Indexed OCR Text
Pages 121-140
دين ٤٣ - ٤٥ توثيق الدين بالكتابة المبينة له، المعربة عنه، المعرفة للحاكم بما يحكم عند الترافع إليه، وذلك في صك موضح للدین بجمیع صفاته. (١) غير أن الفقهاء اختلفوا في حجية الكتابة في توثیق الدین علی قولین: أ - فذهب الجمهور (الحنفية والمالكية والحنابلة) إلى صحة توثيق الدين بالكتابة، وأنها بينة معتبرة في الإِثبات إذا كانت صحيحة النسبة إلى كاتبها . (٢) ب - وذهب مالك والشافعي وأحمد في رواية عنه وجماعة من الفقهاء إلى أنه لا يعتمد على الخط المجرد إذا لم يشهد عليه، لأن الخطوط تشتبه والتزوير فيها ممكن، وقد تكتب للتجربة أو اللهو .. ومع قيام هذه الاحتمالات والشبهات لا يبقى للخط المجرد حجية، ولا يصلح للاعتماد عليه وحده. أما إذا أشهد عليه فيعتبر (١) أحكام القرآن لابن العربي ٢٤٨/١ (٢) شرح أدب القاضي للجصاص ص٢٥٤، مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ص٦٠١، تبصرة الحكام لابن فرحون (بهامش فتاوى عليش) ٣٦٣/١، كشاف القناع ٣٧٣/٤، ظفر اللاضي فيما يجب في القضاء على القاضي لصديق حسن خان (لاهور) ص١٣٠، ١٣١، الطرق الحكمية ص٢٠٥، كشف الأسرار ٥٢/٣، ٥٣، معين الحكام ص١٢٥، فتح العلي المالك لعلیش ٢/ ٣١١، درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٤/ ١٣٧ وثيقة وحجة، لأن الشهادة ترفع الشك وتزيل الاحتمال.(١) ومن أهم صور التوثيق بالكتابة : ٤٤ - أولا : إذا أمر شخص آخر بأن يكتب إقراره، فيكون هذا الأمر إقرارا حكما. (٢) جاء في ((الدر المختار)): ((الأمر بكتابة الإِقرار إقرار حكما، فإنه كما يكون باللسان يكون بالبنان، فلوقال للصكاك: اكتب خط إقراري بألف علي، أو اکتب بيع داري، أو طلاق امرأتي صح)).(٣) ٤٥ - ثانيا: إن قيود التجار - كالصراف والبياع والسمسار- التي تکون في دفاترهم المعتد بها، وتبین ما علیھم من دیون تعتبر حجة علیھم، ولو لم تکن في شكل صك أوسند رسمي، وذلك (١) طرح التثريب ١٩١/٦، الأبي على صحيح مسلم ٣٣٨/٤، أدب القاضي للماوردي ٩٨/٢، أصول السرخسي ٣٥٨/١، كشف الأسرار للبخاري ٥٢/٣، المهذب ٣٠٥/٢، رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ) ٣٥٢/٤، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٢١٧، معين الحكام للطرابلسي (ط. الحلبي) ص١٢٥، الطرق الحكمية (ط. السنة المحمدية) ص٢٠٤ وما بعدها، مرقاة المفاتيح للملا علي القاري ٣٩٧/٣، الإشراف للقاضي عبدالوهاب ٢/ ٢٨٠، كشاف القناع ٤/ ٣٧٣، شرح منتهى الإرادات ٥٣٩/٢ (٢) قرة عيون الأخيار (الميمنية ١٣٢١هـ) ٩٧/٢، الفتاوى الهندية (بولاق ١٣١٠هـ) ٤/ ١٦٧، درر الحكام ٤/ ١٣٨ وانظر م١٦٠٧ من المجلة العدلية. (٣) رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ) ٤٥٥/٤ - ١٢١ - دین ٤٦ - ٤٨ لأن العادة جرت أن التاجر یکتب دينه ومطلوبه في دفتره صيانة له من النسيان، ولا یکتبه للھو واللعب. أما ما يكتب فيها من ديون لهم على الناس فلا یعتبر وثیقة وحجة، ويحتاج في إثباتها إلی وجه آخر.(١) ٤٦ - ثالثا: السندات والوصولات الرسمية تعتبر حججا معتمدة في توثيق الدین وإثباته. (٢) جاء في فتاوى قارىء الهداية: ((إذا کتب على وجه الصكوك يلزمه المال، وهو أن يكتب: یقول فلان الفلاني أن في ذمتي لفلان الفلاني كذا وكذا، فهو إقرار يلزم)). (٣) ٤٧ - رابعا: إذا أنکر من کتب أو استکتب سندا رسمیا ممضیا بإمضائه أو مختوما بختمه الدین الذي يحتويه ذلك السند مع اعترافه بخطه وختمه، فلا يعتبر إنكاره، ويلزمه أداء ذلك الدين دون حاجة إلى إثبات بوجه آخر. (٤) (١) فتح العلي المالك ٣١١/٢، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٢١٨، نشر العرف لابن عابدین (ضمن رسائل ابن عابدين - استانبول) ٢/ ١٤٤، معين الحكام ص١٢٦، قرة عيون الأخيار ١/ ٦٠، ٩٧/٢، الفتاوى الهندية ٤/ ١٦٧، درر الحكام ١٣٨/٤، وانظر م١٦٠٨ من المجلة العدلية، رد المحتار ٣٥٣/٤ ومابعدها. (٢) رد المحتار ٣٥٤/٤، درر الحكام ١٣٩/٤، ١٤٠، وانظر م١٦٠٩ من المجلة العدلية. (٣) رد المحتار ٤/ ٣٥٤ (٤) قرة عيون الأخيار ٥٩/١، رد المحتار ٣٥٤/٤، ٣٧٤، درر الحكام ٤/ ١٤١، وانظر م ١٦١٠ من المجلة العدلية. أما إذا أنكر خط السند الذي أعطاه مرسوما أيضا وقال: إنه ليس خطي، فينظر: - فإن کان خطه مشهورا ومتعارفا بین الجار وأهل البلد وثبت أنه خطه، فلا يعتبر إنكاره، ویعمل بذلك السند بدون حاجة لإثبات مضمونه. (١) - أما إذا لم يكن خطه مشهورا ومتعارفا فيستكتب، ويعرض خطه على الخبراء، فإذا أفادوا أن الخطین لشخص واحد، فيؤمر ذلك الشخص بأداء الدين المذكور، وإلا فلا. (٢) ٤٨ - خامسا: إذا أعطى شخص لآخر سندا رسمیا یفید أنه مدین له بمبلغ من المال، ثم توفي، فیلزم ورثته بإیفائه من التركة إذا اعترفوا بکون السند للمتوفى، ولو أنكروا الدین. أما إذا أنكروا السند، فينظر: إن كان خط المتوفى وختمه مشهورا ومتعارفا، وثبت أن الخط خطه والختم ختمه، فيجب عليهم أداء الدین من التركة، ولا عبرة لإِنكارهم. وإن كان خلاف ذلك فلا يعمل بالسند لوجود شبهة التزوير فيه . (٣) (١) رد المحتار ٣٥٤/٤ (٢) قرة عيون الأخيار ٩٧/٢، ٩٨، درر الحكام ٤/ ١٤١، ١٤٢، معين الحكام الطرابلسي ص١٢٥، تبصرة الحكام لابن فرحون (بهامش فتاوى عليش) ١/ ٣٦٣، وانظر م١٦١٠ من المجلة العدلية. (٣) رد المحتار ٣٥٤/٤، درر الحكام ١٤٢/٤، وانظرم ١٦١١ من المجلة العدلية. ترى اللجنة أنه قد وجدت في هذا العصر وسائل يثبت بها من الخطوط - المزور منها= - ١٢٢ - دین ٤٩ - ٥٢ ٤٩ - سادسا: إذا وجد الوارث خطا لمورثه یفید أن علیه دینا قدره كذا وكذا لفلان، فیجب على الوارث العمل بخط مورثه ودفع الدين إلى من هو مكتوب باسمه من التركة .(١) حكم التوثيق بالكتابة : اختلف الفقهاء في حکم توثیق الدین بالكتابة على قولين : ٥٠ - أحدهما: لجمهور الفقهاء، وهو أن كتابة الدين مندوب إليها وليست واجبة . (٢) إذ الأمر في قوله تعالى : ﴿فاکتبوه﴾ للإرشاد لمن يخشی ضیاع دینه بالنسيان أو الإِنکار، حیث لا یکون المدین موضع ثقة كاملة من دائنه، يدل على ذلك قوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فلیؤد الذي أؤمن أمانته﴾(٣) وهو یفید أن الكتابة غير مطلوبة إذا توافرت الأمانة والثقة بين = وغیر المزور- فينبغي النظر إليها بعين الاعتبار لأنها تكاد تکون یقینیة . (١) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٤٥٧، رد المحتار ٤/ ٣٥٤، مختصر الفتاوى المصرية لابن تيمية ص٤١٧، الإفصاح لابن هبيرة (ط. الرياض) ٢٧/٢، كشاف القناع ٢٠٣/٤ (٢) أحكام القرآن للجصاص (استانبول) ١/ ٤٨٢، أحكام القرآن للشافعي ١٣٧/١، الأم (دار المعرفة ١٣٩٣. هـ) ٨٩/٣ وما بعدها، المغني لابن قدامة ٣٦٢/٤، جامع البيان للطبري ٧٧/٣، تفسير القرطبي ٣٨٣/٣ (٣) سورة البقرة/ ٢٨٣ المتعاملين، وقد درج الناس من عهد الصحابة إلى يومنا هذا على عدم كتابة الديون ما دامت الثقة قائمة بين المتداينين، ولم ينقل عن فقهائهم نکیر مع اشتهار ذلك. ٥١ - والثاني: لابن جرير الطبري وبعض السلف: وهو أن كتابة الدين واجبة لقوله تعالى: ﴿فاكتبوه﴾ إذ الأصل في الأمر إفادة الوجوب. ومما يؤيد دلالة هذا الأمر على الوجوب اهتمام الآية ببیان من له حق الإِملاء، وصفة الكاتب، وحثه على الاستجابة إذا طلب منه ذلك، والحث على كتابة القليل والكثير، ثم التعبير عن عدم وجوب الكتابة في المبادلات الناجزة بنفي الجناح، حیث أنه يشعر بلوم من ترك الكتابة عند تعامله بالدين. (١) ب - توثيق الدين بالشهادة : ٥٢ - دل قوله تعالى: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم فإن لم یکونا رجلین فرجل وامرأتان ممن ترضون من الشهداء ... ﴾(٢) إلى آخر الآية على مشروعية توثيق الدين بالشهادة وأنها وثيقة واحتياط للدائن، لأن استشهاد الشهود أنفى للريب، وأبقى للحق، وأدعى إلى رفع (١) المحلى لابن حزم ٨/ ٨٠، تفسير الطبري (بولاق) ٧٧/٣، ٧٩، تفسير القرطبي (دار الكتب) ٣٨٣/٣ (٢) سورة البقرة/ ٢٨٢ - ١٢٣ - دین ٥٣ - ٥٥ التنازع والاختلاف، وفي ذلك صلاح الدين والدنيا معا. وبينت الآية أن نصاب الشهادة علی الدین هو: إما رجلان، أورجل وامرأتان ممن يرتضى من العدول الثقات، فإذا تحقق ذلك كان وثيقة معتبرة وحجة شرعية في إثبات الدين، وبينة قوية يعتمد عليها القاضي في الحكم به لطالبه. حكم التوثيق بالشهادة : اختلف الفقهاء في حکم توثیق الدین بالشهادة على قولين: ٥٣ - أحدهما: لجمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة: وهو أن الإشهاد على الدين مندوب إليه وليس بواجب، (١) لقوله تعالی: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته﴾، قال إلكيا الهراسي: ((ومعلوم أن هذا الأمن لا يقع إلا بحسب الظن والتوهم لا على وجه الحقيقة، وذلك يدل على أن الشهادة إنما أمر بها لطمأنينة قلبه لا لحق الشرع، فإنها لوكانت لحق الشرع لما قال: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا﴾ ولا ثقة بأمن العباد، إنما الاعتماد على ما يراه الشرع (١) أحكام القرآن لابن العربي ١/ ٢٦٢، أحكام القرآن للجصاص ١/ ٤٨٢، أحكام القرآن لإلكيا الهراسي ٣٦٥/١ مصلحة، فالشهادة متى شرعت في النكاح لم تسقط بتراضيهما وأمن بعضهم بعضا، فدل ذلك أن الشهادة (في غير النكاح) شرعت للطمأنينة، ولأن الله تعالى جعل لتوثيق الديون طرقا منها: الکتاب، ومنها الرهن، ومنها الإِشهاد، ولا خلاف بين علماء الأمصار أن الرهن مشروع بطريق الندب لا بطريق الوجوب، فيعلم من ذلك مثله في الإِشهاد)).(١) ٥٤ - والثاني: لبعض السلف: وهو أن الإِشهاد على الدين واجب لقوله تعالى في آية الدين: ﴿واستشهدوا شهيدين من رجالكم﴾. الآية(٢) جــ توثیق الدین بالرهن : ٥٥ - المراد بالرهن ((المال الذي يجعل وثيقة بالدین لیستوفی من ثمنه إن تعذر استيفاؤه ممن هو علیه)).(٣) وبهذه الوثيقة يصير المرتهن أحق بالرهن من سائر الغرماء، فإذا كان على الراهن ديون أخرى لا تفي بها أمواله، وبيع الرهن لسداد ما علیه، کان للمرتهن أن يستوفي دینه (١) أحكام القران لإلكيا الهراسي ٣٦٥/١ (٢) المحلى ٨/ ٨٠، أحكام القرآن للجصاص ١/ ٤٨١، ٤٨٢ (٣) المغني ٣٦١/٤، وانظر رد المحتار ٣٠٧/٥، شرح منتهى الإِرادات ٢٢٨/٢ - ١٢٤ - دین ٥٦ - ٥٧ من ثمنه أولا، فإذا بقي شيء فهو لسائر الغرماء. (١) حكم التوثيق بالرهن : ٥٦ - ذهب جماهير الفقهاء إلى أن توثیق الدین بالرهن غير واجب، وأن الأمر به في الآية للإِرشاد. (٢) قال ابن قدامة: ((والرهن غير واجب، لا نعلم فيه مخالفا، لأنه وثيقة بالدين، فلم يجب كالضمان والكتابة، وقول الله تعالى : ﴿فرهان مقبوضة﴾(٣) إرشاد لنا، لا إيجاب علينا، بدليل قوله تعالى: ﴿فإن أمن بعضكم بعضا فليؤد الذي أؤتمن أمانته﴾، ولأنه أمر به عند إعواز الكتابة، والكتابة غير واجبة، فكذا بدلها)). (٤) د - توثيق الدين بالكفالة : ٥٧ - اختلف الفقهاء في حقیقة كفالة الدین على أربعة أقوال: ١ - فذهب الشافعية والحنابلة إلى أنها ((ضم ذمة (١) أحكام القرآن للجصاص ٥٢٣/١ (٢) أحكام القرآن لإلكيا الهراسي ١/ ٣٦٥، أحكام القرآن للجصاص، ٤٨٢/١، البرهان للزركشي ٣٩/٣، الأم (ط. دار المعرفة) ١٣٨/٣، المحلى ٨٠/٨، كشاف القناع ٣٠٧/٣ (ط. مكة). (٣) سورة البقرة/ ٢٨٣ (٤) المغني ٣٦٢/٤ · الكفيل إلى ذمة المكفول في الالتزام بالدين، فيثبت في ذمتهما جميعا، ولصاحب الحق مطالبة من شاء منهما)). (١) وشغل الدين الواحد ذمتين على سبيل التعلق والاستیثاق، کتعلق دین الرهن به وبذمة الراهن، (٢) وأنه کفرض الكفاية، يتعلق بالکل ويسقط بفعل البعض. وتعلقه هذا لا يعني تعدده، لأنه في الحقيقة واحد . . وما التعدد إلا بالنسبة لمن تعلق بهم فقط. (٣) وعلى هذا فلا زيادة في الدین، لأن الاستیفاء لا یکون إلا من واحد منهما . (٤) ٢ - وذهب المالكية إلى أنها ((ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المكفول في الالتزام بالدين)) إلا أنهم قالوا: ليس للمكفول له أن يطالب الكفيل بالدین إلا إذا تعذر علیه الاستيفاء من الأصیل، لأن الضمان وثيقة، فلا يستوفى الحق منها إلا عند العجز عن استيفائه من المدين، كالرهن. (٥) (١) الأم ٢٢٩/٣، المهذب ٣٤٨/١، نهاية المحتاج ٤٤٣/٤، كشاف القناع ٣/ ٣٥٠ ومابعدها، الشرح الكبير على المقنع ٥/ ٧٠، شرح منتهى الإرادات ٢٤٥/٢، المغني ٤/ ٥٩٠ (٢) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٤٦ (٣) نهاية المحتاج ٤/ ٤٤٤ (٤) تبيين الحقائق للزيلعي ٤ /١٤٦ (٥) الخرشي على خليل وحاشية العدوي علیه ٦/ ٢١، ٢٨، القوانين الفقهية ص٣٥٤، الزرقاني علی خلیل ٢٢/٦، ٢٩، منح الجلیل ٢٤٣/٣، ٢٥٨ - ١٢٥ - دین ٥٧ - ٥٨ ٣ - وذهب الحنفية إلى أنها ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصیل في وجوب الأداء، لا في وجوب الدين، لأن ثبوت الدين في الذمة اعتبار شرعي لا یکون إلا بدلیل، ولا دلیل علی ثبوته في ذمة الكفيل، لأن التوثيق يحصل بالمشاركة في وجوب الأداء من غير حاجة إلى إيجاب الدين في الذمة، كالوكيل بالشراء يطالب بالثمن، والثمن في ذمة الموکل وحده، وعلى هذا عرفوها بأنها ((ضم ذمة الكفيل إلى ذمة الأصيل في المطالبة». (١) ٤ - وذهب ابن أبي يعلى وابن شبرمة وأبو ثور وأحمد في رواية عنه إلى أن الدين ينتقل بالكفالة إلى ذمة الكفيل - كما في الحوالة - فلا يكون للدائن أن يطالب الأصيل. (٢) ٠ وعلى أية حال، فسواء أكانت كفالة الدين معناها ضم ذمة الكفيل إلى ذمة المكفول في الالتزام بالدين، أم في المطالبة فقط، أم انتقال الدين من ذمة المكفول إلى ذمة الكفيل .. فإنها تقتضي بإتفاق الفقهاء التزام الكفيل بأداء الدین إلی الدائن إذا تعذر عليه استيفاؤه من الأصيل، وذلك هو معنى التوثيق، وفائدته، وثمرته . (١) رد المحتار ٢٤٩/٤، تبيين الحقائق ١٤٦/٤، تعريفات الجرجاني (ط. تونس) وانظر م ٨٣٩ من مرشد الحيران، وم٦١٢ من مجلة الأحكام العدلية (٢) المحلى ٨/ ١١١، الشرح الكبير على المقنع ٥/ ٧١ التصرف في الدين : التصرف في الدين إما أن يكون من الدائن، وإما أن یکون من المدین. تصرف الدائن : ينحصر تصرف الدائن في دينه بتملیکه للمدين أو لغيره بإحدى طرائق التمليك المشروعة، سواء بعوض أم بغير عوض. الحالة الأولى: (تمليك الدين للمدين): يختلف حکم ملیك الدین للمدین بحسب حال الدين ومدى استقرار ملك الدائن عليه، وذلك لأن الدیون نوعان: ٥٨ - (النوع الأول) ما يكون الملك عليه مستقرا: كغرامة المتلف، وبدل القرض، وقيمة المغصوب، وعوض الخلع، وثمن المبيع، والأجرة بعد استيفاء المنفعة، والمهر بعد الدخول، ونحو ذلك. وهذا النوع من الديون لا خلاف بين الفقهاء في جواز ملکیه لمن هو عليه بعوض أو بغير عوض . (١) (١) المجموع شرح المهذب ٩/ ٢٧٤، فتح العزيز ٤٣٤/٨ وما بعدها، المهذب ٢٦٩/١، ٢٧٠، نهاية المحتاج ٨٨/٤، أسنى المطالب ٢ / ٨٤، الأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٣١، رد المحتار ١٦٦/٤، ٢٤٤، تبيين الحقائق للزيلعي ٨٢/٤، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٥٨، المغني لابن قدامة ١٣٤/٤، شرح منتهى الإرادات ٢٢٢/٢، كشاف القناع ٢٩٣/٣، المبدع = - ١٢٦ - 1. دین ٥٨ غير أن جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة استثنوا من قاعدة جواز تملیك الدین لمن عليه بعوض بدل الصرف ورأس مال السلم، فلم يجيزوا التصرف في أي منهما قبل قبضه، لأن في ذلك تفويتا لشرط الصحة، وهو القبض في بدلي الصرف ورأس مال السلم قبل الافتراق. (١) كما اشترط الشافعية والحنابلة لصحة تمليك الدين لمن عليه أن يخلو العقد من ربا النسيئة، فلوباع الدائن دينه من المدین بما لا يباع به نسيئة كذهب بفضة أو حنطة بشعير ونحو ذلك من الأموال الربوية، فلا يصح ذلك إلا إذا قبض الدائن العوض قبل التفرق من المجلس، وذلك لحديث ابن عمر رضي الله عنهما قال: كنت أبيع الإِبل بالبقيع، فأبيع بالدنانير وآخذ الدراهم، وأبيع بالدراهم وآخذ الدنانير، آخذ هذه من هذه، وأعطي هذه من هذه، فأتيت رسول اللهټے فسألته عن ذلك فقال: ((لا بأس أن تأخذها بسعر يومها ما لم تفترقا وبينكما = شرح المقنع ١٩٨/٤، بدائع الصنائع (مطبعة الإِمام) ٣١٠٣/٧، وانظر م٤٢٤ من مرشد الحيران. (١) تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٨٢/٤، ١١٨، ١٣٦، رد المحتار ١٦٦/٤، ٢٠٩، ٢٤٤، بدائع الصنائع ٣١٠٢/٧ وما بعدها، ٣١٨٨/٧، أسنى المطالب ٨٥/٢، القواعد لابن رجب ص٨٢، وانظر م٥٥٩ من مرشد الحيران . شيء)). (١) فقد شرط الز القبض قبل التفرق. (٢) وعلى ذلك فإذا قبض الدائن العوض في المجلس، فإنه يصح بيع الدین وتمليكه لانتفاء المانع، إذ يصدق على ما ذكر أنه تقابض، لوجود القبض الحقيقي في العوض المدفوع لصاحب الدین، والحکمي فيما في ذمة المدين، لأنه کأنه قبضه منه ورده إلیه . (٣) وكذلك اشترط جمع من الفقهاء انتفاء بيع الدین بالدین لصحة تملیك الدین لمن هو علیه، حيث نقل أحمد وابن المنذر وابن رشد والسبكي وغيرهم إجماع أهل العلم على أن بيع الدين بالدین غیر جائز. (٤) وعلى ذلك: أ - نص الشافعية والحنابلة على عدم جواز صرف ما في الذمة. فلو كان لرجل في ذمة رجل (١) حديث ابن عمر: ((كنت أبيع الإِبل بالبقيع)). أخرجه أبو داود (٦٥٠/٣ - ٦٥١ - تحقيق عزت عبيد دعاس)، ونقل البيهقي عن شعبة أنه حكم عليه بالوقف، كذا في التلخيص الحبير (٢٦/٣ - ط شركة الطباعة الفنية). (٢) نهاية المحتاج ٨٨/٤، الأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٣١، شرح منتهى الإرادات ٢٢٢/٢، المغني لابن قدامة ٥٤/٤، ١٣٤، المبدع ١٩٨/٤، الشرح الكبير على المقنع ١٧٢/٤، كشاف القناع ٢٩٤/٣، فتح العزيز ٤٣٦/٨، المجموع شرح المهذب (مطبعة التضامن الأخوي) ٩/ ٢٧٤ (٣) حاشية الشبراملسي على نهاية المحتاج ٨٩/٤، كشاف القناع ٢٥٧/٣، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٠٠، المغني ٥٤/٤ (٤) تكملة المجموع للسبكي (مطبعة التضامن الأخوي) ١٠٧/١٠، المغني ٤/ ٥٣، بداية المجتهد ١٦٢/٢ - ١٢٧ - دین ٥٨ دنانير، والآخر علیه دراهم، فاصطرفا بما في ذمتهيما، فلا يصح ذلك. (١) قال الشافعي في ((الأم)): ((ومن كانت عليه دراهم لرجل، وللرجل عليه دنانير، فحلت أو لم تحل، فتطارحاها صرفا، فلا يجوز، لأن ذلك دين بدین)». (٢) وخالف في ذلك الحنفية والمالكية وتقي الدين السبكي من الشافعية وتقي الدين بن تيمية من الحنابلة وقالوا: بجواز صرف ما في الذمة، لأن الذمة الحاضرة كالعين الحاضرة. غیر أن المالکیة اشترطوا ان یکون الدینان قد حلا معا، فأقاموا حلول الأجلين في ذلك مقام الناجز بالناجر. (٣) (١) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٠٠، المبدع ٤/ ١٥٦، المغني ٤/ ٥٣، تكملة المجموع للسبكي ١٠٧/١٠، كشاف القناع ٢٥٧/٣ (٢) الأم ٣٣/٣ (ط. دار المعرفة بلبنان ١٣٩٣ هـ). (٣) بداية المجتهد ٢/ ٢٢٤ (ط. دار الكتب الحديثة بمصر)، تبين الحقائق للزيلعي ٤/ ١٤٠، شرح الخرشي ٢٣٤/٥، الزرقاني على خليل ٢٣٢/٥، منح الجليل ٥٣/٣، اختلاف الفقهاء للطبري ص ٦٠، إيضاح المسالك للونشريسي ص١٤١، ٣٢٨، طبقات الشافعية لابن السبكي (ط. الحلبي) ٢٣١/١٠، مواهب الجليل ٤/ ٣١٠، الاختيارات الفقهية من فتاوى ابن تيمية للبعلي ص١٢٨، رد المحتار ٢٣٩/٤، تكملة المجموع للسبكي (مطبعة التضامن الأخوي) ١٠٧/١٠، القوانين الفقهية لابن جزي ص٣٢٠، مجموع فتاوى ابن تيمية (ط. الرياض) ٥١٢/٢٠، نظرية العقد لابن تيمية ص٢٣٥ ب - ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة وغيرهم، إلى أنه لا يجوز جعل الدين الذي على المسلم إلیه رأس مال سلم، وذلك لأنه یؤدي إلی بیع الدین بالدین، وهو غير جائز. (١) وخالف في ذلك تقي الدين ابن تيمية وابن القيم وقالا : بجوازه لعدم تحقق المنهي عنه - وهو بيع الكالىء بالكالىء، أي الدين المؤخر بالدين المؤخر - في هذه المسألة. (٢) جـ - نص الحنفية والحنابلة والشافعية في وجه على أن الدائن إذا باع الدين ممن هو عليه بشيء موصوف في الذمة، فيشترط لصحة ذلك أن يقبض الدائن العوض قبل التفرق من المجلس، کیلا یترتب على ذلك بيع الدين بالدین، وهو غير جائز. (٣) أما إذا باع الدین ممن هو عليه بشيء معین، فلا يشترط في مذهب الحنفية قبض المشتري، (١) رد المحتار ٢٠٩/٤، تبيين الحقائق ١٤٠/٤، فتح العزيز ٢١٢/٩، الشرح الكبير على المقنع ٣٣٦/٤، بدائع الصنائع ٧/ ٣١٥٥ (مطبعة الإِمام)، نهاية المحتاج ٤ / ١٨٠، المغني ٣٢٩/٤، شرح منتهى الإرادات ٢٢١/٢ (٢) أعلام الموقعين ٢/ ٩ (٣) البدائع ٧/ ٣٢٣٠، شرح منتهى الإرادات ٢٢٢/٢، كشاف القناع ٢٩٤/٣، المغني ١٣٤/٤، المبدع ١٩٩/٤، المجموع شرح المهذب (مطبعة التضامن الأخوي) ٩/ ٢٧٤، فتح العزيز ٨/ ٤٣٧ - ١٢٨ - دین ٥٩ - ٦٠ لانتفاء بیع الدین بالدین. قال الكاساني: ((إن الدین لا يخلومن أن یکون دراهم، أو دنانیر، أو فلوسا، أومكيلا، أوموزونا، أو قيمة المستهلك، فإن کان دراهم أو دنانیر فاشتری به شيئا بعينه جاز الشراء، وقبض المشتري ليس بشرط، لأنه يكون افتراقا عن عین بدین، وأنه جائز فیما لا يتضمن ربا النّساء، ولا يتضمن ههنا. وکذلك إن کان الدین مکیلا أو موزونا أو قيمة المستهلك لما قلنا)). (١) ٥٩ - (والنوع الثاني من الديون) ما لا يكون الملك عليه مستقرا: كالمسلم فيه والأجرة قبل استيفاء المنفعة أو مضي زمانها، والمهر قبل استيفاء المنفعة أو مضي زمانها، والمهر قبل الدخول ونحو ذلك .. وهذا النوع من الديون يجوز تملیکه ممن هو عليه بغیر عوض، لأن ذلك يعتبر إسقاطا للدين عن المدين، ولا دليل على منعه. (٢) أما تملیکه بعوض، فقد فرق الفقهاء بین دین السلم وبين غيره من الديون غير المستقرة . وبيان ذلك فيما يلي: أ - دين السلم . ٦٠ - اختلف الفقهاء في صحة بيع المسلم الدين (١) البدائع ٣٢٢٩/٧ (٢) رد المحتار ٢٠٩/٤، البدائع ٣١٧٨/٧، كشاف القناع ٢٩٣/٣، شرح منتهى الإرادات ٢٢٢/٢ المسلم فيه للمدين، أو الاعتياض عنه على قولين : أحدهما: لجمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة، وهو أنه لا يصح بيع المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته، لأنه لا يؤمن من فسخ العقد بسبب انقطاع المسلم فيه وامتناع الاعتیاض عنه، فكان كالمبيع قبل القبض، ولقوله : ((من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره)). (١) قالوا: وهذا يقتضي ألا يبيع المسلم دين السلم لا من صاحبه ولا من غيره. (٢) والثاني: للمالكية وأحمد في رواية عنه، وصححه تقي الدين بن تيمية وابن القيم، وهو جواز بيع العرض المسلم فيه قبل قبضه لمن هو في ذمته بثمن المثل، أو دونه، لا أكثر منه. (٣) (١) حديث: ((من أسلم في شيء فلا يصرفه في غيره)). أخرجه أبو داود (٧٤٤/٣ - ٧٤٥ - تحقيق عزت عبيد دعاس) والدارقطني (٤٥/٣ - ط دار المحاسن) من حديث أبي سعيد الخدري واللفظ للدارقطني، وضعفه ابن حجر ونقل عن غيره أنه أعله بالضعف والاضطراب. التلخيص الحبير (٢٥/٣ - شركة الطباعة الفنية). (٢) الأم ٣/ ١٣٣، رد المحتار ١٦٦/٤، ٢٠٩، تبين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ١١٨/٤، أسنى المطالب ٢/ ٨٤، نهاية المحتاج ٤/ ٨٧، المهذب ١/ ٢٧٠، فتح العزيز ٤٣٢/٨، مجموع فتاوى ابن تيمية ٥٠٠/٢٩، ٥٠٣، ٥٠٦، المغني ٣٣٤/٤، المبدع ١٩٧/٤، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٢٢، الأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٢٦، ٣٣١، وانظر م٥٥٩ من مرشد الحيران. (٣) مجموع فتاوى ابن تيمية ٥٠٣/٢٩، ٥٠٤، ٥١٨، ٥١٩، تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته لابن= - ١٢٩ - دين ٦١ - ٦٢ واستدلوا على جوازبيعه من المدين والاعتیاض عنه إذا كان بسعر المثل أو دونه بعدم المانع الشرعي، إذ الحديث الذي استدل به المانعون «من أسلم في شيء فلا یصرفه إلى غيره)) ضعيف عند علماء الحديث، وحتى لو صح، فإن معنى ((فلا يصرفه إلى غيره)) أن لا یصرفه إلی سلم آخر، أولا يبيعه بمعین مؤجل، وذلك خارج عن محل النزاع. قال ابن القيم: «فثبت أنه لا نص في التحریم ولا إجماع ولا قياس، وأن النص والقياس يقتضيان الإباحة» .(١) أما عدم جواز الاعتیاض عنه بأكثر من قیمته، فلأن دین السلم مضمون على البائع، ولم ينتقل إلى ضمان المشتري، فلو باعه المشتري من المسلم إليه بزيادة، فقد ربح رب السلم فيما لم يضمن، وقد صح عن النبي ◌َّر أنه ((نهى عن ربح ما لم يضمن)). (٢) ٦١ - (ب) الديون التي لم يستقر ملك الدائن = القيم ١١٧/٥، القوانين الفقهية ص٢٩٦، مختصر الفتاوى المصریة لابن تیمیة ص٣٤٥ (١) تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته لابن القيم ١١٧/٥ (٢) حديث: ((نهى عن ربح ما لم یضمن)). ورد من حدیث عبدالله بن عمر وبلفظ: ((لا يحل سلف وبيع، ولا شرطان في بیع، ولا ربح ما لم یضمن)). أخرجه الترمذي (٥٢٧/٣ - ط الحلبي)، وقال: «حديث حسن صحيح). عليها لعدم قبض المدين الشيء المقابل لها، كالأجرة قبل استيفاء المنفعة أو مضي زمانها، وکالمهر قبل الدخول ونحو ذلك. وهذه الديون اختلف الفقهاء في جواز تمليكها ممن هي عليه بعوض على قولين: (أحدهما) للحنابلة: وهو أنه لا يجوز بيعها ممن هي عليه، لأن ملكه عليها غير تام. (١) والثاني: للحنفية والشافعية: وهو جواز بيعها ممن هي عليه، کالديون التي استقرملك الدائن علیها، إذ لا فرق بينها. (٢) الحالة الثانية: (تمليك الديون لغير المدين): ٦٢ - اختلف الفقهاء في حكم ملیك الدین لغیر مَنْ عليه على أربعة أقوال: أحدها: رواية عن أحمد ووجه عند الشافعية : وهو أنه يجوز تمليك الدین من غیر مَنْ عليه الدين بعوض وبغير عوض. (٣) (١) شرح منتهى الإرادات ٢٢٣/٢، كشاف القناع ٢٩٤/٣ (٢) رد المحتار ١٦٦/٤، نهاية المحتاج ٨٨/٤، المجموع شرح المهذب (مطبعة التضامن الأخوي) ٩/ ٢٧٥، فتح العزيز ٤٣٤/٨ وما بعدها، الأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٣١ (٣) المبدع بشرح المقنع ١٩٩/٤، مجموع فتاوى ابن تيمية ٥٠٦/٢٩، تهذيب سنن أبي داود وإيضاح مشكلاته لابن القيم ١١٤/٥، المنثور في القواعد للزركشي ٢/ ١٦١ - ١٣٠ - دین ٦٢ والثاني: للحنفية والحنابلة والشافعية في الأظهر: وهو أنه لا یصح تملیك الدین لغیرمن هو علیه، سواء أكان بعوض أم بغير عوض. کان یقول شخص لآخر: وهبتك ما لي من دین علی فلان، فيقبل. أویقول له: اشتريت منك كذا بما لي من دين على فلان، فيقبل أويقول له: استأجرت منك کذا بالدين الثابت لي في ذمة فلان، فيقبل. فهذا كله غير جائز، لأن الواهب أو المشتري أو المستأجريهب أويبيع ما ليس في يده، ولا له من السلطة شرعا ما يمكنه من قبضه منه، فكان بيعا لشيء لا یقدر علی تسلیمه، إذ ربما منعه المدین أو جحده، وذلك غرر، فلا يجوز. (١) وقد استثنى الحنفية من قاعدة عدم جواز تمليك الدين لغير من هو عليه ثلاث حالات : (٢) الأولى : إذا وكل الدائن الشخص الذي (١) رد المحتار ١٦٦/٤، تبيين الحقائق ٨٣/٤، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٥٧، ٣٥٨، أسنى المطالب ٨٥/٢، نهاية المحتاج ٨٩/٤، فتح العزيز ٤٣٩/٨، المجموع شرح المهذب ٢٧٥/٩، الأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٣١، شرح منتهى الإرادات ٢٢٢/٢، المبدع ٤/ ١٩٩، كشاف القناع ٢٩٣/٣، ٢٩٤، بدائع الصنائع ٣١٠٤/٧، الشرح الكبير على المقنع ٣٤٢/٤ (٢) رد المحتار ١٦٦/٤، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٣٥٧، ٣٥٨، البدائع ٣١٠٤/٧ ملکه الدین في قبض ذلك الدین من مدینه، فيصح ذلك، ويقبض الدين من المدين باعتباره وكيلا عن الدائن، وبمجرد القبض یصیر قابضا لنفسه، وتنتقل ملکیة الدین إليه. والثانية: إذا أحال الدائن الشخص الذي ملکه الدین علی مدینه، فیصح ذلك، ویقبض الدین من المدین باعتباره محالا من الدائن علیه، وبمجرد القبض تنتقل ملكية الدين إليه. والثالثة: الوصية، فإنها تصح بالدين لغير من هو عليه، لأنها تمليك مضاف إلى ما بعد الموت، فینتقل الملك فیه كما ينتقل بالإِرث. والثالث: للشافعية في قول - صححه کثیر من أئمتهم کالشيرازي في المهذب والنووي في زوائد الروضة، واختاره السبكي وأفتی به زکریا الأنصاري وغيره - وهو أنه يجوز بيع سائر الدیون - عدادين السلم - لغير من عليه الدين، كما يجوز بيعها للمدین ولا فرق، وذلك إذا كان الدين حالا والمدين مقرا مليئا أو عليه بينة لا كلفة في إقامتها. وذلك لانتفاء الغرر الناشىء عن عدم قدرة الدائن على تسليم الدين إلیه .(١) (١) المهذب ١/ ٢٧٠، الأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٣١، المجموع شرح المهذب ٩/ ٢٧٥، فتح العزيز ٤٣٩/٨، نهاية المحتاج ٤/ ٩٠، روضة الطالبين للنووي ٥١٤/٣، أسنى المطالب شرح روض الطالب ٢/ ٨٥ - ١٣١ - دین ٦٢ - ٦٥ وكما اشترط التقابض في المجلس في بيع الدین للمدین إذا کان بما لا يباع به نسيئة - کالربویات ببعضھا ۔ فإنه يشترط کذلك في بيع الدين لغير من هو عليه . والرابع: للالكية، وهو أنه يجوز بيع الدین لغير المدين بشروط تباعد بينه وبين الغرر، وتنفي عنه سائر المحظورات الأخرى، وهذه الشروط ثمانية : (١) ١ - أن يعجل المشتري الثمن، لأنه إذا لم يعجل في الحین فإنه یکون من بیع الدین بالدین. ٢ - أن يكون المدین حاضرا في البلد، ليعلم حاله من فقر أو غنی، لأن عوض الدین یختلف باختلاف حال المدین، والمبيع لا یصح أن یکون مجهولا . ٣ -أن يكون المدین مقرا بالدین، فإن كان منکرا له فلا يجوز بيع دينه ولو كان ثابتا بالبينة حسما للمنازعات. ٤ - أن يباع بغیر جنسه، أو بجنسه بشرط أن یکون مساويا له. ٥ -ألا یکون ذهبا بفضة ولا عکسه، لا شتراط التقابض في صحة بيعها . ٦ - ألا يكون بين المشتري والمدين عداوة. (١) منح الجلیل ٢/ ٥٦٤ وما بعدها، الزرقاني على خليل ٨٣/٥، البهجة شرح التحفة ٤٧/٢ وما بعدها، الموطأ (ط. عيسى الحلبي) ٢/ ٦٧٥، شرح الخرشي ٥/ ٧٧، التاودي على التحفة ٤٨/٢ ٧ -أن یکون الدین مما يجوز بيعه قبل قبضه، احترازا مما لو كان طعاما، إذ لا يجوز بيعه قبل قبضه . ٨ - ألا يقصد المشتري إعنات المدين والإِضرار به . تصرف المدين : ٦٣ - ينحصر تصرف المدين في الدين الثابت في ذمته في أمرين: الحوالة، والسفتجة. الحالة الأولى: الحوالة. (ر: حوالة). الحالة الثانية: السفتجة. (ر: سفتجة). الدین في ظل تغيرات النقود: ٦٤ - يفرق الفقهاء في أحكام الدين من النقود عند طروء التغيرات على النقد بین ما إذا كان الدين الثابت في الذمة نقدا بالخلقة (أي من الذهب أو الفضة) وما إذا كان ثابتا بالاصطلاح (بأن كان من غير النقدين وجرى الاصطلاح على استعماله استعمال النقدين) كالفلوس الرائجة ونحوها من العملات .. وبيان ذلك فيما يلي: تغير النقود إذا كان الدين نقدا بالخلقة : ٦٥ - إن الدين الثابت في الذمة إذا كان عملة ذهبية أو فضية محددة مسماة، فغلت أو رخصت عند حلول وقت الأداء، فلا يلزم المدين أن - ١٣٢ - دين ٦٥ يؤدي غيرها، لأنها نقد بالخلقة، وهذا التغير في قيمتها لا تأثير له على الدين البتة . (١) وقد جاء في (م٨٠۵) من مرشد الحیران. ((وإن استقرض شيئا من المكيلات أو الموزونات أو المسكوكات من الذهب والفضة، فرخصت أسعارها أو غلت، فعليه رد مثلها، ولا عبرة برخصها وغلوها)». وحتى لوزادت الجهة المصدرة لهذه العملة سعرها أو نقصته، فلا يلزم المدین إلا ما جرى عليه العقد. (٢) يقول ابن عابدين: ((ثم اعلم أنه تعدد في زماننا ورود الأمر السلطاني بتغییر سعر بعض من النقود الرائجة بالنقص، واختلف الإِفتاء فيه. والذي استقر عليه الحال الآن دفع النوع الذي وقع عليه العقد لو كان معینا، كما إذا اشترى سلعة بمائة ريال افرنجي أو مائة ذهب عتيق)). (٣). ولو أبطلت السلطة المصدرة لهذه العملة التعامل بها، فإنه لا يلزم المدين سواها، وفاء بالعقد، إذ هي المعقود عليها، وهي الثابتة في الذمة دون غيرها. وعلى ذلك نص الشافعي في (١) تنبيه الرقود على مسائل العقود لابن عابدين (مطبوع ضمن رسائل ابن عابدين) ٢/ ١٤ (٢) منح الجليل لعليش ٢/ ٥٣٤، قطع المجادلة عند تغيير. المعاملة للسيوطي (مطبوع ضمن كتاب الجاوي للفتاوى) ٩٧/١ وما بعدها. (٣) تنبيه الرقود ٦٦/٢ ((الأم)) والمالكية في المشهور عندهم. (١) قال الشافعي : ((ومن سلف فلوسا أو دراهم أو باع بها، ثم أبطلها السلطان، فليس له إلا مثل فلوسه أو دراهمه التي سلف أو باع بها)). (٢) وقال بعض المالكية: إذا أبطلت هذه العملة واستبدل بها غيرها، فيرجع إلى قيمة العملة الملغاة من الذهب، ويأخذ صاحب الدين القيمة ذهبا . (٣) أما إذا عدمت تلك العملة أو انقطعت أو فقدت في بلد المتداینین، فتجب عندئذ قيمتها مما تجدد وتوفر التعامل به من العملات . (٤) ولو قلت أو عزّ وجودها في أيدي الناس، فإنه لا يجب غيرها، لإِمكان تحصيلها مع العزة ، بخلاف انقطاعها وانعدامها وفقدها .(٥) قال الهيثمي: ((ولوباع بنقد دراهم أو دنانير، وعين شيئا موجودا، اتبع وإن عز)). (٦) وتجدر الإشارة في هذا المقام إلى أن الحنابلة قيدوا القول بإلزام الدائن بقبول مثل النقد الذي ثبت في ذمة المدین، وإلزام المدین بأدائه إذا كان (١) حاشية الرهوني ١١٨/٥، ١١٩، منح الجليل ٢/ ٥٣٤، حاشية المدني على كنون ١١٨/٥ (٢) الأم ٣٣/٣ (ط. دار المعرفة ببيروت). (٣) حاشية الرهوني ١١٩/٢ (٤) منح الجلیل ٢/ ٥٣٥ (٥) نهاية المحتاج ٣٩٧/٣ (٦) تحفة المحتاج ٤/ ٢٥٥ - ١٣٣ - دین ٦٦ متوفرا ۔ في حالتي الغلاء والرخص - بأن یکون التعامل بهذا النقد مسموحا به من قبل الدولة. أما إذا منعت الدولة الناس من التعامل به، فلا يجبر الدائن على قبوله، ويكون له القيمة وقت ثبوت الدین من غیر جنسه من النقود إن ترتب على أخذ القيمة من جنسه ربا الفضل، سواء اتفق الناس على ترك التعامل بهذا النقد أم لم يتفقوا، أما إذا لم يترتب على أداء القيمة من جنسه ربا الفضل، فلا مانع من أن یکون الوفاء بقيمته من جنسه . (١) تغير النقود إذا كان الدين نقدا بالاصطلاح: إذا كان الدين الثابت في الذمة نقدا بالاصطلاح لا بالخلقة، كسائر العملات الأخرى غير الذهبية والفضية، فطرأ عليه تغير عند حلوله، فعندئذ یفرّق بین خمس حالات: الحالة الأولى: (الكساد العام للنقد): ٦٦ - وذلك بأن توقف الجهة المصدرة للنقد التعامل به، فتترك المعاملة به في جميع البلاد، (١) كشاف القناع ٣٠١/٣، الشرح الكبير على المقنع ٣٥٨/٤، شرح منتهى الإرادات ٢٢٦/٢، المغني ٣٦٥/٤ (مطبوع مع الشرح الكبير بمطبعة المنار ١٣٤٧ هـ)، المبدع ٢٠٧/٤، المحرر لمجد الدين بن تيمية ٣٣٥/١ وهو ما يسميه الفقهاء بـ ((كساد النقد)). (١) ففي هذه الحالة: لو اشترى شخص سلعة بنقد محدد معلوم، ثم كسد ذلك النقد قبل الوفاء، أو استدان نقدا معلوما ثم کسد قبل الأداء، أو وجب في ذمته المهر المؤجل نقدا محددا، ثم كسد قبل حلوله .. فقد اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: لأبي حنيفة، وهو أن النقد الذي کسد إذا کان ثمنا في بیع، فإنه يفسد العقد، ويجب الفسخ مادام ممکنا، لأنه بالكساد خرج عن کونه ثمنا، حیث أن ثمنیته ثبتت بالاصطلاح، فإذا ترك الناس التعامل به، فإنها تزول عنه صفة الثمنية، فيبقى المبيع بلا ثمن، فیفسد البيع . أما إذا کان دینا في قرض أو مهرا مؤجلا، فیجب رد مثله ولو كان كاسدا، لأنه هو الثابت في الذمة لا غيره. (٢) حيث ((إن القرض إعارة، وموجبها رد العین معنى، وذلك يتحقق برد مثله (١) الكساد في اللغة: عدم النفاق لقلة الرغبات. (المصباح المنير ٢ /٦٤٤) أما في اصطلاح الفقهاء: ((فهو أن يبطل التداول بنوع من العملة، ويسقط رواجها في البلاد كافة)). (شرح المجلة لعلي حيدر ١٠٨/١)، تبين الحقائق ١٤٣/٤، تنبيه الرقود لابن عابدين ٢/ ٦٠ (٢) الفتاوى الهندية ٢٢٥/٣، بدائع الصنائع ٣٢٤٤/٧ ومابعدها، تبیین الحقائق ١٤٢/٤، درر الحكام لعلي حيدر ٩٤/٣ - ١٣٤ - دین ٦٦ ۔ ولو کان کاسدا ۔ لأن الثمنية زيادة فیه، حیث إن صحة القرض لا تعتمد الثمنية، بل تعتمد المثلية، وبالکساد لم يخرج من أن یکون مثلا، ولهذا صح استقراضه بعد الكساد، وصح استقراض ما ليس بثمن کالجوز والبيض والمکیل والموزون وإن لم يكن ثمنا، ولولا أنه إعارة في المعنی لما صح، لأنه یکون مبادلة الجنس بالجنس نسيئة وأنه حرام، فصار المردود عین المقبوض حكما، فلا يشترط فيه الرواج کرد العين المغصوبة، والقرض کالغصب إذ هو مضمون بمثله». (١) والقول الثاني: لأبي يوسف والحنابلة على الراجح عندهم والمالکية في غیر المشهور، وهو أنه لا يجزیء رد المثل بعدما کسد، ويجب على المدين رد قيمة النقد الذي وقع عليه العقد - یوم التعامل - من نقد آخر. (٢) وبهذا أخذت المادة: (١) تبیین الحقائق للزيلعي ٤ / ١٤٤ (٢) الفتاوی الهندیة ٢٢٥/٣، تبیین الحقائق ١٤٢/٤، درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٩٤/٣، كشاف القناع ٣٠١/٣، شرح منتهى الإرادات ٢٢٦/٢، الشرح الكبير على المقنع ٣٥٨/٤، حاشية الرهوني ٥/ ١٢٠، حاشية المدني ١١٨/٥ وقد حكى صاحب ((الذخيرة البرهانية)) أن هذا القول هو المفتى به في مذهب الحنفية، وذلك لأنه أیسر، حيث إن القيمة يوم التعامل تكون معلومة، بخلاف يوم الكساد، فإنها لا تعرف إلا بحرج. (انظر الفتاوى الهندية ٢٢٥/٣ تبيين الحقائق ٤ /١٤٤، الشلبي على تبيين الحقائق ١٤٢/٤، تنبيه الرقود ٥٩/٢). ((٨٠٥)) من مرشد الحيران حيث جاء فيها: ((إذا استقرض مقدارا معينا من الفلوس الرائجة والنقود غالبة الغش، (١) فكسدت وبطل التعامل بها فعليه رد قيمتها يوم قبضها لا يوم ردها)». واستدلوا على ذلك: أولا : بأن إيقاف التعامل بها من قبل الجهة المصدرة لها منع لنفاقها وإبطال لماليتها، إذ هي أثمان بالاصطلاح لا بالخلقة، فصار ذلك إتلافا لها، فيجب بدلها وهو القيمة بناء على قاعدة الجوابر. ثانیا: ولأن الدائن قد دفع شيئا منتفعا به لأخذ عوض منتفع به، فلا يظلم بإعطائه ما لا ينتفع به. قالوا: وإنما اعتبرت القيمة يوم التعامل، لأنه وقت الوجوب في الذمة. والقول الثالث: لمحمد بن الحسن الشيباني وبعض الحنابلة، وهو أنه يجب على المدین رد قيمة النقد الذي وقع به التعامل من النقد الآخر وقت الكساد، أي في آخر نفاقها، وهو آخر ما تعامل الناس بها، لأنه وقت الانتقال إلى القیمة، إذ کان يلزمه رد مثلها ما دامت نافقة، فإذا كسدت انتقل إلى قيمتها حينئذ. (٢) (١) المراد بالنقود غالبة الغش: العملة التي يكون غالبها من معدن غير الذهب والفضة. (٢) الشرح الكبير على المقنع ٣٥٨/٤، الفتاوى الهندية= - ١٣٥ - دین ٦٧ - ٦٨ والقول الرابع: للشافعية والمالكية على المشهور عندهم، وهو أن النقد إذا کسد بعد ثبوته في الذمة وقبل أدائه، فليس للدائن سواه. ويعتبر هذا الكساد کجائحة نزلت بالدائن، ولا فرق في ذلك بین أن یکون الدین قرضا أو ثمن مبيع أو غيرذلك.(١) الحالة الثانية: (الكساد المحلي للنقد): ٦٧ - وذلك بأن يبطل التعامل بالنقد في بعض البلاد لا في جميعها. ومثله في عصرنا الحاضر العملات التي تصدرها بعض الدول وتمنع تداولها في خارج أراضيها . ففي هذه الحالة: إذا اشترى شخص بنقد نافق ثم کسد في البلد الذي وقع فيه البيع قبل = ٢٢٥/٣، الزيلعي ١٤٣/٤، وحاشية الشلبي على تبيين الحقائق ١٤٢/٤، تنبيه الرقود ٢/ ٥٩، درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٩٤ وقد جاء في كتب الحنفية المشار إليها نقلا عن المحيط والتيمة والحقائق أن الفتوى في المذهب على قول الامام محمد بن الحسن رفقا بالمدينين، حيث إن القيمة في آخر النفاق تكون عادة أقل منها يوم التعامل. (١) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني عليه ٢٥٨/٤، ٤٤/٥، أسنى المطالب ١٤٣/٢، قطع المجادلة عند تغيير المعاملة للسيوطي ٩٧/١ وما بعدها، المجموع شرح المهذب ٢٨٢/٩، ٣٣١، الأم ٣٣/٣، نهاية المحتاج ٣٩٩/٣، ٢٢٣/٤، شرح الخرشي ٥/ ٥٥، الزرقاني على خليل ٦٠/٥، حاشية الرهوني ١٢٠/٢، ١٢١، منح الجليل ٥٣٤/٢ الأداء، فإن البيع لا يفسد، ويكون البائع بالخيار بين أن يطالبه بالنقد الذي وقع به البيع، وبين أخذ قيمة ذلك النقد من عملة رائجة . وهذا هو القول المعتمد في مذهب الحنفية . (١) وحکي عن أبي حنيفة وأبي یوسف أنه إذا کسد النقد في بلدة واحدة، فيجري عليه فيها حکم الكساد العام في جمیع البلاد اعتبارا لاصطلاح أهل تلك البلدة. (٢) الحالة الثالثة: (انقطاع النقد): ٦٨ -وذلك بأن یفقد النقد من أيدي الناس، ولا يتوفر في الأسواق لمن يريده. (٣) ففي هذه الحالة: لو اشترى شخص سلعة (١) تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٤/ ١٤٣، تنبيه الرقود لابن عابدين ٥٩/٢، ٦٠ (٢) حاشية الشلبي على تببين الحقائق ١٤٣/٤ (٣) وحد الانقطاع - كما جاء في تبيين الحقائق والذخيرة البرهانیة - هو ((ألا يوجد في السوق، وإن کان یوجد في يد الصيارفة وفي البيوت)). (تبيين الحقائق ١٤٣/٤، تنبيه الزقود ٦٠/٢). وفي شرح المجلة لعلي حيدر: ((الانقطاع: هو عدم وجود مثل الشيء في الأسواق، ولو وجد ذلك المثل في البيوت، فإنه ما لم يوجد في الأسواق، فيعد منقطعا)). (درر الحكام ١٠٨/١). وقال الخرشي والزرقاني في ضابط الانقطاع: ((إن العبرة بالعدم في بلد المعاملة أي البلد التي تعاملا فيها، ولو وجد في غيرها فإنه يعتبر منقطعا)). (انظر شرح الخرشي ٥/ ٥٥، الزرقاني على خليل ٦٠/٥). - ١٣٦ - دین ٦٨ -٦٩ ....... بنقد معین، ثم انقطع قبل أن يؤدي الثمن، فقد اختلف الفقهاء في ذلك على أربعة أقوال: القول الأول: للحنابلة ومحمد بن الحسن الشيباني، وهو المفتى به في مذهب الحنفية، وهو أن على المشتري أداء ما يساويه في القيمة في آخريوم قبل الانقطاع، لتعذر تسليم مثل النقد بعد انقطاعه، فيصار إلى بدله وهو القيمة. ومثل ذلك یقال في دین القرض وغيره. وإنما اعتبرت القيمة قبيل الانقطاع، لأنه الوقت الذي ينتقل الوجوب فيه من المثل إلى القيمة . (١) والقول الثاني: لأبي يوسف، وهو أنه يجب على المدين أداء ما يساويه في القيمة يوم التعامل، لأنه وقت الوجوب في الذمة. (٢) والقول الثالث: لأبي حنيفة، وهو أن الانقطاع کالكساد يوجب فساد البيع. (٣) والقول الرابع: المالكية والشافعية، وهو أنه إن أمكن الحصول على ذلك النقد مع فقده وانقطاعه، فيجب الوفاء به، وإلا فتجب (١) الشرح الكبير على المقنع ٣٥٨/٤، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه ٤/ ١٤٢، تنبيه الرقود ٥٩/٢، ٦٠ (٢) الفتاوى الهندية ٣/ ٢٢٥، تبيين الحقائق ١٤٢/٤ (٣) تنبيه الرقود ٥٩/٢، تبيين الحقائق ١٤٢/٤، الفتاوى الهندية ٢٢٥/٣ قیمته، سواء أکان دین قرض أو ثمن مبيع أوغير ذلك. لكن أصحاب هذا القول اختلفوا في الوقت الذي تجب فيه القيمة عندما يصار إليها : فقال الشافعية : تجب في وقت المطالبة. (١) - وقال المالكية في المشهور عندهم: (٢) تجب في أبعد الأجلين من الاستحقاق - وهو حلول الأجل - والعدم الذي هو الانقطاع. (٣) - وذهب بعض المالكية إلى أن القيمة إنما تقدر وقت الحكم. (٤) الحالة الرابعة : (غلاء النقد ورخصه). ٦٩ - وذلك بأن تزيد قيمة النقد أو تنقص بالنسبة إلى الذهب والفضة، اللذين يعتبران (١) تحفة المحتاج ٢٥٨/٤، نهاية المحتاج ٣٩٩/٣، وانظر قطع المجادلة للسيوطي ١/ ٩٧ (٢) منح الجليل ٢/ ٥٣٥، الخرشي ٥/ ٥٥، الزرقاني على خلیل ٥/ ٦٠ (٣) سواء مطله المدين بها أم لا، كما هو ظاهر كلام خليل والمدونة، وذهب الخرشي وغيره إلى أن هذا مقيد بما إذا لم يحصل من المدين مطل، وإلا وجب عليه ما آل إليه، أي من المعاملة الجديدة لا القيمة - أي ما آل إليه الأمر من السكة الجديدة الزائدة على القديمة - لأنه ظالم. وقال صاحب تكميل المنهاج: هذا ظاهر إذا آل الأمر إلى الأحسن، فإن آل إلى الأردا فإنما يعطيه ما ترتب في ذمته. (انظر الخرشي ٥/٥، الزرقاني ٦٠/٥، منح الجليل ٥٣٥/٢، حاشية الرهوني ١٢١/٥). (٤) منح الجلیل ٢/ ٥٣٥، الزرقاني على خليل ٦٠/٥ - ١٣٧ - دین ٦٩ - ٧٠ المقياس الذي تقدر بالنظر إليه أثمان الأشياء وقيمها، ويعدان ثمنا. وهذا هو مراد الفقهاء بـ ((الغلاء)) و((الرخص)) في هذا المقام. ففي هذه الحالة: إذا تغيرت قيمة النقد غلاء أورخصا بعدما ثبت في ذمة المدین بدلا في قرض أو دین مهر أو ثمن مبيع أو غير ذلك وقبل أن يؤديه، فقد اختلف الفقهاء في ما يلزم المدين أداؤه على ثلاثة أقوال: القول الأول: لأبي حنيفة والشافعية والحنابلة والمالكية على المشهور عندهم، وهو أن الواجب على المدين أداؤه هونفس النقد المحدد في العقد والثابت دینا في الذمة، دون زيادة أو نقصان، ولیس للدائن سواه.(١) وقد کان القاضي أبو یوسف یذهب إلى هذا الرأي أولا ثم رجع عنه. والقول الثاني: لأبي يوسف - وعليه الفتوى عند الحنفية - وهو أنه يجب على المدين أن يؤدي قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص يوم ثبوته في الذمة من نقد رائج. ففي البيع تجب (١) تنبيه الرقود ٢/ ٦٠، حاشية الشلبي على تبيين الحقائق ١٤٢/٤، ١٤٣، قطع المجادلة عند تغيير المعاملة للسيوطي ٩٧/١ -٩٩، البدائع ٣٢٤٥/٧، الشرح الكبير على المقنع ٥٨/٤، شرح منتهى الإرادات ٢٢٦/٢، كشاف القناع ٣٠١/٣، المغني (المطبوع مع الشرح الكبير) ٣٦٥/٤، الزرقاني على خليل ٥/ ٦٠، حاشية الرهوني ١٢١/٥، منح الجليل ٥٣٤/٢، ٥٣٥ القيمة يوم العقد، وفي القرض يوم القبض. (١) والقول الثالث: وجه عند المالكية، وهو أن التغير إذا كان فاحشا، فيجب أداء قيمة النقد الذي طرأ عليه الغلاء أو الرخص. أما إذا لم يكن فاحشا فالمثل. (٢) قال الرهوني - معلقا على قول المالكية المشهور بلزوم المثل ولو تغير النقد بزيادة أو نقص -: «قلت: وينبغي أن يقيد ذلك بما إذا لم يكثر ذلك جدا، حتى يصير القابض لها كالقابض لما لا کبیر منفعة فيه، لوجود العلة(٣) التي علل بها المخالف في الكساد. (٤) انقضاء الدين : إذا ثبت الدین في ذمة المدین فإنها تبقى مشغولة بالدين، ولا تبرأ إلا بحصول أحد أسباب انقضاء الدين التالية : أولا : الأداء: ٧٠ - إذا أدى المدين أو نائبه أو كفيله أو غيرهم (١) تنبيه الرقود لابن عابدين ٢/ ٦٠، ٦١، ٦٣ (٢) حاشية المدني (بهامش الرهوني) ١١٨/٥ (٣) ويقصد العلة التي استدل بها أصحاب القول المقابل للمشهور في مسألة کساد النقد، وهي أن الدائن قد دفع شيئا منتفعا به لأخذ منتفع به، فلا يظلم بإعطائه ما لا ينتفع به. (انظر حاشية الرهوني ١٢٠/٥، حاشية المدني ١١٨/٥). (٤) حاشية الرهوني ٥/ ١٢١ - ١٣٨ - دین ٧٠ - ٧٢ الدین إلی الدائن أو نائبه الذي له ولا یة قبض ديونه، فإن ذمة المدين تبرأ بالأداء، ويسقط عنه الدین. أما إذا دفع الدين إلى من لا ولاية له علی قبض ديون الدائن، فلا ينقضي الدین، ولا تبرأ ذمة المدين. (١) (ر: أداء). وولاية قبض الديون بطريق النيابة تثبت بأمرين: إما بتولية الدائن، وإما بتولية الشارع: - أما التي تثبت بتولية الدائن: فهي ولاية الوكيل بقبض الدين، لأن من ملك التصرف في شيء أصالة ملك التوکیل فیه، ونفس القبض والاستيفاء مما يقبل النيابة، فكان قبض الوكيل بمنزلة قبض الموكل ولا فرق .. ولابد في ذلك أن يكون كل من الوكيل والموكل أهلا للقبض. (ر: قبض). - وأما التي تثبت بتولية الشارع: فهي ولاية من يلي مال المحجور ویتولی قبض حقوقه. وهذه الولاية ليست بتولية الدائن، لانتفاء أهليته، وإنما هي بتولية الشارع. (ر: ولاية). ويشترط لنفاذ وفاء الدين والبراءة منه أن یکون الدافع مالکا ما دفعه، فإن استحق بالبينة وأخذه صاحبه فللدائن الرجوع بدينه على غریمه .(٢) (١) انظر م١٩٥، ١٩٦، ١٩٧، ٢٠٥، ٢١٧، ٢١٨ من مرشد الحيران. (٢) م٢٢١ من مرشد الحيران. ثانيا : الإِبراء : ٧١ - وذلك كما إذا كان لزيد في ذمة بكر مائة دینار ثمن مبيع أوبدل قرض أو غير ذلك فأبرأه من الدين كله، فينتهي بذلك التزام المدين لفراغ ذمته بالإِبراء، وينقضي الدين. كما تبرأ ذمة الكفيل بالدين تبعا لبراءة ذمة الأصيل إذا كان الدين مضمونا. ولو أبرأه من بعض الدين لم يبق له إلا مطالبته بالباقي. والإِبراء يتم بإيجاب من الدائن، ولا يحتاج إلى قبول من المدين، غير أنه يرتد برده، لأن الإِبراء عن الدين إسقاط من وجه وتمليك من وجه آخر .. فمن جهة كونه إسقاطا لا يتوقف على القبول، وباعتباره تملیکا يرتد بالرد، لأن المرء لا يجبر على إدخال شيء في ملكه بغير رضاه. إلا في الإِرث.(١) (ر: إبراء). ثالثا : المقاصة : ٧٢ - وهي إسقاط دين مطلوب لشخص من غريمه في مقابلة دین مطلوب من ذلك الشخص لغريمه، وذلك بأن تشغل ذمة الدائن بمثل ماله على المدين في الجنس والصفة ووقت الأداء، فعندئذ تقع المقاصة ويسقط الدینان إذا كانا متساويين في المقدار، فإن تفاوتا في القدر سقط من الأكثر بقدر الأقل وبقيت الزيادة، فتكون (١) انظر م١٥٦٨ من مجلة الأحكام العدلية، وانظر م٢٣٤، ٢٣٦، ٢٤٦ من مرشد الحيران. - ١٣٩ - دین ٧٣ - ٧٦ المقاصة في القدر المشترك، ویبقی أحدهما مدینا للآخر بما زاد. (١) (ر: مقاصة). رابعا: اتحاد الذمة : ٧٣ - وذلك كما إذا كان زید مدینا لأخيه الشقيق بكر بمبلغ ألف دينار مثلا، ثم مات بكر الدائن، ولیس له وارث إلا أخوه زید، فیرٹ زید من ضمن ما يرثه عن بكر هذا الدین، وبذلك یکون زيد مدینا ودائنا لحلوله محل الدائن المورث، فإذا طالب بالدين، فهو إنما يطالب نفسه ليأخذه لنفسه، وذلك لاتحاد الذمة، فيسقط الدين وينقضي لعدم الفائدة في المطالبة. (ر: إرث). خامسا: التقادم : ٧٤ - لا يعتبر التقادم من أسباب انقضاء الدين شرعا، لأن الحق ثابت لاصق بذمة من عليه الدين لمن هوله، لا يسقطه تقادم الزمن مهما طال. ولکن تقادم الزمن يؤثر في منع سماع الدعوى إذا كان المدعى عليه منکرا، والمدعي لا عذر له في ترك المطالبة، على ما هو مبين في موضعه بيانا مفصلا. (٢) (ر: تقادم). سادسا: انفساخ سبب الوجوب: ٧٥ - وذلك كما إذا فسخ عقد المعاوضة الوارد (١) انظر م٢٢٤، ٢٢٦، ٢٣٠، ٢٣١ من مرشد الحيران. (٢) انظر م٢٥٦ - ٢٦١ من مرشد الحيران وم ١٦٦٠ - ١٦٧٥ من مجلة الأحكام العدلية . على الأعيان المالية بخيار من الخيارات، أو بسبب من الأسباب الموجبة لفسخه، فإنه ينقضي الدين الذي كان مترتبا عليه، وتبرأ ذمه المدين من البدل الذي وجب عليه بالعقد. ومن أمثلة ذلك هلاك العين المنتفع بها، وفوات المنفعة المقصودة منها في إجارة الأعيان، حيث تسقط الأجرة عن المدة المتبقية، وتبرأ ذمة المستأجر منها، وإن كان قد عجل شیئا منها، فله استرداد ما عجله زائدا على أجرة المدة السابقة على هلاك العين. (١) (ر: فسخ، إجارة، بيع، خيار). سابعا: تجدید الدین : ٧٦ - وذلك باستبدال دین جدید بالدين الأصلي، حيث نص الفقهاء على جواز فسخ عقد المداينة الأولى وتجديدها في عقد آخر بتراضي المتداینین، کما إذا كان زید مدینا لبکر بمبلغ عشرين دينارا أجرة منزل مملوك لبكر استأجره زيد منه، فيتفق معه على أن يبقى ذلك الدين بذمته على سبيل القرض. (٢) ولا يخفى أنه إذا فسخ عقد المداينة الأولى وصار تجديده بعقد آخر، سقط الدين الواجب بالعقد الأول، وترتب علی المدین دین جديد (١) انظر م٢٥٣ - ٢٥٥ من مرشد الحيران. (٢) الفتاوى الخانية ٢١٨/٢، وانظر م٢٥٠ من مرشد الحيران . - ١٤٠ -