Indexed OCR Text

Pages 321-340

طاعة ٣ - ٥
الصلوات الخمس، والصوم والزكاة والحج،
من كل ما يتوقف على النية قربة وطاعة
وعبادة وقراءة القرآن، والوقف والعتق،
والصدقة ونحوها مما لا يتوقف على نية، قربة
وطاعة لا عبادة. والنظر المؤدى إلى معرفة الله
تعالى طاعة لاقربة ولا عبادة (١).
فالطاعة أعم من القربة والعبادة، والقربة
أعم من العبادة.
ج - المعصية :
٤ - المعصية فى اللغة: خلاف الطاعة،
يقال عصى العبد ربه: إذا خالف أمره،
وعصی فلان أمیرہ یعصیہ عصیا وعصيانا
ومعصية: إذا لم يطعه (٢).
والمعصية اصطلاحا: هى مخالفة الأمر
قصدا (٣) فالمعصية ضد الطاعة.
الأحكام المتعلقة بالطاعة :
أ - طاعة الله عز وجل :
٥ - طاعة الله عز وجل فرض على كل
مكلف. قال تعالى ﴿ياأيها الذين آمنوا
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ولا تبطلوا
أعمالكم﴾ (٤).
(٥) حاشية ابن عابدين ٧٢/١.
(٢) لسان العرب مادة: (عصا).
(٣) التعريفات للجرجانى ٢٨٣ .
(٤) سورة محمد / ٣٣.
ومن حق البارى - جل ثناؤه - على من
أبدعه أن يكون أمره عليه نافذا، وطاعته له
لازمة .
قال الطبرى في تأويل قوله تعالى ﴿اتخذوا
أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون الله والمسيح
ابن مريم وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا لا
إله إلا هو سبحانه عما يشركون﴾ (١): یعنی
وما أمر هؤلاء اليهود والنصارى - الذين اتخذوا
الأحبار والرهبان والمسيح أربابا - إلا أن
يعبدوا معبودا واحدا، وأن لا يطيعوا إلا ربا
واحدا، دون أرباب شتّى، وهو الله الذي له
عبادة كل شىء وطاعة كل خَلْق، المستحق
على جميع خلقه الدينونة له بالوحدانية
والربوبية لا إله إلا هو: ولا تنبغى الألوهية إلا
لواحد، وهو الذى أمر الخلق بعبادته ولزمت
جميع العباد طاعته سبحانه عما يشركون.
وقد بين النبي وَلّ كيفية اتخاذ اليهود
والنصارى الأحبار والرهبان أربابا من دون
الله، وذلك فيما روى عن عدى بن حاتم ((أنه
سمع رسول الله لم يقرأ فى سورة براءة
﴿اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون
الله﴾ قال: أما إنهم لم یکونوا يعبدونهم،
ولكن كانوا إذا أحلوا لهم شيئا استحلوه،
!
(١) سورة التوبة / ٣١.
- ٣٢١ -

طاعة ٥ - ٦
وإذا حرموا عليهم شيئا حرموه)» (١) قال ابن
عباس: لم يأمروهم أن يسجدوا لهم، ولكن
أمروهم بمعصية الله فأطاعوهم، فسماهم الله
بذلك أربابا، وقال الحسن: اتخذوا أحبارهم
ورهبانهم أربابا فى الطاعة (٢).
ب - طاعة رسول الله ريا) :
٦ - إذا وجب الإِيمان برسول الله وحل قاته
وتصديقه فيما جاء به وجبت طاعته؛ لأن ذلك
مما أتى به، وقد تضافرت الأدلة وتواترت على
وجوب طاعة الرسول وَطير، قال الله تعالى
﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله ورسوله ولا
تَولّوا عنه وأنتم تسمعون﴾ (٣) وقال تعالى
﴿وأطيعوا الله والرسول لعلكم ترحمون﴾ (٤)
وقال تعالى: ﴿وإن تطيعوه تهتدوا﴾ (٥) .
وقال تعالى ﴿من يطع الرسول فقد أطاع
الله﴾ (٦) فجعل الله تعالى طاعة رسوله
طاعته، وقرن طاعته بطاعته .
(١) حديث عدى بن حاتم ((أنه سمع رسول الله # يقرأ فى سورة
براءة». أخرجه الترمذى ٢٧٨/٥ وقال: هذا حديث غريب،
وغطيف بن أعين - يعنى أحد رواته - ليس بمعروف فى
الحدیث.
(٢) تفسير الطبرى ٨٠/١٠ وما بعدها (ط الأميرية ١٣٢٧هـ)
تفسير القرطبى ٢٥٩/٥ (ط دار الكتب المصرية ١٩٥٨م).
المنهاج فى شعب الإيمان ١٩٢/١ (ط. دار الفكر ١٩٧٩م).
(٣) سورة الأنفال / ٢٠ .
(٤) سورة آل عمران / ١٣٢.
(٥) سورة النور / ٥٤.
(٦) سورة النساء / ٨٠.
قال القاضى عياض: قال المفسرون
والأئمة: طاعة الرسول التزام سنته والتسليم
لما جاء به، وما أرسل الله من رسول إلا فرض
طاعته على من أرسله إليهم، وقد حكى الله
عن الكفار فى دركات جهنم ﴿يوم تقلب
وجوههم فى النار يقولون ياليتنا أطعنا الله
وأطعنا الرسولا﴾ (١) فتمنوا طاعته حيث لا
ينفعهم التمنى.
وعن أبى هريرة رضي الله تعالى عنه أنه
سمع رسول الله وسلم يقول: ((من أطاعنی فقد
أطاع الله. ومن عصانى فقد عصى الله)) (٢)
وقال النبى وَلّ: ((إذا نهيتكم عن شىء
فاجتنبوه، واذا أمرتكم بشىء فأتوا منه ما
استطعتم)) (٣) وقال ◌َله: ((إنما مثلى ومثل
مابعثنی الله به، كمثل رجل أتى قوما فقال:
یاقوم، إنى رأيت الجیش بعینی، وإنى أنا
النذير العريان (٤) فالنجاء، فأطاعه طائفة
من قومه فأدلجوا، فانطلقوا على مهلهم
(١) سورة الأحزاب / ٦٦.
(٢) حديث أبى هريرة: ((من أطاعنى فقد أطاع الله .. .))
أخرجه البخاری (فتح الباري ١١١/١٣) ومسلم ١٤٦٦/٣.
(٣) حدیث: «إذا نهیتکم عن شىء . .. ))
أخرجه البخاری (فتح البارى ٢٥١/١٣) ومسلم ١٨٣١/٤
من حديث أبي هريرة واللفظ للبخاري .
(٤) النذير العريان: ضرب به المثل فى تحقق الخبر، قال ابن حجر:
ضرب النبى* لنفسه ولما جاء به مثلا بذلك لما أبداه من
الخوارق والمعجزات الدالة على القطع بصدقه، تقريبا لأفهام
المخاطبين بما يألفون ويعرفونه . (فتح البارى
٣١٦/١١ -٣١٧).
- ٣٢٢ -

طاعة ٦ - ٧
فنجوا، وكذبت طائفة منهم فأصبحوا
مکانهم، فصبحهم الجیش فأهلكهم
واجتاحهم، فذلك مثل من أطاعنى فاتبع
ماجئت به، ومثل من عصانی وکذب بما
جئت به من الحق)) (١).
قال الجصاص: فى قوله تعالى ﴿فلا
وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر
بينهم ثم لا يجدوا فى أنفسهم حرجا مما قضيت
ويسلموا تسليما﴾ (٢). دلا لةً على أن من ردّ
شيئا من أوامر الله تعالى أو أوامر رسول الله
* فهو خارج من الإسلام، سواء رده من
جهة الشك فيه أو من جهة ترك القبول
والامتناع من التسليم، وذلك يوجب صحة
ما ذهب إليه الصحابة فی حکمهم بارتداد
من امتنع من أداء الزكاة، وقتلهم وسبی
ذرارهم، لأن الله تعالی حکم بأن من لم يسلم
للنبى * قضاءه وحكمه فليس من أهل
الإِيمان (١).
ج - طاعة أولى الأمر :
٧ - أجمع العلماء على وجوب طاعة أولى الأمر
من الأمراء والحكام،وقد نقل النووی عن
القاضى عياض وغيره هذا الإجماع، قال
تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله
وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم﴾ (١). وقد
ذهب جمهور الفقهاء والمفسرين إلى أن
المقصود بأولى الأمر فى الآية: الأمراء وأهل
السلطة والحكم، وهناك قول بأن المقصود
بأولى الأمر فى الآية هم العلماء، قال الطبرى :
وأولى الأقوال فى ذلك بالصواب قول من
قال: هم الأمراء والولاة، لصحة الأخبار عن
رسول الله وَل بالأمر بطاعة الأئمة والولاة فيما
كان طاعة لله وللمسلمين مصلحة، فعن
أبى هريرة رضى الله عنه أن النبى وح لي قال:
((سیلیکم بعدى ولاة، فيليكم البر ببره
والفاجر بفجوره، فاسمعوا لهم وأطيعوا فی کل
ما وافق الحق، وصلوا وراءهم، فإن أحسنوا
فلكم ولهم، وإن أساءوا فلكم وعليهم)) (٣)
وعن ابن عمر رضى الله عنهما عن النبى واله
قال: ((السمع والطاعة على المرء المسلم فيما
(١) حديث: ((إنما مثلى ومثل ما بعثنى الله به .... ))
أخرجه البخاری (فتح الباري ٢٥٠/١٣) من حديث
أبی موسی .
(٢) سورة النساء / ٦٥.
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٢٦٠/٢ (ط المطبعة البهية
١٣٤٧ هـ)، تفسير الرازى ٢٠/٨ (ط. المطبعة البهية
١٩٣٨م)، تفسير القرطبى ٢٥٩/٥ (ط دار الكتب المصرية)،
الشفا بتعريف حقوق المصطفى ٥٤٢/٢ وما بعدها(ط دار
الكتاب العربی ١٩٨٤م).
(١) سورة النساء / ٥٩.
(٢) حديث أبى هريرة: ((سيليكم بعدي ولاة ... ))
أورده الهيثمى فى مجمع الزوائد ٢١٨/٥ وقال: رواه الطبرانى فى
الأوسط وفيه عبد الله بن محمد بن يحيى بن عروة، وهو ضعيف
جدا .
- ٣٢٣ -

طاعة ٧ - ٨
أحب وكره، مالم يؤمر بمعصية، فإذا أمر
بمعصية فلا سمع ولا طاعة)) (١) .
وعن ابن عباس رضى الله تعالى عنهما
قال: قال رسول الله وَلالفر: ((من رأى من أميره
شيئا يكرهه فليصبر، فإنه ليس أحد یفارق
الجماعة شبرا فيموت إلا مات ميتة
جاهلية)) (٢) وعن أبى هريرة رضى الله تعالى
عنه قال: قال رسول الله وصله: ((عليك
السمع والطاعة فى عسرك ويسرك ومنشطك
ومكرهك، وأثرة علیك)) (٣) قال النووى:
قال العلماء: معناه تجب طاعة ولاة الأمور فيما
يشق وتكرهه النفوس وغيره مما ليس
بمعصية .
وهذه الأحاديث فى الحث على السمع
والطاعة فى جميع الأحوال وسببها اجتماع كلمة
المسلمين، فإن الخلاف سبب لفساد أحوالهم
فی دینهم ودنياهم ، قال الماوردى : إذا قام
الإِمام بحقوق الأمة فقد أدى حق الله تعالى
فيما لهم وعليهم، ووجب عليهم حقان:
(١) حديث: ((السمع والطاعة على المرء المسلم ... ))
أخرجه البخاری (فتح الباری ١٢١/١٣ -١٢٢) من حديث
ابن عمر.
(٢) حديث أبن عباس: ((من رأى من أميره شيئا ... ))
أخرجه البخارى (فتح البارى ١٢١/١٣) ومسلم
(١٤٧٧/٣).
(٣) حديث أبي هريرة: ((عليك السمع والطاعة ... ))
أخرجه مسلم (١٤٦٧/٣).
الطاعة والنصرة مالم يتغير حاله (١).
طاعة العلماء :
٨ - طاعة العلماء واجبة، لقوله تعالى ﴿يا أيها
الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى
الأمر منكم﴾ (٢) حيث ذهب جابر بن
عبد الله، وابن عباس رضى الله عنهم - فى
رواية - ومجاهد وعطاء والحسن البصرى وأبو
العالية إلى أن المقصود بأولى الأمر فى الآية هم
العلماء والفقهاء، وهو قول لأحمد، واختاره
الإِمام مالك، وبه قال ابن القيم قال مطرف
وابن مسلمة: سمعنا مالكا فيقول: هم
العلماء .
وقال ابن القيم: طاعة الفقهاء أفرض
على الناس من طاعة الأمهات والآباء بنص
الكتاب. قال الله تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا
أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر
منكم، فإن تنازعتم فى شىء فردوه إلى الله
والرسول إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر
ذلك خير وأحسن تأويلا﴾(٢) قال القرطبى :
أمر الله تعالى برد المتنازع فيه إلى كتاب الله
(١) تفسير الطبرى ٩٣/٥ وما بعدها ط الأميرية ١٣٢٥ هـ تفسير
القرطبى ٢٥٩/٥ (ط دار الكتب المصرية ١٩٥٨م)، صحيح
مسلم بشرح النووي ٢٢٢/١٢ وما بعدها (ط المطبعة
المصرية)، الأحكام السلطانية للماوردى ص ١٧ (ط مصطفى
الحلبي ١٩٦٠)، الأحكام السلطانية لأبى يعلى ص ٢٨ (ط دار
الكتب العلمية ١٩٨٣م).
(٢) سورة النساء / ٥٩.
(٣) سورة النساء / ٥٩ .
- ٣٢٤ -

طاعة ٨ - ٩
وسنة نبيه * وليس لغير العلماء معرفة كيفية
الرد إلى الكتاب والسنة، ويدل هذا على
صحة كون سؤال العلماء واجبا، وامتثال
فتواهم لازما (١).
وذهبت طائفة من أهل العلم إلى أن
المقصود بأولى الأمر هم الأمراء والعلماء
جميعا، وبه أخذ الجصاص وابن العربى وابن
کثیر وابن تیمیة قال الجصاص: ولیس
يمتنع أن يكون ذلك أمراً بطاعة الفريقين من
أولى الأمر وهم أمراء السراياوالعلماء، وقال ابن
العربى: والصحيح عندى أنهم الأمراء
والعلماء جميعا، أما الأمراء فلأن أصل الأمر
منهم والحكم إليهم، وأما العلماء فلأن
سؤالهم واجب متعين على الخلق، وجوابهم
لازم، وامتثال فتواهم واجب، قال ابن کثیر:
والظاهر - والله أعلم - أنها عامة فى كل أولى
الأمر من الأمراء والعلماء (٢) وقال النووى :
قال العلماء: المراد بأولى الأمر من أوجب الله
طاعته من الولاة والأمراء، هذا قول جماهير
السلف والخلف من المفسرين والفقهاء
(١) تفسير القرطبى ٢٦٠/٥.
(٢) تفسير الطبرى ٩٣/٥ وما بعدها (ط الأميرية ١٣٢٥ هـ) تفسير
القرطبى ٢٥٩/٥ (ط دار الكتب المصرية ١٩٥٨)، أحكام
القرآن للجصاص ٢٥٦/٢ (ط المطبعة البهية ١٣٤٧هـ)
أحكام القرآن لابن العربى ٤٥٢/١ (ط عيسى الحلبى
١٩٥٧ م)، تفسير ابن كثير ٥١٨/١ (ط عيسى الحلبى)،
أعلام الموقعين ٩/١ (ط مطبعة السعادة ١٩٥٥م)، الحسبة فى
الإِسلام لابن تيمية ١٠٣، ١٠٤ (ط. المكتبة العلمية).
وغيرهم، وقيل: هم العلماء، وقيل: العلماء
والأمراء (١) .
هـ - طاعة الوالدين :
٩ - طاعة الوالدين والإِحسان إليهما فرض
على الولد، قال تعالى ﴿وقضى ربك ألا
تعبدوا إلا إیاه وبالوالدین إحسانا، إما يبلغن
عندك الكبر أحدهما أو كلاهما فلا تقل لهما:
أُف ولا تنهرهما، وقل لهما قولا کریما، واخفض
لهما جناح الذل من الرحمة وقل رب ارحمهما كما
ربياني صغيرا﴾ (٢) .
قال القرطبى: أمر الله سبحانه بعيادته
وتوحيده وجعل بر الوالدين مقرونا بذلك كما
قرن شكرهما بشكره فقال: ﴿وقضى ربك ألا
تعبدوا إلا إياه وبالوالدين إحسانا﴾ وقال:
﴿أن اشكر لى ولوالديك إلىَّ المصير﴾ (٣).
وقال الجصاص: (٤) وقضى ربك معناه:
أمر ربك، وأمر بالوالدين إحسانا، وقيل
معناه: وأوصى بالوالدين إحسانا، والمعنى
واحد، لأن الوصية أمر، وقد أوصى الله تعالى
ببر الوالدين والإِحسان إليهما فى غير موضع
من كتابه وقال (ووصينا الإنسان بوالديه
إحسانا﴾ (٥)
(١) صحيح مسلم بشرح النووي ٢٢٣/١٢ (ط المطبعة المصرية).
(٢) سورة الإسراء / ٢٣، ٢٤.
(٣) القرطبى ٢٣٨/١٠، والآية /١٤ من سورة لقمان.
(٤) أحكام القرآن للجصاص ٢٤٢/٣ .
(٥) سورة الإِحقاف / ١٥
- ٣٢٥ -

طاعة ٩ - ١٠
قال ابن العربي: لايجوز أن يكون معنى
قضى هاهنا إلا أمر (١) .
وعن أبى بكرة رضی الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله وسلم: ((ألا أنبئكم بأكبر
الكبائر؟ قلنا: بلى يارسول الله، قال:
الإِشراك بالله وعقوق الوالدين)) (٢).
وقال هشام بن عروة عن أبيه فى قوله
تعالى: ﴿واخفض لهما جناح الذل من
الرحمة): لا تمنعما شيئا يريدانه (٣).
وحق الطاعة للوالدين ليس مقصورا على
الوالدين المسلمين، بل هو مكفول - أيضا -
للوالدين المشركين، قال الجصاص فى قوله
تعالى ﴿أن اشكر لى ولوالديك إلى المصیر،
وإن جاهداك على أن تشرك بی ما ليس لك
به علم فلا تطعهما وصاحبهما فى الدنيا
معروفا﴾ (٤). أمر بمصاحبة الوالدين
المشركين بالمعروف مع النهى عن طاعتهما فى
الشرك، لأنه لا طاعة لمخلوق فى معصية
الخالق (٥) وقال ابن حجر فى قوله تعالى:
(ووصينا الإنسان بوالديه حسنا، وإن.
جاهداك لتشرك بی ما ليس لك به علم فلا
(١) أحكام القرآن لابن العربي ٣/ ١١٨٥.
(٢) حديث أبى بكرة: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر))
أخرجه البخاري (فتح البارى ٤٠٥/١٠ ) .
(٣) تفسير الطبرى ٤٦/١٥.
(٤) سورة لقمان / ١٥،١٤.
(٥) أحكام القرآن للجصاص ٢٤٢/٣ .
تطعهما﴾ (١) اقتضت الآية الوصية بالوالدين
والأمر بطاعتهما ولو كانا كافرين، إلا إذا أمرا
بالشرك فتجب معصیتهما فی ذلك (٢).
و- طاعة الزوج :
١٠ - طاعة الزوج واجبة على الزوجة. قال
الله تعالى: ﴿الرجال قوّامون على النساء بما
فضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من
أموالهم﴾ (٢).
قال القرطبى : قيام الرجال على النساء هو
أن يقوم بتدبيرها وتأدیبها، وإمساكها فى بيتها
ومنعها من البروز (أی الخروج)، وأن عليها
طاعته وقبول أمره مالم تكن معصية (٤) .
وعن أنس ((أن رجلا انطلق غازیا وأوصى
امرأته: أن لاتنزل من فوق البيت، وكان
والدها فى أسفل البيت، فاشتكى أبوها،
فأرسلت إلى رسول الله وَله تخبره وتستأمره
فأرسل إليها: اتقى الله وأطيعى زوجك ثم
إن والدها توفی فأرسلت إليه پڼ تستأمره،
فأرسل إليها مثل ذلك، وخرج رسول الله وَله-
وأرسل إليها: إن الله قد غفر لك بطواعيتك
لزوجك)» (٥) .
(١) سورة العنكبوت /٨.
(٢) فتح الباري ٤٠١/١٠ .
(٣) سورة النساء /٣٤.
(٤) تفسير القرطبى ١٦٩/٥ (ط دار الكتب المصرية ١٩٣٧م).
(٥) حديث أنس: ((أن رجلا انطلق غازيًا ... ))
أخرجه الحكيم الترمذى فى نوادر الأصول ص ١٧٦ .
- ٣٢٦ -

طاعة ١٠ - ١١
وقال ابن قدامة: طاعة الزوج واجبة:
قال أحمد فى امرأة لها زوج وأم مريضة: طاعة
زوجها أوجب عليها من أمها، إلا أن يأذن
لها (١).
حدود الطاعة :
١١ - طاعة الله تعالى وطاعة الرسول وَليه
ليس لها حدود، فيجب على المسلم طاعتهما
مطلقا في كل ما أمرا به ونهيا عنه (٢) فقد أمر
الله تعالى بطاعته وطاعة رسوله من غير تقیید
بقيد فقال تعالى ﴿يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله
وأطيعوا الرسول﴾ (٣) وقد بايع النبى ير
أصحابه على ذلك، فعن عبادة بن الصامت
رضي الله تعالى عنه قال: ((بايعنا رسول الله
وَّل على السمع والطاعة فى العسر واليسر
والمنشط والمكره)) (٤) وعن أبى هريرة رضي الله
تعالى عنه عن النبى وَلهو قال: ((إذا نهيتكم
عن شىء فاجتنبوه، وإذا أمرتكم بشىء فأتوا
منه ما استطعتم)) (٥).
أما طاعة المخلوقين - ممن تجب طاعتهم -
(١) المغنى لابن قدامة ٢٠/٧.
(٢) تفسير الطبرى ١٤٧/٥ (ط مصطفى الحلبى ١٩٥٤)، فتح
الباري ١١١/١٣.
(٣) سورة محمد / ٣٣.
(٤) حديث عبادة بن الصامت: ((بايعنا رسول الله ير على السمع
والطاعة ... ))
أخرجه مسلم ١٤٧٠/٣.
(٥) حديث: ((إذا نهيتكم عن شىء ... )) تقدم ف ٦.
كالوالدين والزوج وولاة الأمر، فإن وجوب
طاعتهم مقيد بأن لايكون فى معصية، إذ لا
طاعة لمخلوق فى معصية الخالق (١) .
قال تعالى فى الوالدين: ﴿وإن جاهداك
علی أن تشرك بی ماليس لك به علم فلا
تطعهما﴾ (٢).
وفى طاعة الزوج روت صفية عن عائشة
رضى الله تعالى عنهما قالت: ((إن امرأة من
الأنصار زوجت ابنتها، فتمعّط شعرُ رأسها،
فجاءت إلى النبى # فذكرت ذلك له،
فقالت: إن زوجها أمرنى أن أصل فى شعرها
فقال: لا، إنه قد لُعن الموصِّلات)) (٣) قال
ابن حجر: لودعاها الزوج إلى معصية فعليها
أن تمتنع، فإن أدبها على ذلك كان الإِثم
عليه (٤) .
وفى طاعة ولاة الأمر روی عبد الله بن عمر
رضى الله عنهما عن النبى وَلّ قال: ((السمع
والطاعة على المرء المسلم فيما أحب وكره مالم
يؤمر بمعصية، فإذا أمر بمعصية فلا سمع
ولا طاعة)) (٥) .
(١) أحكام القرآن للجصاص ٢٤٢/٣.
(٢) سورة لقمان / ١٥، وانظر فتح البارى ٤٠١/١٠.
(٣) حديث عائشة: ((إن امرأة من الأنصار زوجت ابنتها ... ))
أخرجه البخاري ( فتح البارى ٣٠٤/٩) .
(٤) فتح البارى ٣٠٤/٩.
(٥) حديث ابن عمر: ((السمع والطاعة ... ))
تقدم ف ٧، وانظر فتح البارى ١٣/ ١٢١ .
- ٣٢٧ -

طاعة ١٢
الخروج على الطاعة :
١٢ - سبق أن حكم الطاعة هو الوجوب
بمختلف أحوالها، ومن ثم يترتب على
الخروج على الطاعة الإِثم والمعصية والعقاب
قال تعالى محذرا عن مخالفة أمره: ﴿فليحذر
الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو
يصيبهم عذاب أليم﴾ (١) .
قال القرطبى : احتج الفقهاء بهذه الآية
على أن الأمر على الوجوب، ووجهها: أن الله
تبارك وتعالى قد حذر من مخالفة أمره وتوعد
بالعقاب عليها بقوله ﴿أن تصيبهم فتنة أو
یصیبهم عذاب أليم) فتحرم مخالفته، ويجب
امتثال أمره (٢).
وفى مخالفة أمر الرسول وَي الإِثم
والعقاب، فعن أبى هريرة رضى الله تعالى عنه
أن رسول الله ﴾﴾ قال: «کل امتی يدخلون
الجنة إلا من أبى، قالوا: يارسول الله ومن
يأبى ؟ قال: من أطاعني دخل الجنة ومن
عصانی فقد أبی)) (٣) .
وعقوق الوالدين من الكبائر حديث أبى
بكرة رضى الله عنه قال: قال رسول الله وَالآتى :
((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟ قلنا: بلى يارسول
(١) سورة النور / ٦٣.
(٢) تفسير القرطبى ٣٢٢/١٢ (ط دار الكتب المصرية ١٩٦٤م).
(٣) حديث أبى هريرة: ((كل أمتى يدخلون الجنة إلا من أبى .... ))
أخرجه البخاری (فتح البارى ٢٤٩/١٣) .
الله. قال: ثلاث: الإِشراك بالله، وعقوق
الوالدين، وكان متكئا فجلس فقال: ألا
وقول الزور، وشهادة الزور: ألا وقول الزور
وشهادة الزور، فما زال يقولها حتى قلت:
لا يسكت)) (١) وقال ◌َله: ((ثلاثة لايدخلون
الجنة: العاق لوالديه، والمدمن على الخمر،
والمنان بما أعطى)) (٢).
وتفصيل ذلك فى مصطلح: (بر الوالدين
ف ١٥).
وفى مخالفة أمر الزوج والخروج على طاعته
الإِثم العظیم، لما روى جابر رضى الله عنه أن
النبي ولو قال: ((ثلاثة لايقبل الله لهم
صلاة، ولا ترفع لهم إلى السماء حسنة: العبد
الآبق حتى يرجع إلى مواليه فيضع يده فى
أيديهم، والمرأة الساخط عليها زوجها حتى
يرضى، والسكران حتى يصحو)) (٣).
وفى مخالفة الأمير والخروج على طاعته
حديث ابن عباس رضى الله عنهما السابق،
فى طاعة أولى الأمر.
وتفصيل ذلك فى مصطلح: (بغاة فى ٤).
(١) حديث أبى بكرة: ((ألا أنبئكم .... )) تقدم ف ٩.
(٢) حديث: ((ثلاثة لايدخلون الجنة: العاق لوالديه ... ))
أخرجه النسائی ٨٠/٥ -٨١ من حديث ابن عمر، وإسناده
صحیح.
(٣) حديث جابر: ((ثلاثة لا يقبل الله لهم صلاة ... ))
أخرجه ابن عدى فى الكامل ١٠٧٤/٣، واستنكر الذهبى هذا
الحدیث کما فى فيض القدير للمناوی ٣٢٩/٣.
- ٣٢٨ -

طاعون - ١
طاعون
التعريف :
١ - قال ابن منظور: الطاعون لغة: المرض
العام والوباء الذى يفسد له الهواء فتفسد له
الأمزجة والأبدان (١).
وفى المعجم الوسيط: الطاعون داء ورمى
وبائى سببه مكروب يصيب الفئران، وتنقله
البراغيث إلى فئران أخرى وإلى الإِنسان (٢).
وفى الاصطلاح قال النووى: الطاعون
قروح تخرج فى الجسد فتكون فى الآباط أو
المرافق أو الأيدى أو الأصابع وسائر البدن،
ويكون معه ورم وألم شديد، وتخرج تلك
القروح مع لهيب ويسودّ ما حواليه أو يخضّرّ أو
يحمر حمرة بنفسجية كدرة ویحصل معه خفقان
القلب والقىء (٣)، وفى أثر عن عائشة -
رضى الله عنها - أنها قالت للنبي ◌َّ:
((الطعن قد عرفناه فما الطاعون؟ قال : غدة
كغدة البعير يخرج فى المراق والإِبط)) (٤) .
(١) لسان العرب. مادة (طعن) .
(٢) المعجم الوسيط .
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي (١٤ / ٢٠٤) وانظر عمدة القاري
(٢٥٦/٢١) والمنتقى (١٩٨/٧) وفتح البارى (١٨٠/١٠).
(٤) زاد المعاد فى هدى خير العباد (٣٨/٤) (بتحقيق الأرناؤوط) . =
قال ابن قيم الجوزية - بعد أن بين الصلة
بين الوباء والطاعون (١) - هذه القروح
والأورام والجراحات، هى آثار الطاعون،
وليست نفسه ولكن الأطباء لما لم تدرك منه إلا
الأثر الظاهر جعلوه نفس الطاعون .
والطاعون يعبر به عن ثلاثة أمور:
أحدها: هذا الأثر الظاهر، وهو الذى
ذكره الأطباء.
والثانى: الموت الحادث عنه، وهو المراد
بالحديث الصحيح فى قوله: ((الطاعون
شهادة لكل مسلم)) (٢).
والثالث: السبب الفاعل لهذا الداء، وقد
ورد فى الحديث الصحيح: ((أنه بقية رجز
أرسل على بنى إسرائيل)) (٣). وورد فيه ((أنه
وخز أعدائكم من الجن)) (٤) وجاء ((أنه دعوة
نبی)) (٥) .
= وحديث عائشة: أنها قالت للنبى رَله: ((الطعن قد عرفناه فما
الطاعون)) . أخرجه أحمد (١٤٥/٦) وذكره الهيثمى فى مجمع
الزوائد (٣١٤/٢) وقال: رجال أحمد ثقات .
(١) يرى ابن القيم أن بين الوباء والطاعون عموما وخصوصا، فكل
طاعون وباء وليس كل وباء طاعوناً، وكذلك الأمراض العامة
أعم من الطاعون فإنه واحد منها . (زاد المعاد ٣٨/٤).
(٢) حديث: ((الطاعون شهادة لكل مسلم). أخرجه البخاری (فتح
البارى ١٨٠/١٠)، ومسلم (١٥٢٢/٣) من حديث أنس.
(٣) حديث: ((أنه رجز أرسل على بنى إسرائيل)). أخرجه البخارى
(فتح البارى ٥١٣/٦)، ومسلم (١٧٣٧/٤) من حديث
أسامة بن زيد .
(٤) حديث: ((أنه وخز أعدائكم من الجن)). أخرجه أحمد
(٣٩٥/٤)، والحاكم (٥٠/١) من حديث أبى موسى
الأشعرى وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي .
(٥) خبر ((أن الطاعون دعوة نبى)). ورد من حديث أبى منيب=
- ٣٢٩ -

طاعون ٢ - ٤
القنوت لصرف الطاعون :
٢ - يرى الحنفية والشافعية على المعتمد
استحباب القنوت فى الصلاة لصرف
الطاعون باعتباره من أشد النوازل (١) .
وذهب الحنابلة وبعض الشافعية إلى عدم
مشروعية القنوت لرفع الطاعون؛ لوقوعه فى
زمن عمر رضى الله عنه ولم يقنتوا له (٢).
وقال المالكية باستحباب الصلاة لدفع
الطاعون؛ لأنه عقوبة من أجل الزنا، وإن
كان شهادة لغيرهم (٣) .
وفى الصلوات التي يقنت فيها للنوازل وفى
الإسرار أو الجهر به، تفصيل ينظر فى:
(قنوت) .
القدوم علی بلد الطاعون والخروج منه:
٣ - يرى جمهور العلماء منع القدوم على بلد
الطاعون ومنع الخروج منه فرارا من ذلك،
لقول النبى وَله: ((الطاعون آية الرجز ابتلى
الله عز وجل به أناساً من عباده، فإذا سمعتم
= الأحدب قال: ((خطب معاذ بالشام فذكر الطاعون، فقال: إنها
رحمة ربكم ودعوة نبيكم)). أخرجه أحمد (٢٤٠/٥) وذكره
الهيثمى فى مجمع الزوائد (٣١١/٢) وعزاه لأحمد وغيره ثم قال:
رجال أحمد ثقات وسنده متصل .
(١) ابن عابدين ٤٥١/١ وتحفة المحتاج ٦٨/٢ ونهاية المحتاج
٤٨٧/١ (نشر المكتبة الإسلامية) .
(٢) كشاف القناع ٤٢١/١ ونهاية المحتاج ١ /٤٨٧.
(٣) حاشية الدسوقى ٣٠٨/١ (نشر دار الفكر).
به فلا تدخلوا عليه، وإذا وقع بأرض وأنتم
بها فلاتفروا منه)) (١) .
وأخرج مسلم من حديث عامر بن سعد
أن رجلاً سأل سعد بن أبى وقاص رضى الله
عنه عن الطاعون، فقال أسامة بن زيد
رضى الله عنهما أنا أخبرك عنه، قال رسول
الله الله: ((هو عذاب أو رجز أرسله الله على
طائفة من بنی إسرائیل أو ناس كانوا قبلکم،
فإذا سمعتم به بأرض فلا تدخلوها علیه،
وإذا دخلها عليكم فلاتخرجوا منها فراراً) (٢).
وأخرج أحمد من حديث عائشة رضى الله
عنها مرفوعاً ((قلت: يارسول الله فما
الطاعون؟ قال: غدة كغدة الإِبل، المقيم
فيها كالشهيد، والفار منها كالفار من
الزحف)) (٣).
٤ - قال ابن القيم: وفى المنع من الدخول إلى
الأرض التى قد وقع بها الطاعون عدة حكم :
إحداها: تجنب الأسباب المؤذية، والبعد
منها .
(١) حديث: ((الطاعون آية الرجز ... )) أخرجه البخارى (فتح
الباري ١٧٩/١٠) ومسلم (١٧٣٨/٤) من حديث أسامة بن
زيد واللفظ لمسلم .
(٢) حديث أسامة بن زيد: ((هو عذاب أو رجز ... )) أخرجه
البخارى (فتح البارى ٥١٣/٦) ومسلم (١٧٣٨/٤) واللفظ
لمسلم .
(٣) حديث عائشة: ((قلت يارسول الله فما الطاعون ... )) أخرجه
أحمد (١٤٥/٦) وأورده الهيثمى فى مجمع الزوائد (٣١٤/٢)
وقال: رجال أحمد ثقات .
- ٣٣٠ -

طاعون ٤ - ٥
الثانية: الأخذ بالعافية التى هى مادة
المعاش والمعاد .
الثالثة: أن لايستنشقوا الهواء الذى قد
عفن وفسد فيصبهم المرض .
الرابعة: أن لايجاوروا المرضى الذين قد
مرضوا بذلك، فيحصل لهم بمجاورتهم من
جنس أمراضهم .
الخامسة: حمية النفوس عن الطيرة
والعدوى؛ فإنها تتأثر بهما، فإن الطيرة على
من تطير بها، وبالجملة ففى النهى عن
الدخول فى أرضه الأمر بالحذر والحمية،
والنهى عن التعرض لأسباب التلف، وفى
النهى عن الفرار منه الأمر بالتوكل والتسليم
والتفويض، فالأول: تأديب وتعليم، والثانى
تفويض وتسليم .
وفى الصحيح: أن عمر بن الخطاب
رضى الله عنه خرج إلى الشام، حتى إذا
كان بسرْغ لقيه أبو عبيدة بن الجراح رضى
الله عنه وأصحابه، فأخبروه أن الوباء قد
وقع بالشام فقال لابن عباس رضى الله
عنهما: ادع لى المهاجرين الأولين، قال:
فدعوتهم، فاستشارهم وأخبرهم أن الوباء قد
وقع بالشام، فاختلفوا، فقال له بعضهم:
خرجت لأمر، فلانرى أن ترجع عنه، وقال
آخرون: معك بقية الناس وأصحاب رسول
اللّه ◌َّ فلا نرى أن تقدمهم على هذا الوباء،
فقال عمر: ارتفعوا عنى، ثم قال: ادع لى
الأنصار، فدعوتهم له فاستشارهم، فسلكوا
سبيل المهاجرين، واختلفوا کاختلافهم،
فقال : ارتفعوا عنی، ثم قال : ادع لی من ها هنا
من مشيخة قريش من مهاجرة الفتح،
فدعوتهم له، فلم يختلف عليه منهم رجلان،
قالوا: نرى أن ترجع بالناس ولاتقدمهم على
هذا الوباء، فأذن عمر فى الناس: إنى
مصبح على ظهر، فأصبحوا عليه، فقال
أبوعبيدة بن الجراح: يا أمير المؤمنين أفراراً من
قدر الله؟ قال: لو غيرك قالها يا أبا عبيدة!
نعم نفر من قدر الله تعالى إلى قدر الله تعالى،
أرأيت لو كان لك إبل فهبطت وادياً له
عُدْوتان، إحداها خصبة، والأخرى جدبة
ألست إن رعيتها الخصبة رعيتها بقدر الله
تعالى، وإن رعيتها الجدبة رعيتها بقدر الله
تعالی؟ قال: فجاء عبد الرحمن بن عوف وکان
متغيباً فى بعض حاجاته، فقال: إن عندى
فى هذا علمًا، سمعت رسول اللّه محل
يقول: ((إذا كان بأرض وأنتم بها فلاتخرجوا
فراراً منه، وإذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا
علیه)) (١).
٥ - وقد ذكر العلماء فى النهى عن الخروج من
(١) زاد المعاد (٤ /٤٤ - ٤٥) .
وحديث: ((أن عمر بن الخطاب خرج إلى الشام)) أخرجه
البخارى (فتح البارى ١٧٩/١٠) ومسلم (١٧٤٠/٤) .
- ٣٣١ -

طاعون - ٥
البلد التي وقع بها الطاعون حِكَماً :
منها: أن الطاعون فى الغالب يكون عاماً
فى البلد الذي يقع به فإذا وقع فالظاهر
مداخلة سببه لمن بها، فلا یفیده الفرار، لأن
المفسدة إذا تعينت - حتى لايقع الانفكاك
عنها - كان الفرار عبئاً فلايليق بالعاقل .
ومنها: أن الناس لو تواردوا على الخروج
لصار من عجز عنه - بالمرض المذكور أو
بغيره - ضائع المصلحة لفقد من يتعهده حياً
وميتاً .
وأيضاً فلو شرع الخروج فخرج الأقوياء
لكان فى ذلك كسر قلوب الضعفاء، وقد
قالوا: إن حكمة الوعيد فى الفرار من الزحف
مافیه من کسر قلب من لم يفر وإدخال الرعب
علیه بخذلانه (١).
ومنها: حمل النفوس على الثقة بالله،
والتوكل عليه، والصبر على أقضيته والرضا
بها (٢).
ونقل النووى عن القاضى قوله: ومنهم
من جوز القدوم عليه (أى على بلد الطاعون)
والخروج منه فراراً، قال القاضى: وروى هذا
عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه، وأنه
ندم على رجوعه من سرغ، وعن أبى موسی
الأشعري ومسروق والأسود بن هلال أنهم فروا
(١) فتح البارى (١٨٩/١٠).
(٢) زاد المعاد (٤٣/٤).
من الطاعون، وقال عمرو بن العاص: فروا
عن هذا الرجز فى الشعاب والأودية ورؤوس
الجبال فقال معاذ: بل هو شهادة ورحمة،
ويتأول هؤلاء النهى على أنه لم ينه عن
الدخول عليه والخروج منه، مخافة أن يصيبه
غير المقدر، لكن مخافة الفتنة على الناس،
لئلا يظنوا أن هلاك القادم إنما حصل
بقدومه، وسلامة الفار إنما كانت بفراره،
وقالوا: وهو من نحو النهى عن الطيرة والقرب
من المجذوم، وقد جاء عن ابن مسعود قال:
الطاعون فتنة على المقيم والفار، أما الفار
فيقول: فررت فنجوت، وأما المقيم فيقول:
أقمت فمت، وإنما فر من لم يأت أجله،
وأقام من حضر أجله .
قال النووى: والصحيح ما قدمناه من
النهى عن القدوم عليه والفرار منه لظاهر
الأحاديث الصحيحة (١). قال العلماء: وهو
قريب المعنى من قوله وله: ((لاتتمنوا لقاء
العدو، واسألوا الله العافية، فإذا لقيتموهم
فاصبروا)) (٢).
هذا واتفق العلماء على جواز الخروج
بشغل وغرض غير الفرار، ودليله صريح
الأحادیث (٣)
(١) صحيح مسلم بشرح النووي (١٤ /٢٠٥ - ٢٠٧) .
(٢) حديث: ((لاتتمنوا لقاء العدو ... )) أخرجه البخارى
(١٥٦/٦) ومسلم (١٣٦٢/٣) واللفظ لمسلم .
(٣) صحيح مسلم بشرح النووي (١٤ /٢٠٧) وعمدة القارى=
-٣٣٢ -

طاعون - ٦
أجر الصبر على الطاعون :
٦ - جاء فى بعض الأحاديث استواء شهيد
الطاعون وشهيد المعركة فقد أخرج أحمد
بسند حسن عن عتبة بن عبد السلمی رفعه
((يأتى الشهداء والمتوفون بالطاعون، فيقول
أصحاب الطاعون: نحن الشهداء، فيقال:
انظروا فإن كانت جراحهم كجراح الشهداء
تسيل دماً وريحها کريح المسك فهم شهداء،
فیجدونهم كذلك)) (١).
وأخرج البخارى من حديث عائشة
رضي الله عنها (أنها سألت رسول الله التل
عن الطاعون، فأخبرها نبى الله أنه كان
عذاباً يبعثه الله على من يشاء فجعله الله رحمة
للمؤمنين فليس من عبد يقع الطاعون
فیمكث فی بلده صابراً یعلم أنه لن يصيبه إلا
ماكتبه الله له إلا كان له مثل أجر
الشهيد)) (٣) . ويفهم من سياق هذا الحديث
أن حصول أجر الشهادة لمن يموت بالطاعون
مقید بما يلى:
أ - أن يمكث صابراً غير منزعج بالمكان
= (٢٥٩/٢١) .
(١) حديث عتبة بن عبد السلمى: ((يأتي الشهداء والمتوفون
بالطاعون ... » أخرجه أحمد (٤/ ١٨٥) وحسنه ابن حجر فى
فتح الباري (١٩٤/١٠) .
(٢) حديث عائشة: ((أنها سألت رسول الله﴿ عن الطاعون ... ))
أخرجه البخاری (١٩٢/١٠) .
الذي يقع به الطاعون فلايخرج فراراً منه .
ب- أن يعلم أنه لن يصيبه إلا
ماكتب الله له .
فلو مكث وهو قلق أو نادم على عدم
الخروج ظاناً أنه لو خرج لما وقع به أصلاً
ورأساً، وأنه بإقامته یقع به، فهذا لايحصل له
أجر الشهيد ولو مات بالطاعون، هذا الذى
يقتضيه مفهوم هذا الحديث، كما اقتضى
منطوقه أنه من اتصف بالصفات المذكورة
يحصل له أجر الشهيد وإن لم يمت
بالطاعون (١) .
والمراد بشهادة الميت بالطاعون أنه يكون
له فى الآخرة ثواب الشهید ، وأما فی الدنیا
فیغسل ویصلی علیه (٢) .
قال القاضى البيضاوي: من مات
بالطاعون، أو بوجع البطن ملحق بمن قتل
فى سبيل الله لمشاركته إياه فى بعض ما يناله
من الكرامة بسبب ماكابده، لافى جملة
الأحكام والفضائل (٣).
(١) فتح الباري (١٩٣/١٠ - ١٩٤).
(٢) صحيح مسلم بشرح النووي (٦٣/١٣).
(٣) عمدة القارى (٢٦١/٢١).
- ٣٣٣ -

٠٠٠٠٠
طَالبُ العِلم ١ - ٢
طَالبُ العِلم
التعريف:
١ - الطالب: اسم فاعل من الطلب ،
والطلب لغة: محاولة وجدان الشىء
وأخذه (١).
والعلم لغة: نقيض الجهل، والمعرفة،
واليقين .
واصطلاحا: هو معرفة الشىء على ماهو
به .
وقال صاحب التعريفات: هو الاعتقاد
الجازم المطابق للواقع .
وقال الحكماء: هو حصول صورة الشىء
فى العقل (٢).
فضل طالب العلم :
٢ - لطالب العلم فضل كبير وميزة خاصة
عند الله تعالى والملائكة والخلائق، وقد وردت
الأدلة المستفيضة بذلك .
فعن أبى الدرداء رضي الله تعالى عنه
(١) لسان العرب مادة (طلب)، والكليات ١٥٣/٣.
(٢) لسان العرب والمصباح المنير مادة (علم)، والتعريفات ١٩٩،
والكليات ٢٠٧/٣ .
قال: سمعت رسول الله وي ليه يقول: ((من
سلك طريقا يبتغى فيه علما سلك الله له
طريقا إلى الجنة، وإن الملائكة لتضع
أجنحتها لطالب العلم، وإن العالم ليستغفر له
من فى السموات ومن فى الأرض حتى الحيتان
فى الماء، وفضل العالم على العابد كفضل
القمر على سائر الكواكب، وإن العلماء ورثة
الأنبياء، إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما
وإنما ورثوا العلم فمن أخذه أخذ بحظ
وافر)) (١) .
وعن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه
قال: سمعت رسول الله وَل و يقول: ((الدنيا
ملعونة ملعون مافيها إلا ذكر الله وما والاه أو
عالما ومتعلما)) (٢) .
وعن أنس رضي الله تعالى عنه قال:
قال رسول الله وَله ((من خرج في طلب العلم
فهو في سبيل الله حتی یرجع)) (٣).
(١) حديث أبى الدرداء: ((من سلك طريقا يبتغى فيه علما ... )).
أخرجه الترمذي (٤٨/٥ - ٤٩) وقال: ليس هو عندى
بمتصل . وأخرجه مسلم (٢٠٧٤/٤) من حديث أبى هريرة
مرفوعا: ((من سلك طريقا يلتمس فيه علما سهل الله له به طريقا
إلى الجنة)).
(٤) حديث أبى هريرة: ((الدنيا ملعونة)).
أخرجه ابن ماجه (٢ /١٣٧٧) والترمذى (٤ /٥٦١) وحسنه .
(٣) المجموع ١٨/١ (ط. المكتبة السلفية المدينة المنورة)، إحياء
علوم الدين ١١/١، ١٥ (ط . مصطفى الحلبى ١٩٣٩)
جامع بيان العلم وفضله ٥٥/١ (ط. المنيرية) الآداب
الشرعية ٣٩/٢ (ط مكتبة الرياض) .
وحديث أنس بن مالك: ((من خرج فى طلب العلم)) . =
٢
- ٣٣٤ -

طَالبُ العِلم - ٣ -
آداب طالب العلم:
٣ - لطالب العلم آداب كثيرة نذكر منها
مایلی : -
أ - ينبغى لطالب العلم أن يطهر قلبه من
الأدناس، ليصلح لقبول العلم وحفظه
واستثماره. قال رسول الله صل: ((ألا وإن فى
الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد
کله، وإذا فسدت فسد الجسد كله ألا وهی
القلب)) (١).
ب- ينبغى لطالب العلم أن يقطع
العلائق الشاغلة عن كمال الاجتهاد فى
التحصيل ويرضى باليسير من القوت،
ويصبر على ضيق العيش، وأن يتواضع
للعلم والمعلم، فبتواضعه ينال العلم، قال
الشافعى: لايطلب أحد هذا العلم بالملك
وعز النفس فیفلح، ولكن من طلبه بذل
النفس وضيق العيش وخدمة العلماء أفلح .
ج - أن ينقاد لمعلمه ويشاوره فى أموره
ويأتمر بأمره، وينبغى أن ينظر لمعلمه بعين
الاحترام، ويعتقد کمال أهلیته ورجحانه على
= أخرجه الترمذى (٢٩/٥) وأعله المناوی براو متکلم فیه، کما فی
فيض القدير (١٢٤/٦) .
(١) حديث: ((ألا وإن في الجسد مضغة إذا صلحت ... )) ..
أخرجه البخاری (١٢٦/١) ومسلم (١٢٢٠/٣) من حديث
النعمان بن بشير .
أکثر طبقته فهو أقرب إلى انتفاعه به ورسوخ
ماسمعه منه فى ذهنه .
د - أن يتحرى رضا المعلم وإن خالف
رأي نفسه، ولايغتاب عنده، ولايفشى له
سرا، وأن يرد غيبته إذا سمعها، فإن عجز
فارق ذلك المجلس، وألّ يدخل عليه بغير
إذن ، وأن يدخل كامل الأهلية فارغ القلب
من الشواغل متطهرا متنظفا، ويسلم على
الحاضرين كلهم، ويخص المعلم بزيادة
إكرام .
هـ۔ أن يجلس حيث انتهى به المجلس
إذا حضر إلى الدرس، ولايتخطى رقاب
الناس إلا أن يصرح له الشيخ أو الحاضرون
بالتقدم، ولا يجلس وسط الحلقة إلا لضرورة،
ولابين صاحبين إلا برضاهما، وأن يحرص
على القرب من الشيخ ليفهم كلامه فهما
كاملا بلامشقة .
و۔ أن يتأدب مع رفقته وحاضرى
الدرس، ولايرفع صوته رفعا بليغا من غير
حاجة، ولايضحك ولايكثر الكلام
بلاحاجة، ولایعبث بيده ولاغيرها، ولايلتفت
بلاحاجة، ولا يسبق الشيخ إلى شرح مسألة أو
جواب سؤال إلا أن يعلم من حال الشيخ
إيثار ذلك .
ز- ينبغى أن يكون حريصا على التعلم
- ٣٣٥ -

طَالبُ العِلم ٣ - ٤
مواظبا عليه فى جميع أوقاته، ولايضيع من
أوقاته شيئا فى غير العلم إلا بقدر الضرورة
والحاجة، وأن تكون همته عالية فلایرضی
باليسير مع إمكان الكثير، وأن لايسوّف فى
اشتغاله، ولايؤخر تحصیل فائدة، لكن
لايحمل نفسه مالا تطيق مخافة الملل، وهذا
يختلف باختلاف الناس .
ح- أن يعتنی بتصحیح درسه الذي
يتعلمه تصحيحا متقنا على الشيخ ، ثم يحفظه
حفظا محكما، ويبدأ درسه بالحمد لله والصلاة
على رسول الله وَله، والدعاء للعلماء
ومشايخه، ويداوم على تكرار محفوظاته (١).
وسيأتى تفصيل آداب المعلم والمتعلم فى
(طلب العلم) .
استحقاق طالب العلم للزكاة :
٤ - اتفق الفقهاء على جواز إعطاء الزكاة
لطالب العلم، وقد صرح بذلك الحنفية،
والشافعية، والحنابلة، وهو مايفهم من
مذهب المالكية، إذ أنهم يجوزون إعطاء
الزكاة للصحيح القادر على الكسب، ولو
کان تركه التکسب اختيارا على المشهور .
وذهب بعض الحنفية إلى جواز أخذ طالب
(١) المجموع للنووى ٣٥/١ وما بعدها (ط . المكتبة السلفية المدينة
المنورة) تذكرة السامع والمتكلم ٦٧ وما بعدها (ط . جمعية دائرة
المعارف العثمانية ١٣٥٣ هـ). إحياء علوم الدين ٥٥/١ (ط.
مصطفى الحلبى ١٩٣٩م) .
العلم الزكاة ولو كان غنيا إذا فرغ نفسه لإفادة
العلم واستفادته، لعجزه عن الكسب .
نقل ابن عابدين عن المبسوط قوله:
لا يجوز دفع الزكاة إلى من يملك نصابا إلا إلى
طالب العلم، والغازى، ومنقطع الحج .
قال ابن عابدين: والأوجه تقييده بالفقير
ویکون طلب العلم مرخصا جواز سؤاله من
الزكاة وغیرها وإن كان قادرا علی الکسب إذ
بدونه لايحل له السؤال .
ومذهب الشافعية والحنابلة أنه تحل
لطالب العلم الزكاة إذا لم يمكن الجمع بين
طلب العلم والتكسب بحيث لو أقبل على
الكسب لانقطع عن التحصيل .
قال النووی: ولو قدر علی کسب یلیق
بحاله إلا أنه مشتغل بتحصيل بعض العلوم
الشرعية بحيث لو أقبل على الكسب لانقطع
من التحصیل حلت له الزكاة، لأن تحصيل
العلم فرض كفاية، وأما من لايتأتى منه
التحصيل فلاتحل له الزكاة إذا قدر على
الکسب وإن كان مقيما بالمدرسة .
وقال البهوتي: وإن تفرغ قادرا على
التكسب للعلم الشرعى - وإن لم يكن لازما
له - وتعذر الجمع بين العلم والتكسب أعطى
من الزكاة لحاجته .
وسئل ابن تیمیة عمن لیس معه مایشتری
به كتبا يشتغل فيها، فقال: يجوز أخذه من
- ٣٣٦ -

طَالبُ العِلم ٤، طَاؤُوس، طِب، طِحَال
الزكاة مايحتاج إليه من کتب العلم التی لابد
لمصلحة دينه ودنياه منها .
قال البهوتي: ولعل ذلك غير خارج عن
الأصناف، لأن ذلك من جملة مايحتاجه
طالب العلم فهو كنفقته .
وخصّ الفقهاء جواز إعطاء الزكاة لطالب
العلم الشرعى فقط .
وصرح الحنفية بجواز نقل الزكاة من بلد
إلى بلد آخر لطالب العلم (١).
وأما حقه فى طلب النفقة عليه لطلب
العلم فيراجع فى مصطلح (نفقة) .
طِحَال
طَاؤُوس
انظر: أطعمة، جنايات
انظر: أطعمة
(١) حاشية ابن عابدين ٢ /٥٨، ٥٩، حاشية الدسوقى ٤٩٤/١،
المجموع ١٩٠/٦، كشاف القناع ٢٧١/٢، ٢٧٣.
- ٣٣٧ -
..
طِبّ
انظر: تطبيب

طَرَّار ١ - ٤
طَرَّار
التعريف :
١ - الطَّرار فعّال من طّ، يقال: طَرَّ الثوبَ
يطر طرا أى شقه (١).
وفى الاصطلاح: هو الذى يطّ الهميان أو
الجيب أو الصّرة ويقطعها ويسل مافيه على
غفلة من صاحبه (٢).
قال الفيومى: الطّرارّ وهو الذي يقطع
النفقات ويأخذها على غفلة من أهلها،
والهميان كيس تجعل فيه النفقة ويشد على
الوسط، ومثله الصرة، قال ابن الهمام: الصرة
هي الهميان، والمراد منها هنا الموضع المشدود
فیه دارهم من الكم (٣).
ونقل ابن قدامة عن الإِمام أحمد أن الطرار
هو: الذی یسرق من جیب الرجل أو کمه أو
صفنه (يعنى الخريطة يكون فيها المتاع
والزاد) (٤).
وقریب من معنی الطرار النشال،من نشل
(١) المصباح المنير ومتن اللغة ولسان العرب مادة ( طرر) .
(٢) فتح القدير ١٥٠/٥، والمغنى لابن قدامة ٢٥٦/٨، والمطلع
ص٣٧٥ .
(٣) المصباح المنير وفتح القدير ١٥٠/٥.
(٤) المغني لابن قدامة ٢٥٦/٨ .
الشىء نشلا أى أسرع نزعه، والنشال كثير
النشل والخفيف اليد من اللصوص السارق
على غرّة (١).
الألفاظ ذات الصلة :
أ - السَّارق:
٢ - السارق فاعل من السرقة، وهى: أخذ
مال الغير خفية من حرز مثله بلاشبهة (٢).
والسارق أعم من الطرار، لأن الطرار
يسرق من جيب الإنسان أو کمه أو نحو ذلك
بصفة مخصوصة .
ب- النّباش:
٣ - النباش مبالغة من النبش أى الكشف،
يقال: نبش القبر أى كشفه (٣).
وفى الاصطلاح: هو الذی یسرق أكفان
الموتى بعد الدفن (٤) .
الحكم الإجمالى:
٤ - ذهب الأصولیون والجمهور من الفقهاء
إلى أن الطرار یعتبر سارقا تقطع يده إذا
توافرت فيه سائر شروط القطع (٥). لكنهم
(١) المعجم الوسيط مادة: (نشل).
(٢) فتح القدير ١٢١/٥، والخرشى ٩١/٨، والمهذب ٢٧٧/٢،
وكشاف القناع ١٢٩/٦ .
(٣) المصباح المنير (نبش) .
(٤) ابن عابدين ٢٠٠/٣، الدسوقى ٢٤٠/٤، والمهذب
٢٧٩/٢، وكشاف القناع ١٣٨/٦ .
(٥) فتح القدير ٢٤٥/٤، والبدائع ٧٦/٧، وابن عابدين =
- ٣٣٨ -

طرّار ٤ - ٥
اختلفوا في تعلیل الحکم فیه فذکر الأصولیون
أن الطرار تقطع يده لأنه وإن کان مختصا
باسم آخر غیر السارق إلا أن فيه زیادة معنی
السرقة، فهو مبالغ فى السرقة بزيادة حذق منه
في فعله فيلزمه القطع، قال النسفى فى شرح
المنار: إن آية السرقة: ﴿والسارق والسارقة
فاقطعوا أيديهما﴾ (١) ظاهرة فى كل سارق لم
يعرف باسم آخر، خفية فى حق الطرار
والنباش، لاختصاصهما باسم آخر يعرفان
به، وتغاير الأسماء يدل على تغاير المسميات
فالأصل أن کل اسم له مسمی علی حدة،
فاشتبه الأمران: اختصاصهما باسم آخر
لنقصان فی معنی السرقة، أو لزيادة فيها،
فتأملنا فوجدنا الاختصاص فى الطرار للزيادة
فقلنا: إنه داخل تحت آية السرقة، وفى
النباش للنقصان فقلنا: إنه غير داخل
فيها (٢).
أما الفقهاء فيعللون القطع فى الطرار بأنه
سارق من الحرز، لأن كل شىء سرق بحضرة
صاحبه بقطع سارقه، لأن صاحبه حرز له ولو
٢٠٤/٣، وبداية المجتهد ٤٤٥/٢، والفواكه الدوانى
=
٢٩٦/٢، والمغنى لابن قدامة ٢٥٦/٨ وكشاف القناع
١٣٠/١، ومسلم الثبوت ٢٠/٢.
(١) سورة المائدة (٣٨).
كشف الأسرار على المنار ١٤٧/١، ١٤٨، ومسلم الثبوت
(٢)
٢٠/٢، ٢١، والتوضيح مع التلويح ٤١٢/١٠.
كان فى فلاة (١) قال النفراوى: والمراد
بصاحبه الحافظ له سواء أكان مالكا أم
غيره (٢).
٥ - وقد فصل الحنفية فى حكم الطرار فقالوا:
إن كان الطر بالقطع، والدراهم مصرورة على
ظاهر الکم لم يقطع، لأن الحرز هو الکم،
والدراهم بعد القطع تقع على ظاهر الكم،
فلم يوجد الأخذ من الحرز، وإن كانت
الدراهم مصرورة فى داخل الكم يقطع، لأنها
تقع بعد قطع الصرة فى داخل الكم فكان
الطر أخذا من الحرز وهو الكم (٣).
وإن كان الطر بحل الرباط، فإن كان
بحال لو حل الرباط تقع الدراهم على ظاهر
الکم، بأن كانت العقدة مشدودة من داخل
الکم لایقطع، لأنه أخذها من غیر حرز،
وإن كان إذا حل الرباط تقع الدراهم فى
داخل الکم وهو يحتاج إلى إدخال يده فى
الكم للأخذ يقطع، لوجود الأخذ من
الحرز (٤).
وعن أبى يوسف أنه قال: أستحسن أن
(١) فتح القدير مع الهداية ١٥١/٥، والفواكه الدواني ٢٩٦/٢،
والمهذب ٢٧٩/٢، وكشاف القناع ١٣٠/٦.
(٢) الفواكه الدواني ٢٩٦/٢ .
(٣) بدائع الصنائع فى ترتيب الشرائع للكاساني ٧٦/٧ .
(٤) البدائع ٧٦/٧، وفتح القدير مع الهداية ١٥٠/٥، ١٥١،
وابن عابدين ٢٠٤/٣ .
- ٣٣٩ -

طرّار ٥ ، طّرْد ١
أقطعه فى الأحوال كلها، لأن المال محرز
بصاحبه والکم تبع له (١).
وذكر ابن قدامة عن أحمد رواية أخرى أن
الذى يأخذ من جيب الرجل وكمه لاقطع
عليه (٢).
.
وينظر تفصيل الموضوع فى بحث
(سرقة) .
طَرْد
التعريف:
١ - الطرد في اللغة مصدر، وهو الإبعاد،
والطّرد بالتحريك الاسم كما قال الفيومى
يقال: فلان أطرده السلطان إذا أمر بإخراجه
عن بلده .
قال ابن منظور: أطرده السلطان وطرده
أخرجه عن بلده، وطردت الرجل إذا نحیته،
وأطرد الرجل جعله طريدا ونفاه، واطّرد
الشىء: تبع بعضه بعضا وجرى (١).
ولا يخرج المعنى الاصطلاحى عن هذا
المعنى .
وهو أيضا مصطلح أصولي ويذكره
الأصولیون فی مباحث الحد والعلة، فالطرد فى
الحد معناه: كلما وجد الحد وجد المحدود،
فبالا طراد يصير الحد مانعاً عن دخول غير
المحدود، فلايدخل فيه شىء ليس من
أفراد المحدود (٢).
(١) المبسوط للسرخسى ١٦٠/٩، ١٦١.
(٢) المغنى ٢٥٦/٨ .
(١) لسان العرب والمصباح المنير مادة (طرد).
(٢) التلويح على التوضيح ١٠/١.
- ٣٤٠ -