Indexed OCR Text
Pages 21-40
زنى ٧ - ٨ أركان الزنى : ٧ - صرح فقهاء الحنفية بأن ركن الزنى الموجب للحد هو الوطء المحرم. فقد جاء في الفتاوى الهندية: وركنه التقاء الختانين ومواراة الحشفة، لأن بذلك يتحقق الإِيلاج والوطء. وهو ما يفهم من المذاهب الأخرى، حیث إنهم يعلقون حد الزنى على تغييب الحشفة أو قدرها عند عدمها، حتى إذا لم يكن تغييب انتفى الحد.(١) والوطء المحرم هو الذي يحدث في غيرملك الواطىء ۔ ملك یمینه وملك نكاحه - فکل وطء حدث في غیر ملکه فهو زنی يجب فيه الحد. أما إذا حدث الوطء في ملك الواطىء فلا يعتبر ذلك زنى ولو كان الوطء محرما، حيث إن التحريم هنا ليس لعينه وإنما هو لعارض . كوطء الرجل زوجته الحائض أو النفساء. (٢) ويشترط تعمد الوطء، وهو أن يرتكب الزاني الفعل وهو يعلم أنه يطأ امرأة محرمة عليه، أو أن تمكن الزانية من نفسها وهي تعلم أن من يطؤها محرم عليها. ومن ثم فلا حد على الغالط (١) الفتاوى الهندية ٢/ ١٤٣ المطبعة الأميرية ١٣١٠هـ، التاج والإكليل بهامش مواهب الجليل ٦/ ٢٩٠ دار الفكر - ١٩٧٨م. شرح روض الطالب ١٢٥/٤ المكتبة الإسلامية. كشاف القناع ٦/ ٩٥ عالم الكتب ١٩٨٣م. (٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٤١ دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي ٣١٣/٤ دار الفكر، مغني المحتاج ٤ / ١٤٤ دار إحياء التراث العربي. والجاهل والناسي .(١) حد الزنى : ٨ - كان الحبس والإِمساك في البيوت أول عقوبات الزنى في الإِسلام لقوله تعالى : ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منکم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت حتى يتوفاهن الموت أو يجعل الله لهن سبيلا).(٢) ثم إن الإِجماع قد انعقد على أن الحبس منسوخ. واختلفوا في الأذى هل هو منسوخ أم لا؟ فذهب البعض إلى أنه منسوخ، فعن مجاهد قال: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة﴾ ﴿واللذان يأتيانها﴾(٣) كان في أول الأمر فنسختهما الآية التي في سورة النور. وذهب البعض إلى أنه لیس بمنسوخ فالأذى والتعيير باق مع الجلد، لأنهما لا یتعارضان بل يحملان علی شخص واحد. والواجب أن يؤدبا بالتوبيخ فيقال لهما: فجرتما وفسقتما، وخالفتما أمر الله عز وجل. (٤) (١) حاشية الدسوقي ٣١٣/٤ دار الفكر، روضة الطالبين ٩٣/١٠، ٩٥ المكتب الإسلامي، كشاف القناع ٩٦/٦، ٩٧ عالم الكتب ١٩٨٣م. (٢) سورة النساء/ ١٥ (٣) سورة النساء/ ١٦ (٤) تفسير القرطبي ٥/ ٨٢ ومابعدها مطبعة وزارة التربية، القاهرة ١٩٥٨م، أحكام القرآن لابن العربي ٣٥٤/١ ومابعدها عيسى البابي الحلبي ١٩٥٧م، المغني لابن قدامة ١٥٦/٨ الرياض. - ٢١ - 1 زنى ٩ - ١٠ والناسخ هو قوله تعالى: ﴿الزانية والزاني فاجلدوا كل واحد منهما مائة جلدة ولا تأخذكم بهما رأفة في دين الله إن كنتم تؤمنون بالله واليوم الآخر وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين﴾ . (١) وبما روى عبادة بن الصامت أن النبي ◌َّ قال: ((خذوا عني، خذوا عني، قد جعل الله لهن سبيلا. البكر بالبكر جلد مائة، ونفي سنة، والثیب بالثیب جلد مائة والرجم)).(٢) ٩ - ومن ثم اتفق الفقهاء على أن حد الزاني المحصن الرجم حتى الموت رجلا كان أو امرأة وقد حكى غير واحد الإِجماع على ذلك. قال ابن قدامة: وأجمع عليه أصحاب رسول الله﴾. قال البهوتي: وقد ثبت أن النبي مح ال# رجم بقوله وفعله في أخبار تشبه التواتر. وقد أنزله الله تعالى في كتابه، ثم نسخ رسمه وبقی حکمه، لما ورد عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال: ((إن الله بعث محمدا ◌َ له بالحق وأنزل عليه الكتاب. فكان مما أنزل الله آية الرجم فقرأناها وعقلناها ووعيناها، رجم رسول اللّه لَه ورجمنا بعده، فأخشى إن طال (١) سورة النور/ ٢ (٢) حديث: ((خذوا عني، خذوا عني ... )) أخرجه مسلم (١٣١٦/٣ - ط الحلبي) بالناس زمان أن يقول قائل: والله ما نجد آية الرجم في كتاب الله، فيضلوا بترك فريضة أنزلها الله، والرجم في کتاب الله حق على من زنی إذا أحصن من الرجال والنساء إذا قامت البينة أو كان الحبل أو الاعتراف)). وزاد في رواية: ((والذي نفسي بيده لولا أن يقول الناس: زاد عمر بن الخطاب في كتاب الله لكتبتها: الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة نكالا من الله والله عزيز حكيم)). (١) وعن أحمد رواية أخرى أنه يجلد ويرجم. لما ورد عن علي رضي الله عنه ((أنه جلد شراحة يوم الخميس ورجمها يوم الجمعة، وقال: أجلدها بكتاب الله، وأرجمها بسنة رسول اللّه مح ليه)).(٢) ورواية الرجم فقط هي المذهب. ١٠ - كما اتفق الفقهاء على أن حد الزاني غير المحصن رجلا كان أو امرأة مائة جلدة إن كان حرا. وأما العبد أو الأمة فحدهما خمسون جلدة سواء كانا بكرين أو ثيبين لقوله تعالى: ﴿فإذا أحصن فإن أتين بفاحشة فعليهن نصف ما على المحصنات من العذاب﴾. (٣) (١) حديث عمر: ((إن الله بعث محمدا)) أخرجه البخاري (الفتح ١٢ /١٤٤ - ط السلفية) والرواية الأخرى لمالك في الموطأ (١٤٥/٤ - بشرح الزرقاني - نشر دار الفكر). (٢) أثر: ((علي بن أبي طالب حين جلد شراحة)). أخرجه أحمد (١٠٧/١ - ط اليمنية)، وإسناده صحيح. (٣) سورة النساء/ ٢٥ - ٢٢ - زنى ١١ - ١٢ وزاد جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) التغريب عاما للبكر الحر الذكر. وعدّى الشافعية والحنابلة التغريب للمرأة أيضا. كما زاد الشافعية في المعتمد عندهم التغريب نصف عام للعبد. (١) وقد سبق الكلام على تعريف الإِحصان وشروطه في مصطلح (إحصان ٢٢٢/٢). كما سبق الكلام على التغريب وأحكامه في مصطلح : (تغريب ٤٦/١٣). شروط حد الزنى : أولا : الشروط المتفق عليها : ١ - إدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها: ١١ - لا خلاف بين الفقهاء في أنه يشترط في حد الزنى إدخال الحشفة أو قدرها من مقطوعها في الفرج. فلو لم يدخلها أصلا أو أدخل بعضها فليس عليه الحد لأنه ليس وطأ. ولا يشترط الإِنزال ولا الانتشار عند الإِدخال. فيجب عليه الحد سواء أنزل أم لا. انتشر ذكره أم لا. (٢) (١) الفتاوى الهندية ٢/ ١٤٩، حاشية ابن عابدين ١٤٥/٣ - ١٤٦ وما بعدها دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي ٤/ ٣٢٠ - ٣٢١ وما بعدها دار الفكر، مغني المحتاج ٤ / ١٤٦، ١٤٩ دار إحياء التراث العربي، القليوبي وعميرة ٤/ ١٨٠ عيسى البابي الحلبي، وكشاف القناع ٨٩/٦ وما بعدها عالم الكتب ١٩٨٣م، المغني لابن قدامة ١٥٧/٨ الرياض. (٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٤١ دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي ٣١٣/٤ دار الفكر، نهاية المحتاج = ٢ - أن يكون من صدر منه الفعل مكلفا: ١١م) - اتفق الفقهاء على أنه يشترط في حد الزنى أن يكون من صدر منه الفعل مكلفا أي عاقلا بالغا. فالمجنون والصبي لا حد علیھما إذا زنيا، لقول النبي مدير: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصغير حتى يكبر، وعن المجنون حتى يعقل أو يفيق)).(١) وقد صرح المالكية والحنابلة بأنه لا حد على النائم والنائمة للحديث السابق. كما اتفقوا على حد السكران المتعدي بسكره إذا زنى . (٢) ١٢ - ويتفرع على هذا الشرط مسألة ما لو وطىء العاقل البالغ - المكلف - مجنونة أو صغيرة یوطأ مثلها فإنه يجب علیه الحد اتفاقا، لأن الواطىء من أهل وجوب الحد، ولأن وجود = ٤٢٢/٧ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧م، ومغني المحتاج ١٤٣/٤ دار إحياء التراث العربي ١٩٣٣م، كشاف القناع ٩٥/٦ عالم الكتب ١٩٨٣م، مطالب أولي النهى ١٨٢/٦ المكتب الإسلامي ١٩٦١م. (١) حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة ... )) أخرجه النسائي (٦٢/٦ - ط المكتبة التجارية) والحاكم (٥٩/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة، واللفظ للنسائي، وصححه الحاكم، ووافقه الذهبي. (٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٤٤ دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي ٣١٣/٤ دار الفكر، مغني المحتاج ٤ /١٤٦ دار إحياء التراث العربي، نهاية المحتاج ٤٢٦/٧ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧م، كشاف القناع ٦/ ٩٦ عالم الكتب ١٩٨٣م، المغني لابن قدامة ٨/ ١٩٤، ١٩٥ الرياض، تيسير التحرير ٢٨٩/٢ مصطفى البابي الحلبي ١٣٥٠ هـ - ٢٣ - زنى ١٣ العذر من جانبها لا يوجب سقوط الحد من جانبه. وقد صرح الحنفية والمالكية والحنابلة بأن الصغيرة التي لا يوطأ مثلها لا حد على واطئها . (١) ٣ - أن يكون من صدر منه الفعل عالما بالتحريم : ١٣ - اتفق الفقهاء على أن العلم بالتحريم شرط في حد الزنى. فإن كان من صدر منه الفعل غير عالم بتحريم الزنى لقرب عهده بالإِسلام أو بعده عن المسلمين، كما لونشأ ببادية بعيدة عن دار الإِسلام لم يجب عليه الحد للشبهة. ولما روى سعيد بن المسيب أن رجلا زنى باليمن، فكتب في ذلك عمر رضي الله تعالى عنه ((إن كان يعلم أن الله حرم الزنى فاجلدوه، وإن کان لا یعلم فعلموه، فإن عاد فاجلدوه))، وروي عن عمر أيضا أنه عذر رجلا زنی بالشام وادعى الجهل بتحريم الزنى. وكذا روي عنه وعن عثمان رضي الله عنهما أنهما عذرا جارية زنت وهي أعجمية وادعت أنها لم تعلم (١) بدائع الصنائع ٧/ ٣٤ دار الكتاب العربي ١٩٨٢م، حاشية ابن عابدين ٣/ ١٥٦، ١٥٧ دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير ٥/ ٥٠ دار إحياء التراث · العربي، حاشية الدسوقي ٣١٤/٤، ٣١٥، دار الفكر، شرح روض الطالب ٤ /١٢٨ المكتبة الإسلامية، كشاف القناع ٦/ ٩٨ عالم الكتب ١٩٨٣م، مطالب أولي النهى ١٨٦/٦ ط المكتب الإسلامي ١٩٦١م. التحريم. ولأن الحكم في الشرعيات لا يثبت إلا بعد العلم. وقد أوضح ابن عابدين هذه المسألة بأنه لا تقبل دعوى الجهل بالتحريم إلا ممن ظهر عليه أمارة ذلك، بأن نشأ وحده في شاهق، أو بین قوم جھـال مثلہ لا یعلمون تحریمه، أو يعتقدون إباحته، إذ لا ینکر وجود ذلك. فمن زنى وهو كذلك في فور دخوله دارنا لا شك في أنه لا يحد، إذ التکلیف بالأحكام فرع العلم بها، وعلى هذا يحمل قول من اشترط العلم بالتحريم، وما ذكر من نقل الإجماع بخلاف من نشأ في دار الإِسلام بین المسلمین، أو في دار أهل الحرب المعتقدین حرمته، ثم دخل دارنا فإنه إذا زنی يحد ولا يقبل اعتذاره بالجهل. ولا يسقط الحد بجهل العقوبة إذا علم التحريم، (١) لحديث ماعز فإنه ◌َّ} ((أمر برجمه)) وروي أنه قال في أثناء رجمه «ردوني إلى رسول اللّه ◌ُ لي ، فإن قومي قتلوني غروني من نفسي وأخبروني أن رسول اللّه صل﴿ه غير قاتلي».(٢) (١) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٤٢، دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير ٣٩/٥، دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي ٣١٦/٤ دار الفكر، مغني المحتاج ٤ / ١٤٦ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ٦/ ٩٧ عالم الكتب ١٩٨٣م. (٢) حديث ماعز في قصة رجمه وقوله: ((ردوني ... )). أخرجه أبوداود (٤ /٥٧٦ تحقیق عزت عبید دعاس) من حديث جابر بن عبدالله وإسناده حسن. - ٢٤ - زنى ١٤ - ١٥ ٤ - انتفاء الشبهة : ١٤ - من الشروط الموجبة لحد الزنى والمتفق عليها انتقاء الشبهة، لقول النبي قال: ((ادرءوا الحدود بالشبهات)). (١) وقد نازع بعض العلماء في هذا الحديث بالإِرسال تارة وبالوقف تارة أخرى. قال الكمال ابن الهمام: ونحن نقول: إن الإِرسال لا يقدح، وإن الموقوف في هذا له حکم المرفوع، لأن إسقاط الواجب بعد ثبوته بشبهة خلاف مقتضى العقل، بل مقتضاه أن بعد تحقق الثبوت لا یرتفع بشبهة فحیث ذکره صحابي حمل على الرفع. وأيضا في إجماع فقهاء الأمصار على أن الحدود تدرأ بالشبهات كفاية. ولذا قال بعض الفقهاء: هذا الحديث متفق على العمل به . وأيضا تلقته الأمة بالقبول. وفي تتبع المروي عن النبي ◌َّه والصحابة ما يقطع في المسألة. فقد علمنا أنه عليه الصلاة والسلام قال لماعز: ((لعلك قبلت أو غمزت أو نظرت)). (٢) كل ذلك يلقنه أن یقول نعم بعد إقراره بالزنی ، ولیس لذلك فائدة إلا کونه إذا قالها ترك، وإلا فلا (١) حديث: ((ادرأوا الحدود بالشبهات)) أخرجه السمعاني كما في المقاصد الحسنة للسخاوي (ص ٣٠ - ط السعادة)، ونقل السخاوي عن ابن حجر أنه قال: في سنده من لا يعرف. (٢) حديث: ((لعلك قبلت؟ أو غمزت أو نظرت؟)) أخرجه البخاري (الفتح ١٣٥/١٢ - ط السلفية) من حديث ابن عباس. فائدة. ولم يقل لمن اعترف عنده بدين، لعله کان ودیعة عندك فضاعت، ونحوه. وکذا قال للغامدية نحو ذلك. وکذا قال علي رضي الله عنه لشراحة: لعله وقع عليك وأنت نائمة، لعله استكرهك، لعل مولاك زوجك منه وأنت تکتمینه. فالحاصل من هذا كله کون الحد يحتال في درئه بلا شك. ومعلوم أن هذه الاستفسارات المفيدة لقصد الاحتیال للدرء كلها كانت بعد الثبوت، لأنه كان بعد صريح الإِقراروبه الثبوت. وهذا هو الحاصل من هذه الآثار ومن قوله: ((ادرءوا الحدود بالشبهات)). فكان هذا المعنى مقطوعا بثبوته من جهة الشرع، فكان الشك فيه شکا في ضروري فلا يلتفت إلى قائله ولا يعول عليه، وإنما يقع الاختلاف أحيانا بين الفقهاء في بعض الشبهات أهي شبهة صالحة للدرء بها أم لا . (١) وعرف الحنفية الشبهة بأنها ما يشبه الثابت ولیس بثابت. وقد قسم كل من الحنفية والمالكية والشافعية الشبهة إلى ثلاثة أنواع. تفصيلها فيما يلي: أ - أنواع الشبهة عند الحنفية: ١٥ - الشبهة عند الحنفية ثلاثة أنواع: شبهة في (١) شرح فتح القدير ٣٢/٥ - ٢٥ - زنى ١٦ الفعل، وشبهة في المحل، وشبهة العقد. وقد اتفق الحنفية على النوعين الأولیین، واختلفوا في الثالث. ١ - الشبهة في الفعل : ١٦ - وتسمى أيضا: شبهة المشابهة، وشبهة الاشتباه . وهي: أن يظن غير الدليل دليلا. فتتحقق في حق من اشتبه علیه فقط، أي من اشتبه عليه الحل والحرمة، ولا دليل في السمع يفيد الحل بل ظن غير الدليل دليلا، فلابد من الظن، وإلا فلا شبهة أصلا، لفرض أن لا دليل أصلا لتثبت الشبهة في نفس الأمر. فلولم يكن ظنه ثابتا لم تکن شبهة أصلا، وليست بشبهة في حق من لم يشتبه عليه، حتى لو قال: إنها علي حرام حدّ. ثم إن شبهة الفعل تكون في ثمانية مواضع : ثلاثة منها في الزوجات، وخمسة في الجواري . فمواضع الزوجات: ما لو وطىء الرجل زوجته المطلقة ثلاثا في العدة، أووطیء مطلقته البائن في الطلاق على مال وهي في العدة، أو المختلعة . ومواضع الجواري : هي وطء جارية الأب أو الأم أو الجد أو الجدة وإن علوا، ووطء جارية الزوجة، ووطء أم ولده التي أعتقها وهي في الاستبراء، والعبد يطأ جارية مولاه، والمرتهن يطأ الجارية المرهونة عنده، وكذا المستعير للرهن في هذا بمنزلة المرتهن. فالواطىء في هذه الحالات إذا ظن الحل يعذر، ويسقط عنه الحد، لأن الوطء حصل في موضع الاشتباه، بخلاف ما لو وطىء امرأة أجنبية وقال: ظننت أنها تحل لي، فلا يلتفت إلی دعواه ويحد. ولا يثبت النسب في شبهة الفعل وإن ادعاه، لأن الفعل تمحض زنى لفرض أن لا شبهة ملك هنا، إلا أن الحد سقط لظنه المحل، فضلا من الله تعالى، وهو أمرراجع إلى الواطىء لا إلى المحل، فكأن المحل ليس فيه شبهة حل، فلا يثبت نسب بهذا الوطء، وكذا لا تثبت به عدة، لأنه لا عدة من الزاني. وقيل: إن هذا غير مجرى على عمومه، فإن المطلقة ثلاثا يثبت النسب منها، لأنه وطء في شبهة العقد، فيكفي ذلك لإِتبات النسب. وألحقت بها المطلقة بعوض، والمختلعة. وثبوت النسب هنا ليس باعتبار الوطء في العدة، بل باعتبار العلوق السابق على الطلاق. ولذا ذكروا أن نسب ولدها یثبت إلى أقل من سنتين، ولا يثبت لتمام سنتين. ويجب في شبهة الفعل مهر المثل. - ٢٦ - 3. زنى ١٧ - ١٨ ٢ - الشبهة في المحل: وتسمى أيضا الشبهة الحكمية وشبهة الملك : ١٧ - وتنشأ عن دليل موجب للحل في المحل، فتصبح الحرمة القائمة فيها شبهة أنها ليست ثابتة، نظرا إلى دليل الحل، كقول النبي الطيار: ((أنت ومالك لأبيك)). (١) فلا يجب الحد لأجل شبهة وجدت في المحل وإن علم حرمته، لأن الشبهة إذا كانت في الموطوءة يثبت فيها الملك من وجه فلم يبق معه اسم الزنى فامتنع الحد، لأن الدليل المثبت للحل قائم، وإن تخلف عن إثباته لمانع فأورث شبهة. والشبهة في المحل تكون في ستة مواضع : واحد منها في الزوجات، والباقي في الجواري . فموضع الزوجات: وطء المعتدة بالطلاق البائن بالكنايات، فلا يحد، لاختلاف الصحابة رضي الله عنهم في كونها رجعية أو بائنة. ومواضع الجواري : هي وطء الأب جارية ابنه، ووطء البائع الجارية المبيعة قبل تسليمها للمشتري، ووطء الزوج الجارية المجعولة مهرا قبل تسليمها للزوجة حيث إن الملك فيهما لم يستقر للمشتري والزوجة، ووطء الجارية (١) حديث: (( أنت ومالك لأبيك)). أخرجه ابن ماجة (٧٦٩/٢ - ط الحلبي) من حديث جابر بن عبدالله، وصححه البوصيري في مصباح الزجاجة (٢٥/٢ - ط دار الجنان). المشتركة بين الواطىء وغيره، ووطء المرتهن للجارية المرهونة في رواية ليست بالمختارة. وزاد الكمال ابن الهمام: وطء جارية عبده المأذون، ووطء جارية عبده المديون، ووطء جارية عبده المكاتب، ووطء البائع الجارية المبيعة بعد القبض في البيع الفاسد والتي فيها الخيار للمشتري. وكذا وطء جاريته التي هي أخته من الرضاع، وجاريته قبل الاستبراء، ووطء الزوجة التي حرمت بردتها، أوبمطاوعتها لابنه أو جماعه أمها ثم جامعها وهو يعلم أنها عليه حرام فلا حد عليه، لأن بعض الأئمة لم يحرم به، فاستحسن أن يدرأ بذلك الحد. قال: والاستقراء يفيد غير ذلك أيضا، فالاقتصار على الستة لا فائدة فيه . ففي هذه المواضع لا يجب الحد وإن قال: علمت أنها حرام، لأن المانع هو الشبهة، وهي ههنا قائمة في نفس الحكم، ولا اعتبار بمعرفته بالحرمة وعدمها. ويثبت النسب في شبهة المحل إذا ادعی الولد. ٣ - شبهة العقد : ١٨ - قال بها أبو حنيفة، وسفيان الثوري وزفر. وهي عنده تثبت بالعقد وإن كان العقد متفقا على تحريمه وهو عالم به، ويظهر ذلك في نكاح المحارم النسبية، أو بالرضاع، أو بالمصاهرة على التحريم بهما، فإذا وطىء الشخص إحدى - ٢٧ - زنى ١٨ محارمه بعد أن عقد عليها فلا حد علیه عند أبي حنيفة، ولكن يجب المهر ويعاقب عقوبة هي أشد ما یکون من التعزیر سیاسة لا حدا إذا كان عالما بالتحریم، فإن لم یکن عالما به فلا حد عليه ولا تعزير. فوجود العقد ينفي الحد عند أبي حنيفة حلالا كان العقد أو حراما، متفقا على تحريمه أو مختلفا فيه، علم الواطىء أنه محرم أولم يعلم . واحتج أبو حنيفة لشبهة العقد بأن الأنثى من أولاد آدم محل لهذا العقد، لأن محل العقد ما یکون قابلا لمقصوده الأصلي، وکل أنثی من أولاد آدم قابلة لمقصود النكاح وهو التوالد والتناسل. وإذا كانت قابلة لمقصوده كانت قابلة لحكمه، إذ الحكم يثبت ذريعة إلى المقصود، فكان ينبغي أن ينعقد في جميع الأحكام، إلا أنه تقاعد عن إفادة الحل حقيقة لمكان الحرمة الثابتة فيهن بالنص فيورث شبهة، إذ الشبهة مايشبه الحقيقة لا الحقيقة نفسها. والأنثى من أولاد آدم محل للعقد في حق غيره من المسلمين فكانت أولى بإيراث الشبهة، وكونها محرمة على التأبيد لا ينافي الشبهة، ألا ترى أنه لووطىء أمته وهي أخته من الرضاع عالما بالحرمة لا يجب عليه الحد. والنكاح في إفادة ملك المتعة أقوى من ملك اليمين، لأنه شرع له بخلاف ملك اليمين، فكان أولى في إفادة الشبهة، لأن الشبهة تشبه الحقيقة فما كان أقوى في إثبات الحقيقة كان أقوى في إثبات الشبهة . وعند أبي يوسف ومحمد يجب عليه الحد إذا كان عالما بالحرمة، وإن لم يعلم فلا حد علیه، واحتجا لذلك بأن حرمتهن ثبتت بدليل قطعي، وإضافة العقد إليهن كإضافته إلى الذكور، لكونه صادف غير المحل فيلغو، لأن محل التصرف ما یکون محلا لحكمه وهو الحل هنا، وهي من المحرمات فيكون وطؤها زنى حقيقة لعدم الملك والحق فيها. وإليه الإِشارة بقوله تعالى: ﴿ولا تنكحوا ما نكح آباؤكم من النساء) إلى قوله: ﴿إنه كان فاحشة﴾(١) والفاحشة هي الزنى لقوله تعالى : ﴿ولا تقربوا الزنى إنه كان فاحشة﴾(٢) ومجرد إضافة العقد إلى غير المحل لا عبرة فيه، ألا ترى أن البيع الوارد على الميتة والدم غير معتبر شرعا حتى لا يفيد شيئا من أحكام البيع، غير أنه إذا لم یکن عالما یعذر بالاشتباه . ومحل الخلاف بينهم في النكاح المجمع على تحريمه، وهي حرام على التأبيد. أما المختلف فیه، کالنكاح بلا ولي وبلا شهود فلا حد علیه اتفاقا لتمكن الشبهة عند الكل. فالشبهة إنما (١) سورة النساء/ ٢٢ (٢) سورة الفرقان/ ٣٢ - ٢٨ - 1 ١ زنی ١٩ - ٢٠ تنتفي عند أبي يوسف ومحمد إذا كان النكاح مجمعا على تحريمه وهي حرام على التأبيد. والفتوى عند الحنفية على قول أبي حنيفة. (١) ب - أنواع الشبهة عند المالكية: ١٩ - قسم المالكية الشبهة في الحدود والكفارات في إفساد صوم رمضان إلى ثلاثة أنواع: شبهة في الواطىء، وشبهة في الموطوءة، وشبهة في الطريق . فالشبهة في الواطىء: كاعتقاد أن هذه الأجنبية امرأته، فالاعتقاد الذي هو جهل مرکب وغير مطابق یقتضي عدم الحد من حیث إنه معتقد الإباحة، وعدم المطابقة في اعتقاده يقتضي الحد، فحصل الاشتباه وهي عين الشبهة . والشبهة في الموطوءة: كالأمة المشترکة إذا وطئها أحد الشريكين. فما فيها من نصيبه يقتضي عدم الحد ، وما فيها من ملك غيره يقتضي الحد، فحصل الاشتباه وهي عين الشبهة . والشبهة في الطريق: كاختلاف العلماء في إباحة الموطوءة کنكاح المتعة ونحوه. فإن قول (١) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٥٠ ومابعدها دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير ٣٢/٥ ومابعدها دار إحياء التراث العربي، تبیین الحقائق ٣/ ١٧٥ وما بعدها دار المعرفة، الفتاوى الهندية ٢/ ١٤٧ وما بعدها، المطبعة الأميرية ١٣١٠هـ. المحرّم يقتضي الحد، وقول المبيح يقتضي عدم الحد، فحصل الاشتباه وهي عين الشبهة . فهذه الثلاث هي ضابط الشبهة المعتبرة عندهم في إسقاط الحد. غير أن لها شرطا وهو اعتقاد المقدم على الفعل مقارنة السبب المبيع، وإن أخطأ في حصول السبب كأن يطأ امرأة أجنبية يعتقد أنها امرأته في الوقت الحاضر. وضابط الشبهة التى لا تعتبر في إسقاط الحد تتحقق بأمرين: إما بالخروج عن الشبهات الثلاث المذكورة كمن تزوج خامسة أو مبتوتة ثلاثا قبل زوج، أو أخته من الرضاع أو النسب أو ذات محرم عامدا عالما بالتحريم، أو بعدم تحقق الشرط المذكور كأن يطأ امرأة يعتقد أنه سيتزوجها فإن الحد لا يسقط لعدم اعتقاد مقارنة العلم لسببه .(١) جـ - أنواع الشبهة عند الشافعية : ٢٠ - الشبهة عند الشافعية على ثلاثة أقسام: شبهة في المحل، وشبهة في الفاعل، وشبهة في الجهة . فالشبهة في المحل، كوطء زوجته الحائض والصائمة، والمحرمة، وأمته قبل الاستبراء، وجارية ولده. فلا حد عليه. وكذا لووطىء مملوكته المحرمة عليه بنسب أورضاع، كأخته (١) الفروق للقرافي ١٧٢/٤، وتهذيب الفروق بهامشه ٢٠٢/١ دار المعرفة . - ٢٩ - زنی ٢٠ - ٢١ منهما، أو بمصاهرة کموطوءة أبيه أو ابنه، فلا حد بوطئها في الأظهر، لشبهة الملك. قال الماوردي وغيره: ومحل ذلك فيمن يستقر ملكه عليها كأخته. أما من لا يستقر ملكه عليها كالأم والجدة فهو زان قطعا. وكذا لو وطىء جارية له فيها شرك، أو أمته المزوجة، أو المعتدة من غيره، أو المجوسية والوثنية فلا حد علیه، ومثله ما لو أسلمت أمة ذمي فوطئها قبل أن تباع. وأما الشبهة في الفاعل، فمثل أن يجد امرأة في فراشه فیطؤها ظانا أنها زوجته فلا حد علیه، وإذا ادعى أنه ظن ذلك صدق بیمینه. ولو ظنها جارية له فيها شرك فكانت غيرها فلا يسقط عنه الحد لأنه علم التحريم فكان عليه الامتناع . وهذا ما رجحه النووي من احتمالين. وجزم بعض الشافعية بسقوطه. ويدخل في شبهة الفاعل المكره فلا حد عليه. وسيأتي بيانه . وأما الشبهة في الجهة: فهي كل طريق صححها بعض العلماء وأباح الوطء بها فلا حد فيها على المذهب وإن كان الواطىء يعتقد التحريم نظرا لاختلاف الفقهاء. فلا حد في الوطء في النكاح بلا ولي كمذهب أبي حنيفة . وبلا شهود كمذهب مالك. ولا في نكاح المتعة کمذهب ابن عباس لشبهة الخلاف. ثم إن محل الخلاف في النكاح المذكور أن لا یقارنه حکم کما قاله الماوردي. فإن قارنه حکم قاض ببطلانه حد قطعا ، أو حکم قاض بصحته لم يحد قطعا. وقد صرح الروياني وغيره بأن الضابط في الشبهة قوة المدرك لا عين الخلاف. فلو وطىء أمة غيره بإذنه حد على المذهب، وإن حكي عن عطاء حل ذلك. وصرح الرملي بأنه يجب أن يكون الخلاف من عالم يعتد بخلافه وإن لم يقلده الفاعل . (١) د - الشبهة عند الحنابلة : ٢١ - لم يقسم الحنابلة الشبهة إلى أنواع کالمذاهب الأخرى، وإنما ذکروا ها أمثلة فقالوا: لا حد على الأب إن وطىء جارية ولده سواء وطئها الابن أولا ، لأنه وطء تمكنت الشبهة فيه لتمكن الشبهة في ملك ولده لحديث ((أنت ومالك لأبيك)). ولا حد على من وطىء جارية له فيها شرك، أو لولده فيها شرك، أولمکاتبه فيها شرك، للملك أو شبهته، ولا حد إن وطىء أمة کلها لبيت المال أو بعضها لبيت المال وهو حر مسلم، لأن له حقا في بيت المال. ولا حد إن وطىء امرأته أو أمته في حیض أونفاس أو دبر، لأن الوطء قد صادف ملكا، وإن وطىء امرأة (١) روضة الطالبين ٩٢/١٠ المكتب الإسلامي، شرح روض الطالب ١٢٦/٤ المكتبة الإسلامية، مغني المحتاج ٤ / ١٤٤، ١٤٥ دار إحياء التراث العربي، نهاية المحتاج ٧/ ٤٢٤، ٤٢٥ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧م. - ٣٠ - م 1 زنی ٢١ - ٢٢ على فراشه أو في منزله ظنها امرأته أوزفت إليه ولو لم يقل له: هذه امرأتك، فلا حد عليه للشبهة. ولو دعا ضرير امرأته فأجابته امرأة غيرها فوطئها فلا حد عليه للشبهة. بخلاف ما لو دعا محرمة عليه فأجابه غيرها فوطئها یظنها المدعوّة فعلیه الحد، سواء أكانت المدعوّة ممن له فيها شبهة كالجارية المشتركة أم لم يكن، لأنه لا يعذر بهذا، أشبه ما لوقتل رجلا يظنه ابنه فبان أجنبيا. وإن وطىء أمته المجوسية أو الوثنية أو المرتدة أو المعتدة، أو المزوجة، أو في مدة استبرائها فلا حد، لأنها ملكه. وإن وطىء في نكاح مختلف في صحته أو في ملك مختلف في صحته فلا حد علیہ کنكاح المتعة، والنكاح بلا ولي، أوبلا شهود، ونكاح الشغار، ونكاح المحلل، ونكاح الأخت في عدة أختها، ونحوها، ونكاح البائن منه، ونكاح خامسة في عدة رابعة لم تبن، ونكاح المجوسية، وعقد الفضولي ولو قبل الإِجازة، سواء اعتقد التحريم أم لا . هذا هو المذهب وعليه جماهير الأصحاب. وعن أحمد رواية، أن عليه الحد إذا اعتقد التحريم . وإن جهل نكاحا باطلا إجماعا كخامسة فلا حد للعذر، ويقبل منه ذلك، لأنه يجوز أن يكون صادقا. أما إذا علم ببطلانه فعليه الحد. ولا حد في الوطء في شراء فاسد بعد القبض ولو اعتقد التحريم للشبهة، لأن البائع بإقباضه الأمة كأنه أذنه في فعل ما يملكه بالبيع الصحيح ومنه الوطء، أما قبل القبض فيحد على الصحيح. كما يجب الحد في وطء البائع في مدة الخيار إذا كان يعتقد التحريم ويعلم انتقال الملك على الصحيح في خيار الشرط. (١) ٥ -من شروط حد الزنی أن یکون من صدر منه الفعل مختارا : ٢٢ - اتفق الفقهاء على أنه لا حد على المرأة المكرهة على الزنى لقول النبي ◌َله: ((تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)). (٢) وعن عبدالجبار بن وائل عن أبيه ((أن امرأة استكرهت على عهد رسول اللّه ي # قدرا عنها الحد)).(٣) ولأن هذا شبهة، والحد يدرأ بها . وقد حكى غير واحد الإجماع على ذلك. (١) كشاف القناع ٦/ ٩٦، ٩٧ عالم الكتب ١٩٨٣م، مطالب أولي النهى ٦/ ١٨٣، ١٨٤، المكتب الإسلامي ١٩٦١م. (٢) حديث: ((تجاوز الله عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه)». أخرجه الحاكم (١٩٨/٢ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث ابن عباس وصححه، ووافقه الذهبي . (٣) حديث وائل: ((أن امرأة استكرهت على عهد النبي وَله ... )) أخرجه ابن أبي شيبة (٩/ ٥٥٠ - ط السلفية - بمبي) وعنه البيهقي (٢٣٥/٨ - ط دائرة المعارف العثمانية)، وأعله بالانقطاع في موضعين في سنده. - ٣١ - 1 زنی ٢٢ - ٢٣ واختلف الفقهاء في حكم الرجل إذا أكره على الزنى. فذهب صاحبا أبي حنيفة والمالكية في المختار والذي به الفتوى والشافعية في الأظهر إلى أنه لا حد على الرجل المكره على الزنى للحديث السابق ولشبهة الإِكراه. وذهب الأكثر من المالكية - وهو المشهور عندهم - والحنابلة وهو مقابل الأظهر عند الشافعية إلى وجوب الحد على المكره، وذلك لأن الوطء لا يكون إلا بالانتشار الحادث بالاختیار. وفرق أبو حنيفة بين إكراه السلطان وإكراه غيره، فلا حد عليه في إكراه السلطان، لأن سببه الملجىء قائم ظاهرا، والانتشار دليل متردد، لأنه قد یکون عن غير قصد، لأن الانتشار قد يكون طبعا لا طوعا، كما في النائم، فأورث شبهة، وعليه الحد إن أكرهه غير السلطان، لأن الإِکراه من غیر السلطان لا يدوم إلا نادرا لتمكنه من الاستعانة بالسلطان أو بجماعة المسلمين ويمكنه دفعه بنفسه بالسلاح. والنادر لا حکم له فلا يسقط به الحد، بخلاف السلطان، لأنه لا يمكنه الاستعانة بغيره ولا الخروج بالسلاح عليه فافترقا . والفتوى عند الحنفية على قول الصاحبين. قال مشايخ الحنفية: وهذا اختلاف عصر وزمان، ففي زمن أبي حنيفة ليس لغير السلطان من القوة ما لا یمکن دفعه بالسلطان، وفي زمنهما ظهرت القوة لكل متغلب فيفتى بقولهما .(١) ثانيا : الشروط المختلف فيها : ١ - اشتراط كون الموطوءة حية: ٢٣ - اشترط جمهور الفقهاء (الحنفية والشافعية والحنابلة) في وجوب حد الزنى أن تكون الموطوءة حية، فلا يجب الحد عندهم بوطء الميتة، لأن الحد إنما وجب للزجر، وهذا مما ينفر الطبع عنه، فلا يحتاج إلى الزجر عنه بحد لزجر الطبع عنه . وفيه التعزير عندهم . ويعبر الشافعية عن هذا الشرط بالفرج المشتهى طبعا، وهو فرج الآدمي الحي. وذهب المالكية إلى عدم اشتراط هذا الشرط فيجب عندهم الحد بوطء الميتة سواء كان في قبلها أو دبرها. واستثنوا من ذلك الزوج فلا يجد بوطء زوجته الميتة. واستثنوا كذلك المرأة إذا أُدخلت ذکر ميت غیر زوج في فرجها فلا تحد لعدم اللذة. (٢) (١) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٥٧ دار إحياء التراث العربي، فتح القدير ٥٢/٥ دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي ٣١٨/٤ دار الفكر، نهاية المحتاج ٧/ ٤٢٥ مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧م، مغني المحتاج ٤ / ١٤٥ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ٦ / ٩٧ عالم الكتب ١٩٨٣م، الإنصاف ١٨٢/١٠ مطبعة السنة المحمدية ١٩٥٧م. (٢) شرح فتح القدير ٤٥/٥ دار إحياء التراث العربي، = - ٣٢ - : زنى ٢٤ - ٢٥ ...... ٢ - كون الموطوءة امرأة: ٢٤ - اشترط أبو حنيفة في حد الزنى أن تكون الموطوءة امرأة. فلا حد عنده فیمن عمل عمل قوم لوط، ولکنه یعزر ویسجن حتى يموت أو يتوب، ولو اعتاد اللواطة قتله الإِمام محصنا كان أو غير محصن سياسة. أما الحد المقدر شرعا فلیس حکما له، لأنه ليس بزنى ولا في معناه فلا يثبت فيه حد. ولم يشترط جمهور الفقهاء هذا الشرط، فذهب صاحبا أبي حنيفة والحنابلة إلى أن حد الزنى على الفاعل والمفعول به جلدا إن لم يكن أحصن، ورجما إن أحصن، وذهب المالكية إلى أنهما يرجمان حدا أحصنا أم لا . وذهب الشافعية إلى وجوب الحد على الفاعل. أما المفعول به فإنه يجلد ویغرب محصنا كان أو غير محصن، لأن المحل لا يتصور فيه إحصان .(١) = حاشية الدسوقي ٤/ ٣١٤ دار الفكر، مغني المحتاج ٤ / ١٤٤، ١٤٥ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ٩٨/٦ عالم الكتب ١٩٨٣م. (١) شرح فتح القدير ٤٣/٥، والكفاية على الهداية بذيل الفتح ٤٣/٥ وما بعدها دار إحياء التراث العربي. وحاشية ابن عابدين ١٥٥/٣، دار إحياء التراث العربي وحاشية الدسوقي ٣١٤/٤ - ٣٢٠ دار الفكر، مغني المحتاج ٤ / ١٤٤ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ٦/ ٩٤ عالم الكتب ١٩٨٣م. وطء البهيمة : ٢٥ - ذهب جماهير الفقهاء إلى أنه لا حد على من أتی بهيمة لكنه يعزر، لما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال: ((من أتى بهیمة فلا حد علیه».(١) ومثل هذا لا يقوله إلا عن توقيف، ولأن الطبع السلیم یأباه فلم يحتج إلى زجر بحد. وعند الشافعية قول: إنه يحد حد الزنى وهو رواية عن أحمد، وعند الشافعية قول آخر: بأنه يقتل مطلقا محصنا كان أو غير محصن. ومثل وطء البهيمة ما لومكنت امرأة حيوانا من نفسها حتى وطئها فلا حد علیها بل تعزر. ومذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية) أنه لا تقتل البهيمة، وإذا قتلت فإنها يجوز أکلها من غیر کراهة إن کانت مما يؤكل عند المالكية والشافعية، ومنع أبو يوسف ومحمد أكلها. وقالا: تذبح وتحرق. وأجازه أبو حنيفة، وقد صرح الحنفية بكراهة الانتفاع بها حية وميتة . وذهب الحنابلة إلى أن البهيمة تقتل سواء كانت مملوكة له أو لغيره. وسواء كانت مأكولة أو غير مأكولة. وهذا قول عند الشافعية، لماروى ابن عباس مرفوعا قال: ((من وقع على بهيمة (١) أثر ابن عباس: ((من أتى بهيمة فلا حد عليه)) أخرجه ابن أبي شيبة (٥/١٠ - ط الدار السلفية - بمبي). - ٣٣ - ١ ٠٠ زنى ٢٦ - ٢٧ فاقتلوه واقتلوا البهيمة)). (١) وعند الشافعية قول آخر: إنها تذبح إن كانت مأكولة، وصرحوا بحرمة أكلها إن كانت من جنس مايؤكل. (٢) ٣ - كون الوطء في القبل: ٢٦ - ذهب جمهور الفقهاء المالكية والشافعية والحنابلة وصاحبا أبي حنيفة إلى وجوب حد الزنى على من أتى امرأة أجنبية في دبرها، لأنه فرج أصلي كالقبل. وخص الشافعية الحد بالفاعل فقط. أما المفعول بها فإنها تجلدوتغرب، محصنة كانت أو غير محصنة، لأن المحل لا يتصور فيه إحصان . واشترط أبو حنيفة في حد الزنی أن یکون الوطء في القبل فلا يجب الحد عنده على من أتى امرأة أجنبية في دبرها، ولكنه يعزر. ثم إن هذا الحكم مقصور على المرأة الأجنبية. أما إتيان الرجل زوجته أو مملوكته في دبرها فلا حد فيه اتفاقا، ويعزر فاعله لارتكابه (١) حديث ابن عباس: ((من وقع على بهيمة فاقتلوه واقتلوا البهيمة)). أخرجه أحمد (٢٦٩/١ - ط اليمنية) وصححه ابن عبد الهادي المقدسي في المحرر في الحديث (٢/ ٦٢٤ - ط دار المعرفة). (٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٥٥ دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير ٤٥/٥، حاشية الدسوقي ٣١٦/٤، مغني المحتاج ٤/ ١٤٥، شرح روض الطالب ١٢٦/٤ المكتبة الإسلامية، كشاف القناع ٦/ ٩٥، الإنصاف ١٧٨/١٠ مطبعة السنة المحمدية ١٩٥٧م. معصية. وقصر الشافعية التعزير على ما إذا تکرر، أما إذا لم یتکرر فلا تعزیر فیه. (١) ٤ - كون الوطء في دار الإِسلام: ٢٧ - اشترط الحنفية في وجوب حد الزنى أن یکون الزنى في دار الإِسلام. فلا يقام الحد على من زنی في دار الحرب أو البغي ثم خرج إلی دار الإِسلام وأقر عند القاضي به، لقول النبي مليار: «من زنی أو سرق في دار الحرب وأصاب بها حدا ثم هرب فخرج إلينا فإنه لا يقام عليه الحد)). (٢) وروي عن أبي الدرداء أنه نهى أن يقام على أحد حد في أرض العدو. ولأن الوجوب مشروط بالقدرة، ولا قدرة . للإمام عليه حال كونه في دار الحرب، فلا وجوب (١) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٥٥ دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير ٤٣/٥ دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي ٣١٤/٤ دار الفكر، مغني المحتاج ٤ / ١٤٤ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ٦/ ٩٤ عالم الكتب ١٩٨٣م. (٢) حديث: ((من زنى أو سرق في دار الحرب ... )) ذكره محمد بن الحسن الشيباني في کتاب السير (١٨٥٢/٥ - ط مطبعة شركة الإعلانات الشرقية) من حديث عطية بن قيس الكلابي مرفوعا بلفظ: ((إذا هرب الرجل، وقد قتل أو زنى أو سرق إلى العدو ثم أخذ أمانا على نفسه، فإنه يقام عليه ما فر منه، وإذا قتل في أرض العدو أو زنى أو سرق ثم أخذ أمانا لم يقم عليه شيء مما أحدث في أرض العدو)) ولم نجده فيما بين أيدينا من كتب السنة. - ٣٤ - زنى ٢٧ - ٢٨ وإلا عرى عن الفائدة، لأن المقصود منه الاستيفاء ليحصل الزجر، والفرض أن لا قدرة عليه، وإذا خرج والحال أنه لم ينعقد سببا للإيجاب حال وجوده لم ینقلب موجبا له حال عدمه . وصرحوا بأنه إذا زنی في عسكر لأميره ولا یة إقامة الحد بنفسه فإنه یقیم علیه حد الزنى، لأنه تحت يده، فالقدرة ثابتة عليه، بخلاف ما لو خرج من العسکر فدخل دار الحرب فزنی ثم عاد إلى العسكر فإنه لا یقیمه، وكذا لوزنی في العسكر والعسكر في دار الحرب في أيام المحاربة قبل الفتح فإنه يقيم عليه الحد. وهذا الحكم خاص بما إذا كان في العسكر من له ولاية إقامة الحدود، بخلاف أمیر العسكر أو السریة لأنه إنما فوض لهما تدبير الحرب لا إقامة الحدود، وإنما ذلك للإِمام، وولاية الإِمام منقطعة ثمة . وذهب الشافعية إلى إقامة الحد في دار الحرب إن لم يخف فتنة من نحوردَّة المحدود والتحاقه بدار الحرب. وعند الحنابلة من أتى حدا في الغزولم یستوف منه في أرض العدو حتی یرجع إلى دار الإِسلام، لما روى جنادة بن أمية قال: كنا مع بسربن أرطأة في البحر، فأتي بسارق يقال له: مصْدر، قد سرق بُختيّة، (١) فقال: قد سمعت (١) أي ناقة من إبل العجم. رسول الله يقول: ((لا تقطع الأيدي في السفر))(١) ولولا ذلك لقطعته . ونقلوا إجماع الصحابة على ذلك، ثم إنه متى رجع إلى دار الإِسلام أقيم عليه الحد لعموم الآيات والأخبار، وإنما أخر لعارض، وقد زال. وإذا أتى حدا في الثغور أقيم علیه فيها بغير خلاف، لأنها من بلاد الإِسلام والحاجة داعية إلى زجر أهلها كالحاجة إلى زجر غيرهم. (٢) ٥ - أن يكون من صدر منه الفعل مسلما : ٢٨ - اشترط المالكية في حد الزنی أن یکون من صدر منه الفعل مسلما، فلا يقام الحد على الكافر إذا زنى بمسلمة طائعة على المشهور. ويرد إلى أهل ملته ويعاقب على ذلك العقوبة الشديدة، وتحد المسلمة. وإن استكره الكافر المسلمة على الزنى قتل. (١) حديث بسر بن أرطأة: ((لا تقطع الأيدي في السفر)) أخرجه أبو داود (٤ / ٥٦٣ - ٥٦٤ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، وقال ابن حجر عن إسناده: هذا إسناد قوي كذا في فيض القدير للمناوي (٤١٧/٦ - ط المكتبة التجارية). (٢) حاشية ابن عابدين ١٥٦/٣ دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير ٤٦/٥، ٤٧ دار إحياء التراث العربي، مغني المحتاج ٤/ ١٥٠ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ٦/ ٨٨ عالم الكتب ١٩٨٣م، الإنصاف ١٦٩/١٠ السنة المحمدية ١٩٥٧م. - ٣٥ - ... ٠٠ زنی ٢٨ - ٢٩ وقد وافقت المذاهب الأخرى مذهب المالكية في المستأمن فقط. وهناك تفصیل في المذاهب نذكره فيما يلي: ففي مذهب الحنفية ثلاثة أقوال: قول أبي حنيفة: لا يحد المستأمن سواء كان رجلا أو امرأة، ويحد المسلم والذمي سواء كان رجلا أو امرأة، وقول أبي يوسف: يحد الجميع . وقول محمد: لا يحد واحد منهم. فإذا زنى الحربي المستأمن بالمسلمة أو الذمية فعليهما الحددون الحربي في قول أبي حنيفة، وعلیھما الحد جميعا في قول أبي یوسف، ولا حد على واحد منهما في قول محمد، وتقييد المسألة بالمسلمة والذمية لأنه لوزنى بحربية مستأمنة لا يحد واحد منهما عند أبي حنيفة ومحمد، وعند أبي يوسف يحدان، وإن زنى المسلم أو الذمي بالحربية المستأمنة حد الرجل في قول أبي حنيفة ومحمد، وقال أبو يوسف: يحدان جميعا. ومذهب الشافعية أنه لا یقام حد الزنى على المعاهد والمستأمن لعدم التزامهما بالأحكام، ويقام على الذمي لالتزامه بالأحكام، ولخبر الصحيحين: ((أن النبي ◌َّه رجم رجلا وامرأة من اليهود زنيا)). (١) وكانا قد أحصنا. قال (١) حديث: ((أن النبي ◌َ﴿ رجم رجلا وامرأة من اليهود زنيا)). أخرجه البخاري (الفتح ١٢/ ١٦٦ - ط السلفية) ومسلم (١٣٢٦/٣ - الحلبي) من حديث ابن عمر. الرملي: اعلم أن أهل الذمة اليوم لا يحدون على المذهب كالمستأمن، لأنهم لا يجدد لهم عهد، بل يجرون على ذمة آبائهم. وذهب الحنابلة إلى أن أهل الذمة يحدون حد الزنى، لأن اليهود جاؤوا إلى رسول الله عليه بامرأة ورجل منهم قد زنيا ((فأمر بهما رسول الله والي فرجما)) ويلزم الإِمام إقامة الحد في زنى بعضهم ببعض، لالتزامهم حکمنا. ولا یقام حد الزنى على مستأمن، لأنه غير ملتزم حكمنا. ولأن زنى المستأمن يجب به القتل لنقض العهد، ولا يجب مع القتل حد سواه. وهذا إذا زنى بمسلمة. أما إذا زنى المستأمن بغير مسلمة فلا يقام عليه الحد.(١) ٦ - أن يكون من صدر منه الفعل ناطقا: ٢٩ - اشترط الحنفية في حد الزنی أن یکون من صدر منه الفعل ناطقا. فلا يقام حد الزنى عندهم على الأخرس مطلقا، حتى ولو أقر بالزنی أربع مرات في کتاب کتبه أو إشارة، ولو شهد عليه الشهود بالزنى لا تقبل للشبهة، ولم يشترط جمهور الفقهاء هذا الشرط فيجب حد (١) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٥٤، شرح فتح القدير ٤٨/٥، حاشية الدسوقي ٣١٣/٤ القوانين الفقهية ٣٨٢ شرح الزرقاني على خليل ٨/ ٧٥ دار الفكر ١٩٧٨م، شرح روض الطالب ٤/ ١٢٧ المكتبة الإسلامية، مغني المحتاج ٤ / ١٤٧، كشاف القناع ٦ / ٩٠، ٩١ - ٣٦ - زنى ٣٠ - ٣١ الزنى على الأخرس إذا زنى . (١) ثبوت الزنى : يثبت الزنى بأحد أمور ثلاثة: بالشهادة، والإِقرار، والقرائن. أ - الشهادة : ٣٠ - أجمع الفقهاء على ثبوت الزنى بالشهادة، وأنه لا يثبت إلا بشهادة أربعة رجال(٢) لقول الله تعالى: ﴿واللاتي يأتين الفاحشة من نسائكم فاستشهدوا عليهن أربعة منكم﴾(٣) وقوله تعالى: ﴿والذين يرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانين جلدة﴾ (٤) وقوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة شهداء فإذ لم يأتوا بالشهداء فأولئك عند الله هم الكاذبون﴾ .(٥) ولحديث أبي هريرة أن سعد بن معاذ قال لرسول الله : ((يارسول الله، إن وجدت مع (١) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٤١، جواهر الإكليل ٢/ ١٣٢ دار المعرفة، التبصرة بهامش فتح العلي ٢/ ٤٠، ٨٠ مصطفى البابي الحلبي ١٩٥٨م، مغني المحتاج ٤/ ١٥٠، كشاف القناع ٩٩/٦ (٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٤٢ دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي ٤/ ٣١٩ دار الفكر، مغني المحتاج ٤ / ١٤٩ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ٦/ ١٠٠ عالم الكتب ١٩٨٣م، المغني لابن قدامة ١٩٨/٨ الرياض. (٣) سورة النساء/ ١٥ (٤) سورة النور/ ٤ (٥) سورة النور/ ١٣ امرأتي رجلا أأمهله حتى آتي بأربعة شهداء؟ فقال النبي ◌َّلي: نعم)). (١) ويشترط في الشهود على الزنى بالإِضافة إلى الشروط العامة للشهادة (المذكورة في مصطلح شهادة) أن تتوافر فيهم شروط معينة حتى يثبت الزنى، وهذه الشروط هي : الشرط الأول: الذكورة : ٣١ - ذهب جمهور الفقهاء (الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة) إلى اشتراط الذكورة في شهود الزنى، فلابد أن یکونوا رجالا کلھم، للنصوص السابقة . ولا تقبل شهادة النساء في الزنی بحال، لأن لفظ الأربعة اسم لعدد المذكورين، ويقتضي أن يكتفى به بأربعة، ولا خلاف في أن الأربعة إذا كان بعضهم نساء لا يكتفى بهم، وأن أقل ما يجزىء خمسة، وهذا خلاف النص: ﴿أن تضل إحداهما فتذكر إحداهما الأخرى﴾(٢) والحدود تدرأ بالشبهات. وقال ابن عابدين: لا مدخل لشهادة النساء في الحدود. (٣) (١) حديث أبي هريرة: ((في سؤال سعد بن معاذ» أخرجه مسلم (١١٣٥/٢ - ط الحلبي) (٢) سورة البقرة/ ٢٨٢ (٣) حاشية ابن عابدين ١٤٢/٣، وحاشية الدسوقي ٣١٩/٤، ومغني المحتاج ١٤٩/٤، ٤٤١، وكشاف القناع ١٤٩/٤، والمغني ٨/ ١٩٨، ١٩٩ - ٣٧ - : زنى ٣٢ - ٣٣ الشرط الثاني: أن يكونوا أربعة: ٣٢ - اتفق الفقهاء علی أن الزنی لا یثبت إلا بشهادة أربعة رجال، للنصوص السابقة، ولأن الزنى من أغلظ الفواحش فغلظت الشهادة فيه ليكون أستر، وقد نقل ابن قدامة الإجماع على ذلك، فإن کملوا أربعة حد المشهود علیه، وإن لم يكملوا فهم قذفة، وعليهم حد القذف، لقوله تعالی : ﴿والذین یرمون المحصنات ثم لم يأتوا بأربعة شهداء فاجلدوهم ثمانین جلدة﴾(١) ولأن عمر رضي الله عنه حد الثلاثة الذين شهدوا على المغيرة بن شعبة بالزنى، ولم يخالفه أحد، ولئلا يتخذ صورة الشهادة ذريعة إلى الوقيعة في أعراض الناس. وعند كل من الشافعية والحنابلة قول ضعيف في المذهب، أنه لا يجلد الشھود إذا نقص عددهم عن أربعة، لأنهم جاءوا شاهدين لا هاتکین. (٢) الشرط الثالث: اتحاد المجلس: ٣٣ - اشترط جمهور الفقهاء - الحنفية والمالكية والحنابلة - في الشهادة على الزنى أن تكون في (١) سورة النور/ ٤ (٢) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٤٢، والفتاوى الهندية ٢/ ١٥١ المطبعة الأميرية ١٣١٠هـ، حاشية الدسوقي ٣١٩/٤، ٣٨٥، مغني المحتاج ٤ / ١٤٩، ١٥٦، كشاف القناع ١٠١/٦، المغني ١٩٨/٨ - ٢٠١ مجلس واحد، فلوشهد بعض الأربعة في مجلس، وبعضهم في مجلس آخر لا تقبل شهادتهم، ويحدون حد القذف. كما اشترط الحنفية والمالكية أن يأتي الشهود مجتمعين إلى مجلس القاضي . وقد صرح الحنفية أنه لو اجتمعوا خارج مجلس القاضي ودخلوا عليه واحدا بعد واحد فهم متفرقون ويحدون حد القذف، أما لو كانوا قعودا في موضع الشهود فقام واحد بعد واحد وشهد، فالشهادة جائزة . وقد صرح المالكية بأنه بعد إتیانهم محل الحاکم جمیعا فإنهم يفرقون وجوبا ليسأل کل واحد على حدته، فإن اختلفوا أو بعضهم بطلت شهادتهم، وحدوا. ولم يشترط الحنابلة إتيانهم مجتمعين، فيجوز أن يأتوا متفرقين لقصة المغيرة، فإنهم جاءوا متفرقین، وسمعت شهادتهم، وإنما حدوا لعدم كمالها. على أن تكون شهادتهم في مجلس واحد، فإن جاء بعضهم بعد أن قام الحاكم من مجلسه فهم قذفة، لأن شهادته غير مقبولة ولا صحيحة، وعليهم الحد. ولم يشترط الشافعية هذا الشرط فيستوي عندهم أن يأتي الشهود متفرقین أو مجتمعین، وأن تؤدى الشهادة في مجلس واحد أو أكثر من مجلس، لقوله تعالى: ﴿لولا جاءوا عليه بأربعة - ٣٨ - زنى ٣٤ شهداء﴾.(١) ولم يذكر المجلس. وقال تعالى: ﴿فاستشهدوا عليهن أربعة منكم فإن شهدوا فأمسكوهن في البيوت﴾. (٢) ولأن كل شهادة مقبولة إن اتفقت، تقبل إذا افترقت في مجالس، كسائر الشهادات. (٣) الشرط الرابع: تفصيل الشهادة : ٣٤ - يشترط في شهادة الزنى التفصيل، فيصف الشهود کیفیة الزنى، فيقولون: رأيناه مغیبا ذكره في فرجها، أو غیب حشفته أو قدرها ۔ إن كان مقطوعها - في فرجها كالميل في المکحلة، أو الرشاء في البئر، لأنه إذا اعتبر التصريح في الإقرار كان اعتباره في الشهادة أولى، ولأنه قد يعتقد الشاهد ما ليس بزنی زنی، فاعتبر ذکر صفته. کما یبین الشھود کیفیتھما من اضطجاع أو جلوس أو قيام، أو هو فوقها أوتحتها. وقد صرح الحنفية بأنه إذا سألهم القاضي فلم يزيدوا على قولهم: إنهما زنيا، فإنه لا يحد المشهود عليه ولا الشهود. وعند جمهور الفقهاء - الحنفية والشافعية والحنابلة - لابد من تعيين (١) سورة النور/ ١٣ (٢) سورة النساء/ ١٥ (٣) حاشية ابن عابدين ١٤٢/٣، الفتاوى الهندية ٢/ ١٥٢ المطبعة الأميرية ١٣١٠ هـ، حاشية الدسوقي ١٨٥/٤، القليوبي وعميرة ٣٢٤/٤ ط. عيسى البابي الحلبي، مغني المحتاج ١٤٩/٤، كشاف القناع ٦/ ١٠٠، المغني ٨/ ٢٠٠ المرأة، فلو شهدوا بأنه زنى بامرأة لا يعرفونها لم يحد، لاحتمال أنها امرأته أو أمته، بل هو الظاهر. كما لابد من تعیین البلد عند الجميع، وکذا تعیین المکان عند المالكية والشافعية، ککونها في رکن البيت الشرقي أو الغربي، أو وسطه، ونحو ذلك. ولا يشترط تعیین المکان في البيت الواحد عند الحنفية والحنابلة، فإن اختلف الشهود فيه حُدَّ الرجل والمرأة استحسانا، والقياس أنه لا يجب الحد لاختلاف المكان حقيقة وهو قول زفر، ووجه الاستحسان أن التوفیق ممکن بأن يكون ابتداء الفعل في زاوية والانتهاء في زاوية أخرى بالاضطراب، أو لأن الواقع في وسط البيت فيحسبه من في المقدم في المقدم، ومن في المؤخر في المؤخر فیشهد بحسب ماعنده، وهذا في البيت الصغير، أما في البيت الکبیر فلابد من التعيين. ولابد أيضا من تعيين الزمان عند الجميع، لتكون الشهادة منهم على فعل واحد، لجواز أن یکون ماشهد به أحدهم غیرماشهد به الآخر. فلو شهد أربعة على رجل بالزنى فشهد اثنان منهم أنه زنى بها يوم الجمعة، وشهد آخران أنه زنى بها يوم السبت فإنه لا حد على المشهود عليه. وكذا لا تقبل الشهادة فيما لو شهد اثنان - ٣٩ - زنی ٣٥ - ٣٦ أنه زنی بها في ساعة من النهار، وشهد آخران أنه زنى بها في ساعة أخرى. (١) الشرط الخامس: أصالة الشهادة : ٣٥ - اشترط جمهور الفقهاء - الحنفية والشافعية والحنابلة - في شهود الزنى الأصالة، فلا تجوز الشهادة على الشهادة في الزنى، لأن الحدود مبنية على الستر والدرء بالشبهات، والشهادة على الشهادة فيها شبهة يتطرق إليها اجتماع الغلط والسهو والكذب في شهود الفرع مع احتمال ذلك في شهود الأصل، وهذا احتمال زائد لا يوجد في شهود الأصل، ولأن الشهادة على الشهادة إنما تقبل للحاجة، ولا حاجة إليها في الحد، لأن ستر صاحبه أولى من الشهادة علیه. ولم يشترط المالكية هذا الشرط فتجوز عندهم الشهادة على الشهادة في الزنى بشرط أن ينقل عن كل شاهد أصيل شاهدان، ويجوز أن ينقل الشاهدان عن شاهد واحد أو عن شاهدین، (١) حاشية ابن عابدين ٣/ ١٤٣ دار إحياء التراث العربي، شرح فتح القدير ٥/ ٦١ ومابعدها دار إحياء التراث العربي، الفتاوى الهندية ١٥٢/٢ المطبعة الأميرية ١٣١٠ هـ، وحاشية الدسوقي ١٨٥/٤ دار الفكر، مغني المحتاج ١٤٩/٤ دار إحياء التراث العربي، نهاية المحتاج ٧/ ٤٢٩ ط. مصطفى البابي الحلبي ١٩٦٧م، وكشاف القناع ٦/ ١٠١، ٤١٠، عالم الكتب ١٩٨٣م، والمغني ١٩٩/٨ ط الرياض. ويشترط في الشاهدين الناقلين أن لا يكون أحدهما شاهدا أصيلا، فيجوز في الزنى أن یشهد أربعة على شهادة أربعة، أویشهد كل اثنين على شهادة واحد، أو شهادة اثنین، أو يشهد ثلاثة على ثلاثة، ويشهد اثنان على شهادة الرابع، وإذا نقل اثنان عن ثلاثة وعن الرابع اثنان لم يصح على المشهور خلافا لابن الماجشون، ووجه عدم صحتها أنه لا يصح الفرع إلا حيث تصح شهادة الأصل لو حضر، والرابع الذي نقل عنه الاثنان الآخران لوحضر ما صحت شهادته مع الاثنين الناقلين عن الثلاثة لنقص العدد، قال الدسوقي: ويحتمل أن عدم الصحة، لأن عدد الفرع فیھا ناقص عن عدد الأصل حيث نقل عن الثلاثة اثنان فقط، والفرع لا ينقص عن الأصل لقيامه مقامه ونيابته منابه. كما يجوز عند المالكية التلفيق بين شهود الأصل والفرع، كأن يشهد اثنان على رؤية الزنی، وینقل اثنان عن کل واحد من الاثنين الآخرين . (١) شهادة الزوج على الزنى : ٣٦ - ذهب جمهور الفقهاء (المالكية والشافعية (١) شرح فتح القدير ٦٨/٥ دار إحياء التراث العربي، حاشية الدسوقي ٢٠٥/٤ دار الفكر، مغني المحتاج ٤/ ٤٥٣ دار إحياء التراث العربي، كشاف القناع ٤٣٨/٦ عالم الكتب ١٩٨٣م. - ٤٠ -