Indexed OCR Text
Pages 41-60
كَفَّارة ٧، ٨ وفي وجوبها في اليمين اللغو في الزمن المستقبل. وفي تعدد الكفارات بتعدد الأیمان، وفي رفع الكفارة الحنث. الكفارة في اليمين الغموس : ٨ - اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة في الیمین الغموس علی قولین: القول الأول: عدم وجوب الكفارة في اليمين الغموس. وإليه ذهب جمهور الفقهاء: الحنفية، والمالكية، والحنابلة (١)، وهو قول سفيان الثوري وأهل العراق، وأبي ثور، وأبي عبيد وإسحاق وأصحاب الحديث والأوزاعي ومن وافقه من أهل الشام (٢). القول الثاني: وجوب الكفارة في اليمين الغموس. وإليه ذهب الشافعية والحكم وعطاء ومعمر (٣). (١) البحر الرائق ٤/ ٣٠١، ٣٠٢، ٣٠٣، ٣٠٤، وبدائع الصنائع وترتيب الشرائع للكاساني ٣/ ٣ طبع دار الكتب العلمية - بيروت، التاج والإكليل لمختصر خليل مطبوع بهامش مواهب الجليل للخطاب ٣/ ٢٦٦، وكشاف القناع ٦/ ٢٣٥ (٢) الجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٦٦، ٢٦٧، وفتح الباري ١١ /٥٦٦ (٣) روضة الطالبين ١١/ ٣، وفتح الباري ١١ / ٥٦٦ وسبب اختلاف الفقهاء في ذلك معارضة عموم الكتاب للأثر، وذلك أن قوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْنَ فَكَفَّرَتُهُ: إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَكِينَ﴾ (١)، توجب أن يكون في اليمين الغموس كفارة لكونها من الأيمان المنعقدة. وقوله - عليه الصلاة والسلام -: ((من اقتطع حق امرىء مسلم بيمينه فقد أوجب الله له النار وحرم عليه الجنة)) (٢)، يوجب أن اليمين الغموس ليس فيها كفارة (٣). وقد استدل کل فريق بأدلة تؤيد ما ذهب إليه . فاستدل الجمهور بقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِهِمْ ثَمَنَاقَلِيلًا أُوْلَئِكَ لَا خَلَقَ لَهُمْ فِ آلْآَخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللهُ وَلَا يَنْظُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَايُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلٌِ﴾ (٤)، فقد بين الله عز وجل فيها جزاء اليمين الغموس بالوعيد في الآخرة، ولم يذكر كفارة، فلو كانت الكفارة فيها واجبة لكان الأولى بيانها، ولأن الكفارة لو وجبت إنما تجب لرفع هذا الوعيد المنصوص عليه في الآية (١) سورة المائدة / ٨٩ (٢) حديث: ((من اقتطع حق امرىء مسلم ... )) أخرجه مسلم (١ / ١٢٢) من حديث أبى أمامة. (٣) بداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ١ / ٣٤٩ طبع المكتبة التجارية الكبرى . (٤) سورة آل عمران / ٧٧ - ٤١ - كَفَّارة ٨ فیسقط جرمه، ویلقی الله - تعالى - وهو عنه راض، ولم يستحق الوعيد المتوعد عليه، وهو ما لا يقول به أحد (١). قال القرطبي : وکیف لا یکون ذلك، وقد جمع هذا الحالف: الكذب، واستحلال مال الغیر، والاستخفاف بالیمین بالله - تعالى - والتهاون بها وتعظيم الدنيا؟ فأهان ما عظمه الله، وعظم ما حقره الله، وحسبك. ولهذا قيل: إنما سميت الیمین غموسا لأنها تغمس صاحبها في النار (٢). وقد روی سحنون عن ابن عباس رضي الله عنهما في هذه الآية قال: فهذه اليمين في الكذب واقتطاع الحقوق، فهي أعظم من أن تكون فيها كفارة . وقد روى ابن مهدي عن العوام بن حوشب عن إبراهيم السکسکي عن ابن أبي أوفى رضي الله عنه: أن رجلا حلف على سلعة فقال: والله لقد أعطى بها كذا وكذا، ولم يعط، فنزلت هذه الآية: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَّرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَنِمْ ثَمَنَّا قَلِيلًا﴾ (٣). واستدل الجمهور کذلك بما ورد عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله وَل: ((خمس ليس لهن كفارة: الشرك بالله عز وجل، وقتل النفس بغير حق، وبهت مؤمن، والفرار يوم الزحف، ویمین صابرة يقتطع بها مالا بغير حق)) (١). وبحديث ابن عمرو - رضي الله عنهما - قال: جاء أعرابي إلى النبي صل﴿ فقال: يارسول الله ما الكبائر؟ قال: «الكبائر: الإِشراك بالله)) قال: ثم ماذا؟ قال: ((ثم عقوق الوالدين)) قال: ثم ماذا؟ قال: ((ثم اليمين الغموس)) قلت: وما اليمين الغموس؟ قال ((الذي يقتطع مال امرىء هو فیھا كاذب)) (٢). ففي الحديثين دلالة واضحة على أن اليمين الغموس ليس فيها كفارة لأن الرسول # عدها من الكبائر، والكبائر لا كفارة فيها، فقد اتفق الفقهاء على أن الشرك وعقوق الوالدين لا كفارة فيها، وإنما كفارتها التوبة منها، فكذلك اليمين الغموس حکمها حكم ما ذكرت معه (٣). واستدل الجمهور كذلك باتفاق الصحابة (١) المبسوط ٨/ ١٢٨، والجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٦٨، ومواهب الجلیل والتاج والإكليل ٣/ ٢٦٦ (٢) الجامع لأحكام القرآن ٢٦٨/٦ (٣) المدونة الكبرى ٣/ ١٠٠، ١٠١، والآية من سورة آل عمران / ٧٧ (١) حديث: ((خمس ليس لهن كفارة ... )) أخرجه أحمد (٢ / ٣٦٢) وإسناده حسن. (٢) حديث عبد الله بن عمرو: ((الكبائر: الإشراك بالله .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٦٤) (٣) فتح الباري ١١ / ٥٦٦ - ٤٢ - كَفَّارة ٨، ٩ علیه من غیر مخالف، فقد روی آدم بن أبي إياس في مسند شعبة، وإسماعيل القاضي في الأحكام عن ابن مسعود رضي الله عنه: «کنا نعد الذنب الذي لا كفارة له اليمين الغموس، أن يحلف الرجل على مال أخيه كاذبا ليقتطعه قال: ولا مخالف له من الصحابة (١). وقالوا: إن الغموس محظور محض، فلا يصلح سببا لوجوب الكفارة لكونها أعظم من أن تكفر، كالزنا والردة (٢) . واستدل الشافعية ومن وافقهم على وجوب الكفارة لقوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاخِذُ كُمُ اللَّهُ بِلَّغْوِ فِي أَيْمَنْكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُمْ بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٣)، مع قوله تعالى: ﴿لَا يُؤَاخِذُكُمُ اللّه ◌ِاَللَّغْوِ فِ أَيْمَنِّكُمْ وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ﴾ (٤). ووجه الدلالة من هاتين الآيتين: أن الله عز وجل نفى المؤاخذة عن اليمين اللغو، وهي اليمين من غير قصد، وأثبت المؤاخذة لليمين المقصودة بقوله: ﴿بما عقدتم﴾ أي قصدتم وصممتم، ولاشك أن اليمين (١) فتح الباري ١١ / ٥٦٦ (٢) المبسوط السرخسي ٨/ ١٢٨ (٣) سورة البقرة / ٢٢٥ (٤) سورة المائدة / ٨٩ الغموس مقصودة فتجب فيها الكفارة (١) وبما رواه عبد الرحمن بن سمرة قال: قال رسول الله وَ ل﴿ في حديث: ((لا تسأل الإِمارة، وإذا حلفت علی یمین فرأیت غيرها خيرا منها فأت الذي هو خیر وکفر عن يمينك)» (٢). وقالوا: إن الحالف كذبا أحوج للكفارة من غيره، كما أن الكفارة لا تزیده إلا خيرا، والذي يجب عليه الرجوع إلى الحق ورد المظلمة، فإن لم يفعل وكفر، فالكفارة لا ترفع عنه حكم التعدى بل تنفعه في الجملة (٣). الكفارة في اليمين اللغو على أمر في المستقبل : ٩ - اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة في اليمين اللغو على أمر في المستقبل - نفيا كان -. أو إثباتا - على قولين: القول الأول: إنها لغو، وإليه ذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٤)، وبه قال ربيعة ومکحول والأوزاعي والليث. ونقله ابن المنذر وغيره عن ابن عمر وابن (١) تفسير ابن كثير ١ / ٢٦٧، ٢٦٨ طبع دار المنار، وحاشية الشرقاوي على التحرير ٢ / ٤٧٦ (٢) حديث: ((لا تسأل الإمارة ... )) تقدم فقرة (٥) . (٣) فتح الباري ١١ / ٥٥٧ ط. دار المعرفة. (٤) انظر: مواهب الجليل للحطاب ٣/ ٢٦٦، والروضة ١١/ ٣، وكشاف القناع ٦ / ٢٣٦، ٢٣٧ - ٤٣ - كَفَّارة ٩ عباس وغيرهما من الصحابة رضوان الله عليهم، وعن القاسم وعطاء والشعبي وطاوس والحسن (١). وقال الشافعية والحنابلة: إنه لا كفارة فيها . واختلف المالكية في وجوب الكفارة فيها، فقال ابن الحاجب: ولا كفارة في لغو اليمين، وهي الیمین علی ما يعتقده ثم تبین خلافه، ماضيا أو مستقبلا. قال في التوضيح: مثال الماضي: والله ما جاء زید وهو يعتقد ذلك، ومثال المستقبل: والله ما يأتي غدا وهو يعتقدە (٢). وقال الدردير: اللغو والغموس لا كفارة فيهما إن تعلقا بماض، وفيهما الكفارة إن تعلقا بالمستقبل (٣). واستدل القائلون بعدم الكفارة بقوله تعالى: ﴿لَّا يُؤَاِخِذُكُمُ اَللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَنِّكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَاكَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾ (٤). ووجه الاستدلال من الآية: أن الله تعالى قابل يمين اللغو باليمين المكسوبة بالقلب، واليمين المكسوبة هي المقصودة، فكانت اليمين غير المقصودة داخلة في قسم اللغو (١) فتح الباري ١١ / ٥٥٦ (٢) مواهب الجليل ٣/ ٢٦٦ (٣) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٢ / ١٢٩ (٤) سورة البقرة / ٢٢٥ تحقيقا للمقابلة (١). وبما روي عن عائشة رضي الله عنها قالت: أنزلت هذه الآية: ﴿لَّا يُؤَاخِذُكُمُ اللَّهُ بَللَّغْوِ فِيَ أَيْمَنِكُمْ ﴾ في قول الرجل: لا والله وبلى والله (٢). ووجه الدلالة من الحديث: أن الله تعالى رفع المؤاخذة عن اللغو مطلقا، فيلزم منه أنه لا إثم فيه ولا كفارة (٣). القول الثاني: إنها ليست لغوا وفيها الكفارة. وإليه ذهب الحنفية. وهو مروي عن زرارة بن أبي أوفى، وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم في رواية ثانية عنه (٤) . واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُ الْأَيْمَنَّ﴾(٥). وقوله تعالى: ﴿وَأَحْفَظُوَاْ أَيْمَنَّكُمْ﴾ (٦). ج ووجه الدلالة من الآية: أن المراد بالأيمان المعقودة: هي اليمين في المستقبل، لأن الحفظ عن الحنث وهتك حرمة اسم الله تعالى (١) الشرقاوي على التحرير ٢ / ٤٧٦، وروضة الطالبين ١١/ ٣، وكشاف القناع ٦/ ٢٣٦ (٢) فتح الباري ١١ / ٥٥٦ (٣) فتح الباري ١١/ ٥٥٦، ونيل الأوطار للشوكاني ١٠ / ١٦٨، ١٦٩ (٤) بدائع الصنائع للكاساني ٣/ ٣، ٤، والبحر الرائق لابن نجيم ٤ / ٣٠٢، ٣٠٣، والمبسوط ٨/ ١٢٩، ١٣٠ (٥) سورة المائدة / ٨٩ (٦) سورة المائدة / ٨٩ - ٤٤ - گفّارة ٩ - ١١ لا يتصور إلا في المستقبل (١)، واليمين في المستقبل يمين معقود سواء وجد القصد أم لا، ووجوب الحفظ يقتضي المؤاخذة عند عدمه، فوجبت الكفارة. كما استدلوا بما ورد أن المشركين لما أخذوا حذيفة بن اليمان وأباه رضي الله عنهما واستحلفوهما أن لا ينصر محمدا وَله وأخبر بذلك رسول الله صل* فقال له: ((انصرفا، نفي لهم بعهدهم ونستعين بالله عليهم)) (٢). ووجه الدلالة: أن الرسول ولي أمر حذيفة بالوفاء رغم أنه مکره غیر قاصد فدل ذلك على أن عدم القصد لا يمنع انعقاد اليمين ممن هو من أهله (٣). وقالوا كذلك: اللغو ما يكون خاليا عن الفائدة، والخبر الماضي خال عن فائدة اليمين فكان لغوا، وأما الخبر في المستقبل فإن عدم القصد لا یعدم فائدة الیمین، وقد ورد الشرع بأن الهزل والجد في اليمين سواء (٤). تعدد كفارة اليمين : ١٠ - ذهب الفقهاء إلى أن من حلف على (١) بدائع الصنائع للكساني ٣/ ٤، والبحر الرائق ٤/ ٣٠٣ (٢) حديث: ((أن المشركين أخذوا حذيفة بن اليمان وأباه واستحلفوهما ... » أخرجه مسلم (٣/ ١٤١٤) . (٣) المبسوط ٨/ ١٣٠ (٤) المبسوط ٨/ ١٣٠ أمور شتی بیمین واحدة فكفارته کفارة یمین واحدة، كما كوقال: والله لن آكل ولن أشرب ولن ألبس، فحنث في الجميع فكفارته واحدة، لأن الیمین واحدة والحنث واحد، فإنه بفعل واحد من المحلوف عليه يحنث وتنحل اليمين (١). واختلفوا فيما إذا حلف بأيمان شتى على شيء واحد بعينه، أو حلف بأيمان شتى على أشياء متعددة . أ - الحلف على الشيء بعينه مرات كثيرة: ١١ - اختلف الفقهاء فيما يجب بالحنث في الحلف على الشيء الواحد بعينه مرات كثيرة، كأن قال: والله لا أفعل كذا، والله لا أفعل كذا، ثم يفعل المحلوف عليه، على قولين: القول الأول: إنه يجب في ذلك كفارة يمين واحدة، وإليه ذهب المالكية والشافعية والحنابلة وهو قول قتادة والحسن وعطاء (٢). ففي المدونة قال: (قلت) أرأيت إن قال: والله لا أجامعك، والله لا أجامعك، أيكون على هذا كفارة يمين واحدة في قول مالك؟ قال: نعم (قلت) أرأيت الرجل يحلف أن لا يدخل دار فلان، ثم يحلف بعد ذلك في مجلس آخر: أنه لايدخل دار فلان لتلك (١) المدونة الكبرى ٣ / ١١٥، والمغني والشرح الكبير ١١ / ٢١١ (٢) المدونة الكبرى ٣/ ١١٦ - ٤٥ - كَفَّارة ١١ الدار بعينها التي حلف عليها أول مرة؟ قال: قال مالك: إنما عليه كفارة واحدة (١) .. وقال الشافعية: إذا قال : : علي عهد الله ومیثاقه وذمته وأمانته وكفالته لأفعلن کذا، فإن نوى اليمين فيمين واحدة، والجمع بين الألفاظ تأكيد، كقوله: والله الرحمن الرحيم لا يتعلق بالحنث فيها إلا كفارة واحدة (٢) . وقال البهوتي: ومن کرر يمينا موجبها واحد على فعل واحد كقوله: والله لا آكل والله لا آكل فكفارة واحدة لأن سببها واحد والظاهر أنه أراد التأكيد (٣). القول الثاني: وهو للحنفية، وقد فرقوا بين ما إذا كرر المقسم به - وهو اسم الله تعالى - ولم يذكر المقسم عليه حتى ذكر اسم الله تعالی ثانیا، ثم ذكر المقسم علیه، كأن يقول: والله الله لا أفعل كذا وكذا، أو یقول: والله والله لا أفعل كذا وكذا، وبین ما إذا ذكرهما جميعا، ثم أعادهما جميعا، كأن يقول: والله لا أفعل كذا الله لا أفعل كذا، أو يقول: والله لا أفعل كذا والله لا أفعل کذا. وفي الحالتين إما أن يكون التكرار بحرف (١) المدونة الكبرى ٣ / ١١٥ (٢) روضة الطالبين ١١ / ١٦ (٣) كشاف القناع ٦/ ٢٢٤ العطف أو بدونه، كما ذكر في الأمثلة. فإذا کان تكرار المقسم به بدون حرف عطف۔۔ کما في المثال الأول۔۔ کانت یمینا واحدة بلا خلاف في المذهب، سواء كان الاسم متفقا كما ذكر أو مختلفا كقوله: والله الرحمن لا أفعل كذا وكذا. أما إذا دخل بين القسمين حرف عطف - كما في المثال الثاني - فهما يمينان عند محمد، وهو إحدى الروايتين عن أبي حنيفة وأبي يوسف (١). وإذا کان تكرارهما جميعا، کما إذا ذكرهما جمیعا ثم أعادهما فهما یمینان، سواء ذكرهما بحرف العطف أو بدونه، كما في الأمثلة المذكورة، سواء كان ذلك في مجلسین أو في (١) وروى الحسن بن زياد عن أبي حنيفة، أنه يكون يمينا واحدة، وبه أخذ زفر، وقد روى هذا - أيضا - عن أبي يوسف في غير رواية الأصول، وهو رواية محمد في النوادر، ومروى عنه في المنتقى . وجه رواية الحسن: أن حرف العطف قد يستعمل للاستئناف، وقد يستعمل للصفة، فإنه يقال: فلان العالم والزاهد والجواد والشجاع فاحتمل المغايرة، واحتمل الصفة، فلا تثبت يمين أخرى مع الشك. ووجه روية محمد في النوادر: ذكر في المنتقى عن محمد أنه: إذا قال والله والله والله لا أفعل كذا: القياس أن يكون ثلاثة أيمان بمنزلة قوله: والله والرحمن والرحيم، وفيه قبح، وينبغي في الاستحسان أن يكون يمينا واحدة، ولو قال: والله والله لا أفعل كذا، ذکر محمد أن القیاس أن یکون علیه كفارتان، ولكني أستحسن فأجعل عليه كفارة واحدة، وهذا كله في الاسم المتفق، ترك محمد القياس وأخذ بالاستحسان لمكان العرف لما زعم أن معاني كلام الناس عليه . أنظر: بدائع الصنائع ٣ / ١٠،٩ - ٤٦ - كَفَّارة ١١، ١٢ مجلس واحد، بلا خلاف في المذهب (١). الأدلة : أولا: استدل جمهور الفقهاء بأن سبب الكفارة واحد، فتلزم عنه كفارة واحدة، أما الجمع بين الألفاظ فإنه للتأكيد، لأن الثانية لا تفيد إلا ما أفادته الأولى، فلم يجب أكثر من كفارة واحدة (٢). ثانیا: واستدل الحنفية بأنه إذا لم یذکر حرف العطف والاسم مختلف نحو أن يقول: والله الرحمن لا أفعل كذا وكذا، فإن الاسم الثاني يصلح صفة للأول، ومنه یعلم أنه أراد الصفة، فيكون حالفا بذات موصوف، لا باسم الذات على حدة، ولا باسم الصفة على حدة. أما إذا كان الاسم متفقا نحو أن يقول: والله الله لا أفعل كذا، فإن الثاني لا يصلح نعتا للأول، إنما يصلح تأكيدا له، فیکون یمینا واحدة، إلا أن ینوی به یمینین، فیصیر قوله: الله ابتداء یمین بحذف حرف القسم، وهو قسم صحيح. وهذا بخلاف ما إذا ذكر حرف العطف بين القسمين بأن قال: والله والرحمن لا أفعل (١) بدائع الصنائع ٣/ ١٠ (٢) كشاف القناع ٦/ ٢٤٤، وروضة الطالبين ١١ / ١٦، والمدونة الكبرى ١١٦/٣ کذا، فقد استدل من قال إنهما یمینان بأنه لما عطف أحد اليمينين على الآخر، كان الثاني غير الأول، لأن المعطوف غير المعطوف عليه، فکان کل واحد منهما يمينا على حدة. أما إذا لم يعطف أحدهما على الآخر فيجعل الثاني صفة للأول، لأنه يصلح صفة، لأن الاسم يختلف، وهذا يستحلف القاضي بالأسماء والصفات من غير حرف العطف فيقول: والله الرحمن الرحيم الطالب المدرك، ولا يجوز أن يستحلف مع حرف العطف، لأنه ليس على المدعى عليه إلا يمين واحدة . أما إذا أعاد المقسم عليه مع الاسم الثاني، علم أنه أراد به یمینا أخری، إذ لو أراد الصفة أو التأكيد لما أعاد المقسم علیه (١). ب -الحلف بأیمان متعددة على أمور شتی: ١٢ - اختلف الفقهاء فيما يجب بالحنث في الحلف بأيمان متعددة على أمور شتى (٢) تحو أن يقول: والله لا أدخل دار فلان، والله لا أکلم فلانا ففعل ذلك كله على قولين: القول الأول: أنه يجب على الحالف لكل يمين كفارة، وإليه ذهب الحنفية والمالكية (١) بدائع الصنائع ١٠/٣ (٢) المغني والشرح الكبير ١١ / ٢١٢ - ٤٧ - گفّارة ١٢ - ١٣ والشافعية، وهو ظاهر كلام الخرقي، ورواية المروزي عن أحمد (١). القول الثاني: أنه يجب على الحالف كفارة واحدة، وبه قال أحمد في رواية ابن منصور، قال القاضي: وهي الصحيحة وهو قول محمد من الحنفية (٢) وقد استدل القائلون بتعدد الكفارات بأنهن أيمان لا يحنث في إحداهن بالحنث في الأخرى، فلم تتكفر إحداها بكفارة الأخرى، کما لو کفّر عن إحداها قبل الحنث في الأخرى، وكالأيمان المختلفة الكفارة، وبهذا فارق الأيمان على شيء واحد، فإنه متی حنث في إحداها كان حانثا في الأخرى، فإن كان الحنث واحدا كانت الكفارة واحدة، وههنا تعدد الحنث، فتعددت الكفارات. وفارق الحدود فإنها وجبت للزجر وتندریء بالشبهات بخلاف مسألتنا، ولأن الحدود عقوبة بدنية، فالموالاة بينها ربما أفضت إلى التلف فاجتزىء بإحداها، وههنا الواجب إخراج مال يسير أو صيام ثلاثة أيام، فلا يلزم. (١) البحر الرائق شرح كنز الدقائق ٤ / ٣١٦، وحاشية رد المحتار على الدر المختار لابن عابدين ٣/ ٧١٤، والمدونة الكبرى ١١٥/٣، والتاج والإكليل لمختصر خليل ٣/ ٢٦٩، ٢٧٠، ومواهب الجليل للخطاب ٣/ ٢٧٩، ٢٨٠، ونهاية المحتاج ٨/ ١٨١، والمغني والشرح الكبير ١١/ ٢١٢ (٢) المغني والشرح الكبير ٢١٢/١١، وكشاف القناع ٦ / ٢٤٤، وحاشية رد المحتار على الدر المختار ٢١٤/٣ الضرر الكثير بالموالاة فيه، ولا يخشى منه التلف (١). بینما استدل أصحاب القول الثاني بأنها کفارات من جنس فتداخلت کالحدود من جنس، وإن اختلف محالها بأن يسرق من جماعة أو يزني بنساء (٢). تقديم كفارة اليمين قبل الحنث: ١٣ - لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز التكفير قبل اليمين، لأنه تقديم الحكم قبل سببه، كتقديم الزكاة قبل ملك النصاب، وكتقديم الصلاة قبل دخول وقتها . ولا خلاف بينهم في جواز تأخير الكفارة بعد الیمین والحنث. كما لا خلاف بينهم - أيضا - فى عدم وجوب الكفارة قبل الحنث (٣). وإنما الخلاف بينهم في جواز التكفير بعد اليمين وقبل الحنث (٤). وقد اختلفوا في ذلك على قولين: القول الأول: یری أصحابه جواز التکفیر قبل الحنث، وإليه ذهب المالكية والشافعية (١) المغني والشرح الكبير ١١/ ٢١٢، ٢١٣ (٢) كشاف القناع ٦ / ٢٤٤، والمغني والشرح الكبير ١١ / ٢١٢ (٣) صحيح مسلم بشرح النووي ١١ / ١٠٩، والجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٧٥، وفتح الباري ١١/ ٦١٧، ٦١٨، ونيل الأوطار ١٠ / ١٧١ (٤) فتح الباري ١١ / ٦١٨، والمجموع شرح المهذب ١٨ / ١١٧ - ٤٨ - ٦ تـ کفّارة ١٣ والحنابلة (١)، وهو مروي عن عمر وعبد الله ابن عمر وعبد الله بن عباس، وسلمان وعبدالرحمن بن سمرة رضي الله عنهم (٢). قال ابن المنذر: وهورأي ربيعة والأوزاعي ومالك والليث وسائر فقهاء الأمصار، وذكر عياض وجماعة: أن عدة من قال بجواز تقديم الكفارة أربعة عشر صحابيا (٣). وقید الشافعية جواز التکفیر قبل الحنث بها إذا كفر بغير الصوم ولم يكن الحنث معصية . وقال المالكية والشافعية: يستحب أن يؤخر التكفير عند الحنث خروجا من الخلاف (٤). القول الثاني: يرى أصحابه عدم جواز التكفير قبل الحنث، إليه ذهب الحنفية، وأشهب من المالكية، ونقله الباجي عن مالك (٥). (١) المدونة الكبرى ٣/ ١١٦، ١١٧، وروضة الطالبين للنووي ١٧/١١، وكشاف القناع ٦/ ٢٤٣ (٢) كشاف القناع للبهوتي ٦/ ٢٤٣، وفتح الباري ٦١٧/١١، ونيل الأوطار ١٠ / ١٧١، وصحيح مسلم بشرح النووي ١١ / ١٠٩ (٣) فتح الباري ١١ / ٦١٧، ونيل الأوطار ١٠ / ١٧١، والمجموع شرح المهذب ١٨/ ١١٧، وصحيح مسلم بشرح النووي ١١/ ١٠٩ (٤) المراجع السابقة. (٥) المبسوط السرخسي ٨/ ١٤٧، والبحر الرائق ٤ / ٣١٦، ومواهب الجليل للخطاب ٣/ ٢٧٥، وفتح الباري ١١ / ٦١٧، ونيل الأوطار ١٠ / ١٧١، والجامع لأحكام القرآن ٦/ ٢٧٥، وصحيح مسلم بشرح النووي ١١ / ١٠٩ واستدل القائلون بأن الكفارة تجزىء قبل الحنث، بقوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَیْمَنْكُمْ إِذَا حَكَفْتُمْ﴾ (١). ووجه الدلالة من الآية: أن الله تعالى أوجب الكفارة بإرادة الحنث لأن التقدير: إذا حلفتم فأردتم الحنث، كما أن ظاهر الآية يفيد أن الكفارة وجبت بنفس اليمين فيجوز التكفير قبل الحنث، لتكون الكفارة محللة لليمين (٢) . كما استدلوا بما ورد عن عبد الرحمن بن سمرة رضي الله عنه أن النبي ◌َّ قال: «یاعبد الرحمن إذا حلفت علی یمین فرأيت غيرها خيرا منها، فكفر عن يمينك وائت الذي هو خیر)»، وفي رواية: «ثم ائت الذي هو خير) (٣). ووجه الدلالة من هذا الحديث: أنه صريح في تقديم الكفارة على الحنث، حيث أمر * بالتكفير عن اليمين، ثم عطف الإتيان بغير المحلوف عليه بثم التي تفيد الترتيب والتراخي، فدل هذا دلالة واضحة (١) سورة المائدة / ٨٩ (٢) فتح الباري ١١ / ٦١٧، ونيل الأوطار ١٠/ ١٧٠، والجامع لأحكام القرآن ٦ / ٢٧٥ (٣) حديث: ((ياعبد الرحمن إذا حلفت على يمين ... )) أخرجه مسلم (٣/ ١٢٧٤)، والرواية الأخرى لأبي داود (٥٨٥/٣) - ٤٩ - کفَّارة ١٣ على إجزاء الكفارة قبل الحنث (١). كما استدلوا بالقياس على كفارة الظهار والقتل بعد الجراح، فكما يجوز تقديم كفارة الظهار على العود، والقتل الخطأ بعد الجراح وقبل الموت كذلك يجوز تقديم كفارة اليمين قبل الحنث، لأنه كفّر بعد سببه فجاز (٢). وبأن عقد اليمين لما كان يحله الاستثناء وهو كلام، فلأن تحله الكفارة وهو فعل مالي أو بدني أولى (٣). واستدل القائلون بعدم جواز التکفیر قبل الحنث: بقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدُمُالْأَيْمَنَّ﴾ (٤) مع قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمُ﴾ (٥). ووجه الدلالة من هذه الآية واضح على أن الكفارة للحنث ولیست للیمین من وجھین: الأول: تصويره في صدر الآية نفي مؤاخذتنا عن لغو الیمین وأنه سبحانه وتعالی یؤاخذنا بما عقدنا من الأيمان والوفاء بها، كقوله عز وجل: ﴿وَلَا نَنقُضُوا الْأَيْمَنَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا﴾ (٦)، فإن تركتم ذلك (١) فتح الباري ١١/ ٦١٦، وصحيح مسلم بشرح النووي ١١/ ١١٢ (٢) فتح الباري ١١ / ٦١٧، وکشاف القناع للبهوتي ٦ / ٢٤٤ (٣) فتح الباري ١١ / ٦١٧ (٤) سورة المائدة / ٨٩ (٥) سورة المائدة / ٨٩ (٦) سورة النحل / ٩١ فکفارته کذا. وكذلك قوله تعالى: ﴿ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ﴾ تقديره: أي فتركتم المحافظة، ألا ترى أنه قال عز وجل: ﴿وَأَحْفَظُواْ آیمنگُمْ﴾، (١) والمحافظة تكون بالبر. الثاني: أن يكون على إضمار الحنث، أي ولكن يؤاخذكم بحنثكم فيما عقدتم، وكذا في قوله تعالى: ﴿ ذَلِكَ كَفَّرَةُ أَيْمَنْكُمْ إِذَا حلفتُمْ﴾، أي إذا حلفتم وحنثتم؛ كما في قوله تعالى: ﴿فَنْ كَانَ مِنَّكُمْ فَرِيضًا أَوْ بِة أَذَّى مِّن رَّأْسِهِ فَفِذْيَةٌ مِنْ صِيَامٍ أَوْصَدَقَةٍ أَوْ شُكٍ﴾ (٢)، معناه: فحلق عامدا أو غطى رأسه ففدية من صيام. وقوله عز وجل: ﴿فَإِنْ أُخْصِرْتُ فّا أُسْتَيْسَرَ مِنَ الْمَدْيِّ﴾، (٣) معناه: فتحلل. وقوله عز وجل: ﴿فَمَنگَانَ مِنْكُمْ تَِّیضًا أَوْ عَلَ سَفَرٍ فَهِدَةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَّ﴾ (٤)، فأفطر فعدة من أيام أخر، لأن ظاهر الملفوظ وهو القدر الذي هو سبب التخفيف لا يصلح سببا للوجوب فصار استعمال الرخصة مضمرا فيه، كذلك ههنا لا تصلح اليمين التي هي تعظيم الرب جل جلاله سببا لوجوب (١) سورة المائدة / ٨٩ (٢) سورة البقرة / ١٩٦ (٣) سورة البقرة / ١٩٦ (٤) سورة البقرة / ١٨٤ - ٥٠ - كَفَّارة ١٣، ١٥ التكفير، فيجب إضمار ما هو صالح وهو الحنث (١). كما استدلوا بما ورد عن رسول الله وَلل أنه قال: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير ولیکفر عن يمينه)» (٢). وفي حديث آخر: «إني والله - إن شاء الله - لا أحلف علی یمین فاری غیرها خيرا منها، إلا أتيت الذي هو خير وتحللتها)) (٣). ووجه الدلالة من هذا الحديث: أن رسول الله ( بين أن الكفارة تجب بالحنث، لأنها لو كانت واجبة بنفس اليمين لقال عليه الصلاة والسلام: ((من حلف على يمين فلیکفر» من غیر التعرض لما وقع عليه اليمين وألزم الحنث إذا كان خيرا ثم التكفير. فلما خص اليمين على ماكان الحنث خيرا من البر بالنقض والكفارة، علم أنها تختص بالحنث دون اليمين نفسها، وأنها لا تجب بعقد اليمين دون الحنث (٤). (١) الجامع لأحكام القرآن ٢ / ٢٧٤ وما بعدها. (٢) حديث: ((من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها .. )) أخرجه مسلم (٣/ ١٢٧٢) من حديث أبي هريرة. (٣) حديث: ((إني والله - إن شاء الله - لا أحلف على يمين فاری . .» أخرجه البخاري (فتح الباري ١١ / ٦٠٨)، ومسلم (٣/ ١٢٧٠) من حديث أبي موسى الأشعري . (٤) بدائع الصنائع ١٩/٣، والمبسوط ١٤٧/٨، ١٤٨، والبحر الرائق ٤/ ٣١٦ وقالوا: لا يصح التكفير قبل الحنث في اليمين، سواء كان بالمال أو بالصوم لأن الكفارة لستر الجناية ولا جناية، واليمين ليست بسبب، لأنها مانعة من الحنث غير مفضية بخلاف التكفير بعد الجرح قبل الموت لأنه مفضي (١). ثانيا: القتل : ١٤ - لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الكفارة في القتل شبه العمد والخطأ وما أجري مجرى الخطأ . وإنما الخلاف بينهم في وجوبها في القتل العمد والقتل بسبب. الكفارة في القتل العمد: ١٥ - اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة في القتل العمد على قولين: القول الأول: عدم وجوب الكفارة في القتل العمد، وإليه ذهب الحنفية والمالكية، وهو مشهور مذهب الحنابلة وبه قال الثوري وأبو ثور وابن المنذر (٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطًَّا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُسَلَّمَةُ إِلَى (١) البحر الرائق ٣١٦/٤ (٢) تبيين الحقائق ٦ / ٩٩، ١٠٠ - المطبعة الأميرية الكبرى، والمبسوط ٢٥ / ٦٧، ومواهب الجليل شرح مختصر خليل ٦ / ٢٦٨، والمغني ٨ / ٩٦، والجامع لأحكام القرآن ٥/ ٣٣١ - ٥١ - كَفَّارة ١٥ أَهْلِهِ: إِلََّ أَنْ يَضَدَقُواْ﴾ (١)، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِنَا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمٌ﴾ (٢). وجه الدلالة من الآيتين: أن الله عز وجل أوجب في الآية الأولى كفارة القتل الخطأ ثم ذكر في الآية الثانية القتل العمد، ولم يوجب فيه كفارة، وجعل جزاءه جهنم، فلو كانت الكفارة فيه واجبة لبينها وذكرها، فكان عدم ذكرها دليلا على أنه لا كفارة فيه (٣) . کما استدلوا بما روي أن الحارث بن سوید رضي الله عنه قتل رجلا، فأوجب النبي ◌َّر عليه القود ولم يوجب كفارة (٤). وقالوا: إن القتل العمد فعل يوجب القتل فلا يوجب كفارة، كزنا المحصن (٥)، وإن الكفارة دائرة بين العبادة والعقوبة، فلابد من أن يكون سببها دائرا بين الحظر والإِباحة لتعلق العبادة بالمباح والعقوبة بالمحظور، وقتل العمد كبيرة محضة، فلا تناط به کسائر الكبائر، مثل الزنا والسرقة والربا، ولعدم جواز قیاسه على الخطأ، لأنه دونه في الإِئم، فشرعه لدفع الأدنى لا يدل على دفع الأعلى، (١) سورة النساء / ٩٢ (٢) سورة النساء / ٩٣ (٣) المغني ٨ / ٩٦ (٤) حديث: ((إن الحارث بن سويد بن الصامت قتل رجلا .. )) أورده ابن سعد في الطبقات (٣/ ٥٥٣) دون إسناد . (٥) المغني ٨ / ٩٦ ولأن في القتل العمد وعیدا محكما، ولا يمكن أن يقال يرتفع الإِثم فيه بالكفارة مع وجود التشديد في الوعيد بنص قاطع لا شبهة فيه، ومن ادعی غیر ذلك کان تحكما منه بلا دلیل، ولأن الكفارة من المقدرات فلا يجوز إثباتها بالقياس على ما عرف في موضعه، ولأن قوله تعالى: ﴿فَجَزَآؤُهُجَهَنمُ﴾هو کل موجبه، وهو مذكور في سياق الجزاء للشرط، فتكون الزيادة عليه نسخا، ولا يجوز نسخ القرآن بالرأي (١). القول الثاني: وجوب الكفارة في القتل العمد، وإليه ذهب الشافعية وهو رواية عن أحمد، وإليه ذهب الزهري (٢) . واستدلوا بما روى واثلة بن الأسقع رضي الله عنه قال: كنا مع النبي 18َّ في غزوة تبوك فأتاه نفر من بني سليم، فقالوا: يارسول الله إن صاحباً لنا قد أوجب فقال رسول الله الآن: ((اعتقوا عنه رقبة، يعتق الله بكل عضو منها عضوا منه من النار)) (٣)، فقد أوجب الرسول ﴿﴿ الكفارة فيما يستوجب النار، ولا تستوجب النار إلا في قتل العمد (٤)، فدل هذا على أن (١) تبيين الحقائق ٦/ ٩٩، ١٠٠، والجامع لأحكام القرآن ٣٣١/٥ (٢) روضة الطالبين للنووي ٩/ ٣٨٠، والمغني ٨ / ٩٦ (٣) حديث واثلة بن الأسقع: ((كنا مع النبي# فى غزوة تبوك ... )) أخرجه ابن حبان (الإحسان ١٠ / ١٤٥ - ١٤٦) والحاكم (٢ / ٢١٢) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . (٤) مغني المحتاج ٤ / ١٠٧ - ٥٢ - گَفَّارة ١٥ -١٧ القتل العمد يوجب الكفارة. كما استدلوا بأن الکفارة إذا وجبت في قتل الخطأ مع عدم المأثم، فلأن تجب في العمد وقد تغلظ بالإِثم أولى، لأنه أعظم إثما وأكبر جرما وحاجة القاتل إلى تكفير ذنبه أعظم (١). الكفارة في القتل بالتسبب: ١٦ - اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة في القتل بالتسبب على قولين: فذهب المالكية والشافعية والحنابلة (٢) إلى وجوب الكفارة في القتل بالتسبب. واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطَئًا فَتَحْرِرُ رَقَبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٣)،فقد أوجب الله تعالى الكفارة في القتل الخطأ دون تفرقة بين كون القتل قد وقع على سبيل المباشرة أو التسبب. ولأنه قتل آدميا ممنوعا من قتله حرمته، فوجب عليه الكفارة كما لو قتله بالمباشرة (٤) . ولأن السبب كالمباشرة في إيجاب الضمان، فكان كالمباشرة في إيجاب الكفارة (٥). (١) مغني المحتاج ٤ / ١٠٧. (٢) مواهب الجليل ٦/ ٢٤٢، وحاشية الرهوني على شرح الزرقاني ٨/ ١٧، وروضة الطالبين ٩ / ٣٨٠، والمغني ٨/ ٩٣. (٣) سورة النساء / ٩٢ . (٤) مغني المحتاج ٤ / ١٠٨. (٥) مغني المحتاج ٤ / ١٠٨. ولأن فعل القاتل سبب لإِتلاف الآدمي يتعلق به ضمانه، فتعلقت به الكفارة، كما لو كان راكبا فأوطأ دابته إنسانا (١). وذهب الحنفية إلى عدم وجوب الكفارة في القتل بالتسبب، واستدلوا بأن الكفارة إنما تجب بتحقق القتل، وهذا إنما يكون في القتل بالمباشرة، أما القتل بالتسبب، فإنه غير داخل في عقده، فلم يستند الفعل إليه (٢) . الكفارة في الجناية على الجنين: ١٧ - لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الكفارة فيما إذا ضرب بطن امرأة أو ضربت امرأة بطن نفسها، أو شربت دواء لتسقط ولدها عمدا، فألقت جنينا حيا ثم مات. وإنما الخلاف بينهم في وجوب الكفارة فيما إذا ألقت المرأة جنينا ميتا، بعدوان : فذهب المالكية والشافعية والحنابلة، وهو قول عمر والحسن وعطاء والزهري والنخعي والحكم وحماد وإسحاق إلى وجوب الكفارة (٣)، واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنَا خَطَفًا فَتَحْرِيُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ﴾ (٤)، (١) المغني لابن قدامة ٨/ ٩٣. (٢) تبيين الحقائق ٦ / ١٤٢، ١٤٤. (٣) الجامع لأحكام القرآن ٥/ ٣٢٣، وبداية المجتهد ونهاية المقتصد لابن رشد ٢ / ٣٨١، ومغني المحتاج ٤ / ١٠٨، والمغني ٨ / ٩٦، وكشاف القناع ٦ / ٦٥. (٤) سورة النساء / ٩٢. - ٥٣ - گفّارة ١٧، ١٨ وذلك أن الله عز وجل أوجب الكفارة في کل قتل خطأ دون تفرقة بین جنین وغيره، والجنین. مقتول، فوجب أن يدخل في هذا العموم، لأننا حکمنا له بالإِيمان تبعا لأبویه، فیکون داخلا في عموم هذا النص ولا يخرجه إلا دليل آخر ولم يوجد بعد (١)، ولأنه آدمي معصوم وبذلك قضى عمر رضي الله عنه (٢). وذهب الحنفية إلى عدم وجوب الكفارة في الجنين، واستدلوا بما ورد أن النبي ونَ ﴾ ((قضى بالغرة في الجنين)) (٣)، فقد قضى * بالغرة ولم يذكر الكفارة، ولو وجبت الكفارة لذكرها، لأن هذا بيان لحكم الشرع ولا يجوز تأخير البيان عن وقت الحاجة. وقالوا: إن الكفارة فيها معنى العقوبة، لأنها شرعت زاجرة، وفيها معنى العبادة، لأنها تتأدی بالصوم، وقد عرف وجوها في النفوس المطلقة۔۔ والجنین نفس من وجه دون وجه ۔ فلا يتعداها، لأن العقوبة لا يجري فيها القياس. وإن الجنين جزء أو عضو من وجه، فلا (١) كشاف القناع ٦ / ٦٦. (٢) مغني المحتاج ٤/ ١٠٨. (٣) حديث: ((أن النبي# قضى بالغرة في الجنين)) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢ / ٢٤٧)، ومسلم (٣/ ١٣٠٩) من حديث أبي هريرة . يدخل تحت مطلق النص ولهذا لم يجب فيه كل البدل، فكذا لا تجب فيه الكفارة، لأن الأعضاء لا كفارة فيها، لأنه ارتكب محظورا، فإذا تقرب بها إلى الله تعالى كان أفضل له، ويستغفر الله تعالى مما صنع من الجريمة العظيمة . وكذلك فإن القتل غير متحقق لجواز أن الحياة لم تخلق فیه، حیث لم تعرف حیاته ولا سلامته، والكفارة إنما تجب بتحقق القتل (١). تعدد الكفارة بتعدد القاتل : ١٨ - اختلف الفقهاء في تعدد الكفارة بتعدد القاتلين واتحاد المقتول على قولين : فذهب الحنفية والمالكية والشافعية في الأصح عندهم والحنابلة إلى أنه تجب الكفارة على كل من اشترك في قتل يوجب الكفارة، وبه قال الحسن وعكرمة والنخعي والحارث العكلي والثوري (٢) . واستدلوا بأنها كفارة وجبت لا على سبيل البدل عن النفس، فوجب أن یکون علی کل واحد من الجماعة إذا اشتركوا في سببها، لأن ما كان يجب على الواحد إذا انفرد يجب على (١) تبيين الحقائق للزيلعي ٦/ ١٢٨، ١٤١، ١٤٣، وبدائع الصنائع ٧/ ٣٢٦. (٢) بدائع الصنائع ٧/ ٢٥٢، والبناية شرح الهداية للعيني ١٠ / ٤٩، والجامع لأحكام القرآن ٥/ ٣٣١، ومغني المحتاج ٤ / ١٠٨، والمغني ٨ / ٩٥ . - ٥٤ - گفَّارة ١٨، ٢١ كل واحد من الجماعة إذا اشتركوا، ككفارة الطيب للمحرم. وبأنها لا تتبعض، وهي من موجب قتل الآدمي، فكملت في حق كل واحد من المشترکین کالقصاص (١). وذهب أبو ثور وعثمان التي إلی أنه يجب علی الجمیع كفارة واحدة، وهو حكاية عن الأوزاعي، وحكاه أبو الخطاب عن أحمد (٢). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَمَنْ قَثَلَ مُؤْمِنًا خَطَهًا فَتَحْرِيرُ رَقَّبَةٍ مُؤْمِنَةٍ﴾ (٣). وذلك أن لفظة (من) تتناول كل قاتل، الواحد والجماعة ولم توجب الآية إلا كفارة واحدة ودية، والدية لا تتعدد فكذلك لا تتعدد الكفارة . ولأنها كفارة قتل فلم تتعدد بتعدد القاتلين مع اتحاد المقتول، ككفارة الصيد الحرمي (٤) . تعدد الكفارة بتعدد القتلى والقاتل واحد : ١٩ - ذهب الشافعية في الصحيح عندهم والحنابلة إلى أن الكفارة تتعدد بتعدد المقتولين، قال الشافعية: لو اصطدمت حاملان وأسقطتا جنینیهما وماتتا فعلى كل منهما (١) مغني المحتاج ٤ / ١٠٨، والمغني ٨ / ٩٦ . (٢) المغني ٨ / ٩٥، ومغني المحتاج ٤ / ١٠٨. (٣) سورة النساء / ٩٢ . (٤) المغني ٨ / ٩٥، ٩٦. في تركتها أربع كفارات على الصحيح بناء على أن الكفارة تجب على قاتل نفسه، وأنها لا تتجزأ، فتجب على كل واحدة منهما كفارة لنفسها وثانية لجنينها وثالثة لصاحبتها ورابعة لجنينها لأنهما اشتركتا في إهلاك أربعة أنفس، ومقابل الصحيح: تجب كفارتان (١). ثالثا: الإفطار فى نهار رمضان: ٢٠ - لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الكفارة على من جامع في الفرج في نهار رمضان عامدا بغير عذر، أنزل أم لم ينزل (٢). کما لا خلاف بينهم في عدم وجوبها على من جامع في الفرج في نهار رمضان لعذر کمرض ونحوه . وإنما الخلاف بينهم في وجوبها على من جامع فیما دون الفرج إذا اقترن به إنزال. کما اختلفوا في وجوہا علی من جامع ناسیا أو مکرها أو مخطئا أو جاهلا، وفي وجوها بتعمد الإفطار بغير الجماع كالأكل والشرب ونحوهما لغير عذر. وسنعرض هذا الخلاف في الفروع الآتية : الكفارة بالوطء في الدبر: ٢١ - اختلف الفقهاء في وجوب الكفارة بالوطء في الدبر: (١) مغنى المحتاج ٤ / ٩١، وحاشية الباجوري على ابن قاسم ٢ / ١٤٣، ٦٦، والمغني لابن قدامة ٧ / ٣٥٨ . (٢) المغني ٣ / ١٢٠ - ١٢١. -٥٥ - ٠ گفّارة ٢١ -٢٣ فذهب مالك والشافعي وأحمد، ورواه أبو یوسف ومحمد عن أبي حنيفة إلى أنه لا فرق في وجوب الكفارة بين كون الفرج قبلا أو دبرا، من ذكر أو أنثى (١). واستدلوا بأنه أفسد صوم رمضان بجماع في الفرج فأوجب الكفارة كالوطء (٢). وبأن الجميع وطء، ولأن الجميع في إيجاب الحد واحد، فكذلك إفساد الصوم وإيجاب الكفارة (٣)، وبأنه محل مشتھی، فتجب فيه الكفارة كالوطء في القبل (٤) . وروى الحسن عن أبي حنيفة أن الوطء في الدبر لا يوجب كفارة، لقصور الجناية لأن المحل مستقذر، ومن له طبيعة سليمة لا يميل إليه، فلا يستدعي زاجرا، للامتناع بدونه، فصار كالحد في عدم الوجوب (٥). الكفارة بوطء البهيمة : ٢٢ - وجوب الكفارة بالوطء في فرج البهيمة فيه قولان : الأول: لا تجب فيه الكفارة، وهو قول الحنفية وبعض الشافعية والحنابلة وذكره أبو الخطاب، وحكاه الدارمي عن أبي علي بن (١) المجموع ٦/ ٣٤١، والمغني ٣/ ١٢٢، وتبين الحقائق ١/ ٣٢٧. (٢) المغني ٣/ ١٢٢. (٣) المجموع ٦ / ٣٤١. (٤) تبيين الحقائق ١/ ٣٢٧. (٥) المرجع نفسه . خيران وأبي إسحاق المروزي (١). واستدلوا: بأنه لا نص فيه، ولا هو في معنى المنصوص عليه، فإنه مخالف لوطء الآدمية في إيجاب الحد وفي كثير من أحكامه (٢). وسواء في هذا كله أنزل أم لا (٣). الثاني: تجب فيه الكفارة، ذكره القاضي وهو الأصح عند الشافعية، وبه قال المالكية، لأنه وطء في فرج موجب للغسل، مفسد للصوم، فأشبه وطء الآدمية (٤) . وجوب الكفارة على من باشر فيما دون الفرج: ٢٣ - لا خلاف بين الفقهاء في أن المباشرة فيما دون الفرج إذا لم يقترن بها الإِنزال لا توجب الكفارة . وإنما الخلاف بينهم فيما إذا اقترن بها الإِنزال على قولين: القول الأول: عدم وجوب الكفارة بالإِنزال بالمباشرة فيما دون الفرج. وإليه ذهب الحنفية (٥)، والشافعية (٦)، (١) تبيين الحقائق ١/ ٣٢٧، والمجموع ٦/ ٣٤١، والمغني ٢ / ٠١٢٣ (٢) المغني ٣/ ١٢٣. (٣) المجموع ٦/ ٣٤١. (٤) المجموع ٦ / ٣٤١، وحاشية الدسوقي ١ / ٥٢٢. (٥) تبيين الحقائق ١/ ٣٢٩. (٦) المجموع ٦ / ١٩.٣٤١ ٠ -٥٦ - گفّارة ٢٣، ٢٤ وأحمد في رواية (١). واستدل الحنفية والشافعية بأنه أفطر بغير جماع تام فأشبه القبلة، ولأن الأصل عدم وجوب الكفارة، ولا نص في وجوبہا، ولا إجماع ولا قياس، ولا يصح القياس على الجماع في الفرج، لأنه أبلغ بدليل أنه یوجبها من غیر إنزال، ويجب به الحد إذا كان محرما، ويتعلق به اثنا عشر حكما، ولأن العلة في الأصل الجماع بدون الإِنزال، والجماع ههنا غير موجب فلم يصح اعتباره به (٢). قال النووي : إذا أفسد صومه بغير الجماع كالأكل والشرب، والاستمناء والمباشرات المفضیات إلى الإنزال، فلا کفارة، لأن النص ورد في الجماع، وهذه الأشياء ليست في معناه (٣). وقال الزيلعي : ولا كفارة بالإنزال فيما دون الفرج، لانعدام الجماع صورة، وعليه القضاء لوجوده معنى، والمراد بما دون الفرج غير القبل والدبر كالفخذ والإِبط والبطن، وهو في معنى اللمس والمباشرة والقبلة (٤). وقال: ولو أنزل بقبلة فعليه القضاء لوجود معنى الجماع وهو الإِنزال بالمباشرة، دون (١) المغني ٣ / ١٢١. (٢) المغني ٣ / ١٢١. (٣) المجموع ٦ / ٣٤١. (٤) تبيين الحقائق ١ / ٣٢٩. الكفارة لقصور الجناية، فانعدم صورة الجماع، وهذا لأن القضاء يكفي لوجوبه وجود المنافي صورة أو معنى، ولا يكفي ذلك لوجوب الكفارة، فلابد من وجود المنافي صورة ومعنى، لأنها تندرىء بالشبهات، بخلاف سائر الكفارات حيث تجب مع الشبهة (١). القول الثاني: وجوب الكفارة بالإِنزال بالمباشرة فيما دون الفرج، وهو مذهب المالكية، قالوا : ولو تعمد إنزال مني بتقبيل أو مباشرة أو بإدامة فکر أو نظر وکان عادته الإنزال (٢). وهو قول عطاء والحسن وابن المبارك وإسحاق، ورواية عن أحمد (٣)، وأبي خلف الطبري من تلامذة القفال المروزي (٤). واستدلوا بأنه فطر بجماع فأوجب الكفارة كالجماع في الفرج (٥). وجوب الكفارة على من جامع ناسيا وما أشبهه : ٢٤ - لا خلاف بين الفقهاء في وجوب الكفارة على من جامع في القبل متعمدا لغير عذر، (١) تبيين الحقائق ١/ ٣٢٤. (٢) حاشية الدسوقي ١ / ٥٢٨، ٥٢٩) . (٣) المغني ٣ / ١٢١. (٤) المجموع ٦ / ٣٤١. (٥) المغني ٣/ ١٢١ . - ٥٧ - گفَّارة ٢٤ وإنما الخلاف بينهم في وجوبها على من جامع ناسيا أو مخطئا أو جاهلا على قولين: القول الأول: لا كفارة على من جامع ناسیا أو مخطئا أو جاهلا. وإليه ذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، والشافعية (٣)، وبه قال: إسحاق والليث والأوزاعي (٤)، وهو قول ابن المنذر والحسن ومجاهد والثوري (٥). واستدلوا بقوله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ﴾ (٦). وقوله مَاه: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)) (٧). ففي الآية والحديث نص على رفع الخطأ والنسيان والإِكراه، والمراد رفع الحكم، لأن كل واحد من الثلاثة موجود حسا، والحكم نوعان: دنيوي وهو الفساد، وأخروي وهو الإثم، ومسمی الحکم یشملهما، فيتناول الرفع الحكمين، فلا كفارة عليه، لأن الكفارة (١) المبسوط ٣ / ٧١ . (٢) مواهب الجليل للخطاب ٢/ ٤٣١، ٤٣٧، الجامع لأحكام القرآن ٢ / ٣٢١. (٢) روضة الطالبين ٢ / ٣٧٤، والمجموع ٦/ ٣٢٤. (٤) الجامع لأحكام القرآن ٢ / ٣٢١، ٣٢٢. (٥) المغني ٣ / ١٢١، ١٢٢، والجامع لأحكام القرآن ٢/ ٣٢٢. (٦) سورة الأحزاب / ٥. (٧) حديث: ((إن الله وضع عن أمتي الخطأ والنسيان ... )) أخرجه ابن ماجه (١ / ٦٥٩) والحاكم (٢ / ١٩٨) من حديث ابن عباس، واللفظ لابن ماجه، وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . لرفع الإِثم وهو مخطوط عن الناس (١). وبما ورد عن أبي هريرة رضي الله عنه أن النبي ◌َ ﴾ قال: ((من أفطر في شهر رمضان ناسيا فلا قضاء عليه ولا كفارة)) (٢). والدلالة من هذا الحديث ظاهرة في عدم وجوب الكفارة على من أفطر في رمضان ناسيا، سواء كان الفطر بالجماع أو غيره (٣) . وبأن كفارة الفطر في نهار رمضان تختلف عن سائر الكفارات حيث تجب هذه الكفارات مع الشبهة، أما كفارة الفطر في نهار رمضان فتسقط مع الشبهة . والفرق: أن الكفارة إنما تجب لأجل جبر الفائت، وفي الصوم حصل الجبر بالقضاء، فكانت الكفارة زاجرة فقط، فشابهت الحدود فتندریء بالشبهات (٤) . وبقياس الجماع على الأكل والشرب، فكما أن من أكل أو شرب ناسيا لا تجب عليه الكفارة، کذلك من جامع ناسيا أو مخطئا أو جاهلا لا تجب عليه الكفارة (٥). القول الثاني: وجوب الكفارة على من (١) تبيين الحقائق ١/ ٣٢٢. (٢) حديث: ((من أفطر في شهر رمضان ناسياً .. )) أخرجه الدارقطني (١٧٨/٢)، وقال النووي في المجموع (٦ / ٣٢٤): بإسناد صحيح أو حسن . (٣) المجموع ٦ / ٣٢٤. (٤) تبين الحقائق ١ / ٣٢٤. (٥) المجموع ٦/ ٣٢٣. - ٥٨ - گفّارة ٢٤ - ٢٥ جامع ناسیا أو مخطئا أو جاهلا. وإليه ذهب الحنابلة (١)، وهو رواية عن عطاء (٢)، وهو قول ابن الماجشون وابن عبد الملك (٣). واستدل الحنابلة ومن معهم بحديث أبي هريرة رضي الله عنه قال: بینا نحن جلوس عند النبي ﴾ إذا جاءه رجل فقال: يارسول الله هلكت. قال: ((مالك))؟ قال: وقعت على امرأتي وأنا صائم. فقال رسول الله رَلا ت: ((هل تجد رقبة تعتقها؟)) قال: لا. قال: ((فهل تستطيع أن تصوم شهرين متتابعين؟)) قال: لا. قال: ((فهل تجد إطعام ستين مسکینا؟)) قال: لا. قال: فمكث النبي وَ﴾ - فبينا نحن على ذلك، أُيَ النبيُّ اَلخير بَعَرَق فيها تمر- والعرق المكتل - قال: ((أين السائل؟)) فقال: أنا. قال: ((خذ هذا فتصدق به)) فقال الرجل: على أفقر مني يارسول الله؟ فوالله مابين لابتيها - يريد الحرتين - أهل بيت أفقر من أهل بيتي، فضحك النبي (پے حتى بدت أنيابه، ثم قال: ((أطعمه أهلك)) (٤). فهذا الحديث نص في وجوب الكفارة على (١) كشاف القناع ٢ / ٣٢٤، والمغني ٣/ ١٢١. (٢) الجامع لأحكام القرآن ٢ / ٣٢٢، والمغني ٣/ ١٢٢. (٣) الجامع لأحكام القرآن ٢/ ٣٢٢. (٤) حديث أبي هريرة: ((بينا نحن جلوس عند النبي (98 ... )) أخرجه البخاري (فتح الباري ٤ / ١٦٣)، ومسلم (٢ / ٧٨١ - ٧٨٢) والسياق للبخاري . من جامع في نهار رمضان مطلقا، سواء أكان عامدا أم ساهيا أم جاهلا أم مخطئا مختارا كان أو مكرها، لأن النبي وَ له لم يستفصل الأعرابي ولو اختلف الحكم بذلك لاستفصله، لأن تأخير البيان عن وقت الحاجة لايجوز، والسؤال معاد في الجواب، كأنه قال: إذا واقعت في صوم رمضان فكفر (١). وبأن الصوم عبادة يحرم الوطء فيه، فاستوی عمده وغيره کالحج (٢). وبأن إفساد الصوم ووجوب الكفارة حكمان يتعلقان بالجماع، لا تسقطهما الشبهة، فاستوی فیھما العمد والسھو کسائر أحكامه (٣) . وجوب الكفارة بتعمد الإفطار بالأكل والشرب ونحوهما: ٢٥ - لا خلاف بين الفقهاء في عدم وجوب الكفارة علی من أكل أو شرب في نهار رمضان ناسیا أو جاهلا أو مخطئا. وإنما الخلاف بينهم في وجوبها بتعمد الأكل أو الشرب ونحوهما على قولين. القول الأول: وجوب الكفارة بتعمد الأكل والشرب ونحوهما في نهار رمضان. (١) كشاف القناع ٢ / ٣٢٤، والمغني ٣/ ١٢٠، ١٢١. (٢) كشاف القناع ٢ / ٣٢٤. (٣) المغني ٣ / ١٢٢. - ٥٩ - گَفَّارة ٢٥ وإليه ذهب الحنفية (١)، والمالكية (٢)، وبه قال عطاء والحسن والزهري والثوري والأوزاعي وإسحاق وأبو ثور (٣). واستدلوا بما روي عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رجلا أفطر في رمضان فأمره عليه الصلاة والسلام أن يعتق رقبة (٤). وبما روي من قول الرسول وَل: ((من أفطر في رمضان متعمدا فعليه ما على المظاهر)) (٥). ووجه الدلالة من هذین الحدیثین أن النبي * أمر في الحديث الأول من أفطر في نهار رمضان أن یعتق رقبة دون أن یفرق بین إفطار وإفطار، وجعل جزاء الفطر متعمدا في الحديث الثاني جزاء المظاهر مطلقا، والمظاهر تجب عليه الكفارة، فتجب على كل من أفطر بأکل أو بغيره. وقالوا: إن الكفارة تتعلق بالإِفساد لهتك حرمة الشھر علی سبیل الکمال لا بالجماع، لأن المحرم هو الإِفساد دون الجماع، ولهذا تجب عليه بوطء منکوحته ومملوکته إذا كان (١) تبيين الحقائق ١/ ٣٢٧. (٢) حاشية الدسوقي على الشرح الكبير للدردير ١ / ٥٢٧، ٥٢٨. (٣) المغني ٣/ ١١٥، والمجموع ٦/ ٣٣٠. (٤) حديث أبي هريرة: ((أن رجلاً أفطر في رمضان .. )) أخرجه الدارقطني (٢ / ١٩١) ورجح إرساله . (٥) حديث: ((من أفطر في رمضان متعمداً .. )) قال عنه الزيلعي في نصب الراية (٢ / ٤٤٩): حديث غريب بهذا اللفظ، لم أجده . بالنهار لوجود الإفساد، لا بالليل لعدمه، بخلاف الحد، ألا ترى أنه عليه الصلاة والسلام جعل علة لها بقوله: ((من أفطر في رمضان .. )) الحديث، فبطل القول بتعلقها بالجماع. ولا نسلم أن شهوة الفرج أشد هيجانا ولا الصبر عن اقتضائه أشد على المرء، بل شهوة البطن أشد، وهو يفضي إلى الهلاك، ولهذا رخص فيه في المحرمات عند الضرورة لئلا يهلك، بخلاف الفرج، ولأن الصوم يضعف شهوة الفرج، ولهذا أمر عليه الصلاة والسلام العزب بالصوم والأكل يقوى شهوة البطن، فكان أدعى إلى الزاجر (١). القول الثاني: عدم وجوب الكفارة بتعمد الأكل والشرب ونحوهما في نهار رمضان . وإليه ذهب الشافعية (٢)، والحنابلة (٣)، وبه قال سعيد بن جبير والنخعي وابن سیرین وحماد وداود (٤) . واستدلوا بأن الأصل عدم الكفارة إلا فيما ورد به الشرع، وقد ورد الشرع بإيجاب الكفارة في الجماع، وما سواه ليس في معناه، لأن الجماع أغلظ، ولهذا يجب به الحد في (١) تبيين الحقائق ١ / ٣٢٨. (٢) المجموع ٦/ ٣٢٨، ٣٢٩. (٣) المغني ٣ / ١١٥ . (٤) المجموع ٦ / ٣٢٩. - ٦٠ -