Indexed OCR Text

Pages 321-340

.................
الصلوات الخمس المفروضة ٢٧ - ٢٩
ركعتان فحسن تطويلهما (١).
وهذا في الحضر. أما في السفر فيقرأ مع
فاتحة الكتاب أي سورة شاء ، وقد ثبت (( أن
النبي لي قرأ في صلاة الصبح في سفره
بالمعوذتين)) (٢).
وتفصيل الموضوع في مصطلح :
(قراءة) .
منع النافلة بعد صلاة الفجر وقبلها :
٢٨ - لا خلاف بين الفقهاء في عدم جواز
صلاة النافلة بعد صلاة الفجر إلى أن تطلع
الشمس، كما أن جمهور الفقهاء لا يجيزون
التنفل قبل صلاة الفجر- أيضا - إلا ركعتي
الفجر (٣)، لقوله عليه الصلاة والسلام :
((إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي
الفجر)) (٤).
(١) مغني المحتاج ١٦٣/١، وابن عابدين ٢٦٣/١ والفواكه
الدواني ١ /٢٢٥ والمغني لابن قدامة ٥٧٠/١.
(٢) حديث: ((أن النبيلو قرأ في صلاة الصبح في سفره
بالمعوذتين » .
أخرجه أبو داود (١٥٢/١ ط. عزت عبيد الدعاس)
مطولاً، والنسائي (١٥٨/٢ نشر مكتبة المطبوعات
الإِسلامية) والحاكم في (المستدرك ١ / ٢٤٠ ط دار الكتاب
العربي) وصححه ووافقه الذهبي .
(٣) الزيلعي ٨٧/١، والحطاب ٤١٦/١، والمجموع
١٦٤/٤، والمغني ١١٣/٢، ١١٤.
(٤) حديث: ((إذا طلع الفجر فلا صلاة إلا ركعتي الفجر)).
أخرجه الطبراني في الأوسط قال الهيثمي : وفيه إسماعيل
ابن قیس وهو ضعيف (مجمع الزوائد ٢١٨/٢ نشر مكتبة
القدسي) وقال المناوي نقلا عن الميزان : له شواهد من =
وينظر تفصيل الموضوع في مصطلح:
(تطوع، وأوقات الصلاة) .
التغليس أو الإِسفار بالفجر :
٢٩ - يرى جمهور الفقهاء أن التغليس: أي
أداء صلاة الفجر بغلس (١) أفضل من
الإِسفار بها (٢)، لقوله ويلي: ((أفضل
الأعمال الصلاة في أول وقتها ) (٣)
وقال الحنفية: ندب تأخير الفجر إلى
الإِسفار (٤) ، لقوله عليه الصلاة والسلام :
((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)) (٥) قال
= حديث ابن عمر أخرجه الترمذي واستغربه وحسنه. فمن
أطلق ضعفه کالهيثمي أراد أنه ضعيف لذاته، ومن أطلق
حسنه كالمؤلف (السيوطي) أراد أنه حسن لغيره (فيض
القدير ٣٩٨/١) .
(١) الغلس: هو اختلاط ضياء الصبح بظلمة الليل (الفواكه
الدواني ١٩٣/١، ١٩٤) .
(٢) الفواكه الدواني ١٩٣/١، ومغني المحتاج ١٢٥/١،
١٢٦، وكشاف القناع ٢٥٦/١، والمغني لابن قدامة
٣٩٤/١، ٣٩٥ .
(٣) حديث: ((أفضل الأعمال الصلاة في وقتها)).
أخرجه أبو داود (سنن أبي داود ٢٩٦/١ ط عزت عبيد
الدعاس) والترمذي (سنن الترمذي ٣١٩/١ - ٣٢٠ ط
دار الكتب العلمية) من حديث أم فروة - رضي الله عنها -
بلفظ ((سئل النبي ﴾ أيّ الأعمال أفضل ؟ قال :
(( الصلاة لأول وقتها)) وقال الترمذي: هذا حديث
غريب حسن .
(٤) تبيين الحقائق للزيلعي ٨٢/١ .
(٥) حديث: ((أسفروا بالفجر فإنه أعظم للأجر)).
أخرجه أبو داود (سنن أبي داود ٢٩٤/١ ط عزت عبيد
الدعاس) والنسائي (سنن النسائي ٢٧٢/١ نشر مكتب
المطبوعات الإسلامية) والترمذي (سنن الترمذي
٢٨٩/١ - ٢٩٠ ط. دار الكتب العلمية) واللفظ له من =
- ٣٢١ -

...
الصلوات الخمس المفروضة ٢٩ - ٣٠
الزيلعي : ولا يؤخرها بحيث يقع الشك في
طلوع الشمس، بل یسفر بها بحيث لو ظھر
فساد صلاته یمکنه أن يعيدها في الوقت
بقراءة مستحبة (١). ويستثنى من الإِسفار
صلاة الفجر بمزدلفة يوم النحر، حيث
یستحب فيها التغلیس عند الجمیع (٢).
وتفصيل الموضوع في مصطلح: (أوقات
الصلاة ف ١٥) .
القنوت في صلاة الفجر :
٣٠ - ذهب المالكية والشافعية إلى مشروعية
القنوت في الصبح. قال المالكية: وندب
قنوت سرا بصبح فقط دون سائر الصلوات
قبل الركوع ، عقب القراءة بلا تكبير
قبله (٣) .
وقال الشافعية : يسن القنوت في اعتدال
ثانية الصبح (٤) ، يعني بعد مارفع رأسه من
الركوع في الركعة الثانية، ولم يقيدوه بالنازلة .
وقال الحنفية ، والحنابلة: لاقنوت في
صلاة الفجر إلا في النوازل (٤) وذلك لما رواه
= حديث رافع بن خديج مرفوعا. قال: حديث رافع بن
خدیج حديث حسن صحيح .
(١) تبيين الحقائق ٨٢/١ .
(٢) جواهر الإكليل ٥١/١، وحاشية الدسوقي ٢٤٨/١.
(٣) مغني المحتاج ١٦٦/١، والقليوبي ١ /١٥٧.
(٤) الهداية مع فتح القدير ٣٧٨/١، ٣٧٩ ، والمغني لابن
قدامة ١٥٤/٢، ١٥٥، وحاشية ابن عابدين
٤٥١/١ .
ابن مسعود وأبو هريرة - رضي الله عنهما - :
(( أن النبي لټ قنت شهرا يدعو على أحياء
من أحياء العرب ثم تركه )) (١)، وعن أبي
هريرة - رضي الله عنه :- ((أن رسول الله وَل
كان لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو
لقوم أو على قوم)) (٢) ومعناه أن مشروعية
القنوت في الفجر منسوخة في غير النازلة .
هذا وفي ألفاظ القنوت وكیفیته خلاف
وتفصيل ينظر في مصطلح: (قنوت) .
(١) حديث: أن النبي صل﴿ قنت شهرا يدعو على أحياء من
أحياء العرب ثم تركه ».
أخرجه مسلم (١ / ٤٦٩ ط الحلبي) من حديث أنس بن
مالك رضي الله عنه، وابن حبان (الإِحسان بترتيب
صحيح ابن حبان ٢٢٠/٣ ط. دار الكتب العلمية) .
(٢) حديث أبي هريرة رضي الله عنه ((أن رسول الله (أيلقد كان
لا يقنت في صلاة الصبح إلا أن يدعو لقوم أو على قوم)).
أخرجه ابن حبان كما في نصب الراية (١٣٠/٢ نشر
المجلس العلمي) ورواه ابن خزيمة في صحيحه من
حديث أبي هريرة رضي الله عنه بلفظ ((أن النبي ◌َّ- كان
لا يقنت إلا أن يدعو لأحد أو يدعو علي أحد»
(صحيح ابن خزيمة ٣١٣/١ - ٣١٤ نشر المكتب
الإِسلامي) .
- ٣٢٢ -
٠

صلح ١ - ٢
صُلْح
التعريف :
١ - الصلح في اللغة : اسم بمعنى المصالحة
والتّصالح، خلاف المخاصمة والتخاصم (١).
قال الراغب : والصلح يختصّ بإزالة النّفار
بين الناس . يقال: اصطلحوا
(٢)
وتصالحوا
.وعلى ذلك يقال : وقع بينهما الصلح ،
وصالحه على كذا ، وتصالحا عليه
واصطلحا ، وهم لنا صلح ، أى
مصالحون (٣)
وفي الاصطلاح : معاقدة يرتفع بها النزاع
بين الخصوم ، ويتوصّل بها إلى الموافقة بين
المختلفين (٤).
(١) المغرب للمطرزى (ط. حلب) ٤٧٩/١، وانظر طلبة
الطلبة للنسفي ص ٢٩٢ .
(٢) المفردات في غريب القرآن (ط. الأنجلو مصرية)
ص ٤٢٠ .
(٣) أساس البلاغة للزمخشرى مادة (صلح) ص ٢٥٧ .
(٤) تبيين الحقائق ٢٩/٥، البحر الرائق ٢٥٥/٧، الدر
المنتقى شرح الملتقى ٣٠٧/٢ ، تكملة فتح القدير مع
العناية والكفاية (الميمنية) ٣٧٥/٧، روضة الطالبين
١٩٣/٤، نهاية المحتاج ٣٧١/٤، والفتاوى الهندية
٢٢٨/٤، أسنى المطالب ٢١٤/٢، كفاية الأخيار =
فهو عقد وضع لرفع المنازعة بعد وقوعها
بالتراضي، وهذا عند الحنفية .
وزاد المالكية على هذا المدلول : العقد
على رفعها قبل وقوعها - أيضا - وقاية ، فجاء
في تعريف ابن عرفة للصلح : أنه انتقال
عن حقّ أو دعوى بعوض لرفع نزاع ، أو
خوف وقوعه (٢) ففي التعبير بـ (خوف وقوعه)
إشارة إلى جواز الصلح لتوقي منازعة غير
قائمة بالفعل ، ولكنها محتملة الوقوع
والمصالح : هو المباشر لعقد الصلح (٣)
والمصالح عنه : هو الشىء المتنازع فيه إذا
قطع النزاع فيه بالصلح (٤) والمصالح عليه ،
أو المصالح به : هو بدل الصلح (٥).
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - التحكيم عند الفقهاء : توليه حكم
التحكيم :
= ١٦٧/١، شرح منتهى الإرادات ٢٦٠/٢، كشاف
القناع ٣٧٨/٣، المغنى (ط. مكتبة الرياض الحديثة)
٠٥٢٧/٤
(١) انظر م ١٥٣١ من مجلة الأحكام العدلية وم ١٠٢٦ من
مرشد الحيران .
(٢) مواهب الجليل ٧٩/٥، الخرشي على خليل ٢/٦،
والبهجة شرح التحفة ٢١٩/١، وانظر للشافعية أسنى
المطالب ٢١٥/٢، نهاية المحتاج ٣٧٢/٤، روضة
الطالبين ١٩٤/٤.
(٣) م ١٥٣٢ من المجلة العدلية .
(٤) م ١٥٣٤ من المجلة العدلية .
(٥) م ١٥٣٣ من المجلة العدلية .
- ٣٢٣ -

صلح ٢ - ٥
لفصل خصومة بین مختلفین . وهذه التولیة قد
تکون من القاضي ، وقد تكون من قبل
الخصمين .
ويختلف التحكيم عن الصلح من
وجهين :
أحدهما : أنّ التحکیم ینتج عنه حکم
قضائي ، بخلاف الصلح فإنه ينتج عنه
عقد يتراضى عليه الطرفان المتنازعان . وفرق
بين الحكم القضائي والعقد الرضائي .
والثاني : أنّ الصلح يتنزّل فيه أحد
الطرفين أو كلاهما عن حقّ ، بخلاف
التحكيم فليس فيه نزول عن حقّ . (ر:
تحكيم) .
الإِبراء :
٣ - الإِبراء عبارة عن: إسقاط الشخص حقًا
له في ذمة آخر أو قبله . أما عن العلاقة بين
الصلح والإِبراء ، فلها وجهان :
أحدهما : أنّ الصلح إنما يكون بعد
النزاع عادة ، والإِبراء لايشترط فيه ذلك .
والثاني : أنّ الصلح قد يتضمن إبراء ،
وذلك إذا كان فيه إسقاط لجزء من الحقّ
المتنازع فيه ، وقد لايتضمن الإِبراء ، بأن
يكون مقابل التزام من الطرف الآخر دون
إسقاط .
ومن هنا : كان بين الصلح والإِبراء عموم
وخصوص من وجه ، فيجتمعان في الإبراء
بمقابل في حالة النزاع ، وينفرد الإِبراء في
الإسقاط مجانا ، أو في غير حالة النزاع ، كما
ينفرد الصلح فيما إذا كان بدل الصلح عوضاً
لا إسقاط فيه .
(ر. إبراء) .
العفو :
٤ - العفو: هو الترك والمحو، ومنه : عفا
الله عنك . أي محا ذنوبك ، وترك عقوبتك
على اقترافها . وعفوت عن الحقّ :
أسقطته . كأنك محوته عن الذي هو
علیه (١).
هذا ويختلف العفو عن الصلح في كون
الأول إنما یقع ويصدر من طرف واحد ، بينما
الصلح إنما يكون بين طرفين . ومن جهة
أخرى : فالعفو والصلح قد يجتمعان كما في
حالة العفو عن القصاص إلى مال . (ر.
عفو) .
مشروعية الصلح :
٥ - ثبتت مشروعية الصلح بالكتاب والسنة
والإِجماع والمعقول (٢).
(١) انظر المصباح المنير مادة ((عفو)).
(٢) انظر تحفة الفقهاء للسمرقندي ٤١٧/٣، نهاية المحتاج
٣٧١/٤، كفاية الأخيار ١٦٧/١، المغني لابن قدامة
(ط. مكتبة الرياض الحديثة) ٥٢٧/٤، بداية المجتهد =
- ٣٢٤ -

صلح ٥
أما الكتاب :
أ۔ ففي قوله تعالى : ﴿ لاخير في کثیر من
نجواهم إلامن أمر بصدقة أو معروف أو
إصلاح بين الناس﴾ (١). قال القاضي أبو
الوليد ابن رشد : وهذا عامّ في الدماء
والأموال والأعراض ، وفي كل شيء يقع
التداعي والاختلاف فيه بين المسلمين (٢).
ب- وفي قوله تعالى : ﴿وإن امرأة خافت
من بعلها نشوزا أو إعراضا ، فلا جناح
عليهما أن يصلحا بينهما صالحا ، والصلح
خير﴾ (٣) فقد أفادت الآية مشروعية
الصلح ، حيث إنه سبحانه وصف الصلح
بأنه خير، ولايوصف بالخيرية إلاّ ما كان
مشروعا مأذونا فيه .
وأما السّنّة :
أ - فما روى أبو هريرة - رضي الله عنه -
عن النبي وَ لي قال: ((الصلح جائز بين
المسلمين)). وفى رواية: ((إلاّ صلحا أحل
حراما أو حرّم حلالا)) (٤). والحديث واضح
= (مطبوع مع الهداية في تخريج أحاديث البداية للغماري)
٩٠/٨.
(١) النساء آية / ١١٤.
(٢) المقدمات الممهدات ٥١٥/٢ (ط. دار الغرب
الإِسلامي) .
(٣) النساء آية /١٢٨ .
(٤) حديث: ((الصلح جائر بين المسلمين))
أخرجه أبو داود (٤ /٢٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) =
الدلالة على مشروعية الصلح (١).
ب - وما روى كعب بن مالك - رضي الله
عنه أنه لما تنازع مع ابن أبي حدرد في دین علی
ابن أبي حدرد ، أنّ النبي ◌َل﴿ أصلح بينهما :
بأن استوضع من دين كعب الشطر ، وأمر
غريمه بأداء الشطر (٢).
وأما الإِجماع:
فقد أجمع الفقهاء على مشروعية الصلح
في الجملة ، وإن کان بينهم اختلاف في جواز
بعض صوره .(٣).
وأما المعقول :
فهو أنّ الصلح رافع لفساد واقع ، أو
متوقع بين المؤمنين ، إذ أكثر مايكون الصلح
عند النزاع . والنزاع سبب الفساد ،
= وحسنه ابن حجر في التغليق ((٢٨٢/٣ - ط. المكتب
الإِسلامي) .
(١) كفاية الأخيار ١٦٧/١.، بداية المجتهد ٩٠/٨، تحفة
الفقهاء ٤١٧/٣، نهاية المحتاج ٣٧١/٤، شرح منتهى
الإرادات ٢٦٠/٢، المبدع ٢٧٨/٤.
(٢) حديث عبد الله بن كعب لما تنازع مع ابن أبى حدود
رواه البخاري (صحيح البخاري مع شرحه فتح الباري
٣١١/٥ ط. السلفية) وانظر أعلام الموقعين ١٠٧/١.
(٣) المغني لابن قدامة ٥٢٧/٤، شرح منتهى الإرادات
٢٦٠/٢، نهاية المحتاج ٣٧١/٤، بداية المجتهد
(مطبوع مع الهداية في تخريج أحاديث البداية) ٩٠/٨،
عارضة الأحوذي ١٠٣/٦، تحفة الفقهاء للسمرقندى
٤١٧/٣، أسنى المطالب ٢١٤/٢، المبدع ٢٧٨/٤.
- ٣٢٥ -

صلح ٥ - ٧
والصلح بهدمه ویرفعه ، ولهذا كان من أجلّ
المحاسن (١).
أنواع الصلح :
٦ - الصلح يتنوع أنواعا خمسة (٢):
أحدهما : الصلح بين المسلمين
والكفار. (ر. جهاد، جزية ، عهد ،
هدنة) .
والثاني : الصلح بين أهل العدل وأهل
البغي . (ر. بغاة) .
والثالث : الصلح بين الزوجين إذا خيف
الشقاق بينهما ، أو خافت الزوجة إعراض
الزوج عنها . (ر. شقاق ، عشرة النساء ،
نشوز).
والرابع : الصلح بين المتخاصمين في غير
مال . كما في جنايات العمد . (ر.
قصاص ، عفو، ديات) .
والخامس : الصلح بين المتخاصمين في
الأموال . وهذا النوع هو المبوّب له في كتب
الفقه ، وهو موضوع هذا البحث .
(١) محاسن الإِسلام للزاهد البخاري الحنفي (ط. القدسي)
ص ٨٦ .
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢٦٠/٢، المغني لابن قدامة
٥٢٧/٤، نهاية المحتاج ٣٧١/٤، فتح البارى (المطبعة
السلفية) ٢٩٨/٥، كشاف القناع ٣٧٨/٣، أسنى
المطالب ٢١٤/٢، المبدع ٢٧٨/٤ .
الحكم التكليفي للصلح :
٧ - قال ابن عرفة : وهو- أي الصلح - من
حیث ذاته مندوب إليه ، وقد يعرض وجوبه
عند تعيّن مصلحة ، وحرمته وكراهته
لاستلزامه مفسدة واجبة الدرء أو
راجحته (١)
وقال ابن القيم : الصلح نوعان :
أ- صلح عادل جائز. وهو ما كان مبناه
رضا الله سبحانه ورضا الخصمين ، وأساسه
العلم والعدل ، فيكون المصالح عالما
بالوقائع ، عارفا بالواجب ، قاصدا للعدل
كما قال سبحانه : ﴿فأصلحوا بينهما
بالعدل﴾ (٢).
ب - وصلح جائر مردود : وهو الذي يحلّ
الحرام أو يحرّم الحلال ، كالصلح الذي
يتضمن أكل الربا ، أو إسقاط الواجب ، أو
ظلم ثالث ، وكما في الإصلاح بين القويّ
الظالم والخصم الضعيف المظلوم بما يرضي
المقتدر صاحب الجاه ، ويكون له فيه
الحظّ ، بينما يقع الإغماض والحيف فيه على
(١) مواهب الجليل ٨٠/٥، البهجة ٢٢٠/١، حاشية
العدوي على الخرشي ٢/٦ .
(٢) الحجرات آية / ٩ .
- ٣٢٦ -

صلح ٧ - ١٠
الضعيف ، أو لايمكّن ذلك المظلوم من أخذ
حقّه (١).
ردّ القاضي الخصوم إلى الصلح :
٨- جاء في ((البدائع) : ولا بأس أن يرد
القاضي الخصوم إلى الصلح إن طمع منهم
ذلك ، قال الله تعالى: ﴿والصلح خير﴾ (٢)
فكان الردّ للصلح ردّا للخير. وقال عمر بن
الخطاب - رضي الله عنه - : ((ردّوا الخصوم
حتى يصطلحوا ، فإنّ فصل القضاء يورث
بينهم الضغائن)) . فندب - رضي الله عنه -
القضاة إلى الصلح ونبّه على المعنى ، وهو
حصول المقصود من غير ضغينة . ولايزيد
على مرّة أو مرّتين ، فإن اصطلحا،
وإلّ قضى بينهما بما يوجب الشرع. وإن لم
يطمع منهم فلايردّهم إليه ، بل ينفذ القضاء
فيهم ، لأنه لافائدة في الردّ (٣)
حقيقة الصلح :
٩ - يرى جمهور الفقهاء أن عقد الصلح ليس
عقدا مستقلا قائما بذاته في شروطه
وأحكامه ، بل هو متفرّع عن غيره في ذلك ،
بمعنى : أنه تسري عليه أحكام أقرب العقود
(١) أعلام الموقعين (تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد)
١٠٨/١، ١٠٩ .
(٢) النساء آية /١٢٨.
(٣) بدائع الصنائع ١٣/٧.
إليه شَبَها بحسب مضمونه . فالصلح عن
مال بمال يعتبر في حكم البيع ، والصلح عن
مال بمنفعة يعدّ في حكم الإِجارة ، والصلح
على بعض العين المدّعاة هبة بعض المدعى
لمن هو في يده ، والصلح عن نقد بنقد له
حكم الصرف ، والصلح عن مال معيّن
بموصوف في الذمة في حكم السّلم ،
والصلح في دعوى الدّين على أن يأخذ
المدعي أقلّ من المطلوب ليترك دعواه يعتبر
أخذا لبعض الحق ، وإبراء عن الباقي ...
إلخ
وثمرة ذلك : أن تجري على الصلح
أحكام العقد الذي اعتبر به وتراعى فيه
شروطه ومتطلباته (١). قال الزيلعي : وهذا
لأن الأصل في الصلح أن يحمل على أشبه
العقود به ، فتجري عليه أحكامه ، لأنّ
العبرة للمعاني دون الصورة (٢).
أقسام الصلح :
١٠ - الصلح إما أن يكون بين المدعي
والمدعى عليه ، وإما أن يكون بين المدعي
والأجنبي المتوسط ، وينقسم إلى ثلاثة
(١) انظر شرح الخرشي ٢/٦ - ٤، كشاف القناع ٣٧٩/٣ -
٣٨٥، تبيين الحقائق ٣١/٥ - ٣٣، روضة الطالبين
١٩٣/٤ - ١٩٦ .
(٢) تبيين الحقائق ٣١/٥ .
- ٣٢٧ -

صلح ١٠ - ١٢
أقسام ، صلح عن الإِقرار ، وصلح عن
الإِنكار، وصلح عن السكوت (١).
الصلح بين المدعي والمدعى عليه :
وهو ثلاثة أقسام :
القسم الأول : الصلح مع إقرار المدّعى
عليه .
١١ - وهو جائز باتفاق الفقهاء (٢). وهو
ضربان : صلح عن الأعيان ، وصلح عن
الديون .
(أ) - الصلح عن الأعيان .
وهو نوعان : صلح الحطيطة ، وصلح
المعاوضة .
أولا : صلح الحطيطة :
١٢ - وهو الذي يجري على بعض العين
المدعاة، كمن صالح من الدار المدّعاة على
نصفها أو ثلثها . وقد اختلف الفقهاء في
حكمه على ثلاثة أقوال .
(١) الكفاية على الهداية (المطبعة الميمنية) ٤٧٧/٧ .
(٢) تحفة الفقهاء ٤١٨/٣، مجمع الأنهر ٣٠٨/٢، شرح
منتهى الإرادات ٢٦٠/٢، كفاية الأخبار ١٦٧/١،
بداية المجتهد (مطبوع مع الهداية في تخريج أحاديث
البداية) ٩٠/٨، القوانين الفقهية (ط. الدار العربية
للكتاب) ص ٣٤٣، كفاية الطالب الرباني وحاشية
العدوي عليه ٣٢٤/٢. إرشاد السالك لابن عسكر
البغدادي المالكي ص ١٣٢، التفريع لابن الجلاب
٢٨٩/٢ .
أحدها : للمالكية ، وهو الأصح عند
الشافعية ورواية عن أحمد : وهو أنه يعدّ من
قبيل هبة بعض المدعى لمن هو في يده ،
فتثبت فيه أحكام الهبة ، سواء وقع بلفظ
الهبة أو بلفظ الصلح .
قال الشافعية : لأن الخاصية التي يفتقر
إليها لفظ الصلح ، وهي سبق الخصومة قد
حصلت (١).
والثاني : للحنابلة، وهو الوجه الثاني عند
الشافعية : وهو أنه إذا كان له في يده عین ،
فقال المقرّ له : وهبتك نصفها ، فأعطني
بقيتّها ، فيصح ويعتبر له شروط الهبة ، لأن
جائز التصرف لايمنع من هبة بعض حقّه ،
كما لايمنع من استيفائه ، مالم يقع ذلك بلفظ
الصلح ، فإنه لايصحّ ، لأنه يكون قد
صالح عن بعض ماله ببعضه ، فهو هضم
للحق ، أو بشرط أن يعطيه الباقي ، كقوله :
على أن تعطيني كذا منه أو تعوضني منه
بكذا لأنه يقتضي المعاوضة ، فكأنه عاوض
عن بعض حقه ببعضه ، والمعاوضة عن
الشيء ببعضه محظورة ، أو يمنعه حقّه بدون
(١) روضة الطالبين ١٩٣/٤، كفاية الأخيار ١٦٨/١، نهاية
المحتاج ٣٧٢/٤، أسنى المطالب ٢١٥/٢، المهذب
٣٤٠/١، الخرشي على خليل ٣/٦، شرح الزرقاني على
خلیل ٣/٦ .
- ٣٢٨ -

٥٫٫٠٠
صلح ١٢ - ١٣
....
الصلح ، فإنه لايصح كذلك (١).
والثالث : للحنفية : وهو أنه لو ادعى
شخص على آخر دارا ، وحصل الصلح على
قسم معيّن منها ، فهناك قولان في المذهب :
أحدهما : لايصح هذا الصلح ،
وللمدّعي الادعاء بعد ذلك بباقي الدار،
لأن الصلح إذا وقع على بعض المدعى به
يكون المدعي قد أستوفى بعض حقّه ،
وأسقط البعض الآخر، إلا أن الإِسقاط عن
الأعيان باطل ، فصار وجوده وعدمه بمنزلة
واحدة ، كما أنّ بعض المدعي به لايكون
عوضا عن كله ، حيث يكون ذلك بمثابة أنّ
الشيء يكون عوضا عن نفسه ، إذ البعض
داخل ضمن الكلّ .
والثاني : يصح هذا الصلح ، ولا تسمع
الدعوى في باقيها بعده ، وهو ظاهر الرواية ،
لأن الإِبراء عن بعض العين المدعى بها إبراء
في الحقيقة عن دعوى ذلك البعض ،
فالصلح صحيح ولاتسمع الدعوى
بعده (٢).
أما لو صالحه على منفعة العين المدعاة ،
بأن صالحه عن بیت ادعی علیه به وأقرّ له به
(١) شرح منتهى الإرادات ٢٦٠/٢، كشاف القناع
٣٧٩/٣، المغني ٥٣٦/٤، المبدع ٢٧٩/٤.
(٢) شرح المجلة للأناسي ٥٥٨/٤ - ٥٦١، درر الحكام لعلي
حيدر ٣٩/٤ .
على سكناه مدة معلومة ، فقد اختلف
الفقهاء في ذلك الصلح على قولين :
أحدهما : الجواز وهو قول الحنفية :
ويعتبر إجارة . وهو قول الشافعية في
الأصح ، ويعتبر إعارة ؛ فتثبت فيه
أحكامها . فإن عيّن مدة فإعارة مؤقتة ، وإلا
فمطلقة (١) .
والثاني : عدم الجواز، وهو للحنابلة
ووجه عند الشافعية ؛ لأنه صالحه عن ملكه
على منفعة ملكه ، فكأنه ابتاع داره
بمنفعتها ، وهو لايجوز (٢).
ثانيا : صلح المعاوضة :
١٣ - وهو الذي يجري على غير العين
المدّعاة ، کان ادعی علیه دارا ، فأقرّ له بها
ثم صالحه منها على ثوب أو دار أخرى .
وهو جائز صحيح باتفاق الفقهاء ، ويعدّ
بيعا ، وإن عقد بلفظ الصلح ؛ لأنه مبادلة
مال بمال ، ويشترط فيه جميع شروط البيع :
كمعلومية البدل ، والقدرة على التسليم ،
والتقابض في المجلس إن جرى بين العوضين
ربا النسيئة .
(١) نهاية المحتاج ٤ /٣٧٢. أسنى المطالب ٢١٦/٢، روضة
الطالبين ١٩٧/٤ البدائع (٤٧/٦ الطبعة الأولى).
(٢) المهذب ٣٤٠/١، شرح منتهى الإرادات ٢٦١/٢،
المبدع ٢٨١/٤، كشاف القناع ٣٨٠/٣، المغني
٥٣٧/٤ (ط. مكتبة الرياض الحديثة) .
- ٣٢٩ -

صلح ١٣ - ١٤
كذلك تتعلق به جميع أحكام البيع :
كالردّ بالعيب ، وحق الشفعة ، والمنع من
التصرف قبل القبض ونحو ذلك ، کما يفسد
بالغرر والجهالة الفاحشة والشروط المفسدة
للبيع (١).
ولو صالحه من العين المدعاة على منفعة
عین أخری ، کما إذا ادعى على رجل شيئا ،
فأقرّ به ، ثم صالحه علی سکنی داره ، أو
ركوب دابته ، أو لبس ثوبه مدّة معلومة
فلاخلاف بين الفقهاء في جواز هذا
الصلح ، وأنه يكون إجارة ، وتترتب عليه
سائر أحكامها ؛ لأنّ العبرة للمعاني ،
فوجب حمل الصلح عليها ، لوجود معناها
فيها ، وهو تمليك المنافع بعوض (٢).
(١) الأم ٢٢١/٣، بداية المجتهد (مطبوع مع الهداية في
تخريج أحاديث البداية) ٩١/٨، تحفة الفقهاء ٤١٩/٣،
مجمع الأنهر والدر المنتقى ٣٠٨/٢، تبيين الحقائق
٣١/٥، البحر الرائق ٢٥٦/٧، والزرقاني على خليل
٢/٦، شرح الخرشي ٣/٦، مواهب الجليل ٨٠/٥،
شرح منتهى الإرادات ٢٦٢/٢، المبدع ٤/ ٢٨٢، المغني
٥٣٧/٤، كشاف القناع ٣٨٢/٣، روضة الطالبين
١٩٣/٤، كفاية الأخيار ١٦٨/١، نهاية المحتاج
٣٧١/٤ وما بعدها، أسنى المطالب ٢١٥/٢، المهذب
٣٤٠/١، حاشية العدوي على كفاية الطالب الرباني
٣٢٤/٢، وانظر م ١٠٣٠ من مرشد الحيران وم ١٥٤٨
من مجلة الأحكام العدلية وم ١٦٢٦ من مجلة الأحكام
الشرعية على مذهب أحمد .
(٢) تبيين الحقائق ٣٢/٥، مجمع الأنهر والدر المنتقى
٣٠٩/٢، العدوي على كفاية الطالب الرباني ٣٢٤/٢،
نهاية المحتاج ٣٧١/٤ وما بعدها ، أسنى المطالب =
ب - الصلح عن الدّيْن :
وذلك مثل أن يدعي شخص على آخر
دينا ، فيقرّ المدعى عليه له به ، ثم يصالحه
علی بعضه ، أو على مال غيره . وهو جائز-
في الجملة - باتفاق الفقهاء ، وإن كان ثمة
اختلاف بینهم في بعض صوره وحالاته .
وهو عند الفقهاء نوعان : صلح إسقاط
وإبراء ، وصلح معاوضة .
أولا : صلح الإِسقاط والإِبراء :
ويسمى عند الشافعية صلح الحطيطة .
١٤ - وهو الذي يجري على بعض الدّين
المدّعى ، وصورته بلفظ الصلح ، أن يقول
المقرّ له : صالحتك على الألف الحالّ الذي
لي عليك على خمسمائة .
وقد اختلف الفقهاء في حكمه على
قولين :
أحدهما : للحنفية والمالكية والشافعية ،
وهو أنّ هذا الصلح جائز، إذ هو أخذ
لبعض حقّه وإسقاط لباقيه ، لامعاوضة ،
= ٢١٥/٢، المهذب ٣٤٠/١، كفاية الأخيار ١٦٨/١،
روضة الطالبين ١٩٣/٤، كشاف القناع ٣٨٢/٣،
المغني ٤ /٥٣٧، المبدع ٤ /٢٨٢، شرح منتهى الإرادات
٢٦٢/٢، مواهب الجليل ٨١/٥، الخرشي ٢/٦، وانظر
م ١٠٣١ من مرشد الحيران وم ١٥٤٩ من مجلة الأحكام
العدلية وم ١٦٢٦ من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب
الإِمام أحمد للقاري .
- ٣٣٠ -

صلح ١٤
ويعتبر إبراء للمدعى عليه عن بعض
الدّين ؛ لأنه معناه ، فتثبت فيه
أحكامه (١). وقد جاء في (م ١٠٤٤) من
مرشد الحيران : لربّ الدّين أن يصالح
مديونه على بعض الدين ، ويكون أخذا
لبعض حقّه وإبراء عن باقية .
ثم قال الشافعية : ويصحّ بلفظ الإِبراء
والحطّ ونحوهما، كالإسقاط والهبة والترك
والإِحلال والتحليل والعفو والوضع ،
ولا يشترط حينئذ القبول على المذهب ، سواء
قلنا : إنّ الإِبراء تمليك أم إسقاط . كما
يصحّ بلفظ الصلح في الأصح . وفي اشتراط
القبول إذا وقع به وجھان ۔ کالوجهین فیما لو
قال لمن عليه دين: وهبته لك - والأصحّ
الاشتراط ؛ لأنّ اللفظ بوضعه يقتضيه (٢).
والثاني : للحنابلة : وهو أنه إذا كان
لرجل على آخر دين ، فوضع عنه بعض
حقّه ، وأخذ منه الباقي ، کان ذلك جائزا
لهما إذا كان بلفظ الإِبراء ، وكانت البراءة
(١) مواهب الجليل ٨٢/٥، المواق على خليل ٨٢/٥،
العدوي على كفاية الطالب الرباني ٣٢٤/٢، نهاية
المحتاج ٣٧٤/٤، أسنى المطالب ٢١٥/٢، مجمع الأنهر
٣١٥/٢، البحر الرائق ٢٥٩/٧، البدائع ٤٣/٦، تحفة
الفقهاء ٤٢٢/٣، شرح المجلة للأناسي ٥٦٢/٤ وما
بعدها، وانظر م ١٥٥٢ من مجلة الأحكام العدلية ،
وتبیین الحقائق ٤١/٥ .
(٢) كفاية الأخيار ١٦٨/١، روضة الطالبين ١٩٦/٤، نهاية
المحتاج ٣٧٤/٤، أسنى المطالب ٢١٥/٢.
مطلقة من غير شرط إعطاء الباقي ، كقول
الدائن : على أن تعطيني كذا منه ، ولم
يمتنع المدعي عليه من إعطاء بعض حقّه إلاّ
بإسقاط بعضه الآخر (١). فإن تطوّع المقرّ له
بإسقاط بعض حقّه بطيب نفسه جاز، غير
أنّ ذلك ليس بصلح ولا من باب الصلح
بسبيل (٢).
أمّا إذا وقع ذلك بلفظ الصلح فأشهر
الروايتين عن الإِمام أحمد : أنه لايصح .
وهي الرواية الأصحّ في المذهب ، وذلك لأنه
صالح عن بعض ماله ببعضه ، فكان هضما
للحق .
والثانية: وهي ظاهر ((الموجز) و((التبصرة))
أنه يصحّ (٣) .
أمّا لو صالحه عن ألف مؤجل على خمسمائة
معجّلة ، فقد اختلف الفقهاء في جواز ذلك
على قولين :
أحدهما : لجمهور الفقهاء - الحنفية
والمالكية والشافعية - والصحيح عند الحنابلة
أنّ ذلك لا يجوز (٤). واستثنى الحنفية
(١) شرح منتهى الإرادات ٢٦٠/٢، كشاف القناع
٣٧٩/٣، المبدع ٢٧٩/٤، وانظر م ١٦٢٠ من مجلة
الأحكام الشرعية على مذهب الإمام أحمد .
(٢) المغني ٥٣٤/٤.
(٣) المبدع ٢٧٩/٤، المغني ٥٣٥/٤.
(٤) البحر الرائق ٢٥٩/٧، والبدائع ٤٥/٦، وتبيين الحقائق
٤٣/٥، وروضة الطالبين ١٩٦/٤، نهاية المحتاج =
- ٣٣١ -

صلح ١٤
والحنابلة من ذلك دین الكتابة ؛ لأن الربا
لا يجري بينهما في ذلك . وعلّل الشافعية عدم
الصحة : بأنّه ترك بعض المقدار ليحصل
الحلول في الباقي ، والصفة بانفرادها لاتقابل
بعوض ، ولأن صفة الحلول لايصحّ إلحاقها
بالمؤجل ، وإذا لم يحصل ماترك من القدر
لأجله لم يصحّ الترك (١) ووجه المنع عند
المالكية : أنّ من عجّل ما أجل يعدّ مسلّفا ،
فقد أسلف الآن خمسمائة ليقتضي عند الأجل
ألفا من نفسه (٢)
وقد علل الحنفية المنع في غير دين
الكتابة : بأنّ صاحب الدّين المؤجل
لا يستحق المعجل ، فلايمكن أن يجعل
استيفاء ، فصار عوضا ، وبيع خمسمائة
بألف لا يجوز (٣).
وبيان ذلك : أنّ المعجّل لم يكن مستحقا
بالعقد حتی یکون استیفاؤه إستيفاء لبعض
حقّه ، والتعجيل خير من النسيئة لامحالة ،
فيكون خمسمائة بمقابلة خمسمائة مثله من
= ٣٧٤/٤، أسنى المطالب ٢١٦/٢، شرح الخرشي
٣/٦، البهجة شرح التحفة ٢٢١/١، الزرقاني على
خليل ٣/٦، شرح التاودي على التحفة ٢٢١/١، وشرح
منتهى الإرادات ٢٦٠/٢، المبدع ٢٧٩/٤ وكشاف
القناع ٣٨٠/٣ .
(١) أسنى المطالب ٢١٦/٢.
(٢) البهجة للتسولي ٢٢١/١.
(٣) تحفة الفقهاء ٤٢٣/٣.
الدّين ، والتعجيل في مقابلة الباقي ، وذلك
اعتياض عن الأجل ، وهو باطل ؛ ألا ترى
أنّ الشرع حرّم ربا النسيئة ، وليس فيه إلا
مقابلة المال بالأجل شبهة ، فلأن تكون
مقابلة المال بالأجل حقيقة حراما أولى (١).
الثاني : جواز ذلك - وهو رواية عن الإِمام
أحمد ، حكاها ابن أبي موسي وغيره ، (٢) وهو
قول ابن عباس وإبراهيم النخعي ، واختاره
الشيخ تقي الدين بن تيمية وتلميذه ابن قيم
الجوزية (٣) .
قال ابن القيم : لأن هذا عكس الربا ،
فإنّ الربا يتضمن الزيادة في أحد العوضين في
مقابلة الأجل ، وهذا يتضمن براءة ذمته من
بعض العوض في مقابلة سقوط الأجل ،
فسقط بعض العوض في مقابلة سقوط بعض
الأجل ، فانتفع به كلّ واحد منهما ، ولم يكن
هنا ربا لاحقيقة ولالغة ولاعرفا ، فإنّ الربا
الزيادة ، وهي منتفية هلهنا ، والذين حرّموا
ذلك إنّما قاسوه على الربا ، ولا يخفى الفرق
(١) العناية على الهداية (ط. الميمنية) ٣٩٦/٧، تبيين
الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٤٢/٥، شرح المجلة
للأناسي ٤ / ٥٦٤ .
(٢) المبدع ٢٨٠/٣.
(٣) الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي
ص ١٣٤، أعلام الموقعين ٣٧١/٣ أحكام القرآن
للجصاص (ط. مصر بعناية محمد الصادق قمحاوي)
١٨٦/٢ .
- ٣٣٢ -

صلح ١٤
الواضح بين قوله : إما أن تربي ، وإما أن
تقضى . وبين قوله : عجّل لي وأهب لك
مائة. فأين أحدهما من الآخر ؛ فلانصّ في
تحريم ذلك ، ولا إجماع ، ولا قياس
صحيح (١).
ولو صالح من ألف درهم حالٌ على ألف
درهم مؤجل ، فقد اختلف الفقهاء في صحه
ذلك علی قولین :
أحدهما : للشافعية والحنابلة : وهو أنّ
التأجیل لایصح ، ویعتبر لاغیا ، إذ هو من
الدائن وعد بإلحاق الأجل ، وصفة الحلول
لايصح إلحاقها ، والوعد لا يلزم الوفاء به (٢).
والثاني : للحنفية : وهو صحة
التأجيل ، وذلك لأنه إسقاط لوصف الحلول
فقط ، وهو حقّ له ، فيصح ، ویکون من
قبيل الإِحسان (٣). قالوا : لأن أمور
المسلمين محمولة على الصحة ، فلو حملنا
ذلك على المعاوضة فيلزم بيع الدراهم
بالدراهم نساء ، وذلك لا يجوز، لأنه بيع
الدّين بالدّين ، لأن الدراهم الحالّة والدراهم
(١) أعلام الموقعين عن رب العالمين (ط. السعادة بمصر)
٣٧١/٣ .
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢٦١/٢، أسنى المطالب
٢١٥/٢، نهاية المحتاج ٣٧٤/٤.
(٣) مجمع الأنهر ٣١٥/٢، تحفة الفقهاء ٤٢٣/٣، البحر
الرائق ٢٥٩/٧، شرح المجلة للأناسي ٥٦٤/٤، وانظر
م ١٥٥٣ من مجلة الأحكام العدلية ، البدائع ٤٤/٦ .
المؤجلة ثابتة في الذمة ، والدين بالدين
لا يجوز؛ لأن النبي ◌َّله ((نهى عن الكالىء
بالكالىء))(١)، فلما لم يكن حمله على المعاوضة
حملناه على التأخير تصحيحا للتصرف ، لأنّ
ذلك جائز کونه تصرفا في حقّ نفسه ، لافي
حقّ غيره (٢) .
ولو اصطلحا عن الدّين الحالّ على وضع
بعضه وتأجيل الباقي ، كما لو صالح الدائن
مدينه عن ألف حالة على خمسمائة مؤجلة ،
فقد اختلف الفقهاء في ذلك على ثلاثة
أقوال :
الأول : للحنفية والمالكية وبعض
الحنابلة : وهو صحة الإِسقاط
والتأجيل (٣). وقد اختاره الشيخ تقي الدين
ابن تيمية . قال ابن القيم : وهو
الصواب ، بناء على صحة تأجيل القرض
والعاريّة (٤).
(١) حديث: ((أن النبي 18 نهى عن الكالىء بالكالىء)).
أخرجه الدارقطني والبيهقي والطحاوي والحاكم والبزار
وابن أبي شيبة وغيرهم عن ابن عمر - رضي الله عنهما -
مرفوعا . (التلخيص الحبير ٢٦/٢، نصب الراية
٣٩/٤، شرح معاني الآثار ٢١/٤، سنن الدارقطني
٧١/٣ سنن البيهقي ٢٩٠/٥، المستدرك ٥٧/٢، نيل
الأوطار ٢٥٤/٥.
(٢) حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ٤١/٥.
(٣) البحر الرائق ٢٥٩/٧ ، التاج والإکلیل للمواق ٨٢/٥،
أعلام الموقعين ٣٧٠/٣ .
(٤) أعلام الموقعين (ط. السعادة بمصر) ٣٧٠/٣ .
- ٣٣٣ -

صلح ١٤ - ١٥
والثاني : للحنابلة في الأصح والشافعية :
وهو أنه يصح الإسقاط دون التأجيل . وعلة
صحة الوضع والإسقاط : أنه أسقط بعض
حقّه عن طيب نفسه ، فلا مانع من
صحته ؛ لأنه ليس في مقابلة تأجيل ،
فوجب أن يصح كما لو أسقطه کلّه ، إذ هو
مسامحة وليس بمعاوضة (١).
والثالث : لبعض الحنابلة : وهو أنه
لايصح الإِسقاط ولا التأجيل ، بناء على أنّ
الصلح لايصح مع الإِقرار، وعلى أنّ الحالّ
لا يتأجل (٢).
ثانيا : صلح المعاوضة :
١٥ - وهو الذي يجري على غير الدّين
المدّعى ، بأن يقرّ له بدين في ذمته ، ثم
يتفقان على تعويضه عنه . وحكمه حكم بيع
الدّين (٣)، وإن كان بلفظ الصلح . وهو
(١) كشاف القناع ٣٨٠/٣، شرح منتهى الإرادات
٢٦١/٢، المبدع ٢٨٠/٤، روضة الطالبين ١٩٦/٤،
أسنى المطالب ٢١٦/٢، نهاية المحتاج ٣٧٤/٤.
(٢) أعلام الموقعين ٣٧٠/٣ (ط. السعادة بمصر)، وانظر
المبدع ٤ / ٢٨٠.
(٣) التاج والإِكليل ٨١/٥.
*ومن أجل ذلك نصّ الشافعية على التفريق بين ما إذا
صالحه عن دين لا يجوز الاعتياض عنه كدين السلم ،
وبين ما إذا صالحه عن دين يجوز الاعتياض عنه .
وقالوا : فإن صالحه عن مالا يصحّ الاعتياض عنه فإنه
لايصح . أما إذا صالحه عن دين يجوز الاعتياض عنه فإنه
يصحّ ، سواء أكان المصالح به عينا أو دينا أو منفعة ،
سواء عقد بلفظ البيع أم الصلح أم الإِجارة . ثم بينوا بعد =
عند الفقهاء على أربعة أضرب : (١).
الأول : أن يقرّ بأحد النقدين ، فيصالحه
بالآخر، نحو : أن يقرّ له بمائة درهم ،
فيصالحه منها بعشرة دنانير ، أو يقرّ له بعشرة
دنانير، فيصالحه منها على مائة درهم . وقد
نصّ الفقهاء على أنّ له حكم الصرف ؛ لأنه
بيع أحد النقدين بالآخر، ويشترط له
ما يشترط في الصرف من الحلول والتقابض
قبل التفرق (٢).
والثاني : أن يقرّ له بعرض ، کفرس
وثوب ، فيصالحه عن العرض بنقد ، أو
يعترف له بنقد ، كدينار ، فيصالحه عنه على
عرض . وقد نصّ الفقهاء على أنّ له حكم
= ذلك ضروبه. (نهاية المحتاج ٣٧٣/٤).
(١) جاء في م (١٦٢٦) من مجلة الأحكام الشرعية على مذهب
أحمد: ((الصلح عن الحقّ المقرّ به على غير جنسه
معاوضة ، يصح بلفظ الصلح . فالصلح عن نقد بنقد
صرف ، وعن نقد بعرض أو عن عرض بنقد أو عن عرض
بعرض بيع ، أو عن عرض أو نقد بمنفعة إجارة، فيشترط
لصحته مايشترط لصحة هذه العقود ، وتجري فيه
أحكامها المفصلة في محلّها .
(٢) شرح منتهى الإرادات ٢٦٢/٢، المبدع ٢٨٣/٤،
٢٨٤، والمغني ٤ /٥٣٤، كشاف القناع ٣٨٢/٣، روضة
الطالبين ١٩٥/٤، نهاية المحتاج ٣٧٣/٤، المهذب
٣٤٠/١، أسنى المطالب ٢١٥/٢، حاشية العدوي
على كفاية الطالب الرباني ٣٢٤/٢، مواهب الجليل
٨١/٥، ٨٢، الخرشي ٣/٦، البهجة للتسولي
٢٢١/١، القوانين الفقهية ص ٣٤٣، التفريع لابن
الجلاب ٢٨٩/٢ وما بعدها، تحفة الفقهاء ٤٢٤/٣،
مجمع الأنهر والدر المنتقى ٣١٥/٢، الأم ٢٢٧/٣ .
- ٣٣٤ -

صلح ١٥ - ١٦
البيع ، إذ هو مبادلة مال بمال ، وتثبت فيه
أحكام البيع (١) .
والثالث : أن يقرّ له بدین في الذمة ۔ من
نحو بدل قرض أو قيمة متلف ـ فيصالح على
موصوف في الذمة من غیر جنسه ، بأن
صالحه عن دينار في ذمته ، باردبٌ قمح ،
ونحوه في الذمة . وقد نص الحنفية والمالكية
والحنابلة على صحة هذا الصلح ، غير أنه
لايجوز التفرق فيه من المجلس قبل القبض ؛
لأنه إذا حصل التفرق قبل القبض كان كلّ
واحد من العوضين دينا - لأن محله الذمة -
فصار من بيع الدين بالدين ، وهو منهي عنه
شرعا(٢).
وقال الشافعية : يشترط تعیین بدل
الصلح في المجلس ليخرج عن بيع الدين
بالدين . وفي اشتراط قبضه في المجلس
وجهان :
(١) تحفة الفقهاء ٤٢١/٣، البدائع ٤٣/٦، روضة الطالبين
١٩٥/٤، نهاية المحتاج ٣٧٣/٤، المهذب ٣٤٠/١،
أسنى المطالب ٢١٥/٢، البهجة ٢٢١/١، المغني
٥٣٤/٤، كشاف القناع ٣٨٢/٣، شرح منتهى
الإرادات ٢٦٢/٢.
(٢) المغنى ٥٣٤/٤، كشاف القناع ٣٨٣، شرح منتهى
الإرادات ٢٦٢/٢، المبدع ٢٨٤/٤، التاج والإكليل
للمواق ٨١/٥، بدائع الصنائع ٤٦/٦، تبيين الحقائق
٤٢/٥، وانظر م (١٠٢٩) من مرشد الحيران .
أصحهما : عدم الاشتراط إلا إذا كانا
ربویین (١) .
والرابع : أن يقع الصلح عن نقد ، بأن
كان على رجل عشرة دارهم ، فصالح من
ذلك على منفعة : کسکنی دار، أو ركوب
دابة مدة معينة ، أو على أن يعمل له عملا
معلوما . وقد نصّ الحنفية والشافعية
والحنابلة على أنّ لهذا الصلح حكم الإِجارة ،
وتثبت فيه أحكامها (٢).
القسم الثاني :
الصلح مع إنكار المدعى عليه :
١٦ - وذلك كما إذا ادّعى شخص على آخر
شيئا ، فأنكره المدعى عليه ، ثم صالح
عنه . وقد اختلف الفقهاء في جوازه على
قولين :
أحدهما لجمهور الفقهاء - من الحنفية
والمالكية والحنابلة - : وهو جواز الصلح على
الإِنكار (٣). بشرط أن يكون المدعي معتقدا
(١) روضة الطالبين ١٩٥/٤، نهاية المحتاج ٣٧٣/٤،
المهذب ٣٤٠/١، أسنى المطالب ٢١٥/٢.
(٢) تحفة الفقهاء ٤٢٤/٣، بدائع الصنائع ٤٧/٦، المهذب
٣٤٠/١، المبدع ٢٨٣/٤، ٢٨٤، كشاف القناع
٣٨٢/٣، شرح منتهى الإرادات ٢٦٢/٢.
(٣) تحفة الفقهاء ٤١٨/٣، مجمع الأنهر ٣٠٨/٢، البدائع
٤٠/٦، الإفصاح لابن هبيرة ٣٧٨/١، كشاف القناع
٣٨٥/٣، شرح منتهى الإرادات ٢٦٣/٢ المغني
٥٢٧/٤، المبدع ٢٨٥/٤، بداية المجتهد (مطبوع مع
الهداية في تخريج أحاديث البداية) ٩٠/٨، إرشاد =
- ٣٣٥ -

صلح ١٦
أن ما ادعاه حقّ ، والمدعى عليه يعتقد أن
لاحقّ عليه . فيتصالحان قطعا للخصومة
والنزاع . أمّا إذا كان أحدهما عالما بكذب
نفسه ، فالصلح باطل في حقّه ، وما أخذه
العالم بكذب نفسه حرام علیه ؛ لأنه من أکل
المال بالباطل
واستدلوا على ذلك :
أ - بظاهر قوله تعالى: ﴿والصلح
خير﴾ (١). حيث وصف المولى عز وجل
جنس الصلح بالخيرية . ومعلوم أنّ الباطل
لايوصف بالخيرية ، فكان كلّ صلح مشروعا
بظاهر هذا النص إلّ ماخصّ بدليل (٢).
ب - بعموم قوله مَير: ((الصلح جائز بين
المسلمين)) (٣).
فيدخل ذلك في عمومه (٤).
السالك لابن عسكر البغدادي المالكي ص ١٣٢ ،
الإِشراف للقاضي عبد الوهاب ١٧/٢، عارضة الأحوذى
١٠٤/٦، القوانين الفقهية (ط. الدار العربية للكتاب)
ص ٣٤٣، الهداية مع تكملة فتح القدير والعناية
والكفاية (الميمينية) ٣٧٧/٧ ومابعدها ، درر الحكام لعلي
حيدر ٣٥/٤، شرح الخرشي ٤/٦، البحر الرائق
٢٥٦/٧، تبيين الحقائق ٣١/٥، التفريع لابن الجلاب
٢٨٩/٢، أعلام الموقعين (مطبعة السعادة) ٣٧٠/٣.
(١) النساء آية /١٢٨ .
(٢) البدائع ٦/ ٤٠، وانظر تكملة فتح القدير مع العناية
والكفاية (الميمينية) ٣٧٧/٧ .
(٣) حديث: ((الصلح جائز بين المسلمين)). سبق تخريجه
(ف ٥) .
(٤) الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبد الوهاب=
ج - وبأن الصلح إنما شرع للحاجة إلى
قطع الخصومة والمنازعة ، والحاجة إلى قطعها
في التحقيق عند الإنكار- إذ الإقرار مسالمة
ومساعدة - فكان أولى بالجواز(١). قال ابن
قدامة : وكذلك إذا حلّ مع اعتراف
الغریم ، فلأن يحلّ مع جحده وعجزه عن
الوصول إلى حقّه إلّ بذلك أولى (٢).
د - ولأنه صالح بعد دعوى صحيحة ،
فیقضی بجوازه ، لأن المدعي يأخذ عوضا
عن حقّه الثابت له في اعتقاده ، وهذا
مشروع ، والمدعى عليه يؤديه دفعا للشر
وقطعا للخصومة عنه ، وهذا مشروع أيضا ،
إذ المال وقاية الأنفس ، ولم يرد الشرع بتحريم
ذلك في موضع (٣).
هـ- ولأن افتداء اليمين جائز؛ لما روي
عن عثمان وابن مسعود : أنهما بذلا مالا في
دفع اليمين عنهما . فاليمين الثابتة للمدعي
حقّ ثابت لسقوطه تأثير في إسقاط المال ،
= ١٧/٢، المبدع ٢٨٥/٤، شرح منتهى الإرادات
٢٦٣/٢.
(١) البدائع ٤٠/٦ .
(٢) المغني ٥٢٨/٤ .
(٣) الهداية مع العناية والكفاية (الميمنية) ٣٧٩/٧، قال ابن
القيم : إنه افتداء لنفسه من الدعوى واليمين وتكليف
إقامة البينة، كما تفتدي المرأة نفسها من الزوج بما تبذله
له ، وليس هذا بمخالف لقواعد الشرع ، بل حكمة
الشرع وأصوله وقواعده ومصالح المكلفين تقتضي ذلك.
(أعلام الموقعين ٣٧٠/٣) .
- ٣٣٦ -

صلح ١٦ - ١٧
فجاز أن يؤخذ عنه المال على وجه الصلح ،
أصله القود في دم العمد (١).
والثاني للشافعية وابن أبي ليلى : وهو
أنّ الصلح على الإنكار باطل (٢).
واستدلوا على ذلك :
أ - بالقياس على مالو أنكر الزوج الخلع ،
ثم تصالح مع زوجته على شيء ، فلايصح
ذلك .
ب - وبأنّ المدعي إن كان كاذبا فقد
استحلّ مال المدعى عليه ، وهو حرام . وإن
کان صادقا فقد حرم على نفسه ماله الحلال ؛
لأنه يستحق جميع مايدعيه ، فدخل في قوله
مَ: ((إلا صلحا أحلّ حراما أو حرّم
حلالا)) (٣).
ج - وبأنّ المدعي اعتاض عما لايملكه ،
فصار كمن باع مال غيره ، والمدعى عليه
عاوض على ملكه ، فصار كمن ابتاع مال
نفسه من وكيله . فالصلح على الإِنكار
(١) الإشراف للقاضي عبد الوهاب ١٧/٢، وانظر محاسن
الإِسلام للزاهد البخاري ص ٨٧ .
(٢) الأم (بعناية محمد زهرى النجار) ٢٢١/٣، المهذب
٣٤٠/١، أسنى المطالب وحاشية الرملي علیه ٢١٥/٢،
٢١٦، نهاية المحتاج ٤ /٣٧٥، مختصر المزني ص ١٠٦،
روضة الطالبين ١٩٨/٤، المغنى (ط. مكتبة الرياض
الحديثة) ٥٢٧/٤، بدائع الصنائع ٤٠/٦، كفاية
الأخيار ١ /١٦٧.
(٣) بداية المجتهد (مطبوع مع الهداية فى تخريج أحاديث
البداية للغماري) ٩٢/٨ - ٩٤.
يستلزم أن يُملّك المدّعي مالا يُملك ، وأن
یُملّك المدعى عليه مايملك ، وذلك إن
کان المدعي کاذبا . فإن كان صادقا انعكس
الحال .
د - ولأنه عقد معاوضة خلا عن العوض
في أحد جانبيه ؛ فبطل كالصلح على حدّ
القذف .
التكييف الفقهي للصلح على الإنكار :
٠
١٧ - قال ابن رشد في (بداية المجتهد) :
وأمّا الصلح على الإِنكار، فالمشهور فيه عن
مالك وأصحابه : أنه يراعى فيه من الصحة
مايراعى في البيوع . ثم قال : فالصلح
الذي يقع فيه مالا يجوز في البيوع هو في
مذهب مالك على ثلاثة أقسام : صلح
يفسخ باتفاق ، وصلح يفسخ باختلاف ،
وصلح لایفسخ باتفاق إن طال ، وإن لم يطل
ففيه اختلاف (١).
وفّق الحنفية والحنابلة بين تكييفه في حق
المدعي وبينه في حقّ المدعى عليه وقالوا :
يكون الصلح على مال المصالح به
معاوضة في حقّ المدعي ؛ لأنه يعتقده عوضا
عن حقّه ؛ فيلزمه حكم اعتقاده . وعلى
ذلك : فإن كان ما أخذه المدعي عوضا عن
(١) بداية المجتهد (مطبوع مع الهداية في تخريج أحاديث
البداية للغماري) ٩٢/٨ - ٩٤.
- ٣٣٧ -

٠٠.
صلح ١٧ - ١٨
دعواه شقصا مشفوعا ، فإنها تثبت فيه
الشفعة لشريك المدعى عليه ، لأنه أخذه
عوضا ، كما لو اشتراه (١) .
* ويكون الصلح على الإِنكار في حقّ
المدعى عليه خلاصا من اليمين وقطعا
للمنازعة ، لأن المدعي في زعم المدعى عليه
المنكر غير محقّ ومبطل في دعواه ، وأنّ إعطاءه
العوض له ليس بمعاوضة بل للخلاص من
اليمين ، إذ لو لم يصالحه ويعط العوض لبقي
النزاع ولزمه اليمين . وقد عبّر الحنابلة عن
هذا المعنى بقولهم : يكون صلح الإِنكار
إبراء في حقّ المنكر ؛ لأنه دفع إليه المال افتداء
ليمينه ودفعا للضرر عنه لا عوضا عن حق
يعتقده عليه .
وبناء على ذلك : لو كان ماصالح به
(١) شرح منتهى الإرادات ٢٦٤/٢، كشاف القناع
٣٨٥/٣، والمبدع ٢٨٦/٤، المغني ٥٢٩/٤، ٥٣٠،
مجمع الأنهر والدر المنتقى ٣٠٨/٢، ٣٠٩، والبحر الرائق
٢٥٦/٧، تبيين الحقائق ٣١/٥ -٣٣، درر الحكام لعلي
حیدر ٢٥/٤ وما بعدها .
* وقد جاء م (١٥٥٠) من مجلة الأحكام العدلية :
الصلح عن الإِنكار أو السكوت هو في حقّ المدعي
معاوضة، وفى حق المدعى عليه خلاص من اليمين وقطع
للمنازعة ، فتجرى الشفعة في العقار المصالح عليه ، ولا
تجري في العقار المصالح عنه ، ولو استحقّ كلّ المصالح
عنه أو بعضه يردّ المدعي للمدعى عليه هذا المقدار من
بدل الصلح كلّ أو بعضا ، ويباشر المخاصمة بالمستحقّ
ويستحق بدل الصلح كلا أو بعضا ، ويرجع المدعي
بذلك المقدار إلى دعواه . وانظر م ١٠٣٧ من مرشد
الحيران .
المنكر شقصا لم تثبت فيه الشفعة ، لأن
المدعي يعتقد أنه أخذ ماله أو بعضه
مسترجعا له ممن هو عنده ، فلم يكن
معاوضة ، بل هو كاسترجاع العين
المغصوبة (١).
القسم الثالث :
الصلح مع سكوت المدعى عليه :
١٨ - وذلك كما إذا ادّعى شخص على آخر
شيئا ، فسكت المدعى عليه دون أن يقرّ أو
ينكر، ثم صالح عنه .
وقد اعتبر الفقهاء - ماعدا ابن أبي لیلی ۔
هذا الصلح في حکم الصلح عن الإِنکار ،
لأن الساكت منكر حكما . صحيح أنّ
السكوت يمكن أن يحمل على الإِقرار، وعلى
الإِنكار، إلا أنه نظرا لكون الأصل براءة
الذمة وفراغها ، فقد ترجحت جهة الإِنكار .
ومن هنا كان اختلافهم في جوازه تبعا
لاختلافهم في جواز الصلح عن الإِنكار .
وعلى هذا ، فللفقهاء في الصلح عن
السكوت قولان : (٢).
(١) انظر المراجع السابقة .
(٢) مجمع الأنهر والدر المنتقى ٣٠٨/٢، ٣٠٩، تكملة فتح
القدير مع العناية والكفاية ٣٧٩/٧ وما بعدها ، تحفة
الفقهاء ٤١٨/٣، والبدائع ٤٠/٦، أسنى المطالب
٢١٥/٢، نهاية المحتاج ٣٧٥/٤، المبدع ٢٨٥/٤،
والإفصاح لابن هبيرة ٣٧٨/١، كفاية الطالب الرباني
وحاشية العدوي عليه ٣٢٤/٢، شرح منتهى الإرادات =
- ٣٣٨ -

صلح ١٨ - ١٩
أحدهما : للحنفية والمالكية والحنابلة :
وهو جواز الصلح على السكوت . وحجتهم
نفس الأدلة التي ساقوها على جوازه عن
الإِنكار. وقد اشترطوا فيه نفس الشروط
ورتّبوا ذات الأحكام التي اعتبروها في حالة
الإِنكار .
هذا وقد وافقهم على جوازه ابن أبي ليلى -
مع إبطاله الصلح عن الإِنكار - حيث اعتبره
في حكم الصلح على الإِقرار(١).
والثاني : للشافعية : وهو عدم جواز
الصلح على السكوت ، وأنه باطل وذلك
لأنّ جواز الصلح يستدعي حقا ثابتا ، ولم
يوجد في موضع السكوت ، إذ الساكت يعدّ
منکرا حكما حتى تسمع عليه البينة ، فكان
إنكاره معارضا لدعوى المدعي . ولو بذل
المال لبذله لدفع خصومة باطلة ، فكان في
معنی الرشوة (٢) .
الصلح بين المدّعي والأجنبي :
اختلف الفقهاء في الأحكام المتعلقة
= ٢٦٣/٢، كشاف القناع ٣٨٥/٣، والخرشي ٤/٦،
شرح المجلة للأناسي ٤ /٥٥٥ وما بعدها ، درر الحكام
لعلي حيدر ٣٥/٤، وانظر م (١٥٣٥، ١٥٥٠) من مجلة
الأحكام العدلية وم (١٠٣٧) من مرشد الحيران .
(١) الدر المنتقى شرح الملتقى ٣٠٨/٢، وبدائع الصنائع
٤٠/٦.
(٢) نهاية المحتاج ٤ /٣٧٥، وأسنى المطالب ٢١٥/٢.
بالصلح الكائن بين المدعي والأجنبي على
النحو التالي :
أولا : مذهب الحنفية :
١٩ - نصّ الحنفية على أنّ الصلح إذا كان
بين المدعي والأجنبي ، فلايخلو: إمّا أن
یکون بإذن المدعى عليه أو بغير إذنه .
أ - فإن كان بإذنه ، فإنه يصحّ الصلح ،
ويكون الأجنبي وكيلا عن المدعى عليه في
الصلح ، ويجب المال المصالح به على المدعى
عليه دون الوكيل ، سواء أكان الصلح عن
إقرار أم إنكار، لأنّ الوكيل في الصلح
لاترجع إليه حقوق العقد . وهذا إذا لم
يضمن الأجنبي بدل الصلح عن المدعى
عليه ، فأمّا إذا ضمن ، فإنه يجب عليه
بحكم الكفالة والضمان لابحكم العقد (١) .
ب - وأما إذا كان بغير إذنه ، فهذا صلح
الفضولي ، وله وجهان :
أحدهما : أن يضيف الفضولي الصلح
إلى نفسه ، كأن يقول للمدعي : صالحني
عن دعواك مع فلان بألف درهم فيصالحه
ذلك الشخص . فهذا الصلح صحيح ،
ويلزم بدل الصلح الفضولي ، ولو لم يضمن
أو يضف الصلح إلى ماله أو ذمته ، لأنّ
إضافة الفضولي الصلح إلى نفسه تنفذ في
(١) تحفة الفقهاء ٤٣٢/٣، البحر الرائق ٢٥٩/٧.
- ٣٣٩ -

صلح ١٩
حقّه ، ويكون قد التزم بدل الصلح مقابل
إسقاط اليمين عن المدعى عليه ، وليس
للفضولي الرجوع على المدعى عليه ببدل
الصلح الذي أدّاه ، طالما أنّ الصلح لم يكن
بأمر المدعى عليه . قال السمرقندي في
(التحفة) : وإنما كان هكذا ، لأنّ التبرع
بإسقاط الدين ، بأن يقضي دين غيره بغير
إذنه صحيح ، والتبرع بإسقاط الخصومة عن
غيره صحيح ، والصلح عن إقرار إسقاط
للدين ، والصلح عن إنكار إسقاط
للخصومة ، فيجوز كيفما كان (١).
والثاني : أن يضيفَ الفضولي الصلح إلى
المدعى عليه ، بأن يقول للمدعى : تصالح
مع فلان عن دعواك . ولهذا الوجه خمس
صور : في أربع منها يكون الصلح لازما ،
وفي الخامسة منها يكون موقوفا .
ووجه الحصر في هذا الوجه : أنّ
الفضولي إمّا أن يضمن بدل الصلح
أو لايضمن ، وإذا لم يضمن ، فإمّا أن
يضيف الصلح إلى ماله أو لا يضيفه . وإذا
لم يضفه ، فإما أن يشير إلى نقد أو عرض أو
لايشير. وإذا لم يشر، فإمّا أن يسلّم العوض أو
لا يسلم . فالصور خمس هي :
الصورة الأولى : أن يضمن الفضولي
(١) تحفة الفقهاء ٤٣٣/٣.
بدل الصلح ، كما إذا قال الفضولي
للمدعي : صالح فلانا عن دعواك معه
بألف درهم ، وأنا ضامن لك ذلك المبلغ
وقبل المدعي تمّ الصلح وصحّ ؛ لأنه في هذه
الصورة لم يحصل للمدعى عليه سوى
البراءة ، فكما أنّ للمدعى عليه أن يحصل
على براءته بنفسه ، فللأجنبي - أيضا - أن
يحصل على براءة المدعى عليه . وفي هذه
الصورة ، وإن لم يلزم الفضولي بدل الصلح
بسبب عقدہ الصلح ۔۔ من حیث کونه سفیرا -
إلا أنه يلزمه أداؤه بسبب ضمانه .
الصورة الثانية : أن لايضمن الفضولي
بدل الصلح إلا أنّه يضيفه إلى ماله ، كأن
يقول الفضولي : قد صالحت على مالي
الفلاني ، أو على فرسي هذه ، أو على دراهمي
هذه الألف فيصحّ الصلح ؛، لأن المصالح
الفضولي بإضافة الصلح إلی ماله یکون قد
التزم تسليمه ، ولمّاً كان مقتدرا على تسليم
البدل صحّ الصلح ولزم الفضولي تسليم
البدل .
الصورة الثالثة : أن يشير إلى العروض أو
النقود الموجودة بقوله : عليّ هذا المبلغ ، أو
هذه الساعة فيصحّ الصلح ، لأنّ بدل
الصلح المشار إليه قد تعيّن تسليمه على أن
يكون من ماله وبذلك تمّ الصلح .
- ٣٤٠ -