Indexed OCR Text
Pages 181-200
صلاة الجماعة ٢٢ - ٢٣
فأتموا ، وفي رواية: فاقضوا)) (١).
وهذا مذهب الحنفية والحنابلة ، وهو
الأصح عند الشافعية .
وقال الإِمام أحمد وأبو إسحاق : إن خاف
فوات التكبيرة الأولى فلا بأس أن يسرع إذا
طمع أن یدرکها مالم یکن عجلة تقبح ، جاء
الحديث عن أصحاب رسول الله وَلي أنهم
كانوا يعجلون شيئا إذا خافوا فوات التكبيرة
الأولى ، وروي «أن عبد الله بن مسعود اشتد
إلى الصلاة وقال : بادروا حد الصلاة يعني
التكبيرة الأولى)) (٢).
وقال المالكية : يجوز الإسراع في المشي
للصلاة في جماعة لإِدراك فضلها إسراعا يسيرا
بلا خبب أي بلا جري يذهب الخشوع ،
فيكره ، ولو خاف فوات إدراكها ولو جمعة ،
لأن لها بدلا ؛ ولأن الشارع إنما أذن في السعي
مع السكينة ، فاندرجت الجمعة وغيرها ،
إلا أن يكون في محل لا تصح الصلاة فيه
ويضيق الوقت ، بحيث يخشى فواته إن لم
يسرع ، فيجب حينئذ (٣).
كذلك قال الشافعية : لو ضاق الوقت
(١) حديث أبي قتادة: ((بينما نحن نصلي مع رسول الله
... )) أخرجه البخاري (الفتح ١١٦/٢ - ط.
السلفية) ومسلم (٤٢٢/١ - ط. الحلبي) .
(٢) البدائع ٢١٨/١، والمهذب ١٠١/١، والمغني ٤٥٣/١ -
٤٥٤
(٣) منح الجليل ٢٢٣/١.
وخشي فواته فليسرع ، کما لو خشي فوات
الجمعة وكذلك لو امتدّ الوقت ، وكانت لا
تقوم إلا به ، ولو لم يسرع لتعطلت . قاله
الأذرعي .(١)
ويستحب أن يقارب بين خطوه لتكثر
حسناته ، فإن كل خطوة یکتب له بها
حسنة ، وقد روی عبد بن حميد في مسنده
بإسناده عن زيد بن ثابت قال : ((أقيمت
الصلاة ، فخرج رسول الله ◌َالقر يمشي وأنا
معه فقارب في الخطا ثم قال : أتدري لم
فعلت هذا؟ لتكثر خطانا في طلب
الصلاة)) (٢).
كيفية انتظام المصلين في صلاة الجماعة :
٢٣ - إذا انعقدت الجماعة بأقل ما تنعقد به
(واحد مع الإِمام) فالسنة أن يقف المأموم عن
يمين الإِمام إذا كان رجلا أو صبيا يعقل ،
فإن كانت امرأة أقامها خلفه ، ولو كان مع
الإِمام اثنان ، فإن كانا رجلين أقامهما
خلفه ، وإن كانا رجلا وامرأة أقام الرجل عن
يمينة والمرأة خلف الرجل .
(١) مغني المحتاج ٢٣١/١.
(٢) المغني ٤٥٤/١ وحديث: زيد بن ثابت: ((أقيمت
الصلاة فخرج رسول الله (پڼ)) أخرجه عبد بن حميد
(ص ١١٢ - ط عالم الكتب) وأخرجه كذلك الطبراني في
الکبیر کما في مجمع الزوائد للهيثمي (٣٢/٢ - ط
القدسي)، وقال الهيثمي : فيه الضحاك بن نبراس وهو
ضعيف .
- ١٨١ -
صلاة الجماعة ٢٣ - ٢٤
ولو كانت الجماعة كثيرة وفيهم رجال ونساء
وصبيان قام الرجال في الصفوف الأولى خلف
الإِمام ، ثم قام الصبيان من وراء الرجال ،
ثم قام النساء من وراء الصبيان .
وفي جماعة النساء تقف التي تؤم النساء
وسطهن .
ولا يجوز أن يتأخر الإِمام عن المأمومين في
الموقف ، ولا يكون موقف الإِمام أعلى من
موقف المقتدين (١).
وهذا في الجملة ، وتفصيل ذلك في :
مصطلح (إمامة الصلاة ج ٦ ف٢٠ - ٢١ -
٢٢) .
أفضلية الصفوف وتسويتها :
٢٤ - يستحب أن يتقدم الناس في الصف
الأول ، لما ورد في ذلك من الأحاديث التي
تحث على التقدم إلى الصف الأول ، فقد
روى أبو هريرة - رضي الله تعالى عنه - أن
النبي وَ لّ قال: ((لو يعلمون ما في الصف
الأول لکانت قرعة» (٢) وعن أبي بن کعب
قال: قال رسول الله وَ له: ((الصف الأول
على مثل صف الملائكة ، ولو تعلمون
(١) البدائع ١٥٨/١ - ١٥٩، والدسوقي ٣٤٤/١، والمهذب
١٠٦/١ - ١٠٧، وكشاف القناع ٤٨٥/١ - ٤٨٦ -
٤٨٧
(٢) حديث: ((لو تعلمون (أو يعلمون) ما في الصف
الأول ... )) أخرجه مسلم (٣٢٦/١ - ط . الحلبي) .
فضيلته لابتدرتموه)) (١)
كما يستحب إتمام الصفوف ، ولا يشرع
في صف حتى يتم ما قبله ، فيبدأ بإتمام
الصف الأول ، ثم الذي يليه ، ثم الذي
یلیه وهكذا إلى آخر الصفوف ، فعن أنس أن
رسول الله وَ لا قال: ((أتموا الصف المقدم ثم
الذي يليه ، فما كان من نقص فليكن في
الصف المؤخر)) (٢).
ويستحب الاعتدال في الصفوف ، فإذا
وقفوا في الصف لا يتقدم بعضهم بصدره أو
غيره ولا يتأخر عن الباقين ، ويسوي الإِمام
بينهم ففي صحيح ابن خزيمة عن البراء«كان
النبي 1 يأتي ناحية الصف ويسوي بین
صدور القوم ومناكبهم ، ويقول : لا
تختلفوا فتختلف قلوبكم إن الله وملائكته
يصلون على الصفوف الأول)) (٣).
(١) حديث أبي بن كعب: ((الصف الأول مثل صف
الملائكة .. )) أخرجه النسائي (١٠٥/٢ - ط المكتبة
التجارية) والحاكم (٢٤٨/١ - ط. دائرة المعارف
العثمانية) ونقل الذهبي في تلخيصه عن جمع من العلماء
أنهم صححوا هذا الحديث .
(٢) حديث أنس: ((أتموا الصف المقدم ... )) أخرجه أبو داود
(٤٣٥/١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) . وحسنه النووي
: في رياض الصالحين (ص ٤١٤ - ط المكتب
الإِسلامي) .
(٣) حديث البراء: ((لا تختلفوا فتختلف قلوبكم ... ))
أخرجه ابن خزيمة (٢٦/٣ - ط المكتب الإسلامي)
وإسناده صحيح
- ١٨٢ -
صلاة الجماعة ٢٤ - ٢٥
وروی مسلم عن جابر بن سمرة اُن رسول
الله وسلم قال: ((ألا تصفون كما تصف
الملائكة عند ربها ؟ فقلنا : يارسول الله
وكيف تصف الملائكة عند بها ؟ قال :
يتمون الصفوف الأول ، ويتراصون في
الصف)) (١) وأخرج البخاري من حديث
أنس قال : «أقيموا صفوفکم فإني أراکم من
وراء ظهري» وکان أحدنا یلزق منکبه بمنکب
صاحبه وقدمه بقدمه (٢)
كما يستحب سد الفرج ، والإِفساح لمن
یرید الدخول في الصف (٣). فقد ورد عن
ابن عمر- رضي الله تعالى عنهما - أن النبي
وَ* قال: ((أقيموا الصفوف ، وحاذوا بين
المناكب وسدوا الخلل ، ولينوا بأيدي
إخوانكم ، ولا تذروا فرجات للشيطان ،
ومن وصل صفا وصله الله ومن قطع صفا
قطعه الله)) (٤)
(١) حديث: ((ألا تصفون كما تصف الملائكة)). أخرجه
مسلم (٣٢٢/١ - ط الحلبي) .
(٢) حديث أنس: ((أقيموا صفوفكم ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ٢١١/٢ - ط . السلفية).
(٣) فتح القدير ٣١١/١ نشر دار إحياء التراث العربي،
والمجموع ٢٢٦/٤، ٢٢٧، ٣٠١ نشر المكتبة السلفية،
والمغني ٢١٩/٢، وشرح الزرقاني ١٧/٢.
(٤) حديث ابن عمر: ((أقيموا الصفوف ، وحاذوا بين
المناکب .. )) أخرجه أبو داود (٤٣٣/١ - تحقيق عزت
عبيد دعاس) وصححه ابن خزيمة والحاكم كما في فتح
الباري (٢١١/٢ - ط . السلفية)
قال النووي : واستحباب الصف الأول
ثم الذي یلیه ثم الذي یلیه إلى آخرها - هذا
الحكم مستمر في صفوف الرجال بكل
حال ، وكذا في صفوف النساء المنفردات
بجماعتهن عن جماعة الرجال ، أما إذا صلت
النساء مع الرجال جماعة واحدة ، وليس بينهما
حائل فأفضل صفوف النساء آخرها (١).
لحديث أبي هريرة - رضي الله تعالى عنه -
قال: قال رسول الله وَله: ((خير صفوف
الرجال أولها وشرها آخرها ، وخير صفوف
النساء آخرها، وشرها أولها)) (٢).
صلاة الرجل وحده خلف الصفوف :
٢٥ - الأصل في صلاة الجماعة أن يكون
المأمومون صفوفا متراصة كما سبق بيانه -
ولذلك یکره أن يصلي واحد منفردا خلف
الصفوف دون عذر، وصلاته صحيحة مع
الكراهة ، وتنتفي الكراهة بوجود العذر على
ما سيأتي بيانه .
وهذا عند جمهور الفقهاء : - الحنفية
والمالكية والشافعية - والأصل فيه ما رواه
البخاري عن أبي بكرة: ((أنه انتهى إلى النبي
وَّر، وهو راكع ، فركع قبل أن يصل إلى
(١) المجموع ٤ /٣٠١ .
(٢) حديث: ((خير صفوف الرجال أولها .. )) أخرجه مسلم
(٣٢٦/١ ط. الحلبي).
- ١٨٣ -
صلاة الجماعة ٢٥ - ٢٦
الصف ، فذكر ذلك للنبي وَل# فقال :
زادك الله حرصا ولا تعد)» (١)
قال الفقهاء : يؤخذ من ذلك عدم لزوم
الإِعادة ، وأن الأمر الذي ورد في حديث
وابصة بن معبد الذي رواه الترمذي من أن
النبي 18 رأى رجلا يصلي خلف الصف ،
فأمره أن يعيد الصلاة (٢). هذا الأمر بالإِعادة
إنما هو على سبيل الاستحباب ، جمعا بين
الدليلين (٣).
وعند الحنابلة تبطل صلاة من صلى وحده
رکعة کاملة خلف الصف منفردا دون عذر ،
لحديث وابصة بن معبد ((أن النبي مي لو رأى
رجلا يصلي خلف الصف وحده فأمره أن
يعيد)) .
وعن علي بن شيبان : ((أنه صلى بهم النبي
وَل، فانصرف ، ورجل فرد خلف
الصف، قال: فوقف عليه نبي الله وَل
حين انصرف قال : استقبل صلاتك ، لا
صلاة للذي خلف الصف)) (٤).
(١) حديث أبي بكرة ((أنه انتهى إلى النبي {﴾ وهو راكع .. ))
أخرجه البخاري (الفتح ٢٦٧/٢ - ط السلفية).
(٢) حديث: ((أن النبي 18 رأى رجلا يصلي خلف
الصف .. )) أخرجه الترمذي (٤٤٥/١ - ٤٤٦ - ط
الحلبي) وقال : حديث حسن .
(٣) البدائع ٢١٨/١، وفتح القدير ٣٠٩/١ نشر دار إحياء
التراث، ومغني المحتاج ٢٤٧/١، والخطاب مع المواق
١٣١/٢، وجواهر الإكليل ٨٠/١
(٤) حديث على بن شيبان: ((استقبل صلاتك)) أخرجه =
فأما حدیث أبي بكرة فإن النبي ◌ُّ قد
نهاه فقال: ((لا تعد))، والنهي يقتضي
الفساد ، وعذره فيما فعله لجهله بتحريمه ،
وللجهل تأثير في العفو(١).
وفيما يلي بيان كيفية تصرف المأموم ليجتنب
الصلاة منفردا خلف الصف ، حتى تنتفي
الكراهة ، كما يقول جمهور الفقهاء ، وتصح
كما يقول الحنابلة :
٢٦ - من دخل المسجد وقد أقيمت
الجماعة ، فإن وجد فرجة في الصف الأخير
وقف فيها ، أو وجد الصف غير مرصوص
وقف فيه، لقول النبي مسلم: ((إن الله
وملائكته يُصَلَّون على الذين يَصِلُون
الصفوف)) (٢).
وإن وجد الفرجة في صف متقدم فله أن
يخترق الصفوف ليصل إليها لتقصير المصلين
في ترکها ، يدل على ذلك ما روي عن ابن
عباس - رضي الله عنهما - عن النبي ◌َّ:
((من نظر إلى فرجة في صف فليسدها
بنفسه ، فإن لم يفعل ، فمرّ مار، فليتخط
= ابن ماجه (٣٢٠/١ - ط الحلبي) وقال البوصيري في
مصباح الزجاجة (١٩٥/١ - ط دار الجنان) : هذا
إسناد صحيح ، ورجاله ثقات.
(١) المغني ٢١١/٢ - ٢١٢
(٢) حديث: ((إن الله وملائكته يُصَلُّونَ على الذين يَصِلُونَ
الصفوف)) أخرجه ابن حبان (الإحسان ٥٣٦/٥ - ط
الرسالة) من حديث عائشة ، وإسناده حسن
- ١٨٤ -
صلاة الجماعة ٢٦ - ٢٧
على رقبته فإنه لا حرمة له)) (١)
ولأن سد الفرجة التي في الصفوف
مصلحة عامة له وللقوم بإتمام صلاته
وصلاتهم ، فإن تسوية الصفوف من تمام
الصلاة (٢) ، كما ورد في الحديث . وقد أمر
النبي ◌َ﴿ بسد الفرج (٣).
وهذا باتفاق بين الفقهاء في الجملة إذ أن
بعض المالكية يحدد الصفوف التي يجوز
اختراقها بصفين غير الذي خرج منه والذي
دخل فيه ، كذلك قال الحنابلة : لو كانت
الفرجة بحذائه کره أن يمشي إليها عرضا بين
يدي بعض المأمومين ، لقول النبي ◌ِّر:
((لَوْ يعلم المار بين يدي المصلي ماذا عليه
لکان أن يقف أربعین خیرا له من أن یمر بین
یدیه» (٤) .
(١) حديث: ((من نظر إلى فرجة)) أخرجه الطبراني في الكبير
(١١ / ١٠٥ - ط وزارة الأوقاف العراقية) من حديث ابن
عباس، وأورده الهيثمي في المجمع (٢ / ٩٥ - ط القدسي)
وقال : فيه مسلمة بن علي وهو ضعيف .
(٢) ففي الحديث عن أنس قال: قال النبي مثل: ((سووا
صفوفكم فإن تسوية الصف من تمام الصلاة .. )) أخرجه
مسلم (٣٢٤/١ - ط الحلبي) وأخرجه البخاري كذلك
(الفتح ٢٠٩/٢ - ط - السلفية) بلفظ: ((من إقامة
الصلاة)) .
(٣) حديث: ((أنه أمر بسد الفُرج ... )) أخرجه أبو داود
(٤٣٣/١ ۔۔ تحقیق عزت عبید دعاس) من حديث ابن
عمر بلفظ: ((أقيموا الصفوف ، وحاذوا بين المناكب،
وسدوا الخلل))، وإسناده صحيح .
(٤) حديث: ((لو يعلم المار بين يدي المصلي ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٥٨٤/١ - ط السلفية) ومسلم =
٢٧ - ومن لم يجد فرجة في أي صف فقد
اختلف الفقهاء فيما ينبغي أن يفعله حينئذ .
قال الحنفية : من لم يجد فرجة ينبغي أن
ينتظر من يدخل المسجد ليصطف معه خلف
الصف ، فإن لم يجد أحدا وخاف فوات
الركعة جذب من الصف إلى نفسه من يعرف
منه علما وخلقا لكيلا يغضب عليه ، فإن لم
يجد وقف خلف الصف بحذاء الإِمام ، ولا
كراهة حينئذ ، لأن الحال حال العذر،
هكذا ذكر الكاساني في البدائع ، لكن
الكمال بن الهمام ذکر في الفتح : أن من جاء
والصف ملآن يجذب واحدا منه ، ليكون
معه صفا آخر، ثم قال : وينبغي لذلك
(أي لمن كان في الصف) أن لا يجيبه ،
فتنتفي الكراهة عن هذا ، لأنه فعل
وسعه (١)
وقال المالكية : من لم يمكنه الدخول في
الصف ، فإنه يصلي منفردا عن المأمومين ،
ولا يجذب أحدًا من الصف ، وإن جذب
أحدًا فلا يطعه المجذوب ، لأن كلا من
الجذب والإِطاعة مكروه (٢).
= (٣٦٣/١ - ط . الحلبي) من حديث أبي جهيم.
(١) البدائع ٢١٨/١، وابن عابدين ٣٨٣/١، وفتح القدير
٣٠٩/١، والخرشي ٣٣/٢، ٤٧، وجواهر الإِكليل
٨٠/١، ٨٤، ومغني المحتاج ٢٤٧/١ -٢٤٨، وكشاف
القناع ١ /٤٩٠، وشرح منتهى الإرادات ٢٦٥/١.
(٢) جواهر الإكليل ٨٠/١
- ١٨٥ -
صلاة الجماعة ٢٧ - ٢٨
....
والصحيح عند الشافعية : أن من لم يجد
فرجة ولا سعة فإنه يستحب أن يجر إليه
شخصا من الصف ليصطف معه ، لكن مع
مراعاة أن المجرور سيوافقه ، وإلا فلا يجر
أحدا منعا للفتنة ، وإذا جرّ أحدا فیندب
للمجرور أن يساعده لينال فضل المعاونة على
البرّ والتقوى .
ومقابل الصحيح - وهو ما نص عليه في
البويطي واختاره القاضي أبو الطيب - أنه
يقف منفردا ، ولا يجذب أحدا ، لئلا يحرم
غيره فضيلة الصف السابق (١).
وقال الحنابلة : من لم يجد موضعا في
الصف يقف فيه وقف عن يمين الإِمام إن
أمكنه ذلك ، لأنه موقف الواحد ، فإن لم
يمكنه الوقوف عن يمين الإِمام فله أن ينبه
رجلا من الصف ليقف معه ، وینبهه بكلام
أو بنحنحة أو إشارة ويتبعه من ينبهه .
وظاهره وجوبا ؛ لأنه من باب ما لايتم
الواجب إلا به . ویکره تنبيهه بجذبه نصا ،
واستقبحه أحمد وإسحاق لما فيه من التصرف
فیه بغير إذنه .
وقال ابن عقيل : جوز أصحابنا جذب
رجل يقوم معه صفا ، وصحح ذلك ابن
قدامة ؛ لأن الحالة داعية إليه ، فجاز،
(١) مغني المحتاج ٢٤٨/١ - ٢٤٩، والمجموع ٢٩٧/٤ -
٢٩٨.
كالسجود على ظهره أو قدمه حال الزحام .
وليس هذا تصرفا فيه ، إنما هو تنبيهه ليخرج
معه ، فجری مجری مسألته أن يصلي معه ،
وقد ورد عن النبي ﴾ أنه قال: ((لينوا بأيدي
إخوانكم)) (١) فإن امتنع من الخروج معه لم
یکرهه وصلی وحده (٢).
الأعذار التي تبيح التخلف عن صلاة
الجماعة :
الأعذار التي تبيح التخلف عن صلاة
الجماعة : منها ما هو عام ، ومنها ما هو
خاص . وبيان ذلك فيما يلي :-
أولا : الأعذار العامة :
٢٨ - أ - المطر الشديد الذي يشق معه
الخروج للجماعة ، والذي يحمل الناس على
تغطية رؤوسهم .
ب - الريح الشديدة ليلا لما في ذلك من
المشقة .
ج - البرد الشديد ليلا أو نهارا ، وكذلك
الحر الشديد . والمراد البرد أو الحر الذي
يخرج عما ألفه الناس أو ألفه أصحاب المناطق
الحارة أو الباردة .
د - الوحل الشديد الذي يتأذى به
(١) حديث : «لینوا بأيدي إخوانكم)) تقدم ف ٢٤
(٢) كشاف القناع ٤٩٠/١، والمغني ٢١٦/٢ - ٢١٧
- ١٨٦ -
صلاة الجماعة ٢٨ - ٢٩
الإِنسان في نفسه وثيابه ، ولا يؤمن معه
التلوث .
وعن أبي يوسف : سألت أبا حنيفة عن
الجماعة في طين وردغة فقال : لا أحب
تركها .
قال ابن عابدين : وفي شرح الزاهدي
عن شرح التمرتاشي : اختلف في کون
الأمطار والثلوج والأوحال والبرد الشديد
عذراً ، وعن أبي حنيفة : إذا اشتد التأذي
یعذر، وفي وجه عند الشافعية - وهو مقابل
الصحيح - أن الوحل ليس بعذر،
والصحيح أنه عذر.
هــ الظلمة الشديدة ، والمراد بها كون
الإِنسان لا يبصر طريقه إلى المسجد ، قال
ابن عابدين : والظاهر أنه لا يكلف إيقاد
نحو سراج وإن أمكنه ذلك .
والدليل على كون الأعذار السابقة من
مطر وغيره تبيح التخلف عن الجماعة
الأحاديث الواردة في ذلك ومنها :-
ما روي أن ابن عمر - رضي الله تعالى
عنهما - أذن بالصلاة في ليلة ذات برد وریح
فقال : ((ألا صلوا في الرحال ، ثم قال : إن
رسول الله (ے کان یأمر المؤذن إذا كانت ليلة
ذات برد ومطر يقول : ألا صلوا في رحالكم ))
وفي رواية: ((كان يأمر مناديه في الليلة الممطرة
والليلة الباردة ذات الريح أن يقول : ألا
صلوا في رحالكم)) (١).
عن عبد الله بن الحارث ، عن عبد الله
ابن عباس: أنه قال لمؤذنه في يوم مطير: «إذا
قلت : أشهد أن لا إله إلا الله . أشهد أنّ
محمدا رسول الله فلا تقل : حيّ على
الصلاة . قل : صلوا في بيوتكم . قال :
فكأن الناس استنكروا ذاك . فقال :
أتعجبون من ذا ؟ قد فعل ذا من هو خيرٌ
مني . إنّ الجمعة عَزْمةٌ . وإني كرهت أن
أحرجكم ، فتمشوا في الطين والدحض)) (٢).
ثانيا : الأعذار الخاصة :
أ - المرض :
٢٩ - وهو المرض الذي يشق معه الإِتيان إلى
المسجد لصلاة الجماعة . قال ابن المنذر: لا
أعلم خلافا بين أهل العلم : أن للمريض
أن يتخلف عن الجماعات من أجل المرض ،
ولأن النبي مَلّه لما مرض تخلف عن المسجد
(١) حديث ابن عمر: ((أنه أذن بالصلاة في ليلة ذات برد
وریح .. » أخرجه البخاري (الفتح ٢ /١٥٦ - ١٥٧ - ط
السلفية) ومسلم (١ /٤٨٤ - ط. الحلبي)
(١) حاشية ابن عابدين ٣٧٣/١ - ٣٧٤ والشرح الكبير مع
حاشية الدسوقي ٣٨٩/١ - ٣٩٠، ومغني المحتاج
٢٣٤/١ - ٢٣٥، والمهذب ١٠١/١، وأسنى المطالب
٢١٣/١ - ٢١٤، والمغني ٦٣٢/١، وكشاف القناع
٤٩٧/١. وحديث عبد الله بن عباس : (إذا قلت
أشهد أن محمدا رسول الله) أخرجه البخاري (الفتح
١٥٧/٢ - ط السلفية) ومسلم (٤٨٥/١ - ط الحلبي).
- ١٨٧ -
صلاة الجماعة ٢٩ - ٣٠
وقال : «مروا أبا بكر فليصلّ بالناس)) (١)،
ومن ذلك کبر السن الذي یشق معه الإِتیان
إلي المسجد (٢) .
ب - الخوف :
٣٠ - وهو عذر في ترك الجماعة - ، لما روى
ابن عباس - رضي الله عنهما - أن النبي وال
قال: ((من سمع النداء ، فلم يمنعه من
اتباعه عذر، قالوا : وما العذر
يا رسول الله ؟ قال : خوف أو مرض ، لم
تقبل منه الصلاة التى صلى)) (٣).
والخوف ثلاثة أنواع : خوف على
النفس ، وخوف على المال ، وخوف على
الأهل .
الأول : أن يخاف على نفسه سلطانا
(١) حديث: ((مروا أبا بكر فليصل بالناس .. )) أخرجه
البخاري (الفتح ٢٠٤/٢ - ط السلفية) ومسلم
(٣١٤/١ - ط . السلفية) من حديث عائشة
(٢) ابن عابدين ٣٧٣/١، والدسوقي ٣٨٩/١، ومغني
المحتاج ٢٣٥/١، والمغني ٦٣١/١، وكشاف القناع
٤٩٥/١ .
(٣) حديث: ((من سمع النداء فلم يمنعه ... )) أخرجه أبو
داود (١/ ٣٧٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس) وقال المنذري
في مختصر السنن (٢٩١/١ - نشر دار المعرفة): وفي
إسناده أبو جناب يحيي بن أبي حية الكلبي، وهو
ضعيف، وأخرجه ابن ماجه بنحوه، وإسناده أمثل، وفيه
نظر. وهو في سنن ابن ماجه (٢٦٠/١ - ط الحلبي)
بلفظ : ((من سمع النداء فلم یأته فلا صلاة له، إلا من
عذر)) . بدون الزيادة فيه ، وبهذا اللفظ أخرجه الحاكم
(٢٤٥/١ - ط دائرة المعارف العثمانية) وصححه الحاكم
ووافقه الذهبي
يأخذه ، أو عدوا أو لصا أو سبعا أو دابة أو
سیلا أو نحو ذلك مما يؤذيه في نفسه ، وفي
معنی ذلك أن يخاف غریما له يلازمه ، ولا
شيء معه یوفيه ؛ لأن حبسه بدین هو معسر
به ظلم له . فإن کان قادرا على أداء الدین لم
يكن عذرا له ، لأنه يجب إيفاؤه .
ومن ذلك : الخوف من توقيع عقوبة ،
کتعزیر وقَودَ وحد قذف مما يقبل العفو. فإن
كان يرجو العفو عن العقوبة إن تغيب أياما
عن الجماعة كان ذلك عذرا . فإن لم يرج
العفو أو كان الحد ، مما لا يقبل العفو كحد
الزنا لم يكن ذلك عذرا ، وهذا كما يقول
الشافعية والمالكية
واختلف الحنابلة فيمن وجب عليه
قصاص ، فلم يعتبره بعضهم عذرا ، واعتبره
بعضهم عذرا إن رجا العفو مجانا أو على
مال ، وقال القاضي : إن كان يرجو الصلح
على مال فله التخلف حتى يصالح . أما
الحدود ، فما كان حقا لآدمي كحد القذف
فالصحيح عندهم أنه ليس عذرا في
التخلف ، لكن ابن مفلح قال في كتابه
الفروع : ويتوجه فيه وجه : إن رجا
العفو، قال في شرح منتهى الإرادات : وجزم
به في الإقناع.
- ١٨٨ -
صلاة الجماعة ٣٠ - ٣١
أما الحدود التي لا تقبل العفو فلا تعتبر
عذرا (١) ..
الثاني : أن يخاف على ماله من ظالم أو
لص ، أو يخاف أن يسرق منزله أو يحرق منه
شيء ، أو یکون له خبز في تنور أو طبيخ على
نار، ويخاف حريقه باشتغاله عنه ، أو يكون
له غریم إن ترك ملازمته ذهب بماله ، أو
يكون له بضاعة أو وديعة عند رجل وإن لم
يدركه ذهب ، أو كانت عنده أمانة کودیعة أو
رهن أو عارية مما يجب عليه حفظه ، ويخاف
تلفه بتركه . ويدخل في ذلك الخوف على مال
الغير (٢).
الثالث : الخوف على الأهل : من ولد
ووالد وزوج إن کان یقوم بتمریض أحدهم ،
فإن ذلك عذر في التخلف عن الجماعة .
ومثل ذلك : القيام بتمريض الأجنبي إذا
لم یکن له من یقوم بتمریضه ، وکان یخشی
عليه الضياع لو تركه ، وقد ثبت أن ابن
عمر- رضي الله تعالى عنهما - استصرخ على
سعيد بن زيد ، وهو يتجمر للجمعة ، فأتاه
(١) أسنى المطالب ٢١٤/١، ومغني المحتاج ٢٣٥/١،
وشرح الزرقاني ٢ /٦٧، والمغني ١ / ٦٣١، وكشاف القناع
٤٩٦/١، والفروع ٤٤/٢ وشرح منتهى الإرادات
٢٧٠/١
(٢) شرح الزرقاني ٦٧/٢، وحاشية ابن عابدين ٣٧٤/١،
ومغني المحتاج ٢٣٥/١، والمغني ٦٣٢/١
بالعقيق ، وترك الجمعة (١).
ج - حضور طعام تشتاقه نفسه
وتنازعه إليه :
٣١ - قال ابن قدامة: إذا حضر العشاء في
وقت الصلاة فالمستحب أن يبدأ بالعشاء قبل
الصلاة ، ليكون أفرغ لقلبه وأحضر لباله ،
ولا يستحب أن يعجل عن عَشائه أو
غدائه ، فإن أنسا روى عن النبي ◌َّ قال:
((إذا قرّب العشاء وحضرت الصلاة فابدؤوا به
قبل أن تصلوا صلاة المغرب ، ولا تعجلوا
عن عشائكم)) (٢)، ولا فرق بين أن يخاف
فوت الجماعة أو لا يخاف ، فإن في بعض
ألفاظ حديث أنس : ((إذا حضر العشاء
وأقيمت الصلاة فابدؤوا بالعشاء)) (٣) وعن
ابن عمر - رضي الله تعالى عنهما - قال : قال
رسول الله مَلي: ((إذا وضع عشاء أحدكم
وأقيمت الصلاة فابدأوا بالعشاء ولا يعجلن
حتى يفرغ منه)) (٤). وتعشى ابن عمر وهو
(١) ابن عابدين ٣٧٤/١، وشرح الزرقاني ٦٦/٢، ومغني
المحتاج ٢٣٦/١، ومنتهى الإرادات ٢٦٩/١
(٢) حديث أنس: ((إذا قرب العشاء وحضرت الصلاة)).
أخرجه مسلم (٣٩٢/١ - ط. الحلبي) .
(٣) حديث أنس: ((إذا حضر العشاء وأقيمت الصلاة))
أخرجه مسلم (٣٩٢/١ - ط الحلبي).
(٤) حديث ابن عمر: ((إذا وضع عشاء أحدكم)) . أخرجه
البخاري (الفتح ١٥٩/٢ - ط السلفية) ومسلم
(٣٩٢/١ - ط. الحلبي) .
- ١٨٩ -
صلاة الجماعة ٣١ - ٣٤ -
يسمع قراءة الإِمام .
قال ابن قدامة : قال أصحابنا : إنما
يقدم العشاء على الجماعة إذا كانت نفسه
تتوق إلى الطعام كثيرا ، ونحوه قال
الشافعي . وقال بظاهر الحديث عمر وابنه
وإسحاق وابن المنذر. وقال ابن عباس : لا
نقوم إلى الصلاة وفي أنفسنا شيء . قال ابن
عبد البر: أجمعو على أنه لو صلى بحضرة
الطعام فأكمل صلاته أن صلاته تجزئه (١).
د - مدافعة أحد الأخبثين :
٣٢ ۔۔ ومثلھما الريح ، فإن ذلك عذر يبيح
التخلف عن الجماعة ، قالت السيدة
عائشة - رضي الله تعالى عنها - : إني سمعت
رسول الله وَله يقول: ((لا صلاة بحضرة
طعام ، ولا هو يدافعه الأخبثان)» (٢)، ولأن
القيام إلى الصلاة مع مدافعة أحد الأخبثين
يبعده عن الخشوع فيها ويكون مشغولا
عنها (٣).
هـ ـ أكل ذي رائحة كريهة :
٣٣ - وذلك كبصل وثوم وكراث وفجل إذا
(١) ابن عابدين ٣٧٤/١، والقوانين الفقهية لابن جزي ٦٩
نشر دار الكتاب العربي ، ومغني المحتاج ٢٣٥/١،
والمغني ٦٢٩/١ - ٦٣٠.
(٢) حديث: ((لا صلاة بحضرة طعام ... )) أخرجه مسلم
(٣٩٣/١ - ط الحلبي) .
(٣) ابن عابدين ٣٧٤/١، والمغني ١ / ٦٣٠، وأسنى المطالب
٢١٤/١
تعذر زوال رائحته ، فإن ذلك عذر یبیح
التخلف عن الجماعة ، حتى لا يتأذى به
الناس والملائكة ، لحديث : ((من أكل من
هذه البقلة : الثوم - وقال مرة : من أكل
البصل والثوم والكراث - فلا يقربن
مسجدنا ؛ فإن الملائكة تتأذى مما يتأذى منه
بنو آدم)) (١) . والمراد أكل هذه الأشياء نيئة ،
ويدخل في ذلك من كانت حرفته لها رائحة
مؤذية ، کالجزار والزیات ونحو ذلك . ومثل
ذلك من كان به مرض يتأذى به الناس ،
كجذام وبرص ، ففي كل ذلك يباح
التخلف عن الجماعة (٢)
و- العري :
٣٤ - فمن لم يجد ما يسترما بين السرة والركبة
فإنه يباح له التخلف عن الجماعة . وهذا إذا
كان من عادة أمثاله الخروج بمثل ذلك ،
قال الشافعية وبعض المالكية : الأليق
بالحنيفية السمحة : أنه إن وجد ما يليق
بأمثاله خرج للجماعة ، وإلا فلا (٣).
(١) حديث: (من أكل من هذه البقلة ... )) أخرجه مسلم
(٣٩٥/١ - ط. الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله
(٢) مغني المحتاج ٢٣٦/١، والدسوقي ٣٨٩/١، وكشاف
القناع ١ /٤٩٧ - ٤٩٨
(٣) الدسوقي ٣٩٠/١، ومغني المحتاج ٢٣٦/١، وکشاف
القناع ٤٩٦/١
- ١٩٠ -
صلاة الجماعة ٣٥ - ٣٩
ز- العمى :
٣٥ - اعتبر الحنفية أن العمى عذر يبيح
التخلف عن الجماعة وإن وجد قائدًا . ولم
يعتبره جمهور الفقهاء عذرا إلا أن لا يجد
قائدا ، ولم يهتد للطريق بنفسه (١).
ح - إرادة السفر :
٣٦ - من تأهب لسفر مباح مع رفقة ، ثم
أقیمت الجماعة ، وكان يخشى إن حضر
الجماعة أن تفوته القافلة ، فإنه يباح له
التخلف عن الجماعة (٢).
ط - غلبة النعاس والنوم :
٣٧ - فمن غلبه النعاس والنوم إن انتظر
الجماعة صلى وحده . وكذلك لو غلبه
النعاس مع الإِمام ، لأن رجلا صلى مع
معاذ ، ثم انفرد فصلی وحده عند تطويل
معاذ ، وخوف النعاس والمشقة ، فلم ينكر
عليه النبي صل حين أخبره، (٣) والأفضل
الصبر والتجلد على رفع النعاس والصلاة
جماعة (٤).
(١) ابن عابدين ٣٧٣/١، والدسوقي ٣٩١/١، وكشاف
القناع ٤٩٧/١
(٢) ابن عابدين ٣٧٤/١، ومغني المحتاج ٢٣٦/١،
وكشاف القناع ٤٩٦/١
(٣) حديث: ((أن رجلا صلى مع معاذ ثم انفرد ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ٢٠٠/٢ - ط السلفية) ومسلم
(٣٣٩/١ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبد الله
(٤) كشاف القناع ٤٩٦/١، والمغني ٦٣٣/١، ومغني
المحتاج ٢٣٦/١
ي - زفاف الزوجة :
٣٨ - فزفاف الزوجة عذر يبيح للزوج
التخلف عن صلاة الجماعة ، وذلك كما يقول
الشافعية والحنابلة ، لكن الشافعية قيدوه
بالتخلف عن الجماعة في الصلوات الليلية
فقط ، وأما المالكية فلم يعتبروا ذلك عذرا ،
وخفف مالك للزوج ترك بعض الصلاة في
الجماعة للاشتغال بزوجه والسعي إلى تأنيسها
واستمالتها (١).
٣٩ - ك - ذكر الحنفية من الأعذار التي تبيح
التخلف عن الجماعة : الاشتغال بالفقه ؛ لا
بغيره من العلوم .
كما ذكر الشافعية من الأعذار: السمن
المفرط (٢)
(١) الدسوقي ٣٩١/١ والمواق بهامش الخطاب ١٨٤/٢،
ومغني المحتاج ٢٣٦/١، وكشاف القناع ٤٩٧/١
(٢) حاشية ابن عابدين ٣٧٤/١، ومغني المحتاج ٢٣٦/١
- ١٩١ -
صلاة الجمعة ١
صلاة الجمعة
زمن مشروعيتها :
١ - شرعت صلاة الجمعة في أول الهجرة عند
قدوم النبي ◌َّ المدينة ، قال الحافظ بن
حجر : الأكثر على أنها فرضت بالمدينة . وهو
مقتضى أن فرضيتها ثبتت بقوله تعالى :
﴿يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم
الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع﴾ (١)
وهي مدنية ، وقال الشيخ أبو حامد :
فرضت بمكة ، وهو غریب (٢).
ومن المتفق عليه : أن أول جمعة جمعها
رسول الله آل﴾ بأصحابه ، كانت في قبيلة بني
سالم بن عوف في بطن واد لهم قد اتخذ القوم
لهم في ذلك الموضع مسجدا ، وذلك عندما
قدم إلى المدينة مهاجرا (٣)
غیر أنه ثبت أيضا أن أسعد بن زرارة أول
من جمع الناس لصلاة الجمعة في المدينة ،
وكان ذلك بأمر النبي ٹڑ له قبل أن يهاجر
من مكة ، فقد ورد عن كعب بن مالك أنه
(١) سورة الجمعة / ٩ .
(٢) فتح البارى ٢٣٩/٢.
(٣) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٩٨/١٨ ومثله في مختلف
كتب السيرة .
((كان إذا سمع النداء ترحم لأسعد بن زرارة ؛
وكان يقول : إنه أول من جمع بنا في هزم
النبيت من حرة بني بياضة في نقيع يقال له :
نقيع الخضمات))(١).
فمن رجح أنها فرضت بالمدينة بعد
الهجرة، استدل بأنه وعليه لم يقم أي جمعة في
مكة قبل الهجرة ، ومن قال : إنها فرضت
بمكة قبل الهجرة استدل بأن الصحابة قد
صلوها في المدينة قبل هجرته-عليه الصلاة
والسلام-، فلا بد أن تكون واجبة إذ ذاك على
المسلمين كلهم سواء من كان منهم في مكة
وفي المدينة ، إلا أن الذي منع من أدائها في
مكة عدم توافر كثير من شرائطها . قال
البكرى : فرضت بمكة ولم تقم بها ، لفقد
العدد، أو لأن شعارها الإِظهار، وكان وَلآل
مستخفيا فيها . وأول من أقامها بالمدينة قبل
الهجرة أسعد بن زرارة بقرية على ميل من
المدينة (٢).
(١) حديث: ((أن أسعد بن زراة أول من جمع الناس لصلاة
الجمعة)) .
أخرجه أبو داود (١ /٦٤٥ - ٦٤٦ - تحقيق عزت عبيد
دعاس) والحاكم (٢٨١/١ - ط دائرة المعارف العثمانية)
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي .
والهزم ، بفتح فسكون : المطمئن من الأرض ، والنبيت :
هو أبو حي من اليمن اسمه مالك بن عمرو. والحرة:
الأرض ذات الحجارة السوداء . وحرة بني بياضة : قرية
على ميل من المدينة .
(٢) فتح المعين للسيد البكري ٥٢/٢ .
- ١٩٢ -
صلاة الجمعة ٢ - ٣
الحكمة من مشروعيتها :
٢ - قال الدهلوي : إنه لما كانت إشاعة
الصلاة في البلد بحيث يجتمع لها أهلها
متعذرة کل یوم ، وجب أن یعین لها ميقات
لايتكرر دورانه بسرعة حتى لاتعسر عليهم
المواظبة على الاجتماع لها ، ولا يبطؤ دورانه
بأن يطول الزمن الفاصل بين المرة والأخرى ،
كي لايفوت المقصود وهو تلاقي المسلمين
واجتماعهم بين الحين والآخر . ولما كان
الأسبوع قدرا زمنياً مستعملا لدى العرب
والعجم وأكثر الملل ، وهو قدر متوسط
الدوران والتكرار بين السرعة والبطء - وجب
جعل الأسبوع ميقاتا لهذا الواجب (١).
فرضيتها :
دليل الفرضية :
٣ - صلاة الجمعة من الفرائض المعلوم
فرضيتها بالضرورة ، وبدلالة الكتاب
والسنة ؛ فيكفر جاحدها . قال الكاساني :
الجمعة فرض لایسع تركها ، ویکفر جاحدها
والدليل على فرضيتها : الكتاب والسنة
وإجماع الأمة .
أما الكتاب فقوله تعالى : ﴿يا أيها الذين
آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا
(١) حجة الله البالغة للشاه ولي الله الدهلوي ٢١/٢.
إلى ذكر الله﴾ (١) قيل: ((ذكر الله)) هو صلاة
الجمعة ، وقيل : هو الخطبة ، وكل ذلك
حجة ؛ لأن السعي إلى الخطبة إنما يجب
لأجل الصلاة ، بدليل أن من سقطت عنه
الصلاة لا يجب عليه السعي إلى الخطبة ،
فكان فرض السعي إلى الخطبة فرضا
للصلاة ، ولأن ذكر الله يتناول الصلاة
ويتناول الخطبة من حیث أن كل واحد منهما
ذكر الله تعالى (٢).
وقد استدل الإِمام السرخسي - أيضا -
بالآية المذكورة من وجهين :
الوجه السابق ، ووجه آخر حيث قال :
اعلم أن الجمعة فريضة بالكتاب والسنة ،
أما الكتاب فقوله تعالى: ﴿فاسعوا إلى ذكر
الله وذروا البيع﴾ والأمر بالسعي إلى الشيء
لا يكون الا لوجوبه ، والأمر بترك البيع المباح
لأجله دليل على وجوبه أيضا .
وحكى الخطابي عن بعض الفقهاء : أن
صلاة الجمعة فرض على الكفاية ، وقال
القرافي : هو وجه لبعض أصحاب
الشافعية (٣) ..
وأما السنة : فالحديث المشهور، وهو
ماروي عن النبي عليه أنه قال: ((إن الله
(١) سورة الجمعة / ٩.
(٢) بدائع الصنائع ٢٥٦/١، نيل الأوطار ٢٧٤/٣.
(٣) المبسوط للسرخسي ٢١/٢ .
- ١٩٣ -
صلاة الجمعة ٣ - ٤
تعالى قد فرض عليكم الجمعة في مقامي
هذا ، في يومي هذا ، في شهري هذا ، من
عامي هذا إلى يوم القيامة ، فمن تركها في
حیاتی ، أو بعدي وله إمام عادل أو جائر
استخفافا بها أوجحودا لها بحقها فلا جمع الله
له شمله ولا بارك له في أمره ، ألا ولا صلاة
له ، ولا زكاة له ، ولا حج له ، ولا صوم
له ، ولا برّ له حتى يتوب فمن تاب تاب الله
عليه)) (١) وحديث: ((الجمعة حق واجب
على كل مسلم في جماعة إلا أربعة : عبد
مملوك ، أو امرأة ، أو صبي، أو مريض)) (٢)
وحديث: ((رواح الجمعة واجب على كل
محتلم))(٣) .
فرض وقت الجمعة :
٤ - ذهب الأئمة الثلاثة - مالك والشافعي في
(١) حديث: ((إن الله فرض عليكم الجمعة .. ))
أخرجه ابن ماجه (٣٤٣/١ - ط. الحلبي) من حديث
جابر بن عبد الله ، وأورده البوصيري في مصباح الزجاجة
(٢٠٣/١ - ط. الجنان) وقال: إسناده ضعيف .
(٢) النووي في المجموع ٤٨٣/٤، وحديث: ((الجمعة حق
واجب على كل مسلم)»
أخرجه أبوداود (١ /٦٤٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس)
والحاكم (٢٨٨/١ - ط. دائرة المعارف العثمانية) من
حديث طارق بن شهاب وصححه الحاكم ووافقه
الذهبي .
(٣) النووي في المجموع ٤٨٣/٤، وحديث: ((رواح الجمعة
واجب على كل محتلم» .
أخرجه النسائي (٨٩/٣ - ط. المكتبة التجارية) من
حديث حفصة زوج النبي {10 . وصححه النووي في
المجموع (٤ / ٣٨٣ - ط. المنيرية).
مذهبه الجديد وأحمد - إلى أن الجمعة فرض
مستقل ، فليست بدلا من الظهر، وليست
ظهرا مقصورا . واستدل الرملي لكونها صلاة
مستقلة : بأنه لايغني الظهر عنها (١) ولقول
عمر - رضي الله عنه -: ((الجمعة ركعتان،
تمام غير قصر على لسان نبيكم مَله ، وقد
خاب من افترى)) (٢).
وقال أبو حنيفة وأبو یوسف : إن فرض
وقت الجمعة في الأصل إنما هو الظهر، إلا
أن من تكاملت فيه شرائط الجمعة الآتي
ذكرها فإنه مأمور بإسقاطه وإقامة الجمعة في
مكانه على سبيل الحتم ، أما من لم تتكامل
فيه شرائطها ، فيبقى على أصل الظهر إلا أنه
يخاطب بأداء الجمعة في مكانها على سبيل
الترخيص ، أي فإذا أدى الجمعة رغم عدم
تكامل شروط وجوبها عليه سقط عنه الظهر
بذلك (٣). على أن لكل من محمد وزفر أقوالا
(١) نهاية المحتاج للرملي ٢٧٢/٢، وحاشية الصفتي على
الجواهر الزكية ١١٨ .
(٢) أثر عمر: ((الجمعة ركعتان)).
أخرجه أحمد (٣٧/١ - ط. الميمنية) وأُعل بالانقطاع كما
في التلخيص لابن حجر (٦٩/٢ - ط. شركة الطباعة
الفنية) إلا أنه ورد متصلا عند البيهقي (٢٠٠/٣ -
ط . دائرة المعارف العثمانية) ونقل ابن حجر تصحيحه عن
ابن السكن .
(٣) انظر تحفة الفقهاء ٢٧٤/١، وبدائع الصنائع ٢٥٦/١،
والمبسوط ٢٢/٢.
- ١٩٤ -
صلاة الجمعة ٤ - ٦
أخرى في كيفية فرضية الجمعة (١).
٥ - وفائدة الخلاف تظهر فيما لو صلى الظهر
في بيته وحده قبل فوات الجمعة - وهو غير
معذور، فعند أبي حنيفة وأبي يوسف يصح
ظهره ويقع فرضا ؛ لأنه أدى فرض الوقت
الأصلي فيجزئه .
قال السمرقندي : من صلى الظهر في
بيته وحدہ۔۔ وهو غیر معذور- فإنه یقع فرضا
في قول أصحابنا الثلاثة - أبي حنيفة
وصاحبيه - خلافا لزفر فإن عنده لا يجوز
الظهر (٢).
وفي المذاهب الأخرى لاتجزئه صلاة الظهر
ويلزمه حضور الجمعة ، فإن حضرها فذاك
وإلا بأن فاتته لزمه قضاء الظهر حينئذ . قال
أبو إسحاق الشيرازي في المهذب : وأما من
تجب عليه الجمعة ، ولا يجوز له أن يصلي
الظهر قبل فوات الجمعة ، فإنه مخاطب
بالسعي إلى الجمعة ، فإن صلى الظهر قبل
صلاة الإِمام ففيه قولان : قال في القديم :
(١) فلمحمد قولان : أحدهما : أن الفرض هو الجمعة فمن
لإ تتكامل فيه شرائطها يجوز له أن يسقطه بالظهر رخصة .
ثانيهما : أن الفرض أحدهما إما الظهر، وإما الجمعة
ويتعين ذلك بالفعل فأيهما فعل يتبين أنه هو الفرض ،
وقال زفر : فرض الوقت الجمعة . والظهر بدل عنها .
وانظر في تفصيل الأقوال وما يترتب عليها . تحفة الفقهاء
٢٧٤/١، وبدائع الصنائع ٢٥٧/١ .
(٢) تحفة الفقهاء ٢٧٥/١ .
يجزئه ؛ لأن الفرض هو الظهر ... وقال في
الجديد : لاتجزئه ، ويلزمه إعادتها وهو
الصحيح(١).
وقال ابن قدامة في المغني : من وجبت
عليه الجمعة إذا صلى الظهر قبل أن يصلي
الإِمام الجمعة لم يصح ، ويلزمه السعي إلى
الجمعة إن ظن أنه يدركها ؛ لأنها المفروضة
علیه (٢).
شروط صلاة الجمعة :
٦ - لصلاة الجمعة ثلاثة أنواع من الشروط.
النوع الأول : شروط للصحة والوجوب
معا ، والثاني : للوجوب فقط ، والثالث :
للصحة فقط
والفرق بين هذه الأنواع الثلاثة من
الشروط ، أن ما يعتبر شرطالصحة صلاة
الجمعة ووجوبها معا ، يلزم من فقده أمران
اثنان : بطلانها ، وعدم تعلق الطلب بها .
وما يعتبر شرطا للوجوب - فقط - يلزم من
فقده عدم تعلق الطلب وحده ، مع ثبوت
صحة الفعل . وما يعتبر شرطا للصحة فقط
يلزم من فقده البطلان مع استمرار المطالبة
به ..
النوع الأول شروط الصحة والوجوب معا
وتنحصر في ثلاثة :
(١) المهذب مع المجموع ٤ /٤٩٦ .
(٢) المغني لابن قدمة ٢٨٤/٢ .
- ١٩٥ -
صلاة الجمعة ٧
٧ - الشرط الأول : اشترطه الحنفية ، وهو أن
يكون المكان الذي تقام فيه (مصرا) والمقصود
بالمصر كل بلدة نصّب فيها قاض ترفع إليه
الدعاوى والخصومات .
قال في المبسوط : وظاهر المذهب في بیان
حد المصر الجامع : أن يكون فيه سلطان ،
أو قاض لإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام (١).
ويلحق بالمصر ضاحيته أو فناؤه ،
وضواحي المصر هي القرى المنتشرة من حوله
والمتصلة به والمعدودة من مصالحه ، بشرط أن
يكون بينها وبينه من القرب ما يمكن أهلها
من حضور الجمعة ، ثم الرجوع إلى منازلهم
في نفس اليوم بدون تكلف (٢).
وعلى هذا ، فمن كانوا يقيمون في قرية
نائية ، لايكلفون بإقامة الجمعة ، وإذا
أقاموها لم تصح منهم . قال صاحب
البدائع : المصر الجامع شرط وجوب
الجمعة ، وشرط صحة أدائها عند
أصحابنا ، حتى لاتجب الجمعة إلا على أهل
المصر ومن كان ساكنا في توابعه ، وكذا
لايصح أداء الجمعة إلا في المصر وتوابعه .
فلا تجب على أهل القرى التى ليست من
(١) المبسوط ٢٣/٢.
(٢) راجع بدائع الصنائع ٢٦٠/١، والمبسوط ٢٤/٢،
مجمع الأنهر ١٦٢/١.
توابع المصر، ولا يصح أداء الجمعة
فيها (١).
ولم تشترط المذاهب الأخرى هذا الشرط .
فأما الشافعية : فاكتفوا باشتراط إقامتها في
خطة أبنية سواء كانت من بلدة أو قرية ، قال
صاحب المهذب : لاتصح الجمعة إلا في
أبنية يستوطنها من تنعقد بهم الجمعة من بلد
أو قرية (٢)
وأما الحنابلة : فلم يشترطوا ذلك أيضا ،
وصححوا إقامتها في الصحارى ، وبين
مضارب الخيام . قال صاحب المغني :
ولا يشترط لصحة الجمعة إقامتها في البنيان
ويجوز إقامتها فيما قاربه من الصحراء (٣).
وأما المالكية : فإنما شرطوا أن تقام في
مكان صالح للاستيطان . فتصح إقامتها في
الأبنية ، أو الأخصاص ؛ لصلاحها
للاستيطان فيها مدة طويلة . ولا تصح في
الخِيمَ لعدم صلاحيتها لذلك في الغالب .
قال في الجواهر الزكية في تعداد شروطها :
موضع الاستیطان ، ولو کان بأخصاص
لاخِيَم ، فلا تقام الجمعة إلا في موضع
يستوطن فيه بأن يقيم فيه صيفا وشتاء (٤).
(١) بدائع الصنائع ٢٥٩/١ .
(٢) المهذب مع المجموع ٤ / ٥٠١ .
(٣) المغني لابن قدامة ٢٧٥/٢ .
(٤) الجواهر الزكية ص ١٢٣ .
- ١٩٦ -
صلاة الجمعة ٨ - ١٠
٨ - ويترتب على هذا الخلاف : أن أصحاب
القرى التي لاتعتبر تابعة لمصر إلى جانبها يجب
عليهم - عند غير الحنفية - إقامة الجمعة في
أماكنهم ، ولا يكلفون بالانتقال لها إلى أي
بلدة كبيرة أخرى من حولهم .
أما في المذهب الحنفي : فلا يكلفون
بإقامة الجمعة في مثل هذه الحال ، وإذا
أقاموها لم تصح منهم . ويجب عليهم
الانتقال إلى البلدة المجاورة إذا سمع منها
الأذان .
٩ - الشرط الثاني : واشترطه الحنفية ، إذن
السلطان بذلك ، أو حضوره ، أو حضور
نائب رسمي عنه ، إذ هكذا كان شأنها على
عهد رسول الله بَل، وفي عهود الخلفاء
الراشدين .
هذا إذا كان ثمّة إمام أو نائب عنه في
البلدة التي تقام فيها الجمعة ، فإذا لم يوجد
أحدهما ، لموت أو فتنة أو ماشابه ذلك ،
وحضر وقت الجمعة كان للناس حينئذ أن
يجتمعوا على رجل منهم ليتقدمھم فیصلي بهم
الجمعة (١).
أما أصحاب المذاهب الأخرى فلم
يشترطوا لصحة الجمعة أو وجوبها شيئا مما
يتعلق بالسلطان ، إذنا أو حضورا أو إنابة .
(١) بدائع الصنائع ١/ ٢٦١.
١٠ - الشرط الثالث من شروط صحة
الجمعة ووجوبها معا : دخول الوقت ،
ووقتها عند الجمهور - الحنفية والمالكية
والشافعية - هو وقت الظهر، فلا يثبت
وجوبها ، ولايصح أداؤها إلا بدخول وقت
الظهر، ويستمر وقتها الى دخول وقت
. العصر، فإذا خرج وقت الظهر سقطت
الجمعة واستبدل بها الظهر، لأن الجمعة
صلاة لاتقضى بالتفويت . ويشترط دخول
وقت الظهر من ابتداء الخطبة ، فلو ابتدأ
الخطيب الخطبة قبله لم تصح الجمعة ، وإن
وقعت الصلاة داخل الوقت .
وذهب الحنابلة إلى أن أول وقت صلاة
الجمعة هو أول وقت صلاة العيد (١) لحديث
عبد الله بن سيدان: ((شهدت الجمعة مع
أبي بکر فکانت خطبته وصلاته قبل نصف
النهار)) (٢)، ولحديث جابر: ((كان يصلي
الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا فنريحها حين
(١) بدائع الصنائع ٢٦٩/١، ومجمع الأنهر ١/ ١٦١،
والروض المربع شرح زاد المستقنع للبهوتي ، وحاشية ابن
قاسم ٤٣٣/٢ - ٤٢٥، ومغني المحتاج ٢٧٩/١.
وحاشية الدسوقي ٣٧٢/١ .
(٢) حديث عبدالله بن سيدان: ((شهدت الجمعة مع
أبي بكر )).
أخرجه الدارقطني (١٧/٢ - ط. دار المحاسن) وأعلّه ابن
حجر في الفتح (٣٨٧/٢ - ط. السلفية) بجهالة عبد الله
ابن سيدان .
- ١٩٧ -
صلاة الجمعة ١٠ - ١٢
تزول الشمس» (١) وکذلك روي عن ابن
مسعود وجابر وسعد ومعاوية - رضي الله
عنهم ـ أنهم صلوا قبل الزوال ولم ينكر
عليهم ، وفعلها بعد الزوال أفضل .
النوع الثاني من الشروط وهي :
شروط الوجوب فقط :
تتلخص جملة هذه الشروط في خمسة
أمور، وذلك بعد اعتبار الشروط التي تتوقف
عليها أهلية التكليف بصورة عامة ، من
عقل وبلوغ - :
١١ - الأول: (الإِقامة بمصر) : فلا تجب
على مسافر. ثم لافرق في الإِقامة بين أن
تكون على سبيل الاستيطان أو دون ذلك ،
فمن تجاوزت أيام إقامته في بلدة ما الفترة التي
يشرع له فيها قصر الصلاة وجبت عليه صلاة
الجمعة وإلا فلا . على التفصيل المبين في
(صلاة المسافر) .
ودليل ذلك مارواه جابر - رضي الله
عنهـ : قال رسول الله ◌َالقدر: «من کان یؤمن
بالله واليوم الآخر فعليه الجمعة إلا مريض ،
أومسافر، أو امرأة ، أو صبي ، أو مملوك ،
فمن استغنى بلهو أو تجارة استغنى الله عنه
(١) حديث جابر: ((کان يصلي الجمعة ثم نذهب إلى جمالنا)»
أخرجه مسلم (٥٨٨/١ - ط. الحلبي).
والله غني حميد)) (١) قال السرخسي :
والمعنى : أن المسافر تلحقه المشقة بدخول
المصر وحضور الجمعة ، وربما لايجد أحدا
يحفظ رحله ، وربما ينقطع عن أصحابه ،
فلدفع الحرج أسقطها الشرع عنه (٢).
أما من كان مقيما في غير مصر، كالقرى
والبوادي ، فإن كان مكانه قريبا من بلدة
هناك وجب عليه الذهاب إليها وإقامة
الجمعة فيها ، وإلا لم تجب عليه .
والمفتى به في ضابط القرب: أن تصل
أصوات المؤذنین إلی ذلك المكان عندما یؤذنون
في أماكن مرتفعة وبأصوات عالية مع توسط
حالة الجو من حيث الهدوء والضجيج (٣).
وهذا على ماسبق بيانه في الفقرة (٧) من
اشتراط الحنفية المصر خلافا لغيرهم .
١٢ - الشرط الثاني (الذكورة) : فلا تجب
صلاة الجمعة على النساء . وذكر صاحب
البدائع حكمة ذلك فقال : وأما المرأة فلأنها
مشغولة بخدمة الزوج ، ممنوعة من الخروج
إلى محافل الرجال ، لكون الخروج سببا
(١) حديث: ((من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فعليه
الجمعة)) .
أخرجه الدارقطني (٣/٢ - ط. دار المحاسن)، وأورده ابن
حجر في التلخيص (٦٥/٢ - شركة الطباعة الفنية) وذكر
أن في اسناده راویین ضعيفين.
(٢) المبسوط ٢٢/٢، وانظر الهداية ٥٨/١، ٥٩.
(٣) انظر الدر المختار، وحاشية ابن عابدين عليه ١ / ٥٧٠ .
- ١٩٨ -
صلاة الجمعة ١٢ - ١٥
للفتنة ولهذا لا جماعة عليهن أيضا (١).
١٣ - الشرط الثالث (الصحة) : ويقصد بها
خلو البدن عما يتعسر معه - عرفاً - الخروج
لشهود الجمعة في المسجد ، كمرض وألم
شديد ؛ فلا تجب صلاة الجمعة على من
اتصف بشيء من ذلك .
وألحق بالمريض ممرضه الذي يقوم بأمر
تمريضه وخدمته ، بشرط أن لايوجد من يقوم
مقامه في ذلك لو ترکه (٢).
١٤ - الشرط الرابع (الحرية) : فلا تجب على
العبد المملوك ، لانشغاله بخدمة المولى .
غير أنها تجب على المكاتب والمبعّض وتجب
على الأجير، بمعنى أنه لايجوز للمستأجر
منعه منها ، فإذا ترك العمل لصلاتها ، وكان
المسجد بعيدا عن مكان عمله في ـ العرف -
سقط من أجرته مايقابل الزمن الذي ترك فيه
العمل من أجلها بما في ذلك مدة الصلاة
نفسها ، وإلا لم يسقط شيء .
وهذه الشريطة - أيضا - محل اتفاق لدى
مختلف المذاهب ، ثم إن السيد إذا أذن
(١) بدائع الصنائع ٢٥٨/١، وشرح الروض المربع
٤٢٦/٢، والدسوقي ٣٧٩/١، ومغني المحتاج
٢٨٢/١ .
(٢) شرح الدر المختار حاشية ابن عابدين ٥٧١/١، شرح
الروض المربع ٤٢٧/٢، والدسوقي ٣٨٤/١.
لعبده في الخروج لصلاة الجمعة وجبت عليه
حينئذ (١) .
١٥ - الشرط الخامس (السلامة) : والمقصود
بها سلامة المصلي من العاهات المقعدة ، أو
المتعبة له في الخروج إلى صلاة الجمعة ،
كالشيخوخة المقعدة والعمى ، فإن وجد
الأعمى قائدا متبرعا أو بأجرة معتدلة ،
وجبت عليه عند الجمهور - أبي يوسف ومحمد
والمالكية والشافعية والحنابلة - لأن الأعمى
بواسطة القائد يعتبر قادرا على السعي خلافا
لأبي حنيفة (٢).
وهناك صورتان أخریان تجب فيهما على
الأعمى صلاة الجمعة :
الصورة الأولى : أن تقام الصلاة وهو في
المسجد متطهر متهيء للصلاة .
الصورة الثانية : أن يكون ممن أوتوا مهارة في
المشي في الأسواق دون الاحتياج إلى أى كلفة
(١) حاشية ابن عابدين ١ /٥٧١، والمكاتب : هو العبد
الذي التزم سيده إعتاقه إذا اكتسب له مبلغا من المال
شريطة أن يكون الدفع على عدة أقساط ، أما المبعض :
فهو ذلك الذي اعتق سيده بعضه ، والبعضية يظهر
معناها في الزمن، فمن أعتق نصفه اشتغل لحساب سيده
خمسة عشر يوما وانصرف للعمل لحساب نفسه خمسة
عشر وقد يتفقان على وحدة زمنية أكبر من ذلك أو أصغر ،
(الدسوقي ٣٧٩/١، ومغني المحتاج ٢٨٢/١) .
(٢) انظر شرح ملتقى الأبحر ١٦٤/١، وحاشية ابن عابدين
على الدر المختار ٥٧١/١، والدسوقي ٣٨١/١، ومغني
المحتاج ٢٨٢/١، والمغني ٣٤٠/٢، ٣٤٤.
- ١٩٩ -
صلاة الجمعة ١٥ - ١٧
أو قيادة أو سؤال أحد . إذ لاحرج حينئذ
عليه في حضور صلاة الجمعة (١).
ولاتجب ۔ أيضا - في حالة خوف من عدو
أوسبع أو لص ، أو سلطان ، ولا في حالة
مطر شديد ، أو وحل ، أو ثلج ، يتعسر
معها الخروج إليها . اذ لاتعتبر السلامة
متوفرة في مثل هذه الحالات (٢).
١٦ - ثم إن مَنْ حضر صلاة الجمعة ممن لم
تتوفر فيه هذه الشروط الخمسة ينظر في أمره :
فإن كان فاقدا أهلية التكليف نفسها ،
كالصبي والمجنون ، صحت صلاة الصبي
واعتبرت له تطوعا ، وبطلت صلاة
المجنون ؛ لعدم توفر الإِدراك المصحح لأصل
العبادة .
أما إن تكاملت لديه أهلية التكليف ،
كالمريض والمسافر والعبد والمرأة ، فمثل هؤلاء
إن حضروا الجمعة وصلوها أجزأتهم عن
فرض الظهر، لأن امتناع الوجوب في حقهم
إنما كان للعذر، وقد زال بحضورهم لكن
صرح الشافعية والحنابلة بأن لهم
الانصراف ؛ إذ المانع من وجوبها عليهم
لا يرتفع بحضورهم إلا المريض ونحوه
(٣) حاشية ابن عابدين ١/ ٥٧١.
(٤) شرح ملتقى الأبحر ١٦٤/١، والدسوقي ٣٨١/١،
ومغني المحتاج ٢٨٢/١، والمغني ٣٤٠/٢ .
كالأعمى فيحرم انصرافهما إن دخل الوقت
قبل انصرافهما لأن المانع في حقهما مشقة
الحضور وقد زالت (١).
١٧ - ويصح أن يؤم القوم من هؤلاء كل من
صحت إمامته المطلقة في باب صلاة الجماعة
فتصح إمامة المريض والمسافر والعبد ، دون
المرأة قال في تنوير الأبصار: ويصلح
للإِمامة فيها من صلح لغيرها ؛ فجازت
المسافر وعبد ومريض .
وأما صفة الذين تنعقد بهم الجمعة
فهي : أن كل من يصلح إماما للرجال في
الصلوات المكتوبة تنعقد بهم الجمعة ،
فيشترط صفة الذكورة والعقل والبلوغ لاغير ،
فتنعقد الجمعة بعبيد ومسافرين . وهذا عند
الحنفية .
ومذهب الحنابلة : أنه لاتنعقد الجمعة
بأحد من هؤلاء ، ولا تصح إمامته .
أما الشافعية : فصححوا الإِمامة من
هؤلاء دون الانعقاد به . فلو أم المصلين
مسافر وكان عددهم لايتجاوز مع إمامهم
المسافر أربعين رجلا ، لم تنعقد صلاتهم (٢).
(١) تحفة الفقهاء ٢٧٨/١، وشرح ملتقى الأبحر ١٦٤/١،
والمبسوط ٢٣/١ ونهاية المحتاج ٢٧٦/٢، والمغني لابن
قدامة ٢٨٣/٢، والدسوقي ٣٨٣/١ .
(٢) تنوير الأبصار بهامش ابن عابدين ٥٧٢/١، والبدائع
٢٦٨/١، وانظر المغني لابن قدامة ٢٨٣/٢، ونهاية
المحتاج للرملي ٢٩٢/٢، ٢٩٣، والجواهر الزكية ١١٨.
- ٢٠٠ -