Indexed OCR Text
Pages 21-40
الشركة ١ - ٣ فإنه حق مشترك بينهما شركة ملك ، إذ يملكه كلاهما . ولیس یخالف أحد من أهل الفقه خلافا یذکر في ثبوت شركة الملك ، على هذا النحو الذي ذكره الحنفية ، وإن لم يصرح بعضهم باسمها بل يتعمد كثير منهم أن يجمعوها في تعريف واحد مع شركة العقد ، كما فعل بعض الشافعية ، إذ عرف الشركة مطلقا بأنها : ( ثبوت الحق في شىء لاثنين فأكثر على جهة الشيوع ) . وبعض المالكية إذ عرفها كذلك بأنها : ( تقرر متمول بين مالكين فأكثر) (١). تقسيم شركة الملك : أولا : إلى شركة دين ، وشركة غيره . ٢ - أ - فشركة الدين : أن يكون الدين مستحقا لاثنين فأكثر: کمائة دينار في ذمة تاجر تجزئة لأصحاب ( الشركة ) التي يعاملها . ب - وشركة غير الدين : هي الشركة الحاصلة في العين أو الحق أو المنفعة : كما هو الحال بالنسبة للسيارات أو المنسوجات (١) فتح القدير ٥ / ٣، ورد المحتار ٣ / ٣٤٣، والخرشي ٤ / ٢٥٤، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١٠٩، المغني ٥ / ١٠٩، ومغني المحتاج ٢ / ٢١١، وحواشي التحفة ٢ / ٢٠٩، وحواشي العراقي على تحفة ابن عاصم ٢ / ٢١٠ . أو ... المأكولات في المتجر المشترك ، وبالنسبة لحق شفعة الشريكين فيها باعه ثالثهما ، وحق سكنى الدار أو زراعة الأرض لمستأجریها على الشيوع ولا خلاف لأحد من فقهاء المذاهب في صحة هذا التقسيم (١) . ثانيا - إلى اختيارية ، واضطرارية (جبرية) : ٣ - أ - فالاختيارية : هي التي تكون بإرادة الشريكين أو الشركاء : سواء بواسطة عقد أم بدونه ، وسواء وقع العقد مشتركا منذ بدايته ، أم طرأ عليه اشتراكهما ، أم طرأ الاشتراك في المال بعد العقد . فمثال ما كان بواسطة عقد مشترك منذ البدء ، ما لو اشترى اثنان دابة للجر أو الركوب ، أو بضاعة يتجران فيها . وكالشراء قبول هبة شيىء من ذلك ، أو غيره ، أو الوصية أو التصدق به . ومثال ما کان بواسطة عقد طرأ اشتراكه أو اشتراكه في المال بعده ، أن يقع الشراء أو قبول الهبة أو الوصية من واحد ، ثم يشرك معه آخر، فیقبل الآخر الشرکة ۔ بعوض أو بدونه . ومثال ما کان بدون عقد ما لو خلط اثنان (١) رد المحتار ٣ / ٣٤٣، وفتح القدير ٥ / ١٢ - ١٤، وتنوير الأبصار وشروحه ٣ / ٣٦٢ - ٣٦٣، والفواكه الدواني ٢ / ١٧١، ونهاية المحتاج ٥ / ١٤، ومطالب أولي النهى ٣ / ٥٠٩ . - ٢١ - الشركة ٣ - ٥ ماليهما ، وما لو اصطاد اثنان صيدا بشرك نصباه ، أو أحييا أرضا مواتا . ب - والاضطرارية ، أو الجبرية : هي التي تكون دون إرادة أحد من الشريكين أو الشركاء : كما لو انفتقت الأكياس ، واختلط ما فيها مما يعسر- إن لم يتعذر - فصل بعضه عن بعض لتتميز أنصباؤه ، كبعض الحبوب . أما إذا وقع الخلط بفعل أحد الشركاء ، دون إذن باقيهم ، فقد قال ابن عابدين : إن الخالط يملك ما خلطه بمال نفسه ، ويكون مضمونا عليه بالمثل لتعديه ، أي فلا شركة (١). وهذا الذي تقدم لا خلاف فيه إلا في مثل مسألة : تملك شخص : مال غيره بمجرد الاستبداد بخلطه بمال نفسه ، بحيث لا يتمیزان ، أو يشق ويعسر تمييزهما ، فقد قال الحنفية : إنه يملكه بذلك ویثبت في ذمته للآخر بدله ، وقال بذلك ابن القاسم ، ومعه جماهير المالكية ، والقاضي من الحنابلة ، وقال : إنه قياس المذهب ، وهو أحد أقوال الشافعي اعتمده أكثر المتأخرين من أصحابه ، بعد أن قيدوه في الأوجه بامتناع التصرف فيما ملك بالخلط ، حتى يؤدي بدله لصاحبه ، لأن الذي ملكه (١) رد المحتار ٣ / ٣٤٤، والإتحاف بأشباه ابن نجيم ٤٤٨ . كذلك ، لو كان ملكه بمعاوضة رضائية لم يجز له التصرف فيه حتى يرضى صاحبه بذمته ، فأولی إذا ملکه بدون رضاه . ومن فقهاء المذاهب الثلاثة ، من ينكر هذا التملك القسري ، ويجعل المال مشتركا : كما هو أحد أقوال الشافعي ، واختاره التقي السبكي ، وأطال في الانتصار له ، وعليه أشهب من المالكية ، وجماهير متأخري الحنابلة (١) . أحكام شركة الملك : ٤ - الأصل أن كل واحد من الشريكين أو الشركاء في شركة الملك أجنبي بالنسبة النصيب الآخر. لأن هذه الشركة لا تتضمن وکالة ما ، ثم لا ملك لشريك ما في نصیب شريكه ، ولا ولاية له عليه من أي طريق آخر. والمسوغ للتصرف إنما هو الملك أو الولاية (٢) وهذا ما لا يمكن تطرق الخلاف إليه . ويترتب على ذلك مايلي : ٥ - ١ - ليس لشريك الملك في نصيب شريكه شيىء من التصرفات التعاقدية : (١) نهاية المحتاج وحواشيها ٥ / ١٤، ١٨٤ و١٨٧، وبلغة السالك ٢ / ١٦٥ و٢١٣، ٣١٩، ٣٢٠، وبداية المجتهد ٢ / ٣١٩، ومغني المحتاج ٢ / ٢٩٢، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١٠٩، والمغني لابن قدامة ٥ / ٤١٠، ومطالب أولي النهى ٣ / ٤٩٤ . (٢) بدائع الصنائع ٦ / ٦٥، ورد المحتار ٣ / ٣٤٣ . - ٢٢ - الشركة ٥ - ٧ كالبيع ، والإِجارة ، والإِعارة وغيرها ، إلا أن یکون ذلك بإذن شريكه هذا . فإذا تعدی فآجر، مثلا ، أو أعار العين المشتركة فتلفت في يد المستأجر أو المستعير، فلشريكه تضمينه حصته وهذا أيضا مما لا خلاف فیه (١) . ٦ - ٢ - لكل شريك في شركة الملك أن یبیع نصیبه لشریکه ، أو يخرجه إليه عن ملكه على أي نحو، ولو بوصية ، إلا أن المشترك لا یوهب دون قسمة ، ما لم یکن غیر قابل لها . وسيأتي استثناء حالة الضرر. هكذا قرره الحنفية . وهو في الجملة محل وفاق - إلا أن هبة المشاع سائغة عند جماهير أهل العلم بإطلاق : كما قرره المالكية والشافعية والحنابلة . والحنفية على أن هبة المشاع لا تجوز- بمعنى عدم إثبات ملك ناجز- فالهبة صحيحة ، ولكن يتوقف الملك على الإِفراز ثم التسليم (٢) . ٧ - ٣ - ذهب الحنفية والشافعية إلى أن للشريك أن يبيع نصیبه لغير شریکه - في غیر (١) المادة ١٠٧٥ من المجلة ، وحواشي تحفة ابن عاصم ٢ /٢١٦، ونهاية المحتاج ٥ / ٢، ١٨٥، ومطالب أولي النهى ٣ / ٤٩٤. (٢) رد المحتار ٣ / ٣٤٦، وفتح القدير ٧ / ١٢٣، والعناية على الهداية ٧ / ١٢١، بداية المجتهد ٢ / ٣٢٩، البجيرمي على المنهج ٣ / ٢١٦ . حالة الضرر الآتية - بدون إذن منه ، واستثنى الحنفية حالة واحدة : هي حالة اختلاط المالين دون شيوع - لبقاء كل مال على ملك صاحبه ، وإن عسر تمييزه ، أو تعذر : سواء كان اختلاطا عفويا ، أم نتيجة خلط مقصود من جانب الشركاء . ففي هذه الحالة : أي حالة اختلاط المالين دون شيوع : لابد من إذن الشريك لشريكه ليصح بيعه لغيره ، ما دام المال شركة بينهما لم يقسم بعد (١). وسر التفرقة في الحكم بين هذه الحالة ، حيث تتوقف صحة البيع لغير الشريك على إذنه ، وبین غيرها ، حیث لا يوجد هذا التوقف ، أنه في حالة شيوع المال بين الشریکین - بسبب إرثهما إياه ، أو وقوع شركتهما فيه بسبب آخر يقتضي هذا الشيوع : كشرائهما إياه معا ، أو إشراك أحدهما صاحبه فيه بحصة شائعة ۔ یکون کل جزء في المال المشترك - مهما دق وصغر- مشتركا بين الشركاء ، وبيع النصيب الشائع جائز للشريك ولغيره ، إذ لا مانع من تسلیمه ، وتسلمه فإن الإِفراز ليس من شرائط التسليم - ومن ثم فلا نزاع في صحة (١) رد المحتار ٣ / ٣٤٦، ٣٦٧، ومغني المحتاج ٢ / ١٣، وحاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٥ / ٠٨٣ - ٢٣ - الشركة ٧ - ٨ بيع الحصة الشائعة فيما لا يقبل القسمة ذاتا كالدابة ، والبيت الصغير إلا أنه إذا سلم البائع العين المشتركة كلها ، دون إذن شريكه ، كان كالغاصب ، والمشتري منه كغاصب الغاصب ، بالنسبة لحصة الشريك الذي لم يبع : حتى إذا تلفت العين كان للذي لم یبع حق الرجوع بضمان حصته على أي الشخصين شاء : البائع أو المشتري ، ثم إذا رجع على المشتري ، يرجع المشتري على البائع . - أما النصيب غير الشائع في شركة الملك ، فباق على ملك صاحبه - إلا أنه التبس بغيره أو تعسر فصله . وهذا الالتباس أو التعسر لا يمنع القدرة على تسليمه إلى الشريك ، إذا باعه إياه ، ولكنه يمنع هذه القدرة وينافيها إذا باع النصيب لأجنبي عن الشركة ، دون إذن شریکه ، إذ لا يمكن تسليمه أو تسلمه ، إلا مخلوطا بنصيب هذا الشريك ، فيتوقف على إذنه (١). وقال القرافي المالكي في الذخيرة : ( إذا کانا شریکین في حیوان مثلا بمیراث أو غيره لا يجوز لأحدهما أن يتصرف إلا بإذن شريكه : فلو باع نصيبه وسلم الجميع للمشتري بغیر إذن شریکه ، کان ضامنا على (١) البهجة على التحفة ٢ / ٢١٦ . مقتضى القواعد . لأن أحسن أحواله أن یکون کالمودع في الأمانة ، وهذا إذا وضع يد الأجنبي يضمن لتعديه ، ولا يلزم عدم صحة البيع ، لعدم قدرته على التسليم : لأنه إن كان شريكه حاضرا ، سلم البيع له ، وتقع الخصومة بينه وبين المشتري ، او غائبا ، رفع أمره إلى الحاكم ، ویأذن له في البيع ووضع مال الغائب تحت يده )(١) . حالة الضرر : ٨ - بيع الحصة الشائعة في البناء أو الغراس ، أو الثمر أو الزرع ، لا يجوز. ويعنون بيع الحصة في ذلك منفردة عن الأرض التي هي فيها . أما بالنسبة للبناء والغراس : فإنه إن شرط هدم البناء ، وقلع الغراس ، فلا يتأتى دون هدم وقلع حصة الشريك الذي لم يبع - لمكان الشيوع - وذلك ضرر لا يجوز. ولأن شرط بقائهما إنما هو شرط منفعة لأحد المتعاقدين زائدة عن مقتضى البيع ، فيكون شرطا فاسدا في نفسه ، ومفسدا للعقد أيضا ، لمكان الربا ، إذ هي زيادة عرية عن العوض (٢). (١) حواشي نهاية المحتاج ٥ / ٨٣، ومغني المحتاج ٢ / ١٣، وحواشي تحفة ابن عاصم ٢ / ٢١٦ . (٢) الدر المختار مع ابن عابدين ٣ / ٣٤٥ . - ٢٤ - الشركة ٨ - ١١ وأما بالنسبة للثمر أو الزرع : فإذا لم يبلغ أو ان قطعه فبدون إذن الشریك لا یصح بيع الحصة لأجنبي ، للحوق الضرر به حيئذ ، إذ سيطالب المشتري بقطع ما اشتراه ، ولا سبيل إليه إلا بقطع حصة هذا الشريك (١). ٩ - (٤) ذهب الفقهاء إلى أنه في حضور الشريك ، لا ينتفع شريكه الآخر بالمال المشترك إلا بإذنه ، لأنه بدون الإذن یکون غصبا ، ويدخل في الإذن : الإِذن العرفي . فإذا ركب الشريك الدابة المشتركة ، أو حمل عليها ، بدون إذن شريكه فتلفت أو هزلت ونقصت قيمتها ، ضمن حصة شریکه في حال التلف ، وضمن نقص قيمتها في حالة الهزال . وإذا زرع الأرض المشتركة ، أو بنى فیها ، وشریکه حاضر، دون إذن منه ، طبقت أحكام الغصب : فتنقسم الأرض بينهما ، وعليه قلع ما وقع في نصيب شریکه ، وضمان نقص أرضه . إلا أن يكون الزرع قد أدرك أو کاد ، فليس عليه حينئذ إلا ضمان نقصان الأرض ، دون قلع الزرع وليس للشريك الآخر أن يدفع إلى الذي زرع الأرض المشتركة نصف البذر، علی أن یکون (١) رد المحتار ٣ / ٣٤٦، ومغني المحتاج ٢ / ١٨٩، والبهجة على التحفة ٢ / ٢٠٩، ٢١٦ . الزرع بينهما لأنه بيع معدوم إن كان الزرع لم ينبت بعد ، وإلا فلا بأس بذلك ، كما أنه ليس له أيضا أن يصر على قلع الزرع متى كانت القسمة ممكنة . وهنا للشافعية ضابط حسن : الشريك أمين إن لم يستعمل المشترك ، أو استعمله مناوبة - لأنها إجارة فاسدة - وإلا : فإن استعمله بإذن شريكه فعارية ، أوبدون إذنه فغصب . ومن الاستعمال حلب الدابة اللبون (١) . ١٠ - (٥) في حالة غيبة الشريك أو موته ، يكون لشريكه الحاضر أن ينتفع بالمشترك انتفاعا لا يضر به (٢) . ١١٧ - (٦) ذهب الحنفية إلى أنه إذا احتاج المال المشترك إلى النفقة - سواء للتعمير، أم لغيره - كبناء ما تخرب ، وإصلاح ما وهى ، وإطعام الحيوانات ، ولكن نشب النزاع بين الشركاء : فأراد بعضهم الإِنفاق ، وأبى الآخرون - ففي الحكم تفصيل ، لأن المال إما قابل للقسمة أو غير قابل : أ - ففي القابل للقسمة : كالدار (١) المراجع السابقة، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١١٣ . (٢) ملا مسكين على الكنز ٢ / ٢٠٨ ، والعناية على الهداية ٨ / ٣٨٠ ومغني المحتاج ٢ / ١٨٩. والبجيرمي على المنهج ٣ / ١٥، الخرشي ٤ / ٢٧٨، والمغني ٥ / ٣٦. - ٢٥ - ٢٠١٩ الشركة ١١ الفسيحة ، والحوانيت المعدة للاستغلال والحيوانات المتعددة ، لا إجبار على الممتنع ، ولكن يقسم المال ليقوم باصلاح ماله والإِنفاق عليه من شاء - اللهم إلا أن يكون الممتنع ، على خلاف المصلحة ، وصيا أو ناظر وقف ( كما في دار مشتركة بين وقفين مثلا ) فإنه يجبر، لأن تصرفه منوط بالمصلحة . ب - وإن لم يكن المال المشترك قابلا للقسمة ، أجبر الشريك على المشاركة في النفقة ، لأن امتناعه مفوت لحق شریکه في الانتفاع بماله وذلك كما في نفقة دابة واحدة ، أو كري نهر، أو مرمة قناة أو بئر، أو إصلاح آلة ري ، أو سفينة ، أو حائط لا ينقسم لضيق عرصته ( موضع بنائه ) أو لحمولة عليه ، إلا أن تكون الحمولة كلها لغير طالب العمارة إلا أن متأخري الحنفية مالوا إلى القول : بأن الجدار الواسع العرصة ملحق هنا بما لا ينقسم ؛ لتضرر الشريك فيه بعدم المشاركة في إصلاحه وترميمه . والمالكية يوافقون الحنفية موافقة تكاد تکون تامة ، ویزیدون أن الشریك إذا أصر على الامتناع ، فإن القاضي یبيع عليه حصته كلها لمن يقوم بالنفقة اللازمة . ولم يجتزئوا ببيع ما يكفي لسداد هذه النفقة ، منعا لضرر تكثير الشركاء ، ولا بإجبار الشريك القادر على النفقة وحده ، دون لجوء إلى البيع ( كما لم يلجأوا إليه في الحصة التي هي وقف ، ومنعوه إذا کان ثمت ما یغني عنه : من ريع لها متجمع ، أو أجرة متاحة بسبب وجود راغب في الاستئجار بأجرة معجلة مثلا ) مع أنه قد قيل عندهم بكل من هذا وذاك . أما حيث لا يوجد ما يغني في الحصة الموقوفة عن البيع ، فإنها تباع كلها - كغير الموقوفة - منعا لكثرة الأيدي ، كما استدركه النفراوي على بعض شراح خليل ، ولم يجعلوا الوقف مانعا من البيع إلا إذا كان المشترك جميعه وقفا ، وحينئذ يقوم الطالب بالنفقة اللازمة ، ثم يستوفي ما يخص الحصة الأخرى من غلتها . ومع ما تقدم فإن المالكية لا يرون إجبار الشريك إذا امتنع عن الإصلاح الذي ليس فيه نفع محقق : وقد مثلوه بإصلاح العيون والآبار- حتى لقد رفضوا قول من قال منهم بالإِجبار إذا كان على هذه العيون أو الآبار زرع ، أو شجر فيه ثمر مؤبر . ورأوا أن يقوم بالإصلاح الشريك الذي يريده ، ثم يحول بين الشريك الممتنع وبين كمية الماء الزائدة - التي نتجت من عملية الإصلاح إلى أن يستوفي منه مايخصه من النفقات ، ولو ظل کذلك الدهر كله . نعم سياق كلام المالكية هنا في غير الحیوان ، (لکنہم نصوا ۔ في موضعه ـ على مایفید أن الحیوان لا يختلف حکمه ) : ذلك - ٢٦ - الشركة ١١ - ١٢ أنهم جعلوا للقاضي السلطة نفسها إذا كان الحیوان ملکا خاصا ، وامتنع مالكه عن الإِنفاق عليه - غاية الأمر أنهم زادوا إعطاء المالك خيار ذبح ما يجوز ذبحه من الحيوان حتى إذا رفض هذا وذاك أيضا ناب عنه القاضي (١). وذهب الشافعية والحنابلة فى نفقة الحيوان المشترك إلى نحو ما تقدم عن الحنفية والمالكية . أما في غير الحيوان ، فلكل من الشافعي وأحمد قولان : قول بإجبار الشريك على التعمير والإنفاق مع شریکه ، دفعا للضرر، وصيانة للأملاك عن التعطيل ، وهذا هو الذي اعتمده الحنابلة وكثير من الشافعية : كالغزالي وابن الصلاح . وقول بعدم الإِجبار لأن الممتنع يتضرر بالنفقة أيضا ، والضرر لا یزال بالضرر، مع أنه قد یکون له عذر ، أو وجهة نظر، ثم كل ما ليست له روح .. فليست له في نفسه حرمة يستحق الإنفاق من أجلها ، ولا في تعطيله إضاعة مال محرمة شرعا، إذ لا يعدون الترك من هذه الإضاعة ، بل لابد من فعل إيجابي : كأن يقذف الشخص بمتاعه إلى البحر . وهذا هو (١) ابن عابدين ٣ / ٣٦٦، والخرشي ٤ / ٣٧٢، وبلغة السالك ٢ / ١٧٣ - ١٧٤، والفواكه الدواني ٢ / ١٠٨ - ١٠٩ ٠ الذي اعتمده الشافعية ، وقال ابن قدامة : إنه أقوى دليلا ، وإن كان الجوري من الشافعية يستثني النبات ويلحقه بالحيوان . ومن الشافعية من جمع بين القولين ، بأن الأمر يوكل إلى القاضي : فإن لم ير من الشريك الممتنع إلا العناد أجبره ، وإلا فلا (١) . رجوع الشريك على شريكه بما أنفق : ١٢ - ذهب الحنفية إلى أنه إذا استقل بالنفقة أحد الشریکین فیما ینقسم ، دون إذن شریکه ، فمتبرع لا رجوع له علی شریکه بما أنفق ــ لا مثلا ولا قيمة ، لأن له بالقسمة مندوحة عن ذلك . إلا أنهم ذكروا أنه لو خاف تلف المال المشترك ، أو نقصانه ، إذا لم ینفق علیه لنقله من مكانه ۔ كما لو تعطلت الشاحنة بالمال المشترك فى مكان مخوف ، کبادیة مثلا - فإنه ينفق على نقله ، ويرجع بما أُنفق على شریکه . أما فيما لا ينقسم : فقد أطلق ابن نجيم في ((الأشباه)) القول برجوع المنفق على شريكه ، وأنه - إن أمكن - يؤجر العين ويستوفي من أجرتها مثل النفقة التي أنفقها - إن كان قد أنفق بإذن القاضي - أو قيمة (١) الشرقاوي على التحرير ٢ / ٣٤٧، ٣٤٨ دليل الطالب ٢٥٠ - ٢٥١ ومغني المحتاج ٢ / ١٩٠، والمغني لابن قدامه ٥ / ٤٥، ٤٩، ٥٠ . - ٢٧ - الشركة ١٢ - ١٣ ما أجراه من أوجه الإصلاح إن لم يكن بإذن القاضي (١). والشريك الذي يستقل بالإِنفاق على المشترك ، دون إذن شریکه ودون إذن من القاضي ، لا يستحق الرجوع على شريكه بشيء مما أنفق ، عند الشافعية لأنه حينئذ متبرع ، حتى في موضع الإِجبار على المشاركة في النفقة ، قياسا على الذي يقضي دين غيره بغير إذنه ، وهو كذلك أيضا عند الحنابلة ، إلا في حالة الإِجبار على المشاركة ، إذا أنفق الشريك بقصد الرجوع على شريكه ، بناء على إحدى الروايتين عندهم في الذي يقضي دون غيره بغير إذنه - أعني رواية استحقاقه الرجوع . وقال المالكية : لو عمر أحد الشركاء الرحی المشترکة بإذن شركائه أو مع سكوتهم استحق الرجوع بحصصهم مما أنفقه في ذممهم ، وإن كان إنفاقه مع إبائهم فلا يستحق الرجوع بشيء في ذممهم ولکن يستوفي من الغلة ثم ما يفضل من الغلة فهو لهم جميعا(٢). (١) رد المحتار ٣ / ٣٦٤ - ٣٦٦ - ٣٦٧. (٢) رد المحتار ٣ / ٣٦٧ - ٣٦٨، والخرشي ٤ / ٢٧٣ - ٢٧٤، ومغني المحتاج ٢ / ٢١٠، والمغني لابن قدامة ٥ / ٤٧، ٨٨ ٠ الدين المشترك : ١٣ - هو كل دين وجب بسبب واحد لشریکین فأکثر. کما لو باع الشریکان دارا مشترکة بینهما بعقد واحد دون تحدید ثمن لكل منهما ؛ أما لو تعددت الصفقة الموجبة للدين حقيقة ، أو حكما اختلف السبب ، وانتفى الاشتراك في الدين : وذلك كالدين الذي استحق على مشتر واحد ثمنا لعين واحدة کدار، أو قطعة أرض يملكها اثنان مادام كل منهما قد باع نصيبه بعقد مستقل ، وإن أخذا على المشتري بعد ذلك صكا واحدا بجميع الدین . فهذا دين غیر مشترك ، لأنه وجب بسببين . لا بسبب واحد حقيقة وحكما ، برغم اتحاد المبيع والمشتري والصك . فلا سبيل لأحد البائعين على الآخر، إذا تقاضى من الدين شيئا . ومن الدين المشترك أيضا كل دين وجب بسبب واحد لشریکین فأكثر. وهو ما كان عوضا عن مالين غير مشتركين ، إلا أنه استحق عنهما بصفقة واحدة : كدار لهذا ودار لذاك ، باعاهما معا في عقد واحد بثمن إجمالي لهما ، دون أن يميز فيه ثمن كل على حدة ، لا ببيان مقدار- كستمائة لهذا وأربعمائة لذاك ـ ولا بتحديد صفة ، كنقود فضية لهذا وذهبية لذاك ، لأن مثل هذا - ٢٨ - الشركة ١٣ - ١٥ التمييز ينافي اتحاد الصفقة : بدليل أن للمشتري حينئذ أن يقبل البيع في نصيب واحد ، ويرفضه في نصيب الآخر، معتذرا بأن هذا الثمن أو ذاك الوصف لا يناسبه . ويترتب على عدم اتحاد الصفقة أن لا يكون الدين مشتركا . إلا أنه في حالة التمييز ببيان تفاضل الاستحقاقين ، إذا زال التفاضل باستيفاء الزيادة عاد الدين مشتركا . وزاد صاحب النهاية أنه ينبغي اشتراط أن لا يكون التمييز في المقدار أو الصفة قائما أصلا ، وإن لم يتعرض له في العقد (١). قبض الدين المشترك : ١٤ - ذهب الحنفية والشافعية ، والحنابلة في رواية ، وهو مقتضى مذهب المالكية إلى أن كل دين مشترك بين اثنين مثلا ، إذا قبض أحدهما منه شيئا ۔ ولو كان المؤدي كفيل المدین ، أو محالا علیه من قبله فهو مقبوض عن الدين المشترك ، فيكون مشتركا ، وللذي لم يقبض - ويسمونه الشريك الساكت - أن يرجع على القابض ، بنسبة حصته في الدین ، كما أن له أن يترك للقابض ما قبض ليتملكه ، ويرجع هو بحصته فيه على المدين رجوعا مقيدا بعدم التوى ، حتى (١) تبين الحقائق ٥ / ٤٥، والعناية على الهداية مع فتح القدير ٧ / ٤٧ . إذا تويت على المدين ، كأن مات مفلسا ، عاد بها على القابض ، إذ لم يسلم له ما كان يرجو سلامته ، وشرط السلامة في مثله مفهوم عرفا . وسواء في ذلك کله کان الدین دین معاوضة كألف هي ثمن دار بين الشريكين ، أم دین إتلاف ، كما لو كانت الألف قيمة زرع لهما ضمنه قالعه أو محرقه ، أم غيرهما ، کما لو کانت میراثا ورثاه عن مورث واحد ، أو بدل قرض أقرضاه من مال مشترك بينهما . أما أن ما يقبضه أحد الشريكين يعتبر مقبوضا عن الدين المشترك ، فذلك أنه لا يمكن أن يكون مقبوضا عن حصة القابض وحده ، إلا إذا وقعت قسمة الدین بين الدائنين ، وهذا لم يحصل ، ولا يمكن أن يحصل ، لمعنيين : ١٥ - أولهما : أن ما في الذمة لا يمكن تمييز بعضه من بعض . وهذه هي حقيقة القسمة ، فلا تتصور في الدين إذن . ثانيهما : أن القسمة لا تخلو من معنى المعاوضة ، لأن كل جزء فرضناه في المال المشترك ، مهما صغر، فهو مشترك بين الشريكين . فلو صححناها بالنسبة للدين الذي في الذمة ، لكان معنى ذلك أن كلا من الشریکین اشترى ما وقع في نصيبه من - ٢٩ - الشركة - ١٥ ملك صاحبه في الدین ، بما تركه له من ملكه هو، وهذا ممتنع ، لأنه من قبيل بيع الدين لغير من هو عليه . وأما أن للشريك الساكت (الذي لم يقبض) أن يرجع على المدين ، فلأن دينه في ذمة هذا المدين ، وليست لهذا المدين ولاية دفعه لغيره ، فلا يسقط بهذا الدفع (١). إلا أنه إذا رجع الشريك على القابض ابتداء ، كان عين حقه فيما قبض ، لأن الدين لا يتعين إلا بالقبض : فليس للقابض أن يمنعه منه ، ويعطيه من غيره - سواء كان المقبوض مثل الدين أم أجود أم أردأ ؛ لأنه ما دام الجنس واحدا فاختلاف الوصف بالجودة والرداءة لا ينافي أن القبض عن الدين : ولذا يجبر الدائن على قبول الأجود ، فإذا فات المقبوض عند القابض بسبب ما كضياع ، أو تلف ، أو دفعه للغير في معاوضة ، أو ضمان ، أو تبرع ، فإنه ۔ في غیر حالة تلفه بید القابض دون تعد منه - یکون قد فوت على شریکه حصته فیه ، ومن حق هذا الشريك إذن أن يضمنه إياها . وفي حالة عدم التعدي لا تضمین ، ولکن یکون (١) بدائع الصنائع ٦ / ٦٥، وتبيين الحقائق ٥ / ٤٦، والفتاوى الهندية ٢ / ٣٤٠، ونهاية المحتاج ٥ / ١٤، والخرشي على خليل ٤ / ٤٠٤، ومغني المحتاج ٤ / ٤٢٦، والشرح الكبير مع المغني ٥ / ١٢٤. الفوات كله على القابض ، ونصيب الشريك الساكت في الدين يظل كاملا في ذمة المدين . ·أما إذا رجع الشريك على القابض بعد تواء حقه عند الغریم (المدین) فليس له إلا مثل هذا الحق في ذمة القابض ، دينا كسائر الدیون ، لأنه كان قد أسقط تعلق حقه بعین المقبوض ، إذ خلّى بين القابض وبين تملكه ، وعدل إلى مطالبة الغريم (١). ثم بعد أن يقبض الشريك حصته في المقبوض من القابض ، يكون ما بقي في ذمة المدين بينهما - كل بقدر ما بقي له ، وهي نفس نسبة حقيهما في الدين الأصلي . هذا الحكم ، أعني كون ما يقبضه أحد الشريكين من الدين شركة بينهما أطلقه أبو حنيفة : سواء أجل أحد الشريكين حصته في الدين أم لم يؤجل ، لأن هذا التأجيل من أحدهما لغو عنده ، اذ هو يتضمن القسمة - بدليل أن الحال غير المؤجل ، وصفا كما هو ظاهر، وحكما ، لامتناع المطالبة بالمؤجل دون الحال . وذهب أبو يوسف وهو رواية عن محمد إلى أن التأجيل يمنع المطالبة فإن أجل أحدهما (١) الفتاوى الهندية ٢ / ٣٣٧، والأناسي على المجلة ٤ / ٤٢، وبدائع الصنائع ٦ / ٦٥ - ٦٦ . - ٣٠ - الشركة ١٥ - ١٦ نصيبه استقل القابض بما قبض خلال الأجل إلى أن يحل ، لأن الأجل يمنع المطالبة . ذلك أن هذا التأجيل صحيح عندهما ، إذ هو تصرف المالك في خالص ملكه ، فينفذ قياسا على الإِبراء ، بل ليس هو إلا إبراء مؤقتا ، فيعتبر بالمطلق . فإذا حل الأجل ، اعتبر كأن لم يكن ، ثم إن كان الشريك الآخر قد قبض من الدين شيئا رجع عليه هذا بحصته فيه ، إن كانت باقية ، وإلا ضمنه إياها . وعند الحنابلة لمن أخر حصته من الدين الحال أن يشارك من لم يؤخر فيما يقبضه من الدين ، واستثنوا ما إذا كان القبض بإذن الشريك ، وتلف المقبوض ، ولم يحل الأجل بعد (١). والذي يؤخذ من تقرير ابن رجب في قواعده لمذهب الحنابلة - وهو الذي اختاره ابن تيمية - أنهم يجعلون ما يقبضه أحد الشريكين له خاصة ، بل منهم من نص على ذلك بصريح العبارة ، كما فعل القاضي (٢). ما يقوم مقام القبض : ( ما يعادل الوفاء ) : ١٦ - هناك أشياء تعادل الوفاء بالدين ، كلا أو بعضا . إلا أن هذه منها ما يقوم مقام (١) المراجع السابقة وتبيين الحقائق ٥ / ٤٧، ٤٨، ومطالب أولي النهى ٣ / ٥٠٧ . (٢) مطالب أولي النهى ٣ / ٥٠٩ . القبض من دائن بعينه ، لأنه اقتضاء للدين معنى : كما لو سقط الدين عن ذمة مدينه بطريق المقاصة بدين له لاحق - كأن باع المدين الدائن ، أو آجره ، أو أقرضه شيئا ، أو صالحه عن دينه بشيء ما ، أو رهنه به رهنا فتلف عنده ، أو أتلف له الدائن شيئا ، أو غصبه إياه فهلك عنده ، أو فوت علیه عينا اشتراها منه شراء فاسدا ، بتلفها أو خروجها من يده . ومنها ما يقوم مقام الإِقباض والقضاء ، لا القبض والاقتضاء : كما لو سقط الدين عن ذمة المدين بدين له سابق ، إذ القاعدة : أن . الدينين إذا التقيا قصاصا يكون الثاني قضاء للأول ، لأن الأول كان واجب القضاء قبله - كما لو اشتريت منه شيئا وقبضته ، ثم أتلفه عليك قبل أن يستوفي ثمنه . ومنها مالا مقاصة فيه أصلا ، بل هو بمثابة الإتلاف : كهبة الدين والإِبراء منه ، أو لیس بإتلاف ، ولکن لا يسلم للموفي به ما يحتمل الشركة فيه : كما لو سقط الدين عن ذمة المرأة بجعله مهرا لها ، أو عن ذمة مستحق القصاص بجعله بدل صلح عن جناية العمد - قتلا أو غيره ، كما لو شج المدين موضحة : لأن العقد في هذين الموضعين وقع على نفس الدين - فملك - ٣١ - الشركة ١٦ بعينه ، ثم سقط - لا على شيء في ذمة الزوج أو الجاني ، حتى تقع المقاصة ، ويصدق أنه قد سلم لكل منهما ما يقبل الشركة ، وهو ما التزماه في ذمتيهما : ومن البيِّن أن بضع المرأة ، وسقوط القصاص عن الجاني ، كلاهما لا يقبل الشركة . وقد روي عن محمد مثل ذلك في الإِجارة إذا قيدت بنفس الدين ، لأن المنفعة ليست من قبيل المال المطلق (١). وقد صرح الحنفية بأنه إذا استوفى أحد الشریکین نصيبه في الدين المشترك بينه وبين آخر، بأحد هذه الوجوه ، فإن شريكه لا يستحق الرجوع عليه - بمعنى أن يخير بين هذا الرجوع والرجوع على المدين - إلا فيما هو لو اقتضاه وقبض في المعنى ، حیث یسلم للقابض شيء يقبل الشركة ، لا فيما هو قضاء أو إتلاف . إلا أن الرجوع فى حالة الصلح - وقوامه المسامحة والتغاضي - يختلف عنه فيما عداه مما يعتمد الماكسة والتشاح : كالبيع والإِجارة : فإن في حالة البيع مثلا ، يكون للشريك بالنصف أن يرجع بالربع على شريكه الذي اشترى بنصيبه شيئا من المدين ، وأن يلزمه بذلك ، إذ لا غبن فيه على المشتري ، نظرا (١) تبيين الحقائق ٥ / ٤٧ . إلى أن الظاهر أنه استوفى حقه ، فإن شأن المشتري أن لا يدخر وسعا في الحصول على ما يعادل أو يفوق الثمن الذي يدفعه . ولا شأن للشريك الراجع بما اشتراه شريكه ، لأنه إنما اشتراه بثمن في ذمته ، ثم وقع التقاص بين هذا الثمن وما يساويه من الدین في ذمة المدين البائع - نعم إذا تراضيا على أن يجعلا هذا المشترى بينهما فذلك لهما ، وهي صفقة مستقلة : كأن الشريك الراجع اشتری نصفه بربع الدین الذي استحقه علی المشتري . أما في حالة الصلح ، فإنه إذا رجع الشريك على شريكه الذي صالح عن نصيبه بشيء ما ، لم يملك إلزامه بربع الدين ، لأنه قد يكون أكثر مما حصل عليه بطريق الصلح ، لبنائه على المسامحة كما قلنا . بل يكون للشريك المصالح الخيار بين إعطائه ربع الدين ، وإعطائه نصف الشيء الذي صالح عليه (١) . إذا أبرأ أحد الدائنين مدينهما من بعض حصته في الدين المشترك ، لم يبق له في ذمته إلا باقي حصته ، وللآخر حصته كاملة : فإذا وقع لهما قبض شيء من الدين ، فإن (١) بدائع الصنائع ٦ / ٦٦ - ٦٨، ومجمع الأنهر ٢ / ٣١٧ - ٣١٨، وتبيين الحقائق ٥ / ٤٥ - ٤٨ . - ٣٢ - ... الشركة ١٦، شركة العقد ١٧ قسمتہ بینهما ۔ إذا تأخرت عن الإِبراء - تكون على هذه النسبة : أي نسبة ما بقي للمبرىء إلی تمام حصة الآخر، أو کما یقولون « تكون القسمة على مابقي من السهام )) . ويستوي أن يكون الإِبراء قبل القبض أو بعده - لصحة الإِبراء بعد القبض . فإذا كان الدين ألفا مثلا ، لكل واحد منهما خمسمائة ، فأبرأ أحدهما المدين من مائة ، فما بقي للمبرىء إنما هو أربعة أخماس ما لصاحبه ، فتكون قسمة ما يقبض على هذه النسبة . أما إذا وقع هذا الإِبراء بعد القسمة على التساوي ، فالقسمة ماضية على الصحة ، لأن حقیھما عندها کانا متساویین ، ثم يرجع المدين على مبرئه بالمائة التي أبرىء منها وهذا موضع وفاق ، إلا أن صحة الإِبراء بعد القبض مما تفرد به الحنفية (١). (١) المراجع السابقة . شَرِكَةُ الْعَقْد تعريفها : ١٧ - عرف الحنفية شركة العقد بأنها : ((عقد بين المتشاركين في الأصل والربح )) كذا نقلوه عن صاحب الجوهرة . وقيد ((المتشاركين في الأصل)) يخرج المضاربة ، لأن التشارك فيها بين العامل ورب المال إنما هو في الربح ، دون الأصل ، كما هو واضح (١). وعرف الحنابلة شركة العقد بأنها . ((اجتماع في تصرف))، وهو مع ذلك لا يشمل المضاربة ، التي هي عندهم من أقسام الشركة ، وقريب منه تعريف بعض الشافعية بأنها : « عقد يثبت به حق شائع في شيء لمتعدد )). وعرفها ابن عرفة بقوله : بيع مالك کل بعضه ببعض كل الآخر، موجب صحة تصرفهما في الجميع (٢). وشركة العقد بأنواعها الثلاثة (أموال وأعمال ووجوه) جائزة سواء أكانت عنانا أم مفاوضة . (١) رد المحتار ٢ / ٣،٣٠١ /٣٤٣. (٢) مطالب أولي النهى ٣ / ٤٩٤، والمغنى لابن قدامة ٥ / ١٠٩، والشرقاوي على التحرير ٢ / ١٠٩. الخرشي على خليل ٤ / ٢٥٤، ٢٧١ ، والفواكه الدواني = - ٣٣ - شركة العقد ١٨ دليل مشروعية الشركة : ١٨ - ثبتت مشروعية شركةالعنان : بالكتاب، والسنة ، والإِجماع ، والمعقول : أ- الكتاب : قوله تعالى : ﴿ وإن کثیرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وقليل ماهم ﴾ (١). والخلطاء هم الشركاء . ولكن هذا إلى شرکة الملك أدنى . ثم هو قول داود لبيان شریعته ، ولا يلزم استمرارها . کذا قال ابن الهمام - على خلاف قاعدة الحنفية في شرع من قبلنا : فلعله تساهل فيه لأنه علاوة في الرد . ب - السنة : ١ - الحديث القدسي المروي عن أبي هريرة - رضي الله عنه - يرفعه إلى النبي، وَلجه: (إن الله يقول: أنا ثالث الشريكين ، مالم يخن أحدهما صاحبه ، فإذا خانه خرجت من بينهما) (٢). ٤٠ (٢) حديث السائب بن أبي السائب = ٢ / ٢٧١، والحواشي على تحفة ابن عاصم. (١) سورة ص ٢٤، انظر فتح القدير ٥ / ٣٠، نيل الأوطار ٥ / ٢٦٤، تلخيص الحبير ٣ / ٤٩ . (٢) حديث : إن الله يقول : ( أنا ثالث الشريكين ) أخرجه أبو داود ٣ / ٦٧٧ - تحقیق عزت عبيد دعاس ، ونقل ابن حجر عن ابن القطان أنه أعله بجهالة راوٍ فيه وعن الدارقطني أنه أعله بالإِرسال . كذا في التلخيص الحبير ٣ / ٤٩ - ط شركة الطباعة الفنية . المخزومي ، ( أنه كان شريك النبي فى أول الإِسلام في التجارة ، فلما كان يوم الفتح ، قال النبي ◌َله: مرحبا بأخي وشريكي ، لا يداري ولا یماري)(١). (٣) حديث أبي المنهال عند أحمد : ( أن زيد ابن أرقم ، والبراء بن عازب ، كانا شريكين ، فاشتريا فضة بنقد ونسيئة ، فبلغ النبي وَل، فأمرهما أن ما كان بنقد فأجيزوه ، وما كان بنسيئة فردوه وهو بمعناه عند البخاري وفي لفظه : ما كان يدا بيد فخذوه وما کان نسیئه فردوه) (٢). وفيه تقریر صريح . وهذا مثل واحد من تقريرات كثيرة لا مرية فيها على الجملة ، لأن أكثر عمل القوم ، في صدر الدعوة ، كان التجارة والمشاركة فيها ، ولذا يقول الكمال : إن التعامل بالشركة من لدن النبي وَلاقدر ، وهلم جرا ، متصل لا يحتاج فيه إلى إثبات حديث بعينه ، وهو قول صاحب الهداية : أنه ﴿ بعث والناس يتعاملون بها فقررهم عليها (٣) . (١) حديث : ( مرحبا بأخي وشريكي ) . أخرجه الحاكم ٢ / ٦١ ( ط دائرة المعارف العثمانية ) وصححه الحاكم ووافقه الذهبي . (٢) حديث: أبي المنهال . أخرجه أحمد ٤ / ٣٧١ - ط اليمنية وأصله في البخاري ( الفتح ٥ / ١٤٣ ط السلفية ) . (٣) فتح القدير ٥ / ٣ . - ٣٤ - شركة العقد ١٨ - ٢٠ ج - الإجماع : فقد کان الناس وما زالوا ، يتعاملون بها في كل زمان ومكان ، وفقهاء الأمصار شهود ، فلا يرتفع صوت بنكير (١). د - المعقول : فإن شركة العنان طریق من طرق استثمار المال وتنميته ، تمس إليه حاجة الناس ، قلت أموالهم أو کثرت ، کما هو مشاهد ملموس ، حتى لقد كادت الشركات التجارية الكبرى ، التي يستحيل عادة على تاجر واحد تکوینها ، أن تكون طابع هذا العصر الذي نعيش فيه . هذا من جانب ، ومن الجانب الآخر، ليس في تطبيق شركة العنان شيء ينبو بشرعيتها : فما هي في حقيقة الأمر سوى ضرب من الوكالة إذحلَّ شريك وكيل عن شريكه . والوكالة لا نزاع في شرعیتها إذا انفردت ، فكانت من واحد لآخر، فکذا إذا تعددت ، فکانت من کل واحد لصاحبه : أعني أنه وجد المقتضى وانتفى المانع - كما يقولون ، وإذا كانت تتضمن وکالة في مجهول ، فهذا شيء يغتفر في ضمن الشركة ، لأنه تبع لا مقصود ، والشيء يغتفر فيه تبعا مالا يغتفر استقلالا . وأما المفاوضة من شركة الأموال فليس في جوازها نص ثابت وإنما أجازها الحنفية واستدلوا بأن النبي ◌َّل﴿ قال: ( فاوضوا، (١) بلغة السالك ٢ / ١٦٥، ومغني المحتاج ٢ / ٢١١ ، والمغني لابن قدامة ٥ / ١٢٤ . فإنه أعظم للبركة ) (١) وهو غير معروف في شيء من كتب الحديث . وقد يحتج في جوازها بالبراءة الأصلية : فالأصل الجواز، حتى يقوم دليل المنع - ولا دليل (٢). ١٩ - ومنعها الشافعية لتضمنها الوكالة في مجهول ، والكفالة بمجهول لمجهول ، وكلاهما باطل على انفراد ، فما تضمنهما معا أشد بطلانا . ٢٠ - وأما شركتا الأعمال والوجوه فتجوز عند الحنفية والحنابلة خلافا للشافعية ، وكذا المالكية في شركة الوجوه خاصة . ويستدل للجواز بما يلي : أولا - بالبراءة الأصلية : فالأصل في العقود كلها الصحة ، حتى يقوم دليل الفساد ، ولا دليل . ثانيا - إن الحاجة داعية إليهما ، وتصحيحهما ممكن بطريق التوكيل الضمني من كل شريك لشريكه ، ليقع تصرف كل واحد والربح المترتب عليه للجميع ، فلا معنی للحكم ببطلانهما . (١) ((فاوضوا فإنه أعظم للبركة)). قال الزيلعي في نصب الرايه ٣ / ٤٧٥ - ط المجلس العلي ( غريب ) يعني أهله لا أصل له . وقال ابن حجر: ( لم أجده ) كذا في الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢ / ١٤٤ ط الفجالة . (٢) بدائع الصنائع ٦ /٥٨، الدراية في تخريج أحاديث الهداية ٢ / ١٤٤، ونيل الأوطار ٥ / ٢٦٥. - ٣٥ - ------- ٠ شركة العقد ٢٠ - ٢٣ وأما عند الشافعية فإن شركة الأعمال : وشركة الوجوه ؛ باطلتان لعدم المال المشترك فيهما وللغرر في شركة الأعمال وذهب المالكية إلی بطلان شرکة الوجوه لأنها من باب الضمان بجعل ومن باب السلف الذي يجر نفعا وسموها شركة الذمم(١) . تقسيم شركة العقد باعتبار محلها : ٢١ - تنقسم الشركة بهذا الاعتبار إلى ثلاثة أقسام : (١) - شركة أموال . (٢) - شركة أعمال. (٣) - شركة وجوه . ذلك أنه إذا كان رأس مال الشركة نقودا ، کانت شرکة أموال ، وإن كان العمل للغير كانت شركة أعمال ، ( شركة صنائع ) ، وتسمى أيضا شركة أبدان (٢). وتسمى كذلك شركة التقبل : لأن التقبل قد یکون ممن لا يقدر على القيام بأي عمل للغیر سوی التقبل نفسه ، ومع ذلك تحصل به هذه الشركة ، لأنه ملزم لشریکه القادر، (١) فتح القدير ٥ / ٧، ٢٤، ٢٨، ٣٠، ومغني المحتاج ٢ /٢١٢، والخرشي ٤ / ٣٧١، وبدائع الصنائع ٦ / ٥٨ . (٢) لعل ابن عابدين يستبعد عد العمل العقلي بدنيا ، فلذا تراه يقول في تعلیل التسمية : لأن العمل یکون منهما ( أي الشريكين ) غالبا بأبدانهما : رد المحتار ٣ / ٣٥٩ وبدائع الصنائع ٦ / ٦٣ . فهما شريكان بالتقبل . أما إذا كان ما تقوم الشركة عليه ما للشريكين أو للشركاء من وجاهة عند الناس ومنزلة تصلح للاستغلال ، فالشركة شركة وجوه . ولعدم رأس المال فيها ، وغلبة وقوعها بين المعدمين - تسمى : شركة المفاليس . هذا على الإِجمال . أما التفصيل : ٢٢ - فشركة الأموال : عقد بین اثنین فأكثر ، على أن يتجروا في رأس مال لهم ، ويكون الربح بينهم بنسبة معلومة . سواء علم مقدار رأس المال عند العقد أم لا ، لأنه يعلم عند الشراء ، وسواء شرطوا أن يشتركوا جميعا في کل شراء وبيع ، أم شرطوا أن ينفرد كل واحد بصفقاته ، أم أطلقوا . وليس حتما أن يقع العقد بلفظ التجارة ، بل يكفي معناها : کان یقول الشریکان : اشتركنا في مالنا هذا ، على أن نشتري ونبيع ، ونقسم الربح مناصفة . ٢٣ - وأما شركة الأعمال : فهي : أن يتعاقد اثنان فأکثر على أن يتقبلوا نوعا معينا (١) من العمل أو أكثر أو غير معين لكنه عام ، وأن (١) أي معينا نوعا ومحلا : كخياطة الثياب ، وتنجيد الأثاث، وتعليم الكتابة والحساب ، وتحفيظ القرآن ، وما إلى ذلك مما تنشأ له المدارس وغيرها، رد المحتار ٣ / ٣٥٨، والهندية ٢ / ٣٣١ . - ٣٦ - شركة العقد ٢٣ - ٢٤ تكون الأجرة بينهم بنسبة معلومة ، وذلك كالخياطة ، والصباغة ، والبناء ، وتركيب الأدوات الصحية أو كل ما يتقبل ، فلابد من التعاقد قبل التقبل فلو تقبل ثلاثة اشخاص عملا ، دون تعاقد سابق على الشركة ، لم يكونوا شركاء : وعلى كل منهم ثلث العمل ، فإن قام بالعمل کله أحدهم كان متبرعا بما زاد على الثلث ، فلا يستحق - قضاء - سوى ثلث الأجرة . ولابد أيضا أن يكون التقبل حقا لكل شریك وإن وقع الاتفاق على أن يباشره منهم واحد بعينه ، ويعمل الآخر. ولذا يقول السرخسي في المحيط: ((لو قال صاحب الدكان أنا أتقبل ، ولا تتقبل أنت ، وأطرح علیك تعمل بالنصف ، لا يجوز)) ومن هنا يقول ابن عابدين : الشرط عدم نفي التقبل عن أحدهما ، لا التنصيص على تقبل كل منهما ، ولا علی عملهما ، لأنه إذا اشتركا على أن يتقبل أحدهما ويعمل الآخر، بلا نفي ، كان لكل منهما التقبل والعمل ، لتضمن الشركة الوكالة . هذا قول الحنفية ، ومثله في الجملة للحنابلة ، لكنهم أضافوا الاشتراك في تملك المباحات (١). (١) فتح القدير، وتبعه ابن عابدين، وفي البدائع خلافه فتح القدير ٥ / ٢٨ - ٣٣، ورد المحتار ٣ / ٣٥٨، = وقد نص الحنفية على أن شركة الأبدان نوعان : النوع الأول : شركة مقيدة ببعض الأعمال ، دون بعض ، كنجارة ، أو حدادة ، اتفق العملان أم اختلفا . والنوع الثاني : شركة مطلقة ، لم تقيد بذلك : كأن يتفقا على الاشتراك في أجرة ما يعملانه من أي نوع (١). ٢٤ - وأما شركة الوجوه : فهي أن يتعاقد اثنان فأكثر، بدون ذکر رأس مال ، على أن يشتريا نسيئة ويبيعا نقدا ، ويقتسما الربح بينهما بنسبة ضمانهما للثمن (٢) . وكذلك هي عند القاضي ، وابن عقيل من الحنابلة ، إذ جعلا الربح فيها على قدر الملك ، لئلا يلزم ربح ما لم يضمن . ولكن جماهيرهم جعلوا الربح فيها على ما تشارط الشریکان ، کشركة العنان : لأن فيها مثلها عملا وغيره ، سيما مع ملاحظة تفاوت الشريكين في المهارة التجارية ، والوجاهة عند الناس . بل نظر ابن قدامة إلى مآل أمرها ، فأنكر خلوها من المال . = ٣٦١، وبدائع الصنائع ٦ / ٦٤، والفتاوى الهندية ٣ / ٢٣١، ٣٣٤، والمغني لابن قدامة ٥ / ١١٣، ومطالب أولي النهى ٥ / ٥٤٥ ، ٥٤٦ . (١) الخانية مع الهندية ٣ / ٦٢٤، الخرشي على خليل ٤ / ٢٦٧ . (٢) فتح القدير ٥ / ٣٠ . - ٣٧ - ٠ شرکة العقد ٢٥ - ٢٧ ٢٥ - وأما المضاربة : فسيأتي تعريفها وأحكامها في بحثها الخاص بها إن شاء الله . ( انظر : مضاربة ) . تقسيم شركة العقد باعتبار التساوي والتفاوت ٢٦ - والمراد التساوي والتفاوت في أمور خمسة : (١) رأس مال الشركة : الشامل لکل مال للشريكين صالح للشركة ( نقود ) . (٢) كل تصرف تجاري في رأس مال الشركة . (٣) الربح . (٤) كفالة ما يلزم كلا من الشريكين من دين التجارة . (٥) أهلية التصرف(١). وتنقسم شركة العقد بهذا الاعتبار إلى قسمين : (١) شركة مفاوضة. (٢) شركة عنان . ٢٧ - وشركة المفاوضة عند الحنفية هي : التي يتوافر فيها تساوي الشركاء في هذه الأمور (١) وظاهر في صياغة هذه الأمور الخمسة ملاحظة شركة الأموال . ولا يخفى ما يلزم من التحوير بالنسبة لسائر الشركات : ففي شركة الأعمال ، يقوم التقبل مقام رأس المال ، وتعهد العمل مقام التصرف فيه ، وكفالة ما يلزم بسبب الشركة مقام كفالة دين التجارة . وفي شركة الوجوه ، بالإضافة إلى وجاهة الشريكين يقوم ما يلتزمانه في الغرمة من أثمان المشتريات مقام رأس المال . الخمسة (١)، من ابتداء الشركة إلى انتهائها ، لأن شركة المفاوضة من العقود الجائزة من الطرفين ، لكل منهما فسخها متى شاء ، فأعطى دوامها حكم ابتدائها ، وشرطت فيه المساواة أيضا (٢). وسيأتي في الشرائط شرح هذه الأمور الخمسة في بيان واف إن شاء الله . وشركة العنان ( بكسر العين وفتحها ) هي التي لا يوجد فيها هذا التساوي : بأن لم يوجد أصلا ، أو وجد عند العقد وزال بعده : كأن كان المالان متساويين عند العقد ثم ارتفعت قيمة أحدهما قبل الشراء ، فإن الشركة تنقلب عنانا بمجرد [هذا الارتفاع ] (٣)، (١) ومن أجل التساوي في هذه الأمور سميت هذه الشركة مفاوضة ، إذ المفاوضة في السلفة هي المساواة - كما في محيط المحيط . ومن مادتها جاء قول الأفوه الأودى : (لا يصلح الناس فوضى لا سراة لهم ) أي متساوين لا سادة لهم يفصلون خصوماتهم ، ويأخذون للضعيف من القوي . (٢) فتح القدير ٥ / ٦ . (٣) فتح القدير ٥ / ٦. والعنان من عن إذا عرض : تقول عن لي هذا الرأي ، أي عرض لي ، فلم تتساو حالات قبل العروض وبعده - وکذلك المشارك شرکة عنان ، عن له في بعض۔۔ أو کل - ما يشترط تساويه في شركة المفاوضة ، فاختل تساويه . وقد زعم الكسائي والأصمعي أنه مأخوذ من عنان الفرس ، لأن الفارس یأخذ العنان بيده ، ويتصرف باليد الأخرى ، وكذلك شركة العنان ، تكون عادة في بعض مال الشريك دون بعض . ولكن الاشتقاق من الجوامد موقوف على السماع ، كما في استحجر واستحشف صار حجرا وحشفا. والعرب كانوا يعرفون شركة العنان، ولكن لا = - ٣٨ - شركة العقد ٢٧ - ٢٨ وهل تبطل الكفالة ؟ .. الظاهر نعم ، لأنها كفالة لمجهول ، فلا تصح إلا ضمنا ، والعنان لا تتضمن الكفالة ، فتكون فيها مقصودة وهى مقصودة لا تصح لمجهول ، لكن الذي في الخانية هو الصحة ، ولعل وجهه أنها في الشرکة تبع على كل حال ، ولو صرح بها (١). ولم يشترط المالكية المساواة في هذه الأمور الخمسة لصحة المفاوضة . بل كل ما عندهم من الفرق بين طبيعتي شركة المفاوضة وشركة العنان ، أن كلا من الشريكين في شركة المفاوضة يطلق التصرف لشريكه ولا يحوجه إلى مراجعته وأخذ موافقته في کل تصرف من تصرفاته للشركة ، بخلاف العنان ، فإنها لابد فيها من ذلك (٢). أما الحنابلة فللمفاوضة عندهم معنيان : أحدهما : الشركات الأربع مجتمعة : العنان ، والمضاربة ، والأبدان ، والوجوه : فإذا فوض كل من الشريكين لصاحبه المضاربة وتصرفات سائر هذه الشركات صحت الشركة ، لأنها مجموع شركات = ضرورة تلجىء إلى اشتقاق غير قياسي ، بدائع الصنائع ٦ / ٥٧ ، فتح القدير ٥ / ٢٠. (١) فتح القدير ٥ / ٢٠، رد المحتار ٣ / ٣٥. (٢) الخرشي على خليل ٤ / ٢٥٨ - ٢٦٥، بلغة السالك ٢ / ١٧١، الفواكه الدواني ٢ / ١٧٤. صحيحة ، ويكون الربح على ماشرطاه ، والخسارة بقدر المالين . ثانيهما : أن يشترك اثنان فصاعدا في کل ما يثبت لهما وعليهما . وهذا صحيح أيضا لکن بشريطة أن لا يدخلا فیه کسبا نادرا ولا غرامة - وإلا اختص كل شريك بما يستفيده من مال نفسه أو عمله ، وبما يلزمه من ضمانات فكل نفس ﴿ لها ما كسبت ، وعلیھا ما اكتسبت﴾ (١). مثال الكسب النادر: اللقطة والركاز والميراث . ومثال الغرامات : ما يلزم بكفالة ، أو غصب، أو جناية ، أو تلف عارية (٢). وهذا النوع لم يشترط فيه الحنابلة تساوي المالين ، ولا تساوي الشريكين في أهلية التصرف . تقسیم شرکة العقد باعتبار العموم والخصوص ٢٨ - يقسم الحنفية الشركة بهذا الاعتبار إلى : (١) مطلقة . (٢) مقيدة . (١) سورة البقرة / ٢٨٦ (٢) الشرح الكبير ٥ / ١٩٨، مطالب أولي النهى ٣ / ٥٥٣، الإنصاف ٥ / ٤٦٤ - ٤٦٥. - ٣٩ - شركة العقد ٢٨ - ٢٩ فالمطلقة : هى التي لم تقيد بشرط جعلي أملته إرادة شريك أو أكثر: بأن تقيد بشيء من المتاجر دون شيء ، ولا زمان دون زمان ، ولا مكان دون مكان ، ولا ببعض الأشخاص دون بعض الخ .. كأن اشترك الشريكان في كل أنواع التجارة وأطلقا فلم يتعرضا لأكثر من هذا الإِطلاق بشقيه : الزماني وغيره يكون في شركة العنان . أما في شركة المفاوضة فلا بد من الإِطلاق في جميع أنواع التجارات ، كما هو صريح الهداية ، وإن كان في البحر الرائق أنها قد تكون مقيدة بنوع من أنواع التجارات (١). والإِطلاق الزماني احتمال من احتمالاتها ، وليس بحتم . والمقيدة : هي التي قيدت بذلك : كالتي تقيد ببعض الأشياء أو الأزمان أو الأمكنة ، كأن تقيد بالحبوب أو المنسوجات أو السيارات أو البقالات ، أو تقيد بموسم قطن هذا العام ، أو ببلاد هذه المحافظة . والتقييد بعض المتاجر دون بعض ، لا يتأتى في شركة المفاوضة ، أما التقييد ببعض الأوقات دون بعض فيكون فيها وفي العنان . وتنوع الشركة إلى مطلقة ومقيدة ، بما فيها المقيدة بالزمان ، يوجد في سائر المذاهب (١) رد المحتار ٣ / ٣٥١. الفقهية ، ومما ينص عليه الشافعية ، أنه يجوز تقیید تصرف أحد الشریکین ، وإطلاق تصرف الآخر . إلا أنه حكي عن بعض أهل الفقه أنه لا بد أن يعين لكل شريك نطاق تصرفه ، ويحتمل كلام بعض المالكية إبطال الشركة بالتأقيت ، وإن كان الظاهر عندهم أيضا صحة الشركة مع عدم لزوم الأجل (١). شركة الجبر : ٢٩ - هذا نوع انفرد المالكية بإثباته ، وتمسكوا فيه بقضاء عمر. وحدّها بعضهم بأنها: (( استحقاق شخص الدخول مع مشتري سلعة لنفسه من سوقها المعد لها ، على وجه مخصوص)) وسيتضح باستعراض شرائطها : فقد ذكروا لها سبع شرائط : ثلاثة خاصة بالسلعة وهي : (١) أن تشتری بسوقھا المعد لبيعها - لا بدار اتفاقا ، ولا بزقاق ، نافذ أو غير نافذ ، على المعتمد . (٢) أن يكون شراؤها للتجارة ، ويصدق المشتري في نفي ذلك بیمینه - إلا أن تكذبه قرائن الأحوال : ككثرة ما يدعي شراءه للقنية أو العرس مثلا . (١) مغني المحتاج ٢ / ٢١٣، حواشي تحفة ابن عاصم ٢ / ٢١٠ . - ٤٠ -