Indexed OCR Text

Pages 261-280

قصاص ٧ - ١١
بِلِسِنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَنْ تَصَدَّقَ بِهِ، فَهُوَ
كَفَّارَةٌ لَّهُ﴾ (١)، وقول النبي ◌َّ: ((من قُتل
له قتيل فهو بخير النَّظَرَين: إما أن يُؤُدَى، وإما أن
يُقاد))(٢)، وما رواه أنس - رضي الله تعالى
عنه - أن الربيع بنت النضر بن أنس كسرتْ
ثَنِيَّة جارية، فعرضوا عليهم الْأَرْش فأبوا،
وطلبوا العفو فأبوا، فأتوا النبي وَلاير فأمر
بالقصاص فجاء أخوها أنس بن النضر
فقال: يا رسول الله أتكسر ثنيَّة الربيع،
والذي بعثك بالحق لا تكسر ثنيتها. فقال
النبي ◌َّه: ((كتاب الله القصاص)) قال:
فعفا القوم. ثم قال رسول الله ويلات: ((إن من
عباد الله من لو أقسم على الله لأبره)) (٣)، ولأن
ما دون النفس كالنفس في الحاجة إلى حفظه
بالقصاص، فكان كالنفس في وجوب
القصاص (٤).
أسباب القصاص:
٨ - أسباب القصاص هي: القتل والقطع
والجرح والشجاج وإزالة معاني الأعضاء،
وبیان ذلك فيما يأتي :
(١) سورة المائدة/ ٤٥
(٢) حديث: ((من قتل له قتيل .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢٠٥/١٢)، ومسلم (٩٨٩/٢)
من حديث أبي هريرة، واللفظ للبخاري .
(٣) حديث أنس: ((إن من عباد الله من لو أقسم .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢١/٦)، ومسلم (١٣٠٢/٣).
(٤) المهذب ١٧٨/٢
القصاص في الجناية على النفس :
٩ - القصاص في النفس سببه القتل العمد
بشروط خاصة سوف يأتي تفصيلها .
شروط القصاص في النفس :
١٠ - للقصاص في النفس شروط في القاتل،
والمقتول، وفعل القتل (١)، لايجب القصاص
على القاتل إلا بتوفرها، وقد اتفق الفقهاء في
بعض هذه الشروط واختلفوا في بعضها
الآخر، کما يلي:
أ - التكليف :
١١ - اتفق الفقهاء على أنه يشترط في القاتل
لوجوب القصاص عليه أن یکون مكلفا، أي
عاقلا بالغا عند القتل، فلا يجب القصاص
على القاتل إذا كان صغيرا أو مجنونا جنونا
مطبقا عند القتل.
فإذا قتله عاقلا ثم جُنَّ فقد ذهب الحنفية
إلى أنه إن دفعه القاضي للولي عاقلا ثم جن
اقتص منه، وإن جُن قبل دفعه سقط عنه
القصاص ووجبت الدية بدلا منه
استحسانا، وكذلك إذا جن قبل القضاء
عليه بالقصاص، فإنه لا يقتص منه، لأن
شرط وجوب القصاص عليه كونه مخاطبا حالة
الوجوب وذلك بالقضاء ويتم بالدفع، فإذا
(١) الدسوقي ٢٣٧/٤، والزرقاني ٢/٨.
- ٢٦١ -

قصاص ١١ - ١٢
جنّ قبل الدفع تمكن الخلل في الوجوب
فصار كما لو جنّ قبل القضاء.
فإن كان يجن ويفيق، فإن قَتل في إفاقته
قضي علیه بالقصاص، فإن جن بعد ذلك
مطبقاً سقط القصاص، وإن غير مطبق قُتل
قصاصا بعد إفاقته (١).
وذهب المالكية إلى أنه ينتظر إلى حين
إفاقته ثم یقتص منه .
فإذا كان القاتل مجنونا جنوناً متقطعاً، فإن
قتله في حال صحوه اقتص منه في حال
صحوه، وإن قتله في حال جنونه لم يقتص
منه (٢).
وذهب الشافعية إلى أنه إن قتله وهو مجنون
جنونا مطبقا فلا قصاص عليه .
وإن كان جنونه متقطعا، فإن قتله حال
الجنون فلا قصاص علیه لأنه قتله حال
الجنون وهو فيها غیر مکلف، وإن قتله حال
الإفاقة، أو قتله وهو عاقل ثم جن وجب
القصاص عليه، ويقتص منه حال
جنونه (٣).
وذهب الحنابلة إلى أنه إن قتله وهو عاقل
ثم جن لم يسقط القصاص عنه، ثم يقتص
(١) ابن عابدين ٣٤٣/٥.
(٢) الدسوقي ٢٣٧/٤، والزرقاني ٢/٨.
(٣) مغني المحتاج ١٥/٤، وروضة الطالبين ١٤٩/٩، وحاشية
القليوبي ٤ /١٠٥.
منه في حال جنونه إن ثبت القتل ببيِّنة، فإن
ثبت بإقراره لم يقتص منه حتى يصحو،
لاحتمال رجوعه عن إقراره (١).
ومثل الجنون: النوم والإغماء لعدم
التكليف (٢)، للحديث الشريف: ((إن الله
وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا
عليه)) (٣) .
أما السكران، فقد ذهب الحنفية
والمالكية، وكذلك الشافعية والحنابلة في
المذهب عندهما إلى أنه إن قتل وهو سكران،
فإن كان سكره بمحرم وجب القصاص
عليه، وإن كان سكره لعذر كالإِكراه فلا
قصاص علیه .
وقال أبو الخطاب من الحنابلة: إن وجوب
القصاص عليه مبني على وقوع طلاقه، وفيه
روايتان، فيكون في وجوب القصاص عليه
وجهان (٤).
ب - عصمة القتيل :
١٢ - اتفق الفقهاء على أن من شرط وجوب
القصاص على القاتل أن يكون القتيل
(١) المغني ٧ /٦٦٥.
(٢) ابن عابدين ٣٧٦/٥، والزرقاني ٢/٨، والمغني ٦٦٤/٧.
(٣) حديث: ((إن الله وضع عن أمتي .. ))
أخرجه ابن ماجه (١ /٦٥٩) من حديث ابن عباس، وحسنه
النووي كما في جامع العلوم والحكم (٣٦١/٢).
(٤) ابن عابدين ٣٧٦/٥،. والدسوقي ٢٣٧/٤، والزرقاني
٢/٨، ومغني المحتاج ١٥/٤، والمغني ٧ /٦٦٥.
- ٢٦٢ -

قصاص ١٢ - ١٣
معصوم الدم، أو محقون الدم في حق
القاتل .
فإذا كان القتيل مهدر الدم في حق جميع
الناس - كالحربي والمرتد - لم يجب بقتله
قصاص مطلقا .
فإذا کان مهدر الدم في حق بعض الناس
دون سائرهم، كالقاتل المستحق للقصاص،
فإنه مهدر الدم في حق أولياء القتيل خاصة،
فإن قتله أجنبي قتل به قصاصا، لأنه غير
مهدر الدم في حقه، وإن قتله ولي الدم لم
يقتص منه، لأنه مهدر الدم في حقه .
إلا أن الحنفية والحنابلة اشترطوا أن يكون
المقتول محقون الدم في حق القاتل على التأبيد
كالمسلم، فإن كانت عصمته مؤقتة كالمستأمن
لم يقتل به قاتله، لأن المستأمن مصون الدم
في حال أمانه فقط، وهو مهدر الدم في
الأصل، لأنه حربي، فلا قصاص في
قتله (١)، إلا أن يكون قاتله مستأمنا أيضا
عند الحنفية، فيقتل به للمساواة لا
استحسانا، وقيل: لا يقتل على
الاستحسان (٢)، وروي عن أبي يوسف
القصاص في قتل المسلم المستأمنَ، لقيام
العصمة وقت القتل (٣) .
(١) ابن عابدين ٣٤٣/٥، والمغني ٦٥٣/٧.
(٢) ابن عابدين ٣٤٤/٥، والبدائع ٢٣٦/٧ .
(٣) البدائع ٢٣٦/٧ .
وذهب المالكية والشافعية إلى أنه لا يشترط
في العصمة التأبيد، وعلى ذلك يقتل قاتل
المستأمن (١)، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌمِّنَ
اُلْمُشْرِكِينَ أَسْتَجَارَكَ فَاَجِرْهُ ﴾ (٢)
ج - المكافأة بين القاتل والقتيل :
١٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن من شروط
وجوب القصاص في القتل المكافأة بين القاتل
والقتيل في أوصاف اعتبروها، فلا يقتل
الأعلى بالأدنى، ولكن يقتل الأدنى بالأعلى
وبالمساوي .
وخالف الحنفية، وقالوا: لا يشترط في
القصاص في النفس المساواة بين القاتل
والقتيل، إلا أنه لا يقتل عندهم المسلم ولا
الذمي بالحربي، لا لعدم المساواة بل لعدم
العصمة (٣).
إلا أن الجمهور اختلفوا في الأوصاف التي
اعتبروها للمكافأة .
فذهب المالكية والحنابلة إلى اشتراط
المساواة بين القاتل والقتيل في الإِسلام
والحرية. أو أن يكون القتيل أزيد من القاتل
في ذلك، فإذا كان القاتل أزيد من القتيل
فیھما فلا قصاص، فإن كان كل منهما أنقص
(١) الشرح الكبير ٤ /٢٤١، ومغني المحتاج ٤/ ١٤ .
(٢) سورة التوبة / ٦.
(٣) الدر المختار ٣٤٣/٥ - ٣٤٤.
- ٢٦٣ -

قصاص ١٣
من الآخر في أحدهما، كان نقص الكفر أكثر
من نقص الرق عند المالكية، وعلى ذلك فلا
يقتل مسلم ولو عبدا بکافر ولو حرا، ولا حر
برقيق إلا أن يكون المقتول زائد إسلام،
فيقتل حر کتابي برقیق مسلم كما سيأتي
ترجيحاً لجانب الإِسلام على الحرية (١).
وعند الحنابلة لا يقتل الكافر الحر بالعبد
المسلم، لأن الحر لا يقتل بالعبد مطلقا
عندهم، كما لا يقتل العبد المسلم بالحر
الكافر، لأن المسلم لا يقتل بالكافر مطلقا،
فإذا قتل من نصفه حر عبداً لم يقتل به، وإذا
قتل حر من نصفه عبد لم يقتل به أيضا لعدم
المكافأة (٢).
ويقتل العبد القن بالمكاتب، ويقتل
المکاتب به، ويقتل كل واحد منهما بالمدبّر وأم
الولد ۔ والعكس - لأن الكل عبيد.
ويقتل العبد بالعبد مطلقا(٣).
واختلف المالكية في الوقت الذي تعتبر فيه
المساواة في القتل الموجب للقود، قال
الدسوقي : لابد في القود من المكافأة في
الحالات الثلاث: حالة الرمي وحالة الإِصابة
وحالة الموت، ومتى فقد التكافؤ في واحد منها
سقط القصاص، وبيّن هنا أنه في الخطأ
(١) الشرح الكبير ٢٣٧/٤ - ٢٣٨، والزرقاني ٣/٨.
(٢) المغني ٧ /٦٦٣.
(٣) المغني ٧ / ٦٦٠، ٦٦٢ .
والعمد الذي فيه مال إذا زالت المكافأة بين
السبب والمسبب، أو عدمت قبل السبب
وحدثت بعده وقبل المسبب ووجبت الدية،
كان المعتبر في ضمانها وقت المسبب، وهو وقت
الإصابة في الجرح ووقت التلف في الموت،
ولا يراعى فيه وقت السبب وهو الرمي على
قول ابن القاسم، ورجع إلیه سحنون خلافا
لأشهب (١).
إلا أن المالكية استثنوا من اشتراط المساواة
في الإِسلام والحرية هنا القتل غيلة، وقالوا
بوجوب القصاص فیه من غير هذين
الشرطين، قال الدردير: إلا الغِيلة - بكسر
الغين المعجمة، وهي القتل لأخذ المال - فلا
يشترط فيه الشروط المتقدمة، بل يقتل الحر
بالعبد والمسلم بالكافر (٢) .
أما الحنابلة فوقت المساواة المشترط عندهم
هو وقت القتل، قال ابن قدامة: فإن قتل
كافر كافرا ثم أسلم القاتل ... فقال
أصحابنا: يقتص منه ... لأن القصاص
عقوبة فکان الاعتبار فیھا بحال وجوبها دون
حال استيفائها كالحدود، ويحتمل أن لايقتل
به، وهو قول الأوزاعي (٣).
ويستوي عند الحنابلة القتل غيلة وغيره،
(١) الدسوقي ٢٤٩/٤ - ٢٥٠.
(٢) الدسوقي ٢٣٨/٤ .
(٣) المغني ٦٥٣/٧.
- ٢٦٤ -

قصاص ١٣
قال ابن قدامة: وقتل الغيلة وغيره سواء في
القصاص والعفو، وذلك للولي دون
السلطان (١)
.
وذهب الشافعية إلى اشتراط المساواة بين
القاتل والقتيل في الإِسلام والأمان والحرية
والأصلية والسيادة، فلا يقتل مسلم ولو زانيا
محصنا بذمي لخبر: ((لا يقتل مسلم
بکافر» (٢).
ولأنه لا يقاد المسلم بالكافر فيها دون
النفس بالإجماع، ففي النفس أولى ....
ويقتل ذمِّيٍّ به أي المسلم لشرفه عليه،
ويقتل أيضا بذمي وإن اختلفت مِلْتَهَمَا،
ومعاهد ومستأمن ومجوسي وعكسه، لأن الكفر
كله مَّة واحدة من حيث إن النسخ شمل
الجميع .
والأظهر: قتل مرتد بذمِّيّ ومستأمن ومعاهد
سواء عاد المرتد إلى الإِسلام أم لا، لاستوائهما
في الكفر، بل المرتد أسوأ حالاً من الذمي لأنه
مهدر الدم. والثاني: لا يقتل به لبقاء عُلقة
الإِسلام في المرتد، والأظهر أيضا: قتل مرتد
بمرتد لتساويهما، كما لو قتل ذمي ذميا،.
والثاني : لا، لأن المقتول مباح الدم، لا ذمي
بمرتد في الأظهر، والثاني يقتل به أيضا،
(١) المغني ٦٤٨/٧ .
(٢) حديث: ((لا يقتل مسلم بكافر)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٢/ ٢٦٠) من حديث علي.
ويقتل المرتد بالزاني المسلم المحصن كما يقتل
بالذمي، ولا يقتل زان محصن به لاختصاصه
بفضيلة الإِسلام، ولخبر: ((لا يقتل مسلم
بکافر»، ولا یقتل حر بمن فیه رق وإن قل،
لقوله تعالى: ﴿الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ
بِالْعَبْدِ﴾ (١)، وسواء في ذلك المكاتب والمدبّر
وأم الولد وعبده وعبد غيره.
ويقتل قِنّ ومدبّر ومكاتب وأم ولد بعضهم
ببعض ولو كان المقتول لكافر والقاتل لمسلم
للتساوي في الملك، واستثني المكاتب إذا قتل
عبده لا يقتل به كما لا يقتل الحر بعبده (٢).
وَمَنْ بَعْضُهُ حر لو قتل مثله أي مبعضا،
سواء ازدادت حرية القاتل على حرية المقتول
أم لا، لا قصاص، وقيل: إن لم تزد حرية
القاتل وجب القصاص، سواء أتساويا أم
کانت حرية المقتول أكثر، أما إن كانت حرية
القاتل أكثر فلا قصاص قطعا، لانتفاء
المساواة .
والفضيلة في شخص لا تجبر النقص فيه،
فلا قصاص واقع بین عبد مسلم وحر ذمي ،
لأن المسلم لا يقتل بالذمي، والحر لا يقتل
بالعبد، ولا تجبر فضيلة كل منهما
نقیصته (٣) .
(١) سورة البقرة/ ١٧٨ .
(٢) مغني المحتاج ١٦/٤ - ١٨.
(٣) مغني المحتاج ١٨/٤ .
- ٢٦٥ -

قصاص ١٣ - ١٦
وسيأتي الكلام في وصفي الأصلية
والسيادة .
والشافعية يعتبرون المساواة المشروطة في
القصاص في النفس وقت القتل، وهو وقت
انعقاد سبب القصاص، وعلى ذلك لو أسلم
الذمي، الذي قتل كافرا مكافئا له لم يسقط
القصاص لتكافئهما حالة الجناية، لأن
الاعتبار في العقوبات بحال الجناية، ولا نظر
لما يحدث بعدها، ولذلك لو جرح ذمي أو
نحوه ذمیًّا أو نحوه وأسلم الجارح، ثم مات
المجروح بسراية تلك الجراحة لا يسقط
القصاص في النفس في الأصح، للتكافؤ
حالة الجرح (١).
د - أن لا يكون القاتل حربيا:
١٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا قصاص
على القاتل إذا كان حربیا، حتى ولو أسلم،
قال الشافعية، لما تواتر من فعله وله
والصحابة من بعده من عدم القصاص ممن
أسلم كوحشي قاتل حمزة ولعدم التزامه أحكام
الإِسلام، ولکن یقتل بما هدر به دمه، وعلى
ذلك فلو قتل حربي مسلماً لم يقتل به
قصاصاً، ويقتل لإهدار دمه، فإذا أسلم
سقط القتل والقصاص (٢).
(١) مغني المحتاج ١٦/٤ .
(٢) بدائع الصنائع ٢٣٦/٧، والدردير مع الدسوقي ٢٣٨/٤، =
٠٠٠
هـ - أن يكون القاتل متعمداً القتل:
١٥ - اتفق الفقهاء على أن القصاص لا يجب
في غير القتل العمد، لقول النبي مثلين:
(العمْدِ قَوَدَ)) (١)، قال الكاساني: لأن
القصاص عقوبة متناهية فلا تجب إلا في
جناية متناهية، والجناية لا تتناهى إلا
بالعمد، والقتل العمد هو قصد الفعل
والشخص بما يقتل غالبا .
والتفصيل في مصطلح (قتل
عمد ف ١).
و - أن يكون القاتل مختارا:
١٦ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة وزفر
من الحنفية إلى أن الإكراه لا أثر له في إسقاط
القصاص عن المكرَه، فإذا قتل غيره مكرها
لزمه القصاص، ولزم القصاص المكرِ أيضا
وذلك في الجملة (٢).
وذهب الحنفية إلى أن من شروط
القصاص أن يكون القاتل مختارا اختيار
الإِيثار، فلا قصاص علی مکره إكراها ملجئا
استوفى شروطه الأخرى (٣)، وهل يجب
= والزرقاني ٣/٨، ومغني المحتاج ١٥/٤ - ١٦، وكشاف القناع
٠٥٢٤/٥
(١) حديث: ((العمد قود)).
أخرجه ابن أبي شيبة (٣٦٥/٩) من حديث ابن عباس.
(٢) الدسوقي ٤ /٢٤٤، ومغني المحتاج ٩/٤، والمغني ٦٤٥/٧.
(٣) بدائع الصنائع ٢٣٥/٧.
- ٢٦٦ -

قصاص ١٦ - ١٨
٠٠٠٠
القصاص على المكرهِ؟
فيه تفصيل ينظر في مصطلح (إكراه
ف ١٩).
أما الإِكراه غير الملجىء فلا أثر له
ويقتص معه من القاتل.
وتفصيل ذلك في مصطلح (إكراه
ف ١٩ - ٢٤).
ز- أن لا يكون المقتول جزء القاتل أو من
فروعه :
١٧ - ذهب الجمهور إلى أنه لا يقتل والد
بولده مطلقا، لقول النبي وقال: ((لا يقاد
الوالد بالولد» (١)، ولأنه کان سبب حیاته فلا
یکون الولد سبباً في موته، وفي حکم الوالد
هنا كل الأصول من الذكور والإناث مهما
بعدوا، فيدخل في ذلك الأم والجدات وإن
علون من الأب کن أم من الأم، کما يدخل
الأجداد وإن علوا من الأب كانوا أو من الأم،
الشمول لفظ الوالد لهم جميعًا (٢).
وروي عن أحمد أن الأم تقتل بالابن
خلافا للأب، والصحيح أنها كالأب فلا
(١) حديث: ((لا يقاد الوالد بالولد .. ))
أخرجه الترمذي (١٨/٤) من حديث عمر بن الخطاب،
وصحح إسناده البيهقي في المعرفة (١٢ / ٤٠) بلفظ: ((لا يقاد
الأب من ابنه».
(٢) البدائع ٢٣٥/٧، ومغني المحتاج ١٨/٤، والمغني ٦٦٦/٧،
وكشاف القناع ٥٢٧/٥.
تقتل بالابن (١).
وذهب المالكية إلى أن الأب إذا قتل ابنه
قتل به إذا كان قصدُ إزهاق روحه واضحا،
فإذا لم يكن واضحا لم يقتل به، قال الدردير:
وضابطه أن لا يقصد إزهاق روحه، فإن
· قصده كأن يرمي عنقه بالسيف، أو يضجعه
فيذبحه ونحو ذلك فالقصاص (٢) .
وهذا كله في الوالد النِّسَبِي، قال
الحنابلة: أما الوالد من الرضاع فإنه يقتل
بولده من الرضاع لعدم الجزئية الحقيقية (٣).
ح - أن لا يكون المقتول مملوكا للقاتل:
١٨ - اتفق الفقهاء على أن العبد إذا قتل
سيده قتل به، أما السيد إذا قتل عبداً أو أمة
مملوكين له، فإنه لا يقتل بهما، لقوله إليه: ((لا
يقتل حر بعبده)) (٤).
ومثل المملوك هنا من له فيه شبهة ملك،
أو كان يملك جزءاً منه، فإنه لا قصاص،
لأنه لا يمكن استيفاء بعض القصاص دون
بعض، لأنه غير متجزىء.
كما لا يقتل المولى بمدبّره، وأم ولده،
(١) المغني ٦٦٧/٧.
(٢) الشرح الكبير ٢٦٧/٤.
(٣) كشاف القناع ٥٢٨/٥.
(٤) حديث: ((لا يقتل حر بعبد)»
أخرجه الدار قطني (١٣٣/٣) من حديث ابن عباس وأعلُّه ابن
حجر في التلخيص (٤ /١٦) بتضعيف أحد رواته .
- ٢٦٧ -

قصاص ١٨ - ٢٢
ومكاتبه، لأنهم مماليكه حقيقة (١).
ط - أن يكون القتل مباشرا:
١٩ - ذهب الجمهور إلى وجوب القصاص في
المباشرة والتسبب على سواء، إذا توافرت
شروط القصاص الأخرى.
ومذهب الحنفية: أن يكون القتل
مباشرة، فلو قتله بالسبب کمن حفر بئرا في
الطریق فوقع فيها إنسان فمات فلا قصاص
على الحافر، وكذلك الشاهد إذا شهد بالقتل
فاقتص من القاتل بشهادته ثم رجع عن
الشهادة، أو ثبت أنه كان كاذباً لثبوت حياة
المقتول، فإنه لا يقتص منه عندهم (٢).
ي۔ أن یکون القتل قد حدث في دار
الإِسلام:
٢٠ - ذهب الشافعية والحنابلة إلى أن من قتل
مسلما في دار الحرب فعليه القود، لإِطلاق
الآيات الكريمة والأحاديث الشريفة الدالة
على وجوب القصاص من غیر تفریق بین دار
ودار (٣).
وعند الحنفية إذا أسلم الحربي ولم یهاجر
إلينا فقتله مسلم في دار الحرب لم يقتل به،
(١) البدائع ٢٣٥/٧، والشرح الكبير للدردير ٤ /٢٦٧، والقرطبي
٢٤٨/٢ - ٢٤٩، ومغني المحتاج ١٧/٤، والمغني ٦٥٩/٧ .
(٢) البدائع ٢٣٩/٧ - ٢٤٠، والدسوقي ٤ /٢٤٤، ٢٤٦، ومغني
المحتاج ٧/٤، والمغني ٦٤٥/٧ - ٦٤٦.
(٣) الأم ٣٠/٦، ومغني المحتاج ١٣/٤، والمغني ٦٤٨/٧ .
لأنه من أهل دار الحرب مكاناً، فكان
کالمحارب لاعصمة له، وكذلك إذا كان
تاجران مسلمان في دار الحرب فقتل أحدهما
الآخر فإنه لاقصاص فيه أيضا (١).
ك - العدوان :
٢١ - اتفق الفقهاء على أن القصاص لا يجب
في القتل العمد إذا لم يكن فيه عدوان،
والعدوان يعني تجاوز الحد والحق، فإذا قتله
بحق أو بإذن القتيل لم يقتل به لعدم
الاعتداء، وعلى ذلك يخرج القتل قصاصا،
أو حدا، أو دفاعا عن النفس، أو دفاعا عن
المال كقتل السارق والغاصب، أو تأدیبا، أو
تطبيبا في الجملة، فإن القتل في هذه الأحوال
كلها لا يجب فيه القصاص لعدم الاعتداء.
والتفصيل في (إذن ف ٣٩ و٥٨ و٦٠،
وتأدیب ف ١١، وتطبیب ف ٧، وصیال ف ٦)
ل - أن لا يكون ولي الدم فرعا للقاتل :
٢٢ - لو كان ولي الدم فرعا للقاتل، كأن
ورث القصاص عليه، سقط القصاص،
وهو ممنوع للجزئية، لأنه لا يقتل والد بولده،
وكذلك إذا كان الفرع أحد المستحقين
(١) البدائع ٢٣٧/٧ .
- ٢٦٨ -

قصاص ٢٢ - ٢٤
للقصاص، فإنه يسقط القصاص كله، لأنه
لا يتجزأ(١).
م - أن يكون ولي الدم في القصاص معلوماً:
٢٣ - وهذا شرط نص عليه الحنفية، فإذا كان
ولي الدم مجهولا لا يجب القصاص، لأن
وجوب القصاص وجوب للاستیفاء،
واستيفاء المجهول متعذر فتغذر
الإيجاب (٢).
ن - أن لا يكون للقاتل شريك في القتل
سقط القصاص عنه :
٢٤ - إذا سقط القصاص عن أحد المشاركين
في القتل لأي سبب كان غير العفو عنه سقط
القصاص عن الجميع عند الحنفية (٣)، لأن
القتل واحد، ولا یمکن أن يتغير موجبه بتغیر
المشارکین فیه، فإن كان أحد القاتلین صغيرا
أو مجنونا أو أبا أو مدافعا عن نفسه أو
ماله ... سقط القصاص عن الجميع.
أما إذا قتل اثنان رجلا، فعفا الولي عن
أحدهما فإنه لايسقط القصاص عن الثاني
بذلك، و لكن له أن یقتص منه، وله أن
(١) بدائع الصنائع ٢٤٠/٧، والدر المختار ٣٤٥/٥، ومغني
المحتاج ١٨/٤، والمغني ٦٦٨/٧ .
(٢) بدائع الصنائع ٢٤٠/٧ .
(٣) ابن عابدين ٣٥٠/٥ و٣٥٩، وبدائع الصنائع ٢٣٥/٧ -
٢٣٦.
يعفو عنه كالأول، وقال أبو يوسف: إذا عفا
عن أحدهما سقط القصاص عن الثاني.
هذا ما دام الولي العافي واحدا، فإذا كان
للقتيل أولياء فعفا أحدهم، سقط القصاص
للباقين باتفاق الحنفية، لأن القصاص لا
يتجزأ، فإذا قتل إنسان رجلين، فعفا ولي
أحدهما دون الآخر، سقط حق الأول وبقي
حق الثاني في القصاص على حاله (١).
وذهب المالكية إلى وجوب القصاص على
شريك الصبي إن تمالاً على قتله، فإن لم
یتمالاً على قتله وتعمدا قتله، أو الكبير فقط،
فلا قصاص على الكبير، لاحتمال أن ضرب
الصغير هو القاتل، إلا أن يدعي أولياء
القتيل أنه مات بضرب الكبير، ويقسمون
على ذلك فيقتل الكبير.
ولا قصاص على شريكٍ مخطىءٍ أو
مجنون، وهل يقتص من شريكِ سبعٍ، أو
جارح نفسه جرحا يموت منه غالبا، أو
شريك حربي لم يتمالاً على قتله، وإلا اقتص
من الشريك. أو شريكِ مَرَضٍ، بأن جرحه
ثم مرض مرضا يموت منه غالبا ثم مات، ولم
يدر أمات من الجرح أم من المرض؟ قولان
للمالكية، والراجح في شريك المرض
القصاص، وفي غيره لا يوجد ترجيح، قال
(١) بدائع الصنائع ٢٤٧/٧ .
- ٢٦٩ -

قصاص ٢٤ - ٢٥
الدسوقي : والراجح في شريك المرض
الحادث بعد الجرح القسامة ويثبت القود في
العمد، وكل الدية في الخطأ، أما إذا كان
المرض قبل الجرح فإنه يقتص من الجارح
اتفاقا، وقال: وأما المسائل الثلاث الأول
فالقولان فيها على حد سواء كما قرره
شيخنا (١)
وذهب الشافعية: إلى أنه لا يقتص من
شريكٍ مخطىءٍ أو شبه عمد، ويقتص من
شريك من امتنع قوده لمعنى فيه إذا تعمدا
جميعا، فلا يقتل شريك مخطىء وشبه مخطىء
وشبه عمد، لأن الزهوق حصل بفعلين
أحدهما يوجبه والآخر ينفيه، فغلب المسقط.
ويقتل شريك الأب في قتل ولده، وعلى
الأب نصف الدية مغلظة، وفارق شريك
الأب شريك المخطىء بأن الخطأ شبهة في
فعل الخاطىء والفعلان مضافان إلى محل
واحد، فأورٹ شبهة في القصاص كما لو
صدرا من واحد، وشبهة الأبوة في ذات الأب
لا في ذات الفعل، وذات الأب متميزة عن
ذات الأجنبي، فلا تورث شبهة في حقه (٢).
وذهب الحنابلة إلى أنه لو قتل جماعة
واحدا، وكان أحد الجماعة أبا للقتيل سقط
القصاص عن الأب وحده، ووجب على
(١) الدردير والدسوقي عليه ٢٤٧/٤، والزرقاني ١١/٨.
(٢) مغني المحتاج ٤/ ٢٠ .
الآخرين، لأن كلا منهم قاتل يستحق
القصاص منفردا، فكذلك إذا كان في
جماعة، وفي رواية عن أحمد: لا قصاص على
الأب ولا على شركائه كالحنفية، لأن القتل
منهم جميعا، فلا يختلف وصفه من واحد منهم
عن الآخر، وما دام قد سقط عن أحدهم فإنه
يسقط عن الباقين.
ومثل الأب هنا كل من سقط القصاص
عنه لمعنى فيه من غير قصور في السبب ففيه
الروايتان عن أحمد، كالذمي مع المسلم،
والحر مع العبد في قتل العبد، فإذا اشترك في
القتل صبي ومجنون وعاقل سقط القصاص
عنهم جميعًا في الأصح، لأن سقوط القصاص
عن الصبي والمجنون لمعنى في فعله، وفي
رواية عن أحمد أنه يسقط عن الصبي
والمجنون فقط، ويجب على العاقل (١).
قتل الجماعة بالواحد:
٢٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لو تواطأ
جماعة على قتل واحد معصوم الدم، فإن
الجمع يقتلون بالفرد الذي تم التواطؤ على
قتله، لما روي أن عمر بن الخطاب رضي الله
عنه قتل سبعة من صنعاء قتلوا رجلا، وقال:
((لو تمالأ عليه أهل صنعاء لقتلتهم
.(١) المغني ٦٧٦/٧ - ٦٧٨ .
- ٢٧٠ -

٠٠
قصاص ٢٥ - ٢٦
جميعا)) (١).
والتفصيل في مصطلح (تواطؤف ٧).
ولي القصاص في النفس :
٢٦ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن القصاص
حق المجني عليه أولاً، لأن الجناية وقعت عليه
فكان الجزاء حقه، وعلى ذلك فإذا عفا المجني
عليه بشروطه سقط القصاص، فإذا مات
المجني عليه من غير عفو، انتقل القصاص
إلى الورثة على سبيل الاشتراك بينهم، كل
منهم حسب حصته في التركة (٢)، يستوي
فيهم العاصب وصاحب الفرض، والذكر
والأنثى، والصغير والكبير، فإذا مات مدينا
بدين مستغرق، أو مات لا عن تركة
فالقصاص لورثته أیضا وإن لم یرثوا شيئا، لأن
فيهم قوة الإرث، وأنه لو كان له مال زائد عن
الدين لورثوه منه، فكذلك القصاص.
وقال أبو حنيفة: المقصود من القصاص
هو التشفي، وأنه لا يحصل للميت، ويحصل
لورثته، فكان حقا لهم ابتداء، وثبت لكل
واحد منهم على الكمال لا على الشركة، ولا
(١) أثر عمر رضي الله عنه: ((لو تمالأ عليه أهل صنعاء .... ))
أخرجه البيهقي (٤١/٨)، والبخاري تعليقاً (فتح الباري
٢٢٧/١٢) واللفظ للبيهقي، وصحح إسناده، ووصله ابن
حجر في فتح الباري (٢٢٧/٢).
(٢) بدائع الصنائع ٢٤٨/٧ - ٢٤٩، والدسوقي ٢٤٠/٤، ومغني
المحتاج ٣٩/٤، ٥٠، ٥١، وكشاف القناع ٥٤٦/٥.
يمنع ذلك أن للميت فيه حقا حتى يسقط
بعفوه (١).
وذهب المالكية إلى أن استيفاء القصاص
لعصبة المجني علیه الذكور فقط، سواء كانوا
عصبة بالنسب کالابن، أو بالسبب کالولاء،
فلا دخل فيه لزوج ولا أخ لأم أو جد لأم،
ويقدم فيه الابن ثم ابن الابن، ويقدم
الأقرب من العصبات على الأبعد، إلا الجد،
فإنه يكون له مع الإخوة بخلاف الأب،
والمراد بالعصبة هنا العصبة بنفسه لاشتراط
الذكورة فيه، فلا يستحقه عصبته بغيره أو مع
غيره (٢) .
إلا أن المالكية نصوا على أن القصاص
يكون للنساء بشروط ثلاثة :
الأول: أن يكن من ورثة المجني عليه،
کالبنت والأخت.
والثاني: أن لا يساويهن عاصب، فإن
ساواهن فلا قصاص لهن، كالبنت مع
الابن، والأخت مع الأخ، فإنه لا حق لهما في
القصاص، والحق فيه للابن وحده، وللأخ
وحده .
والشرط الثالث: أن تكون المرأة الوارثة ممن
لو ذُكّرت عصبت، كالبنت والأخت الشقيقة
(١) بدائع الصنائع ٢٤٢/٧، وابن عابدين ٣٦٤/٥.
(٢) الدسوقي ٢٥٦/٤ .
- ٢٧١ -

قصاص ٢٦ - ٢٧
أو لأب، فأما الزوجة والجدة الأم والأخت
فلا قصاص لهن مطلقا .
لأم
فإذا كان للمجني علیه وراث من النساء،
وعصبته من الرجال أبعد منهن، کان حق
استيفاء القصاص لهن وللعصبة الأبعد
منهن (١).
وقد اتفق الفقهاء على أن لكل من الأولياء
المنفردین والمتعددين توكيل واحدمنهم أو من
غيرهم في استيفاء القصاص.
والتفصيل في مصطلح (وكالة).
وللأب حق استيفاء القصاص عن ابنه
عند الحنفية لولايته عليه، أما غير الأب من
أولیاء النفس کالأخ والعم فله ذلك أيضا عند
أبي حنيفة خلافا لأبي يوسف. أما الوصي
فليس له استيفاء القصاص عن القاصر
المشمول بوصايته، لأن الوصاية على المال
فقط وليس القصاص منه .
وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن الولي لا
يستوفي القصاص عمن يلي
عليه، أبا أو غيره (٢).
فإذا لم یکن للمقتول وارث ولا عصبة،
کان حق استيفاء القصاص للسلطان عند
الجمهور لولايته العامة، وقال أبو يوسف:
(١) الدسوقي ٢٥٨/٤ .
(٢) المغني ٧٤٠/٧، والمهذب ١٨٥/٢، وبدائع الصنائع
٢٤٣/٧ - ٢٤٤، وكشاف القناع ٥٣٣/٥.
لا ولاية للسلطان في استيفاء القصاص إذا كان
المقتول في دار الإِسلام.
وقال المالكية: حق القصاص للسلطان
وليس له أن يعفو (١).
طريقة استيفاء القصاص في النفس :
٢٧ - ذهب المالكية والشافعية وهو رواية
للحنابلة إلى أن القاتل يقتص منه بمثل
الطريقة والآلة التي قتل بها، لقوله تعالى:
﴿وَإِنْ عَاقِبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَاعُوقِبْتُم
بِهِ﴾(٢)، إلا أن تكون الطريقة محرمة، كأن
يثبت القتل بخمر فيقتص بالسيف عندهم،
وإن ثبت القتل بلواط أو بسحر فيقتص
بالسيف عند المالكية والحنابلة، وكذا في
الأصح عن الشافعية .
ومقابل الأصح عند الشافعية في الخمر
یإیجاره مائعا کخل أو ماء، وفي اللواط بدس
خشبة قريبة من آلته ويقتل بها. (٣)
وذهب الحنفية وهو المذهب عند الحنابلة
إلی أن القصاص لا یکون إلا بالسيف،
ونص الحنابلة على أن يكون في العنق مهما
كانت الآلة والطريقة التي قتل بها، لقوله
(١) بدائع الصنائع ٢٤٣/٧، والدسوقي ٢٥٦/٤، والمهذب
١٨٥/٢.
(٢) سورة النحل / ١٢٦ .
(٣) الدسوقي ٢٦٥/٤ - ٢٦٦، والمهذب ١٨٦/٢، والمغني
٦٨٨/٧.
- ٢٧٢ -

قصاص ٢٧ - ٢٩
وَ لَّ: ((لا قَوَدَ إلا بالسيف)) (١)، والمراد
بالسيف هنا السلاح مطلقا، فيدخل
السكين والخنجر وغير ذلك (٢).
٢٨ - وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يجوز
استيفاء القصاص إلا بإذن الإِمام فيه خطره،
ولأن وجوبه يفتقر إلى اجتهاد لاختلاف الناس
في شرائط الوجوب والاستيفاء، لكن يسن
حضوره عند الشافعية.
والمذهب عند الحنابلة أن لا يستوفى
القصاص إلا بحضرة السلطان أو نائبه، فإذا
استوفاه الولي بنفسه بدون إذن السلطان
جاز، ويعزر لافتئاته على الإِمام (٣).
استيفاء القصاص في النفس :
٢٩ - يشترط لاستيفاء القصاص في النفس
أن يكون الولي كامل الأهلية، فقد اتفق
الفقهاء على أن ولي القصاص إذا
كان كامل الأهلية واحدا كان أو أكثر أن له
طلب القصاص واستيفاءه، فإن طلبه أجیب
إليه، ثم إن كان واحدا أجيب إليه إذا طلبه
مطلقاً، وإذا كانوا متعددين أجيبوا إليه إذا
(١) حديث: ((لا قود إلا بالسيف)»
أخرجه ابن ماجه (٨٨٩/٢) من حديث النعمان بن بشير،
وضعفه ابن حجر کما في فتح الباري (١٢ / ٢٠٠).
(٢) بدائع الصنائع ٢٤٥/٧، والدر المختار ٣٤٦/٥، والمغني
٦٨٨/٧، والإنصاف ٤٩٠/٩ .
(٣) حاشية ابن عابدين ٣٥٢/٥، ومنح الجليل ٣٤٥/٤، ومغني
المحتاج ٤ /٤٠، والإنصاف ٤٨٧/٩، والمغني ٧ /٦٩٠.
طلبوه جميعا، فإذا أسقطه أحدهم سقط
القصاص - كما تقدم -.
فإذا كان ولي القصاص قاصرا، أو كانوا
متعددين بعضهم كامل الأهلية وبعضهم
ناقص الأهلية .
فذهب الشافعية وأحمد في الظاهر
والصاحبان من الحنفية إلى أنه ينتظر الصغير
حتی یکبر، والمجنون حتی یفیق، لأنه ربما
يعفو فيسقط القصاص، لأن القصاص
عندهم يثبت لكل الورثة على سبيل
الاشتراك، ولأن القصاص للتشفي، فحقه
التفويض إلى خيرة المستحق، فلا يحصل
باستيفاء غيره من ولي أو حاكم أو بقية
الورثة، إلا أنه يحبس القاتل حتى البلوغ
والإِفاقة، ولا يخلى بكفيل، لأنه قد يهرب
فيفوت الحق .
وعند أبي حنيفة وهو الصحيح في المذهب
يكون لكاملي الأهلية وحدهم حق طلب
القصاص، لأن القصاص ثابت لكل منهم
كاملا - عنده - على سبيل الاستقلال، فإذا
طلبوه أجيبوا إليه، ولا عبرة بالآخرين ناقصي
الأهلية، لأن عفوهم لا يصح.
وذهب المالكية إلى أنه لا ينتظر صغير لم
يتوقف الثبوت عليه، ولا ينتظر مجنون مطبق
لا تعلم إفاقته بخلاف من يفيق أحيانا فتنتظر
- ٢٧٣ -
٤٠

قصاص ٢٩ - ٣١
إفاقته (١).
فإذا كان أحد الأولياء كاملي الأهلية غائبا
انتظرت عودته بالاتفاق، لأن له العفو فيسقط
به القصاص، ولأن القصاص للتشفي كما
سبق (٢).
زمان استيفاء القصاص في النفس :
٣٠ - إذا ثبت القصاص بشروطه جاز للولي
استيفاؤه فورا من غير تأخير لأنه حقه، إلا أنه
لا يعد مستحقا له حتى يموت المجني عليه،
فإذا جرحه جرحا نافذا لم يقتص منه حتى
يموت، لأنه ربما شفي من جرحه فلا
قصاص لعدم توفر سببه وهو الموت، فإذا
مات ثبت القصاص فيستوفى فورا .
وسواء في ذلك أن يكون القاتل معافى أو
مريضا، وسواء أن يكون الوقت باردا أو
حارا، لأن المستحَق الموت، ولا يؤثر في الموت
شيء من ذلك.
إلا أن الفقهاء نصوا على أن القاتل إذا
كان امرأة حاملا يؤخر القصاص حتى تلد،
حفاظا على سلامة الجنين وحقه في الحياة، بل
إنها تنظر إلى الفطام أيضا إذا لم يوجد غيرها
(١) بدائع الصنائع ٢٤٣/٧، والزيلعي ١٠٨/٦، والزرقاني
٢١/٨ - ٢٣. ومغني المحتاج ٤ /٤٠، والمغني ٧٣٩/٧،
والشرح الصغير ٤ /٣٥٩ - ٣٦٠.
(٢) بدائع الصنائع ٢٤٣/٧، والزيعلي ١٠٩/٦، ومغني المحتاج
٤ /٤٠، والمغني ٧٣٩/٧، والشرح الصغير ٣٥٩/٤ - ٣٦٠.
الإِرضاعه، فإذا ادعت الحمل وشك في
دعواها أريت النساء، فإن قلن: هي حامل
أُجّلت، ثم إن ثبت حملها حبست
حتى تلد وإن قلن : غير حامل اقتص
منها فورا (١).
مكان استيفاء القصاص في النفس :
٣١ - ليس للقصاص في النفس مكان
معين، إلا أنه إذا التجأ الجاني إلى الحرم،
فقد اختلف الفقهاء :
فذهب المالكية والشافعية وأبو يوسف من
الحنفية إلى أن من توجَّب عليه القصاص،
إذا لجأ إلى الحرم قتل فيه، فإن دخل الكعبة
أو المسجد الحرام أو غيره من المساجد أخرج
منه وقتل خارجه .
وذهب الحنفية والحنابلة إلى أنه لا يخرج
منه ولا يقتل فيه، ولكن يمنع عنه الطعام
والشراب حتى يخرج من الحرم بنفسه ويقتص
منه .
هذا ما دامت الجناية وقعت خارج الحرم
في الأصل، فإذا كانت وقعت في الحرم
أصلا، جاز الاقتصاص منه في الحرم وخارجه
باتفاق الفقهاء (٢).
(١) الدر المختار ١٤٨/٣، والدردير مع الدسوقي ٢٦٠/٤،
والزرقاني ٢٤/٨، ومغني المحتاج ٤٣/٤، والمغني ٧/ ٧٣١ .
(٢) الدر المختار ٣٥٢/٥، والزرقاني ٢٤/٨، والدسوقي
٢٦١/٤، والمهذب ٢ /١٨٩، ومغني المحتاج ٤٣/٤، والمغني
٢٣٦/٨ و ٢٣٩.
- ٢٧٤ -

قصاص ٣١ - ٣٤
ما يسقط به القصاص في النفس :
يسقط القصاص في النفس بأمور، هي :
أ - فوات محل القصاص:
٣٢ - ذهب الحنفية والمالكية والشافعية وهو
المذهب عند الحنابلة إلى أنه إذا مات القاتل
قبل أن يقتص منه سقط القصاص لفوات
محله، لأن القتل لا يرد على ميت، وسواء في
ذلك أن يكون الموت قد حصل حتف أنفه،
أو بقتل آخر له بحق كالقصاص والحد،
وتجب الدية في تركته عند الشافعية وهو
المذهب عند الحنابلة .
أما إذا قُتل القاتل عمدا عدوانا، فذهب
الحنفية والشافعية وهو المذهب عند الحنابلة
إلى سقوط القصاص مع وجوب الدية في مال
القاتل الأول عند الشافعية وهو المذهب عند
الحنابلة .
وذهب المالكية وفي رواية عند الحنابلة إلى
أن الواجب هو القصاص على القاتل الثاني
لأولياء المقتول الأول. وذهب المالكية إلى أنه
إذا كان القتل خطأ فتجب الدية لأولياء
المقتول الأول في مال القاتل الثاني (١).
(١) بدائع الصنائع ٢٤٦/٧، والشرح الصغير ٣٣٧/٤، وشرح
الزرقاني ١٨/٨، والأم ١٠/٦، ومغني المحتاج ٤٨/٤،
والشرح الكبير بهامش المغني ٤١٧/٩، والإنصاف ٦/١٠
ب - العفو عن القصاص:
٣٣ - القصاص حق لأولياء الدم، فإذا عفَوا
عن القصاص عفْوا مستوفيا لشروطه سقط
القصاص بالاتفاق، لأنه حق لهم فيسقط
بعفوهم، والعفو عن القصاص مندوب إليه
شرعا (١) لقوله تعالى: ﴿فَمَنْ عُفِىَ لَهُ مِنْ
أَخِيهِ شَىْءٌ فَأَنْبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَآءُ إِلَيْهِ
بِإِحْسَانٍ﴾ (٢)، وقوله سبحانه: ﴿فَمَن
تَصَدَّقَ بِهِ، فَهُوَ كُفَّارَةٌلَهُ﴾ (٣) وحديث أنس
ابن مالك رضي الله تعالى عنه قال: ((ما رأيت
النبي بَّ رُفع إليه شيء فيه قصاص إلا أمر
(٤)
فيه بالغفو)) (٤) .
والتفصيل في مصطلح (عفو ف ١٨ -٣٠).
جـ - الصلح عن القصاص في النفس :
٣٤ - اتفق الفقهاء على جواز الصلح بين
القاتل وولي القصاص على إسقاط القصاص
بمقابل بدل يدفعه القاتل للولي من ماله، ولا
يجب على العاقلة، لأن العاقلة لا تعقل
العمد، ويسمى هذا البدل بدل الصلح عن
(١) الشرح الكبير مع المغني ٤١٤/٩، والمهذب ١٨٩/٢.
(٢) سورة البقرة/١٧٨ .
(٣) سورة المائدة/ ٤٥ .
(٤) حديث: ((ما رأيت النبي رفع إليه شىء ... ))
أخرجه أبو داود (٤ /٦٣٧) من حديث أنس، وسكت عنه
المنذري في مختصر السنن (٢٩٨/٦).
- ٢٧٥ -

قصاص ٣٤ - ٣٧
دم العمد، ثم إذا كان الولي أو الأولياء كلهم
عاقلین بالغین جاز أن یکون بدل الصلح هو
الدية أو أقل منها أو أكثر منها، من جنسها أو
من غير جنسها، حالا أو مؤجلا على سواء،
لأن الصلح معاوضة، فيكون على بدل يتفق
عليه الطرفان بالغا مابلغ ما داما عاقلين
بالغين .
والتفصیل في مصطلح (صلح ف ٣١).
القصاص في الجناية على ما دون النفس :
٣٥ - أجمع الفقهاء على وجوب القصاص فيما
دون النفس بشروطه كما في القصاص في
النفس، والدليل عليه قوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا
عَلَيْهِمْ فِيَهَآ أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ
بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ
وَالسِنَّ بِلْسِنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصُ فَمَن تَصَدَّفَ
بِهِ، فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَهُ، وَمَن لَّمْ يَحْكُمْ بِمَآ أَنَزَلَ
اُللَّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الَّلِمُونَ﴾ (١).
وروی أنس رضي الله تعالى عنه أن الربيع
بنت النضر بن أنس كَسَرت ثَنَّةً جارة لها،
فعرضوا عليهم الأرش فأبوا، وطلبوا العفو
فأبوا، فأتوا النبي ◌ِّ فأمر بالقصاص، فجاء
أخوها أنس بن النضر فقال: يا رسول الله
أتكسر ثنية الربيع؟ والذي بعثك بالحق
(١) سورة المائدة / ٤٥ .
لا تكسَر ثنيتها، فقال النبي ◌َّ: ((كتاب الله
القصاص» قال: فعفا القوم، ثم قال رسول
الله الله: ((إن من عباد الله من لو أقسم على
الله لأبره)) (١).
ولأن ما دون النفس كالنفس في الحاجة
إلى حفظه بالقصاص، فكان كالنفس في
وجوب القصاص (٢) .
أسباب القصاص فيما دون النفس :
٣٦ - للقصاص فيما دون النفس أسباب
هي: إبانة الأطراف وما يجري مجرى
الأطراف، وإذهاب معاني الأطراف مع بقاء
عينها والمقصود بها المنافع، والشجاج وهي
الجراح في الرأس والوجه، والجراح في غير
الرأس والوجه.
وينظر تفصيل أحكامها في مصطلح
(جناية على ما دون النفس ف ١٣ - ٣٢)
ومصطلح (جراح ف ٨ - ١٠) ومصطلح
(شجاج ف ٤ - ١١).
شروط القصاص فيما دون النفس :
٣٧ - يشترط للقصاص فيما دون النفس
شروط هي: أن يكون الفعل عمدا، وأن
(١) حديث: ((إن من عباد الله ... ))
سبق تخريجه ف ٧ .
(٢) بدائع الصنائع ٢٩٧/٧، والمهذب ١٧٨/٢، وكشاف القناع
٠٥٤٧/٥
- ٢٧٦ -

٠٠
قصاص ٣٧ - ٣٩
يكون الفعل عدوانا، والتكافؤ في الدين،
والتكافؤ في العدد، والمماثلة في المحل،
والمماثلة في المنفعة، وإمكان الاستيفاء من غير
حیف .
وينظر تفصيل أحكامها في مصطلح
(جناية على ما دون النفس ف ٤ - ١١).
٧ أثر السراية في القصاص فيما دون النفس :
٣٨ - سراية الجناية مضمونة بلا خلاف بين
الفقهاء لأنها أثر الجناية، والجناية مضمونة
وكذلك أثرها، ثم إن سرت إلى النفس كأن
يجرح شخصا عمدا فصار ذا فراش (أي
ملازماً لفراش المرض) حتى يحدث الموت، أو
سرت إلى ما لا یمکن مباشرته بالإِتلاف،
كأن يجني على عضو عمدا فيذهب أحد
"المعاني كالبصر والسمع ونحوهما وجب
القصاص بلا خلاف.
س. والتفصيل في مصطلح (سراية ف ٤).
القصاص في الجنايتين :
٣٩ - إذا قَطَعَ أصبعَ آخر من منتصف
المفصل، ثم قطعها من المفصل بعد ذلك،
فقد ذهب الحنفية إلى أن الجناية الثانية إن
كانت قبل البُرْء من الأولى اقتص منه من
المفصل، لأنه قطع واحد في الحكم، ولو
كانت الجناية الثانية بعد البرء من الأولى لم
يقتص منه، لأن الجناية الأولى لا قصاص
فيها، لأنها ليست من المفصل فتعذرت
المساواة، والثانية قطع لعضو ناقص فلا
قصاص فيها أيضا (١).
ولو قطع ید رجل ثم قتله، فإن بریء بعد
القطع اقتص منه بالقطع والقتل، لأن كل
جناية منهما مستقلة فيقاد بها، وإن لم يبرأ بعد
القطع فقولان للحنفية، قول لأبي حنيفة وهو
الظاهر بأنهما كجنايتين فيقطع ويقتل كما إذا
برىء، وقول للصاحبين يقتل ولا يقطع (٢).
وأطلق الشافعية القول بوجوب القصاص
في الجنايتين إذا كانت كل منهما توجب
القصاص، من غير اشتراط البرء أو عدمه،
قال الشيرازي: وإن جنى على رجل جناية
يجب فيها القصاص ثم قتله وجب القصاص
فیھما، لأنهما جنايتان يجب القصاص في کل
واحدة منهما، فوجب القصاص فيهما عند
الاجتماع، كقطع اليد والرجل (٣).
فإذا جنى على اثنين فقطع يمين كل منهما
اقتص منه بقطع يمينه، ثم إن حضرا معا
فلهما أن يقطعا يمينه، ويأخذا منه دية بينهما
نصفين، وإن حضر الأول فقطع له، ثم
حضر الثاني فله الدیة وحده - دیة الید - وهذا
(١) بدائع الصنائع ٣٠٢/٧ .
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٦٠/٥.
(٣) المهذب ١٨٤/٢.
- ٢٧٧ -

قصاص ٣٩ - ٤٢
عند الحنفية والحنابلة (١).
وذهب المالكية إلى أن القطع يندرج في
القتل سواء أكانت الجنايتان على واحد أو على
أكثر من واحد ما لم يقصد مُثْلَة، فإن قصد
مُثْلَةً لم تندرج الجناية على ما دون النفس في
الجناية على النفس إن كانتا على واحد، فإن
تعدد المجني عليهم اندرجت مطلقا، وقال
الزرقاني: واندرج في قتل النفس طرف إن
تعمده ثم قتله، وإن كان الطرف لغيره كقطع
يد شخص وفقء عين آخر وقتل آخر عمدا
فيندرجان في النفس، ثم قال: لم يقصد
مُثْلَةً، خاص بطرف المجني عليه الذي قتله
بعد قطع طرفه، أما طرف غيره فيندرج (٢).
سقوط القصاص فيما دون النفس :
٤٠ - يسقط القود فيما دون النفس بموت
الجاني قبل القصاص لفوات محله، كما يسقط
بعفو المجني عليه أو صلحه، وكذلك بعفو
الأولياء إن مات أو صالحهم أو صالح
أحدهم على مال وإن قل، وكذلك بفوات
محل القصاص في الجاني (٢).
طريقة استيفاء القصاص فيما دون النفس :
٤١ - يكون القصاص فيما دون النفس بالآلة
(١) بدائع الصنائع ٢٩٩/٧ - ٣٠٠، والمغني ٧٠١/٧ .
(٢) الزرقاني ٢٩/٨ .
(٣) بدائع الصنائع ٢٩٨/٧.
المناسبة له، كالسكين وما سواها كي لا
يتعدى القصاص الجناية، لأن ذلك شرط
فيه، وعلى ذلك فلا يقتص بالسيف في
الجراح، لأنه قد يتعدى الجرح المراد فيهشم
العظم .
ويجب أن يكون المستوفي عالما بطريقة
القطع ومقداره لئلا يجاوز الحد كالطبيب
الجراح ونحوه .
فإذا كان المجني علیه عاما بذلك مُگّن من
الاقتصاص إن قدر عليه، وإلا قام به نائب
الإِمام المفوض والعالم بذلك (١).
من يستوفي القصاص فيما دون النفس :
٤٢ - ذهب الحنفية وهو ظاهر كلام أحمد إلى
أنه يجوز لولي الدم القصاص فيما دون النفس
إذا كان عالما بالجراحة .
وذهب المالكية والشافعية وفي قول عند
الحنابلة إلى أن ولي الدم لا يمكّن من
الاستيفاء بنفسه، ولا يليه إلا نائب الإِمام،
لأنه لا يؤمن مع قصد التشفي أن يجني عليه
بما لا یمکن تلافیه (٢).
(١) المهذب ١٨٧/٢، والمغني ٧٠٤/٧.
(٢) بدائع الصنائع ٢٤٤/٧، والمدونة ٤٣٣/٦، والمهذب
١٨٦/٢، والجمل على شرح المنهج ٤٩/٥، والمغني مع الشرح
الکبیر ٤١٢/٩.
- ٢٧٨ -

قَصبة، قصد، قصر الصلاة، قَصَّة ١
مره
قَصَبة
انظر: مقادير
قصد
انظر: نية
قصر الصلاة
انظر: صلاة المسافر
قَصَّة
التعريف :
١ - القَصّة - بالفتح - في اللغة: الحص بلغة
الحجاز، وجاء في الحديث على التشبيه: لا
تعجلن حتى ترين القصة البيضاء (١)، قال
أبو عبيد: معناه أن تخرج القطنة والخرقة التي
تحتشي بها المرأة كأنها قصة لا يخالطها صفرة،
وقيل: المراد النقاء من أثر الدم، ورؤية
القَصة مثل لذلك (٢).
وفي الاصطلاح: قال الزيلعي : القَصة
شيء يشبه الخيط الأبيض يخرج من قُبل
النساء في آخر أيامهن يكون علامة على
طهرهن.
وقيل: هو ماء أبيض يخرج في آخر
الحيض (٣) .
(١) حديث: ((لا تعجلن .... ))
أخرجه مالك في الموطأ (١ /٥٩) ط. الحلبي عن عائشة.
(٢) المصباح المنير، والقاموس المحيط.
(٣) تبيين الحقائق ٥٥/١، وانظر فتح القدير ١١٣/١ ط. بولاق،
ومواهب الجليل ١/ ٣٧٠، ٣٧١، وشرح الزركشي على مختصر
الخرقي ٤٣٢/١، ٤٣٣.
- ٢٧٩ -

٠٠
قصّة ٢ - ٣.
الألفاظ ذات الصلة :
الجفوف :
٢ - الجفوف: هو أن تدخل المرأة الخرقة
فتخرجها جافة ليس عليها شيء من الدم ولا
من الصفرة والكدرة (١).
وكل من القَصة والجفوف علامة على
الطهر.
الحكم الإجمالي:
٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن كلاً من
القَصة البيضاء والجفوف علامة للطهر، فإذا
رأت المرأة أيا منهما عقب الحيض طهرت به،
سواء كانت المرأة ممن عادتها أن تطهر بالقصة
أو بالجفوف .
قال ابن عابدين من الحنفية: لو وضعت
الكرسف في الليل وهي حائضة أو نفساء
فنظرت في الصباح فرأت عليه البياض
الخالص حكم بطهارتها من حين وضعت
للتيقن بطهارتها وقته (٢).
وقد اختلفت عبارات الحنفية في اعتبار
الجفوف علامة للطهر، وقد عبر ابن نجيم
عن هذا الاختلاف بقوله: وفي فتح القدير:
ومقتضى المروي في الموطأ والبخاري أن مجرد
(١) مواهب الجليل ٣٧٠/١، الشرح الصغير ٢١٤/١.
(٢) مجموعة رسائل ابن عابدين ص ٨٥.
الانقطاع دون رؤية القصة لا يجب معه
أحكام الطاهرات، وكلام الأصحاب فيما
يأتي كله بلفظ الانقطاع، حيث يقولون :
وإذا انقطع دمها فكذا، مع أنه قد يكون
الانقطاع بجفاف من وقت إلى وقت ثم ترى
القصة، فإن كانت الغاية القصة لم تجب
تلك الصلاة، وإن كان الانقطاع على سائر
الألوان وجبت، وأنا متردد فيما هو الحكم
عندهم بالنظر إلى دليلهم وعباراتهم في إعطاء
الأحكام. والله أعلم، ورأيت في مروي :
عبد الوهاب عن يحيى بن سعيد عن ريطة
مولاة عَمْرة عن عمرة أنها كانت تقول للنساء:
إذا أدخلت إحداكن الكرسف فخرجت
متغيرة فلا تصلي حتى لا ترى شيئا، وهذا
يقتضي أن الغاية الانقطاع .
وقد يقال هذا التردد لا يتم إلا إذا فسرت
القصة بأنها بياض ممتد كالخيط، والظاهر من
كلامهم ضعف هذا التفسير، فقد قال في
المغرب: قال أبو عبيدة: معناه: أن تخرج
القطنة أو الخرقة التي تحتشي بها المرأة كأنها
قصة لا تخالطها صفرة ولا تُرَبِيّة، ويقال إن
القصة شيء كالخيط الأبيض يخرج بعد
انقطاع الدم كله، ويجوز أن يراد بها انتفاء
اللون وأن لا يبقى منه أثر ألبتة، فضرب رؤية
القصة مثلا لذلك، لأن رائي القصة غير
- ٢٨٠ -