Indexed OCR Text

Pages 21-40

فَتْوَی ٢ - ٣
والقضاء شبيه بالفتوى إلا أن بينهما فروقاً:
منها: أن الفتوى إخبار عن الحكم
الشرعي، والقضاء إنشاء للحكم بين
المتخاصمين .
ومنها: أن الفتوى لا إلزام فيها للمستفتي
أو غيره، بل له أن یأخذ بها إن رآها صوابا وله
أن يتركها ويأخذ بفتوى مفت آخر، أما
الحكم القضائي فهو ملزم (١)، وينبني عليه
أن أحد الخصمين إذا دعا الآخر إلى فتاوى
الفقهاء لم نجبره، وإن دعاه إلى قاض وجب
عليه الإِجابة، وأجبر على ذلك، لأن القاضي
منصوب لقطع الخصومات وإنهائها (٢).
ومنها: مانقله صاحب الدر المختار عن
أيمان البزازية: أن المفتي يفتي بالديانة - أى
على باطن الأمر، ويديّن المستفتي، والقاضي
يقضي على الظاهر، قال ابن عابدين: مثاله
إذا قال رجل للمفتي: قلت لزوجتي: أنت
طالق قاصداً الإخبار كاذبا فإن المفتي يفتيه
بعدم الوقوع، أما القاضي فإنه يحكم عليه
بالوقوع (٣).
ومنها: ماقال ابن القيم: إن حكم
(١) إعلام الموقعين ١ / ٣٦، ٣٨، ٤/ ٢٦٤، والإِحكام في تمييز
الفتاوى من الأحكام للقرافي ص ٢٠، حلب مكتبة المطبوعات
الإِسلامية ١٣٨٧ هـ .
(٢) البحر المحيط للزركشي ٦/ ٣١٥ الكويت، وزارة الأوقاف
والشئون الإسلامية .١٩٩ م
(٣) رد المحتار على الدر المختار ٤ / ٣٠٦ .
القاضي جزئي خاص لا يتعدى إلى غير
المحكوم عليه وله، وفتوى المفتي شريعة عامة
تتعلق بالمستفتي وغيره، فالقاضي يقضي
قضاء مُعيَّنا على شخص معين، والمفتي يفتي
حكماً عاماً كلّا: أن من فعل كذا ترتب عليه
كذا، ومن قال كذا لزمه كذا (١).
ومنها: أن القضاء لا يكون إلا بلفظ
منطوق، وتكون الفتيا بالكتابة والفعل
والإِشارة (٢).
ب - الاجتهاد :
٣ - الاجتهاد: بذل الفقيه وسعه في تحصيل
الحكم الشرعي الظّنّ .
والفرق بينه وبين الإِفتاء: أن الإِفتاء:
يكون فيما عُلمَ قطعاً أو ظناً. أما الاجتهاد فلا
يكون في القطعي (٣) وأن الاجتهاد يتم
بمجرد تحصيل الفقيه الحكم في نفسه، ولا
يتم الإِفتاء إلا بتبليغ الحكم للسائل .
والذين قالوا: إن المفتي هو المجتهد،
أرادوا بيان أن غير المجتهد لا يكون مفتيا
حقيقة، وأن المفتي لا يكون إلا مجتهداً، ولم
(١) إعلام الموقعين ١ / ٣٨.
(٢) الفروق للشيخ أحمد بن إدريس القرافي الصنهاجي
المالكي ٤ / ٥٤،٤٨ .
(٣) مسلم الثبوت في أصول الفقه ٢ / ٣٦٢ بولاق، والإِحكام
للقرافي ص ١٩٥ .
- ٢١ -

فتْوَی ٣ - ٥
يريدوا التسوية بين الاجتهاد والإفتاء في
المفهوم (١).
الحكم التكليفي:
٤ - الفتوى فرض على الكفاية، إذ لابد
للمسلمین ممن یبین لهم أحکام دینهم فيما
يقع لهم، ولا يحسن ذلك كل أحد، فوجب
أن يقوم به من لديه القدرة .
ولم تكن فرضٍ عين لأنها تقتضي تحصيل
علوم جمّة، فلو كلِّفها كل واحد لأفضى إلى
تعطيل أعمال الناس ومصالحهم، لانصرافهم
إلى تحصيل علوم بخصوصها، وانصرافهم
عن غيرها من العلوم النافعة، ومما يدل على
فرضيتها قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ
اَللَّهُ مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
وَلَا تَكْتُمُونَهُ﴾(٢) وقول النبي وَلّى: ((من سُئل
عن علم ثم كتمه ألجم يوم القيامة بلجام من
نار)) (٣) .
قال المحلي: ومن فروض الكفاية القيام
بإقامة الحجج العلمية، وحل المشكلات في
(١) الورقات للجويني وشرحها لابن قاسم العبادي:هامش إرشاد
الفحول ص ٢٤٧ والشوكاني في إرشاد الفحول ص ٢٦٥ .
وصفة الفتوى لابن حمدان ص ١٣ .
٢) سورة آل عمران / ١٨٧.
(٣) حديث: ((من سئل عن علم ثم كتمه ... )) أخرجه الترمذي
(٥ / ٢٩) من حديث أبي هريرة، وقال: حديث حسن
صحيح .
الدين، ودفع الشبه، والقيام بعلوم الشرع
كالتفسير والحديث والفروع الفقهية بحيث
يصلح للقضاء والإِفتاء للحاجة إليهما (١).
ويجب أن یکون في البلاد مُفتون لیعرفهم
الناس، فيتوجهوا إليهم بسؤالهم يستفتيهم
الناس، وقدّر الشافعية أن يكون في كل
مسافة قصر واحد (٢) .
تعيّن الفتوى:
٥ - من سئل عن الحكم الشرعي من
المتأهلين للفتوى يتعين عليه الجواب،
بشروط :
الأول: أن لا يوجد في الناحية غيره ممن
يتمكن من الإِجابة، فإن وجد عالم آخر
يمكنه الإفتاء لم يتعين على الأول (٣)، بل له
أن يحيل على الثاني، قال عبد الرحمن بن
أبى ليلى: أدركت عشرين ومائة من الأنصار
من أصحاب رسول الله مَلقر، يسأل أحدهم
عن المسألة، فيردها هذا إلى هذا، وهذا إلى
هذا، حتى ترجع إلى الأول: وقيل: إذا لم
يحضر الاستفتاء غيره تعيّ عليه الجواب (٤).
الثاني: أن يكون المسؤول عالماً بالحكم
(١) شرح المنهاج للمحلي ٤ / ٢١٤.
(٢) شرح المنهاج ٤ / ٢١٤ .
(٣) شرح المنتهى ٣ / ٤٥٨، مكتبة المنيرة.
(٤) المجموع للنووي شرح المهذب للشيرازي ١ / ٤٥ القاهرة،
المكتبة المنيرية
------
- ٢٢ -

فَتْوی ٥ - ٧
بالفعل، أو بالقوة القريبة من الفعل، وإلا لم
يلزم تكليفه بالجواب، لما عليه من المشقة في
تحصيله .
الثالث: أن لا يمنع من وجوب الجواب
مانع، كأن تكون المسألة عن أمر غير واقع،
أو عن أمر لا منفعة فيه للسائل، أو غير
ذلك (١).
منزلة الفتوى:
٦ - تتبين منزلة الفتوى في الشريعة من عدة
أوجه، منها :
أ - أن الله تعالى أفتى عباده، وقال
﴿وَيَسْتَفْتُونَكَ فِىِ النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ
فِيهِنَّ﴾ (٢)، وقال: ﴿يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ
يُقْتِيكُمْ فِ اُلْكَلَةِ﴾ (٢).
ب - أن النبي ◌َّلو كان يتولى هذا المنصب في
حیاته، وكان ذلك من مقتضی رسالته، وقد
كلَّفه الله تعالى بذلك حيث قال: ﴿وَأَنْزَلْنَآ
إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ وَلَعَلَّهُمْ
يَنَفَكَّرُونَ﴾ (٤). فالمفتي خليفة النبي رَّ في
أداء وظيفة البيان، وقد تولى هذه الخلافة بعد
النبي ◌ّله أصحابه الكرام، ثم أهل العلم
بعدهم .
(١) الموافقات ٤/ ٣١٣.
(٢) سورة النساء / ١٢٧ .
(٣) سورة النساء / ١٧٦ .
(٤) سورة النحل / ٤٤.
ج - أن موضوع الفتوى هو بيان أحكام الله
تعالى، وتطبيقها على أفعال الناس، فهي
قول على الله تعالى، أنه يقول للمستفتي :
حق عليك أن تفعل، أو حرام عليك أن
تفعل، ولذا شَبه القرافي المفتي بالترجمان عن
مراد الله تعالى، وجعله ابن القيم بمنزلة
الوزير الموقّع عن الملك قال: إذا كان منصب
التوقيع عن الملوك بالمحل الذي لا ينكر
فضله، ولا تجهل قدره، وهو من أعلى المراتب
السنّات، فكيف بمنصب التوقيع عن رب
الأرض والسموات (١)، نقل النووي: المفتي
موقّع عن الله تعالى، ونقل عن ابن المنكدر
أنه قال: العالم بين الله وبين خلقه، فلينظر
کیف یدخل بينهم (٢) .
تهيب الإِفتاء والجرأة عليه :
٧ - ورد عن النبي وَل قوله: ((أجرؤكم على
الفتيا أجرؤكم على النار)) (٣)، وقد تقدم النقل
عن ابن أبى ليلى ترادّ الصحابة للجواب عن
المسائل. وقد نقل النووي في حديثه عنهم
رواية فيها زيادة: ((مامنهم من يحدّث
بحديث إلاّ ودّ أن أخاه كفاه إياه، ولا
: (١) إعلام الموقعين عن رب العالمين لابن القيم ١ / ١٠.
(٢) مقدمة المجموع ١ / ٧٣ تكملة المطيعي وتحقيقه.
(٣) حديث: ((أجرؤكم على الفتيا أجرؤكم على النار .. ))
أخرجه الدارمی (١ / ٥٧) من حديث عبيد الله بن أبي جعفر
مرسلا .
- ٢٣ -

فَتْوَى ٧ - ٨
يستفتى عن شيء إلّ وَدّ أن أخاه كفاه الفتيا»
ونقل عن سفيان وسحنون: أجسر الناس
على الفتيا أقلهم علماً، فالذي ينبغي للعالم
أن يكون متهيباً للإفتاء، لا يتجرأ عليه إلا
حيث يكون الحكم جليّا في الكتاب أو
السنة، أو يكون مجمعاً عليه، أما فيما عدا
ذلك مما تعارضت فيه الأقوال والوجوه وخفي
حکمه، فعليه أن یتثبت ویتریث حتى
يتضح له وجه الجواب، فإن لم يتضح له
توقف .
وفيما نقل عن الإِمام مالك أنه ربما كان
يسأل عن خمسین مسألة فلا يجيب في واحدة
/ منها، وكان يقول: من أجاب فينبغي قبل
الجواب أن يعرض نفسه على الجنة والنار،
وکیف خلاصه، ثم یجیب، وعن الأثرم قال:
سمعت أحمد بن حنبل يكثر أن يقول: لا
أدري (١).
الفتوى بغير علم :
٨ - الإِفتاء بغير علم حرام، لأنه يتضمن
الكذب على الله تعالى ورسوله، ويتضمن
إضلال الناس، وهو من الكبائر، لقوله
تعالى: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ اَلْفَوَحِشَ مَاظَهَرَ مِنْهَا
وَمَا بَطَنَ وَآلْإِثْمَ وَالْبَغْىَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُواْ
(١) المجموع شرح المهذب ١ / ٤٠، ٤١ .
بِاللَّهِ مَالَمْ يُنَزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُواْ عَلَى
اُللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ ﴾ (١)، فقرنه بالفواحش
والبغى والشرك، ولقول النبي وَل: ((إن الله
لا يقبض العلم انتزاعا ينتزعه من صدور
العلماء، ولكن يقبض العلم بقبض العلماء،
حتی إذا لم يبق عالماً اتخذ الناس رؤوسا
جهالاً، فسئلوا، فأفتوا بغير علم، فضلّوا
وأضلوا)) (٢).
من أجل ذلك كثر النقل عن السلف إذا
سئل أحدهم عما لا يعلم أن يقول للسائل :
لا أدري. نقل ذلك عن ابن عمر رضي الله
عنهما والقاسم بن محمد والشعبي ومالك
وغيرهم، وينبغي للمفتي أن يستعمل ذلك
فى موضعه ويعوّد نفسه عليه، ثم إن فعل
المستفتي بناء على الفتوى أمراً مُحَرَّمًا أو أدّى
العبادة المفروضة على وجه فاسد، حمل المفتي
بغير علم إثمه، إن لم يكن المستفتي قصّر في
البحث عمن هو أهل للفتيا، وإلا فالإِئم
عليهما (٣)، لقول النبي ◌َّفي: ((من أفتى بغير
علم كان إثمه على من أفتاه)) (٤).
(١) سورة الأعراف / ٣٣ .
(٢) حديث: ((إن الله لا يقبض العلم انتزاعا .. ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١ / ١٩٤) ومسلم (٤ / ٢٠٥٨)
من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص واللفظ للبخاري .
(٣) إعلام الموقعين ٤ / ١٧٣، ١٧٤، ٢١٧، ٢١٨.
(٤) حديث: ((من أفتي بغير علم كان إثمه على من أفتاه)).
أخرجه الحاكم (١ / ١٢٦) من حديث أبي هريرة وصححه
ووافقه الذهبي .
- ٢٤ -

فَتْوَى ٩ - ١٠
أنواع مایفتی فیه :
٩ - يدخل الإفتاء الأحكام الاعتقادية: من
الإِيمان بالله واليوم الآخر وسائر أركان
الإِيمان .
ويدخل الأحكام العملية جميعها: من
العبادات والمعاملات والعقوبات والأنكحة،
ويدخل الإِفتاء الأحكام التكليفية كلها،
وهي الواجبات والمحرمات والمندوبات
والمكروهات والمباحات، ويدخل الإفتاء في
الأحكام الوضعية كالإفتاء بصحة العبادة أو
التصرف أو بطلانهما (١).
حقيقة عمل المفتى :
١٠ - لما كان الإفتاء هو الإِخبار بالحكم
الشرعي عن دليله، فإن ذلك يستلزم أموراً:
الأول: تحصيل الحكم الشرعي المجرد في
ذهن المفتي، فإن كان مما لا مشقة في تحصيله
لم يكن تحصیله اجتهاداً، كما لو سأله سائل
عن أركان الإِسلام ماهي؟ أو عن حكم
الإِيمان بالقرآن؟ وإن كان الدليل خفياً، كما
لو كان آية من القرآن غير واضحة الدلالة على
المراد، أو حديثاً نبوّيا وارداً بطريق الآحاد، أو
غير واضح الدلالة على المراد، أو كان الحكم
مما تعارضت فيه الأدلة أو لم يدخل تحت شيء
من النصوص أصلاً، احتاج أخذ الحكم إلى
اجتهاد في صحة الدليل أو ثبوته أو استنباط
الحكم منه أو القياس عليه .
الثاني: معرفة الواقعة المسؤول عنها، بأن
يذكرها المستفتي في سؤاله، وعلى المفتي أن
يحيط بها إحاطة تامة فيما يتعلق به الجواب،
بأن يستفصل السائل عنها، ويسأل غيره إن
لزم، وينظر في القرائن .
الثالث: أن يعلم انطباق الحكم على الواقعة
المسؤول عنها، بأن يتحقق من وجود مناط
الحكم الشرعي الذي تحصّل في الذهن في
الواقعة المسؤول عنها لينطبق عليها الحكم،
وذلك أن الشريعة لم تنص على حكم كل
جزئية بخصوصها، وإنما أتت بأمور كلية
وعبارات مطلقة، تتناول أعداداً لا تنحصر
من الوقائع، ولكل واقعة معينة خصوصية
ليست في غيرها. وليست الأوصاف التي في
الوقائع معتبرة في الحكم كلها، ولا هي طردية
كلها، بل منها مايعلم اعتباره، ومنها ما يعلم
عدم اعتباره، وبينهما قسم ثالث متردد بین
الطرفين، فلا تبقى صورة من الصور
الوجودية المعينة إلا وللمفتي فيها نظر سهل أو
صعب، حتی يحقق تحت أي دلیل تدخل،
وهل يوجد مناط الحكم في الواقعة أم لا، فإذا
حقق وجوده فيها أجراه عليها، وهذا اجتهاد
(١) الفروق للقرافي ٤ / ٤٨، ٥٤ .
- ٢٥ -

فَتْوَى ١٠ - ١١
لا بد منہ لکل قاض ومفت، ولو فرض ارتفاع
هذا الاجتهاد لم تتنزل الأحكام على أفعال
المكلفين إلا في الذهن، لأنها عمومات
ومطلقات، منزلة على أفعال مطلقة كذلك،
والأفعال التي تقع في الوجود لا تقع مطلقة،
وإنما تقع معينة مشخّصة، فلا يكون الحكم
واقعاً عليها إلا بعد المعرفة بأن هذا المعيّن
يشمله ذلك المطلق أو ذلك العام، وقد یکون
ذلك سهلاً وقد لا يكون، وذلك كله
اجتهاد .
ومثال هذا : أن يسأله رجل هل يجب عليه
أن ينفق على أبيه؟ .
فينظر أولاً في الأدلة الواردة، فيعلم أن
الحكم الشرعي أنه يجب على الابن الغني أن
ينفق على أبيه الفقير، ويتعرف ثانياً، حال
کل من الأب والابن، ومقدار مايملكه کل
منهما، وما عليه من الدين، وما عنده من
العيال، إلى غير ذلك مما يظن أن له في الحكم
أثرا، ثم ينظر في حال كل منهما ليحقق وجود
مناط الحكم - وهو الغنى والفقر- فإن الغنى
والفقر اللذين علق بهما الشارع الحكم لكل
منهما طرفان وواسطة، فالغنى مثلاً له طرف
أعلى لا إشكال في دخوله في حد الغنى، وله
طرف أدنى لا إشكال في خروجه عنه، وهناك
واسطة يتردد الناظر في دخولها أو خروجها،
وكذلك الفقر له أطراف ثلاثة - فيجتهد المفتي
في إدخال الصورة المسؤول عنها في الحكم أو
إخراجها بناء على ذلك .
وهذا النوع من الاجتهاد لابد منه في کل
واقعة - وهو المسمى تحقيق المناط - لأن كل
صورة من صور النازلة نازلة مستأنفة في
نفسها، لم يتقدم لها نظير، وإن فرضنا أنه
تقدّم مثلها فلا بدّ من النظر في تحقيق کونها
مثلها أو لا، وهو نظر اجتهاد (١).
شروط المفتى :
١١ - لا يشترط في المفتي الحرّية والذكورية
والنطق اتفاقاً، فتصح فتيا العبد والمرأة
والأخرس ويفتي بالكتابة أو بالإشارة
المفهمة (٢)، وأما السمع، فقد قال بعض
الحنفية: إنه شرط فلا تصح فتيا الأصم وهو
من لا يسمع أصلاً، وقال ابن عابدين: لا
شك أنه إذا کُتب له السؤال وأجاب عنه جاز
العمل بفتواه، إلا أنه لا ينبغي أن ينصب
للفتوى، لأنه لا يمكن كل أحد أن يكتب
له (٣)، ولم يذكر هذا الشرط غيرهم، وكذا لم
يذكروا فى الشروط البصر، فتصح فتيا
(١) الموافقات للشاطبي ٤/ ٨٩، ٩٥
(٢) شرح المنتهى ٣ / ٤٥٧، وإعلام الموقعين ٤/ ٢٢٠.
وحاشية ابن عابدين ٤ / ٣٠٢، وصفة الفتوى لابن حمدان
ص ١٣، والمجموع ١ / ٧٥ تحقيق المطيعي.
(٣) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٤/ ٣٠٢.
- ٢٦ -

فَتْوَى ١١ - ١٤
الأعمى، وصرّح به المالكية (١).
أما ما يشترط في المفتي فهو أمور:
١٢ - أ - الإِسلام: فلا تصح فتيا الكافر.
ب - العقل: فلا تصح فتيا المجنون .
ج - البلوغ: فلا تصح فتيا الصغير .
١٣ - د: العدالة: فلا تصح فتيا الفاسق
عند جمهور العلماء، لأن الإِفتاء يتضمن
الإِخبار عن الحكم الشرعي، وخبر الفاسق
لا يقبل، واستثنى بعضهم إفتاء الفاسق
نفسهُ فإنه یعلم صدق نفسه (٢).
وذهب بعض الحنفية إلى أن الفاسق
يصلح مفتيا، لأنه يجتهد لئلا ينسب إلى
الخطأ (٣).
وقال ابن القيم: تصح فتيا الفاسق، إلا
أن يكون معلناً بفسقه وداعياً إلى بدعته،
وذلك إذا عمّ الفسوق وغلب، لئلا تتعطل
الأحكام، والواجب اعتبار الأصلح
فالأصلح (٤) .
وأما المبتدعة، فإن كانت بدعتهم مكفّرة
أو مفسقة لم تصح فتاواهم، وإلا صحّتْ فيما
لا يدعون فيه إلى بدعهم، قال الخطيب
(١) حاشية الدسوقي ٤ / ١٣٠.
(٢) صفة الفتوى لابن حمدان ص ٢٩، والمجموع ١ / ٤١.
(٣) مجمع الأنهر ٢ / ١٤٥ .
(٤) إعلام الموقعين ٤/ ٢٢٠ وشرح المنتهى ٣/ ٤٥٧، وابن
عابدين ٤ / ٣٠١ .
البغدادي: تجوز فتاوي أهل الأهواء ومن لا
نكفّره ببدعته ولا نفسّقه، وأما الشراة
والرافضة الذين يشتمون الصحابة ويسبون
السلف فإن فتاويهم مرذولة وأقاويلهم غير
مقبولة (١).
١٤ - هـ - الاجتهاد وهو: بذل الجهد في
استنباط الحكم الشرعي من الأدلة المعتبرة،
لقوله تعالى: ﴿قُلّ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبَِّ اُلْفَوَحِشَ
مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَاَلْإِثْمَ وَالْبَغَىَ بِغَيْرِ اَلْحَقِّ
وَأَنْ تُشْرِكُواْ بِاللَّهِ مَالَمْ يُنْزِّلْ بِهِ، سُلْطَانًا وَأَنْ
تَقُولُواْ عَلَى اَللَّهِ مَا لَا نَعْلَمُونَ﴾(٢)، قال
الشافعي فيما رواه عنه الخطيب: لا يحل
لأحد أن يفتي في دين الله، إلا رجلاً عارفاً
بكتاب الله : بناسخِهِ ومنسوخهِ، ومحكمه
ومتشابهه، وتأويله وتنزيله، ومكيّه ومدنيّه،
وما أُريد به، ويكون بعد ذلك بصيراً بحديث
رسول الله وَليل، ويعرف من الحديث مثل
ماعرف من القرآن، ويكون بصيراً باللغة،
بصيراً بالشعر، وما يحتاج إليه للسنة والقرآن
ويستعمل هذا مع الإِنصاف، ويكون مشرفاً
على اختلاف أهل الأمصار، وتكون له قريحة
بعد هذا، فإذا كان هكذا فله أن يتكلم
ويفتي في الحلال والحرام، وإذا لم يكن هكذا
(١) الفقيه والمتفقه للخطيب البغدادي ص ٢٠٢ القاهرة، نشر
زكريا علي يوسف، والمجموع ٤٢/١.
(٢) سورة الأعراف / ٣٣
- ٢٧ -

فَتْوَی ١٤
فليس له أن يفتي . أهـ، وهذا معنى.
الاجتهاد .
ونقل ابن القيِّم قريباً من هذا عن الإِمام
أحمد (١).
ومفهوم هذا الشرط: أن فتيا العامّي
والمقلد الذي يفتي بقول غيره لاتصح، قال
ابن القيم: وفي فتيا المقلد ثلاثة أقوال:
الأول: ما تقدم، وهو أنه لا تجوز الفتيا
بالتقليد، لأنه ليس بعلم، ولأن المقلد لیس
بعالم والفتوى بغير علم حرام، قال: وهذا
قول جمهور الشافعية وأكثر الحنابلة .
الثاني : أن ذلك يجوز فيما يتعلق بنفسه، فأما
أن يتقلد لغيره ويفتي به فلا .
والثالث: أنه يجوز عند الحاجة وعدم العالم
المجتهد، قال: وهو أصح الأقوال، وعليه
العمل (٢) .
وقال ابن عابدين نقلاً عن ابن الهمام:
وقد استقرّ رأي الأصوليين على أن المفتي هو
المجتهد، فأما غير المجتهد ممن يحفظ أقوال
المجتهد فلیس بمفت، والواجب عليه إذا
سئل أن يذكر قول المجتهد على وجه
الحكاية، فعرف أن مايكون في زماننا من
فتوى الموجودين ليس بفتوى، بل هو نقل
(١) إعلام الموقعين ١ / ٤٦.
(٢) إعلام الموقعين ١ / ٤٦ .
كلام المفتي ليأخذ به المستفتي. أهـ، وعليه
أن یذکره على وجه الحکایة ولا يجعله کأنه من
كلامه هو (١)، ومقصودهم أن فتيا المقلد
ليست بفتيا على الحقيقة (٢)، وتسمى فتیا
مجازاً للشبه، ويجوز الأخذ بها في هذه الأزمان
لقلة المجتهدين أو انعدامهم، ولذا قال
صاحب تنوير الأبصار: الاجتهاد شرط
الأولوية .
قال ابن عابدين: معناه: أنه إذا وجد
المجتهد فهو الأولى بالتولية (٣) ..
وقال ابن دقيق العيد: توقيف الفتيا على
حصول المجتهد یفضي إلى حرج عظیم، أو
استرسال الخلق في أهوائهم، فالمختار أن
الراوي عن الأئمة المتقدمین إذا كان عدلاً
متمكناً من فهم كلام الإمام، ثم حكى
للمقلد قوله فإنه یکفیه، لأن ذلك مما یغلّب
على ظن العامّىِّ أنه حكم الله عنده، قال:
وقد انعقد الإِجماع في زماننا على هذا النوع
من الفتيا .
قال الزركشي: أما من شَدًا (جمع) شيئا
(١) حاشية ابن عابدين ١ / ٤٧، والمجموع ١ / ٤٥.
(٢) ابن الصلاح: الفتوى ق ١٠ مخطوط بدار الكتب المصرية برقم
١٨٨٩ أصول، والمجموع للنووي ١ / ٤٢.
(٣) ابن عابدين ٤ / ٣٠٥ وأيضا ٤ / ٣٠٦ وانظر إعلام الموقعين
١ / ٤٦، وصفة الفتوى لابن حمدان ص ٢٤، وإرشاد الفحول
ص ٢٩٦ .
- ٢٨ -

فَتْوَى ١٤ - ١٦
من العلم فقد نُقل الإِجماع على أنه لا يحل له
أن يفتي (١).
١٥ - وليس لمن يفتي بمذهب إمام أن يفتي به
إلاّ وقد عرف دليله ووجه الاستنباط .
قال ابن القيم: لا يجوز للمقلد أن يفتي
في دین الله بما هو مقلد فيه وليس على بصيرة
فیه سوی أنه قول من قلده، هذا إجماع
السلف وبه صرح الشافعي وأحمد
وغيرهما (٢).
وقال الجويني في شرح الرسالة: من حفظ
نصوص الشافعي وأقوال الناس بأسرها غير
أنه لا يعرف حقائقها ومعانيها لا يجوز له أن
يجتهد ويقيس، ولا يكون من أهل الفتوى،
ولو أفتى به لا يجوز (٣)، والأصح عند الحنفية
أن المجتهد في المذهب من المشايخ الذين هم
أصحاب الترجيح لا يلزمه الأخذ بقول الإِمام
على الإطلاق، بل عليه النظر في الدليل
وترجيح مارجح عنده دلیله، فإن لم یکن
كذلك فعليه الأخذ بأقوال أئمة المذهب
بترتيب التزموه، وليس له أن يختار ماشاء (٤)
وكذا صرح الحنفية والشافعية والحنابلة بأنه
(١) البحر المحيط للزركشي ٦ / ٣٠٦.
(٢) إعلام الموقعين ٤ / ١٩٥، ١٩٨ و١ / ٤٥، ومثله في رسم
المفتي لابن عابدين ص ١١ .
(٣) البحر المحيط للزركشي ٦ / ٣٠٧ .
(٤) حاشية ابن عابدين ٤ /٣٠٢، و١ / ٤٨.
لیس له أن یتخیر في مسألة ذات قولین، بل
عليه أن ينظر أيهما أقرب إلى الأدلة أو قواعد
مذهبه فيعمل به، قال ابن عابدين: صرح
بذلك ابن حجر المكي من الشافعية ونقل
الإِجماع عليه وسبقه إلى حكاية الإِجماع فيه
ابن الصلاح والباجي من المالكية، وإذا كان
یعلم أن الصواب في قول غیر إمامه وكان له
اجتهاد فله أن یفتي بها ترجح عنده (١) .
وليس للمفتي المقلد أن يفتي بالضعيف
والمرجوح من الأقوال على ماصرح به الحنفية
والمالكية والحنابلة، بل نقل الحصكفي أن
العمل بالقول المرجوح جهل وخرق
للإجماع (٢) وصرح الحنفية بأن ليس للمفتي
المقلد الإِفتاء بالضعيف والمرجوح حتى في
حق نفسه، خلافًا المالكية الذين أجازوا له
العمل بالضعيف في حق نفسه (٣).
١٦ - وحيث قلنا: إن للمقلد الإفتاء بقول
المجتهد، فيجوز له ذلك سواء كان المقلَّد حيًّا
أو ميتاً، قال الشافعي: المذاهب لا تموت
بموت أربابها. وصرح بذلك صاحب
المحصول، وادعى الإِجماع عليه، لأن
(١) شرح المنتهى ٣/ ٤٥٨، وإعلام الموقعين ٤ / ٢٣٧، وعقود
رسم المفتي لابن عابدين ص ١١ والمجموع ١ / ٦٨ .
(٢) الدر المختار بهامش حاشية ابن عابدين ١ / ٥١، و٢ / ٦٠٢،
والدسوقي على الشرح الكبير ٤/ ١٣٠، و١/ ٢٠، وإعلام
الموقعين ٤ / ٢١١، ١٧٧
(٣) ابن عابدين ١ / ٥١ وحاشية الدسوقي ٤ / ١٣٠.
- ٢٩ -

فَتْوَى ١٦ - ١٩
المجتهد الذي يستنبط حكماً فهو عنده حکم
دائم .
وفي وجه آخر للشافعية والحنابلة : لا يجوز
ذلك لأنه لو عاش فإنه كان يجدد النظر عند
النازلة إما وجوباً أو استحبابا، ولعله لو جدد
النظر لرجع عن قوله الأول (١).
١٧ - وما رجع عنه المجتهد من أقواله فلا
يجوز للمقلّد الإفتاء به، لأنه برجوعه عنه لم
يعد قولاً له، وهذا مالم يرجحه أهل
الترجيح، ومن هنا ترك القديم من أقوال
الشافعي التي خالفها في الجديد، إلا مسائل
معدودة يعمل فيها بالقديم رجحها أهل
الترجيح من أئمة الشافعية، قال الشافعي :
لیس في حل من روی عني القديم (٢).
١٨ - و- جودة القريحة: ومعنى ذلك أن
یکون کثیر الإصابة، صحیح الاستنباط،
فلا تصلح فتیا الغبي، ولا من کثر غلطه،
بل يجب أن يكون بطبعه شديد الفهم
لمقاصد الكلام ودلالة القرائن، صادق
الحكم، وقد تقدم في كلام الشافعي : أن
تكون له قريحة، قال النووي: شرط المفتي
كونه فقيه النفس، سليم الذهن، رصين
الفكر، صحيح النظر والاستنباط. أهـ (٣)
(١) إعلام الموقعين لابن القيم ٢ / ٢١٥، ٢٦٠، والمجموع للنووي
١ / ٥٥ .
(٢) البحر المحيط ٦ / ٣٠٤، والمجموع ١ / ٦٨،٦٦.
(٣) المجموع شرح المهذب ١ / ٤١.
وهذا یصحح فتیاه من جهتین:
الأولى: صحة أخذه للحكم من أدلته .
والثانية: صحة تطبيقه للحكم على الواقعة
المسؤول عنها، فلا يغفل عن أي من
الأوصاف المؤثرة في الحكم، ولا يعتقد تأثير
مالا أثر له .
١٩ - ز- الفطانة والتيقظ: يشترط في المفتي
أن يكون متيقظا (١)، قال ابن عابدين:
شرط بعضهم تيقظ المفتي، قال: وهذا شرط
في زماننا، فلابد أن يكون المفتي متيقظاً يعلم
حيل الناس ودسائسهم، فإن لبعضهم مهارة
في الحيل والتزوير وقلب الكلام وتصوير
الباطل في صورة الحق، فغفلة المفتي يلزم منها
ضرر كبير في هذا الزمان (٢)، وقال ابن
القيم: ينبغي للمفتي أن يكون بصيراً بمكر
الناس وخداعهم وأحوالهم، فإن لم یکن
كذلك زاغ وأزاغ، فالغِرّ يروج عليه زَغَل
المسائل كما يروج على الجاهل بالنقد زَغَل
الدراهم، وذو البصيرة يخرج زَيْفَها كما يخرج
الناقد زَغَل النقود، وكم من باطل يخرجه
الرجل بحسن لفظه وتنميقه في صورة حق،
بل هذا أغلب أحوال الناس، فإن لم يكن
المفتي فقيها في معرفة أحوال الناس تصور له
(١) المجموع ١ / ٤١.
(٢) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٠١.
- ٣٠ -
---

فَتْوَی ١٩ - ٢١
المظلوم في صورة الظالم وعكسه (١)، ومما
يتعلق بهذا ما نبه إليه بعض العلماء من أنه
يشترط في المفتي أن يكون على علم بالأعراف
اللفظية للمستفتي، لئلا يفهم كلامه على غیر
وجهه، وهذا إن كان إفتاؤه في مايتعلق
بالألفاظ كالأيمان والإقرار ونحوها (٢).
٢٠ - والقرابة والصداقة والعداوة لا تؤثر في
صحة الفتوى كما تؤثر في القضاء والشهادة،
فيجوز أن يفتي أباه أو ابنه أو صديقه أو
شریکه أو یفتي على عدوه، فالفتوى في هذا
بمنزلة الرواية، لأن المفتي في حكم المخبر عن
الشرع بأمر عام لا اختصاص له بشخص،
ولأن الفتوى لا يرتبط بها إلزام، بخلاف
حكم القاضي .
ويجوز أن يفتي نفسه، قال ابن القيم:
لكن لا يجوز أن يحابي نفسه أو قريبه في
الفتیا، بأن یرخص لنفسه أو قريبه، ويشدد
على غيره فإن فعل قدح ذلك في عدالته،
ونقل أبو عمرو بن الصلاح عن صاحب
الحاوي أن المفتي إذا نابذ في فتياه شخصاً
معیناً صار خصماً، فترد فتواه علی من عاداه،
كما ترد شهادته عليه إذا وقعت (٣) .
٠٠
(١) إعلام الموقعين ٤ / ٢٢٩، ٢٠٥.
(٢) المجموع ١ / ٤٦.
(٣) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٠٢، والمجموع للنووي ١ / ٤١،
وشرح المنتهى ٣/ ٤٧٢، ٤٧٣، وإعلام الموقعين ٤ / ٢١٠ .
وقد نبه أحمد إلى خصال مكملة للمفتي
حيث قال: لا ينبغي للرجل أن ينصب نفسه
للفتیا حتى يكون فيه خمس خصال: أن
تکون له نيّة، فإن لم یکن له نية لم یکن عليه
نور ولا علی کلامه نور، وأن یکون له علم
وحلم ووقار وسكينة، وأن يكون قوياً على
ماهو فيه وعلى معرفته، والكفاية وإلا مضغه
الناس، ومعرفة الناس (١).
إفتاء القاضي :
٢١ - لا خلاف في أن للقاضي أن يفتي في
العبادات ونحوها ممالا مدخل فيه للقضاء
كالذبائح والأضاحي .
واختلف الفقهاء في إفتائه في الأمور التي
يدخلها القضاء .
فذهب الشافعية في وجه وصححه
النووي، والحنابلة في قول وصححه ابن
القيم إلى أنه يفتي فيها أيضاً بلا كراهة .
وذهب آخرون من الفريقين إلى أنه لا
يجوز، لأنه موضع تهمة، ووجهه أنه إن أفتی
فیھا تکون فتیاہ کالحكم على الخصم، ولا
یمکن نقضه وقت المحاكمة، ولأنه قد یتغیر
اجتهاده وقت الحکم، أو تظهر له قرائن لم
تظهر له عند الإِفتاء، فإن حكم بخلاف
(١) إعلام الموقعين ٤ / ١٩٩، ٢٠٥.
- ٣١ -

فَتْوَی ٢١ - ٢٢
ماأفتى به جعل للمحكوم عليه سبيلاً
للتشنيع عليه، وقد قال شريح: أنا أقضي
لكم ولا أفتي، وقال ابن المنذر: يكره
للقاضي الإفتاء في مسائل الأحكام
الشرعية (١).
وذهب الحنفية في الصحيح عندهم إلى
أن للقاضي أن يفتي في مجلس القضاء وغيره
في العبادات والأحكام وغيرها، مالم يكن
للمستفتي خصومة، فإن كان له خصومة
فلیس للقاضي أن يفتیه فيها (٢) .
ومذهب المالكية أنه یکره للقاضي أن يفتي
في ماشأنه أن يخاصَمَ فيه، كالبيع والشفعة
والجنايات .
قال البرزلي: وهذا إذا كان فيما يمكن أن
یعرض بین یدیه، فلو جاءه السؤال من خارج
البلد الذي يقضي فيه فلا كراهة (٣).
ثم إن أفتى القاضي لم یکن ذلك حكماً،
ويجوز الترافع إلى غيره، فلو حكم هو أو غيره
في النازلة بعينها بخلافه لم يكن نقضاً
لحكمه (٤)، وإن ردّ شهادة واحد برؤية هلال
رمضان لم يؤثر ذلك في الحكم بعدالته، ولا
(١) المجموع للنووي ١ / ٤٢، وإعلام الموقعين ٤/ ٢٢٠، وصفة
الفتوی لابن حمدان ص ٢٩ . .
(٢) حاشية ابن عابدين والدر المختار ٤ / ٣٠٢.
(٣) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ١٣٩.
(٤) إعلام الموقعين ٤ / ٢٢١، وحاشية الدسوقي ٤ / ١٥٧، وابن
عابدين ٤ / ٣٢٦ .
يقال: إنه حكم بكذبه أو بأنه لم ير الهلال،
لأن القضاء لا يدخل العبادات (١).
كما تقدم (ف/٢، ٩) .
ماتستند إليه الفتوى:
٢٢ - المجتهد يفتي بمقتضى الأدلة المعتبرة
بالترتيب المعتبر، فيفتي أولا بما في كتاب الله
تعالى، ثم بما في سنة رسوله ێ، ثم
بالإجماع، وأما الأدلة المختلف فيها
كالاستحسان وشرع من قبلنا، فإن أداه
اجتهاده إلى صحة شيء منها أفتى به، وإذا
تعارضت عنده الأدلة فعليه أن يفتي بالراجح
منها .
وليس له أن يفتي في السعة بمذهب أحد
المجتهدين، مالم يؤده اجتهاده إلى أنه هو
الحق، وليس له أن يفتي بما هو المرجوح في
نظره، نقل الإجماع على ذلك ابن قدامة
والباجي (٢)، وأما المقلد - حيث قلنا: يجوز
إفتاؤه - فإنه يفتي بما تيسّر له من أقوال
المجتهدين، ولا يلزمه أن يسأل عن أعلمهم
وأفضلهم ليأخذ بقوله، لما في ذلك من
الحرج، ولأن الصحابة رضي الله عنهم كان
السائل منهم يسأل من تيسر له سؤاله من
(١) شرح المنتهى ٣ / ٥٠١ .
(٢) روضة الناظر ٢ / ٤٣٨، والموافقات ٤/ ١٤٠، وإرشاد
الفحول ص ٢٦٧ .
- ٣٢ -

فتوى ٢٢ - ٢٣
المفتين من الصحابة، وقيل: عليه أن يبحث
عن الأفضل ليأخذ بقوله .
أما مااختلف عليه اجتهاد اثنين فأكثر،
فإنه يجب علیه الترجيح بينهما بوجه من وجوه
. الترجيح، وليس هو بالخيار يأخذ ماشاء
ويترك ماشاء، قال النووي: ليس للمفتي
والعامل في مسألة القولين أن يعمل بما شاء
منهما بغير نظر، بل عليه العمل
بأرجحهما(١)، وإن بنى المفتي فتياه على
حديث نبوي فعليه أن يكون عالماً بصحته:
إما بتصحيحه هو إن كان أهلا لذلك، أو
يعرف عن أحد من أهل الشأن الحكم
بصحته .
وإن كان بنى فتياه على قول مجتهد -
حيث يجوز ذلك - فإن لم يأخذه منه مشافهة
وجب أن يتوثق، قال ابن عابدين: طريقة
نقله لذلك إما أن يكون له سند إلى المجتهد،
أو یأخذه عن کتاب معروف تناقلته الأيدي،
نحو كتب محمد بن الحسن ونحوها من
التصانيف المشهورة، لأنه بمنزلة الخبر المتواتر
المشهور، وكذا لو وجد العلماء ينقلون عن
الکتاب، ورأى مانقلوه عنه موجوداً فیه ونحو.
ذلك مما يغلب على الظن، كما لو رأى على
(١) المجموع شرح المهذب ١ / ٦٨ .
:الكتاب خط بعض العلماء (١).
وليحذر من الاعتماد على كتب المتأخرين
غير المحررة (٢) .
الإفتاء بالرأي:
٢٣ - الرأي هو: مايراه القلب بعد فكر وتأمّل
وطلب لمعرفة وجه الصواب، مما تتعارض فيه
الأمارات، ولا يقال لما لا تختلف فيه الأمارات:
إنه رأي (٣) والرأي يشمل القياس
والاستحسان وغيرهما (٤).
ولا يجوز الإفتاء بالرأي المخالف للنص أو
الإجماع، ولا يجوز المصير إلى الرأي قبل
العمل على تحصيل النصوص الواردة في
المسألة، أو القول بالرأي غير المستند إلى
الكتاب والسنة، بل بمجرد الخرص
والتخمين .
وقد قال النبي ولي لمعاذ رضي الله عنه:
«کیف تقضي؟ قال: أقضي بما في كتاب الله،
قال: فإن لم یکن في كتاب الله؟ قال: فبسنة
رسول الله صل *. قال: فإن لم يكن في سنة
رسول الله؟ قال: أجتهد رأيي، فقال:
(١) حاشية ابن عابدين ٤ / ٣٠٦ وانظر أيضا المجموع. للنووي
١/ ٤٧ .
(٢) عقود رسم المفتي لابن عابدين ص ١٣ ضمن مجموعة رسائل
ابن عابدين .
(٣) إعلام الموقعين ١ / ٦٦ .
(٤) الإحكام للآمدي ٤ / ٤٦ .
- ٣٣ -

فَتْوَى ٢٣ - ٢٦
الحمد لله الذي وفق رسول رسول الله
(١).
وعن عمر رضي الله عنه أنه قال لشريح:
مااستبان لك من کتاب الله فلا تسأل عنه،
فإن لم يستبن لك في كتاب الله فمن السنة،
فإن لم تجده في السنة فاجتهد رأيك (٢).
الإفتاء بما سبق للمفتي أن أفتى به:
٢٤ - إذا استُفتيَ في مثل ماسبق له أن أفتى
فيه، فإن كان مستحضراً لفتياه وَلدليلها فلا
حاجة إلى إعادة النظر، لأنه تحصيل حاصل،
ولأن الغرض من النظر أن تكون فتياه عن
علم بما يفتي به، مالم يظن أنه لو أعاد النظر
تغير اجتهاده .
وإن ذکر الفتوى الأولى ولم یذکر دلیلها،
ولا طرأ ما يجب رجوعه، فقيل: له أن يفتي
بذلك، والأصح: وجوب تجديد النظر (٣).
التخير في الفتوى عند التعارض:
٢٥ - إذا تعارضت الأدلة في نظر المفتي
المجتهد، أو تعارضت الأقوال المعتبرة في نظر
(١) حديث: أن النبي ◌َلي قال لمعاذ: ((كيف تقضي ... ))
أخرجه الترمذي (٣ / ٦٠٧) وقال: هذا حديث لا نعرفه إلا
من هذا الوجه، وليس إسناده عندي بمتصل .
(٢) إعلام الموقعين ١ / ٦٧ وما بعدها و ٧٩، ٨٥.
(٣) المجموع للنووي ١ / ٤٧ . وصفة الفتوی لابن حمدان ص ٣٩،
ومنتهى السول ٣ / ٧١، إجمع الجوامع وشرحه ٢ / ٣٩٤،
إعلام الموقعين ٤ / ٢٣٢، والبحر المحيط ٦/ ٣٠٢ .
المقلد، فقد ذهب الأكثرون إلى أن المفتي
لیس میرا یأخذ بما شاء ويترك ماشاء، بل
عليه أن يرجح بوجه من وجوه الترجيح بين
الأدلة على ماهو مبين في علم أصول
الفقهه .
وفي تفصيل ذلك ينظر الملحق الأصولي .
تتبع المفتي للرخص:
٢٦ - ذهب عامة العلماء وصرح به النووي في
فتاويه إلى أنه ليس للمفتي تتبع رخص
المذاهب، بأن يبحث عن الأسهل من
القولين أو الوجهین ویفتي به، وخاصة إن
کان یفتي بذلك من يحبه من صديق أو
قریب، ویفتي بغير ذلك من عداهم، وقد
خطًأ العلماء من يفعل ذلك، نقله الشاطبي
عن الباجي والخطابي، ونص بعض العلماء
منهم أبو إسحاق المروزي، وابن القيم على
فسق من يفعل ذلك، لأن الراجح في نظر
المفتي هو في ظنه حكم الله تعالى، فتركه
والأخذ بغيره لمجرد اليسر والسهولة استهانة
بالدين، شبيه بالانسلاخ منه، ولأنه شبيه
برفع التكليف بالكلية، إذ الأصل أن في
التكليف نوعاً من المشقة، فإن أخذ في کل
مسألة بالأخف لمجرد كونه أخفّ، فإنه ماشاء
أن يسقط تكليفاً - من غير مافيه إجماع - إلا
:
- ٣٤ -

فتوى ٢٦ - ٢٧
أسقطه، فيسقط في الزكاة مثلاً زكاة مال
الصغير، وزكاة مال التجارة، وزكاة الفلوس
وما شابهها، وزكاة كثير من المعشرات،
ويسقط تحريم المتعة، ويجيز النبيذ، ونحو
ذلك، قال أحمد: لو أن رجلاً عمل بكل
رخصة: بقول أهل الكوفة في النبيذ، وأهل
المدينة في السماع، وأهل مكة في المتعة، كان
فاسقاً. أ. هـ وقال الأوزاعي: من أخذ
بنوادر العلماء خرج من الإِسلام .
وإن أفتى كل أحد بما يشتهي انخرم
قانون السياسة الشرعية، الذي يقوم على
العدالة والتسوية، وهذا يؤدي إلى الفوضى
والمظالم وتضييع الحقوق بين الناس .
قال ابن سريج: سمعت إسماعيل
القاضي قال: دخلت على المعتضد، فدفع
إليّ كتاباً نظرت فیه وقد جمع فيه الرخص من
زلَلَ العلماء، وما احتج به كل منهم، فقلت:
مؤلف هذا الكتاب زنديق، فقال: لم تصح
هذه الأحاديث؟ قلت: الأحاديث على
مارويت، ولكن من أباح المسكر لم يبح
المتعة، ومن أباح المتعة لم يبح المسكر، وما من
عالم إلا وله زلة، ومن جمع زلل العلماء ثم أخذ
بها ذهب دينه، فأمر المعتضد بإحراق هذا
الكتاب .
على أن الذاهبين إلى هذا القول لم يمنعوا
الإفتاء بما فیه ترخیص إن كان له مستند
صحيح .
قال ابن القيم بعد أن ذكر تتبع المفتي
الرخص لمن أراد نفعه: فإن حسن قصد
المفتي في حيلة جائزة لا شبهة فيها، ولا
مفسدة لتخليص المستفتي بها من حرج جاز
ذلك، بل استُحبّ، وقد أرشد الله نبيه أيوب
عليه السلام إلى التخلص من الحنث: بأن
يأخذ بيده ضغثاً فيضرب به المرأة ضربة
واحدة، قال: فأحسن المخارج ماخلّص من
المآثم، وأقبحها ما أوقع في المحارم (١).
إحالة المفتي على غيره:
٢٧ - للمفتي أن يحيل المستفتي على غيره من
المفتين، إما بقصد أن يبرأ من عهدة الفتوى،
وإمّا لكون الآخر أعلم، وإما لظرف
يستدعي ذلك، ولا تجوز له الإحالة إلا أن
یکون المحال عليه أهلا للفتیا، سواء كان
يعلم أنه يوافقه في الرأي أو يخالفه، فإن أحال
على من ليس أهلا فإنه يكون مُعيناً على الإِئم
والعدوان، قال أبو داود: قلت لأحمد: الرجل
يسأل عن مسألة فأدله على إنسان؟ قال: إذا
کان متبعا ویفتي بالسنة، قلت: إنه يريد
(١) الموافقات ٤ / ١١٨، وما بعدها ١٣٤، ١٤٠، ١٥٥، ٢٥٩
والبحر المحيط ٦ / ٣٢٤، ٣٢٧، وإرشاد الفحول ص ٢٧٢
وإعلام الموقعين ٤ / ٢٢٢، والمجموع للنووي ١ / ٥٥ .
- ٣٥ -
۔

فَتْوَى ٢٧ - ٢٨
الاتباع وليس كل قوله يصيب، قال: ومن
يصيب في كل شيء ؟ .
لكن لا يحل أن يدل على من يخالفه فى
القول إلا أن تكون المسألة اجتهادية، فيجوز
ذلك، لأن اجتهاده ليس أولى من اجتهاد
غيره .
أما إن كان في المسألة نص صحيح أو
إجماع، أو كان المحال عليه ممن يتساهل في
الفتوى فلا تجوز الإِحالة (١).
تشديد المفتي وتساهله:
٢٨ - الشريعة الإسلامية شريعة تتميز
بالوسطية واليسر، ولذا فالذي ينبغي
للمفتي - وهو المخبر عن حكم الله تعالى - أن
يكون كما قال الشاطبي: المفتي البالغ ذروة
الدرجة هو الذي يحمل الناس على الوسط
المعهود فيما يليق بالجمهور، فلا يذهب بهم
مذهب الشدة، ولا يميل بهم إلى طرف
الانحلال، وهذا هو الصراط المستقيم الذي
جاءت به الشريعة، فلا إفراط ولا تفريط،
وماخرج عن الوسط مذموم عند العلماء
الراسخين، وقد رد النبي ◌ّ﴾ على عثمان بن
مظعون رضي الله عنه التبتل (٢) وقال لمعاذ
(١) إعلام الموقعين ٤ / ٢٠٧ وصفة المفتي لابن حمدان ص ٨٢.
(٢) حديث: ((رد النبي ◌َّي على عثمان بن مظعون التبتل)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٩/ ١١٧) ومسلم
(٢ / ١٠٢٠)
رضي الله عنه لما أطال بالناس الصلاة ((يامعاذ
أفتان أنت؟)» (١)، ونهاهم عن الوصال،
ولأنه إذا ذهب بالمستفتي مذهب العنت
والحرج بغّض إليه الدين، وإذا ذهب به
مذهب الانحلال كان مظنة للمشي مع الهوى
والشهوة (٢).
وجاء في المنتهى وشرحه من كتب
الحنابلة: يحرم تساهل مفت في الإفتاء، لئلا
یقول على الله مالا علم له به، ويحرم تقليد
متساهل في الإفتاء لعدم الوثوق به، وقال مثل
ذلك النووي .
وبين السمعاني والنووي أن التساهل
نوعان :
الأول: تتبع الرخص والشبه والحيل المكروهة
والمحرمة كما تقدم .
والثاني: أن يتساهل في طلب الأدلة وطرق
الأحكام ويأخذ بمبادىء النظر وأوائل
الفكر، فهذا مقصر في حق الاجتهاد، فلا
يحل له أن يفتي كذلك مالم تتقدم معرفته
بالمسؤول عنه (٣).
لكن أجاز بعضهم للمفتي أن يتشدد في
(١) حديث: أنه قال لمعاذ: ((يا معاذ أفتان أنت)).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٢ / ٢٠٠) ومسلم (١ / ٣٣٩)
من حديث جابر بن عبد الله .
(٢) الموافقات ٤ / ٢٥٨ .
(٣) شرح المنتهى ٣/ ٤٥٧ والمجموع ١ / ٤٦ وصفة المفتي لابن
حمدان ص ٣١ .
- ٣٦ -

فَتْوی ٢٨ - ٢٩
الفتوى على سبيل السياسة لمن هو مقدم على
المعاصي متساهل فيها، وأن يبحث عن
التيسير والتسهيل على ماتقتضيه الأدلة لمن هو
مشدد على نفسه أو غيره، ليكون مآل الفتوى
أن يعود المستفتي إلى الطريق الوسط (١).
آداب المفتي :
٢٩ - أ- ينبغي للمفتي أن يحسّن زيَه، مع
التقيد بالأحكام الشرعية في ذلك، فيراعي
الطهارة والنظافة، واجتناب الحرير والذهب
والثياب التي فيها شيء من شعارات الكفار،
ولو لبس من الثياب العالية لكان أدعى
لقبول قوله، لقوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ
اللَّهِ الَّتِىَ أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ، وَالطَّيِّبَتِ مِنَ الْرِّزْقِّ قُلّ
هِىَ لِلَّذِينَ ءَامَنُواْ فِى الْحَيَوَةِ الدُّنْيَا خَالِصَةٌ
يَوْمَ الْقِيَمَةِ﴾ (٢) ولأن تأثير المظهر في عامة
الناس لا ينكر، وهو في هذا الحكم
کالقاضي (7).
ب - وينبغي له أن يحسن سيرته،
بتحري موافقة الشريعة في أفعاله وأقواله،
لأنه قدوة للناس في ما يقول ويفعل،
فيحصل بفعله قدر عظيم من البيان، لأن
الأنظار إليه مصروفة، والنفوس على
(١) المجموع ١ / ٤٦،٥٠ .
(٢) سورة الأعراف / ٣٢.
(٣) الإِحكام للقرافي ص ٢٧١ وشرح المنتهى ٣ / ٤٦٨
الاقتداء بهديه موقوفة (١) .
ج۔ وینبغي له أن يصلح سريرته ويستحضر
عند الإِفتاء النية الصالحة من قصد الخلافة
عن النبي صل﴾ في بيان الشرع، وإحياء
العمل بالكتاب والسنة، وإصلاح أحوال
الناس بذلك، ويستعين بالله على ذلك،
ويسأله التوفيق والتسديد، وعليه مدافعة
النيات الخبيثة من قصد العلو في الأرض
والإِعجاب بما يقول، وخاصة حيث يخطىء
غيره ویصیب هو، وقد ورد عن سُحنون:
فتنة الجواب بالصواب أعظم من
فتنة المال (٢).
د - وعليه أن يكون عاملاً بما يفتي به من
الخير، منتهيا عما ينهى عنه من المحرمات
والمكروهات، ليتطابق قوله وفعله، فیکون .
فعله مصدقا لقوله مؤیدا له، فإن کان بضد
ذلك كان فعله مكذبا لقوله، وصادًّا
للمستفتي عن قبوله والامتثال له، لما في
الطبائع البشرية من التأثر بالأفعال، ولا يعني
ذلك أنه ليس له الإفتاء في تلك الحال، إذ ما
من أحد إلا وله زلة، كما هو مقرر عند العلماء
أنه لا يلزم في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أن يكون صاحبه مؤتمرا منتهيا، وهذا ما لم
(١) تبصرة الحكام لابن فرحون ص ٢١ .
(٢) صفة الفتوى لابن حمدان ص ١١ وإعلام الموقعين ٤ / ١٧٢ .
- ٣٧ -

فَتْوَى ٢٩ - ٣٠
تکن مخالفته مسقطة لعدالته، فلا تصح فتیاه
حينئذ (١).
هـ - أن لا يفتي حال انشغال قلبه بشدة
غضب أو فرح أو جوع أو عطش أو إرهاق أو
تغيّر خلق، أو کان في حال نعاس، أو مرض
شديد، أو حرّ مزعج، أو برد مؤلم، أو مدافعة
الأخبثين ونحو ذلك من الحاجات التي تمنع
صحة الفكر واستقامة الحكم (٢). لقول
النبي قال: ((لا يقضين حكم بين اثنين وهو
غضبان)) (٣) فإن حصل له شيء من ذلك
وجب عليه أن يتوقف عن الإِفتاء حتى يزول
ما به ويرجع إلى حال الاعتدال. فإن أفتى في
حال انشغال القلب بشيء من ذلك في بعض
الأحوال وهو يرى أنه لم يخرج عن الصواب
صحت فتياه وإن كان مخاطرا (٤) لكن قيّده
المالكية بكون ذلك لم يخرجه عن أصل
الفكر.
فإن أخرجه الدهش عن أصل الفكر لم
تصح فتياه قطعا وإن وافقت الصواب (٥) .
و - إن كان عنده من يثق بعلمه ودينه فينبغي
له أن يشاوره، ولا يستقل بالجواب تساميا
(١) الموافقات للشاطبي ٤ / ٢٥٢ - ٢٥٨.
(٢) إعلام الموقعين ٤ / ٢٢٧، وصفة الفتوى لابن حمدان ص ٣٤.
(٣) حديث: ((لا يقضين حكم بين اثنين وهو ... ))
أخرجه البخاري (فتح الباري ١٣ / ١٣٦) ومسلم
(٣/ ١٣٤٣) من حديث أبي بكرة، واللفظ للبخاري .
(٤) إعلام الموقعين ٤ / ٢٢٧، وصفة الفتوى لابن حمدان ص ٣٤.
(٥) الشرح الكبير وحاشية الدسوقي ٤ / ١٤٠.
بنفسه عن المشاورة، لقول الله تعالى:
وَشَاوِرْهُمْ فيآلأمّيِ ﴾ (١) وعلى هذا كان
الخلفاء الراشدون، وخاصة عمر رضي الله
عنه، فالمنقول من مشاورته لسائر الصحابة
أكثر من أن يحصر، ويرجى بالمشاورة أن يظهر
له ما قد يخفى عليه، وهذا ما لم تكن المشاورة
من قبيل إفشاء السّر (٢).
ز- المفتي كالطبيب يطلع من أسرار الناس
وعوراتهم على ما لا يطلع عليه غيره، وقد
يضرّ بهم إنشاؤها أو يعرضهم للأذى فعليه
كتمان أسرار المستفتين، ولئلا يحول إفشاؤه لها
بين المستفتي وبين البوح بصورة الواقعة إذا
عرف أن سرّه ليس في مأمن (٣).
مراعاة حال المستفتي :
٣٠ - ينبغي للمفتي مراعاة أحوال المستفتي،
ولذلك وجوه، منها:
أ - إذا كان المستفتي بطيء الفهم، فعلى
المفتي الترفق به والصبر على تفهم سؤاله
وتفهيم جوابه (٤).
ب - إذا كان بحاجة إلى تفهيمه أموراً شرعية
لم يتطرق إليها في سؤاله، فينبغي للمفتي
(١) سورة آل عمران / ١٥٩.
(٢) إعلام الموقعين ٤ / ٢٥٦، والمجموع للنووي ١ / ٤٨
(٣) تبصرة الحكام لابن فرحون ١ / ٢٢٠ بهامش فتح العلي المالك
وإعلام الموقعين ٤ / ٢٥٧ .
. (٤) المجموع للنووي ١ / ٤٨ .
- ٣٨ -

فَتْوَى ٣٠
بیانها له زیادة علی جواب سؤاله، نصحاً
وإرشادا، وقد أخذ العلماء ذلك من حديث
أن بعض الصحابة رضي الله عنهم سألوا
النبي ول عن الوضوء بماء البحر، فقال: ((هو
الطهور ماؤه الحل مينته)) (١) وللمفتي أن
يعدل عن جواب السؤال إلى ما هو أنفع،
ومن ذلك قوله تعالى: ﴿يَسْئَلُونَكَ مَاذَا
يُنفِقُونَ قُلْ مَآ أَنفَقْتُم مِّنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَیْنِ
وَاَلْأَقْرَبِينَ وَاَلْتَ وَالْسَكِينِ وَأَبْنِ السَّبِيلِ
وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّاللَّهَ بِهِ، عَلِيٌ﴾ (٢) فقد
سأل الناس النبي وَلّر عن المنفق فأجابهم
بذكر المصرف إذ هو أهم مما سألوا عنه (٣) .
ج - أن يسأله المستفتي عما هوبحاجة إليه
فيفتيه بالمنع، فينبغي أن يدله على ما هو
عوض منه، كالطبيب الحاذق إذا منع
المريض من أغذية تضره يدله على أغذية
تنفعه (٤) .
د - أن يُسأل عما لم يقع، وتكون المسألة
اجتهادية، فيترك الجواب إشعاراً للمستفتي
بأنه ينبغي له السؤال عما یعنیه مما له فيه نفع
ووراءه عمل، لحديث: ((إن الله كره لكم
(١) حديث: ((هو الطهور ماؤه ... ))
أخرجه الترمذي (١٠١/١) من حديث أبي هريرة، وقال:
حديث حسن صحيح .
(٢) سورة البقرة / ٢١٥ .
(٣) إعلام الموقعين ٤ / ١٥٨.
(٤) إعلام الموقعين ٤ / ١٥٩ .
ثلاثا: قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة
السؤال)) (١) وقال ابن عباس رضي الله عنهما:
((ما كانوا يسألون إلا عما ينفعهم)) وقال ابن
عباس لعكرمة: ((من سألك عما لا يعنيه فلا
تفته)» (٢) .
هـ - أن يكون عقل السائل لا يحتمل
الجواب، فيترك إجابته وجوبا، لقول علي
رضي الله عنه: (حدثوا الناس بما يعرفون،
أتريدون أن يكذّب الله ورسوله؟ )) وقال
ابن مسعود: «ما أنت بمحدث قوما حدیثا لا
تبلغه عقولهم إلا كان لبعضهم فتنة)) (٣).
و- ترك الجواب إذا خاف المفتي غائلة
الفتيا (٤) أي هلاكاً أو فساداً أو فتنة يدبرها
المستفتي أو غيره.
والأصل وجوب البيان وتحريم الكتمان إن
كان الحكم جليًّا(٥) فلا يترك المفتي بيانه لرغبة
ولا رهبة لقول الله تعالى: ﴿وَإِذْ أَخَذَ اَللَّهُ
مِيثَقَ الَّذِينَ أُوتُواْ الْكِتَبَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ
وَلَا تَكْتُمُونَهُ، فَتَبَذُوهُ وَرَآءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْاْ
(١) حديث: ((إن الله كره لكم ثلاثا ... )).
أخرجه البخاري (فتح الباري ٥/ ٦٨) ومسلم (٣/ ١٣٤١)
من حديث المغيرة بن شعبة واللفظ لمسلم.
(٢) شرح المنتهى ٣/ ٤٥٧، وإعلام الموقعين ٤ / ٢٢١،
والموافقات ٤ / ٢٨٦ - ٢٩٠ .
(٣) شرح المنتهى ٣ / ٤٥٧، والموافقات ٤/ ٣١٣.
(٤) شرح المنتهى ٣ / ٤٥٨.
(٥) إعلام الموقعين ٤ / ١٧٥ .
- ٣٩ -

فَتْوَى ٣٠ - ٣١
◌ِهِ ثَمَنًا قَلِيلًاٌ فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ﴾ (١).
لكن إن خاف الغائلة فله ترك الجواب
وكذا له أن يترك الفتيا إن خاف أن يستغلها
الظلمة أو أهل الفجور لمآربهم (٢).
صيغة الفتوى:
٣١ - ينبغي لسلامة الفتيا وصدقها وصحة
الانتفاع بها أن يراعي المفتي أموراً منها:
أ - تحرير ألفاظ الفتيا، لئلا تفهم على وجه
باطل، قال ابن عقيل: يحرم إطلاق الفتيا في
اسم مشترك إجماعا، فمن سئل: أيؤكل أو
يشرب في رمضان بعد الفجر؟ لا بد أن
يقول: الفجر الأول أو الثاني، ومثله من سئل
عن بيع رطل تمر برطل تمر هل يصح؟ فينبغي
أن لا يطلق الجواب بالإِجازة أو المنع، بل
يقول: إن تساويا كيلاً جاز وإلا فلا، لكن
لا یلزم التنبيه على احتمال بعید، کمن سئل
عن ميراث بنت وعم؟ فله أن يقول: لها
النصف، وله الباقي، ولا يلزم التنبيه على أنها
إن کانت قاتلة لأبيها فلا شيء ها، وکذا سائر
موانع الإِرث (٣).
على أن الذي ينبغي للمفتي إن كان في
المسألة تفصيل: أن يستفصل السائل ليصل
(١) سورة ال عمران / ١٨٧ .
(٢). حاشية ابن عابدين ٣/ ٢٦٤.
(٣) شرح المنتهى ٣ / ٤٥٨ .
إلى تحديد الواقعة تحديدًا تاماً، فيكون جوابه
عن أمر محدد، وهذا أولى وأسلم، وإن علم
أي الأقسام هو الواقع فله أن يقتصر على
جواب ذلك القسم، ثم يقول: هذا إن كان
الأمر كذا، وله أن يفصّل الأقسام في جوابه
ویذکر حكم كل قسم، ولكن لا يحسن هذا
إلا إن كان المستفتي غائبا ولم يمكن معرفة
صفة الواقع فيجتهد في بیان الأقسام وحکم
كل قسم، لئلا يفهم جوابه على غير ما
یرید (١).
ب - أن لا تكون الفتوى بألفاظ مجملة، لئلا
يقع السائل في حيرة، کمن سُئل عن مسألة
في المواريث؟ فقال: تقسم على فرائض الله
عز وجل، أو سئل عن شراء العرايا بالتمر؟
فقال: يجوز بشروطه، فإن الغالب أن
المستفتي لا يدري ما شروطه، لكن إن كان
السائل من أهل العلم الذين لا يخفى عليهم
مثل هذا، بل يريد أن يعرف قول المفتي جاز
ذلك (٢) .
ج - يحسن ذكر دليل الحكم في الفتيا سواء
کان آية أو حديثا حیث أمكنه ذلك، ویذکر
علته أو حكمته، ولا يلقيه إلى المستفتي
مجرداً، فإن الأول أدعى للقبول بانشراح صدر
(١) المجموع للنووي ١ / ٤٨، وإعلام الموقعين ٤ / ٢٥٥، ٢٥٦
و ١٨٧، ١٩٤ .
(٢) إعلام الموقعين ٤ / ١٧٧، ١٧٩.
- ٤٠ -