Indexed OCR Text
Pages 1-20
دور
وزارة الأوقاف والشئون الإسْلامية
رَسَعَة الفقهيّة
المُؤْسُو
الجزء الثاني والعشرون
رأس - رفقة
بِسْبِلهِ الرَّحْمِالرَّحِيمِ
(وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُ واْكَفَهُ فَلَولَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ
فِرَقَةٍ مِنْهُمْ طَآَبِقَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِ الّذِينِ وَلِيُنْذِرُواْ قَوْمَهُمْ
إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَخَذَّرُونَ )).
( سورة التوبة آية ١٢٢ )
( من يرد الله به خيراً يفقهه في الدين ))
( أخرجه البخاري ومسلم )
:
الْعَةُ الفِقْنِيَّة
إصدار
وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت
الطبعَة الثانيَّة
١٤١٢ هـ - ١٩٩٢ م
طباعَة ذات السَّلاسل - الكويت
حقوق الطبع محفوظة للوزارة
ص.ب ١٣ - وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية - الكويت
رأس ١ - ٤
رأس
١
التعريف :
١ - الرأس مفرد، وجمع القلة فیه: أرؤس،
وجمع الكثرة رؤوس.
وهو في اللغة: أعلى كل شيء، ويطلق مجازا
على سيد القوم وعلى القوم إذا كثروا وعزوا.
ورأس المال: أصله.(١)
والاصطلاح الشرعي لا يخرج عن المعنى
اللغوي .
الأحكام المتعلقة بالرأس :
٢ - تختلف الأحكام المتعلقة بالرأس باختلاف
موضوع الحكم.
ففي الوضوء يجب المسح بالرأس باتفاق
الفقهاء. وأما مقدار مايمسح ففيه خلاف
وتفصيل يرجع إليه في مصطلح: (وضوء).
وفي الحج والعمرة يحرم على الرجل المحرم
تغطية الرأس أو جزء منه، وتجب الفدية فيه.
وتفصيل ذلك في مصطلح: (إحرام).
وفي الجناية على الرأس قصاص، أودية، أو
(١) تاج العروس، متن اللغة.
أرش. وتفصيل ذلك في مصطلح : (جناية،
دیة، أرش).
كشف الرأس في الصلاة :
٣ - لا خلاف بين الفقهاء في استحباب ستر
الرأس في الصلاة للرجل، بعمامة، ومافي
معناها، لأنه * كان كذلك يصلي.(١)
أما المرأة فيجب عليها ستررأسها، في
الصلاة. وتفصيل ذلك في مصطلحي : (صلاة
وعورة).
ستر الرأس عند دخول الخلاء :
٣ - يستحب أن لا يدخل الخلاء حاسر
الرأس، (٢) لخبر: ((أن النبي* كان إذا دخل
الخلاء لبس حذاءه، وغطى رأسه)). (٣)
ضرب الرأس في الحد، والتأديب :
٤ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا یضرب رأس
المجلود للحد أو التعزير، لأنه من المقاتل، وربما
(١) حديث: ((أن النبي # كان يصلي بالعمامة» ذكره صاحب
كشاف القناع (١/ ٢٦٧ - ط عالم الكتب) نقلا عن المجد
ابن تيمية في شرحه .
وانظر: فتح القدير ٢٩٧/١، وكشاف القناع ٢٦٦/١
- ٢٦٧، وأسنى المطالب ١٧٨/١، وروضة الطالبين
٢٨٨/١
(٢) روضة الطالبين ٦٦/١، وكشاف القناع ٥٩/١، ابن
عابدین ٢٣٠/١
(٣) حديث: ((أن النبي # كان إذا دخل الخلاء ... )) ذكره
صاحب کشاف القناع (١ / ٥٩ - ط عالم الكتب) وعزاء إلى
ابن سعد من حديث حبيب بن صالح مرسلا.
- ٥ -
رأس ٥، رأس المال ١ - ٢
يفضي ضربه إلی ذهاب سمعه، وبصره،
وعقله، أو قتله، والمقصود تأديبه لا قتله، وروي
عن عمر رضي الله عنه أنه قال للجلاد: اتق
الوجه، والرأس.
وقال أبويوسف من الحنفية: إنه یضرب
الرأس في الحد والتعزير، لأنه لا يخاف التلف
بسوط أو سوطین، وقد روي عن أبي بكر رضي
الله عنه أنه قال: اضربوا الرأس فإن الشيطان
فيه، وهذا هو الراجح عند الشافعية. (١)
الیمین علی أکل الرؤوس :
٥ - إذا حلف لا يأكل رأسا وأطلق، حمل على
رؤوس الأنعام، وهي الغنم، والإِبل، والبقر،
لأنها هي التي تباع وتشترى في السوق منفردة،
وهي المتعارفة، وإلى هذا ذهب الشافعية على.
الصحيح عنَدهم، وأبوحنيفة. وقال
الصاحبان: يحمل على رأس الغنم، وهو قول
عند الشافعية، أما إن عمم أو خصص فإنه
یتبع، وإن قصد مایسمی رأسا حنث بالكل. (٢)
وتفصيل ذلك في مباحث الأيمان من کتب
الفقه .
أما ما يتعلق بشعر الرأس من الأحكام فينظر
في مصطلح : (شعر).
(١) الاختيار ٨٥/٤، ومغني المحتاج ٤/ ١٩٠، والمغني
٣١٤/٨، ومواهب الجليل ٣١٨/٦
(٢) مغني المحتاج ٣٣٥/٤، والاختيار ٦٤/٤، وابن عابدين
٩١/٣، وأسنى المطالب ٤/ ٢٥٥
رأس المال
التعريف :
١ -رأس المال في اللغة: أصل المال بلا ربح ولا
زيادة، وهو جملة المال التي تستثمر في عمل
ما.(١) قال الله تعالی: ﴿وإن تبتم فلكم رؤوس
أموالكم لا تَظْلمون ولا تُظْلمون﴾.(٢)
وفي الاصطلاح لا يخرج عن المعنى
اللغوي .
مواطن البحث :
٢ - يذكر هذا المصطلح في: الزكاة، والشركة،
والمضاربة، والسلم، والربا، والقرض، وبيوع
الأمانات، والمرابحة، والتولية، والحطيطة.
ويرجع إلى الأحكام المتعلقة بهذا المصطلح في
مظانها المذكورة.
(١) لسان العرب، وتاج العروس، والمعجم الوسيط.
(٢) سورة البقرة / ٢٧٩
- ٦ -
رؤيا ١ - ٣
رؤيا
التعريف :
١ - الرؤيا على وزن فعلى مايراه الإِنسان في
منامه، وهو غیرمنصرف لألف التأنيث کما في
المصباح، وتجمع على رؤی.
وأما الرؤية بالهاء فهي رؤية العین ومعاينتها
للشيء كما في المصباح، وتأتي أيضا بمعنى
العلم کما في الصحاح واللسان، فإن كانت
بمعنى النظر بالعين فإنها تتعدى إلى مفعول
واحد، وإن كانت بمعنى العلم فإنها تتعدى
إلى مفعولين. (١)
والرؤيا في الاصطلاح لا تخرج عن المعنى
اللغوي .
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإِلهام :
٢ - الإِلهام في اللغة: تلقين الله سبحانه وتعالى
الخير لعبده، أو إلقاؤه في روعه. (٢)
(١) المصباح، والقاموس مادة: (روى)، الصحاح واللسان،
مادة: (رأی)، والكليات ٢/ ٣٨٤ ط - دمشق.
(٢) القاموس، واللسان، والصحاح، مادة: (لهم).
وفي الاصطلاح: إيقاع شيء يطمئن له
الصدر يخص به الله سبحانه بعض أصفيائه.(١)
وتفصيل ذلك في مصطلح: (إلهام).
والفرق بين الرؤيا والإِلهام أن الإِلهام، يكون
في اليقظة، بخلاف الرؤيا فإنها لا تكون إلا في
النوم.
ب - الحلم :
٣ - الحلم بضم الحاء المهملة وضم اللام وقد
تسكن تخفيفا هو الرؤيا، أو هو اسم للاحتلام
وهو الجماع في النوم. (٢) والحلم والرؤيا وإن كان
كل منهما يحدث في النوم إلا أن الرؤيا اسم
للمحبوب فلذلك تضاف إلى الله سبحانه
وتعالى، والحلم اسم للمكروه فيضاف إلى
الشيطان لقوله وخلفه: ((الرؤيا من الله، والحلم
من الشيطان))،(٣) وقال عيسى بن دينار: الرؤيا
رؤية ما يتأول على الخير والأمر الذي يسربه،
والحلم هو الأمر الفظيع المجهول يريه الشيطان
للمؤمن ليحزنه وليكدر عيشه. (٤)
(١) كشاف اصطلاحات الفنون.
(٢) القاموس المحيط، مادة: (حلم)، صحيح مسلم بشرح
النووي ١٦/١٥ ط - المصرية، تفسير القرطبي ٩/ ١٢٤ ط
- المصرية .
(٣) حديث: ((الرؤيا من الله والحلم من الشيطان)) أخرجه
البخاري (الفتح ٣٦٩/١٢ - ط السلفية) ومسلم
(١٧٧١/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي قتادة، وعند
البخاري: ((الرؤيا الصادقة)).
(٤) المنتقى ٧/ ٢٧٧ ط - العربي.
- ٧ -
رؤيا ٤ - ٦
ج - الخاطر :
٤ - الخاطر هو المرتبة الثانية من مراتب حديث
النفس، ومعناه في اللغة ما يخطر في القلب من
تدبير أمر، وفي الاصطلاح مايرد على القلب
من الخطاب أو الوارد الذي لا عمل للعبد فیه،
والخاطر غالبا يكون في اليقظة بخلاف
الرؤيا .(١)
د - الوحي :
٥ - من معانيه في اللغة كما قال ابن فارس
الإشارة والرسالة والكتابة وكل ما ألقيته إلى
غيرك ليعلمه، وهو مصدر وحى إليه يحي من
باب وعد، وأوحى إليه بالألف مثله، ثم غلب
استعمال الوحي فيما يلقى إلى الأنبياء من عند
الله تعالی. (٢) فالفرق بينه وبين الرؤيا واضح،
ورؤيا الأنبياء وحي، وفي الحديث: ((أول
مابدىء به النبي # من الوحي الرؤيا
الصادقة)). (٣)
الرؤيا الصالحة ومنزلتها :
٦ - الرؤيا الصالحة حالة شريفة ومنزلة رفيعة كما
(١) المصباح مادة: (مطر)، والمنثور للزركشي ٣٣/٢ ط .
الأولى، والتعريفات للجرجاني / ١٢٩ ط - العربي،
والكليات ٢/ ٣٠٩ ط - دمشق.
(٢) المصباح مادة: (وحي).
(٣) حديث: ((أول ما بدىء به النبي # من الوحي الرؤيا
الصادقة)). أخرجه البخاري (الفتح ٢٢/١ - ط السلفية)
من حديث عائشة.
ذكر القرطبي، قال رسول الله يلر: ((لم يبق من
مبشرات النبوة إلا الرؤيا الصالحة يراها المسلم
الصالح أو تُرَى له)).(١) وقد أخرج الترمذي في
جامعه أن رجلا من أهل مصر سأل أبا الدرداء
رضي الله عنه عن قوله تعالى : ﴿لهم البشری في
الحياة الدنيا﴾(٢) قال: ماسألني عنها أحد منذ
سألت رسول الله ێ عنها، فقال: ما سألني عنها
أحد غيرك منذ أنزلت، هي الرؤيا الصالحة
يراها المسلم أو تری له.(٣)
وقد حكم رسول الله أن الرؤيا الصالحة
جزء من ستة وأربعين جزءا من النبوة (٤) وروي
غير ذلك.
والمراد بالرؤيا الصالحة غالب رؤى الصالحين
(١) حديث: ((لم يبق من مبشرات النبوة .... )) أخرجه مسلم
(٣٤٨/١ - ط الحلبي) من حديث ابن عباس.
(٢) سورة يونس / ٦٤
(٣) حديث أبي الدرداء: ما سألني عنها أحد غيرك. أخرجه
الترمذي (٢٨٦/٥ - ٢٨٧ - ط الحلبي) وفي إسناده جهالة،
ولکن له شاهد من حديث عبادة بن الصامت أخرجه أحمد
(٣١٥/٥ - ط الميمنية) وآخر من حديث أبي هريرة أخرجه
الطبري في تفسيره (١٣١/١٥ - ط المعارف) يتقوى به.
(٤) فتح الباري ١٢/ ٣٦٢ - ٣٦٣ ط الرياض، صحيح مسلم
بشرح النووي ٢٠/١٥ -٢١ ط المصرية، ثمفة الأحوذي
٥٤٩/٦ ط. الفجالة، وتفسير القرطبي ١٢٢/٩ -١٢٣ ط
المصرية .
وحديث: ((الرؤيا الصالحة جزء من ستة وأربعين جزءا من
النبوة)) أخرجه البخاري (الفتح ١٢/ ٣٧٣ - ط السلفية)
من حديث أبي سعيد الخدري.
- ٨ -
رؤيا ٦ - ٨
کما قال المهلب، وإلا فالصالح قد یری
الأضغاث ولکنه نادر لقلة تمكن الشيطان منهم،
بخلاف عكسهم، فإن الصدق فيها نادر لغلبة
تسلط الشيطان عليهم، فالناس على هذا
ثلاث درجات.
- الأنبياء ورؤاهم كلها صدق، وقد يقع فيها
مايحتاج إلى تعبير.
- والصالحون والأغلب على رؤاهم الصدق،
وقد يقع فيها مالا يحتاج إلى تعبير.
- ومن عداهم وقد يقع في رؤاهم الصدق
والأضغاث.
وقال القاضي أبوبكر العربي : إن رؤيا
المؤمن الصالح هي التي تنسب إلى أجزاء النبوة
لصلاحها واستقامتها، بخلاف رؤیا الفاسق
فإنها لا تعد من أجزاء النبوة، وقيل تعد من
أقصى الأجزاء، وأما رؤيا الكافر فلا تعد
أصلا. وقريب من ذلك ما قاله القرطبي من أن
المسلم الصادق الصالح هو الذي يناسب حاله
حال الأنبياء فأكرم بنوع مما أكرم به الأنبياء وهو
الاطلاع على الغيب، وأما الكافر والفاسق
والمخلط فلا، ولو صدقت رؤياهم أحيانا فذاك
کما قد یصدق الکذوب، ولیس کل من حدّث
عن غيب يكون خبره من أجزاء النبوة كالكاهن
والمنجم . (١)
(١) فتح الباري ٣٦٢/١٢ -٣٩١ ط - الرياض، وصحيح=
هذا، وقد استشکل کون الرؤيا جزءا من
النبوة مع أن النبوة انقطعت بموت النبي (أَّ كما
ذكر الحافظ في الفتح فقيل في الجواب: إن وقعت
الرؤيا من النبي 18 فهي جزء من أجزاء النبوة
حقیقة، وإن وقعت من غير النبي فهي جزء من
أجزاء النبوة على سبيل المجاز. وقال الخطابي :
قيل معناه: أن الرؤيا تجيء على موافقة النبوة لا
أنها جزء باق من النبوة، وقيل المعنى : إنها جزء
من علم النبوة، لأن النبوة وإن انقطعت فعلمها
باق.(١)
رؤيا الله سبحانه وتعالى في المنام :
٧ - اختلف في جواز رؤيته سبحانه وتعالى في
المنام فقيل: لا تقع، لأن المرئي فيه خيال
ومثال، وذلك على القديم محال، وقيل: تقع
لأنه لا استحالة لذلك في المنام. (٢)
رؤيا النبي ◌َّ في المنام :
٨ - ذکر البخاري في كتاب التعبیر من صحيحه
بابا بعنوان من رأى النبي # في المنام وذكر فيه
خمسة أحاديث منها: مارواه عن أبي هريرة
رضي الله عنه أنه قال: ((سمعت النبي ◌َ﴾
= مسلم بشرح النووي ١٥/ ٢٠ - ٢١ ط المصرية، وتفسير
القرطبي ٩/ ١٢٤ ط الأولى.
(١) فتح الباري ١٢/ ٣٦٣، ٣٦٤
(٢) الفروق ٤٤٦/٤، وتهذيب الفروق ٢٧١/٤، وفتح
الباري ٣٨٧/١٢
٠ - ٩ -
رؤيا ٨
يقول: من رآني في المنام فسيراني في اليقظة ولا
یتمثل الشيطان بي)».(١)
وهذه الأحادیث تدل على جواز رؤيته ێڼ في
المنام، وقد ذكر الحافظ في الفتح، والنووي في
شرح مسلم أقوالا مختلفة في معنى قوله زمان :
((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة)).
والصحیح منها أن مقصوده أن رؤيته في کل
حالة ليست باطلة ولا أضغاثا، بل هي حق في
نفسها، ولورؤي علی غیر صورته التي كانت
عليها في حياته ويلي، فتصور تلك الصورة ليس
من الشيطان بل هومن قبل الله، وقال: وهذا
قول القاضي أبي بكر بن الطيب وغيره،
ويؤيده قوله: ((فقد رأى الحق))(٢) أي رأى الحق
الذي قصد إعلام الرائي به، فإن كانت على
ظاهرها وإلا سعى في تأويلها ولا يهمل أمرها،
لأنها إما بشری بخير، أو إنذار من شر إما ليخيف
الرائي، وإما لينزجر عنه، وإما لينبه على حكم
يقع له في دینه أو دنياه. (٣)
وذكر القرافي في الفروق أن رؤيته عليه
الصلاة والسلام إنما تصح لأحد رجلين : -
(١) حديث: ((من رآني في المنام فسيراني في اليقظة)) أخرجه
البخاري (الفتح ٣٨٣/١٢ - ط السلفية) ومسلم
(١٧٧٥/٤ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري.
(٢) حديث: ((فقد رأى الحق)) أخرجه البخاري (الفتح
٣٨٣/١٢ - ط السلفية) من حديث أبي قتادة.
(٣) فتح الباري ٣٨٤/١٢ - ٣٨٥ ط الرياض.
أحدهما : صحابي رآه فعلم صفته فانطبع في
نفسه مثاله فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله المعصوم
من الشيطان، فينتفي عنه اللبس والشك في
رؤيته عليه الصلاة والسلام.
وثانيهما: رجل تكرر عليه سماع صفاته
المنقولة في الكتب حتى انطبعت في نفسه صفته
عليه الصلاة والسلام، ومثاله المعصوم، كما
حصل ذلك لمن رآه، فإذا رآه جزم بأنه رأى مثاله
عليه الصلاة والسلام کما يجزم به من رآه،
فينتفي عنه اللبس والشك في رؤيته عليه الصلاة
والسلام، وأما غیرهذین فلا يحل له الجزم بل
يجوز أن يكون رآه عليه السلام بمثاله، ويحتمل
أن یکون من تخییل الشيطان، ولا یفید قول
المرئي لمن رآه أنا رسول الله، ولا قول من يحضر
معه هذا رسول الله، لأن الشیطان یکذب لنفسه
ویکذب لغيره، فلا يحصل الجزم، وهذا وإن
كان صريحا في أنه لابد من رؤية مثاله
المخصوص لا ينافي ماتقرر في التعبير أن الرائي
يراه عليه الصلاة والسلام شيخا وشابا وأسود،
وذاهب العينين، وذاهب اليدين، وعلى أنواع
شتى من المثل التي ليست مثاله عليه الصلاة
والسلام، لأن هذه الصفات صفات الرائين
وأحوالهم تظهر فيه عليه الصلاة والسلام وهو
كالمرآة لهم.(١)
(١) الفروق ٢٤٥/٤ ط الأولى.
- ١٠ -
٠
ترتب الحكم على قول النبي ور أو فعله في
الرؤيا :
٩ - من رأى النبي وَليه في المنام يقول قولا أو
يفعل فعلا فهل یکون قوله هذا أو فعله حجة
يترتب عليها الحكم أولا؟
ذکر الشوكاني في ذلك ثلاثة أقوال :-
الأول : أنه يكون حجة ویلزم العمل به،
وقد ذهب إلى ذلك جماعة من أهل العلم منها
الأستاذ أبو إسحاق، لأن رؤية النبي ◌َّ في
المنام حق والشيطان لا يتمثل به .
الثاني : أنه لا یکون حجة ولا يثبت به حکم
شرعي، لأن رؤية النبي ◌ّي9 في المنام وإن كانت
رؤیا حق وأن الشيطان لا يتمثل به لکن النائم
ليس من أهل التحمل للرواية لعدم حفظه .
الثالث : أنه يعمل بذلك مالم يخالف شرعا
ثابتا .
قال الشوكاني: ولا يخفاك أن الشرع الذي
شرعه الله لنا على لسان نبينا وَ ل قد كمله الله
عز وجل وقال: ﴿اليوم أكملت لكم
دینکم﴾(١)
ولم يأتنا دليل يدل على أن رؤيته في النوم بعد
موته ﴿ إذا قال فيها بقول، أو فعل فيها فعلا
یکون دلیلا وحجة، بل قبضه الله إلیه بعد أن
کمل لهذه الأمة ماشرعه لها على لسانه ولم يبق
رؤيا ٩
بعد ذلك حاجة للأمة في أمر دینها، وقد
انقطعت البعثة لتبليغ الشرائع، وتبيينها بالموت
وإن كان رسولا حيا وميتا، وبهذا تعلم أنالو
قدرنا ضبط النائم لم يكن ما رآه من قوله وال# أو
فعله حجة عليه ولا على غيره من الأمة. (١)
وذكر صاحب تهذيب الفروق أيضا أنه لا
يلزم من صحة الرؤيا التعويل عليها في حكم
شرعي لاحتمال الخطأ في التحمل وعدم ضبط
الرائي، ثم ذكر بعد ذلك مايدل على أن مايثبت
في اليقظة مقدم على ماثبت بالنوم عند
التعارض، قال العزبن عبدالسلام لرجل رأى
النبي 18 في المنام يقول له إن في المحل الفلاني
ركازا اذهب فخذه ولا خمس عليك فذهب
ووجده واستفتى ذلك الرجل العلماء، فقال له
العز: اخرج الخمس فإنه ثبت بالتواتر،
وقصارى رؤيتك الآحاد، فلذلك لما اضطربت
آراء الفقهاء بالتحريم وعدمه فيمن رآه عليه
السلام في المنام فقال له إن امرأتك طالق ثلاثا
وهو يجزم أنه لم يطلقها لتعارض خبره عليه
السلام عن تحريمها في النوم، وإخباره في اليقظة
في شريعته المعظمة أنها مباحة له، استظهر
الأصل أن إخباره عليه السلام في اليقظة مقدم
على الخبر في النوم لتطرق الاحتمال للرائي
بالغلط في ضبطه المثال قال: فإذا عرضنا على
(١) إرشاد الفحول / ٢٤٩ ط - الحلبي.
(١) سورة المائدة / ٣
- ١١ -
رؤيا ١٠
أنفسنا احتمال طرو الطلاق مع الجهل به واحتمال
طرو الغلط في المثال في النوم وجدنا الغلط في
المثال أيسر وأرجح، وأما ضبط عدم الطلاق فلا
يختل إلا على النادر من الناس، والعمل
بالراجح متعین، وکذلك لو قال عن حلال إنه
حرام، أو عن حرام إنه حلال، أو عن حكم من
أحكام الشريعة قدمنا ماثبت في اليقظة على ما
رأى في النوم، كما لو تعارض خبران من أخبار
اليقظة صحیحان فإنا نقدم الأرجح بالسند، أو
باللفظ، أو بفصاحته، أو قلة الاحتمال في المجاز
أو غيره، فكذلك خبر اليقظة وخبر النوم
يخرجان على هذه القاعدة. (١)
تعبير الرؤيا :
١٠ ۔ التعبیر کما ذکر الحافظ في الفتح خاص
بتفسير الرؤيا، ومعناه العبور من ظاهرها إلى
باطنها، وقيل: هو النظر في الشيء، فيعتبر
بعضه ببعض حتی یحصل على فهمه حكاه
الأزهري، وبالأول جزم الراغب، وقال أصله
من العبربفتح ثم سکون، وهو التجاوزمن حال
إلى حال، وخصوا تجاوز الماء بسباحة أوفي
سفينة أو غيرها بلفظ العبور بضمتين، وعبر
القوم إذا ماتوا كأنهم جازوا القنطرة من الدنيا
إلى الآخرة، قال: والاعتبار والعبرة الحالة التي
يتوصل بها من معرفة المشاهد إلى ماليس
(١) تهذيب الفروق ٤/ ٢٧٠ - ٢٧١ ط - الأولى.
بمشاهد، ويقال: عبرت الرؤيا بالتخفيف إذا
فسرتها، وعبرتها بالتشديد للمبالغة في ذلك. (١)
وذكر القرطبي في تفسير قوله تعالى : ﴿إِن
کنتم للرؤیا تعبرون﴾ (٢) أنه مشتق من عبور
النهر، فعابر الرئیا یعبربما يؤول إليه أمرها،
وينتقل بها كما في روح المعاني من الصورة
المشاهدة في المنام إلى ماهي صورة ومثال لها من
الأمور الآفاقية والأنفسية الواقعة في الخارج. (٣)
هذا وقد ذكر ابن القيم في أعلام الموقعين
صورا لتعبير الرؤيا وتأويلها، ومن تلك الصور:
تأويل الثياب بالدين والعلم، فإن الرسول وآلام
أول القميص في المنام بالدين والعلم. (٤)
والقدر المشترك بينهما هو أن كلا منهما يستر
صاحبه ويجملہ بین الناس، فالقميص يستر
بدنه، والعلم والدین یسترروحه وقلبه، ويجمله
بین الناس.
وتأويل اللبن بالفطرة لما في كل منهما من
التغذية الموجبة للحياة وكمال النشأة. وتأويل
(١) المصباح المنير، فتح الباري ١٢/ ٣٥٢ ط - الرياض.
(٢) سورة يوسف / ٤٣
(٣) تفسير القرطبي ٩/ ٢٠٠ ط - المصرية، روح المعاني
٢٥٠/١٢ ط المنيرية.
(٤) حديث: ((إن الرسول# أوّل القميص في المنام بالدين
والعلم)) أخرجه البخاري (الفتح ٣٩٥/١٢ - ط السلفية)
دون قوله (والعلم).
- ١٢ -
رؤيا ١٠
البقر بأهل الدین والخير الذين بهم عمارة الأرض
كما أن البقر كذلك.
وتأويل الزرع والحرث بالعمل، لأن العامل
زارع للخير والشر.
وتأويل الخشب المقطوع المتساند بالمنافقين،
والجامع بينهما أن المنافق لا روح فيه ولا ظل ولا
ثمر، فهو بمنزلة الخشب الذي هو كذلك.
وتأويل النار بالفتنة لإِفساد كل منهما مايمر
علیه ويتصل به .
وتأويل النجوم بالعلماء والأشراف لحصول
هداية أهل الأرض بكل منهما، ولارتفاع
الأشراف بين الناس كارتفاع النجوم.
وتأويل الغيث بالرحمة والعلم والقرآن
والحكمة وصلاح حال الناس، إلى غيرذلك
من. الصور الواردة في تعبير الرؤيا والمأخوذة من
الأمثلة الواردة في القرآن، ثم قال: وبالجملة فما
تقدم من أمثال القرآن كلها أصول وقواعد لعلم
التعبیر لمن أحسن الاستدلال بها، وكذلك من
فهم القرآن فإنه يعبر به الرؤیا أحسن تعبیر،
وأصول التعبير الصحيحة إنما أخذت من
مشكاة القرآن، فالسفينة تعبر بالنجاة، لقوله
تعالى: ﴿فأنجيناه وأصحاب السفينة﴾(١)
وتعبر بالتجارة. والطفل الرضيع يعبر بالعدو
لقوله تعالى: ﴿فالتقطه آل فرعون ليكون لهم
عدوا وحزنا﴾ . (١)
والرماد بالعمل الباطل لقوله تعالى: ﴿مثل
الذين كفروا بربهم أعمالهم کرماد اشتدت به
الريح﴾(٢) فإن الرؤيا أمثال مضروبة ليستدل
الرائي بما ضرب له من المثل على نظيره، ويعبر
منه إلی شبهه. (٣)
هذا، ومما ورد في تعبير الرؤيا من السنة
حديث أبي موسى رضي الله عنه أن النبي (وَّ
قال: ((رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى
أرض بها نخل، فذهب وَهَلِى إلى أنها اليمامة أو
هجر فإذا هي المدینة يثرب، ورأيت فيها بقرا
والله خير، فإذا هم المؤمنون يوم أحد، وإذا
الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق
الذي أتانا الله به بعد یوم بدر)). (٤)
وحديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال:
قال رسول الله وله: ((بينا أنا نائم إذا أتيت
خزائن الأرض فوضع في يدي سواران من
ذهب فكبرا عليّ وأهماني، فأوحي إلي أن
انفخهما فنفختهما فطارا، فأولتهما الكذابين
(١) سورة القصص / ٨
(٢) سورة إبراهيم / ١٨
(٣) أعلام الموقعين ١/ ١٩٠ - ١٩٥ ط - الكليات.
(٤) حديث أبي موسى: ((رأيت في المنام أني أهاجر إلى مكة))
أخرجه البخاري (الفتح ١٢ / ٤٢١ - ط السلفية) ومسلم
(١٧٧٩/٤ - ١٧٨٠ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري.
(١) سورة العنكبوت / ١٥
- ١٣ -
رؤيا ١٠
اللذين أنا بينهما: صاحب صنعاء وصاحب
اليمامة)). (١)
وما أخرجه البخاري عن عبدالله بن عمر
رضي الله عنهما أن النبي وَّز قال: ((رأيت امرأة
سوداء ثائرة الرأس خرجت من المدينة حتى
قامت بمهيعة، فأولت أن وباء المدينة نقل إلى
مهيعة وهي الجحفة)). (٢)
وما أخرجه البخاري عن أبي موسى عن
النبي 10 قال: «رأيت في رؤياي أني هززت
سیفا فانقطع صدره، فإذا هو ما أصیب من
المؤمنین یوم أحد، ثم هززته أخری فعاد أحسن
ما کان، فإذا هوما جاء الله به من الفتح واجتماع
المؤمنين). (٣)
هذا ولا تقص الرؤيا على غير شفيق ولا
ناصح، ولا يحدث بها إلا عاقل محب، أو
ناصح، لقوله تعالى : ﴿قال یا بني لا تقصص
رؤياك على إخوتك فيكيدوا لك كيدا﴾ (٤)
ولقوله : ((لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو
(١) حديث أبي هريرة: ((بينا أنا نائم إذ أتيت خزائن الأرض)»
أخرجه البخاري (الفتح ٤٢٣/١٢ - ط السلفية) ومسلم
(٤/ ١٧٨١ - ط الحلبي) واللفظ للبخاري.
(٢) حديث ابن عمر: ((رأيت امرأة سوداء ... )) أخرجه
البخاري (الفتح ١٢ /٤٢٦ - ط السلفية).
(٣) حديث أبي موسى: «رأيت في رؤياي أني هززت سيفا)»
أخرجه البخاري (الفتح ١٢/ ٤٢٧ - ط السلفية).
(٤) سورة يوسف / ٥
ناصح)).(١) وأن لا يقصها على من لا يحسن
التأويل، لقول مالك: لا يعبر الرؤيا إلا من
یحسنہا، فإن رأی خیرا أخبربه، وإن رأى
مکروها فليقل خيرا أوليصمت، قیل: فهل
يعبرها على الخير وهو عنده على المكروه لقول
من قال: إنها على ما تأولت عليه، فقال: لا ، ثم
قال: الرؤيا جزء من النبوة، فلا يتلاعب
بالنبوة .
وإذا رأی مایکره فليتعوذ بالله من شرها ومن
شر الشيطان، ولیتفل ثلاثا، ولا يحدث بها أحدا
فإنها لا تضره، وإذا رأى ما يحب فعليه أن
يحمد، وأن يحدث بها، لقوله وَليّ فيما أخرجه
البخاري عن عبد ربه بن سعيد قال: سمعت
أبا سلمة يقول: «لقد كنت أرى الرؤيا فتمرضني
حتى سمعت أبا قتادة يقول: وأنا كنت أرى
الرؤیا تمرضني حتى سمعت النبي {﴾ يقول:
((الرؤيا الحسنة من الله، فإذا رأى أحدكم
ما يحب فلا يحدث به إلا من يحب، وإذا رأی
مايكره فليتعوذ بالله من شرها ومن شر الشيطان
وليتفل ثلاثا، ولا يحدث بها أحدا فإنها لن
تضره. (٢)
(١) حديث: ((لا تقص الرؤيا إلا على عالم أو ناصح)) أخرجه
الترمذي (٥٣٧/٤ - ط الحلبي) من حديث أنس بن مالك،
وقال: ((حديث حسن صحيح)).
(٢) حديث أبي قتادة: ((الرؤيا الحسنة من الله)) أخرجه البخاري
(الفتح ١٢/ ٤٣٠ - ط السلفية).
- ١٤ -
رؤيا ١٠، رؤية ١ - ٢٠
ولقوله {$ فيما أخرجه البخاري أيضا عن
أبي سعيد الخدري إذا رأى أحدكم الرؤيا يحبها
فإنها من الله فليحمد الله علیھا ولیحدث بها،
وإذا رأى غير ذلك مما يكره فإنما هي من
الشيطان، فليستعذ من شرها ولا یذکرها لأحد
فإنها لن تضره.(١)
رؤية
22
(١) تفسير القرطبي ١٢٦/٩ ط الأولى، فتح الباري ١٢/ ٤٢١
- ٤٣٠ ط الرياض، وصحيح مسلم بشرح النووي
٣١/١٥ -٣٤، وحديث أبي سعيد الخدري: ((إذا رأى
أحدكم الرؤيا)) أخرجه البخاري (الفتح ١٢/ ٤٣٠ - ط
السلفية).
التعريف :
١ - الرؤية لغة : إدراك الشيء بحاسة البصر،
وقال ابن سيده: الرؤية: النظر بالعين والقلب.
والغالب في استعمال الفقهاء له هو المعنى
الأول، وذلك كما في رؤية الهلال، ورؤية
المبيع، ورؤية الشاهد للشيء المشهود به
وهكذا.
وقال الجرجاني: الرؤية: المشاهدة بالبصر
حیث کان في الدنيا والآخرة .(١)
الألفاظ ذات الصلة :
أ - الإدراك :
٢ - الإدراك: هو المعرفة في أوسع معانيها،
ويشمل الإِدراك الحسي والمعنوي. (٢)
وهو في الاصطلاح: انطباع صورة الشيء في
الذهن.
(١) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح، والتعريفات
للجرجاني .
(٢) لسان العرب، والمصباح المنير، والصحاح.
- ١٥ -
رؤية ٣ - ٥
وبذلك يكون الإِدراك أعم من الرؤية لأنه
قد يكون بالبصر وبغيره من الحواس، ولذلك
يقول ابن قدامة: مدرك العلم الذي تقع به.
الشهادة: الرؤية والسماع والشم والذوق
واللمس.(١)
ب - النظر :
٣ - النظر : طلب ظهور الشيء بحاسة البصر أو
غيرها من الحواس. والنظر بالقلب من جهة
التفكر. والفرق بين النظر والرؤية، أن النظر
تقلیب العین حیال مكان المرئي طلبا لرؤيته،
والرؤية هي إدراك المرئي. وقال الباقلاني: النظر
هو الفكر الذي يطلب به علم أو غلبة ظن. (٢)
الحكم التكليفي :
٤ - يختلف الحكم التكليفي لطلب الرؤية
باختلاف ما تستعمل فیه الرؤیة فقد تکون
الرؤية واجبة على الكفاية کرؤية هلال رمضان
كما يقول الحنفية. وقد تكون الرؤية مستحبة
كرؤية المخطوبة. وقد تكون حراما كرؤية عورة
الأجنبي. وقد تكون مباحة كرؤية الأشياء
العادية .
وسيأتي تفصيل لذلك في البحث.
(١) المغني ٩/ ١٥٨ ط الرياض.
(٢) الفروق للعسكري ٦٧، وكشاف اصطلاحات الفنون
١٣٨٦/٦
ما يتعلق بالرؤية من أحكام :
رؤية الأجنبيات والمحارم :
٥ - يحرم على الرجل تعمد رؤية ما يعتبر عورة
من المرأة سواء أكانت محرما أم أجنبية على
الاختلاف بين ما هو عورة بالنسبة للمحرم وما
هو عورة بالنسبة للأجنبي. هذا مع استثناء
حالات الضرورة كالنظر للعلاج أو من أجل
الشهادة .
كذلك يحرم على المرأة تعمد رؤية مايعتبر
عورة من الرجل سواء أكان محرما أم أجنبيا مع
الاختلاف بين ما هو عورة بالنسبة للمحرم وما
هو عورة بالنسبة للأجنبي .
ويحرم على الرجل تعمد رؤية العورة من
رجل آخر. ويحرم على المرأة تعمد رؤية العورة
من امرأة أخرى.
والأصل في ذلك قوله تعالى: ﴿قل
للمؤمنين يغضوا من أبصارهم ويحفظوا فروجهم
ذلك أزکی لهم إن الله خبيربما يصنعون، وقل
للمؤمنات يغضضن من أبصارهن ويحفظن
فروجهن ولا يبدين زينتهن إلا ما ظهر منها
... (١) الخ﴾ الآية.
ولقول النبي ولم لأسماء بنت أبي بكر
الصديق رضي الله تعالى عنهما: ((يا أسماء: إن
المرأة إذا بلغت الحیض لم تصلح أن یری منها
(١) سورة النور / ٣١،٣٠
- ١٦ -
رؤية ٥ - ٧
إلا هذا وهذا)» وأشار إلى وجهه وکفیه. (١)
وتعمد النظر بشهوة إلى ماليس بعورة حرام
سواء أكان النظر من الرجل إلى المرأة أو
العكس، لأنه يجر إلى الفتنة لقول النبي قال :
(يا علي لا تتبع النظرة النظرة، فإن لك الأولى
وليست لك الآخرة))، (٢) ولما ورد من أن الفضل
ابن عباس كان رديف رسول الله صلي في الحج
فجاءته الخثعمية تستفتيه، فأخذ الفضل ينظر
إليها وتنظر هي إليه فصرف عليه الصلاة
والسلام وجه الفضل عنها. (٣) فقال له العباس .
في روایة: لویت عنق ابن عمك. قال: رأيت
شابا وشابة فلم آمن الشيطان عليهما . (٤)
هذا مع ما هو معروف من أنه لا بأس في
الجملة بنظر كل من الزوجين إلى عورة الآخر
فيحل لكل منهما النظر إلى كل بدن الآخر.
(١) حديث: ((يا أسماء، إن المرأة إذا بلغت .... )) أخرجه
أبوداود (٣٥٨/٤ ۔ تحقیق عزت عبید دعاس) من حدیث
عائشة، وقال أبوداود: ((هذا مرسل، خالد بن دريك لم
يدرك عائشة)).
(٢) حديث: ((يا علي لا تتبع النظرة النظرة ... )) أخرجه
الترمذي (١٠١/٥ - ط الحلبي) من حديث بريدة، وقال
الترمذي «حدیث حسن غریب».
(٣) حديث الفضل بن العباس مع الخثعمية أخرجه البخاري
(الفتح ٣٧٨/٣ - ط السلفية)، ومسلم (٢ / ٩٧٣ - ط
الحلبي) من حديث عبدالله بن عباس.
(٤) أخرجها الترمذي (٢٢٤/٣) ط الحلبي (وقال: حديث
حسن صحيح).
ويجوز في الجملة رؤية الإِنسان عورة
نفسه . (١)
وينظر التفصيل في مصطلحات: (أجنبي،
أنوثة، حجاب، ستر العورة، عورة، نظر).
رؤية المخطوبة :
٦ - الأصل أن تعمد رؤية الأجنبية حرام
لقوله تعالى: ﴿قل للمؤمنين يغضوا من
أبصارهم﴾(٢) لكن من أراد النكاح فإنه يجوز له
النظر إلى من يريد نكاحها، بل يسن ذلك لقول
النبي ◌َّ﴾ للمغيرة بن شعبة وقد خطب امرأة:
«انظر إليها فإنه أحری أن یؤدم بینکم))،(٣) بل
يجوز تكرار النظر إن احتاج إلیه لیتبین هيئتها،
فلا يندم بعد النكاح، إذ لا يحصل الغرض غالبا
بأول نظرة. وهذا في الجملة . (٤)
وتفصيل ذلك في مصطلح : (خطبة).
رؤية المتيمم الماء :
٧ - من تيمم للصلاة لعدم وجود الماء ثم رأى
(١) ابن عابدين ٥/ ٢٣٣ وما بعدها والدسوقي ٢١٤/١
وما بعدها ومغني المحتاج ١٢٨/٣، ١٢٩، والمغني
٥٥٤/٦، ومابعدها والقرطبي ١٢/ ٢٢٢ وما بعدها.
(٢) سورة النور / ٣٠
(٣) حديث: ((انظر إليها، فإنه أحرى أن يؤدم بينكما .. ))
أخرجه الترمذي (٣٩٧/٣ - ط الحلبي) وقال: ((حديث
حسن».
(٤) مغني المحتاج ١٢٨/٣، والمغني ٦/ ٥٥٢ - ٥٥٣
والدسوقي ٢١٥/٢
- ١٧ -
رؤية ٨
الماء مع قدرته على استعماله قبل الدخول في
الصلاة بطل تيممه ووجب عليه الوضوء لقول
النبي ◌َله: ((إن الصعيد الطيب طهور المسلم
وإن لم يجد الماء عشر سنين)). (١)
وقيد المالكية بطلان التيمم بما إذا اتسع
الوقت لأداء ركعة بعد استعمال الماء وإلا فلا
يبطل التيمم .
وذهب أبوسلمة بن عبدالرحمن إلى أن
التيمم لا ينتقض بوجود الماء أصلا، لأن الطهارة
بعد صحتها لا تنتقض إلا بالحدث، ووجود الماء
لیس بحدث.(٢) وتفصیل ذلك في: (حدث،
ووضوء، وتیمم، وصلاة).
رؤية المبيع :
٨ - من شروط صحة البيع العلم بالمبيع، فلا
يصح البيع مع الجهل بالمبيع، وقوله تعالى :
﴿وأحل الله البيع﴾(٣) مخصوص بما إذا علم
المبيع .
ومن الأمور التي يتم بها العلم بالمبيع الرؤية
المقارنة للعقد، فإذا رأى المتعاقدان المبيع حال
(١) حديث: ((إن الصعيد الطيب طهور المسلم وإن لم ... ))
أخرجه الترمذي (٢١٢/١ - ط الحلبي) والحاكم (١٧٦/١
- ١٧٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث أبي ذر،
وصححه الحاكم ووافقه الذهبي.
(٢) البدائع ٥٧/١، والدسوقي ١٥٨/١ - ١٥٩ وجواهر
الإكليل ٢٨/١، وأسنى المطالب ٨٨/١، والمغني ٢٦٨/١
- ٢٦٩، والقواعد لابن رجب ص١٠
(٣) سورة البقرة / ٢٧٥
العقد یکون البیع لازما فلا یکون فيه خيار
الرؤية، وهذا باتفاق، ويقوم مقام الرؤية المقارنة
للعقد الرؤية السابقة على العقد بزمن لا يتغير
فيه المبيع غالبا تغيرا ظاهرا فيه لحصول العلم
بالمبيع بتلك الرؤية، أشبه مالوشاهداه حالة
العقد، والشرط إنما هو العلم، وإنما الرؤية
طريق العلم، ولا حد للزمن الذي لا يتغير فيه
المبيع، إذ المبيع منه ما يسرع تغيره، وما یتباعد،
وما يتوسط، فيعتبر كل بحسبه، فإذا وجد المبيع
على حاله لم يتغير أصبح البيع لازما ولا خيار
فيه، وإن وجد المبيع متغيرا عن الحالة التي رآه
عليها ثبت الخيار للمشتري .
وجواز البيع بالرؤية السابقة على العقد هو
رأي الحنفية والمالكية. وهو المذهب عند
الشافعية والحنابلة .
وقال أبوالقاسم الأنماطي من الشافعية : لا
يجوز في القول الجديد للشافعي حتى يريا المبيع
حال العقد، وهو رواية عن أحمد، وحكي ذلك
عن الحكم وحماد، لأن الرؤية شرط في العقد،
وما كان شرطا في صحة العقد يجب أن يكون
موجودا حال العقد كالشهادة في النكاح. (١)
وتفصيله في (خيار الرؤية).
(١) بدائع الصنائع ٢٩٢/٥ - ٢٩٣، وابن عابدين ٤ / ٦٩،
وجواهر الإكليل ٩/٢، والدسوقي ٣/ ٢٤، ومغني المحتاج
١٨/٢ - ١٩، والمهذب ٢٧١/١، والمغني ٥٨٣/٣،
وشرح منتهى الإرادات ٢/ ١٤٦
- ١٨ -
رؤية ٩
الرؤية المعتبرة :
٩ - المعتبر في رؤية المبيع العلم بالمقصود الأصلي
من محل العقد على حسب اختلاف المقاصد،
فليس من اللازم رؤية جميع أجزاء المبيع، بل قد
تكفي رؤية البعض الذي يدل على بقيته وعلى
العلم بالمقصود، لأن رؤية جميع أجزاء المبيع قد
تکون متعذرة کما إذا كان المبيع صبرة فإنه يتعذر
رؤیة کل حبة منها، ولذلك يكتفى برؤية ماهو
مقصود، فإذا رآه جعل غير المرئي تبعا للمرئي .
والأصل في ذلك أن المبيع إما أن يكون شيئا
واحدا أو أشياء متعددة. فإن كان المبيع شيئا
واحدا فإنه يكتفى برؤية البعض الذي يدل
على المقصود، فلو كان المبيع مثلا فرسا أوبغلا
أو حمارا فيكتفى برؤية الوجه والمؤخرة، لأن
الوجه والکفل كل واحد منهما عضو مقصود في
هذا الجنس، وإن كان المبيع بقرة حلوبا، فإنه
مع ذلك ينظر إلى الضرع، وهكذا.
وإن كان المبيع أشیاء متعددة، فإن كانت
آحاده لا تتفاوت، وهو ما يعبر عنه بالمثلي، ومن
علامته أن يعرض بالنموذج كالمكيل والموزون
فإنه يكتفى برؤية بعضه إلا إذا كان الباقي أردأ
مما رأی فحينئذ یکون للمشتري الخيار.
ولو كان المبيع أثوابا متعددة وهي من نمط
واحد لا تختلف عادة بحیث یباع كل واحد منها
بثمن متحد فقد استظهر ابن عابدين أنه یکفي
رؤية ثوب منها، لأنها تباع بالنموذج في عادة
التجار، ويلحق بما لا تتفاوت آحاده العددیات
المتقاربة كالجوز، فیکتفی برؤية البعض عن
رؤية الكل، لأن التفاوت بين صغير الجوز
وكبيره متقارب ملحق بالعدم عرفا وعادة، وهو
الأصح، خلافا للكرخي حيث ألحقه بالعدديات
المتفاوتة لاختلافها في الصغر والكبر وجعل
للمشتري الخيار.
وإن كانت آحاد المبيع تتفاوت وهو مايعبر عنه
بالقيمي ويسمى العدديات المتفاوتة، ولا يباع
بالنموذج كالدواب والثياب المتفاوتة ونحو ذلك،
فلابد من رؤية مايدل على المقصود من الشيء
الواحد أو رؤية ذلك من كل واحد إن كان المبيع
أكثر من واحد من تلك الأشياء المتفاوتة كعدد
من الدواب.
هذا مذهب الحنفية، والحكم كذلك في بقية
المذاهب في الجملة، (١) مع اختلاف المذاهب -
وكذا فقهاء المذهب الواحد - في تحديد ما يتم به
العلم بالمقصود ليكتفى برؤيته. وتفصيل ذلك
في مصطلح : (خيار الرؤية).
(١) ابن عابدين ٦٥/٤، ٦٦ - ٦٧، والبدائع ٢٩٣/٥،
٢٩٤، والهداية وشروحها ٥٣٦/٥، ٥٣٧، نشر دار إحياء
التراث والدسوقي ٢٤/٣، والحطاب والمواق بهامشه
٢٩٣/٤، ٢٩٤، ومغني المحتاج ١٩/٢، ٢٠، وكشاف
القناع ١٦٣/٣، والمغني ٥٨١/٣
- ١٩ -
رؤية ١٠
رؤية المشهود به :
١٠ - من شروط أداء الشهادة أن يكون المشهود
به معلوما للشاهد عند أداء الشهادة.
فلا يجوز للشاهد أن يشهد إلا بما يعلمه
برؤية أوسماع لقول الله تعالى: ﴿ولا تقف
ماليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد
کل أولئك كان عنه مسئولا ﴾(١) وعن ابن عباس
رضي الله تعالى عنهما قال: ذكر عند رسول
الله الرجل يشهد بشهادة، فقال لي: ((يا ابن
عباس، لا تشهد إلا على مايضيء لك كضياء
هذه الشمس)) وأومأ رسول الله وَل في بيده إلى
الشمس. (٢)
ومن مدارك العلم بالمشهود به الرؤية، فإن
کان المشهود به من الأفعال کالغصب والإِتلاف
والزنى وشرب الخمر وسائر الأفعال، وكذا
الصفات المرئية كالعيوب في المبيع ونحو ذلك مما
لا يعرف إلا برؤيته، فهذا يشترط في تحمل
الشهادة فيه الرؤية، لأنه لا يمكن أداء الشهادة
عليه قطعا إلا برؤيته، وهذا باتفاق.
وإن كان المشهود عليه مثل العقود كالبيع
(١) سورة الإسراء / ٣٦
(٢) حديث: ((عن ابن عباس قال: ذكر عند رسول الله آلخير
الرجل .... )) أخرجه الحاكم (٤ / ٩٨ - ٩٩ - ط دائرة
المعارف العثمانية) وضعفه الذهبي في تلخيصه للمستدرك،
وکذا ضعفه ابن حجر في التلخيص (١٩٨/٤ - ط شركة
الطباعة الفنية).
والإجارة وغيرهما من الأقوال، فقد اختلف
الفقهاء فيما يشترط فيه من مدارك العلم، هل
لابد من رؤية المتعاقدين مع سماع أقوالهما، أم
يكفي السماع فقط؟ فعند المالكية والحنابلة
يكفي السماع ولا تعتبررؤية المتعاقدين إذا
عرفھما وتيقن أنه کلامهما، وبهذا قال ابن عباس
والزهري وربيعة والليث وشريح وعطاء وابن
أبي ليلى، لأنه عرف المشهود عليه يقينا فجازت
شهادته عليه كما لورآه، وإنما تجوز الشهادة لمن
عرف المشهود عليه يقينا، وقد يحصل العلم
بالسماع يقينا، وقد اعتبره الشرع بتجويزه
الرواية من غیر رؤیة، ولهذا قبلت رواية الأعمى
ورواية من روى عن أزواج رسول الله ﴿﴿ من
غیر محارمهن.
والأصل عند الحنفية أنه تشترط الرؤية مع
السماع في المشهود به من الأقوال كالأفعال، لأن
من شروط تحمل الشهادة عندهم أن يكون
التحمل بمعاينة المشهود له بنفسه لا بغيره إلا في
أشياء مخصوصة يصح التحمل فيها بالتسامع من
الناس كالنكاح والنسب والموت، والدليل على
شرط التحمل عن طريق المعاينة قول النبي الهرم
لابن عباس: ((يا ابن عباس، لا تشهد إلا علی
مايضيء لك کضیاء هذه الشمس، وأوما رسول
الله (وَل﴿ بيده إلى الشمس)) ولا يعلم مثل
الشمس إلا بالمعاينة بنفسه، ولذلك لا تقبل
شهادة الأعمی عند أبي حنيفة ومحمد سواء أكان
- ٢٠ -