Indexed OCR Text
Pages 201-220
تے
سجود ١
ومن هذا قولهم: ويجعل الكافور في
مساجده: أي الميت.
قال الراغب الأصفهاني: السجود لله عام في
الإِنسان، والحيوانات، والجمادات وذلك
ضربان :
الأول: سجود باختيار وليس ذلك إلا
للإنسان، وبه يستحق الثواب، ومنه قوله
تعالى: ﴿فاسجدوا للّه واعبدوا﴾.(١)
الثاني: سجود تسخير، وهو للإنسان
والحیوانات والنبات والجمادات، وإلیه یشیر قوله
تعالى : ﴿ولله يسجد من في السموات والأرض
طوعا وكرها وظلالهم بالغدو والآصال﴾(٢) وقوله
تعالى: ﴿يتفيأ ظلاله عن اليمين والشمائل
سجدا لله﴾ . (٣)
فهذا سجود تسخير، وهو الدلالة الصامتة
الناطقة المنبهة على كونها مخلوقة، وأنها خلق
فاعل حكيم، وخص السجود في الشريعة
بالركن المعروف من الصلاة، وما يجري مجرى
ذلك من سجود القرآن وسجود الشكر. (٤).
(١) سورة النجم / ٦٢
(٢) سورة الرعد/ ١٥
(٣) سورة النحل / ٤٨
(٤) لسان العرب، المعجم الوسيط، المصباح المنير، ترتيب
التعريب، مختار الصحاح، غريب القرآن للأصفهاني
مادة: (سجد)، ابن عابدين ١/ ٣٠٠، ٣١٢، جواهر
الإكليل ٤٨/١، المجموع ٣/ ٤٢٠
- ٢٠١ -
٠
سجود
التعريف :
١ - السجود لغة: الخضوع والتطامن والتذلل
والميل ووضع الجبهة بالأرض، وكل من تذلل
وخضع فقد سجد، ويقال: سجد البعير إذا
خفض رأسه لیرکب، وسجدت النخلة إذا
مالت من كثرة حملها، وسجد الرجل إذا طأطأ
رأسه وانحنى، ومنه سجود الصلاة وهو وضع
الجبهة على الأرض، والاسم السجدة.
والمسجد بيت الصلاة الذي يتعبد فيه،
ومنه قوله : ((جعلت لي الأرض مسجدا
وطهورا)). (١)
وجمعه مساجد، والمسجد - بفتح الجيم -
موضع السجود من بدن الإنسان، وجمعه كذلك
مساجد، وهي جبهته وأنفه ويداه وركبتاه
وقدماه .
(١) حديث: ((جعلت لي الأرض مسجدا وطهورا)). أخرجه
البخاري (فتح الباري ٤٣٥/١ - ٤٣٦ - ط السلفية)
ومسلم (١/ ٣٧٠ - ٣٧١ ط عيسى الحلبي).
سجود ٢ - ٣
الحكم التكليفي :
أولا : سجود الصلاة :
٢ - أجمع الفقهاء على فرضية السجود في
الصلاة وأنه ركن من أركان الصلاة بنص
الكتاب والسنة والإجماع .
أما الكتاب فقوله تعالی : ﴿يا أيها الذين آمنوا
اركعوا واسجدوا واعبدوا ربكم وافعلوا الخير
لعلكم تفلحون﴾ . (١)
وأما السنة فمنها حديث المسيء صلاته قال
فيه ◌َّ﴾: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا)). (٢)
وقوله وَ ل: ((أمرت أسجد على سبعة
أعظم)). (٣)
كما أجمعوا على وجوب سجدتين في كل ركعة
من ركعات الصلاة، سواء كانت هذه الصلاة
فرضا أو سنة . (٤).
٣ - واتفقوا على أن أكمل السجود هو أن يسجد
المصلي على سبعة أعضاء، وهي الجبهة مع
(١) سورة الحج / ٧٧
(٢) حديث: ((المسيء صلاته)). أخرجه البخاري (فتح الباري
٢٧٦/٢ -٢٧٧ - ط السلفية)، ومسلم (٣٥٤/١ - ط
عيسى الحلبي) واللفظ له .
(٣) حديث: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ٢٩٥/٢ - ط السلفية)، ومسلم
(٣٥٤/١ - ط عيسى الحلبي).
(٤) البدائع ١٠٥/١، حاشية ابن عابدين ١/ ٣٠٠ - ٣٢٠،
جواهر الإكليل ٤٨/١، روضة الطالبين ٢٥٥/١، مغني
المحتاج ١٦٨/١، المغني لابن قدامة ٥١٤/١
الأنف، واليدان، والركبتان، والقدمان،
لقوله ◌َ له: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم
على الجبهة - وأشار بيده إلى أنفه - والرجلين
والركبتين وأطراف القدمين)). (١)
وفي رواية: أمرت بالسجود على سبعة أعظم
اليدين، والركبتين، والقدمين، والجبهة . (٢)
ومن كمال السجود أن ترتفع أسافله على
أعالیه كاشفا وجهه لیباشر به الأرض.
وأن يطمئن ساجدا لقوله قلة للمسيء
صلاته: ((ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا))(٣)
وقوله{قلټ: «إذا سجدت فأمكن وجهك من
السجود كله حتى تطمئن ساجدا ولا تنقر
نقرا)). (٤) لما روي عن عقبة بن عامر رضي الله
عنه قال: لما نزلت ﴿فسبح باسم ربك
(١) حديث: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ٢٩٧/٢ - ط السلفية) ومسلم
(٣٥٤/١ - ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث: ((أمرت بالسجود ... )) أخرجه البخاري (الفتح
٢٩٥/٢ ط السلفية) ومسلم (٣٥٤/١ ط عيسى الحلبي).
(٣) حديث: ((المسيء صلاته)). سبق تخريجه ف/ ٢
(٤) حديث: ((إذا سجدت فأمكن وجهك ... )) أخرجه البزار
وفيه إسماعيل بن رافع وهو ضعيف (مجمع الزوائد
٢٧٦/٣)، وأخرجه الترمذي بلفظ ((أن النبي_® كان إذا
سجد أمكن أنفه وجبهته من الأرض ... )) وقال: حديث
حسن صحيح (سنن الترمذي ٢/ ٥٩ - ٦٠ بتحقيق أحمد
شاكر).
- ٢٠٢ -
سجود ٣
العظيم﴾(١) قال رسول الله وَ ل} ((اجعلوها في
ركوعكم)). فلما نزلت ﴿سبح اسم ربك
الأعلى﴾(٢) قال: ((اجعلوها في سجودكم)). (٣)
وأن يعتدل في سجوده ويرفع ذراعيه عن
الأرض، ولا يفترشهما، وينصب القدمين
ويوجه أصابع الرجلين واليدين إلى القبلة، لما
رواه أنس بن مالك رضي الله عنه عن النبي وَليه
قال: ((اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم
ذراعيه انبساط الكلب)). (٤) وعن عائشة
رضي الله عنها ((أن النبي ێے کان ینهی أن
يفترش الرجل ذراعيه افتراش السبع))(٥) وعن
أبي حميد ((أن النبي وَلّ: إذا سجد وضع يديه
غير مفترش ولا قابضهما واستقبل بأطراف
أصابع رجليه القبلة)). (٦) وعن جابر رضي الله
(١) سورة الواقعة/ ٧٤
(٢) سورة الأعلى / ١
(٣) حديث: ((لما نزلت ﴿فسيح باسم ربك العظيم) قال
رسول الله ◌َا﴾: اجعلوها في ركوعكم ... )) أخرجه ابوداود
(٥٤٢/١ - ط استانبول) وإسناده حسن (الفتوحات
الربانية ٢٤١/٢)
(٤) حديث: ((اعتدلوا في السجود ولا يبسط أحدكم ذراعيه
انبساط الكلب)) أخرجه البخاري (الفتح ٣٠١/٢ - ط
السلفية)، ومسلم (٣٥٥/١ - ط عيسى الحلبي).
(٥) حديث: ((أن النبي / كان ينهى أن يفترش الرجل
ذراعيه ... )) أخرجه مسلم (٣٥٨/١ - ط عيسى الحلبي).
(٦) حديث: ((أن النبي ﴿ إذا سجد وضع يديه غير مفترش =
عنه قال: قال رسول اللّه وله: ((إذا سجد
أحدكم فليعتدل ولا يفترش ذراعيه افتراش
الكلب)). (١) وعن وائل بن حجر رضي الله عنه
((أن النبي ◌َ له: كان إذا سجد ضم أصابعه
وجعل يديه حذو منكبيه)). (٢)
وروي عن النبي # أنه قال: ((إذا سجد
العبد سجد كل عضو منه فليوجه من أعضائه
إلى القبلة ما استطاع)). (٣)
وأن يجافي مرفقیه عن جنبيه لما روى أحمر بن
جزء ((أن رسول اللّه و # كان إذا سجد جافى
عضدیه عن جنبیه حتى نأوي(٤) له)).(٥) وروي
((أنه كان إذا سجد لوشاءت بهمة أن تمر بين يديه
= ولا قابضهما واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة)).
أخرجه البخاري (الفتح ٣٠٥/٢ - ط السلفية).
(١) حديث: ((إذا سجد أحدكم فليعتدل ولا يفترش ذراعيه
افتراش ... )) أخرجه الترمذي (سنن الترمذي ٦٥/٢ - ٦٦
- ط دار الكتب العلمية) وقال: حديث حسن صحيح .
(٢) حديث: ((أن النبي ◌َلإ كان إذا سجد ضم أصابعه ... ))
أخرجه البيهقي من حديث وائل بن حجر (سنن البيهقي
١١٢/٢)
(٣) حديث: ((إذا سجد العبد سجد ... )) أورده الزيلعي في
نصب الراية (٣٨٧/١) وقال: غريب.
(٤) نأوي له: نرثي له ونشفق عليه (النهاية ٨٢/١ ط
الحلبي).
(٥) حدیث: ((ان رسول الله ﴾ کان إذا سجد جافی عضدیه».
أخرجه أبو داود (٥٥٥/١ - ط استانبول) وصحح النووي
إسناده (المجموع ٤٢٩/٣، ٤٣٠).
- ٢٠٣ -
سجود ٣
مرت)). (١)
وأن يرفع بطنه عن فخذيه لما رواه أبو حميد
((أن النبي ◌َ﴾: كان إذا سجد فرّج بين فخذيه
غير حامل بطنه على شيء من فخذيه)). (٢)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((أتيت
رسول اللّه ◌َل﴾ من خلفه فرأيت بياض بطنه(٣)
وهو مُجَخٌّ، قد فرّج بين يديه)). (٤)
وأن يفرج بين رجليه أي بین قدمیه وفخذيه
وركبتيه، لما رواه أبو حميد في وصف صلاة
رسول الله و لل قال: ((إذا سجد فرّج بين
رجليه)). (٥)
(١) حديث: ((كان إذا سجد لو شاءت بهمة أن تمر بين يديه
لمرت)). أخرجه مسلم (٣٥٧/١ - ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث: ((كان إذا سجد فرج بين فخذيه ... )) أخرجه
أبوداود من حديث أبي حميد وسكت عنه المنذري (مختصر
سنن أبي داود للمنذري ١/ ٣٥٨ وسنن أبي داود ١/ ٤٧١ -
ط استانبول) ونيل الأوطار (٢٥٧/٢ ط العثمانية).
(٣) حديث ابن عباس رضي الله عنهما قال: ((أتيت
رسول اللّه ◌َ ﴿ من خلفه فرأيت بياض إبطيه وهو مجخ ... ))
أخرجه أبوداود (٥٥٥/١ - ط استانبول) وهو حديث
حسن. (جامع الأصول ٣٧٢/٥).
(٤) جخى في صلاته: رفع بطنه وفتح عضديه في السجود
(المعجم الوسيط).
(٥) حديث: ((إذا سجد فرج بين رجليه ... )) أخرجه أبوداود
(٤٧١/١ - ط استانبول) بلفظ: ((إذا سجد فرج بين
فخذیه» وسكت عنه أبوداود والمنذري (مختصر سنن أبي
داود ٣٥٨/١).
وأن يضع راحتيه على الأرض مبسوطتين
مضمومتي الأصابع بعضها إلى بعض مستقبلا
بهما القبلة، ويضعهما حذو منكبيه، لقول أبي
حميد: ((أن النبي ◌ُّلل وضع كفيه حذو
منكبيه)». (١) وقال بعضهم: يضعهما بحذاء
أذنيه، لما رواه وائل بن حجر رضي الله عنه:
((أن رسول الله ◌َ ر سجد فجعل كفيه بحذاء
أذنیه» وفي رواية: «ثم سجد ووضع وجهه بین
کفیه». (٢)
وأن يعتمد على راحتيه لقوله ﴿ لعبد الله بن
عمر رضي الله عنهما: ((إذا سجدت فاعتمد
على راحتيك)). (٣)
(١) حديث: ((أن النبي وَ ﴿ وضع كفيه حذو منكبيه)) أخرجه
الترمذي (٥٩/٢ - ٦٠ - ط دار الكتب العلمية) من حديث
أبي حميد الساعدي وقال: حديث أبي حميد حسن صحيح .
(٢) حديث: ((أن رسول الله ◌َ لا سجد فجعل كفيه بحذاء
أذنیه)). أخرجه إسحاق بن راهويه في مسنده من حديث
وائل بن حجر بلفظ: ((رمقت النبي ◌َ﴿ فلما سجد وضع
يديه حذاء أذنيه)). وكذلك رواه الطحاوي في شرح الآثار
وعبدالرزاق في مصنفه. (نصب الراية ١/ ٣٨١) ويدل
علیه ما أخرجه مسلم من حديث وائل بن حجر بلفظ ((فلما
سجد سجد بين كفيه)) (صحيح مسلم ٣٠١/١ ط عيسى
الحلبي).
(٣) حديث: ((إذا سجدت فاعتمد على راحتيك)). يدل عليه
ما رواه أبو یعلی الموصلي في مسنده من حديث أبي إسحاق
قال: وصف لنا البراء بن عازب السجود فسجد فادعم
على كفيه ورفع عجيزته. وقال هكذا كان يفعل
رسول اللهټ. قال النووي في الخلاصة: رواه ابن حبان
والبيهقي وهو حديث حسن (نصب الراية ١/ ٣٨١).
- ٢٠٤ -
سجود ٤
أما المرأة فتضم بعضها إلى بعض في
سجودها فتلصق بطنها بفخذيها، ومرفقیها
بجنبیھا، وتفترش ذراعیها وتنخفض،
ولا تنتصب کانتصاب الرجال، ولا تفرق بين
رجليها. قال بعض العلماء: ومثل المرأة في ذلك
الخنثى لأن ذلك أسترها، وأحوط له. (١)
أحكام السجود :
اختلف الفقهاء في مسائل من أحكام
السجود منها :
وضع الرکیتین قبل الیدین أو عكسه:
٤ - ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفية والشافعية
والحنابلة وجمع من علماء السلف كالنخعي
وسفيان الثوري وإسحاق ومسلم بن يساروابن
المنذر إلى أنه من المستحب أن يضع ركبتيه ثم
یدیه، ثم جبهته وأنفه، فإن وضع یدیه قبل.
ركبتيه أجزأه إلا أنه ترك الاستحباب، لما رواه
وائل بن حجر رضي الله عنه قال: ((رأيت
النبي ◌َّ إذا سجد وضع ركبتيه قبل يديه، وإذا
(١) البدائع ١٠٥/١، ٢١٠،١٦٢، حاشية ابن عابدين
٣٠٠/١، ٣١٢، القوانين الفقهية ص٦٨، جواهر
الإكليل ٤٨/١، المجموع ٤٢٠/٣، ٤٣١، مغني المحتاج
١٦٨/١، روضة الطالبين ٢٥٥/١، شرح السنة للبغوي
١٣٢/٣، سبل السلام ١٨١/١
نهض رفع یدیه قبل رکیتیه». (١)
وروى سعد بي أبي وقاص رضي الله عنه
قال: كنا نضع الیدین قبل الركبتين فأمرنا بوضع
الرکیتین قبل الیدین)»(٢) وقد روی الأثرم عن
أبي هريرة: ((إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه
قبل يديه ولا يبرك بروك الجمل)). (٣)
وذهب المالكية والأوزاعي وهورواية عن أحمد
إلى أنه يقدم يديه قبل ركبتيه لما روي عن أبي
هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول اللّه الله :
إذا ((سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير،
ولیضع یدیه قبل رکیتیه». (٤)
(١) حديث وائل بن حجر: ((رأيت النبي* إذا سجد وضع
رکیتیه قبل یدیه ... » أخرجه أبو داود (١/ ٥٢٤ - ط
استانبول) والترمذي (٥٦/٢ - ٥٧ ط دار الكتب العلمية)
وقال: هذا حديث حسن غريب لا نعرف أحدا ر واه مثل
هذا عن شريك.
(٢) حديث سعد بن أبي وقاص: ((كنا نضع اليدين قبل
الركبتين فأمرنا ... )) أخرجه ابن خزيمة في صحيحه
(٣١٩/١ - نشر المكتب الإسلامي) وضعفه النووي في
المجموع (٤٢٢/٣).
(٣) حديث: ((إذا سجد أحدكم فليبدأ بركبتيه قبل يديه
ولا يبرك بروك الجمل)). أخرجه البيهقي (٢/ ١٠٠ - ط
دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي هريرة. قال
النووي: ضعفه البيهقي (المجموع ٤٢٢/٣).
(٤) حديث: ((إذا سجد أحدكم فلا يبرك كما يبرك البعير)).
أخرجه أبوداود (٥٢٥/١ - ط استانبول) والنسائي
(٢٠٧/٢ - ط المطبعة الأزهرية) وأحمد (٣٨١/٢ - ط
الميمنية) وإسناده صحيح (زاد المعاد بتحقيق شعيب
الأرناؤوط ٢٢٣/١).
- ٢٠٥ -
سجود ٥
وروي عن مالك أن الساجد له أن يقدم أيهما
شاء من غير تفضيل بينهما، لعدم ظهور ترجيح
أحد المذهبين على الآخر.(١)
السجود على اليدين والركبتين والقدمين :
٥ - ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفية والمالكية
وأحد القولين لدى الشافعية ورواية عن أحمد
إلى أنه لا يجب على الساجد وضع يديه وركبتيه
وقدميه، وإنما الواجب عليه هو السجود على
الجبهة، - وهي من مستدير ما بين الحاجبين إلى
الناصية - لأن الأمر بالسجود ورد مطلقا من غير
تعيين عضو، ثم انعقد الإجماع على تعيين
بعض الوجه، فلا يجوز تعیین غيره - زاد
الحنفية - ولا يجوز تقييد مطلق الكتاب - وهو هنا
قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا اركعوا
واسجدوا﴾(٢) - بخبر الواحد، ولقوله تعالى:
﴿سيماهم في وجوههم من أثر السجود﴾، (٣)
ولقوله ◌َله: ((إذا سجدت فمكن جبهتك)) (٤)
فإفرادها بالذكر دليل على مخالفتها لغيرها من
(١) البدائع ١/ ٢١٠، القوانين الفقهية ص٦٨، الفواكه
الدواني ٢١٠/١، المجموع ٤٢١/٣، مغني المحتاج
١/ ١٧٠، المغني لابن قدامة ٥١٤/١، شرح السنة
للبغوي ١٣٤/٣، روضة الطالبین ٢٥٥/١
(٢) سورة الحج/ ٧٧
(٣) سورة الفتح / ٢٩
(٤) حديث: ((إذا سجدت فمكّن جبهتك)). سبق تخريجه بهذا
المعنى ف/ ٣
الأعضاء الأخرى، ولأن المقصود من السجود
وضع أشرف الأعضاء على مواطىء الأقدام،
وهو خصيص بالجبهة، ولأنه لو كان وضع
الأعضاء الأخرى واجبا لوجب الإيماء بها عند
العجز عن وضعها كالجبهة .
فإذا سجد على جبهته أو على شيء منها
دون ما سواها من الأعضاء أجزأه ذلك .
وذهب بعض الفقهاء من الحنابلة وأحد
القولين لدى الشافعية وطاوس وإسحاق إلى
وجوب السجود على اليدين والركبتين والقدمين
لما رواه ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال
رسول اللّه ◌ُ له: ((أمرت بالسجود على سبعة
أعظم: اليدين والركبتين والقدمين والجبهة))(١)
وعن ابن عمر رضي الله عنهما ((أن اليدين
یسجدان كما يسجد الوجه، فإذا وضع أحدكم
وجهه فليضع يديه، وإذا رفعه فليرفعهما)). (٢)
وقوله مَالله: ((إذا سجد العبد سجد معه سبعة
آراب: وجهه وكفاه وركبتاه وقدماه))(٣) ويكفي
(١) حديث: ((أمرت بالسجود على سبعة أعظم)). سبق تخريجه
ف/ ٢
(٢) حديث ابن عمر: ((أن اليدين يسجدان كما يسجد
الوجه ... )) أخرجه أحمد بن حنبل (المسند ٦/٢ ط
اليمنية) وأبو داود (سنن أبي داود ٥٥٣/١ ط استانبول)
والحاكم (المستدرك ٢٢٦/١) وصححه ووافقه الذهبي.
(٣) حديث: ((إذا سجد العبد سجد معه سبعة آراب ... ))
أخرجه مسلم (١/ ٣٥٥ ط عيسى الحلبي) وأبو داود
(٥٥٢/١ - ٥٥٣ ط استانبول) من حديث العباس بن عبد
المطلب واللفظ لأبي داود.
- ٢٠٦ -
٠٠
سجود ٦
وضع جزء من كل واحد من هذه الأعضاء إلا أن
الشافعية يرون أن العبرة في الیدین ببطن الكف
سواء الأصابع أو الراحة، وفي القدمين ببطن
الأصابع فلا تجزىء الظهر منها ولا الحرف، أما
الحنابلة فیرون أن وضع بعض كل عضومن
الأعضاء الستة المذكورة يجزىء سواء كان ظاهره
أو باطنه، لأن الأحاديث لم تفرق بين باطن
العضو وظاهره.(١)
وضع الأنف على الأرض في السجود:
٦ - ذهب جمهور الفقهاء وهم المالكية والشافعية،
وأبو يوسف ومحمد صاحبا أبي حنيفة، وعطاء
وطاوس وعكرمة والحسن وابن سيرين وأبو ثور
والثوري، وهو رواية عن أحمد، إلى أنه لا يجب
السجود على الأنف مع الجبهة لقوله عليه :
(أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)). (٢) ولم
يذكر الأنف فيه، ولحديث جابر رضي الله عنه
قال: «رأيت رسول الله ټ﴾ سجد بأعلى جبهته
على قصاص الشعر)). (٣)
(١) البدائع ١٠٥/١، حاشية ابن عابدين ٣٠٠/١ - ٣٢٠،
كشاف القناع ١/ ٣٥٠، المغني لابن قدامة ٥١٥/١، مغني
المحتاج ١٦٩/١، المجموع ٤٢٦/٣، روضة الطالبين
١/ ٢٥٥، الفواكه الدواني ٢١١/١
(٢) حديث: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)). أخرجه
البخاري (الفتح ٢٩٥/٢ - ط السلفية).
(٣) حديث جابر رضي الله عنه: ((رأيت رسول الله ◌َلله سجد =
وإذا سجد بأعلى جبهته لم يسجد على
الأنف، وقولهچ#: «إذا سجدت فمکن جبهتك
من الأرض ولا تنقر نقرا)).(١)
ويستحب عند هؤلاء السجود على الأنف
مع الجبهة للأحاديث التي تدل على ذلك.
وذهب الحنابلة وهو قول عند المالكية
وسعيد بن جبير وإسحاق والنخعي وأبو خيثمة
وابن أبي شيبة: إلى وجوب السجود على
الأنف مع الجبهة، لما روى ابن عباس رضي الله
عنهما أن النبي ◌َّلها قال: ((أمرت أن أسجد
على سبعة أعظم: الجبهة - وأشار بيده على
أنفه ـ واليدين والركبتين، وأطراف القدمين)).
وفي رواية ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم
الجبهة والأنف)). (٢) الحديث.
وعن أبي حميد أن النبي ◌َّ: ((كان إذا سجد
٧
= بأعلى جبهته على قصاص الشعر)). أخرجه الدارقطني
(٣٤٩/١ ط شركة الطباعة الفنية المتحدة). وقال: تفرد به
عبدالعزيز بن عبيد الله عن وهب وليس بالقوي، وقال
النسائي: متروك. وله طريق أخرى رواها الطبراني في
الأوسط من طريق أبي بكر بن أبي مريم عن حكيم بن
عمير عن جابر وأعله ابن حبان بابن أبي مريم وقال: رديء
الحفظ يحدث بالشيء ويهم فيه (التلخيص الحبير ١/ ٢٥١
ط شركة الطباعة الفنية).
(١) حديث: ((إذا سجدت فمكن جبهتك بالأرض ولا تنقر
نقرا)). سبق تخريجه بهذا المعنى ف/ ٣
(٢) حديث: ((أمرت أن أسجد على سبعة أعظم)). سبق
تخريجه ف/ ٢
- ٢٠٧ -
سجود ٦ - ٧
أمكن أنفه وجبهته من الأرض»(١) وعن ابن
عباس رضي الله عنهما عن النبي يلي: أنه رأى
رجلا يصلي لا يصيب أُنفه الأرض فقال:
((لا صلاة لمن لا يصيب أنفه من الأرض
ما يصيب الجبين)). (٢)
وذهب أبو حنيفة إلى أنه خير بين السجود،
على الجبهة وبين السجود على الأنف، وأن
الواجب هو السجود على أحدهما فلو وضع
أحدهما في حالة الاختيار جاز، غير أنه لو وضع
الجبهة وحدها جاز من غير كراهة ولو وضع
الأنف وحده جاز مع الكراهة .
قال ابن المنذر: لا يحفظ أن أحدا سبقه إلى
هذا القول، ولعله ذهب إلى أن الجبهة والأنف
عضو واحد، لأن النبي صل# لما ذكر الجبهة أشار
إلى أنفه. (٣) والعضو الواحد يجزىء السجود
(١) حديث: ((كان إذا سجد مكّن جبهته وأنفه من الأرض)).
أخرجه الترمذي (٢/ ٥٩ - ٦٠ تحقیق أحمد شاکر ط دار
الكتب العلمية) من حديث أبي حميد الساعدي. وقال:
حديث أبي همید حديث حسن صحيح.
(٢) حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((لا صلاة لمن لا يصيب
أنفه من الأرض)». أخرجه الدارقطني (٣٤٨/١ - ٣٤٩ ط
شركة الطباعة الفنية المتحدة) وقال: الصواب عن عاصم
عن عكرمه مرسلا. وقال الشوكاني: روى إسماعيل بن
عبدالله المعروف بسمويه في فوائده عن عكرمة عن ابن
عباس قال: إذا سجد أحدكم فليضع أنفه على الأرض
فإنكم قد أمرتم بذلك (نيل الأوطار ٢٥٩/٢ ط العثمانية).
(٣) حديث: ((أن النبي ◌َ ليل لما ذكر الجبهة أشار إلى أنفه)) . =
علی بعضه.(١)
كشف الجبهة وغيرها من أعضاء السجود:
٧ - ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفية والمالكية
والحنابلة، وجمع من علماء السلف، كعطاء
وطاوس والنخعي والشعبي والأوزاعي إلى عدم
وجوب كشف الجبهة واليدين والقدمين في
السجود، ولا تجب مباشرة شيء من هذه
الأعضاء بالمصلى بل يجوز السجود على كمه
وذيله ويده وکور عمامته وغير ذلك مما هو متصل
بالمصلي في الحر أو في البرد، لحديث أنس
رضي الله عنه قال: ((كنا نصلي مع
رسول الله ﴾ في شدة الحر فإذا لم يستطع أحدنا
أن يمكن جبهته من الأرض يبسط ثوبه فيسجد
عليه. (٢) ولما روي عن ابن عباس رضي الله
عنهما قال: ((لقد رأيت رسول الله أَل ـ في يوم
مطير وهو يتقي الطين إذا سجد بكساء عليه
= أخرجه البخاري (الفتح ٢٩٧/٢ ط السلفية) ومسلم
(٣٥٤/١ ط عيسى الحلبي).
(١) البدائع ١٠٥/١، ابن عابدين ٣٠٠/١ - ٣٢٠، جواهر
الإكليل ٤٨/١، الفواكه الدواني ٢١٠/١، المجموع
٤٢٤/٣، مغني المحتاج ١٦٨/١، المغني لابن قدامة
٥١٦/١، كشاف القناع ١/ ٣٥٠، القوانين الفقهية
ص٦٨، سبل السلام ١/ ١٨٠، شرح السنة للبغوي
١٣٩/٣
(٢) حديث ابن مالك رضي الله عنه: ((كنا نصلي مع
رسول الله وَ ل# في شدة الحر .... )) أخرجه البخاري (الفتح
٤٩٢/١ ط السلفية) ومسلم (٤٣٣/١) واللفظ له .
- ٢٠٨ -
:
سجود ٧ - ٨
يجعله دون يديه إلى الأرض إذا سجد)).(١)
وروي عن النبي ◌ّله: ((أنه سجد على كور
عمامته)». (٢)
وعن الحسن قال: كان أصحاب
رسول الله ل# يسجدون وأيديهم في ثيابهم
ویسجد الرجل علی عمامته»، وفي رواية: كان
القوم يسجدون على العمامة والقلنسوة ويده في
کمه». (٣)
وذهب الشافعية وهو رواية عن أحمد إلى
وجوب کشف الجبهة ومباشرتها بالمصلى وعدم
جواز السجود علی کمه وذيله ويده وکور عمامته
(١) حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((لقد رأيت
رسول الله وَل في يوم مطير وهو يتقي الطين ... )) أخرجه
أحمد بن حنبل وأبو يعلى والطبراني بهذا المعنى، وقال
الهيثمي: رجال أحمد رجال الصحيح (مجمع الزوائد ٢/ ٤٨
نشر دار الكتاب العربي ونيل الأوطار ٢٦١/٢ ط
العثمانية).
(٢) حديث: ((أن النبي پڼ سجد علی کور عمامته)). روي من
حديث أبي هريرة ومن حديث ابن عباس ومن حديث
عبدالله بن أبي أوفى ومن حديث جابر ومن حديث ابن عمر
رضي الله عنهم بأسانيد ضعيفة (نيل الأوطار ٢/ ٢٦٠ ط
العثمانية، نصب الراية ٣٨٤/١).
(٣) قول الحسن: ((كان القوم يسجدون على العمامة
والقلنسوة، ويده في كمه)). ذكره البخاري معلقا (الفتح
٤٩٢/١ ط السلفية) ووصله عبد الرزاق عن هشام بن
حسان عن الحسن بلفظ: ((إن أصحاب رسول الله (چ# كانوا
يسجدون وأيديهم في ثيابهم)) ووصله البيهقي أيضا وقال
هذا أصح ما في السجود موقوفا على الصحابة (نيل الأوطار
٢٦١/٢ ط العثمانية، ونصب الراية ٣٨٥/١).
أو قلنسوته أو غير ذلك مما هو متصل به ويتحرك
بحركته لقولهچچ: «إذا سجدت فمکن جبهتك
من الأرض))(١) الحديث، ولما روي عن
خباب بن الأرت رضي الله عنه قال: شكونا
إلى رسول الله لل حرّ الرمضاء في جباهنا وأكفنا
فلم يشكنا)) وفي رواية: فما أشكانا. (٢)
الطمأنينة في السجود :
٨ - الطمأنينة في السجود هي أن يستقر كل عضو
في مكانه، وقدره بعض العلماء بزمن من يقول
فيه: ((سبحان ربي الأعلى)» مرة واحدة وذلك
بعد أن يهوي للسجود مكبرا . (٣)
وذهب الجمهور إلى فرضية الطمأنينة خلافا
لأبي حنيفة ومحمد، فهي ليست فرضا بل
واجب يجبر ترکه بسجود السهو. وتفصيله في
(صلاة) وفي (طمأنينة).
(١) حدیث: «إذا سجدت فمكّن جبهتك من الأرض)). سبق
تخريجه بهذا المعنى ف/ ٣
(٢) حدیث خپاب: «شکونا إلى رسول اللهێټ حر الرمضاء في
جباهنا وأكفنا ... )) أخرجه مسلم بلفظ: ((شكونا إلى
رسول اللهټ في الرمضاء فلم یشکنا» وفي رواية له: ((أتينا
رسول الله ﴿ فشكونا إليه حر الرمضاء فلم يشكنا)»
(صحيح مسلم ٤٣٣/١ ط عيسى الحلبي).
(٣) المجموع للإمام النووي ٣/ ٤١٠، البدائع ١/ ١٦٢،
حاشية ابن عابدين ٣١٢/١، مغني المحتاج ١٦٩/١،
حاشية العدوي ١/ ٢٣٧، الفواكه الدواني ١/ ٢١٠،
المغني لابن قدامة ١/ ٥٠٠
- ٢٠٩ -
سجود ٩ - ١٠
التكبير للسجود والتسبيح فيه :
٩ - ذهب جمهور الفقهاء وهم الحنفية والمالكية
والشافعية ورواية عن أحمد إلى أن التكبير
والتسبيح وسائر الأذكار والأدعية الواردة في
السجود سنة ليست بواجبة، فلوتركها المصلي
عمدا لم يأثم وصلاته صحيحة، سواء تركها
عمدا أوسهوا، ولكن يكره تركها عمدا لحديث
المسيء صلاته حيث إن النبي و القر عندما علمه
فروض الصلاة لم يعلمه هذه الأذكار، ولو كانت
واجبة لعلمه إياها، وتحمل الأحاديث الواردة
بهذه الأذكار على الاستحباب .
وذهب الحنابلة وإسحاق إلى وجوب التكبير
والتسبيح في السجود فإن ترك شیئا منها عمدا
بطلت صلاته، وإن ترك نسيانا لم تبطل صلاته
بل يسجد للسهو، لأن النبي ما فعله وأمر به .
وأمره للوجوب، وقال ◌َله: ((صلوا كما رأيتموني
أصلي)(١) ولما روي عنه وَ ل قال: ((لا تتم صلاة
لأحد من الناس حتى يتوضأ)) - إلى أن قال -:
((ثم يقول: الله أكبر، ثم يسجد، حتى تطمئن
مفاصله)). (٢)
(١) حديث: ((صلوا كما رأيتموني أصلي ... )) أخرجه البخاري
(الفتح ١١١/٢ ط السلفية) من حديث مالك بن
الحويرث.
(٢) حديث: ((لا تتم صلاة لأحد من الناس حتى يتوضأ ... ))
أخرجه أبو داود (٥٣٦/١ - ظ استانبول) وهو حديث
حسن (جامع الأصول بتحقيق الأرناؤوط ٥/ ٤٢٠ - ٤٢٢
ط الملاح.
وقد جرى خلاف بين الفقهاء في زيادة لفظ
((وبحمده)) بعد قوله: ((سبحان ربي الأعلى)»،
وهل قول: ((سبحان ربي الأعلى)) هو المتعين أم
للمصلي أن يختارما شاء من ألفاظ التسبيح؟
وهل من المستحب أن یکررها ثلاث مرات أو
أکثر مع اعتبار حال المصلي إذا كان منفردا، أو
إماما، أو مأموما؟ وينظر مثل هذه التفاصيل في
مصطلح: ((رکوع)) حیث إن التکبیر والتسبيح في
الركوع والسجود حكمها واحد لا يختلف.
قال بعض الفقهاء: يستحب أن يقول في
سجوده بعد التسبيح: ((اللهم لك سجدت
وبك آمنت، ولك أسلمت سجد وجهي للذي
خلقه وصوره وشق سمعه وبصره تبارك الله
أحسن الخالقين))، كما يستحب الدعاء فيه.
ومن بين الأدعية الواردة: ((اللهم اغفر لي ذنبي
کله دقه وجله، وأوله وآخره، وعلانيته وسره،
اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك، وبعفوك
من عقوبتك، وأعوذ بك منك، لا أحصي ثناء
عليك أنت كما أثنيت على نفسك)). (١)
قراءة القرآن في السجود:
١٠ - اتفق الفقهاء على كراهة قراءة القرآن في
السجود، لحديث علي رضي الله عنه قال:
((نهاني رسول اللّه وَل عن قراءة القرآن وأنا رائع
(١) المراجع السابقة نفسها.
- ٢١٠ -
سجود ١١ - ١٢
أو ساجد)). (١)
وعن ابن عباس رضي الله عنهما أن
رسول الله و للإ قال: ((ألا وإني نهيت أن أقرأ
القرآن راكعا أو ساجدا، فأما الركوع فعظموا فيه
الرب، وأما السجود فاجتهدوا في الدعاء، فقمِنٌّ
أن يستجاب لكم)). (٢)
فإن قرأ غير الفاتحة في السجود لم تبطل
صلاته، وإن قرأ الفاتحة فالجمهور على أنها
لا تبطل كذلك.
وفي وجه عند الشافعية أنها تبطل، لأنه نقل
رکنا إلی غیر موضعه كما لورکع أو سجد في غیر
موضعه. (٣)
وسجود التلاوة، وسجود السهو، وسجود
الشكر تفاصيلها في مصطلحاتها .
ثانيا: السجود لغير الله :
١١ - أجمع الفقهاء على أن السجود للصنم أو
للشمس أو نحوهما من المخلوقات كفر يخرج
الساجد به عن الملة إذا كان عاقلا بالغا مختارا،
(١) حديث علي رضي الله عنه: ((نهاني رسول الله يبحث عن قراءة
القرآن وأنا راكع أو ساجد)». أخرجه مسلم (٣٤٨/١ -
٣٤٩ ط عيسى الحلبي).
(٢) حديث ابن عباس رضي الله عنهما: ((ألا وإني نهيت أن أقرأ
القرآن راكما أو ساجدا ... )) أخرجه مسلم (٣٤٨/١ ط
عيسى الحلبي).
(٣) المجموع للإِمام النووي ٤١٤/٣، المغني لابن قدامة
٥٠٣/١
سواء كان عامدا أو هازلا . (١)
وصرح الشافعية بأنه إن لم يسجد للصنم أو
للشمس على سبيل التعظيم واعتقاد الألوهية،
بل سجد لها وقلبه مطمئن بالإِيمان يجري عليه
حكم الكفار في الظاهر، ولا يحكم بكفره فيما
بينه وبين اللّه، وإن دلت قرينة قوية على عدم
دلالة الفعل على الاستخفاف، كسجود أسير
في دار الحرب بحضرة كافر خشية منه فلا
یکفر. (٢)
١٢ - كما أجمعوا على أن السجود لغير صنم
ونحوه، کأحد الجبابرة أو الملوك أو أي مخلوق آخر
هو من المحرمات وکبیرة من كبائر الذنوب، فإن
أراد الساجد بسجوده عبادة ذلك المخلوق کفر
وخرج عن الملة بإجماع العلماء، وإن لم يرد بها
عبادة فقد اختلف الفقهاء فقال بعض
الحنفية: يكفر مطلقا سواء كانت له إرادة أو لم
تکن له إرادة، وقال آخرون منهم : إذا أراد بها
التحية لم یکفر بها، وإن لم تكن له إرادة کفر عند
أكثر أهل العلم. (٣)
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣٢/١، القرطبي ٢٩٣/١، ابن
العربي ٢٧/١، دليل الفالحين ٣٥٧/٣
(٢) الجمل على شرح المنهج ٥/ ١٢٤، التفسير الكبير للرازي
٢١٢/٢
(٣) الفتاوى الهندية ٢/ ٢٨١
- ٢١١ -
٦
٠٠
٩٠٠
سجود التلاوة ١ - ٢
سجود التلاوة
التعريف :
١ - السجود لغة: مصدر سجد، وأصل السجود
التطامن والخضوع والتذلل. (١)
والسجود في الاصطلاح: وضع الجبهة أو
بعضها على الأرض أو ما اتصل بها من ثابت
مستقر على هيئة مخصوصة . (٢)
والتلاوة: مصدر تلا يتلو، يقال: تلوت
القرآن تلاوة إذا قرأته، وعم بعضهم به كل
كلام. (٣)
وسجود التلاوة : هو الذي سبب وجوبه - أو
ندبه - تلاوة آية من آيات السجود . (٤)
-
(١) لسان العرب والمصباح المنير ٢٦٦/١، والقاموس المحيط
وتهذيب الأسماء واللغات ٣/ ١٤٥
(٢) رد المحتار ١/ ٣٠٠، وجواهر الإكليل ٤٨/١
(٣) لسان العرب، والمفردات في غريب القرآن ٧٥
(٤) قواعد الفقه ٣٢٠
الحكم التكليفي :
٢ - اتفق الفقهاء على مشروعية سجود التلاوة،
للآيات والأحاديث الواردة فيه، لكنهم اختلفوا
في صفة مشروعیته أواجب هو أو مندوب .
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن سجود
التلاوة سنة مؤكدة عقب تلاوة آية السجدة لقول
الله تعالى: ﴿إن الذين أوتوا العلم من قبله إذا
يتلى عليهم يخرون للأذقان سجدا. ويقولون
سبحان ربنا إن كان وعد ربنا لمفعولا . ويخرون
للأذقان ییکون ویزیدهم خشوعا﴾(١) ولما ورد
عن أبي هريرة رضي اللّه تعالى عنه قال: قال
رسول اللّمرّة: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة
فسجد، اعتزل الشيطان يبكي، يقول:
ياويلي، وفي رواية ياويله - أمر ابن آدم بالسجود
فسجد فله الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي
النار)). (٢) ولما روى عبد الله بن عمر رضي الله
تعالى عنهما قال: ((كان رسول اللّه ◌َ ل﴾ يقرأ علينا
السورة فيها السجدة فیسجد ونسجد)). (٣)
ولیس سجود التلاوة بواجب۔۔ عندهم - لأن
النبي ◌َّله تركه، وقد قرئت عليه سورة
(١) الآيات ١٠٧ - ١٠٩ من سورة الإِسراء.
(٢) حديث: ((إذا قرأ ابن آدم السجدة فسجد اعتزل ... ))
أخرجه مسلم (١/ ٨٧ - ط الحلبي).
(٣) حديث: ((كان رسول الله يقرأ علينا السورة فيها السجدة،
فيسجد ونسجد)». أخرجه البخاري (الفتح ٢ /٥٥٦ - ط
السلفية) ومسلم (٤٠٥/١ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري.
- ٢١٢ -
سجود التلاوة ٢
﴿والنجم ... ﴾ وفيها سجدة، روی زید بن
ثابت رضي اللّه تعالى عنه قال: ((قرأت على
النبي ﴾ والنجم فلم يسجد فيها))، وفي رواية :
((فلم يسجد منا أحد))(١) وروى البخاري أن
عمر رضي الله تعالى عنه قرأ يوم الجمعة على
المنبر سورة النحل حتى إذا جاء السجدة نزل
فسجد، فسجد الناس، حتى إذا كانت الجمعة
القابلة قرأ بها حتى إذا جاء السجدة قال: ((يا أيها
الناس، إنا نمر بالسجود، فمن سجد فقد
أصاب، ومن لم یسجد فلا إثم عليه، ولم يسجد
عمر رضي الله تعالى عنه))(٢) ورواه مالك في
الموطأ وقال فيه: علی رسلکم، إن اللّه لم يكتبها
علينا إلا أن نشاء، فلم يسجد، ومنعهم أن
يسجدوا، وكان بمحضر من الصحابة، ولم
ينكروا عليه فكان إجماعا . (٣)
واستدلوا أيضا بما جاء في حديث الأعرابي
من قوله وَ لفيه: ((خمس صلوات في اليوم والليلة))
قال: هل علي غيرها؟ قال: ((لا، إلا أن
تتطوع)). (٤) وبأن الأصل عدم الوجوب حتى
(١) حديث: ((قرأت على النبي (وَ ل﴿والنجم فلم يسجد فيها)).
أخرجه البخاري (الفتح ٢ /٥٥٤ - ط السلفية) ومسلم
(٤٠٦/١ - ط الحلبي) والرواية الأخرى أخرجها
الدارقطني في سننه (١/ ٤١٠ - ط دار المحاسن).
(٢) حديث: ((أثر عمر في قراءته يوم الجمعة على المنبر بسورة
النحل)). أخرجه البخاري (الفتح ٥٥٧/٢ - ط السلفية).
(٣) رواية مالك وردت في الموطأ (٢٠٦/١ - ط الحلبي).
(٤) حديث: ((خمس صلوات في اليوم والليلة)). أخرجه =
يثبت صحیح صريح في الأمر به ولا معارض له
ولم يثبت، وبأنه يجوز سجود التلاوة على الراحلة
بالاتفاق في السفر ولو كان واجبا لم يجز كسجود
صلاة الفرض. (١)
واختلف فقهاء المالكية في حكم سجود
التلاوة، هل هوسنة غير مؤكدة أو فضيلة،
والقول بالسنية شهّره ابن عطاء الله وابن
الفاكهاني وعليه الأكثر، والقول بأنه فضيلة هو
قول الباجي وابن الکاتب وصدر به ابن الحاجب
ومن قاعدته تشهیر ما صدر به، وهذا الخلاف
في حق المكلف. أما الصبي فیندب له فقط،
وفائدة الخلاف كثرة الثواب وقلته، وأما السجود
في الصلاة ولو فرضا فمطلوب على القولين،
وقال ابن العربي: وسجود التلاوة واجب وجوب
سنة لا یأثم من ترکه عامدا. (٢)
وذهب الحنفية(٣) إلى أن سجود التلاوة أو
بدله كالإيماء واجب لحديث: ((السجدة على
من سمعها ... ))(٤) وعلى للوجوب، ولحديث
= البخاري (الفتح ٥/ ٢٨٧ - ط السلفية) ومسلم (٤١/١
- ط الحلبي) من حديث طلحة بن عبيد الله.
(١) المجموع ٥٨/٤ - ٦٢، نهاية المحتاج ٨٧/٢، مطالب
أولي النهى ١/ ٥٨١ - ٥٨٢، وكشاف القناع ٤٤٥/١
(٢) جواهر الإكليل ٧١/١، وحاشية الدسوقي ٣٠٨/١،
ومواهب الجلیل ٢/ ٦٠، وشرح الزرقاني ٢٧٣/١
(٣) فتح القدير ٣٨٢/١
(٤) حديث: ((السجدة على من سمعها)). قال الزيلعي:
حديث غريب كذا في نصب الراية (١٧٨/٢ - ط =
- ٢١٣ -
سجود التلاوة ٣
أبي هريرة رضي الله تعالى عنه: ((إذا قرأ ابن
آدم السجدة فسجد اعتزل الشیطان ییکي،
يقول: ياويله أمر ابن آدم بالسجود فسجد فله
الجنة، وأمرت بالسجود فأبيت فلي النار)).(١)
شروط سجود التلاوة :
الطهارة من الحدث والخبث:
٣ - ذهب الفقهاء إلى أنه يشترط لصحة سجود
التلاوة الطهارة من الحدث والخبث في البدن
والثوب والمكان، لكون سجود التلاوة صلاة أو
جزءا من الصلاة أو في معنى الصلاة، فيشترط
لصحته الطهارة التي شرطت لصحة الصلاة،
والتي لا تقبل الصلاة إلا بها، لما روى
عبدالله بن عمر رضي اللّه تعالى عنهما أن
النبي وَ الإ قال: ((لا تقبل صلاة بغير طهور))(٢)
فيدخل في عمومه سجود التلاوة.
وقال ابن قدامة : يشترط لسجود التلاوة
= المجلس العلمي) يعني أنه لا أصل له مرفوعا، ولكنه ذکر
ما ورد موقوفا على عثمان من قوله: إنما السجود على من
استمع. وهكذا أخرجه عبدالرزاق في المصنف (٣/ ٣٤٤ -
ط المجلس العلمي) وصحح إسناده ابن حجر في الفتح
(٥٥٨/٢ - ط السلفية).
(١) الحدیث سبق تخريجه ف/ ٢
(٢) حديث: ((لا تقبل صلاة بغير طهور)). أخرجه مسلم
(٢٠٤/١ - ط الحلبي) من حديث ابن عمر.
ما يشترط لصلاة النافلة من الطهارتين من
الحدث والنجس ... ولا نعلم فيه خلافا إلا
ما روي عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى
عنه في الحائض تسمع السجدة: تومىء
برأسها، وبه قال سعيد بن المسيب قال: ويقول:
اللهم لك سجدت، وعن الشعبي فيمن سمع
السجدة على غير وضوء: يسجد حيث كان
وجهه .
وقال القرطبي : لا خلاف في أن سجود
القرآن يحتاج إلى ما تحتاج إليه الصلاة من طهارة
حدث ونجس .. إلا ما ذكر البخاري عن
عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان
يسجد على غير طهارة. (١) وذكره ابن المنذر عن
الشعبي .
وعند المالكية في اشتراط الطهارة لسجود
التلاوة خلافه للناصر اللقاني . (٢)
قال أبو العباس: والذي تبين لي أن سجود
التلاوة واجب مطلقا في الصلاة وغيرها. وهو
رواية عن أحمد، ومذهب طائفة من العلماء،
(١) حديث: ((أثر ابن عمر)). أورده البخاري معلقا (الفتح
٥٥٣/٢ - ط السلفية) وأسنده ابن أبي شيبة في المصنف
(١٤/٢ - نشر الدار السلفية - بمبي).
(٢) رد المحتار ٥١٥/١ -٥١٦، وتفسير القرطبي ٣٥٨/٧،
الدسوقي ٣٠٧/١، والمجموع ٦٧/٢، ١٣١/٣، أسنى
المطالب ١٩٧/١، المغني ١/ ٦٢٠، ومطالب أولي النهى
١٥٣/١
- ٢١٤ -
سجود التلاوة ٣ - ٦
ولا يشرع فيه تحريم ولا تحليل. هذا هو السنة
المعروفة عن النبي وَلِّ، وعليها عامة السلف.
وعلى هذا فليس هو صلاة. فلا يشترط له
شروط الصلاة. بل يجوز على غير طهارة. كان
ابن عمر يسجد على غير طهارة. واختارها
البخاري. لكن السجود بشروط الصلاة
أفضل، ولا ينبغي أن يخل بذلك إلا لعذر.
فالسجود بلا طهارة خیر من الإخلال به، لکن
قد يقال: إنه لا يجب في هذه الحال كما لا يجب
على السامع إذا لم يسجد قارىء السجود. وإن
كان ذلك السجود جائزا عند جمهور العلماء. (١)
وأما ستر العورة واستقبال القبلة والنية فهي
شروط لصحة سجود التلاوة على التفصيل
المبين في مصطلح: ((صلاة)) و((عورة)) على أن
الشافعية اعتبروا النية ركنا.
دخول الوقت :
٤ - يشترط لصحة سجود التلاوة دخول وقت
السجود، ويحصل ذلك عند جمهور الفقهاء
بقراءة جميع آية السجدة أو سماعها، فلوسجد
قبل الانتهاء إلى آخر الآية ولو بحرف واحد لم
يصح السجود، لأنه یکون قد سجد قبل دخول
وقت السجود فلا يصح، كما لا تصح الصلاة
قبل دخول وقتها .
(١) الاختيارات لابن البعلي / ٦٠
واختلف الحنفية فيما يجب به سجود التلاوة،
فقال الحصكفي : يجب سجود التلاوة بسبب
تلاوة آية، أي أكثرها مع حرف السجدة.
وعقب ابن عابدين على ذلك بقوله: هذا
خلاف الصحيح الذي جزم به في نور
الإِیضاح.(١)
الكف عن مفسدات الصلاة :
٥ - يشترط لصحة سجود التلاوة الكف عن كل
ما يفسد الصلاة من قول أو فعل، لأن سجود
التلاوة صلاة أو في معنى الصلاة. (٢)
واشترط بعض الفقهاء شروطا أخرى لصحة
سجود التلاوة، منها: ما اشترطه الشافعية من
كون القراءة مقصودة ومشروعة، وعدم الفصل
الطويل بين قراءة آخر آية السجدة والسجود.
ومن ذلك ما ذهب إليه الحنابلة من أنه
يشترط لسجود المستمع أن يكون التالي ممن
يصلح أن يكون إماما له، وأن يسجد
التالي. (٣)
مواضع سجود التلاوة :
٦ - مواضع سجود التلاوة في القرآن الكريم
(١) رد المحتار ٥١٣/١، تفسير القرطبي ٣٥٨/٧، نهاية
المحتاج ٩٦/٢، والمغني ١/ ٦٢٠
(٢) رد المحتار ٥١٥/١، والدسوقي ٣٠٧/١، ونهاية المحتاج
٩٦/٢
(٣) المغني ١/ ٦٢٥
- ٢١٥ -
سجود التلاوة ٧ - ٨
خمسة عشر، بعضها متفق عليه، وبعضها
مختلف فيه، وقيل ست عشرة بزيادة سجدة عند
آية الحجر: ((فسبح بحمد ربك وكن من
الساجدين)). (١) خلافا لجماهير العلماء.
مواضع السجود المتفق عليها :
٧ - اتفق الفقهاء على سجود التلاوة في عشرة
مواضع من القرآن الكريم.
١ - سورة الأعراف: وهي آخر آية فيها
(( .. . ويسبحونه وله يسجدون)).
٢ - سورة الرعد: عند قول الله تعالى:
(( ... وظلالهم بالغدو والآصال)) من الآية
الخامسة عشر.
٣ - سورة النحل عند قول الله تعالى:
(( ... ويفعلون ما يؤمرون)) من الآية
الخمسين .
٤ - سورة الإِسراء: عند قول الله تعالى :
(( ... ويزيدهم خشوعا)) من الآية التاسعة بعد
المائة .
٥ - سورة مريم: عند قول الله تعالى :
(( ... خروا سجدا وبكيا)) من الآية الثامنة
والخمسين .
٦ - سورة الحج: عند قول الله تعالى: (( ... إن
الله يفعل ما يشاء)) من الآية الثامنة عشر.
+
٧ - سورة النمل: عند قول الله تعالى:
(( ... رب العرش العظيم)) من الآية السابعة
والعشرين.
٨ - سورة السجدة ((ألم تنزيل ... )) عند قول الله
تعالى: ((وهم لا يستكبرون)) من الآية الخامسة
عشر.
٩ - سورة الفرقان: عند قول الله تعالى :
(( ... وزادهم نفورا)) من الآية الستين.
١٠ - سورة حم السجدة ((فصلت)). عند قول
الله تعالى: (( .. وهم لا يسأمون)) من الآية
الثامنة والثلاثين .
هذا على ما ذهب إليه الجمهور لفعل ابن
عباس رضي الله عنهما، وقيل: إن السجود يكون
عند قوله تعالى: ﴿إن كنتم إياه تعبدون﴾ عند
تمام الآية السابعة والثلاثين، وهو المشهور عند
المالكية . (١)
مواضع السجود المختلف فيها:
اختلف الفقهاء في سجود التلاوة عند خمسة
مواضع من القرآن الكريم هي :
١ - السجدة الثانية في سورة الحج:
٨ - اختلف الفقهاء في السجود عند قوله تعالى:
(١) الدسوقي ٣٠٧/١، والمجموع ٤/ ٥٩، والمغني ٦١٩/١،
وكشاف القناع ٤٤٨/١، ومطالب أولي النهى ١/ ٥٨٥
(١) تفسير القرطبي ١٠/ ٦٣
- ٢١٦ -
سجود التلاوة ٨ - ٩
ياأيها الذين امنوا اركعوا واسجدوا ... )) الخ.
فذهب الشافعية والحنابلة إلى أن في سورة
الحج سجدتين، إحداهما التي تقدمت في المتفق
علیه، والأخرى عند قوله تعالى : ﴿يا أيها الذين
آمنوا اركعوا واسجدوا﴾ وهي الآية السابعة
والسبعون .
لما روي عن عقبة بن عامر رضي الله تعالى
عنه قال: قلت يارسول الله: فضلت سورة .
الحج بأن فيها سجدتين؟ قال: ((نعم، من لم
يسجدهما فلا يقرأهما))(١) ولأنه قول عمر وعلي
وعبد الله بن عمر وأبي الدرداء وأبي موسى
رضي الله عنهم، وأبي عبدالرحمن السلمي،
وأبي العالية وزربن حبيش، قال ابن قدامة: لم
نعرف لهم مخالفا في عصرهم، وقد قال أبو
إسحاق السبيعي التابعي الكبير: أدركت
الناس منذ سبعين سنة يسجدون في الحج
سجدتين، وقال ابن عمر رضي الله تعالى
عنهما: لو كنت تاركا إحداهما لتركت الأولى،
وذلك لأنها إخبار، والثانية أمر. (٢)
وذهب الحنفية والمالكية إلى أنه لا سجود في
هذا الموطن، واستدلوا بما روي عن أبي بن
(١) حديث عقبة بن عامر: ((فضلت سورة الحج)). أحرجه
الترمذي (٢/ ٤٧١ - ط الحلبي) وقال: «هذا حدیث لیس
إسناده بذاك القوي» .
(٢) المجموع ٤ /٦٢، والقليوبي ١/ ٢٠٦، والمغني ٦١٨/١ -
٦١٩
كعب رضي الله تعالى عنه أنه عد السجدات
التي سمعها من رسول اللّه رَ﴿ه، وعد في الحج
سجدة واحدة. وعن عبدالله بن عباس
وعبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهم قالا :
سجدة التلاوة في الحج هي الأولى، والثانية
سجدة الصلاة، ولأن السجدة متی قرنت
بالركوع كانت عبارة عن سجدة الصلاة كما في
قول الله تعالى: ((یا مریم اقنتي لربك واسجدي
واركعي مع الراكعين))(١) ولعدم سجود فقهاء
المدينة وقرائهم فيها. (٢)
٢ - سجدة سورة (ص):
٩ - ذهب الحنفية والمالكية إلى مشروعية
السجود للتلاوة في سورة (ص)، لكن الحنفية
قالوا في الصحيح عندهم: إن السجود عند قول
الله تعالی: «فغفرنا له ذلك وإن له عندنا لزلفی
وحسن مآب)). (٣)
وقال المالكية: السجود عند قول اللّه
عز وجل: (( .. . وظن داود أنما فتناه فاستغفر ربه
وخر راكعا وأناب))(٤) وهو المعتمد في المذهب
خلافا لمن قال السجود عند قول الله تعالى :-
(١) الآية ٤٣ من سورة آل عمران.
(٢) بدائع الصنائع ١٩٣/١، وفتح القدير ٣٨١/١، جواهر
الإكليل ٧١/١
(٣) الآية ٢٥ من سورة (ص).
(٤) من الآية ٢٤ من سورة (ص).
- ٢١٧ -
سجود التلاوة ٩
(( .. وحسن مآب))، ومن المالكية من اختار
السجود في الأخير في كل موضع مختلف فيه
ليخرج من الخلاف.
واستدل الحنفیة مذهبهم، بما روی ابن
عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي ێ سجد
في (ص). (١) وبما أخرجه أحمد عن أبي سعيد
رضي الله تعالى عنه قال: ((رأيت رؤيا وأنا
أكتب سورة (ص) فلما بلغت السجدة رأيت
الدواة والقلم وكل شيء بحضرتي انقلب
ساجدا، فقصصتها على رسول اللّه عليه فلم
يزل يسجد بها. (٢) قال الكمال بن الهمام في
الاستدلال بالحديث: فأفاد أن الأمر صار إلى
المواظبة عليها كغيرها من غير ترك.
واستدلوا کذلك بما روي عن عثمان
رضي اللّه تعالى عنه أنه قرأ في الصلاة سورة
(ص) وسجد وسجد الناس معه، وكان ذلك
بمحضر من الصحابة رضي الله تعالی عنهم،
ولم ينكر عليه أحد، ولو لم تكن السجدة واجبة لما
جاز إدخالها في الصلاة.
وقالوا: كون سبب السجود في حقنا الشكر
لا ينافي الوجوب، فكل الفرائض والواجبات إنما
(١) حديث ابن عباس: ((أن النبي وَ لفسجد في (ص))).
أخرجه البخاري (الفتح ٢/ ٥٥٢ - ط السلفية).
(٢) حديث أبي سعيد: ((رأيت رؤيا)). أخرجه أحمد (٧٦/٣،
٨٤ - ط الميمنية) وأورده الهيثمي في المجمع (٢٨٤/٢ - ط
القدسي) وقال: رجاله رجال الصحيح .
وجبت شكرا لتوالي النعم، ونحن نسجد
شكرا . (١)
وذهب الشافعية في المنصوص الذي قطع به
جمهورهم - والحنابلة - في المشهور في المذهب -
إلى أن سجدة (ص) ليست من عزائم
السجود، أي لیست من متأکداته- فلیست
سجدة تلاوة ولکنہا سجدة شکر، لما روى أبو
داود عن أبي سعيد رضي اللّه تعالى عنه قال:
قرأ رسول اللّه وق لقه وهو على المنبر (ص)، فلما
بلغ السجدة نزل فسجد، وسجد الناس معه،
فلما كان يوم آخر قرأها فلما بلغ السجدة تشزن
الناس للسجود - أي تأهبوا له - فقال النبي وله.
((إنما هي توبة نبي، ولكني رأيتكم تشزنتم
للسجود» فنزل فسجد وسجدوا، (٢) وروى
النسائي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما
أن النبي ◌َّ لآ سجد في (ص) وقال: ((سجدها
داود توبة، ونسجدها شكرا)). (٣)
وروى البخاري عن ابن عباس رضي اللّه
تعالى عنهما قال: (ص) ليست من عزائم
السجود . (٤)
(١) بدائع الصنائع ١٩٣/١، فتح القدير ٣٨١/١، رد المحتار
٥١٣/١، الدسوقي ٣٠٨/١
(٢) حديث: ((إنما هي توبة نبي)). أخرجه أبو داود (٢/ ١٢٤ -
تحقیق عزت عبید دعاس) وإسناده حسن .
(٣) حديث: ((سجدها داود توبة، ونسجدها شكرا)). أخرجه
النسائي (١٥٩/٢ - ط المكتبة التجارية).
(٤) حديث ابن عباس: (( (ص) ليست من عزائم =
- ٢١٨ -
....
سجود التلاوة ٩ - ١٠
وقالوا: إذا قرأ (ص) من غير الصلاة
استحب أن يسجد لحديث أبي سعيد وابن
عباس رضي الله تعالى عنهم، وإن قرأها في
الصلاة ينبغي ألا يسجد، فإن خالف وسجد
ناسيا أو جاهلا لم تبطل صلاته وسجد للسهو،
وإن سجدها عامدا عالما بتحريمها في الصلاة
بطلت صلاته على الأصح من الوجهين، لأنها
سجدة شکر، فبطلت بها الصلاة کالسجود في
الصلاة عند تجدد نعمة، ومقابل الأصح :
لا تبطل لأنها تتعلق بالتلاوة فهي كسائر
سجدات التلاوة، ولو سجد إمامه في (ص)
لكونه يعتقدها فثلاثة أوجه أصحها: لا يتابعه
بل إن شاء نوی مفارقته لأنه معذور، وإن شاء
ينتظره قائما كما لو قام إلى خامسة، فإن انتظره لم
یسجد للسهو لأن المأموم لا سهو عليه، والثاني :
لا يتابعه أيضا، وهو مخير في المفارقة والانتظار،
فإن انتظره سجد للسهو بعد سلام الإِمام، لأنه
يعتقد أن إمامه زاد في صلاته جاهلا، وأن
لسجود السهو توجھا علیھما فإذا أخل به الإِمام
سجد المأموم، والثالث: يتابعه في سجوده في
(ص) لتأكد متابعة الإِمام.
ومقابل المنصوص الذي قطع به جمهور
الشافعية ومقابل المشهور في المذهب عند الحنابلة
أن سجدة (ص) سجدة تلاوة من عزائم
= السجود)). أخرجه البخاري (الفتح ٥٥٢/٢ - ط
السلفية).
السجود، وهو قول أبي العباس بن سریج وأبي
إسحق المروزي من الشافعية، والرواية الثانية
عن أحمد، يسجد من تلاها أو سمعها(١) وذلك
لما رواه أبو موسى وأبوسعيد وعبد الله بن عباس
رضي الله تعالى عنهم: أن النبي ◌ُِّ سجد
فيها. (٢)
وينظر حكم السجود في الصلاة من آية
السجدة في سورة (ص) في بحث: (سجود
الشكر).
٣ - سجدات المفصل :
١٠ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن في المفصل
ثلاث سجدات - المفصل من أول سورة (ق)
إلى آخر المصحف - أحدها في آخر النجم،
والثانية في الآية الحادية والعشرين من سورة
الانشقاق، والثالثة في آخر سورة العلق، لما
روي عن عمرو بن العاص رضي الله تعالى
عنه: ((أن رسول اللّه ◌َ ل أقرأه خمس عشرة
سجدة منها ثلاث في المفصل)). (٣) ولما روى
(١) المجموع ٦٠/٤ - ٦١، نهاية المحتاج ٨٨/٢، المغني
٦١٨/١
(٢) حديث أبي سعيد وابن عباس تقدم تخريجهما آنفا. وأما
حديث أبي موسى فأورده ابن الهمام في فتح القدير (١/ ٣٨١
- ط بولاق) وعزاه إلى مسند أبي حنيفة الحارثي.
(٣) حديث عمرو بن العاص: ((أن رسول الله أقرأه خمس عشرة
سجدة)). أخرجه أبو داود (٢/ ١٢٠ - تحقيق عزت عبيد
دعاس) وضعفه عبد الحق الأشبيلي وابن القطان، كذا في
التلخيص لابن حجر (٩/٢ - ط شركة الطباعة الفنية).
- ٢١٩ -
سجود التلاوة ١٠
أبو رافع قال: صليت خلف أبي هريرة العتمة
فقرأ ((إذا السماء انشقت)) فسجد، فقلت:
ما هذه السجدة؟ فقال: «سجدت بها خلف
أبي القاسم ◌ِ ﴿. فلا أزال أسجد فيها حتى
ألقاه. (١) وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله
تعالى عنه قال: ((سجد نافع مع رسول اللّه وَله
في ((إذا السماء انشقت)) و((اقرأ باسم ربك))(٢)
وعن عبدالله بن مسعود رضي الله تعالى عنه
((أن النبي آل﴾ قرأ سورة النجم فسجد بها،
وما بقي أحد من القوم إلا سجد)). (٣) ولأن آية
سورة النجم: ((فاسجدوا لله واعبدوا)) وآية آخر
سورة العلق: ((كلا لا تطعه واسجد واقترب)»
وكلتا الآيتين أمر بالسجود. (٤)
ومشهور مذهب مالك أنه لا سجود في شيء
من المفصل، واستدلوا بما روى زيد بن ثابت
رضي الله تعالى عنه قال: ((قرأت على
(١) حديث أبي رافع: ((صليت خلف أبي هريرة العتمة)).
أخرجه البخاري (الفتح ٢ /٥٥٩ - ط السلفية) ومسلم
(٤٠٧/١ - ط الحلبي).
(٢) حديث أبي هريرة: ((سجدنا مع رسول الله في ﴿إذا السماء
انشقت﴾)) أخرجه مسلم (٤٠٦/١ - ط الحلبي).
(٣) حديث عبد الله بن مسعود: ((أن النبي ◌ُ لو قرأ سورة
النجم)). أخرجه البخاري (الفتح ٥٥٣/٢ - ط السلفية)
ومسلم ٤٠٥/١ - ط الحلبي).
(٤) المجموع ٦٢/٤ - ٦٣، بدائع الصنائع ١٩٣/١، والمغني
٦١٧/١
النبي ﴾ ﴾ النجم فلم يسجد»(١) وبما روي عن
ابن عباس وابن عمر رضي الله عنہم قالا : لیس
في المفصل سجدة، وبما أخرج ابن ماجة عن
أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال:
((سجدت مع النبي ◌َّ - إحدى عشرة سجدة
ليس فيها من المفصل شيء: الأعراف،
والرعد، والنحل، وبني إسرائيل، ومريم،
والحج، وسجدة الفرقان، وسورة النمل،
والسجدة، وفي (ص) وسجدة الحواميم))، (٢)
ولعمل أهل المدينة لعدم سجود فقهائها وقرائها
في النجم والانشقاق. (٣)
والمعتمد عند المالكية أن المصلي إذا سجد
للتلاوة في ثانية الحج أو في سجدات المفصل لم
تبطل صلاته للخلاف فيها، وقيل: تبطل
صلاته إلا أن يكون مقتديا بمن يسجدها
فيسجد معه، فإن ترك اتباعه أساء وصحت
صلاته، ولو سجد دون إمامه بطلت صلاته .
ونقل الزرقاني اتجاهات المالكية في اعتبار
(١) حديث زيد بن ثابت: ((قرأت على النبي ◌َّ﴿ النجم فلم
يسجد)». أخرجه البخاري (الفتح ٢ /٥٥٤ - ط السلفية)
ومسلم (٤٠٦/١ - ط الحلبي).
(٢) حديث أبي الدرداء: ((سجدت مع النبي ◌َّ إحدى عشرة
سجدة)). أخرجه ابن ماجة (٣٣٥/١ - ط الحلبي) وضعف
إسناده البوصيري في مصباح الزجاجة (٢٠١/١ - ط دار
الجنان).
(٣) تفسير القرطبي ٧/ ٣٥٧، جواهر الإكليل ١/ ٧١،
والدسوقي ٣٠٨/١
- ٢٢٠ -