Indexed OCR Text
Pages 261-280
كَعْبة ١ - ٤ کَعْبة التعريف : ١ - الكعبة في اللغة البيت المربع وجمعه کعاب . قال ابن منظور: والكعبة البيت الحرام(١) سميت بذلك لتربيعها، والتكعيب: التربيع، وأكثر بيوت العرب مدورة لامربعة، وقيل: سميت كعبة لنتوئها وبروزها، وكل بارز کعب، مستديراً أو غير مستدير، ومنه كعب القدم. قال تعالى ﴿ جَعَلَ اَللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْنَ الْحَرَامَ قِيَهَا لِلنَّاسَ﴾ (٢) الآية. وفي الاصطلاح تطلق على البيت الحرام، قال النووي في تهذيب الأسماء واللغات: والكعبة المعظمة البيت الحرام (٣). الألفاظ ذات الصلة : ٢ - القبلة - بكسر القاف - فى اللغة: الجهة أ - القبلة : · (١) لسان العرب. (٢) سورة المائدة / ٩٧ (٣) تهذيب الأسماء واللغات ٢/ ١١٦ وكل مايستقبل من الشيء (١) . وفي الاصطلاح: جهة يُصلّى نحوها مما يحاذي الكعبة أو جهتها، وغلب هذا الاسم على هذه الجهة حتى صار كالعلم لها وصارت معرفة عند الإطلاق، وإنما سميت بذلك لأن الناس يقابلونها في صلاتهم والقبلة أعم من الكعبة (٢). ب - المسجد الحرام: ٣ - يطلق المسجد الحرام ويراد به الكعبة، وقد يطلق ويراد به الكعبة وماحولها، وقد يراد به مكة كلها، وقد يراد به مكة كلها مع الحرم حوها بكماله. وقد جاءت النصوص الشرعية بهذه الأقسام الأربعة . انظر مصطلح (المسجد الحرام). فعلى الإطلاق الأول وأنه يراد به الكعبة، يكون مساويا لها، وعلى غيره تكون الكعبة أخص. ما يتعلق بالكعبة من أحكام: استقبال الكعبة في الصلاة: ٤ - لاخلاف في أن من شروط صحة الصلاة استقبال الكعبة لقوله تعالى: ﴿فَوَلِّ وَجْهَكَ شَطْرَ الْمَسْجِدِ الْحَرَاءِ وَحَيْثُ مَاكُنتُمْ فَوَلُواْ (١) تاج العروس، والقاموس. (٢) حاشية مراقي الفلاح ١٧٠/١ - ٢٦١ - گعْبة ٤ - ٦ وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ﴾(١) وقال الفقهاء إن من يعاين الكعبة فعليه إصابة عينها، أي مقابلة ذات بناء الكعبة يقينا ولا یکفي الاجتهاد ولا استقبال جهتها، وأما غير المعاين ففيه خلاف بين الفقهاء. والتفصيل في (استقبال ف ١٢،٩). حكم الصلاة في جوف الكعبة : ٥ - قال الشافعية والحنفية: الصلاة في جوف الكعبة جائزة فرضاً كانت أو نفلاً. واستدلوا بحديث ابن عمر: «أنه أتی فقيل له: هذا رسول ◌َ دخل الكعبة، فقال ابن عمر: فأقبلت والنبي ﴾ قد خرج وأجد بلالا قائما بين البابين فسألت بلالا فقلت: أصلَّى النبي ◌َ له في الكعبة؟ قال: نعم، ركعتين بین الساریتین اللتین علی یساره إذا دخلت، ثم خرج فصلى في وجه الكعبة ركعتين)) (٢). ونص الشافعية على أن الصلاة في جوف الكعبة صحيحة إذا استقبل المصلي جدارها أو بابها مردودا أو مفتوحا مع ارتفاع عتبته ثلثي ذراع لأنه يكون متوجها إلى الكعبة أو جزء منها أو إلى ماهو كالجزء منها (٣). وقال المالكية والحنابلة: الصلاة في جوف (١) سورة البقرة / ١٤٤ (٢) حديث ابن عمر: ((أنه أتى فقيل له: هذا رسول الله ﴾ټ دخل الكعبة ... » أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٠٠) (٣) رد المحتار ٤٣٢/١، ومغني المحتاج ١٤٤/١ الكعبة جائزة نفلاً لافرضاً (١). واستدلوا بحديث ابن عباس قال: ((لما دخل النبي ولي البيت دعا في نواحيه كلها ولم يصل حتى خرج منه فلما خرج وكع ركعتين في قبل الكعبة وقال: هذه القبلة)) (٢)، فحملوا حديث ابن عباس هذا على الفرض، وحملوا حديث ابن عمر المتقدم على النفل جمعاً بين الأدلة. وقال ابن جرير وجماعة من الظاهرية وأصبغ بن الفرج من المالكية - وحكى عن ابن عباس - لاتجوز الصلاة في جوف الكعبة لافرضاً ولا نفلاً.(٣) والتفصيل فى مصطلح (استقبال ف ١٢ ومابعدها) الصلاة على ظهر الكعبة : ٦ - ذهب المالكية والحنابلة إلى أنه لاتصح الفريضة على ظهر الكعبة (٤)، واستدلوا بأنه لم يستقبل شيئا من الكعبة، والهواء ليس هو الكعبة والمطلوب استقبالها . وذهب الحنفية والشافعية وهو رواية عن الحنابلة إلى أنه تصح الفريضة على ظهر (١) شرح منح الجليل ١٤٤/١، والروض المربع ٤٧/١ . (٢) حديث ابن عباس ((لما دخل النبي ◌َ ﴿ البيت دعا في نواحيه كلها .... أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ٥٠١) (٣) المجموع للنووي ١٩٢/٣، نيل الأوطار ١٤١/٢ (٤) حاشية الدسوقي ٢٢٩/١، والروض المربع ٤٧/١ - ٢٦٢ - گعبة ٦ - ٧ الكعبة، واشترط الشافعية والحنابلة في الرواية الثانية أن يقف آخر السطح أو العرصة ويستقبل الباقي، أو يقف وسطهما ويكون أمامه شاخص من أجزاء الكعبة بقدر ثلثي ذراع لأنه إذا كان السطح أمامه کله أو كان أمامه شاخص فهو مستقبل القبلة وإلا لم تصح بدون ماتقدم (١) . واستدل الحنفية بأنه مستقبل لهوائها والكعبة عندهم هواء لابناء، إلا أنهم نصوا على كراهة الصلاة لما فيه من إساءة الأدب بالاستعلاء عليها وترك تعظيمها . أما النافلة قتصح فوقها عند الحنابلة والشافعية إذا كان أمامه شاخص. وعن المالكية في النافلة المؤكدة المنع ابتداء والجواز بعد الوقوع، وكذا الحنفية يجيزون النافلة عليها من باب أولى، لأنهم يجيزون الفرض عليها (٢). أما الصلاة في الأسطح المجاورة لها والمرتفعات كجبل أبي قبيس وغيره من المواضع العالية فتصح وهذا موضع اتفاق عند الجميع الصلاة تحت الكعبة : ٧ - مقتضى مذهب الحنفية الجواز، قال (١) فتح القدير ٢ / ١١٠، والمجموع ١٩٨/٣ (٢) فتح القدير ١١٠/٢، والشرح الصغير ٤١٢/١، والمجموع ١٩٨/٣، والروض المربع ٤٧/١ الحصكفي: والمعتبر في القبلة العرصة لا البناء فهي من الأرض السابعة إلى العرش (١). أما الصلاة تحت الكعبة فلا تصح عند المالكية مطلقاً فرضاً كانت أو نفلاً لأن ماتحت المسجد لايعطى حكمه بحال، ألا ترى أنه يجوز للجنب الدخول تحته ولا يجوز له الطيران فوقه (٢). وتجوز الصلاة في مكان أسفل من الكعبة عند الحنابلة وعللوا بأن الواجب استقبال الكعبة وما یسامتها من فوقها أو تحتها بدلیل مالو زالت الكعبة - والعياذ بالله - أنه يستقبل مجلها وهذا موضع وفاق لاخلاف فیه (٣) . ١٩٫٠٠ (١) حاشية ابن عابدين ٢٩٠/١ (٢) حاشية الدسوقي ٢٢٩/١ (٣) المغني ١ / ٤٤٠ - ٢٦٣ - گُفْء ١ - ٣ كُفْء التعريف : ١ - الكفء في اللغة: النظير والمساوي، وهذا كِفاء هذا وکفیئه وكفؤه، أى مثله، وفلان کفء فلانة إذا کان يصلح لها بعلا، والجمع أكفاء، وفي الحديث: ((المؤمنون تكافأ دماؤهم، وهم يد على من سواهم ويسعى بذمتهم أدناهم)) (١). وكل شيء ساوی شیئا فهو مکافیء له (٢). ولا يخرج استعمال الفقهاء للفظ الكفء عن المعنى اللغوي (٣). حكم تزويج المرأة بالكفء: ٢ - تزويج المرأة بالزوج الكفء أمر واجب على الأولياء الذين لهم حق الإِجبار وذلك عند جمهور الفقهاء - الشافعية والحنابلة (١) حديث: ((المؤمنون تكافأ دماؤهم ... )) أخرجه أبو داود (٤ /٦٦٧ - ٦٦٩) من حديث علي بن أبي طالب . (٢) لسان العرب، ومختار الصحاح، والمغرب. (٣) فتح القدير ١٨٥/٣، والعناية بهامش الفتح ١٨٦/٣، والتعريفات للجرجاني . وأبي يوسف ومحمد من الحنفية - لقول النبي ◌َله: ((ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء، ولايزوجن إلا من الأكفاء)) (١). قال الكمال بن الهمام: لا يخفى أن الظاهر من قول النبي ◌َّة: ((لايزوجن إلا من الأكفاء)) أن الخطاب للأولياء نهيا لهم أن يزوجوهن إلا من الأكفاء. ثم قال الكمال: ومقتضى الأدلة التي ذكرناها الوجوب، أعنى وجوب نكاح الأكفاء، ثم هذا الوجوب يتعلق بالأولياء حقا لها، ويتعلق بها حقا للأولياء. لكن إنما تتحقق المعصية في حق الأولياء إذا کانت صغیرة، لأنها إذا کانت کبیرة لاينفذ علیھا تزويجهم إلا برضاها فتكون حينئذ تاركة لحقها (٢). والتفصيل في (كفاءة). حکم التزويج من غیر کفء: ٣ - لا يجوز للولي غير المجبر تزويج موليته بغير كفء دون رضاها باتفاق الفقهاء . فأما إذا زوجها بغير كفء برضاها جاز (١) حديث: ((ألا لا يزوج النساء إلا الأولياء ... )) أخرجه البيهقي (١٣٣/٧) من حديث جابر بن عبد الله وأشار إلى ضعفه. (٢) فتح القدير ١٨٥/٣-١٨٦، والبدائع ٣١٧/٢، وابن عابدين ٣٠٤/٢، والاختيار ٩٧/٣، والمهذب ٣٩/٢، ومغني المحتاج ١٤٩/٣٠، والمغني ٤٨٠/٦، ٤٨٧-٤٨٩، وكشاف القناع ٥ / ٦٧،٤٤ -٦٨ - ٢٦٤ - ◌ُفْء ٣-٥ ٠ ٠ النكاح لأن الكفاءة حق المرأة والأولياء، فإذا اتفقت معهم على تركها جاز(١). واستدل الفقهاء على ذلك بأن النبي وَل زوج بناته، ولا أُحد یکافئه. وقد أمر النبي آپڼ فاطمة بنت قيس وهي قرشية بنكاح أسامة بن زيد وهو مولى للنبي لي﴾ (٢) . والتفصيل في (كفاءة). التزويج من غير كفء برضا بعض الأولياء: ٤ - لو كان للمرأة أكثر من ولي ورضي أحدهم أو بعضهم بتزويجها من غير كفء برضاها دون رضا الباقين. فذهب جمهور الفقهاء إلى أن النكاح يصح ويكون لمن لم يرض من الأولياء حق الاعتراض. وقال بعضهم: إن النكاح باطل، لأن الكفاءة حق للجميع (٣). على تفصيل يذكر في مصطلح (كفاءة). (١) مغني المحتاج ١٦٤/٣، والمهذب ٣٩/٢، والمغني ٤٨٠/٦-٤٨١، وكشاف القناع ٦٨،٦٧/٥، وأسهل المدارك ٧٦/٢-٧٧، وجواهر الإكليل ٢٨٨/١، والبدائع ٣١٧/٢-٣١٩، وحاشية ابن عابدين ٣٠٥/٢ (٢) حديث: ((أمر النبي مث فاطمة بنت قيس بنكاح أسامة بن زيد٠ ٠٠ ) أخرجه مسلم (١١١٤/٢) من حديث فاطمة بنت قيس. (٣) البدائع ٣١٨/٢، والفواكه الدواني ٢٩/٢، ومغني المحتاج ١٦٤/٣، وكشاف القناع ٦٧/٥ امتناع الولي من تزويج الكفء: ٥ - لو طلبت المرأة من الولي أن يزوجها من كفء يفترض عليه تزويجها منه فامتنع يصير عاضلا، وينوب القاضي منابه في التزويج، وهذا لاخلاف فيه بين الفقهاء (١)، قال أختا لي من رجل معقل بن يسار: ((زوجت فطلقها، حتى إذا انقضت عدتها جاء يخطبها، فقلت له: زوجتك وأفرشتك وأكرمتك فطلقتها ثم جئت تخطبها؛ لا والله لاتعود إلیك أبدا، وکان رجلا لابأس به، وكانت المرأة تريد أن ترجع إليه، فأنزل الله تعالى هذه الآية: ﴿ فَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ﴾ (٢) فقلت: الآن أفعل يارسول الله، قال: فزوجها إياه (٣) . ولو رغبت المرأة في كفء بعينه وأراد الولي تزويجها من كفء غيره، فقد قال المالكية : كفؤها أولى أي مقدم إن لم تكن مجبرة أو كانت مجبرة وتبین ضررها، فيأمره الحاكم أن يزوجها من رضيت به، ثم إن امتنع سأله عن وجه امتناعه، فإن رآه صوابا زجرها وردها إليه، وإلا عُدَّ عاضلا، وزوج الحاكم المرأة لخاطبها (١) البدائع ٢٤٨/٢-٢٤٩، ومنح الجليل ٢٦/٢، وأسهل المدارك ٧٦/٢، والدسوقي ٢٣١/٢، ومغني المحتاج ١٥٤/٣، ونهاية المحتاج ٢٣١/٦، والمغني ٤٧٧/٦-٤٧٨ (٢) سورة البقرة / ٢٣٢ (٣) المغني ٤٧٧/٦، وحديث: ((معقل بن يسار زوجت أختاً لي .. )) أخرجه البخاري (فتح الباري ١٨٣/٩) - ٢٦٥ - كُفْء ٥، كفاءة ١ الذي رضيت به (١). وقال الشافعية: لو عينت المجبرة كفئا، وأراد الأب أو الجد كفئا غيره فله ذلك في الأصح، لأنه أكمل نظرا منها . . ومقابل الأصح: يلزمه إجابتها إعفافًا لها، واختاره السبكي، أما غير المجبرة فالمعتبر من عينته جزما كما اقتضاه كلام الشيخين، لأن أصل تزويجها يتوقف على إذنها (٢). ويتعين عند الحنابلة تزويجها من الذي رغبت فیه إذا کان کفئا، قال ابن قدامة: إن رغبت في كفء بعينه وأراد تزويجها لغيره من أكفائها وامتنع من تزويجها من الذي أرادته کان عاضلا لها (٣). (١) جواهر الإكليل ٢٨٢/١، ومنح الجليل ٢٦/٢ (٢) مغني المحتاج ٣/ ١٥٤، ونهاية المحتاج ٢٣١/٦ (٣) المغني ٤٧٨/٦ كفاءة التعريف : ١ - الكفاءة لغة: المماثلة والمساواة، يقال: كافأ فلان فلانا مكافأة وكفاء وهذا كِفاء هذا وكفؤه: أي مثله، يكون هذا في كل شيء، وفلان كفء فلانة: إذا كان يصلح بعلا لها، والجمع أكفاء (١). وفي الاصطلاح: يختلف تعريف الكفاءة باختلاف موطن بحثها: في القصاص، أو المبارزة، أو النكاح. ففى النكاح: عرفها الحنفية بأنها مساواة مخصوصة بين الرجل والمرأة (٢). وعرفها المالكية: بأنها المماثلة والمقاربة في التدين والحال، أي السلامة من العيوب الموجبة للخيار (٣) وعرفها الشافعية: بأنها أمر يوجب عدمه عارا (٤). (١) القاموس المحيط، ولسان العرب. (٢) الدر المختار ٣١٧/٢ (٣) التاج والإكليل ٤٦٠/٣، وجواهر الإكليل ٢٨٨/١ (٤) مغني المحتاج ١٦٥/٣ - ٢٦٦ - کفاءة ١ - ٢ وعرفها الحنابلة: بأنها المماثلة والمساواة في خمسة أشياء (١) أما في القصاص، فقد عرفها الشافعية : · بأنها مساواة القاتل القتيل بأن لا يفضله بإسلام أو أمان أو حرية أو أصلية أو سیادة (٢) . وفي المبارزة عرفها الحنابلة: بأن يعلم الشخص الذي يخرج لها من نفسه القوة والشجاعة، وأنه لن يعجز عن مقاومة خصمه (٣) حكم الكفاءة في النكاح: ٢ - اختلف الفقهاء في الحكم التكليفي لاعتبار الكفاءة في النكاح: فذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه يجب اعتبارها فيجب تزويج المرأة من الأكفاء، ويحرم على ولي المرأة تزويجها بغیر کفء . وذهبوا إلى أن الكفاءة تعتبر في جانب الرجال للنساء، ولا تعتبر في جانب النساء للرجال، لأن النصوص وردت باعتبارها فی جانب الرجال خاصة، فإن النبي لة لامكافىء له، وقد تزوج من أحياء العرب، وتزوج صفية بنت حيي رضي الله تعالى عنها، وقال: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتين : (١) كشاف القناع ٦٧/٥-٦٨ (٢) مغني المحتاج ١٦/٤ (٣) المغني ٣٦٨/٨ الرجل تكون له الأمة فيعلمها فيحسن تعليمها، ويؤدبها فيحسن تأديبها، فيتزوجها، فله أجران ))(١) ، ولأن المعنى الذي شرعت الكفاءة من أجله یوجب اختصاص اعتبارها بجانب الرجال، لأن المرأة هي التى تستنكف لا الرجل، فهي المستفرشة، والزوج هو المستفرش، فلا تلحقه الأنفة من قبلها، إذ أن الشريفة تأبى أن تكون فراشاً للدني، والزوج المستفرِش لاتغیظه دناءة الفراش، وكذلك فإن الولد يشرف بشرف أبيه لا بأمه (٢) ونقل عن أبي يوسف ومحمد أن الكفاءة فى جانب النساء معتبرة (٣). قال الكمال: مقتضى الأدلة وجوب إنكاح الأكفاء، وهذا الوجوب يتعلق بالأولياء حقا لها، وبها حقًّا لهم لكن إنما تتحقق المعصية في حقهم إذا كانت صغيرة، لأنها إذا كانت كبيرة لا ينفذ عليها تزويجهم إلا برضاها، فهي تاركة لحقها، كما إذا رضي الولي بترك حقه حيث ينفذ (٤) (١) حديث: ((ثلاثة يؤتون أجرهم مرتین ... )) أخرجه البخاري (الفتح ٦ / ١٤٥)، ومسلم (١ / ١٣٥) من حديث أبي موسي، واللفظ للبخاري . (٢) بدائع الصنائع ٣٢٠/٢، ورد المحتار ٣١٧/٢، والمغني ٤٨٧/٦ (٣) بدائع الصنائع ٣٢٠/٢، ورد المحتار ٣١٧/٢ (٤) فتح القدير ٤١٨/٢ - ٢٦٧ - گفاءة ٢ - ٣ وقال الحنابلة: يحرم على ولي المرأة تزويجها بغیر کفء بغير رضاها لأنه إضرار بها وإدخال للعار عليها، ويفسق الولي بتزويجها بغير کفء دون رضاها، وذلك إن تعمده (١). واختلف الرأى عند المالكية: فقال خليل: للمرأة وللولي تركها . . أي الكفاءة . وقال الدردير: لهما معا تركها وتزويجها من فاسق سكير يؤمن عليها منه، وإلا رده الإِمام وإن رضيت، لحق الله تعالى، حفظا للنفوس، وكذا تزويجها من معيب، لكن السلامة من العیوب حق للمرأة فقط، وليس للولي فیه کلام. وقال الدسوقي : حاصل مافي المسألة أن ظاهر ما نقله الحطاب وغيره واستظهره الشيخ ابن رحال منع تزويجها من الفاسق ابتداء وإن کان یؤمن عليها منه وأنه ليس لها ولا للولي الرضا به، وهو ظاهر، لأن مخالطة الفاسق ممنوعة، وهجره واجب شرعا، فكيف بخلطة النكاح (٢) . وقال الشافعية: يكره التزويج من غير كفء عند الرضا إلا لمصلحة. وقال العز بن عبد السلام: يكره كراهة شديدة التزويج من فاسق إلا ريبة تنشأ من (١) كشاف القناع ٦٨/٥، ومطالب أولي النهى ٨٤/٥ (٢) حاشية الدسوقي ٢٤٩/٢ عدم تزويجها له، کان خیف زناه بها لو لم ینکحها، أو يسلط فاجرا عليها (١). ٣۔۔ واختلف الفقهاء ۔ کذلك۔ في حکم الكفاءة من حيث اعتبارها في النكاح أو عدم . اعتبارها، وهل هي - في حال اعتبارها - شرط في صحة النكاح أم في لزومه : فذهب الشافعية، والحنفية في ظاهر الرواية، وهو المعتمد عند المالكية الذي شهره الفاكهاني، والمذهب عند أكثر متأخري الحنابلة والأصح كما قال في المقنع والشرح، إلى أن الكفاءة تعتبر للزوم النكاح لا لصحته غالبا، فيصح النكاح مع فقدها، لأنها حق للمرأة وللأولياء، فإن رضوا بإسقاطها فلا اعتراض علیھم وهو ما روی عن عمر وابن مسعود، وعمر بن عبد العزیز وعبيد بن عمير، وحماد بن أبي سلیمان وابن سیرین. واستدلوا بأن النبي و 98 زوج بناته ولا أحد یکافئه، وبأنه ټ أمر فاطمة بنت قيس وهي قرشية أن تنكح أسامة بن زيد مولاه، فنكحها بأمره (٢)، وزوج ◌َلي زيد بن حارثة ابنة عمته زينب بنت جحش الأسدية (٣)، (١) حاشية القليوبي ٢٣٣/٣، وحاشية الجمل على شرح المنهج ١٦٤/٤ (٢) حديث: ((أنه أمر فاطمة بنت قيس أن تنكح أسامة بن زید» أخرجه مسلم (١١١٩/٢) (٣) حديث: ((أنه # زوج زيد بن حارثة ابنة عمته زينب ... )). أخرجه ابن جرير في تفسيره (١١/٢٢) - ٢٦٨ - کفاءة ٣ وبأن أبا حذيفة بن عتبة بن ربيعة تبنى سالما وأنكحه ابنة أخيه الوليد بن عتبة، وهو مولى لامرأة من الأنصار، وبأن الكفاءة لاتخرج عن كونها حقا للمرأة والأولياء، فلم يشترط وجودها . ووجه اعتبارها عندهم، أن انتظام المصالح يكون عادة بين المتكافئين، والنكاح شرع لانتظامها، ولا تنتظم المصالح بين غير المتكافئين، فالشريفة تأبى أن تكون مستفرشة للخسيس، وتعير بذلك، ولأن النكاح وضع لتأسيس القرابات الصهرية، لیصیر البعید قریبا عضدا وساعدا، يسره ما يسرك، وذلك لايكون إلا بالموافقة والتقارب، ولامقاربة للنفوس عند مباعدة الأنساب، والاتصاف بالرق والحرية، ونحو ذلك، فعقده مع غیر المكافىء قريب الشبه من عقد لاتترتب علیه مقاصده (١). وذهب الحنفية- في رواية الحسن المختارة للفتوی عندهم - واللخمي وابن بشیر وابن فرحون وابن سلمون - من المالكية - وهو رواية عن أحمد .. إلى أن الكفاءة شرط في صحة النكاح، قال أحمد: إذا تزوج المولى العربية (١) رد المحتار ٣١٨/٢، وبدائع الصنائع ٣١٧/٢، وفتح القدير ٤١٨/٢، وحساشية الدسوقي ٢٤٩/٢، ومغني المحتاج ٠١٦٤/٣ وروضة الطالبين ٨٤/٧، وكشاف القناع ٦٧/٥، والمغني ٤٨٠/٦-٤٨١ فرق بينهما، وقال فى الرجل يشرب الشراب: ماهو بکفء لها یفرق بينهما، وقال: لو كان المتزوج حائکا فرقت بينهما، لقول عمر رضي الله تعالى عنه: ((لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء)) . ولقول سلمان رضي الله عنه: (ثنتان فضلتمونا بها يامعشر العرب، لا ننكح نساءكم ولا نؤمكما)، ولأن التزوج مع فقد الكفاءة تصرف في حق من يحدث من الأولياء بغير إذنه، فلم يصح، كما لو زوجها بغير إذنها (٢) . وذهب الكرخي والجصاص وهو قول سفيان الثوري والحسن البصري إلى عدم اعتبار الكفاءة، وقالوا: إنها ليست بشرط في النكاح أصلا، واحتجوا بما روي عن أبي هريرة أن رسول الله وَل# قال: ((يابني بياضة. أنکحوا أبا هند وأنكحوا إلیه، قال: وكان حجَّاما)) (٣)، أمرهم رسول الله مطلق بالتزويج عند عدم الكفاءة ولو كانت معتبرة لما أمر، (١) أثر عمر. ((لأمنعن خروج ذوات الأحساب ... )) أخرجه عبد الرزاق (٦ /١٥٢)، والبيهقي (٧ / ١٣٣) وأثر سلمان: ((ثنتان فضلتمونا بها يامعشر العرب ... )) أخرجه البيهقي في سننه (١٣٤/٧). (٢) رد المحتار ٣١٨/٢، وحاشية الدسوقي ٢٤٩/٢، والمغني ٤٨٠/٦ (٣) حديث أبي هريرة: ((يابني بياضة ... )). أخرجه أبو داود (٥٧٩/٢-٥٨٠)، والحاكم (١٦٤/٢)، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. - ٢٦٩ - گفاء، ٣ - ٤ وبقوله وسلم: ((لافضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر علی أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى)) (١)، وبأن الكفاءة لو كانت معتبرة في الشرع لكان أولى الأبواب بالاعتبار بها باب الدماء، لأنه يحتاط فيه مالا يحتاط في سائر الأبواب، ومع هذا لم تعتبر، حتی یقتل الشریف بالوضيع، فههنا أولى، والدليل عليه أنها لم تعتبر في جانب المرأة، فكذا في جانب الزوج (٢). وقال الشافعية: إن الكفاءة وإن كانت لاتعتبر لصحة النكاح غالبا بل لكونها حقا للولي والمرأة إلا أنها قد تعتبر للصحة كما في التزويج بالإِجبار (٣). وقت اعتبار الكفاءة : ٤ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة إلى أن الكفاءة تعتبر عند عقد النكاح، فلو كان الزوج عند عقد النكاح مستوفيا لخصال الكفاءة ثم زالت هذه الخصال أو اختلت، فإن العقد لا يبطل بذلك .. وهذا في الجملة، ولكل منهم في ذلك تفصيل : فقال الحنفية: تعتبر الكفاءة عند ابتداء (١) حديث: ((لا فضل لعربي على أعجمي ... )). أخرجه أحمد (٤١١/٥)، وقال الهيثمي في المجمع (٢٦٦/٣): ورجاله رجال الصحيح. (٢) بدائع الصنائع ٣١٧/٢، وفتح القدير ٤١٨/٢ (٣) حاشية الجمل ١٦٣/٤ العقد، فلا يضر زوالها بعده، فلو كان وقته كُفُوا ثم زالت كفاءته لم يفسخ، وأما لو كان دباغا فصار تاجرا، فإن بقي عارها لم يكن كفُؤا، وإن تناسى أمرها لتقادم زمانها كان كفؤا (١) وقال الشافعية: العبرة في خصال الكفاءة بحالة العقد، نعم إن ترك الحرفة الدنيئة قبله لايؤثر إلا إن مضت سنة - كما أطلقه جمع - وهو واضح إن تلبس بغیرها، بحیث زال عنه اسمها ولم ینسب إليها أصلا، وإلا فلابد من مضي زمن يقطع نسبتها عنه، بحيث لايعير بها، وقد بحث ابن العماد والزركشي أن الفاسق إذا تاب لايكافىء العفيفة، وصرح ابن العماد في موضع اخر بأن الزاني المحصن وإن تاب وحسنت توبته لایعود کفؤا، كما لاتعود عفته، وبأن المحجور عليه بسفه لیس بكفْء للرشيدة. وقالوا: إن طروّ الحرفة الدنيئة لايثبت الخيار. وهو الأوجه، لأن الخيار في النكاح بعد صحته لايوجد إلا بالأسباب الخمسة المنصوص عليها في بابه، وبالعتق تحت رقیق (٢). وقال الحنابلة: لو زالت الكفاءة بعد (١) الدر المختار، ورد المحتار عليه ٣٢٢/٢-٣٢٣ (٢) نهاية المحتاج ٦/ ٢٥٠-٢٥١ - ٢٧٠ - گفاءة ٤ - ٧ ... العقد فللزوجة فقط الفسخ دون أوليائها، کعتقها تحت عبد، ولأن حق الأولياء في ابتداء العقد لا في استدامته (١) الحق في الكفاءة : ٥ - ذهب الفقهاء إلى أن الكفاءة حق للمرأة وللأولياء، لأن لها الحق في أن تصون نفسها عن ذل الاستفراش لمن لا يساوها في خصال الكفاءة، فكان لها حق في الكفاءة أما الأولياء فإنهم يتفاخرون بعلو نسب الختن، ویتعیرون بدناءة نسبه، فیتضررون بذلك، فكان لهم أن يدفعوا الضرر عن أنفسهم بالاعتراض علی نکاح من لاتتوافر فيه خصال الكفاءة فاقتضى ذلك تقرير الحق لهم في الكفاءة . وللفقهاء فيما وراء ذلك تفصيل : قال الشافعية: الكفاءة حق للمرأة والولي واحداً كان أو جماعة مستوين في درجة، فلابد مع رضاها بغير الكفء من رضا الأولياء به، لا رضا أحدهم، فإن رضا أحدهم لا يكفي عن رضا الباقين، لأن لهم حقا في الكفاءة فاعتبر رضاهم بتركها كالمرأة ، فإن تفاوت الأولياء، فللولي الأقرب أن يزوجها بغير الكفء برضاها، وليس للولي الأبعد (١) مطالب أولي النهى ٨٤/٥، والمغني ٤٨١/٦ الاعتراض، فلو كان الذي يلي أمرها السلطان، فهل له تزويجها بغير الكفء إذا طلبته؟ قال النووي: قولان أو وجهان أصحهما المنع، لأنه كالنائب، فلا يترك الحظ . وقال الحنابلة: الكفاءة حق للمرأة والأولياء كلهم، القريب والبعيد، حتى من يحدث منهم بعد العقد، لتساويهم في لحوق العار بفقد الكفاءة (١). خصال الكفاءة : ٦ - الكفاءة معتبرة في النكاح لدفع العار والضرار، وخصالها أي الصفات المعتبرة فيها ليعتبر في الزوج مثلها في الجملة، هي : الدين، والنسب وقد يعبر عنه بالحسب، والحرفة، والحرية، والمال، والتنقي من العيوب المثبتة للخيار، لكن الفقهاء لم يتفقوا على اعتبارها كلها كاملة، بل كان لهم فيها تفصیل وخلاف: أ - الدین : ٧ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من خصال الكفاءة الدين، أي المماثلة والمقاربة بين الزوجين في التدين بشرائع الإِسلام، لافي (١) الاختيار ١٠٠/٣، والدر المختار، ورد المختار عليه ٣١٧/٢، ومواهب الجليل ٤٦٠/٣، وروضة الطالبين ٨٤/٧، وأسنی المطالب ١٣٩/٣ ، وكشاف القناع ٦٧/٥ - ٢٧١ - گفاءة ٧ -٨ مجرد أصل الإِسلام، ولهم فيما وراء ذلك تفصیل: فقال أبو حنيفة وأبو يوسف: لو أن امرأة من بنات الصالحين زوجت نفسها من فاسق، كان للأولياء حق الاعتراض، لأن التفاخر بالدين أحق من التفاخر بالنسب والحرية والمال، والتعيير بالفسق أشد وجوه التغيير وقال محمد: لاتعتبر الكفاءة في الدين، لأن هذا من أمور الآخرة، والكفاءة من أحكام الدنيا، فلا يقدح فيها الفسق إلا إذا کان شیئا فاحشا، بأن کان الفاسق ممن یسخر منه ویضحك علیه ويصفع، فإن كان ممن يهاب منه، بأن كان أمیرا قتالا فإنه يكون كفئا لأن هذا الفسق لا يعد شيئا في العادة، فلا يقدح في الكفاءة. وعن أبي يوسف أن الفاسق إن كان معلنا لایکون کفئا وإن کان مستترا یکون کفئا (١). وقال المالكية: المراد بالدين الإِسلام مع السلامة من الفسق، ولا تشترط المساواة في الصلاح، فإن فقد الدين وكان الزوج فاسقا فليس بكفء (٢). وقال الشافعية: من خصال الكفاءة الدين والصلاح والكف عما لا يحل، (١) بدائع الصنائع ٢/ ٣٢٠، والمغني لابن قدامة ٤٨٢/٦ (٢) مواهب الجليل ٤٦٠/٣ والفاسق لیس بكفء للعفيفة، وغیر الفاسق - عدلا كان أو مستورا - كفء لها، ولاتعتبر الشهرة بالصلاح، فغير المشهور بالصلاح كفء للمشهورة به، والفاسق كفء للفاسقة مطلقا إلا إن زاد فسقه أو اختلف نوعه كما بحثه الإِسنوي، والمبتدع ليس بكفء للعفيفة أو السنّة (١). وقال الحنابلة: الدين مما يعتبر في الكفاءة، فلا تزوج عفیفة عن الزنا بفاجر، أي بفاسق بقول أو فعل أو اعتقاد، قال أحمد في رواية أبي بکر: لایزوج ابنته من حروري قد مرق من الدين، ولا من الرافضي ولا من القدري، فإن کان لايدعو فلا بأس، ولا تزوج امرأة عدلُ بفاسق كشارب خمر، لأنه لیس بکفء، سکر منها أو لم یسکر، وکذلك من سكر من خمر أو غيرها من المسكر ليس بکفء، قال إسحاق إذا زوج كريمته من فاسق فقد قطع رحمه (٢). ب - النسب: ٨ - من الخصال المعتبرة في الكفاءة عند الحنفية، والشافعية، والحنابلة النسب، وعبر عنه الحنابلة بالمنصب، واستدلوا على ذلك (١) روضة الطالبين ٧ / ٨١ ونهاية المحتاج ٢٥٣/٦ ومغني المحتاج ١٦٦/٣ (٢) مطالب أولي النهى ٨٥/٥ - ٢٧٢ - کفاءة ٨ بقول عمر رضي الله تعالى عنه: لأمنعن فروج ذوات الأحساب إلا من الأكفاء، وفي رواية قلت: وما الأكفاء؟ قال: في الأحساب (١)، ولأن العرب يعتمدون الكفاءة في النسب ويتفاخرون برفعة النسب، ویأنفون من نكاح الموالي، ویرون ذلك نقصا وعارا، ولأن العرب فضلت الأمم برسول الله وَله . والاعتبار في النسب بالآباء، لأن العرب تفتخر به فيهم دون الأمهات، فمن انتسبت لمن تشرف به لم يكافئها من لم يكن كذلك، فالعجمي أبا وإن كانت أمه عربية لیس كفء عربية وإن كانت أمها عجمية، لأن الله تعالى اصطفى العرب على غيرهم، وميزهم عنهم بفضائل جمة ، كما صحت به الأحاديث (٢). وذهب مالك وسفيان الثوري إلى عدم اعتبار النسب في الكفاءة، قيل لمالك: إن بعض هؤلاء القوم فرقوا بين عربية ومولى، فأعظم ذلك إعظاما شديدا وقال: أهل الإِسلام كلهم بعضهم لبعض أكفاء، لقول الله تعالى في التنزيل: ﴿إِنَّا خَلَقْنَكُمْ مِنْ ذَكَرٍ (١) أثر عمر. أورده ابن قدامة في المغني (٦ / ٤٨٣) وقال: رواه أبو بكر عبدالعزيز بإسناده. (٢) بدائع الصنائع ٣١٩/٢، ونهاية المحتاج ٢٥٢/٦، ومطالب أولي النهى ٨٥/٥، والمغني ٦ / ٤٨٣ وَأُنْتَيْ وَجَعَلْنَكُمْ شُعُوبًا وَقَائِلَ لِتَعَارَفُواْ إِنَّ ج أَكْرَ مَكُمْ عِندَاللَّهِ أَنْقْنَكُمْ﴾ (١)، وكان سفيان الثوري يقول: لاتعتبر الكفاءة في النسب، لأن الناس سواسية بالحديث (٢)، قال ◌َالنّ: ((لا فضل لعربي على عجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا أسود على أحمر إلا بالتقوى)) (٣)، وقد تأيد ذلك بقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَكْرَ مَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَنْقَنَكُمْ﴾ (٤)، ولجمهور الفقهاء القائلين باعتبار النسب في الكفاءة بعد اتفاقهم على ماسبق تفصيل : قال الحنفية: قريش بعضهم لبعض أكفاء، والعرب بعضهم لبعض أكفاء، والموالي بعضهم لبعض أكفاء، لما روي عن رسول الله وَلّ قال: ((قريش بعضهم أكفاء لبعض، والعرب بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل، والموالي بعضهم أكفاء لبعض، قبيلة بقبيلة، ورجل برجل إلاحائك أو حجام)) (٥). (١) سورة الحجرات الآية (١٣) (٢) المدونة الكبرى ١٦٣/٣، وشرح العناية بهامش فتح القدير ٤١٩/٢ (٣) حديث: ((لافضل لعربي على أعجمي ... )). تقدم فى الفقرة (٣) (٤) سورة الحجرات الأية (١٣) (٥) حديث: ((قريش بعضهم أكفاء لبعض ... )). أخرجه الحاكم دون ذكر قريش، كذا في نصب الراية للزيلعي (١٩٧/٣) ونقل عن ابن عبد الهادي أنه أعلَّ إسناده= - ٢٧٣ - کفاءة ٨ وقالوا: القرشي كفء للقرشية على اختلاف القبيلة، ولايعتبر التفاضل فيما بين قريش في الكفاءة، فالقرشي الذي ليس بهاشمي كالتيمي والأموي والعدوي كفء الهاشمية لقوله وله: «قريش بعضهم أكفاء لبعض)) وقريش تشتمل على بني هاشم وإن كان لبني هاشم من الفضيلة ماليس لسائر قريش، لكن الشرع أسقط اعتبار تلك الفضيلة في باب النكاح، عرفنا ذلك بفعل رسول الله ودية وإجماع الصحابة رضى الله عنهم ولأن رسول الله مَّ زوج ابنتيه من عثمان رضي الله تعالى عنه، وكان أمويًا لاهاشمیا ، وزوج علي رضي الله عنه ابنته من عمر رضي الله عنه ولم یکن هاشمیا بلعدویا ، فدل على أن الكفاءة في قریش لاتختص ببطن دون بطن . واستثنى محمد بيت الخلافة، فلم يجعل القرشي الذي ليس بهاشمي كفئا له، فلو تزوجت قرشية من أولاد الخلفاء قرشيا ليس من أولادهم، كان للأولياء حق الاعتراض. وقال الحنفية: العرب بعضهم أكفاء لبعض بالنص، ولاتكون العرب كفئا لقريش، لفضيلة قريش على سائر العرب، = بالانقطاع، وقوله: ((قريش بعضها لبعض أكفاء)) أورده ابن أبي حاتم في علل الحديث (١ / ٤٢٤) ونقل عن أبيه أنه قال: هذا حديث منكر. ولذلك اختصت الإِمامة بهم، قال النبي وَ لجر: ((الأئمة من قريش)) (١). والموالي بعضهم أکفاء لبعض بالنص، ولاتكون الموالي أكفاء للعرب، لفضل العرب على العجم، وموالى العرب أكفاء لموالي قريش، لعموم قوله وقاية: ((والموالي بعضهم أكفاء لبعض رجل برجل» ومفاخرة العجم بالإِسلام لا بالنسب، فمن له أبوان في الإِسلام فصاعدا فهو من الأكفاء لمن له آباء فیه، ومن أسلم بنفسه أو له أب واحد في الإِسلام لايكون كفئا لمن له أبوان في الإِسلام، لأن تمام النسب بالأب والجد، ومن أسلم بنفسه لایکون کفئا لمن له أب واحد في الإِسلام (٢) . وقال الشافعية: غير القرشي من العرب ليس كفء القرشية، لخبر: ((قدموا قريشا ولا تقدموها)) (٣)، ولأن الله تعالى اصطفى قريشا من كنانة، وليس غير الهاشمي والمطلبي من قريش كفئا للهاشمية أو المطلبية، لخبر: ((إن الله اصطفى كنانة من (١) حديث: ((الأئمة من قريش)) أخرجه أحمد (١٢٩/٣) من حديث أنس بن مالك، وقال الهيثمي في المجمع (١٩٢/٥): رجاله ثقات. (٢) بدائع الصنائع ٢ / ٣١٩، وفتح القدير وشرح العناية ٢ / ٤٢٠-٤٢١ (٣) حديث: ((قدموا قريشا ولا تقدموها)). . أورده الهيثمي في مجمع الزوائد (٢٥/١٠) وقال: رواه الطبراني، وفيه أبو معشر، وحديثه حسن، وبقية رجاله رجال الصحيح . - ٢٧٤ - کفاءة ٨ ولد إسماعيل، واصطفى قريشا من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم (١)، والمطلبي كفء الهاشمية وعكسه، لحديث: ((إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)) (٢)، فهما متكافئان، ومحله إذا لم تكن شريفة، أما الشريفة فلا یکافئها إلا شریف، والشرف مختص بأولاد الحسن والحسين رضي الله تعالى عنهما وعن أبويهما .. نبه على ذلك ابن ظهيرة، ومحله أيضا في الحرة، فلو نكح هاشمي أو مطلبي أمة فأتت منه ببنت فهي مملوكة لمالك أمها، فله تزويجها من رقیق ودنیء النسب، لأن وصمة الرق الثابت من غير شك ألغت اعتبار كل كمال معه، مع كون الحق في الكفاءة في النسب لسيدها لا لها على ماجزم به الشيخان . أما غير قريش من العرب فإن بعضهم أكفاء بعض .. نقله الرافعي عن جماعة، وقال في زيادة الروضة إنه مقتضى كلام الأکثرین. وقالوا: الأصح اعتبار النسب في العجم کالعرب قياسا عليهم، فالفرس أفضل من (١) حديث: ((إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل ... )). أخرجه مسلم (٤ / ١٧٨٢) من حديث واثلة بن الأسقع. (٢) حديث: ((إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد)» أخرجه البخاري (فتح الباري ٧/ ٤٨٤) من حديث جبير بن مطعم . القبط، لما روي أنه وَ ل# قال: ((لو كان الدين عند الثريا لذهب به رجل من فارس)) (١)، وبنو إسرائيل أفضل من القبط، ومقابل الأصح: أنه لايعتبر النسب في العجم، لأنهم لايعتنون بحفظ الأنساب ولا یدونونها بخلاف العرب، والاعتبار في النسب بالأب، ولايكافىء من أسلم أو أسلم أحد أجداده الأقربين أقدم منه في الإِسلام، فمن أسلم بنفسه ليس كفء من لها أب أو أكثر في الإِسلام، ومن له أبوان في الإسلام ليس کفء من لها ثلاثة آباء فيه (٢). واختلفت الرواية عن أحمد، فروي عنه أن غير قريش من العرب لا يكافئها، وغير بني هاشم لایکافئهم، حدیث: ((إن الله اصطفى كنانه من ولد إسماعيل، واصطفى قريشاً من كنانة، واصطفى من قريش بني هاشم، واصطفاني من بني هاشم))، ولأن العرب فضلت على الأمم برسول الله ێ ، وقريش أخص به من سائر العرب، وبنو هاشم أخص به من قریش، وكذلك قال عثمان وجبير بن مطعم: إن إخواننا من بني هاشم لاننكر فضلهم علينا لمكانك الذى (١) حديث: ((لو كان الدين عند الثريا ... )) أخرجه مسلم (١٩٧٢/٤) من حديث أبي هريرة. (٢) مغني المحتاج ١٦٦/٣، ونهاية المحتاج ٢٥٢/٦، والجمل ١٦٦/٤. - ٢٧٥ - كفاءة ٨ - ١٠ وضعك الله به منهم . والرواية الثانية عن أحمد أن العرب بعضهم لبعض أكفاء، والعجم بعضهم لبعض أكفاء، لأن النبي ◌َّلر زوج ابنتيه عثمان، وزوج علي عمر ابنته أم كلثوم رضي الله تعالی عنهم (١) . والكفاءة في النسب غير معتبرة عند المالكية (٢). ج - الحرية : ٩ - ذهب الحنفية والشافعية، وهو الصحيح عند الحنابلة، إلى أن الحرية من خصال الكفاءة، فلا يكون القن أو المبعض أو المدبر أو المكاتب كفئا للحرة ولو عتيقة، لأنها تتعير به، إذ النقص والشين بالرق فوق النقص والشین بدناءة النسب، ولأنها تتضرر بنكاحه لأنه ينفق نفقة المعسرين، ولا ينفق على ولده، وهو ممنوع من التصرف في کسبه، غير مالك له، مشغول عن امرأته بحقوق سیده، وملك السيد رقبته يشبه ملك البهيمة . واستدلوا بما روى عروة عن عائشة أن بريرة أعتقت فخيرها رسول الله وَلاير (٣)، ولو كان (١) المغني ٤ / ١٦٦ (٢) جواهر الإكليل ٦/ ٤٨٣ (٣) حديث عائشة: ((أن بريرة أعتقت فخيرها رسول الله ... )). أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣٨/٩)، ومسلم (١١٤٣/٣). زوجها حرًّا لم يخيرها (١)، واختلف المالكية في كفاءة العبد للحرة أو عدمها في تأولين. فأجاز ابن القاسم نكاح العبد عربية، وقال عبد الباقي : إنه الأحسن ورجح الدردير عدم كفاءة العبد للحرة، وقال الدسوقي : إنه المذهب (٢). د - الحرفة : ١٠ - الحرفة مايطلب به الرزق من الصنائع وغيرها، والحرفة الدنيئة ما دلت ملابستها على انحطاط المروءة وسقوط النفس، كملابسة القاذورات (٣). وقد ذهب الحنفية - في المفتى به وهو قول أبي يوسف - والشافعية والحنابلة - في الرواية المعتمدة عن أحمد - إلى اعتبار الحرفة في الكفاءة في النكاح، لقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِ الْرِزْقِّ﴾ (٤)، أي في سببه، فبعضهم يصل إليه بعز وراحة، وبعضهم بذل ومشقة، ولأن الناس يتفاخرون بشرف الحرف ویتعیرون بدناءتها . وعن أبي حنيفة وفي رواية عن أحمد: أن (١) بدائع الصنائع ٣١٩/٢، والمبسوط ٢٤/٥-٢٥، ونهاية المحتاج ٢٥١/٦، ومغني المحتاج ١٦٥/٣، والمغني ٤٨٤/٦، ومطالب أولي النهى ٨٥/٥ (٢) جواهر الإكليل ٢٨٨/١، والتاج والإِكليل بهامش مواهب الجليل ٣/ ٤٦١ - ٤٦٢، وحاشية الدسوقي ٢٥٠/٢ (٣) نهاية المحتاج ٦/ ٣٥٣، ومغني المحتاج ٣/ ١٦٦ (٤) سورة النحل الآية (٧١). - ٢٧٦ - كفاءة ١٠ الحرفة غير معتبرة في الكفاءة في النكاح، لأنه يمكن الانتقال والتحول عن الخسيسة إلى النفيسة منها، فليست وصفا لازما . وروي نحو ذلك عن أبي یوسف، حیث قال: إنها غير معتبرة إلا أن تكون فاحشة . . کحرفة الحجام والکناس والدباغ، فلا يكون كل منهم كفء بنت العطار والصيرفي والجوهري . ووفق ماذهب إليه جمهور الفقهاء لایکون الرجل صاحب الصناعة أو الحرفة الدنيئة أو الخسيسة كفء بنت صاحب الصناعة أو الحرفة الرفيعة أو الشريفة .. لما سبق، ولما ذكره الحنابلة من أنه نقص في عرف الناس أشبه نقص النسب، ولما روي في حدیث: «العرب بعضهم أكفاء لبعض» وفي آخره«إلا حائك أو حجام)) (١)، قيل لأحمد: كيف تأخذ به وأنت تضعفه؟ قال: العمل عليه، يعنى أنه موافق لأهل العرف. وقال الحنفية: تثبت الكفاءة بين الحرفتين في جنس واحد، كالبزاز مع البزاز، والحائك مع الحائك، وتثبت عند اختلاف جنس الحرفة إذا كان يقارب بعضها بعضا، كالبزاز مع الصائغ، والصائغ مع العطار، ولا تثبت (١) حديث: ((العرب بعضهم أكفاء لبعض ... )) تقدم تخريجه ف (٨) فيما لامقاربة بينهما، كالعطار مع البيطار، والبزاز مع الخراز. وقال الشافعية: الاعتبار بالعرف العام لبلد الزوجة لا لبلد العقد، لأن المدار على تعییرها أو عدمه، وذلك یعرف بالنسبة لحرف بلدها، أي التي هي بها حالة العقد. قال الرملي: حرفة الآباء - كحرفة الزوج - معتبرة في الكفاءة، والأوجه أن كل ذي حرفة فيها مباشرة نجاسة ليس كفء الذي حرفته لا مباشرة فيها للنجاسة، وأن بقية الحرف التي لم يذكروا فيها تفاضلا متساوية إلا إن اطرد العرف بتفاوتها .. وقال: من له حرفتان: دنية ورفيعة اعتبر ما اشتهر به، وإلا غلبت الدنية، بل لو قيل بتغليبها مطلقا لم يبعد، لأنه لا يخلو عن تغييره بها (١). وأضاف القليوبي: لو ترك حرفة لأرفع منها أو عكسه، اعتبر قطع نسبته عن الأولى، وليس تعاطي الحرفة الدنيئة لتواضع أو كسر نفس أو لنفع المسلمين بغير أجرة مضرا في الكفاءة والعلم - بشرط عدم الفسق - وكذلك القضاء أرفع الحرف كلها، فیکافئان سائر الحرف، فلو جاءت امرأة لايعرف نسبها إلى قاض ليزوجها، لايزوجها إلا من ابن عالم (١) بدائع الصنائع ٢ / ٣٢٠، والاختيار ٣/ ٩٩، وفتح القدير ٤٢٤/٢، ونهاية المحتاج ٣٥٣/٦، ومغني المحتاج ١٦٦/٣، والمغني ٦/ ٤٨٥، ومطالب أولي النهى ٥/ ١٨٦ - ٢٧٧ - گفاءة ١٠ - ١١ أو قاض دون غيرهما، لاحتمال شرفها بالنسب إلى أحدهما. والمراد ببنت العالم والقاضي في ظاهر كلامهم - كما قال الرملي - من في آبائها المنسوبة إليهم أحدهما وإن علا، لأن ذلك مما تفتخر به، وبحث الأذرعي أن العلم مع الفسق لا أثر له، إذ لا فخر له حينئذ في العرف فضلا عن الشرع، وصرح بذلك في القضاء فقال: إن كان القاضي أهلا فعالم وزيادة، أو غير أهل ففي النظر إليه نظر. والجاهل - كما أضاف الرملي - لايكون كفء عالمة، لأن العلم إذا اعتبر في آبائها فلأن يعتبر فيها بالأولى، إذ أقل مراتب العلم أن يكون كالحرفة، وصاحب الحرفة الدنيئة لايكافىء صاحب الشريفة (١). ولايعتبر المالكية الحرفة من خصال الكفاءة في النكاح، إذ الكفاءة عندهم في الدين والحال، وأما الدين فهو المماثلة أو المقاربة في التدين بشرائع الإِسلام لا في مجرد أصل الإِسلام . وأما الحال فهو المماثلة أو المقاربة في السلامة من العيوب الموجبة للخيار، لا الحسب والنسب (٢). (١) حاشية القليوبي ٣ / ٢٣٦، ونهاية المحتاج ٦/ ٢٥٤. (٢) جواهر الإكليل ١ / ٢٨٨. هـ - اليسار: ١١ - اختلف الفقهاء في اعتبار اليسار - ويعبر عنه الحنفية بالمال - من خصال الكفاءة في النكاح أو عدم اعتباره: فذهب الحنفية، والحنابلة - في الرواية المعتمدة -، وهو مقابل الأصح عند الشافعية، إلى اعتباره، فلا يكون الفقير كفء الغنية، لأن التفاخر بالمال أكثر من التفاخر بغيره عادة، ولأن للنكاح تعلقا لازما بالمهر والنفقة، ولا تعلق له بالنسب والحرية، فلما اعتبرت الكفاءة ثمة فلأن تعتبر ههنا أولى، ولأن على الموسرة ضررا فى إعسار زوجها الإِخلاله بنفقتها ومؤنة أولادها، ولهذا ملكت الفسخ بإخلاله بنفقتها ومؤنة أولادها عند بعض الفقهاء، ولأن ذلك معدود نقصا في عرف الناس، ويتفاضلون فيه كتفاضلهم في النسب وأبلغ، فكان من شروط الكفاءة کالنسب . والمعتبر في اليسار القدرة على مهر مثل الزوجة والنفقة، ولا تعتبر الزيادة على ذلك، حتى إن الزوج إذا كان قادرا على مهر مثلها ونفقتها یکون کفئا لها وإن کان لايساويها في المال، لأن القدر المعتبر من المال في اليسار هو الذي يحتاج إلیه، إذ أن من لايملك مهرا ولا نفقة لايكون كفئا لأن المهر بدل البضع فلا بد - ٢٧٨ - گفاءة ١١ - ١٢ من إيفائه، وبالنفقة قوام الازدواج ودوامه، فلا بد من القدرة عليهما، ولأن من لاقدرة له على المهر والنفقة يستحقر ويستهان به في العادة، كمن له نسب دنيء، فتختل به المصالح كما تختل عند دناءة النسب .. والمراد بالمهر قدر ما تعارفوا تعجيله، لأن ما وراءه مؤجل عرفا، قال البابرتي: ليس بمطالب به فلا يسقط الكفاءة. وروي عن أبي يوسف أنه اعتبر القدرة على النفقة دون المهر، لأنه تجري المساهلة في المهر ويعد المرء قادرا عليه بيسار أبيه . وروي عن أبي حنيفة ومحمد أن تساوي الزوج والمرأة في الغنى شرط تحقق الكفاءة، حتى إن الفائقة اليسار لايكافئها القادر على المهر والنفقة، لأن الناس يتفاخرون بالغنى ويتعيرون بالفقر. وقال ابن عقيل من الحنابلة: قياس المذهب أن لايتقدر المال بمقدار ملك النصاب أو غيره، بل إن كان حال أبيها ممن لایزري علیھا بتزويجھا بالزوج، بأن یکون موازيا أو مساويا له في المال الذي يقدر به على نفقة الموسرين، بحيث لاتتغير عادتها عند أبيها في بيته، فذلك المعتبر. والقائلون من الشافعية في مقابل الأصح اختلفوا في مقدار اليسار المعتبر في الكفاءة، فقيل: يعتبر بقدر المهر والنفقة، فيكون بهما كفئا لصاحبة الألوف، والأصح أنه لايكفي ذلك، لأن الناس أصناف: غني وفقير ومتوسط، وكل صنف أكفاء وإن اختلفت المراتب. والأصح عند الشافعية أن اليسار لايعتبر في الكفاءة، لأن المال غاد ورائح ولایفتخر به أهل المروءات والبصائر، وروي عن أحمد عدم اعتبار اليسار، لأن الفقر شرف في الدين، والمعتبر في اليسار مايقدر به على النفقة والمهر (١). و- السلامة من العيوب: ١٢ - ذهب المالكية والشافعية وابن عقيل وغيره من الحنابلة، إلى أن السلامة من العيوب المثبتة لخيار فسخ النكاح من خصال الكفاءة في النكاح. وقال ابن راشد من المالكية: المراد أن يساويها في الصحة، أي يكون سالما من العيوب الفاحشة، وهذا هو الذي يؤخذ من كلام ابن بشير وابن شاس وغيرهما من الأصحاب (٢). وفصل الشافعية فقالوا: من الخصال (١) بدائع الصنائع ٢ / ٣١٩ - ٣٢٠، والهداية وشروحها فتح القدير، والعناية ٤٢٣/٢، وحاشية القليوبي ٢٣٦/٣، وروضة الطالبين ٨٢/٧، ومطالب أولي النهى ٨٦/٥، والمغني ٤٨٤/٦ (٢) مواهب الجليل ٤٦٠/٣، والشرح الكبير ٢٤٩/٢ - ٢٧٩ - کفاءة ١٢ المعتبرة في الكفاءة السلامة من العيوب المثبتة للخیار، فمن به بعضها کالجنون أو الجذام أو البرص لا يكون كفئا لسليمة عنها، لأن النفس تعاف صحبة من به ذلك، ويختل به مقصود النكاح، ولو کان بها عیب أيضا، فإن اختلف العيبان فلا كفاءة، وإن اختلفا وما به أکثر فکذلك، وکذا إن تساویا أو کان ما بها أكثر في الأصح، لأن الإِنسان يعاف من غيره ما لايعاف من نفسه، وكذا لو كان مجبوبا وهي رتقاء أو قرناء. واستثنى البغوي والخوارزمي العنّة لعدم تحققها، فلا نظر إليها في الكفاءة وجرى على ذلك الإِسنوي وابن المقري، قال الشيخان وفي تعليق الشيخ أبي حامد وغيره التسوية بينها وبين غيرها، وإطلاق الجمهور يوافقه، قال الشربيني الخطيب: وهذا هو المعتمد، ووجه بأن الأحكام تبنى على الظاهر ولا تتوقف على التحقق. وألحق الروياني بالعيوب الخمسة العيوب المنفرة، كالعمى والقطع وتشوه الصورة، وقال: هي تمنع الكفاءة عندي، وبه قال بعض الأصحاب، وهذا خلاف المذهب. واشتراط السلامة من هذه العيوب هو على عمومه بالنسبة إلى المرأة، أما بالنسبة إلى الولي، فیعتبر في حقه الجنون والجذام والبرص، لاالجب والعنّة. قال الزركشي والهروي: والتنقى من العیوب إنما يعتبر في الزوجين خاصة دون آبائهما، فابن الأبرص كفء لمن أبوها سليم ... قال الشربيني الخطيب: والأوجه والأقرب أنه ليس كفئا لها لأنها تعیر به . وقال القاضي : يؤثر في الزوج کل ما یکسر سورة التوقان (١) . وقال المقدسي والرحيباني من الحنابلة: ويتجه أنه مما ينبغي اشتراطه في الكفاءة فقد العيوب المثبتة لخيار الفسخ، ولم يذكره أصحابنا، لكن عند ابن عقيل وأبي محمد أنه شرط، قال الشيخ تقي الدين: وقد أومأ إليه أحمد: أنها لاتزوج بمعيب وإن أرادت، فعلى هذا السلامة من العيوب من جملة خصال الكفاءة (٢). وقال الحنفية وأكثر الحنابلة: لاتعتبر في الكفاءة السلامة من العيوب (٣)، لكن ابن عابدين نقل عن الفتاوى الحامدية، أن غير الأب والجد من الأولياء لو زوج الصغيرة من عنين معروف لم يجز، لأن القدرة على الجماع شرط الكفاءة كالقدرة على المهر والنفقة، بل (١) شرح المنهاج، وحاشية القليوبي ٢٣٤/٣، ومغني المحتاج ١٦٥/٣، ونهاية المحتاج ٢٥١/٦ (٢) مطالب أولي النهى ٨٦/٥ (٣) رد المحتار ٣٢٤/٢، والمغني ٦ /٤٨٥ - ٢٨٠ -