Indexed OCR Text

Pages 81-100

گفَّارة ٥٣
وجوب الكفارة لعدم قطع الخفين :
٥٣ - اختلف الفقهاء في وجوب الفدية على
من لم يقطع الخفين عند لبسهما لعدم النعلين
على قولين :
القول الأول: وجوب الفدية بعدم قطع
الخفين.
وإليه ذهب الحنفية، والمالكية،
والشافعية، وهو الرواية الثانية عن الإِمام
أحمد، وبه قال عروة بن الزبير والنخعي
والثوري وإسحاق وابن المنذر وهو مروي عن
عمر بن الخطاب وعبد الله بن عمر رضي الله
عنهما (١).
واستدلوا بما روي عن ابن عمر رضي الله
عنهما أن رجلا سأل النبي وَله: ما يلبس
المحرم من الثياب؟
فذكر الحديث إلى أن قال تعالى: ((إلا أحد
لا يجد النعلين، فليلبس الخفين، وليقطعهما
أسفل من الكعبين)) (٢).
وهو نص في وجوب قطع الخفين، لأن
النبي والر أمر بقطعهما، والأمر للوجوب، فإذا
(١) المبسوط ٤ / ١٢٦، ١٢٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٥٦،
وروضة الطالبين ٣/ ١٢٨، والمجموع ٧/ ٤٥٣، ٢٦٥،
والمغني ٣/ ٣٠١ .
(٢) حديث: ابن عمر: ((أن رجلا سأل النبي 8 1: ما يلبس المحرم
من الثياب»
أخرجه البخاري (فتح الباري ٣/ ٤٠١) ومسلم (٢ / ٨٣٤)
واللفظ لمسلم .
لم يقطعه فقد خالف واجبا من واجبات
الحج، فتجب عليه الفدية، كما أنه تضمن
زيادة على حديث ابن عباس، والزيادة من
الثقة مقبولة (١) .
القول الثاني: عدم وجوب الفدية بعدم
قطع الخفين :
وإليه ذهب الحنابلة، وهو قول عطاء
وعكرمة وسعيد بن سالم القداح، وهو مروي
عن علي بن أبي طالب رضي الله عنه وهو
الرواية المشهورة عن أحمد (٢).
واستدلوا بحديث ابن عباس رضي الله
عنهما أن النبي بَّم قال: ((السراويل لمن لم
يجد الإِزار، والخفان لمن لم يجد النعلين)) (٣).)
وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما
قال: قال رسول الله رَله: ((من لم يجد نعلين
فليلبس خفين، ومن لم يجد إزارا
فليلبس سراويل)» (٤) .
فقد أباح النبي ◌َليّة لبس الخفين مطلقا
لمن لم يجد النعلين، والسراويل لمن لم يجد
الإِزار، فدل هذا بعمومه على عدم وجوب
(١) المغني ٣/ ٣٠١، والمجموع ٧ / ٢٦٦.
(٢) المغني ٣ / ٣٠١.
(٣) حديث: ابن عباس: ((السراويل لمن لم يجد الإزار ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٥٧) ومسلم (٢ / ٨٣٥)
واللفظ لمسلم .
(٤) حديث: جابر بن عبد الله: ((من لم يجد نعلين ... ))
أخرجه مسلم (٢ / ٨٣٦).
- ٨١ -

گفّارة ٥٣ - ٥٥
الفدية على من لم يقطع الخفين، إذا لبسهما
عند عدم النعلین، ويؤيد هذا قول على بن
أبي طالب رضي الله عنه: قطع الخفين فساد،
يلبسهما كما هما.
وقالوا إنه ملبوس أبيح لعدم غيره، فأشبه
السراويل.
وإن قطعه لا يخرجه عن حالة الحظر، فإن
لبس المقطوع محرم مع القدرة على النعلين
كلبس الصحيح.
وإن في القطع إتلاف المال وإضاعته، (١)
وقد نهى النبي وَّل عن إضاعة المال (٢).
لبس الخفين مقطوعين مع وجود النعلين:
٥٤ - اختلف الفقهاء في وجوب الفدية على
من لبس الخفين مقطوعين مع وجود النعلين
على قولين :
القول الأول: وجوب الفدية بلبس
المقطوع مع وجود النعل.
وإليه ذهب المالكية، والحنابلة، وهو
الأصح عند الشافعية وبه قال أبو ثور (٣).
(١) المغني ٣ / ٣٠١.
(٢) حديث: ((نهى النبي ﴾ عن إضاعة المال))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٣٠٦) ومسلم
(٣ / ١٣١٤) من حديث المغيرة بن شعبة .
(٣) بداية المجتهد ١ / ٢٧٩، ٣١٨، والمغني ٣/ ٣٠٢، ٣٠٣،
والمجموع ٧/ ٢٤٩، ٢٥٠، وفتح العزيز مع المجموع
٧/ ٤٥٣، والمغني ٣/ ٣٠٢، ٣٠٣.
واستدلوا بالأحاديث السابقة المروية عن
ابن عمر وابن عباس وجابر رضي الله عنهم،
فقد شرط النبي ◌َّيه في إباحة لبس الخفين
عدم النعلين، فدل هذا على أنه لا يجوز
اللبس مع وجودهما .
وقالوا: إنه محيط لعضو على قدره،
فوجبت على المحرم الفدية بلبسہ کالقفازین،
ولأنه يترفه بلبس الخفين في دفع الحر والبرد
والأذى، فتجب به الفدية (١).
القول الثاني: عدم وجوب الفدية بلبس
المقطوع مع وجود النعل.
وإليه ذهب الحنفية، وبه قال
بعض الشافعية (٢)
واستدلوا بأنه صار كالنعل بدليل عدم
جواز المسح عليه لأنه بالقطع صار في معنى
النعلين لأنه لا يستر الكعب (٣).
لبس القفازين :
٥٥ - لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الفدية
على الرجل بلبس القفازين.
وإنما الخلاف بينهم في وجوبها على المرأة إذا
لبست القفازين على قولين:
(١) المجموع ٧ / ٢٥٠، والمغني ٣/ ٣٠٢.
(٢) المبسوط ٤ / ١٢٧، وفتح القدير ٢ / ١٤١ - ١٤٢، والمجموع
٧ /٢٥٠ .
(٣) فتح القدير ٢ / ١٤١ - ١٤٢، والمجموع ٧ / ٢٥٠.
- ٨٢ -

گفّارة ٥٥ -٥٦
القول الأول: وجوب الفدية على المرأة
بلبس القفازين.
وإليه ذهب المالكية، والحنابلة، وهو
الأصح عند الشافعية، وبه قال عطاء
وطاوس ومجاهد والنخعي وإسحاق (١).
واستدلوا بما روى ابن عمر رضي الله عنهما
عن النبي وَلو أنه قال: ((لا تنتقب المحرمة،
ولا تلبس القفازين)) (٢).
والحديث نص في تحريم لبس القفازين
على المرأة فى حال إحرامها، ويلزم منه وجوب
الفدية عليها، لأنها لبست ما نهيت عن لبسه
في الإِحرام، فلزمتها الفدية كالنقاب (٣).
وقالوا: إن اليد عضو لايجب على المرأة
ستره في الصلاة، فلا يجوز لها ستره في الإِحرام
كالوجه .
وإن الرجل لما وجب عليه كشف رأسه
تعلق حكم إحرامه بغيره، فمنع من لبس
المخيط في سائر بدنه، كذلك المرأة لما لزمها
كشف وجهها، ينبغي أن يتعلق حكم
الإِحرام بغير ذلك البعض، وهو اليدان.
وإن الإحرام تعلق بيدها تعلقه بوجهها،
(١) بداية المجتهد ١/ ٢٨٠، ٣١٨، والمغني ٣/ ٣٢٩، والمجموع
٧ / ٤٥٤،٢٦٩.
(٢) حديث: ابن عمر ((لا تنتقب المحرمة ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٥٢) .
(٣) المغني ٣/ ٣٢٩، ٣٣٠.
لأن واحدا منهما ليس بعورة (١).
القول الثاني: عدم وجوب الفدية على
المرأة إذا لبست القفازين.
وإليه ذهب الحنفية، وهو قول للشافعية،
وروي ذلك عن علي وعائشة وسعد بن أبي
وقاص رضي الله عنهم، وبه قال الثوري (٢) .
واستدلوا بما روي أنه رَلي قال: ((إحرام
المرأة في وجهها)) (٣).
وهو صريح في أن إحرام المرأة الذي يجب
کشفه إلا لضرورة هو وجهها، وهذا يدل على
عدم وجوب الفدية بتغطية ما عدا الوجه لأنه
خص الوجه بالحكم، فدل على أن ما عداه
بخلافه .
وبما روي عن سعد بن أبي وقاص رضي
الله عنه أنه كان يلبس بناته القفازين وهن
محرمات.
وقالوا : إنه عضو يجوز ستره بغير المخيط،
فجاز ستره به کالرجلین (٤) .
تخمير المحرم وجهه
٥٦ - لا خلاف بين الفقهاء في أن إِحرام المرأة
(١) المجموع ٧ / ٤٥٤، ٤٥٥، والمغني ٣ / ٣٢٩.
(٢) المبسوط ٤ / ١٢٨، والمجموع ٧ / ٢٦٩، ٤٥٤، والمغني
٣/ ٣٢٩، وبداية المجتهد ١ / ٢٨٠.
(٣) حديث: ((إحرام المرأة في وجهها ... ))
أخرجه الدارقطني (٢ / ٢٩٤)، وأشار البيهقي في السنن
(٥ / ٤٧) إلى ترجيح كونه موقوفا على ابن عمر.
(٤) المجموع ٧ / ٤٥٤، والمبسوط ٤ / ١٢٨، والمغني ٣/ ٣٢٩.
- ٨٣ -

گفَّارة ٥٦
في وجهها، وأن لها أن تغطي رأسها وتستر
شعرها، كما لا خلاف بينهم في أن الرجل
المحرم لا يخمر رأسه.
وإنما الخلاف في وجوب الفدية على الرجل
المحرم بتخمیر وجهه علی قولین:
القول الأول: عدم وجوب الفدية بتخمير
الوجه .
وإليه ذهب الشافعية، والحنابلة، وروي
ذلك عن عثمان بن عفان وعبد الرحمن بن
عوف وزيد بن ثابت وابن الزبير وسعد بن أبي
وقاص وجابر رضي الله عنهم والقاسم وطاوس
والثوري وأبي ثور (١).
واستدلوا بما روي أن النبي وَلّ قال:
((إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل
في رأسه» (٢).
وبما روي في حديث ابن عباس المذكور
آنفا أن النبي وَّ قال في الرجل الذي وقصه
بعیره: «خمروا وجهه ولا تخمروا رأسه)) (٣).
وبما روي أن عثمان بن عفان وزيد بن
ثابت رضي الله عنهما ومروان بن الحكم كانوا
(١) المجموع ٧ / ٢٥٠، ٢٥٤، ٢٦٨، ٤٣٩، ٤٤٠، والمغني
٣/ ٣٢٥، وبداية المجتهد ١ / ٢٧٩.
(٢) حديث: ((إحرام المرأة في وجهها وإحرام الرجل في رأسه))
سبق تخريجه في (ف ٥٥) .
(٣) حديث ابن عباس في الرجل الذي وقصه بعيره
تقدم (ف ٤٩)، وتقدم تخريجه .
يخمرون وجوههم وهم حرم (١).
وبما ورد عن عبد الله بن عامر بن ربيعة
قال: رأيت عثمان بن عفان بالعرج وهو محرم
في يوم صائف، قد غطى وجهه بقطيفة
أرجوان (٢) .
يقول ابن قدامة: فبهذا عمل عثمان بن
عفان وزید بن ثابت ومروان بن الحكم، وهو
قول غيرهم ممن سمينا من الصحابة، ولم
يعرف لهم مخالف، فكان إجماعا (٣).
القول الثاني: وجوب الفدية
بتخمير الوجه .
وإليه ذهب الحنفية، والمالكية، وهو
الرواية الثانية عن الإِمام أحمد (٤) .
واستدلوا بما روي عن ابن عباس رضي الله
عنهما: أن رجلا وقع عن راحلته - وهو محرم -
فوقصته، فقال رسول الله وَ له: ((اغسلوه بماء
وسدر، وکفنوه في ثوبیه، ولا تخمروا رأسه ولا
وجهه، فإنه يبعث يوم القيامة يلبي)) (٥).
(١) المجموع ٧/ ٢٦٨ .
(٢) أثر عبد الله بن عامر: ((رأيت عثمان بن عفان بالعرج .. ))
أخرجه البيهقي (٥٤/٥) وصحح إسناده النووي في المجموع
(٢٦٨/٧).
(٣) المغني ٣/ ٣٢٥، وانظر المجموع ٧ / ٢٦٨.
(٤) المبسوط ٤ / ١٢٧، ١٢٨، وبداية المجتهد ١ / ٢٧٩، ٣٢٥،
والمغني ٣/ ٣٢٥.
(٥) حديث: ((اغسلوه بماء وسدر ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ٦٤) و (مسلم ٢ / ٨٦٦)
واللفظ لمسلم .
- ٨٤ -

گفّارة ٥٦ - ٥٨
فهو نص في أن المحرم لا یغطى رأسه ولا
وجهه، فمن فعل خلاف ذلك يكون مرتكبا
لمحظور تجب به الفدية (١).
وروی مالك عن ابن عمر رضي الله عنهما
أن ما فوق الذقن من الرأس لا يخمره
المحرم (٢).
وقالوا: إن المرأة يحرم عليها تغطية وجهها
فى إحرامها، فيحرم على الرجل تغطية
رأسه (٣) .
خامساً - كفارة الظهار:
٥٧ - لا خلاف بين الفقهاء في أن المسلم
الحر إذا قال لامرأته: أنت علي كظهر أمي،
يكون مظاهراً منها، ويلزمه للعود إليها كفارة
الظهار.
كما لا خلاف بينهم في عدم وجوب الكفارة
بالظهار المعلق على شرط إلا إذا تحقق
الشرط.
ولا خلاف بينهم في أن من ظاهر من أربع
نسوة له بكلمة واحدة أو بكلمات يكون.
مظاهرا منهن جميعا .
ولا خلاف بينهم في تعدد الكفارة على من
ظاهر من زوجته فکفّر ثم ظاهر.
(١) المبسوط ٤ / ٧.
(٢) بداية المجتهد ١ / ٢٧٩ .
(٣) المغني ٣/ ٣٢٦.
ولا خلاف بينهم على توافر شرط القدرة
على أداء الكفارة .
ولا خلاف بينهم أيضا على أن المظاهر
يحرم عليه وطء زوجته قبل التكفير، وعلى أن
من جامع قبل التکفیر یکون آثما وعاصيا
لمخالفته أمر الله عز وجل ﴿مِّن قَبْلِ أَن
يَتَمَآَسَأَ﴾ (١).
واختلفوا فيما عدا ذلك على تفصيل ينظر
في مصطلح (ظهار ف ٨ وما بعدها).
وجوب الكفارة على المرأة إذا ظاهرت من
زوجها :
٥٨ - اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة على
المرأة إذا ظاهرت من زوجها كأن تقول
لزوجها: أنت علي كظهر أبي، أو تقول: إن
تزوجت فلانا فهو علي كظهر أبي، وذلك على
ثلاثة أقوال:
القول الأول: عدم وجوب الكفارة عليها
لعدم صحة الظهار منها.
وإليه ذهب الحنفية، والمالكية والشافعية،
وهو روایة عند الحنابلة، و به قال إسحاق وأبو
ثور والثوري وسالم ويحيى بن سعيد وربيعة
وأبو الزناد: (٢) .
(١) سورة المجادلة / ٣.
(٢) المبسوط ٦ / ٢٢٧، والجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٧٦،
وروضة الطالبين ٨ / ٢٦٥، وتفسير الرازي ٢٩/ ٢٥٣.
والمغني ٧ / ٣٨٤.
- ٨٥ -

گفّارة ٥٨ - ٥٩
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ
مِن نِسَآءِهِمْ﴾ (١) ووجه الدلالة من الآية: أن
الخطاب فيها موجه للرجال، وليس
للنساء، لأن الله عز وجل قال: ﴿ وَاُلَّذِينَ
يُظَهِرُونَ﴾ ولم يقل: واللائي تظاهرن
منكم من أزواجهن، فدل ذلك على أن
الظهار إنما هو خاص بالرجال (٢).
وقالوا إن الظهار قول يوجب التحريم في
الزوجة، ويملك الزوج رفعه، لأنه مختص
بالنكاح، فاختص به الرجل دون المرأة،
لأنهالا تملك التحريم بالقول كالطلاق (٣).
وأضافوا إن الحل والعقد (التحليل
والتحریم) في النكاح بید الرجال ولیس بید
المرأة منه شيء، فهو حق للرجل، فلم تملك
المرأة إزالته كسائر حقوقه (٤).
القول الثاني : إنه لیس بظهار وهذا عند
الحنابلة .
قال القاضي: لا تكون مظاهرة رواية
واحدة، واختلف عن أحمد في الكفارة.
فنقل عنه جماعة: عليها كفارة الظهار لما
روى الأثرم بإسناده عن إبراهيم أن عائشة
(١) سورة المجادلة / ٣.
(٢) المغني ٧ / ٣٨٤، والجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٧٦.
(٣) المغني ٧ / ٣٨٤، والمبسوط ٥/ ٢٢٧، وتفسير الرازي
٢٩ / ٢٥٣.
(٤) المغني ٧ / ٣٨٤، والجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٧٦.
٠٣
بنت طلحة قالت: إن تزوجت مصعب بن
الزبير فهو علي كظهر أبي، فسألت أهل
المدينة فرأوا أن عليها الكفارة، ولأنها زوج أتى
بالمنكر من القول والزور فلزمه كفارة الظهار.
والرواية الثانية عن أحمد: ليس عليها
كفارة، لأنه قول منكر وزور وليس بظهار،
فلم يوجب كفارة .
والرواية الثالثة، عليها كفارة اليمين: قال
ابن قدامة وهذا أقيس على مذهب أحمد
وأشبه بأصوله، لأنه ليس بظهار، ومجرد القول
من المنكر والزور لا يوجب كفارة الظهار (١).
القول الثالث: إنه ظهار وعليها كفارة
الظهار، وهذا قول أبي يوسف والحسن بن
زياد، لأن المعنى في جانب الرجل تشبيه
المحللة بالمحرمة وذلك يتحقق في جانبها،
والحل مشترك بينهما (٢).
سقوط الكفارة بالاستثناء بالمشيئة :
٥٩ - اختلف الفقهاء في سقوط الكفارة
بالاستثناء بالمشيئة في الظهار على قولين:
القول الأول: سقوط الكفارة بالاستثناء
بالمشيئة في الظهار وعدم انعقاده.
وإليه ذهب الحنفية، والشافعية،
(١) المغني ٧ / ٣٨٤، والجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٧٦ .
(٢) حاشية ابن عابدين ٢ / ٥٧٥، والمبسوط ٦/ ٢٢٧.
- ٨٦ -

گفّارة ٥٩ - ٦١
والحنابلة، وبه قال أبو ثور (١) واستدلوا بما ورد
أن النبي وَلفي قال: ((من حلف فاستثنى فإن
شاء مضى، وإن شاء ترك غیر حنث (٢) .
وفي لفظ: ((من حلف على يمين فقال:
إن شاء الله فقد استثنى فلا حنث عليه)) (٣).
وجه الدلالة من هذا الحديث: أنه يدل
بعمومه على أن قصد التعليق بالمشيئة يمنع
الانعقاد في الطلاق والظهار وغيرهما من
الأيمان لأنها داخلة في عموم الحديث.
واستدلوا بقياس الظهار على اليمين بالله
تعالى بجامع التكفير في كل، ولما كانت
اليمين بالله تعالى يصح الاستثناء فيها ويمنع
انعقادها، فكذلك الظهار.
القول الثاني: عدم سقوط الكفارة
بالاستثناء بالمشيئة في الظهار لانعقاده وإليه
ذهب المالكية (٤) .
واستدلوا بأن الطلاق والعتاق والمشي
والصدقة، وكذلك الظهار، ليست أيمانا
شرعية، بل هي إلزامات، بدليل أن حروف
(١) بدائع الصنائع ٣/ ٢٣٢، ٢٣٥، وإعانة الطالبين ٤/ ٢٤،
والمغني ٧ / ٣٥٠ .
(٢) حديث: أن النبي ) قال: ((من حلف فاستثنى فإن شاء
مضى، وإن شاء ترك غير حنث))
أخرجه النسائي (٧/ ١٢) .
(٣) حديث: ((من حلف على يمين فقال ... ))
أخرجه الترمذي (٤ / ١٠٨) وقال حديث حسن .
(٤) حاشية الدسوقي ٢ / ١٢٩ .
القسم لا تدخل عليها وأن الحلف بها ممنوع،
فلو قال: يلزمه الطلاق إن شاء الله، أو
يلزمه الظهار إن شاء الله . لزمه ولا اعتبار
لمشيئته (١)
سقوط الكفارة بمضي الوقت في الظهار
المؤقت :
٦٠ - اختلف الفقهاء في سقوط الكفارة
بمضي الوقت في الظهار المؤقت كأن يقول
الزوج: أنت على كظهر أمي شهرا، أو حتى
ينسلخ الشهر أو شهر رمضان على تفصيل
ينظر في (ظهار ف ٦).
تعدد الكفارة بتعدد الظهار:
اختلف الفقهاء في تعدد الكفارة على من
ظاهر من زوجته مرارا ولم یکفر، وفي تعددها،
على من ظاهر من أربع نسوة له بلفظ واحد
أو بكلمات.
أ - تعدد الكفارة على من ظاهر من امرأته
مراراً ولم يكفر:
٦١ - اختلف الفقهاء في تعدد الكفارة على
من ظاهر من زوجته مرارا ولم يكفر على قولين:
القول الأول: عدم تعدد الكفارة على من
ظاهر من زوجته مرارا ولم يكفر مطلقا سواء
(١) المرجع السابق
- ٨٧ -

گفّارة ٦١
٠٠
کان في مجلس أو في مجالس، نوی بذلك
التأكيد أو الاستئناف أو أطلق .
وإليه ذهب المالكية، والحنابلة، وبه قال
عطاء وجابر بن زيد وطاوس والشعبي
والزهري وإسحاق وأبو عبيد وأبو ثور، واختاره
أبو بكر وابن حامد والقاضي، وروی ذلك
عن علي رضي الله عنه، وهو قول الشافعي في
القدیم (١).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ
مِن نِسَآِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُرُ
رَقَبَةٍ ﴾ (٢) .
ففيها دلالة على عدم تعدد الكفارة على
من ظاهر من زوجته مرارا، لأنها عامة تتناول
من ظاهر مرة واحدة، ومن ظاهر مرارا كثيرة،
فإن الله تعالى أوجب عليه تحرير رقبة فتبين
بذلك أن التكفير الواحد كاف في الظهار،
سواء كان مرة واحدة أم مرارا كثيرة (٣).
كما استدلوا بأنه قول لم يؤثر تحريما في
الزوجة ، لأنها قد حرمت بالقول الأول، فلم تجب
به كفارة الظهار كاليمين بالله تعالى (٤)
وأنه لفظ يتعلق به كفارة، فإذا كرره كفاه
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٥، والمغني ٧ / ٣٨٦، وروضة
الطالبين ٨ / ٢٧٦ . .
(٢) سورة المجادلة / ٣.
(٣) تفسير الرازي ٢٩ / ٣٦٠.
(٤) المغني ٧ / ٢٨٦ .
واحدة، کالیمین بالله تعالى (١).
القول الثاني: تعدد الكفارة على من ظاهر
من زوجته مرارا ولم یکفر إذا لم يرد به التأکید.
وإليه ذهب الحنفية، وروي ذلك عن علي
رضي الله عنه، وعمرو بن دينار وقتادة (٢) .
واستدل هؤلاء بقوله تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ
يُظَاهِرُونَ مِن نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِيُرُ
رَقَبَةٍ ﴾ .
وجه الدلالة من الآية: أنها تفيد تعدد
الكفارة بتعدد الظهار لأنها تقتضي كون
الظهار علة الإيجاب الكفارة، فإذا وجد
الظهار الثاني وجدت علة وجوب الكفارة،
وهذا الظهار الثاني: إما أن يكون علة
للكفارة الأولى، أو لكفارة ثانية والأول باطل
لأن الكفارة الأولى وجبت بالظهار الأول،
فتكوين الكائن محال، كما أن تأخر العلة عن
الحكم محال، فثبت أن الظهار الثاني يوجب
كفارة ثانية (٣).
كما استدلوا بقياس الظهار على الطلاق،
فإذا نوى الاستئناف تعلق بكل مرة حكم
كالطلاق (٤).
وأن كل ظهار يوجب تحريما لا يرتفع إلا
(١) المغني ٧ / ٢٨٦ .
(٢) المبسوط ٥/ ٢٢٦، والمغني ٧ / ٣٨٦.
(٣) تفسير الرازي ٢٩ / ٢٥٩.
(٤) المغني ٧ / ٣٨٦.
- ٨٨ -
٦

گفّارة ٦١ -٦٢
بالكفارة، فيجب في كل ظهار كفارة (١).
وأن تكرار الظهار في امرأة واحدة كتكرار
الیمین، فكما يجب باعتبار كل يمين كفارة،
فكذلك يجب باعتبار كل ظهار كفارة (٢) .
وإنما اشترطوا أن لايقصد به التأکید، لأن
الإِنسان قد يكرر اللفظ، ويقصد به التغليظ
والتشديد دون إرادة التجديد.
ولأن الظهار لا يوجب نقصان العدد في
الطلاق، لأنه ليس بطلاق ولا يوجب البينونة
وإن طالت المدة، كما أنه لا يوجب زوال
الملك وإنما يحرم الوطء قبل التكفير مع قيام
الملك (٣) .
وفصل الشافعية فقالوا: لو كرر لفظ
الظهار في امرأة واحدة تکریراً متصلا وقصد به
تأكيداً فظهار واحد، وإن قصد به استئنافاً
فالأظهر الجديد التعدد، وإن فصل بين
ألفاظ الظهار المكرر وقصد بتكرير الظهار
استئنافا فالأظهر التعدد وكذا لو قصد تأكيداً
فإنه لا يقبل في الأصح (٤).
ب - تعدد الكفارة على من ظاهر من أربع
نسوة له بلفظ واحد :
٦٢ - اختلف الفقهاء في تعدد الكفارة على
(١) بدائع الصنائع ٣/ ٢٣٥.
(٢) المبسوط ٥/ ٢٢٦.
(٣) بدائع الصنائع ٣/ ٢٣٥.
(٤) مغنى المحتاج ٣/ ٣٥٨
من ظاهر من أربع نسوة له بلفظ واحد على
قولين :
القول الأول: عدم تعدد الكفارة على من
ظاهر من أربع نسوة له بلفظ واحد.
وإليه ذهب المالكية، والحنابلة، وهو قول
علي وعمر وعروة وطاوس وعطاء وربيعة
والأوزاعي وإسحاق وأبي ثور، والشافعي في
القديم (١).
وقيد المالكية عدم التعدد بما إذا لم ينو
کفارات وإلا تعددت (٢)
.
واستدل هذا الفريق بما حكى من عموم
قول عمر وعلي رضي الله عنهما حیث قالا : إذا
كان تحت الرجل أربع نسوة فظاهر منهن
يجزيه كفارة واحدة، رواه الدارقطني عن ابن
عباس عن عمر- رضي الله عنهم جميعا -
ورواه الأثرم عن عمر وعلي رضي الله عنهم ولا
نعرف لهما في الصحابة مخالفا، فكان
إجماعا (٣).
وقالوا : إنها یمین واحدة، فلم يجب بها
أكثر من كفارة واحدة كاليمين بالله تعالى (٤).
(١) حاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٥، والمغني ٧ / ٣٥٧، وروضة
الطالبين ٨ / ٢٧٥ .
(٢) الخرشي ٤ / ١٠٨، والدسوقي ٢ / ٤٤٥.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٧٨، المغني ٧ / ٣٥٧.
(٤) كشاف القناع ٥/ ٣٧٥.
- ٨٩ -

گَفَّارة ٦٢ - ٦٣
وإن الظهار كلمة تجب بمخالفتها
الكفارة، فإذا وجدت في جماعة أوجبت كفارة
واحدة كاليمين بالله تعالى (١).
وإن الظهار ههنا بكلمة واحدة، والكفارة
الواحدة ترفع حکمها وتمحو إثمها، فلا یبقی
لها حكم (٢).
القول الثاني: تعدد الكفارة بتعدد النسوة
اللائي ظاهر منهن بلفظ واحد. وإليه ذهب
الحنفية، والشافعي في الجدید، وبه قال
الحسن، والنخعي والزهري ويحبى الأنصاري
والحكم والثوري (٣).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ
مِن نِّسَاءِهِمْ ثُمّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُوافَتَخْرِبُرَقَبَةٍمِّن قَبْلِ
أَنْ يَتَمَآْسًا﴾ (٤).
ووجه الدلالة من هذه الآية أنها أفادت
تعدد الكفارة بتعدد اللواتي ظاهر منهن، لأنها
تقتضي كون الظهار علة الإيجاب الكفارة،
فإذا وجد الظهار وجدت علة وجوب
الكفارة، فإذا ظاهر منهن بكلمة واحدة لزمه
كفارات بعدد اللواتي ظاهر منهن.
وبيانه: أنه ظاهر من هذه، فلزمه كفارة
(١) المغني ٧/ ٣٥٧.
(٢) المغني ٧ / ٣٥٧.
(٣) المبسوط ٥/ ٢٦٦، وروضة الطالبين ٨/ ٢٧٥، وتفسير الرازي
٢٩/ ٢٦٠، والمغني ٧ / ٣٥٧.
(٤) سورة المجادلة / ٣.
بسبب هذا الظهار، وظاهر أيضا من الثانية،
فالظهار الثاني لابد وأن يوجب كفارة أخرى
وهكذا (١).
وقالوا إن الظهار يوجب تحريما مؤقتا يرتفع
بالكفارة، فإذا أضافه إلى محال مختلفة، يثبت
في كل محل حرمة لا ترتفع إلا بالكفارة
كالتطليقات الثلاث لما كانت توجب حرمة
مؤقتة ترتفع بزوج آخر، فإذا أوجبها في أربع
نسوة بكلمة واحدة، تثبت في حق كل واحدة
منهن حرمة لا ترتفع إلا بزوج (٢).
وإن الظهار وإن كان بكلمة واحدة، فإنها
تتناول كل واحدة منهن على حيالها، فصار
مظاهرا من كل واحدة منهن، والظهار لا
يرتفع إلا بالكفارة، فإذا تعدد التحریم تتعدد
الكفارة (٣) .
وإنه وجب الظهار والعود في حق كل امرأة
منهن، فوجب عليه عن كل واحدة كفارة،
كما لو أفردها به (٤) .
ج - تعدد الكفارة على من ظاهر من نسائه
بكلمات :
٦٣ - اختلف الفقهاء في تعدد الكفارة على
(١) تفسير الرازي ٢٩/ ٢٦٠.
(٢) المبسوط ٥ / ٢٢٦.
(٣) بدائع الصنائع ٣/ ٢٣٤، ٢٣٥.
(٤) المغني ٧ / ٣٥٧.
- ٩٠ -

گفَّارة ٦٣ - ٦٤
من ظاهر من نسائه بكلمات، كان قال لكل
واحدة منهن: أنت علي كظهر أمي،
على قولين:
القول الأول: تعدد الكفارة على من
ظاهر من نسائه بكلمات.
وإليه ذهب الحنفية، والمالكية،
والحنابلة، والشافعية .
وبه قال عروة وعطاء والأوزاعي وإسحاق
والثوري وأبو ثور، والحکم ویحیی الأنصاري،
وعامة فقهاء الأمصار (١).
وفصل الشافعية فقالوا: لو ظاهر من
نسائه الأربع بأربع كلمات فإن لم يوالها كان
مظاهراً منهن لوجود لفظ الظهار الصريح،
فإن أمسکهن زمناً یسع طلاقهن فعائد
منهن، وتجب عليه أربع كفارات لوجود
الظهار والعود في حق كل واحدة منهن.
وإن والاها صار بظهار الثانية عائداً في
الأولى، وبظهار الثالثة عائدا في الثانية
وبظهار الرابعة عائداً في الثالثة، فإن فارق
الرابعة عقب ظهارها فعليه ثلاث كفارات،
وإلا فأربع (٢) .
واستدلوا بأنها أيمان متكررة على أعيان
(١) المبسوط ٥/ ٢٢٦، وحاشية الدسوقي ٣ / ٤٤٥، والجامع
لأحكام القرآن ١٧ / ٢٧٨، والمغني ٧/ ٣٥٧، ٣٥٨، وروضة
الطالبين ٨ / ٢٧٥ .
(٢) روضة الطالبين ٨/ ٢٧٥.
متفرقة فکان لكل واحدة کفارة كما لو كفر ثم
ظاهر.
وأنها أیمان لا يحنث في إحداها بالحنث في
الأخرى، فلا تكفرها كفارة واحدة کالأصل.
وأن الظهار معنى يوجب الكفارة، فتتعدد
الكفارة بتعدده في المحال المختلفة
كالقتل (١).
القول الثاني: لا تتعدد الكفارة وتجزئه
كفارة واحدة
قال أبو بكر: هو رواية ثانية عن أحمد
واختارها، وقال: هذا الذي قلناه اتباعا لعمر
ابن الخطاب والحسن وعطاء وإبراهيم وربيعة
وقبيصة (٢)
واستدلوا بأن كفارة الظهار حق لله تعالى
فلم تتكرر بتكرر سببها كالحد (٣).
د - تعدد الكفارة بالوطء قبل التكفير:
٦٤ - اختلف الفقهاء في تعدد الكفارة
بالجماع قبل التكفير، وعدم تعددها
علی قولین :
القول الأول: عدم تعدد الكفارة بالجماع
قبل التكفير.
وإليه ذهب جمهور الفقهاء: الحنفية
(١) المغني ٧ / ٣٥٨.
(٢) المغني ٧ / ٣٥٨.
(٣) المغني ٧ / ٣٥٨.
- ٩١ -

گفّارة ٦٤
والمالكية، والشافعية، والحنابلة، وروي ذلك
عن سعيد بن المسيب وعطاء وطاوس وجابر
ابن زيد ومورق العجلي، وأبي مجلز والنخعي
وعبد الله بن أذينة والثوري والأوزاعي،
وإسحاق وأبي ثور (١).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ وَأَلَّذِينَ يُظَهِرُونَ
مِنْ نِسَآءِهِمْثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَخْرِبُرُرَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ
أَن يَتَمَآسًا﴾ (٢).
فهذه الآية قد دلت على تعدد الكفارة
بالجماع قبل التكفير لأنها أفادت أنه يجب على
المظاهر كفارة قبل العود، فإذا جامع قبل
التكفير فقد فاتت صفة القبلية، فیبقی أصل
الوجوب، ولأنه لا دلالة فيها على أن ترك
تقديم الكفارة على الجماع، يوجب
كفارة أخرى (٣).
کما استدلوا بما روي أن رجلاً ظاهر من
زوجته فوقع عليها قبل أن يكفر، فقال له
النبي وَله: ((ما حملك على هذا؟)) فقال:
رأيت خلخالها في ضوء القمر، فقال له
الرسول صل: ((فاعتزلها حتى تكفر
عنك)) (٤)
(١) المبسوط ٥ / ٢٢٥، وفتح القدير ٤ / ٩٤، وبداية المجتهد
٢/ ٩٨، والجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٨٣، وتفسير الرازي
٢٩ / ٢٦٠، والمغني ٧/ ٣٨٣ .
(٢) سورة المجادلة /٣.
(٣) تفسير الرازي ٢٩ / ٢٦٠.
(٤) حديث: ((أن رجلا ظاهر من زوجته ... ))
=
فهذا الحديث نص في عدم تعدد الكفارة
بالوطء قبل التكفير، لأن الرسول وَل أمره
باعتزال زوجته حتى يكفر ولم يأمره بتكرار
التكفير لجماعة زوجته قبل أن يكفر عن
ظهاره، وإنما أمره أن یکفر تكفیرا واحدا (١)،
إذ لو کان الواجب متعددا لبينه له رسول الله
وَله، لأنه لا يجوز تأخير البيان عن
وقت الحاجة.
القول الثاني: تعدد الكفارة بالجماع قبل
التکفیر.
وبه قال عمرو بن العاص وسعید بن جبیر
وقبيصة بن ذؤيب والزهري وقتادة وابن
شهاب وعبد الرحمن بن مهدي (٢).
واستدلوا بأن الكفارة الأولى للظهار الذي
اقترن به العود، والثانية وجبت للوطء
المحرم، کالوطء في نهار رمضان .
وبأن الكفارة تتعدد عقوبة له على إقدامه
على الحرام (٣).
= أخرجه أبو داود (٢ / ٦٦٦) والترمذي (٣ / ٤٩٤) من حديث
ابن عباس، واللفظ لأبي داود، وقال الترمذي: حديث حسن
(١) بداية المجتهد ٢ / ٩٨، والمغني ٧ / ٣٨٤.
.
غريب صحيح . .
(٢) المغني ٧ / ٣٨٣، والجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٨٣ وتفسير
الرازي ٢٩ / ٢٦٠، وبداية المجتهد ٢ / ٩٨.
(٣) المغني ٧ / ٣٨٣.
- ٩٢ -

كَفَّارة ٦٥
وجوب الكفارة بمجرد الظهار دون العود :
٦٥ - اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة
بمجرد الظهار دون العود على قولين :
القول الأول: عدم وجوب الكفارة دون
العود.
وإليه ذهب الحنفية، والمالكية،
والشافعية، والحنابلة، وبه قال عطاء
والنخعي والأوزاعي والثوري والحسن وأبو
عبيد (١).
واستدلوا بقوله تعالى: ﴿ وَاَلَّذِينَ يُظَهِرُونَ
مِنْ نِسَآءِهِمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِبُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ
أَنْ يَتَمَآسًا ﴾ .
ووجه الدلالة من الآية: أنها نص في
معنى وجوب تعلق الكفارة بالعود، لأن
الكفارة وجبت في الآية بأمرين هما: ظهار
وعود، فلا تثبت بأحدهما (٢).
وبقياس كفارة الظهار على كفارة اليمين،
فكما أن الكفارة في اليمين إنما تلزم
بالمخالفة أو بإرادة المخالفة، فكذلك
الأمر في الظهار (٣) .
وبأن الكفارة في الظهار كفارة يمين، فلا
(١) بدائع الصنائع ٣ / ٢٣٧، وحاشية الدسوقي ٢ / ٤٤٦،
وروضة الطالبين ٨ / ٢٧٠، والمغني ٧ / ٣٥١، وبداية المجتهد
٢ / ٠٩١
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٩١، والمغني ٧ / ٣٥٢.
(٣) بدية المجتهد ٢ / ٩١.
يحنث بغير الحنث كسائر الأيمان، والحنث
فيها هو العود (١).
القول الثاني: وجوب الكفارة بمجرد
الظهار دون العود
وبه قال طاوس ومجاهد والشعبى والزهري
وقتادة (٢).
وَالَّذِينَ يُظَهُرُونَ
واستدلوا بقوله تعالى :
مِن ◌ِسَآِهِمْثُمَ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِبُرُ رَقَبَةٍ مِّن قَبْلِ
أَنْ يَتَمَآَسًا﴾ ..
ووجه الدلالة من الآية: أنها تفيد وجوب
الكفارة بمجرد الظهار، لأن الله عز وجل
قال: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ والعود: هو
العود بالظهار في الإِسلام، لأن معنى الآية:
أن الظهار كان طلاق الجاهلية، فنسخ
تحريمه بالكفارة (٣) .
٠
وقالوا: إن الظهار سبب للكفارة، وقد
وجد فتجب الكفارة (٤) وأنه معنی یوجب
الكفارة العليا، فوجب أن يوجبها بنفسه لا
بمعنى زائد، تشبيها بكفارة القتل
والفطر (٥)
وإن الكفارة وجبت لقول المنكر والزور،
(١) المغني ٧/ ٣٥٢.
(٢) بداية المجتهد ٢ / ٩١، والمغني ٧/ ٣٥١، وتفسير الرازي
٢٩ / ٢٥٩ .
(٣) بداية المجتهد ٢ / ٩٢.
(٤) المغني ٧ / ٣٥١.
(٥) بداية المجتهد ٢ / ٩١.
- ٩٣ -

كفَّارة ٦٥ - ٦٦
وهذا يحصل بمجرد الظهار (١).
العود الموجب للكفارة :
٦٦ - اختلف الفقهاء في بيان معنى العود
على أربعة أقوال:
القول الأول: العود: هو العزم على
الوطء .
وإليه ذهب الحنفية، وهي الرواية
الصحيحة المشهورة عند أصحاب مالك،
وبه قال القاضي وأصحابه (٢) .
القول الثاني: العود هو الوطء.
وإليه ذهب الحنابلة، وحكى ذلك عن
الحسن وطاوس والزهري وهو رواية عن مالك
لكنها ضعيفة عند أصحابه (٣) .
القول الثالث: العود: هو أن يمسكها في
النكاح زمنا یمکنه فيه مفارقتها، وإليه ذهب
الشافعية (٤).
القول الرابع: العود: هو تكرار لفظ
الظهار وإعادته .
وإليه ذهب بكير بن الأشج وأبو العالية،
وهو قول الفراء (٥) .
(١) المغني لابن قدامة ٧/ ٣٥١.
(٢) بدائع الصنائع ٣/ ٢٣٦، وحاشية الدسوقي ٢/ ٤٤٧،
وبداية المجتهد ٢ / ٩١، والمغني ٧/ ٣٥٣ .
(٣) تفسير الرازي ٢٩ / ٢٥٨، والمغني ٧/ ٣٥٢، ٣٥٣، وحاشية
الدسوقي ٢ / ٤٤٧، وبداية المجتهد ٢ / ٩١ .
(٤) روضة الطالبين ٨ / ٢٧١، وتفسير الرازي ٢٩/ ٢٥٧.
(٥) الجامع لأحكام القرآن ١٧ / ٢٨١، وبداية المجتهد ٢ / ٩١،
والمغني ٧/ ٣٥٣، وتفسير الرازي ٢٩ / ٢٥٩.
وقد استدل أصحاب القول الأول: بقوله
تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُظَهِرُونَ مِنْ نِسَآءِهِمْ
ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ فَتَحْرِبُرُ رَقَّبَةٍ مِنْ قَبْلِ أَن
يَتَمَآَشَا﴾.
ووجه الدلالة من الآية أنها نص في وجوب
الكفارة عند العزم على الوطء، كأنه تعالى
قال: إذا عزمت علي الوطء فكفر قبله(١) ،
كما قال سبحانه وتعالى: ﴿إِذَا قُمْتُمْ إِلَى
الضَّلَوَةِ فَغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ﴾ (٢) .
وقالوا : إنه قصد بالظهار تحريمها، فالعزم
علی وطئها عود فیما قصد.
وإن الظهار تحريم، فإذا أراد استباحتها
فقد رجع في ذلك التحريم، فكان
عائدا (٣).
وإن المفهوم من الظهار هو أن وجوب
الكفارة فيه، إنما يكون بإرادته العودة إلى ما
حرم على نفسه بالظهار، وهو الوطء، وإذا
كان ذلك كذلك، وجب أن تكون العودة إما
الوطء نفسه، أو العزم عليه وإرادته (٤).
واستدل أصحاب القول الثاني: بأن
العود فعل ضد قوله، ومنه العائد في هبته
هو الراجع في الموهوب، والعائد في عدته:
(١) بدائع الصنائع ٣/ ٢٣٦.
(٢) سورة المائدة / ٦.
(٣) المغني ٧/ ٣٥٣.
(٤) بداية المجتهد ٢ / ٩١ .
- ٩٤ -

كَفَّارة ٦٦ - ٦٧
التارك للوفاء بها، والعائد فيها نهي عنه:
فاعل المنهي عنه، قال تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُوُدُونَ
لِمَا نُّهُوَعَنْهُ﴾ (١)، فالمظاهر محرم للوطء على
نفسه، ومانع لها منه، فالعود فعله(٢)، أي
فعل الوطء الذي حرمه على نفسه بظهاره .
وبأن الظهار يمين مكفرة، فلا تجب
الكفارة بالحنث فيها، وهو فعل ما حلف على
تزكه كسائر الأيمان وإنما تجب بالوطء، لأنها
يمين تقتضي ترك الوطء، فلا تجب كفارتها إلا
به كالإِيلاء (٣).
واستدل أصحاب القول الثالث: بأنه لما
ظاهر فقد قصد التحريم، فإن وصل ذلك
بالطلاق، فقد تمم ما شرع فیه من التحریم،
ولا كفارة عليه، فإذا سكت عن الطلاق،
فذلك يدل على أنه ندم على ما ابتدأ به من
التحريم، فحينئذ تجب عليه الكفارة (٤).
واستدل أصحاب القول الرابع: بقوله
تعالى: ﴿ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾.
وهذه الآية تدل على أن العود هو إعادة ما
فعلوه، وهذا لا يكون إلا بالتكرار، لأن العود
في الشيء إعادته (٥) ..
(١) سورة المجادلة / ٨.
(٢) المغني ٧ / ٣٥٣.
(٣) المغني ٧ / ٣٥٤ .
(٤) تفسير الرازي ٢٩/ ٢٥٧، ومغني المحتاج ٣/ ٣٥٦.
(٥) تفسير الرازي ٢٩ / ٢٥٩، المغني ٧ / ٣٥٣.
وقالوا إن الذي يعقل من لغة العرب في
العود إلى الشىء، إنما هو فعل مثله مرة
ثانية، كما قال تعالى: ﴿وَلَوْرُدُواْ لَعَادُواْ لِمَا نُهُواْ
عَنْهُ﴾ (١)، كما أن العود في القول عبارة عن
تكراره، قال تعالى: ﴿أَمْ تَّرَ إِلَى الَّذِينَ ثُهُوا
عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُواْ عَنْهُ﴾ (٢)
فكان معنى قوله: ﴿ثُمَّيَعُودُونَ لِمَا قَالُواْ﴾ أي
يرجعون إلى القول الأول فیکررونه .
وقد اتفق أهل التأويل على أن عودهم لما
نهوا عنه، هو إتيانهم مرة ثانية بمثل ما نهوا
عنه، وما فعلوه أول مرة (٣).
شروط الكفارة :
ذكر الفقهاء للكفارة شروطا عامة وأخرى
خاصة تتعلق بكل سبب من أسبابها:
أولا: الشروط العامة في الكفارات :
يشترط في الكفارات عموما شروط، منها :
الشرط الأول: النية:
٦٧ - اتفق الفقهاء على اشتراط النية في
الكفارة لصحتها ولهم في ذلك تفصيل : فقال
الحنفية: من وجبت عليه كفارتا ظهار فأعتق
رقبتین لا ینوي عن إحداهما بعينها جاز
(١) سورة الأنعام / ٢٨.
(٢) سورة المجادلة / ٨.
(٣) بدائع الصنائع ٣/ ٢٣٦ .
- ٩٥ -

کفّارة ٦٧
عنهما، وكذا إذا صام أربعة أشهر أو أطعم
مائة وعشرين مسکینا جاز، لأن الجنس متحد
فلا حاجة إلى نية معينة، وإن أعتق عنهما رقبة
واحدة أو صام شهرین کان له أن يجعل ذلك
عن أيهما شاء، وإن أعتق عن ظهار وقتل لم
يجز عن واحد منهما، لأن نية التعيين في
الجنس المتحد غير مفيد فتلغو وفي الجنس
المختلف مفيد، وقال زفر لا يجزيه عن
أحدهما في الفصلين (١).
وقال المالكية: لو أعتق رقبتین عن كفارتي
ظهار أو قتل أو فطر في رمضان وأشرك بينهما
في كل واحدة منهما لم يجزه. وهو بمنزلة من
أعتق رقبة واحدة عن کفارتین، وكذلك لو
صام عنهما أربعة أشهر حتى يصوم عن كل
واحدة منهما شهرين، وقد قيل: إن ذلك
يجزيه. ولو ظاهر من امرأتين له فأعتق رقبة
عن إحداهما بغير عينها لم يجز له وطء واحدة
منهما حتى يكفر كفارة أخرى، ولو عين
الكفارة عن إحداهما جاز له أن يطأها قبل أن
يكفر الكفارة عن الأخرى، ولو ظاهر من
أربع نسوة فأعتق عنهن ثلاث رقاب، وصام
شهرين، لم يجزه العتق ولا الصيام، لأنه إنما
صام عن كل واحدة خمسة عشر يوما، فإن
كفر عنهن بالإِطعام جاز أن يطعم عنهن مائتي
(١) الهداية وشروحها ٤ / ١٠٩.
مسكين، وإن لم يقدر فرق بخلاف العتق
والصيام، لأن صيام الشهرين لا يفرق
والإِطعام يفرق (١) .
وقال الشافعية: يشترط لصحة الكفارة نية
الكفارة بأن ينوي العتق أو الصوم أو الإِطعام
عن الكفارة لأنها حق مالي يجب تطهيراً
کالزكاة، والأعمال بالنيات ولا يشترط تعيينها
بأن تقيد بظهار أو غيره، كما لا يشترط في زكاة
المال تعيين المال المزكى بجامع أن كلا منهما
عبادة مالية بل تكفي نية أصلها، فلو أعتق
رقبتين بنية الكفارة وكان عليه كفارة قتل
وظهار أجزاه عنهما، وإن أعتق واحدة وقعت
عن إحداهما، وإنما لم يشترط تعيينها في النية
كالصلاة لأنها في معظم خصالها نازعة إلى
الغرامات فاكتفى فيها بأصل النية (٢).
وقال الحنابلة: لا يجزىء إطعام وعتق
وصوم إلا بنية، بأن ينويه عن الكفارة، لقوله
وَله: ((إنما الأعمال بالنيات)) (٣)، ولأنه حق
واجب على سبيل الطهرة فافتقر إلى النية
كالزكاة فإن كانت عليه كفارة واحدة فنوى
عن كفارتین أجزأه، ولم يلزمه تعیین سببها
(١) تفسير القرطبي ١٧ / ٢٨٥.
(٢) مغني المحتاج ٣/ ٣٥٩.
(٣) حديث: ((إنما الأعمال بالنيات))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٩) ومسلم (٣/ ١٥١٥) من
حديث عمر بن الخطاب .
- ٩٦ -

گَفَّارة ٦٧ - ٦٨
سواء علمه أو جهله، لأن النية تعینت ها،
ولأنه نوى عن كفارته ولا مزاحم لها فوجب
تعليق النية بها، وإن كان عليه كفارات من
جنس واحد لم يجب تعيين سببها فلو كان
مظاهراً من أربع فأعتق عبداً عن ظهاره أجزأه
عن إحداهن وحلت له واحدة من نسائه غیر
معینة، لأنه واجب من جنس واحد فأجزاته
نية مطلقة، كما لو كان عليه صوم يومين من
رمضان فتخرج بقرعة كما تقدم في نظائره،
فإن كان الظهار من ثلاث نسوة فأعتق عن
ظهار إحداهن وصام عن ظهار أخرى لعدم
من یعتقه ومرض فأطعم ظهار أخری أجزأه لما
تقدم وحل له الجميع من غير قرعة ولا
تعيين، لأن التكفير حصل عن الثلاث.
وإن كانت الكفارات من أجناس
كظهار وقتل وجماع في نهار رمضان ويمين لم
يجب تعيين السبب أيضا، لأنها عبادة واجبة
فلم تفتقر صحة أدائها إلی تعیین سببها كما لو
کانت من جنس. وإن كانت علیه كفارتان
من ظهار بأن قال لکل من زوجتیه : أنت علي
علي کظهر أمي أو کان علیه كفارتان من ظهار
وقتل فقال: أعتقت هذا عن هذه الزوجة أو
أعتقت هذا عن هذه الزوجة الأخرى، أو
قال: أعتقت هذا عن كفارة الظهار وهذا عن
كفارة القتل. أجزأه، أو قال أعتقت هذا عن
إحدى الكفارتين وأعتقت هذا عن الكفارة
الأخرى من غير تعبین أجزأه لما تقدم، أو
أعتقهما أي العبدين عن الكفارتين معاً أو قال
أعتقت كل واحد منهما أي من المعينين عنهما
أي الكفارتين جميعاً أجزأه ذلك لما تقدم (١).
الشرط الثاني: القدرة:
٦٨ - يشترط قدرة المكفر على التكفير، لأن
إيجاب الفعل على غير القادر ممتنع .
فإذا كانت الكفارة مرتبة فلا يجزئه الانتقال
من خصلة إلى ما بعدها حتى يعجز عن
الأولى، فمن ملك رقبة مثلاً لا يجزئه الانتقال
عن العتق إلى الصيام، ومن استطاع الصيام
لا يمكنه الانتقال إلى الإطعام وذلك في
الجملة .
وقد اختلف الفقهاء في الوقت الذي يعتبر
المكفر فيه قادراً أو عاجزاً عن التكفير، فذهب
الحنفية والمالكية، والشافعية في أظهر الأقوال
إلى أن الوقت المعتبر للقدرة واليسار هو وقت
الأداء، قالوا: لأن الكفارة عبادة لها بدل من
غیر جنسها فاعتبر حال أدائها .
وذهب الحنابلة والشافعية في قول إلى أن
الوقت المعتبر هو وقت الوجوب، لأن الكفارة
تجب على وجه الطهرة، فكان الاعتبار بحالة
(١) كشاف القناع ٥/ ٣٨٨، ٣٨٩.
- ٩٧ -

گفَّارة ٦٨ - ٧١
الوجوب كالحد (١).
ثانيا: شروط الكفارات الخاصة:
تختلف هذه الشروط باختلاف أسبابها
ووجوب الكفارة :
شروط وجوب كفارة اليمين:
٦٩ - اتفق الفقهاء على أن البلوغ والعقل
والانعقاد شروط لوجوب الكفارة باليمين فلا
کفارة علی صبي أو مجنون حنث في يمينه،
لأن القلم - أي التكليف - مرفوع عنهما لقوله
وقال: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى
يستيقظ، وعن المبتلى حتى يبرأ، وعن الصبي
حتی یکبر)) (٢).
كما لا كفارة على من لغا في يمينه لقوله
تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِ أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن
يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَبْمَنَّ﴾ (٣) والمراد
بالعقد القصد .
واختلفوا بعد ذلك في الإسلام،
والاختيار، والعمد، هل تعتبر شروطا لوجوب
الكفارة أم لا؟ وتفصيل ذلك في (أیمان
ف ٥١ - ٥٤)
(١) بدائع الصنائع ٥/ ٩٧، ٩٨، والكافي لابن عبد البر
١ / ٤٥٤، ومغني المحتاج ٣/ ٣٦٥، وكشاف القناع
(٣٧٦/٥) .
(٢) حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة ... )).
أخرجه أبو داود (٤/ ٥٥٨) والحاكم (٢/ ٥٩) من حدیث
عائشة، واللفظ لأبي داود، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .
(٣) سورة المائدة / ٨٩.
شروط وجوب كفارة الظهار:
٧٠ - اتفق الفقهاء على أن البلوغ والعقل
شرطان في وجوب الكفارة على المظاهر، لأن
عبارة الصبي والمجنون لغو فلا تكون موجبة
لها .
واختلفوا في وجوبها على غير المسلم وعلى
المكره وغير العامد.
وتفصيل ذلك في (ظهار ف ١٦، ٢١)
شروط وجوب كفارة القتل الخطأ:
من الشروط المختلف فيها بين الفقهاء ما
يلي:
أ - الإِسلام
٧١ - ذهب الحنفية والمالكية إلى اشتراط
الإِسلام في القاتل الإيجاب الكفارة عليه،
لأنها عبادة تحتاج إلى النية، والكفار ليسوا من
أهلها .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم
اشتراطه في إيجاب الكفارة على القاتل، لأن
الكافر مخاطب بفروع الشريعة والكفارة من
فروعها (١).
(١) بدائع الصنائع ٧/ ٢٩٧، وحاشية الدسوقي على الشرح الكبير
٤ / ٢٨٦، ومغني المحتاج ٤ / ١٠٧، والمغني ٨ / ٩٣، ٩٤.
- ٩٨ -

گفَّارة ٧٢ - ٧٤
ب - البلوغ والعقل:
٧٢ - يرى المالكية والشافعية والحنابلة عدم
اشتراط البلوغ والعقل في وجوب الكفارة
على القاتل، فتجب على الصبي
والمجنون عندهم.
واحتجوا بأن الكفارة حق مالي فتجب في
مالهما، فيعتق الولي عنهما من مالهما ولا يصوم
بحال، وإن صام الصبي المميز أجزأه.
ولأن الكفارة من خطاب الوضع أي جعل
الشىء سببا، فالشارع جعل القتل سببا
لتحرير الرقبة عند القدرة، والصوم شهرين
متتابعين عند العجز ولم يجعل ذلك على
الفور، فالصبي أهل للصوم باعتبار
المستقبل.
وقالوا: إن كفارة اليمين لم تجب على
الصبي والمجنون لأن سببها قول والقول غير
معتبر منهما، بخلاف كفارة القتل فإن سببها
فعل وهو معتبر من الجميع (١).
ويرى الحنفية أن البلوغ والعقل شرطان
لوجوب الكفارة في القتل، فلا كفارة على
القاتل الصبي أو المجنون لرفع القلم عنهما
ولأن القتل معدوم منهما حقيقة (٢).
(١) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٤ / ٢٨٦، ومغني المحتاج
٤ / ١٠٧، والكافي لابن قدامة ٤ / ١٤٣.
(٢) البناية على الهداية ١٠ / ١٨، وبدائع الصنائع ٧/ ٢٩٣.
جـ- الاختيار:
٧٣ - اختلف الفقهاء في وجوب هذا الشرط
على قولين:
الأول: ذهب الحنفية والمالكية والحنابلة
إلى أنه يشترط في وجوب الكفارة على القاتل
أن يكون مختارا، وأنها لا تجب على القاتل
المكره لأنه مسلوب الإرادة (١)، ولقوله يثير:
((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما
استكرهوا عليه)» (٢)، فهذا الحديث يدل على
نفي الإثم عن المكره والمخطىء، ونفي الإِثم
يوجب نفي الكفارة، لأنها شرعت لمحوه.
الثاني: ذهب الشافعية إلى أنه لا يشترط
في وجوب الكفارة الاختيار فتجب الكفارة
عندهم على المكره لأنه باشر القتل، ولأن
الكفارة عبادة وهو من أهلها (٣).
د - الحرية في القاتل:
٧٤ - اختلف الفقهاء في اشتراط الحرية على
قولين:
الأول: يرى الحنفية والمالكية اشتراط
حرية القاتل لوجوب الكفارة عليه لأن العبد
(١) المراجع السابقة.
(٢) حديث: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان .. ))
أخرجه ابن ماجه (١/ ٦٥٩) والحاكم (٢/ ١٩٨) من حديث
ابن عباس، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .
(٣) مغني المحتاج ٤ / ١٠٧، ١٠٨.
- ٩٩ -

گفّارة ٧٤ -٧٦
عندهم ليس من أهل الكفارة، لأنه وما ملك
ملك لسيده، والصوم شهرين متتابعين
يضعفه فيضر بسیده (١).
الثاني: يرى الشافعية والحنابلة: أنه لا
يشترط حرية القاتل لوجوب الكفارة عليه
فتجب عندهم على العبد كما تجب على
غيره (٢)، لقوله تعالى ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطًَا
فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ الآية(٣)، فالآية عامة لم
تفرق بين الأحرار والعبيد لأن ((من)» من صيغ
العموم ولا تخصص إلا بدلیل.
شروط وجوب کفارة الجماع في نهار رمضان
٧٥ - اتفق الفقهاء على أن الإِسلام والبلوغ
والعقل شروط لوجوب الكفارة بسبب انتهاك
حرمة الصوم بالجماع في نهار رمضان، لأن
الکافر لا یعتبر صومه شرعاً والمجنون كذلك،
أما الصبي فهو وإن کان یصح صومه لكنه لا
يعقل حرمة هذا الشهر (٤).
كما اتفقوا على أن رمضان شرط في وجوب
الكفارة فلا تجب في غيره کقضائه أو صوم
النذر ونحوه، لأن الكفارة إنما وجبت لهتك
(١) حاشية الدسوقي ٤ / ٢٨٦، بدائع الصنائع ٧/ ٢٩٧.
(٢) روضة الطالبين ٩/ ٣٨٠، والكافي لابن قدامة ٤ / ١٤٣.
(٣) سورة النساء / ٩٢.
(٤) شرح منح الجليل ١/ ٣٩٧ ط مكتبة النجاح - ليبيا، ومغني
المحتاج ١ / ٤٤٢، والكافي لابن قدامة ١/ ٣٤٣ .
حرمة الشهر، وليست هذه الحرمة موجودة في
غيره (١).
٧٦ - واختلفوا في اشتراط العمد والاختيار:
فذهب الحنفية والمالكية والشافعية إلى أن
العمد والاختيار شرطان في وجوبها، فلم
يوجبوا الكفارة بالجماع الحادث على وجه
الإكراه أو الخطأ (٢).
وذهب الحنابلة: إلى عدم اشتراط العمد
والاختيار لوجوب الكفارة بالجماع في نهار
رمضان، فتجب عندهم علی من جامع ناسیا
أو مكرها لأن النبي ◌َّه لم يستفصل السائل
عن حاله ولو كان الحكم يختلف
لاستفصله (٣).
وقد سبق القول في ذلك عند ذكر أسباب
الكفارة بالفطر في رمضان (ف ٢٥ - ٢٧).
ما يشترط لإِجزاء الكفارات:
وهي الشروط التي يجب توافرها في أفراد
الكفارات حتی تکون مجزئة .
(١) حاشية ابن عابدين ٢ / ٤٠٩ ط مصطفى الحلبي، مواهب
الجليل ٢ / ٤٣٣، وروضة الطالبين ٢ / ٣٧٤، والكافي
٣٥٦/١ .
(٢) البناية شرح الهداية ٣/ ٣٠٠ وما بعدها، وحاشية ابن عابدين
٢ / ٤٠٩، ومواهب الجليل ٢ / ٤٣١، وشرح منح الجليل
٢/ ٤٠٢، ومغني المحتاج ١/ ٤٤٣، وروضة الطالبين
٢/ ٣٧٤ ٠
(٣) كشاف القناع ٣٢٣/٢، والكافي لابن قدامة ٣٥٦/١.
- ١٠٠ -