کالسبائك على المذهب، لأنه مال مستفاد من الأرض، فاختص بما تجب فيه الزكاة قدرًا ونوعًا كالمعدن (١). (١) البحر الرائق ٢ / ٢٥٤، وتبيين الحقائق ١ / ٢٩١، والشرح الصغير ١ / ٦٥٣، وحاشية الدسوقي ١ / ٤٩٠، ومغني المحتاج ١/ ٣٩٥ - ٣٩٦، وكشاف القناع ٢/ ٢٢٦. - ١٥٩ - گٹز ٢٣ - ٢٥ ب - سبق اليد الجاهلية على ملك الكنز: ٢٣ - يشترط لاعتبار المال المدفون في باطن الأرض من الكنوز التي يجب تخميسها أن يغلب على الظن أنها كانت ملكا لأهل الجاهلية، والمراد بالجاهلية ما قبل مبعث النبي ◌َّه، وليس المقصود أن يكون المال من ضرب الجاهلية وصناعتهم، بل أن یکون من دفنهم، لیعلم أنه كان في ملكهم (١). ج - استخراج الكنز من دار الإِسلام لا من دار الحرب : ٢٤ - أوجب الحنفية والحنابلة استخراج الكنز من دار الإِسلام لوجوب الخمس فيه، فعندهم أنه لا يخمس رکاز معدنا کان أو کنزا وجد في صحراء دار الحرب، بل كله للواجد، ولو مستأمنا، لأنه كالمتلصص (٢). ويخالف المالكية والشافعية في هذا، فیخمس عند المالكية ما يوجد من الكنوز في أرض غير مملوكة لأحد كموات أرض الإِسلام وأرض الحرب، ولواجده الباقي بعد الخمس، وفي نهاية المحتاج أن الركاز هو الموجود الجاهلي في موات مطلقا، سواء كان بدار الإِسلام أم بدار الحرب إن كانوا (١) مغني المحتاج ١ / ٣٩٦، وانظر نهاية المحتاج ٣ / ٩٨. (٢) تنوير الأبصار بهامش حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٢، والمغني ٢ / ٦١٥. يذبون، عنه، وسواء أحياه الواجد أم أقطعه أم لا (١). د - الاستخراج من البرّ لا من البحر: ٢٥ - اشترط بعض الفقهاء أخذ الكنز من البر لوجوب الخمس فيه، على حين لم يشترط بعضهم هذا الشرط، ومبناه اختلافهم في إحاق الكنوز بالغنيمة أو بالزروع والثمار وفي تحقيق الاستيلاء على الكنوز،وهي في البحر، على النحو الذي يرد توضيحه فيما يلي: يحكي الكاساني اختلاف الحنفية في حكم ما يستخرج من البحر بقوله: أما المستخرج من البحر كاللؤلؤ والمرجان والعنبر وكل حلية تستخرج من البحر فلا شيء فيه في قول أبي حنيفة ومحمد، وهو للواجد. وعند أبي یوسف فیہ الخمس، واحتج بما روي أن عامل عمر رضي الله عنه كتب إليه في لؤلؤة وجدت، ما فيها؟ قال: فيها الخمس، وروي عنه أنه أیضا أخذ الخمس من العنبر ... ولأن المعنى هو كون ذلك مالاً منتزعا من أیدی الكفار بالقهر، إذ الدنيا كلها برها وبحرها کانت تحت أيديهم، انتزعناها من بين أيديهم، فكان ذلك غنيمة فيجب الخمس کسائر الغنائم، ولهما ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه سئل عن (١) حاشية الدسوقي ١ / ٤٩١، ونهاية المحتاج ٣ / ٩٨. - ١٦٠ -