Indexed OCR Text

Pages 241-260

شهادة ٤٤ - ٤٦
وذهب الحنفية إلى عدم اشتراطه ، لأن
من سمع اقرار غيره حلّ له الشهادة وإن لم
يقل له اشهد (١).
٤٥ - ويؤدى شاهد الفرع شهادته على الصفة
التى تحملها من غير زيادة ولا نقص ، فإن
سمعه یشهد بحق مضاف إلی سبب یوجب
الحق ذكره ، وإن سمعه یشهد عند الحاكم
ذكره ،وإن أشهده شاهد الأصل على شهادته
أو استرعاه ، قال : أشهد أن فلانا يشهد أن
لفلان على فلان كذا وأشهدني على
شهادته وهكذا .
ولا يشترط أن يقوم شاهد الفرع بتعديل
شاهد الأصل ، ويقوم القاضي بالبحث عن
العدالة ، فإن عدله الفرع وهو أهل للتعديل
جاز ذلك .
وذهب محمد بن الحسن، إلى أنه لا تقبل
شهادة الفرع مالم يعدل شاهد الأصل ، فإذا
لم يعرف عدالته لم ينقل الشهادة عنه (٢).
وإن أنكر شهود الأصل الشهادة لم تقبل
شهادة شهود الفرع ، لأن التحميل لم
يثبت ، للتعارض بين الخبرين (٣).
(١) الهداية ١٣٠/٢، والمهذب ٣٣٩/٢، وتبصرة الحكام
٣٥٣/١.
(٢) الهداية ١٣١/٣، وتبيين الحقائق ٢٤٠/٤، وتبصرة
الحكام ٢٨٣/١، ومغني المحتاج ٤٥٦/٤، وشرح
منتهى الإرادات ٥٦٠/٣ .
(٣) الهداية ١٣١/٣، الفتاوى الهندية ٥٢٥/٣، وشرح
منتهى الإرادات ٣/ ٥٦١ .
٤٦ - أجاز المالكية القضاء بشهادة الاسترعاء
على بعض التصرفات التى يقوم بها الإِنسان
اضطرارا ، كالطلاق والوقف والهبة ،
والتزويج ونحو ذلك ، وصورتها أن یکتب
المسترعى كتابا سراً ، بأنه إنما يفعل هذا
التصرف لأمر يتخوفه على نفسه ، أو ماله ،
وأنه يرجع فيما عقد عند أمنه مما يتخوفه
ويشهد على ذلك شهود الاسترعاء (١). وقد
أورد صاحب تبصرة الحكام أمثلة لما يقوله
المسترعي ، في وثيقة الاسترعاء فيما تجوز فيه
شهادة الاسترعاء . فقال نقلا عن ابن
العطار: يصدق المسترعى في الحبس (يعنى
الوقف) فيما يذكره من الوجوه التى يتوقعها
ویکتب في ذلك : « أُشهد فلان شهود هذا
الكتاب بشهادة استرعاء ، واستخفاء
للشهادة : أنه متى عقد في داره بموضع كذا
تحبيسا على بنيه أو على أحد من الناس فإنما
يفعله لأمر يتوقعه على نفسه ، أو على ماله
المذكور، ولیمسکه علی نفسه ويرجع فیما
عقد فيه عند أمنه مما تخوفه ، وأنه لم يرد بما
عقده فيه وجه القربة ، ولا وجه الحبس بل لما
يخشاه وأنه غير ملتزم لما يعقده فيه من
التحبيس وأشهد عليه بذلك في تاريخ كذا
وكذا(٢).
(١) تبصرة الحكام ٢/٢ .
(٢) المصدر السابق .
- ٢٤١ -

شهادة ٤٦ - ٤٨
ومما ذكروه أيضا أنه إذا خطب من هو قاهر
لشخص بعض بناته فأنكحه المخطوب
الیه ، وأشهد شهود الاسترعاء سرا : أنی إنما
أفعله خوفا منه وهو ممن يخاف عداوته .
وأنه إن شاء اختارها لنفسه لغير نكاح
فأنکحه علی ذلك فهو نکاح مفسوخ أبدا .
وإذا بنى ظالم أو من يخاف شره غرفة محدثة
بإزاء دار رجل وفتح بابا يطلع منه على ما في
داره على وجه الاستطالة لقدرته ، وجاهه ،
فیشهد الرجل أن سكوته عنه لخوفه منه على
نفسه أن يضرّه أو يؤذيه ، وأنه غير راض
بذلك وأنه قائم عليه بحقه متى أمكنه ،
وتشهد البيّنة لمعرفتهم وأن المحدث لذلك ممن
يتقى شره ، وينفعه ذلك متى قام بطلب
حقه (١).
وفي أحكام ابن سهل : ((من له دار بينه
وبين أخيه فباع أخوه جميعها ممن يعلم
اشتراکهما فيها وله سلطان ، وقدرة ، وخاف
ضرره إذا تكلم في ذلك ، فاسترعى أن سكوته
عن الكلام في نصيبه وفي الشفعة في نصيب
أخيه لما يتوقعه من تحامل المشترى عليه ،
وإضراره به ، وأنه غير تارك لطلبه متى
أمكنه . فإذا ذهبت التقيّة ، وقام من فوره
بهذه الوثيقة أثبتها ، وأثبت الملك ،
والاشتراك ، وأعذر إلى أخيه وإلى المشترى ،
قضى له بحقه وبالشفعة (١).
مايجوز الاسترعاء فيه :
٤٧ - قال ابن فرحون من المالكية : يجوز
الاسترعاء في التصرفات التى هي من باب
التطوع: كالطلاق ، والتحبيس والهبة ، قال
المالكية : ولايلزمه أن يفعل شيئا من ذلك ،
وإن لم يعلم السبب إلا بقوله ، مثل أن
يشهد أني إن طلقت فإنى أطلق خوفاً من أمر
أتوقعه من جهة كذا ، أو حلف بالطلاق
وکان أشهد أنی إن حلفت بالطلاق فإنما هو
لأجل إکراه ونحو ذلك فهذا وما ذكرناه معه
لا يشترط فيهما معرفة الشهود والسبب
المذكور. ولا يجوز الاسترعاء في البيوع مثل
أن يشهد قبل البيع أنه راجع في البيع وأن
بيعه لأمر يتوقعه ، لأن المبايعة خلاف ما تطوع
به . وقد أخذ البائع فیه ثمنا ، وفي ذلك حق
للمبتاع إلا أن يعرف الشهود الإِكراه على
البيع أو الإِخافة فيجوز الاسترعاء إذا انعقد
قبل البيع وتضمن العقد شهادة من يعرف
الإِخافة والتوقع الذي ذكره (٢).
الرجوع عن الشهادة :
٤٨ - ذهب الفقهاء إلى أن الشاهدين إن
(١) المصدر السابق .
(٢) تبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك ٣٣٦/١ ط .
المكتبة التجارية الكبرى .
(١) المصدر السابق .
- ٢٤٢ -

شهادة ٤٨ - ٥٠
رجعا عن شهادتهما ، فلا يخلو رجوعهما أن
یکون قبل قضاء القاضي أو بعده ، فإن رجعا
عن شهادتهما قبل الحكم سقطت شهادتهما ،
لأن الحق إنما يثبت بالقضاء ، والقاضي لا
يقضي بكلام متناقض ، ولا ضمان عليهما ،
لأنهما لم يتلفا شيئا على المدعي ، ولا على
المدعى عليه .
٤٩ - وإن رجعا بعد الحكم وقبل التنفيذ :
فإن كان في حد أوقصاص لم يجز الاستيفاء
والتنفيذ ، لأن هذه الحقوق تسقط بالشبهة ،
والرجوع شبهة ظاهرة ، فلم يجز الاستيفاء
لقيام الشبهة (١).
وإن كان مالا أو عقدا استوفى المال لأن
القضاء قد تم ، وليس هذا مما يسقط
بالشبهة حتى يتأثر بالرجوع ؛ فلا ينتقض
الحكم . وعلى الشهود ضمان ما أتلفوه
بشهادتهم لإِقرارهم على أنفسهم بسبب
الضمان ، ولا يرجعون على المحكوم له (٢).
٥٠ - أما إن رجع الشهود بعد تنفيذ الحكم :
فإنه لاينقض الحكم ، ولايجب على المشهود
له رد ما أخذه ، لأنه يحتمل أن يكونا
(١) الدر المختار ٤ / ٣٩٦، ومنح الجليل ٢٨٨/٤، والمغني
١٣٧/١٢ والمهذب ٣٤١/٢ .
(٢) المهذب ٣٤١/٢، ومغني المحتاج ٤٥٦/٤، الهداية
١٣٢/٣، والفتاوى الهندية ٥٣٥/٣، الشرح الكبير
١١٣/١٢، الخرشي ٢٢٠/٤، شرح منح الجليل
٢٨٤/٤، ٢٨٩ - ٢٩٠ .
صادقين ، ويحتمل أن يكونا كاذبين ، وقد
اقترن الحكم والاستيفاء بأحد الاحتمالين ؛
فلا ينقض برجوع محتمل (١)، وعلى
الشاهدین أن یضمنا ما أتلفاه بشهادتهما (٢) .
فإن كان ماشهدا به يوجب القتل ، أو
الحد ، أو القصاص: نظر، فإن قالا تعمدنا
ليقتل بشهادتنا: وجب عليهما القود عند
الشافعية والحنابلة وبعض المالكية ، وبه قال
ابن أبي ليلى والأوزاعي وأبو عبيد وابن
شبرمة (٣).
لما روي الشعبي أن رجلين شهدا عند
علي - رضي الله عنه - علی رجل أنه سرق
فقطعه ، ثم أتياه برجل آخر فقالا : إنّا
أخطأنا بالأول ، وهذا السارق ، فأبطل
شهادتهما على الآخر، وضمنهما دية يد
الأول ، وقال : لو أعلم أنكما تعمدتما
لقطعتكما (٤).
ولأنهما ألجاه إلى قتله بغير حق ، فلزمهما
(١) المهذب ٣٤١/٢، المغني ١٣٨/١٢.
(٢) الهداية ١٣٢/٣.
(٣) حاشية الدسوقي ٢٠٧/٤، المهذب ٣٤١/٢، المغني
١٣٦/١٢، ١٣٨، الشرح الكبير ١١٧/١٢.
(٤) خبر الشعبي أن رجلين شهدا عند علي ... رواه الإمام
الشافعي (الأم: ٤٩/٧) والطحاوي (اختلاف
الفقهاء : ٢١٦) ومحمد بن الحسن في كتاب الرجوع عن
الشهادة (المبسوط ١٧٨/١٦) والبيهقي (السنن الكبرى
١٠/ ٢٥١) .
- ٢٤٣ -

شهادة ٥٠ - ٥١
القود كما لو أكرهاه على قتله (١).
وذهب الحنفية ، وجمهور المالكية: إلى أنه
لاقود عليهما ، لأنهما لم يباشرا الإِتلاف ،
فأشبها حافر البئر، وناصب السكين ، إذا
تلف بهما شيء ، وعليهما الدية (٢).
وإن قال الشهود : أخطأنا ، أو جهلنا
كانت عليهم الدية في أموالهم مخففة مؤجلة ،
ولاتتحمل العاقلة عنهما شيئا ، لأن العاقلة
لاتحمل الاعتراف .
وان قالوا: تعمدنا الشهادة ولم نعلم أنه
يقتل وهم يجهلون قتله وجبت عليهم دية
مغلظة ، لما فيه من العمد ، ومؤجلة لما فيه
من الخطأ .
فإن قالوا : أخطأنا، وجبت دية مخففة ،
لأنه خطأ ولا تحمله العاقلة لأنها وجبت
باعترافهم .
فإن اتفقوا على أن بعضهم تعمد
وبعضهم أخطأ وجب على المخطىء قسطه
من الدية المخففة ، وعلى المتعمد قسطه من
الدية المغلظة ، ولا يجب عليهم القود لمشاركة
المخطىء .
(١) المهذب ٣٤١/٢ .
(٢) شرح أدب القاضي للخصاف تأليف ابن مازة ٥٠٨/٤
الفقرة : ١٥٥٩ ، وبدائع الصنائع ٤٠٦٦/٩،
الفتاوى الهندية ٥٥٥/٣، شرح منح الجليل
٢٨٩/٤ - ٢٩٠ .
وإن اختلفوا ، فقال بعضهم : تعمدنا
كلنا ، وقال بعضهم أخطأنا كلنا ، وجب
على المقر بعمد الجميع القود ، وعلى المقر
بخطأ الجميع قسطه من الدية المخففة (١).
رجوع بعض الشهود :
٥١ - ذهب جمهور الفقهاء (٢): إلى أنه إذا
رجع أحد الشاهدين بعد الحكم وبعد
استیفائه في شهادة نصابها شاهدان ضمن
نصف المال أو نصف الدية ، والعبرة لمن بقى
لا لمن رجع .
ولو رجع واحد من أصل أربعة شهود في
شهادة نصابها شاهدان أيضا ، فلا شيء
عليه لبقاء نصاب الشهادة قائما .
وكذا لو رجع اثنان منهم فلا شيء
عليهما ، لبقاء النصاب .
ولو رجع ثلاثة منهم فعليهم نصف المال ،
لبقاء شاهد واحد ، وهو شطر الشهادة
فيتحملون شطر المال .
ولو رجعت امرأة وكان النصاب رجلا
وامرأتين غرمت الراجعة ربع المال .
(١) المهذب ٣٤١/٢.
(٢) بدائع الصنائع ٤٠٧٢/٩ - ٤٠٧٣، تبيين الحقائق
٢٤٥/٤، الفتاوى الهندية ٥٢٥/٣، شرح منح الجليل
٢٩٢/٤، الخرشي ٢٢١/٤، الهداية ١٣٣/٣، الجمل
عنى شرح المنهج ٤٠٦/٥ - ٤٠٧، نهاية المحتاج
٣١٣/٨ ٠
- ٢٤٤ -

شهادة ٥١ - ٥٣
ولو شهد عشر نسوة ورجل واحد ، فرجع
ثمان منهن فلا شيء عليهن ، لبقاء نصاب
الشهادة .
ولو رجع تسع منهن غرمن ربع المال ..
وهكذا ...
وذهب الحنابلة : إلی أن کل موضع وجب
الضمان فيه على الشهود بالرجوع وجب أن
يوزع بينهم على عددهم قلوا أو كثروا .
قال الإِمام أحمد في رواية إسحاق بن
منصور عنه : إنه إذا شهد بشهادة ثم رجع
وقد أتلف مالا فإنه ضامن بقدر ماكانوا في
الشهادة ، فإن كانوا اثنين فعليه النصف ،
وإن كانوا ثلاثة فعليه الثلث ، وعلى هذا لو
كانوا عشرة فعلیه العشر، وسواء رجع وحده
أو رجعوا جميعا ، وسواء رجع الزائد عن القدر
الکافي في الشهادة أو من لیس بزائد ، فلو
شهد أربعة بالقصاص ، فرجع واحد منهم ،
وقال : عمدنا إلى قتله ، فعليه القصاص ،
وإن قال : أخطأنا فعليه ربع الدية ، وإن
رجع اثنان فعليهما القصاص ، أونصف
الدية .
وإن شهد ستة بالزنى على محصن فرجم
بشهادتهم ثم رجع واحد فعليه القصاص أو
سدس الدیة ، وإن رجع اثنان فعلیھما
القصاص أو ثلث الدية (١) .
(١) المغني ١٤٤/١٢، الشرح الكبير ١٢٠/١٢.
الاختلاف في الشهادة :
٥٢ - الشهادة إذا وافقت الدعوى قبلت ،
وإن خالفتها لم تقبل ، لأن تقدم الدعوى في
حقوق العباد شرط قبول الشهادة ، وقد
وجدت فيما يوافقها وانعدمت فيما يخالفها .
وينبغي اتفاق الشاهدین فیما بينهما لتكمل
الشهادة .
فإن شهد أحدهما أنه غصبه دينارا ،
وشهد الآخر أنه غصبه ثوبا: فلا تکمل
الشهادة على واحد من هذین (١).
٥٣ - ويعتبر اتفاق الشاهدين في اللفظ
والمعنى عند أبي حنيفة .
وذهب صاحباه أبو يوسف ومحمد : إلی أن
الاتفاق في المعنى هو المعتبر (٢).
فإن شهد أحد الشاهدين بألف والآخر
بألفين لم تقبل الشهادة عنده ، لأنهما اختلفا
لفظا ، وذلك يدل على اختلاف المعنى ؛
لأنه يستفاد باللفظ ، وهذا لأن الألف لايعبر
به عن الألفين، بل هما جملتان متباينتان
فحصل علی کل واحد منهما شاهد واحد ،
فصار كما إذا اختلف جنس المال (٣).
(١) المغني ١٢/ ١٣١.
(٢) الهداية ١٣٦/٣، تبين الحقائق ٢٢٩/٤، الفتاوى
الهندية ٥٠٣/٣ .
(٣) الهداية ١٣٦/٣.
- ٢٤٥ -

شهادة ٥٣ - ٥٦
وعندهما تقبل على الألف إذا كان المدعي
يدعي الألفين .
وهو رأي الشافعية والحنابلة والمالكية (١) .
لأنهما اتفقا على الألف ، وتفرد أحدهما
بالزيادة فیثبت ما اجتمعا عليه دون ماتفرد به
أحدهما، فصار كالألف والألف والخمسمائة .
أما إذا شهد أحدهما بألف والآخر بألف
وخمسمائة والمدعي يدعي ألفا وخمسمائة: قبلت
الشهادة على الألف عند الجميع حتى عند
أبي حنيفة لاتفاق الشاهدين عليها لفظا
ومعنى ؛ لأن الألف والخمسمائة جملتان
عطفت إحداهما على الأخرى والعطف يقرر
الأول (٢) .
٥٤ - ومتى كانت الشهادة على فعل فاختلف
الشاهدان في زمنه ، أو مكانه ، أو صفة له
تدل على تغاير الفعلين لم تكمل شهادتهما .
مثل أن يشهد أحدهما أنه غصبه دینارا یوم
السبت، ویشهد الآخر أنه غصبه دینارا یوم
الجمعة ، أو يشهد أحدهما أنه غصبه
بدمشق ، ویشهد الآخر أنه غصبه بمصر ،
أو یشهد أحدهما أنه غصبه ثوبا أبيض
ویشهد الآخر أنه غصبه ثوبا أسود فلا تکمل
(١) تبصرة الحكام ٣٤٥/١، المهذب ٣٣٩/٢، والشرح
الكبير ٢٦/١٢ .
(٢) الهداية ١٣٧/٣ .
الشهادة ؛ لأن كل فعل لم يشهد به
شاهدان (١).
تعارض الشهادات :
٥٥ - قد یکون کل من الخصمین مدعيا
ويقيم على دعواه بينة (شهادة) كاملة ، فإما
أن تكون الدعوى في ملك مطلق أو في ملك
مقيد بذكر سبب التملك .
فإن كانتا في ملك مطلق،لم یذکر فیه سبب
التملك، ولم يبين في الدعوى تاريخا على ما
ذكره الحنفية،فإما أن يكون الشییء المدعى به
في يد أحدهما أو في يد غیرهما أو في يدهما
معا .
٥٦ - أ - فإن كان الشيء في يد أحدهما :
فبينة الخارج أولى من بينة ذي اليد (٢)
عند الحنفية وهي الرواية المشهورة عن
أحمد (٣) لقوله وَله: ((البينة على المدعي
واليمين على المدعى عليه)) (٤).
ولأن المدعي هو الذي يدعي مافي يد غيره
وذو اليد مدعى عليه ، فجعل جنس البينة
(١) المغني ١٢ / ١٣١.
(٢) ذو اليد : هو الذى وضع يده على عين بالفعل أو الذى
ثبت تصرفه تصرف الملاك . والخارج هنا هو المدعي ، أو
هو البريء عن وضع اليد ، والتصرف على الوجه المشروع
- كما في المجلة . (م ١٧٥٧) .
(٣) الهداية ١٥٧/٣، الاختيار لتعليل المختار
١١٧،١١٦/٢، ومجلة الأحكام العدلية المادة (١٧٥٧
و ١٦٧٩، ١٦٨٠)، المغني ١٢ /١٦٧، ١٦٨.
(٤) الحديث تقدم تخريجه ف ٦ .
- ٢٤٦ -

شهادة ٥٦ - ٥٧
في جانب المدعي ، وهو الذي يدعي مافي يد
غيره ، وهو الخارج ، فتقبل بينته وترد بينة
اليد ، ولأنها أكثر إثباتا ، لأنها تثبت الملك
للخارج ، وبينة ذي اليد لاتثبته ، لأن الملك
ثابت له باليد ، وإذا كانت أكثر إثباتا كانت
أقوى .
وذهب المالكية (١) والشافعية (٢): إلى
ترجيح بينة ذي اليد ، لأن البينتين
متعارضتان ، فتبقى اليد دليلا على الملك ،
ودليلهم على ذلك ماروي: أن النبي وَلآل
اختصم إليه رجلان في دابة أوبعير، فأقام
كل واحد منهما البينة بأنها له نتجها ، فقضى
بها رسول الله آل﴾ للذي هي في یده (٣).
٥٧ - ب - أما إذا كان الشيء في يد غيرهما :
فقد ذهب الحنفية (٤) إلى أنه ينظر: إن
لم يؤرخا وقتا: قضي بالشيء بينهما نصفين
لاستوائهما في السبب ، وكذا إذا أرخا وقتا
بعينه . وإذا أرخت إحداهما تاريخا أسبق من
الثانية: فالأسبق أولى ، لانهما يعتبران
(١) تبصرة الحكام ٣٠٩/١، والشرح الصغير ٣٠٧/٤ ،
والمغني ١٦٨/١٢.
(٢) المهذب ٣١٢/٢، مختصر المزني ٢٦١/٥.
(٣) حديث ((أن النبي ◌َّ* اختصم اليه رجلان في دابة أو
بعير .. )).
أخرجه الدارقطني (٤ /٢٠٩ - ط دار المحاسن) من
حديث جابر، وضعف إسناده ابن حجر في التلخيص
(٤ /٢١٠ - ط شركة الطباعة الفنية).
(٤) الاختيار ١١٨/٢ .
خارجين ، لوجودها عند غيرهما ، فينطبق
علیھما وصف (المدعي) فتسمع بينتهما ،
ويحكم للأسبق ؛ لأن الأسبق يثبت الملكية في
وقت لاينازعه فيه أحد .
وذهب المالكية إلى أنه: إن تعذر ترجيح
إحدى البينتين بوجه من المرجحات ، والحال؛
أن المتنازع فيه في يد غيرهما : سقطتا ؛
لتعارضهما ، وبقي المتنازع فيه بيد حائزه .
وفي ذلك صور متعددة (١) .
وذهب الشافعية : إلى أنه إذا ادعى كل
منهما عينا وهي في يد ثالث ، وهو منكر ولم
ينسبها لأحدهما ، وأقام كل منهما بينة ،
وكانتا مطلقتي التاريخ أو متفقتيه ، أو
إحداهما مطلقة والأخرى مؤرخة : سقطت
البينتان ، لتناقض موجبيهما ولا مرجح،
ويحلف صاحب اليد لكل منهما يمينا .
وفي قول: تستعمل البينتان ، وتنزع العين
ممن هي في يده ، وعلى هذا تقسم بين
المدعيين مناصفة في قول ، وفي قول آخر
يقرع بينهما ، ويرجح من خرجت قرعته .
وفي قول ثالث : توقف حتى يبين الأمر أو
يصطلحا على شيء (٢).
وذهب الحنابلة : إلى أنه إن أنكر الثالث
(١) الشرح الصغير ٣٠٩/٤.
(٢) مغني المحتاج ٤ / ٤٨٠ .
- ٢٤٧ -

شهادة ٥٧ - ٥٩
دعوى المدعيين ، فقال: ليست لهما ولا
لأحدهما: أقرع بين المدعيين ، وإن كان
لأحدهما بینة : حکم له بها ، وإن کان لکل
من المدعيين بينة: تعارضتا لتساوبهما في عدم
اليد ، فتسقطان لعدم إمكان العمل
بإحداهما (١).
٥٨ - ج - أما إذا كان الشيء في يدهما معا :
فقد ذهب الحنفية (٢) إلى التفصيل:
فإن لم تؤرخا تاریخا ، وکذا إذا أرختا تاريخا
معینا وکان تاريخهما سواء : قضي لكل واحد
منهما بالنصف الذي في ید الآخر، لأن كل
واحد بالنسبة لهذا النصف خارج فهو مدع
والبينة للمدعي .
وإن أرخت إحداهما دون الأخرى: قضي
بينهما نصفين عند أبي حنيفة ومحمد، ولاعبرة
بالتاريخ للاحتمال ، وعند أبي يوسف هو
لصاحب التاريخ .
وذهب الشافعية (٣): إلى بقاء العين في
أيديهما كما كانت على الصحيح ، وهو تساقط
البينتين ، إذ ليس أحدهما بأولى بها من
الآخر ، وقيل : تجعل بينهما على قول القسمة ،
(١) شرح منتهى الإرادات ٥٢٦/٣، ٥٢٧.
(٢) الاختيار ١١٨/٢ .
(٣) انظر المصادر السابقة وانظر نهاية المحتاج ٣٣٩/٨،
ومغني المحتاج ٤ /٤٨٠ .
ولايجيء القول بالوقف ، إذ لا معنى له ،
وفي القرعة وجهان .
وذهب الحنابلة: إلى أن المتنازعين إن كان
لكل منهما بینة وتساوت البینتان من کل وجه:
تعارضتا وتساقطتا ؛ لأن كلا منهما تنفي
ماتثبته الأخرى ، فلا يمكن العمل بهما ، ولا
بإحداهما فتتساقطان ، ويصير المتنازعان
کمن لابينة له ، فیتحالفان ، ویتناصفان ما
بأيديهما(١).
وذهب بعض المالكية : إلی ترجيح إحداهما
بزيادة العدالة في البينة الأصلية لا المزکیة، وفي
رأي بعضهم ترجح بزيادة العدد إذا أفادت
الكثرة العلم، بحيث تكون الكثرة جمعا
يستحيل تواطؤهم على الكذب .
٥٩ - وإن كانتا في ملك مقيد بسببه :
وذلك بأن يذكر الملك عن طريق الإِرث
مثلا أو عن طريق الشراء أو النتاج .
ففي الإِرث يقضى به للخارج ، إلا إذا
كانت إحداهما أسبق ، فيقضى به
للأسبق .
أما إذا كانا خارجين، بأن كان الشيء عند
غيرهما: فيقسم الشيء بينهما، أو يقضى به
للأسبق إذا ذكرا تاريخا .
وفي الشراء : إذا ادعى كل واحد منهما
(١) شرح منتهى الإرادات ٥٢٣/٣.
- ٢٤٨ -

شهادة ٥٩ - ٦٠
الشراء من صاحبه ولا تاريخ لهما ، وكذا إن
أرخا وتاريخهما سواء ، تعارضتا وسقطتا ،
ويترك الشيء للذي في يده(١).
أما إذا كان أحدهما أسبق: فإنه یقضی
له ، وإذا ادعيا الشراء من شخص آخر
يقضى لهما بالشيء نصفين .
وفي النتاج : بأن يذكر أن هذه الناقة
نتجت عنده، أي : ولدت في ملكه ، فیکون
صاحب اليد أولى إذا لم يؤرخا ، أو أرخا وقتا
واحدا ، لأن النتاج لا يتكرر .
لما روي: أن رجلين اختصما في ناقة، فقال
كل واحد منهما : نتجت هذه الناقة عندي
وأقاما بينة فقضى رسول الله أَلير للذي هي في
يده (٢).
أما ما يتكرر سببه ، كالبناء ، والنسج ،
والصنع ، والغرس : فبينة الخارج أولى .
أما إذا ذكر أحدهما الملك والآخر النتاج :
فبينة النتاج أولى لأنها تثبت أولية الملك
لصاحبه .
(١) تبصرة الحكام ٣٠٩/١.
(٢) حديث أن رجلين اختصما في ناقة ... رواه الدارقطني من
حديث جابر (سنن الدارقطني ٢٠٩/٤ الحديث ٢١)
والبيهقي (السنن الكبرى ٢٥٦/١٠) . وانظر الدر
المختار ورد المحتار (٤ /٤٣٨ - ٤٤٠)، ومجلة الأحكام
العدلية المادة ١٧٥٨ وما بعدها ، والشرح الصغير
٣٠٥/٤، ٣٠٦، وانظر نهاية المحتاج ٣٣٩/٨ ،
ومصطلح (تعارض ف: ٩) والمغني ١٢ /١٨٧.
وجاء في مجلة الأحكام العدلية مايلي :
أ - إذا ادعى أحد الشخصين الملك
بالاستقلال وادعى الآخر الملك بالاشتراك في
مال ، والحال أن كلا منهما متصرف أي ذو
يد : فبينة الاستقلال أولى .
ب - ترجح بينة التمليك على بينة
العارية .
ج - ترجح بينة البيع على بينة الهبة
والرهن والإِجارة وترجح بينة الإِجارة على بينة
الرهن .
د - ترجح بينة الصحة على بينة مرض
الموت ..
هـ - ترجح بينة العقل على بينة الجنون أو
العته .
و- ترجح بينة الحدوث على بينة
القدم (١) .
كثرة العدد وقوة عدالة الشاهد :
٦٠ - إذا أقام كل واحد من المتداعيين بينة
على ما ادعاه ولم يكن بين البينتين من
المرجحات سوى كثرة احداهما على الأخرى
بأن كانت الأولى عشرة شهود وكانت الثانية
شاهدین فقط ، أو ترجحت إحداهما بزيادة
العدالة بأن كانت أظهر زهدا وأوفر تحرجا من
الأخرى .
(١) انظر مجلة الأحكام العدلية (المادة ١٧٥٦ ومابعدها).
- ٢٤٩ -

شهادة ٦٠ - ٦١
فهل تترحج إحداهما على الأخرى ؟ .
ذهب بعض الفقهاء من المالكية (١) إلى
ترجيحها بزيادة العدد وقوة العدالة .
وذهب الحنفية (٢) والحنابلة، وهو المذهب
عند الشافعية (٣)، وقول جمهور المالكية (٤): إلى
أنه لا يغلب الحكم بالبينة الزائدة في العدد
والعدالة وإنما هما سواء ، لأن الله تعالى نص
على عدد الشهادة بقوله : ﴿ واستشهدوا
شهیدین من رجالكم ﴾ (٥) .
وبقوله : ﴿ وأشهدوا ذوى عدل
منكم﴾ (٦).
فمنع النص من الاجتهاد في الزيادة
والنقصان ، ولأنه لما جاز الاقتصار على
الشاهدین مع وجود من هو أكثر ، وعلى قبول
العدل مع من هو أعدل ، دل على أنه لاتأثیر
لزيادة العدد وقوة العدالة (٧).
(١) انظر حاشية الدسوقي ١٧٧/٤، وتبصرة الحكام
٣٠٩/١.
(٢) الهداية ١٧٣/٣، نتائج الأفكار (تكملة فتح االقدير)
٢٤٣/٦، والدر المختار ٤٤٠/٤، والمغني
١٧٦/١٢ .
(٣) مختصر المزني: ٢٦١/٥، الأم ٢٥١/٦ - ٢٥٢،
الشهادات من الحاوي للماوردي الفقرة
٥٠٤٤ _ ٥٠٤٥.
(٤) المدونة الكبرى ١٨٨/٥، تبصرة الحكام ٣٠٩/١
(٥) سورة البقرة / ٢٨٢ .
(٦) سورة الطلاق / ٢ .
(٧) الشهادات من الحاوي للماوردي الفقرة : ٥٠٥٠ .
شهادة الأبداد :
٦١ - الأبداد : هم المتفرقون ، واحدهم
بدّ ، من التبديد ، لأن الشهود شهدوا في
ذلك متفرقين ، واحد هنا وآخر في موضع
آخر، وواحد الیوم وواحد غدا ، وواحد
على معنى ، وواحد على معنى أخر .
قال المالكية : الذين انفردوا ببيان أحكام
هذه الشهادة : تجوز شهادة الأبداد في
النكاح ، وهي أن لا يجتمع الشهود على
شهادة الولي والزوج ، بل إنما عقدوا
وتفرقوا ، وقال كل واحد لصاحبه : (أشهد
من لقیت) هكذا فسروه بناء على المشهور من
المذهب ، أن الشهادة ليست شرطا في صحة
العقد .
فتتم عندهم بشهادة ستة شهود : منهم
اثنان على الولي ، واثنان على الزوج ، واثنان
على الزوجة إن كانت ثيبا : وفي البكر
ذات الأب تتم بأربعة : منهم شاهدان على
الزوج وشاهدان على الولي .
وأما إن أشهد كل واحد منهم الشهود
الذين أشهدهم صاحبه مرة بعد مرة فليست
شهادة أبداد .
قال ابن الهندي : شهادة الأبداد لاتعمل
شيئا ، إذا شهد كل واحد منهم بغير نصٍّ
ماشهد به صاحبه ، وإن كان معنى جميع
- ٢٥٠ -

شهادة ٦١ - ٦٣
شهاداتهم واحدا ، حتی یتفق منهم شاهدان
على نص واحد .
لكن في المذهب خلاف فيما قاله ابن
الهندي، ففي أحكام ابن سهل سُئل مالك
عن شاهدين شهد أحدهما في منزل أنه
مسكن هذا ، وشهد آخر أنه حيزه ، فقال
خصمه : قد اختلفت شهادتهما . فقال
مالك : مسكنه وحيزه شهادة واحدة لا
تفترق (١).
شهادة الاستخفاء أو الاستغفال :
٦٢ - المستخفي هو الذي يخفي نفسه عن
المشهود عليه ليسمع قراره ولا يعلم به ، كأن
يجحد الحق علانية ويقر به سرا ، فيختبيء
شاهدان في موضع لايعلم بهما المقر ليسمعا
إقراره ، وليشهدا به من بعد ، فشهادتهما
مقبولة عند جمهور الفقهاء ورواية عن أحمد .
وقيده المالكية بما إذا كان المشهود عليه غير
مخدوع ولا خائن لأن الحاجة تدعو إليه .
وذهب بعضهم وهي الرواية الثانية عن
أحمد: إلى أنه لاتسمع شهادة المستخفي (٢)؛
لأن الله تعالى يقول : ﴿ولاتجسسوا﴾ (٣).
(١) تبصرة الحكام بهامش فتح العلي المالك ٣٣٨/١.
(٢) الشرح الكبير ١٨/١٢، المغني ١٢ / ١٠١، الإنصاف
في معرفة الراجح من الخلاف ٢٢/١٢، روضة الطالبين
للنووي ٢٤٣/١١، تبصرة الحكام ٣٧٨/١
وسماها (شهادة الاستغفال) البيان والتحصيل ٥٦/١٠.
(٣) سورة الحجرات / ١٢ .
شهادة الزور :
٦٣ - شهادة الزور من الكبائر (١). ولا يجوز
العمل بها ولا تقبل شهادته فيما بعد لحديث
أبي بكرة قال: قال النبي وسلم: ((ألا
أنبئكم بأكبر الكبائر (ثلاثا) قالوا : بلى
يارسول الله . قال : الإِشراك بالله ، وعقوق
الوالدين - وجلس وكان متكئا - فقال: ألا
وقول الزور. قال : فما زال يكررها حتى
قلنا : لیته سكت ))(٢).
ولأن فيها رفع العدل ، وتحقيق الجور .
فإذا أقر شخص أنه شهد بزور أو قامت
البينة على ذلك ، قال أبو حنيفة : (٣) يشهر
به في السوق ، إن کان من أهل السوق أو في
قومه أو محلته بعد صلاة العصر في مكان
يجتمع فيه الناس ، ويقال : إنا وجدنا هذا
شاهد زور فاحذروه وحذروا الناس منه (٤).
(١) انظر كتاب (الكبائر) للذهبي وقد جعل فيه شهادة الزور
الكبيرة الثامنة عشرة فيه (ص ٨٦) .
(٢) حديث: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر .... ))
أخرجه البخاري (الفتح ٢٦١/٥ - ط السلفية) ومسلم
(٩١/١) - ط . الحلبي).
(٣) الهداية ١٣٢/٣، فتح القدير ٨٣/٦.
(٤) قوله: (( ويقال إنا وجدنا هذا شاهد زور .. )) أصل ذلك
ماورد عن الصحابة والتابعين أنهم كانوا يفعلون ذلك انظر
أخبار القضاة لوكيع ١٩/٢، ٨٩/٣، المصنف
لعبد الرزاق الصنعاني ٣٢٥/٨ -٣٢٦ الأحاديث
١٥٣٨٨ - ١٥٣٩٠، جامع مسانيد الإِمام الأعظم
٢٧٤/٢، المبسوط ١٤٥/١٦، سنن البيهقي الكبرى
١٤١/١٠ - ١٤٢، الدراية ١٧٢/٢.
- ٢٥١ -

شهادة ٦٣ - ٦٤
.....
ولا يجبس ولا يعزر بالضرب لتحقق
المقصد وهو الانزجار .
وكان شريح يشهره ولا يضربه (١).
وقال أبو يوسف ومحمد : نوجعه ضربا
ونحبسه (٢).
وعند الشافعية : للإِمام أن يعزر شاهد
الزور بالضرب أو الحبس أو الزجر ، وإن
رأی أن یشهر أمره فعل (٣) لما روي عن عمر-
رضي الله عنه - أنه ضرب شاهد الزور أربعین
سوطا وسخم وجهه (٤) أي : سوده .
ولأن هذه كبيرة يتعدى ضررها إلى
العباد ، ولیس فيها حد مقدر فيعزّر .
وذهب المالكية (٥) والحنابلة (٦): إلى تعزيره
وضربه وأن يطاف به في المجالس .
وعلى كل حال إذا ثبت زوره ردت
شهادته ، ونبّه الناس على حقيقته .
وتبین أن الحکم المبني على شهادته کان
(١) انظر ذلك في أخبار القضاة ٢١٩/٣ - ٢٢٠، المبسوط
١٦ /١٤٥ .
(٢) الهداية ١٣٢/٣، فتح القدير ٨٣/٦.
(٣). المهزهب ٣٣٠/٢.
(٤) قوله : « لما روي عن عمر أنه ضرب شاهد الزور .. )) رواه
البيهقي في السنن الكبرى ١٤٢/١٠، بسنده عن
مکحول عن عمر .
(٥) المدونة الكبرى ٢٠٣/٥، تبصرة الحكام ٣١٤/٢ .
(٦) منتهى الإرادات : ٦٧٨، الإنصاف في معرفة الراجح من
الخلاف ١٠٧/١٢ المغني ١٥٣/١٢، الشرح الكبير
١٣١/١٢ .
٠٠ ٥-٠٫٫٩٠
باطلا (١) لقول الرسول مَ الية ((اذكروا
الفاسق بما فيه ليحذره الناس)) (٢)
والمسلمون وأهل الذمة في حكم شهادة الزور
سواء ، لقيام الأهلية في حقهم جميعا فيما
تعلق بشهادة الزور (٣).
وإذا تاب شاهد الزور ومضت على ذلك
مدة ظهرت فيها توبته ، وتبين صدقه
وعدالته : قبلت شهادته عند الحنابلة (٤) وبه
قال أبو حنيفة (٥) والشافعي (٦).
وقال مالك : (٧) لاتقبل شهادته أبدا ،
لأن ذلك لایؤمن منه .
شهادة الحسبة :
٦٤ - يقصد بها أن يؤدي الشاهد شهادة
تحمّلها ابتداء لابطلب طالب ولا بتقدم
دعوى .
ومعنى (حسبة) أي احتسابا لوجه الله
تعالى .
(١) الشرح الكبير ١٣٣/١٢.
(٢) حديث: ((اذكروا الفاسق بما فيه .. ))
رواه ابن أبي الدنيا ، وابن عدي ، والخطيب ، من
حديث معاوية بن حيدة ، ورواه بعضهم عن عائشة :
(كشف الخفاء ١١٤/١ الحديث ٢٠٥) .
(٣) المبسوط ١٦ /١٤٦.
(٤) الشرح الكبير ١٣٣/١٢.
(٥) المبسوط ١٤٦/١٦، فتح القدير ٨٤/٦ .
(٦) المهذب ٣٢٩/١، المجموع ٢٤٩/٢، روضة
الطالبين ٢٤٩/١١ .
(٧) المدونة الكبرى ٢٠٣/٥.
- ٢٥٢ -

شهادة ٦٣ ، شهادة الاسترعاء ، شهادة الزور ١ - ٢
وتقبل شهادة الحسبة في كل ما تمحض
حقا لله تعالى ، كالزنى ، والشرب والسرقة ،
وقطع الطريق ، والزكاة ، والكفارة ،
والطلاق ، والاستيلاد ، والوقف على
الفقراء وعامة المسلمين وغير ذلك من الأمور
العامة . (انظر : حسبة) .
شهادة الاسترعاء
انظر : استرعاء
-
شهادة الزور
التعريف :
١ - شهادة الزور: مركب إضافي يتكون من
كلمتين هما : الشهادة ، والزور .
أما الشهادة في اللغة ، فمن معانيها :
البيان ، والإِظهار، والحضور، ومستندها
المشاهدة إما بالبصر أو بالبصيرة .
وأما الزور فهو الكذب والباطل ، وقيل:
هو شهادة الباطل ، يقال : رجل زور وقوم
زور : أي ممّه بكذب (١).
وشهادة الزور عند الفقهاء : هي الشهادة
بالكذب ليتوصل بها إلى الباطل من إتلاف
نفس ، أو أخذ مال ، أو تحلیل حرام أو
تحریم حلال (٢).
الحكم التكليفي :
٢ - لا خلاف بين الفقهاء في أن شهادة الزور
(١) المفردات في غريب القرآن ، ولسان العرب ، ومختار
الصحاح، والمصباح المنير مادة ((شهد)).
(٢) حاشية الصحطاوي على الدر المختار ٢٦٠/٣ ط دار
المعرفة ، بيروت ، والعناية بهامش فتح القدير ٢٢٦/٣
ط بولاق ، ومواهب الجليل ١٢٢/٦ ط دار الفكر
بيروت ، وفتح الباري ٤١٢/١٠ ط الرياض الحديثة ،
والقرطبي ١٢ / ٥٥ ط دار الكتب سنة ١٩٦٤ .
- ٢٥٣ -

شهادة الزور ٢ - ٣
من أكبر الكبائر وأنه محرم شرعا ، قد نهى الله
تعالي عنها في كتابه مع نهيه عن الأوثان فقال
الله تعالي : ﴿ فاجتنبوا الرجس من الأوثان
واجتنبوا قول الزور﴾ (١) ، وقد روي عن
خريم بن فاتك الأسدى: أن النبي ◌ُّ صلى
صلاة الصبح فلما انصرف قام قائما ، فقال :
« عدلت شهادة الزور الإشراك بالله ( ثلاث
مرات ) ثم تلا هذه الآية : ﴿ واجتنبوا قول
الزور حنفاء لله غير مشرکین به﴾ (٢).
وروى أبو بكرة - رضي الله عنه - عن
النبي﴾ أنه قال: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر؟
قلنا: بلى يا رسول الله، قال ثلاثاً: الإِشراك
بالله، وعقوق الوالدين ۔ وکان متكئا - فقال:
ألا وقول الزور، وشهادة الزور، ألا وقول
الزور، وشهادة الزور فما زال يقولها حتى
قلت: لا يسكت)) (٣).
وروي عن ابن عمر- رضي الله عنهما - عن
النبي و لر أنه قال: ((لن تزول قدما شاهد
الزور حتى يوجب الله له النار)) (٤).
(١) سورة الحج / ٣٠ - ٣١ .
(٢) حديث: ((عدلت شهادة الزور الإِشراك بالله)).
أخرجه ابن ماجه (٧٩٤/٢ - ط الحلبي) وأعله ابن حجر
في التلخيص (٤ /٩٠ - ط شركة الطباعة الفنية ) بقوله :
(( إسناده مجهول )).
(٣) حديث: ((ألا أنبئكم بأكبر الكبائر ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ٤٠٥/١٠ - ط السلفية) ،
ومسلم (١ / ٩١ - ط الحلبي ).
(٤) حديث: ((لن تزول قدما شاهد الزور)).
=
فمتى ثبت عند القاضي أو الحاكم عن
رجل أنه شهد بزور عمدا عزره باتفاق
الفقهاء ، مع اختلافهم في كيفية
التعزير (١) ، وسيأتي آراء الفقهاء فيها .
بم تثبت شهادة الزور ؟
٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن شهادة الزور
لا تثبت إلا بالإقرار، لأنه لا تتمكن تهمة
الكذب في إقراره على نفسه ، أو بأن یشهد بما
يقطع بكذبه: بأن يشهد على رجل بفعل في
الشام في وقت ، ويعلم أن المشهود عليه في
ذلك الوقت في العراق ، أو یشهد بقتل رجل
وهو حيّ ، أو أن هذه البهيمة في يد هذا منذ
ثلاثة أعوام وسنها أقل من ذلك ، أو يشهد
على رجل أنه فعل شيئا في وقت وقد مات قبل
ذلك ، أو لم يولد إلا بعده وأشباه هذا مما
یتیقن بكذبه ويعلم تعمده لذلك .
= أخرجه ابن ماجه (٩٧٤/٢ - ط الحلبي) وقال
البوصيري: (( إسناده ضعيف)) كذا في مصباح الزجاجة
(٣٨/٢ - ط دار الجنان).
(١) العناية بهامش فتح القدير ٨٤/٦ ط بولاق، والمبسوط
للسرخسي ١٤٥/١٦ ط دار المعرفة بيروت ، وبدائع
الصنائع ٢٨٩/٦ - ٢٩٠ ط دار الكتاب العربي ،
وأحكام القرآن للجصاص ٤١/٣، وتبيين الحقائق
٢٢٣/٤ ط دار المعرفة بيروت ، والشرح الصغير ٧٤٤/٤
ط دار المعارف بمصر، والقرطبي ١٢ / ٥٥ ط الكتاب ،
وروضة الطالبين ١٤٥/١١ ط المكتب الإسلامي ،
والمهذب ٣٢٩/٢ ط دار المعرفة . بيروت ، والقليوبي
وعميرة ٣١٩/٤ ط عيسى الحلبي ، والمغني ٩/ ٢٦٠ ط
الرياض ، وإعلام الموقعين ١ /١١٩ ط دار الجيل .
- ٢٥٤ -

٠٠
شهادة الزور ٤ - ٦
٤ - ولا تثبت بالبينة ، لأنها نفي لشهادته ،
والبينة حجة للإِثبات دون النفي ، وقد
تعارضت البينتان فلا يعزر في تعارض
البينتين ، أو ظهور فسقه أو غلطه في
الشهادة ، لأن الفسق لا يمنع الصدق ،
والتعارض لا يعلم به کذب إحدی البينتين
بعينها ، والغلط قد يعرض للصادق العدل
ولا يتعمده فيعفى عنه (١). وقد قال الله
تعالي : ﴿ وليس عليكم جناح فيما أخطأتم
به ولکن ما تعمدت قلوبکم ﴾ (٢).
قال الشيرازي من الشافعية وابن فرحون
من المالكية : تثبت شهادة الزور من ثلاثة
أوجه :
أحدها : أن يقرّ أنه شاهد زور .
والثاني : أن تقوم البينة أنه شاهد زور.
والثالث : أن يشهد ما يقطع بكذبه .
وإذا ثبت ذلك بالبينة فعليه العقوبة سواء
أكان ذلك قبل الحكم أم بعده (٣).
كيفية عقوبة شاهد الزور :
٥ - لما كانت الشريعة لم تقدر عقوبة محددة
(١) المبسوط السرخسي ١٤٥/١٦، وفتح القدير ٨٣/٦ ،
وتبيين الحقائق ٢٤١/٤ ومواهب الجليل ١٢٢/٦،
وروضة الطالبين ١٤٥/١١، وأسنى المطالب
٣٥٨/٤، والمغني ٢٦٢/٩.
(٢) سورة الأحزاب آية : ٣٣ .
>
(٣) المهذب ٣٢٩/٢ ط دار المعرفة بيروت، وتبصرة الحكام
٥٢/٢.
لشاهد الزور فإن هذه العقوبة هي التعزير،
وقد اختلف الفقهاء في عقوبة شاهد الزور
من حيث تفصيلات هذه العقوبة لا من
حیث مبدأ عقاب شاهد الزور بالتعزير، إذ
أنه لا خلاف عند الفقهاء في تعزیره. إذا ثبت
عند الحاکم عن رجل أنه شهد بزور عمدا
عزره وجوبا وشھر به ، روي ذلك عن عمر-
رضي الله عنه - وبه قال شريح وسالم بن
عبد الله والأوزاعي وابن أبي ليلى . واختلفوا
في كيفية التعزير، فقال الشافعية والحنابلة
وبعض المالکیة : تأدیبشاهد الزور مفوض
إلی رأی الحاکم إن رأی تعزیره بالجلد جلده،
وإن رأى أن يحبسه، أو كشف رأسه وإهانته
وتوبيخه فعل ذلك ، ولا یزید في جلده علی
عشر جلدات ، وقال الشافعي : لا يبلغ
بالتعزير أربعين سوطا . وأما كيفية التشهير به
بين الناس: فإن الحاكم يوقفه في السوق إن
کان من أهل السوق، أو محلة قبيلته إن كان
من أهل القبائل ، أو في مسجده إن كان من
أهل المساجد ، ويقول الموكل به : إن
الحاكم يقرأ عليكم السلام ويقول: هذاشاهد
زور فاعرفوه .
٦ - ولا یسخم وجه (أی یسوّده) لأنهمثله، وقد
نهى النبي ◌َله عن المثلة (١)، ولا يركبه
(١) حديث: ((نهي النبي ◌َّر عن المثلة)).
=
- ٢٥٥ _

شهادة الزوره ٦ - ٧ - ٧ م
مقلوبا ، ولا يكلّف الشاهد أن ينادي على
نفسه ، وفي الجملة ليس في هذا تقدیر
شرعي فللحاكم أن يفعل مما يراه - مالم يخرج
إلى مخالفة نص أو معنى نص (١).
٧ - وقال أبو يوسف ومحمد وبعض المالكية :
إذا ثبت عند القاضي أو الحاكم عن رجل أنه
شهد بالزور عوقب بالسجن والضرب،
ویطاف به في المجالس ؛ لما روى عن عمر-
رضي الله عنه - أنه ضرب شاهد زور أربعین
سوطا وسخم وجهه . وعن الوليد بن أبي
مالك أن عمر رضي الله عنه کتب إلى عماله
بالشام : إذا أخذتم شاهد الزور فاجلدوه
بضرب أربعینسوطا، وسخموا وجهه وطوفوا به
حتى يعرفه الناس ، ويحلق رأسه ويطال
حبسه ، لأنه أتى كبيرة من الكبائر للحديث
السابق .
وقد قرن الله تعالی بین شهادة الزور وبین
الشرك ، فقال : ﴿ فاجتنبوا الرجس من
الأوثان واجتنبوا قول الزور﴾ (٢)، ولأن هذه
= أخرجه البخاري (الفتح ١١٩/٥ - ط السلفية) من
حدیث عبد الله یزید .
(١) المدونة ٢٠٣/٦ ط دار صادر بيروت ، وتبصرة الحكام
٢١٣/٢ ط دار الكتب العلمية ، والشرح الصغير
٢٠٦/٤ ط دار المعارف بمصر، والمهذب ٣٣٠/٢،
وروضة الطالبين ١٤٤/١١ - ١٤٥، والمغني ٢٦٠/٩ -
٢٦٢ ط الرياض .
(٢) سورة الحج / آية : ٣٠ .
الكبيرة يتعدى ضررها إلى العباد بإتلاف
أنفسهم وأعراضهم وأموالهم (١).
٧ م - وقال أبو حنيفة: إذا أقر الشاهد أنه
شهد زورا: یشھر به في الأسواق إن كان
سوقیا ، أو بین قومه إن كان غير سوقي ،
وذلك بعد صلاة العصر في مكان تجمع
الناس ، ويقول المرسل معه : إنا وجدنا هذا
شاهد زور فاحذروه ، وحذروه الناس ، ولا
يعزر بالضرب أو الحبس ، لأن شريحا كان
یشهر شاهد الزور ولا يعزره ، وكان قضاياه
لا تخفى عن أصحاب رسول الله بَلور، ولم
ينقل أنه أنكر عليه منكر، ولأن المقصود هو
التوصل إلى الانزجار؛ وهو يحصل بالتشهير،
بل ربما يكون أعظم عند الناس من
الضرب ، فيكتفى به ، والضرب وإن كان
مبالغة في الزجر لكنه يقع مانعا عن الرجوع
فوجب التخفيف نظرا إلى هذا الوجه (٢).
(١) بدائع الصنائع ٢٨٩/٦ - ٢٩٠، وفتح القدير ٨٣/٦،
والبحر الرائق ١٢٥/٧، وأحكام القرآن للجصاص
٢٤١/٣، وتبيين الحقائق ٢٤٢/٤، وشرح العناية
بهامش فتح القدير ٨٤/٤ ، وابن عابدين ٣٩٥/٤ ،
والشرح الصغير ٢٠٦/٤، والقوانين الفقهية ص ٢٠٣
ط دار القلم بيروت ، وتبصرة الحكام ٢١٣/٢ .
(٢) البحر الرائق ١٢٥/٧ - ١٢٦، وتبيين الحقائق
٢٤٢/٤، والعناية بهامش فتح القدير ٤ /٨٤، وحاشية
الطحطاوي على الدر المختار ٢٦٠/٣، والبدائع
٢٨٩/٦ - ٢٩٠ .
- ٢٥٦ -

شهادة الزور ٧ م - ١٠
وذکر الزيلعي نقلا عن الحاکم أبي محمد
الكاتب : أن هذه المسألة على ثلاثة أوجه :
أحدها : أن يرجع على سبيل التوبة والندامة،
فإنه لا يعزر بإجماع أئمة الحنفية . والثاني :
أن يرجع من غيرتوبة، وهو مصر على ما كان
منه فإنه يعزر باجماعهم . والثالث : أن لا
يعلم رجوعه بأي سبب فإنه على الاختلاف
الذی ذکرنا (١).
القضاء بشهادة الزور :
٨ - ذهب جمهور الفقهاء من المالكية
والشافعية والحنابلة ، وأبو یوسف ومحمد وزفر
من الحنفية وإسحاق وأبو ثور: إلى أن قضاء
الحاكم بشهادة الزور ينفذ ظاهرا لا باطنا ،
لأن شهادة الزور حجة ظاهرا لا باطنا فينفذ
القضاء كذلك لأن القضاء ينفذ بقدر
الحجة ، ولا يزيل شيئا عن صفته الشرعية ،
سواء العقود من النكاح وغيره والفسوخ ، فلا
يحل للمقضي له بشهادة الزور ما حكم له به
من مال أو بضع أو غيرهما (٢)، لقوله الير:
(( إنما أنا بشر، وإنكم تختضمون إلىّ ولعل
بعضكم أن یکون الحن بحجته من بعض ،
فأقضى له على نحو ما أسمع ، فمن قضيت
(١) تبيين الحقائق ٢٤٢/٤.
(٢) ابن عابدين ٣٣٣/٤، والشرح الصغير ٢٩٥/٤،
وروضة الطالبين ١٥٢/١١، والقليوبي ٣٠٤/٤،
والمهذب ٣٤٣/٢، والمغني ٩ / ٦٠ .
له من حقّ أخيه شيئا فلا يأخذه فإنما أقطع
له قطعة من النار)) (١).
وقال أبو حنيفة وأحمد في رواية : ينفذ
القضاء بشهادة الزور ظاهرا وباطنا في العقود
والفسوخ حيث كان المحل قابلا ، والقاضي
غير عالم بزورهم ، لقول عليّ - رضي الله
عنه - لامرأة أقام عليها رجل بينة على أنه
تزوجها ، فأنكرت فقضی له عليّ - رضي الله
عنه - فقالت له : لم تزوجني ؟ أما وقد
قضيت عليّ فجدد نكاحى ، فقال :
لا أجدد نكاحك، الشاهدان زوجاك ؛ فلو لم
ينعقد النكاح بينهما باطنا بالقضاء لما امتنع
من تجديد العقد عند طلبها .
٩ - وأما في الأملاك المرسلة (أي التي لم يذكر
لها سبب معين) فإن الفقهاء أجمعوا على أنه
ينفذ ظاهرا لا باطنا ، لأن الملك لابد له من
سبب وليس بعض الأسباب بأولى من
البعض لتزاحمها فلا يمكن إثبات السبب
سابقا على القضاء بطريق الاقتضاء (٢).
تضمین شهود الزور :
١٠ - متى علم أن الشهود شهدوابالزور: تبين
أن الحكم كان باطلا ، ولزم نقضه وبطلان
(١) حديث: ((إنما أنا بشر وانكم تختصمون إلي .. )).
أخرجه البخاري (الفتح ٣٣٩/١٢ - ط السلفية) ومسلم
(١٣٣٧/٣ - ط الحلبي) من حديث أم سلمة .
(٢) ابن عابدين ٣٣٣/٤، والمغني ٦٠/٩.
- ٢٥٧ -

شهادة الزور ١٠ - ١٢
ما حكم به ، ويضمن شهود الزور
ما ترتب على شهادتهم من ضمان . فإن
كان المحكوم به مالا : ردّ إلى صاحبه ، وإن
كان إتلافا : فعلى الشهود ضمانه ؛ لأنهم
سبب إتلافه .
وذهب الشافعية والحنابلة وأشهب من
المالكية: إلى وجود القصاص على شهود
الزور إذا شهدوا على رجل بما يوجب قتله ،
کأن شهدوا علیه بقتل عمد عدوان أو بردة أو
بزنى وهو محصن ، فقتل الرجل بشهادتهما ،
ثم رجعا وأقرا بتعمد قتله ، وقالا : تعمدنا
الشهادة عليه بالزور ليقتل أو يقطع : فيجب
القصاص عليهما ؛ لتعمد القتل بتزوير
الشهادة ، لما روى الشعبي : أن رجلین شهدا
عند علي - رضي الله عنه - على رجل بالسرقة
فقطعه ثم عادا فقالا : أخطأنا، ليس هذا هو
السارق ، فقال علي : لو علمت أنكما
تعمدتما لقطعتكما ، ولا مخالف له في
الصحابة فيكون إجماعا ، وإنهما تسببا إلى
قتله أو قطعه بما يفضي إليه غالبا فلزمهما
كالمكره . وبه قال ابن شبرمة ، وابن أبي
ليلى ، والأوزاعي ، وأبو عبيد .
١١ - وكذلك الحكم إذا شهدوا زورا بما
يوجب القطع قصاصا، فقطع أو في سرقة
لزمهما القطع ، وإذا سرى أثر القطع إلى
النفس فعليهما القصاص في النفس ، كما
يجب القصاص على القاضي إذا قضى زورا
بالقصاص ، وكان يعلم بكذب الشهود .
وتجب عليهما الدية المغلظة إذا قالا: تعمدنا
الشهادة عليه ، ولم نعلم أنه يقتل بهذا ،
وكانا مما يحتمل أن يجهلا ذلك . وتجب الدية
في أموالهما لأنه شبه عمد ولا تحمله العاقلة ،
لأنه ثبت باعترافهما والعاقلة لا تحمل
الاعتراف (١).
١٢ - وإن رجع شهود القصاص أو شهود
الحد بعد الحكم بشهادتهم وقبل الاستيفاء، لم
يستوف القود ولا الحد ؛ لأن المحكوم به
عقوبة لا سبيل إلى جبرها إذا استوفيت
بخلاف المال ، ولأن رجوع الشهود شبهة
لاحتمال صدقهم، والقود والحد يدرآن
بالشبهة ، فينقض الحكم ، ولا غرم على
الشهود بل یعزرون .
ووجبت دية قود للمشهود له ، لأن
الواجب بالعمد أحد شيئين وقد سقط
أحدهما فتعين الآخر، ويرجع المشهود عليه
بما غرمه من الدية على الشهود (٢).
(١) روضة الطالبين ٩٩/١١ - ٣٠٠، ونهاية المحتاج
٢١١/٨، والمهذب ٣٤١/٢، والمغني ٢٤٥/٩ -
٢٤٧، ٢٥١، ٢٥٥، ٢٦٢، ٦٤٥/٧ - ٦٤٦،
وكشاف القناع ٤٤٣/٦، والشرح الصغير ٢٩٥/٤ ط
دار المعارف بمصر .
(٢) المراجع السابقة .
- ٢٥٨ -

شهادة الزور ١١ - ١٣
وذهب الحنفية والمالكية عدا أشهب: إلى
أن الواجب هو الدية لا القصاص ؛ لأن
القتل بشهادة الزور قتل بالسبب ، والقتل
تسببا لا يساوي القتل مباشرة ، ولذا قصر
أثره ، فوجبت به الدية لا القصاص.(١)
١٢م - ويجب حد القذف على شهود
الزور إذا شهدوا بالزنى ويقام عليهم الحد
سواء تبين كذبهم قبل الاستيفاء أو بعده .
ويحدّون في الشهادة بالزنى حد القذف أولاً . ثم
يقتلون إذا تبيّ كذبهم بعد استيفاء الحد
بالرجم .
وذلك عند الشافعية ، لأنهم لم يقولوا
بالتداخل في هذه المسألة ، وأما عند الجمهور:
فإن كان في الحدود قتل فإنه يكتفي به ،
لقول ابن مسعود - رضي الله عنه - :
(( ما كانت حدود فيها قتل إلا أحاط القتل
بذلك كله)» ولأنه لا حاجة معه إلى الزجر
بغيره ، واستثنى المالكية من ذلك حد
القذف فقد ذكروا أنه لا يدخل في القتل ،
بل لابد من استيفائه قبله (٢).
(١) بدائع الصنائع ٢٨٥/٦، والشرح الصغير ٢٩٥/٤.
(٢) فتح القدير ٢٠٨/٤، ٢٠٩ ط بولاق ، الدسوقي
٣٤٧/٤ ط دار الفكر، وروضة الطالبين ١٠ / ١٦٤ ط
المكتب الإسلامي ، والمغني ٢١٣/٨، ٢١٤ ط
الرياض .
توبة شاهد الزور :
١٣ - ذهب الحنفية والشافعية والحنابلة
وأبو ثور: إلى أنه إذا تاب شاهد الزور وأتت
على ذلك مدة تظهر فيها توبته ، وتبین صدقه
فيها وعدالته ، قبلت شهادته . لقوله
تعالي : ﴿ إلا الذين تابوا من بعد
ذلك وأصلحوا ﴾ (١) .
ولأن النبي وَلو قال: ((التائب من
الذنب کمن لا ذنب له )) (٢).
ولأنه تائب من ذنبه؛ فقبلت توبته
كسائر التائبين .
ومدة ظهور التوبة عندهم سنة ، لأنه لا
تظهر صحة التوبة في مدة قريبة؛ فكانت أولى
المدد بالتقدير سنة ، لأنه تمر فيها الفصول
الأربعة التى تهيج فيها الطبائع وتتغير فيها
الأحوال (٣) .
وقال البابرتي من الحنفية : مدة ظهور
التوبة عند بعض الحنفية ستة أشهر، ثم
(١) سورة آل عمران آية : ٨٩.
(٢) حديث: ((التائب من الذنب كمن لا ذنب له)).
أخرجه ابن ماجة (١٤٢٠/٢ - ط الحلبي) من حديث
ابن مسعود ، وفي إسناده مقال ، ولكن حسنه ابن حجر
لشواهده ، كذا في المقاصد الحسنة للسخاوي (ص -
١٥٢ - ط الخانجي).
(٣) شرح العناية بهامش فتح القدير ٨٤/٦، وروضة
الطالبين ٢٤٥/١١، ٢٤٨، والمهذب ٣٣٢/٢،
والمغني ٢٠٢/٩ .
- ٢٥٩ -

شهادة الزور ١٣ ، شهادتان ، شهر ١
قال : والصحيح أنه مفوض إلى رأي
القاضي (١).
وقال المالكية : إن كان ظاهر الصلاح
حين شهد بالزور لا تقبل له شهادة بعد ذلك
لاحتمال بقائه على الحالة التى كان عليها ،
وإن كان غير مظهر للصلاح حين الشهادة
ففي قبولها بعد ذلك إذا ظهرت توبته
قولان (٢)
شهادتان
انظر : إسلام ، تلقين
(١) شرح العناية بهامش فتح القدير ٨٤/٦ .
(٢) الشرح الصغير ٢٠٦/٤ .
شھْر
التعريف :
١ - الشهر: الهلال، سمي به لشهرته
ووضوحه ، ثم سميت الأيام به . وجمعه:
شهور وأشهر ، وهو مأخوذ من الشهرة وهي :
الانتشار ووضوح الأمر، ومنه شهرت الأمر
أشهره شهرا وشهرة فاشتهر أي : وضح ،
وكذلك أشهرته وشهرته تشهیرا (١).
وأول الشهر: من اليوم الأول إلى السادس
عشر. وآخر الشهر منه إلى الآخر إلا إذا كان
تسعة وعشرين يوما ، فإن أوله حينئذ إلى
وقت الزوال من الخامس عشر، وما بعده
آخر الشهر. ورأس الشهر: الليلة
الأولى مع اليوم .
وغرة الشهر: إلى انقضاء ثلاثة أيام .
واختلفوا في الهلال فقيل : إنه كالغرة ،
والصحيح أنه أول يوم ، وإن خفي فالثاني .
وسلخ الشهر : اليوم الأخير منه (٢).
(١) الصحاح والمصباح المنير.
(٢) الكليات ١٢٠/٥ .
- ٢٦٠ -