Indexed OCR Text

Pages 101-120

دییاج ١ - ٤، دیر
أ - الاستجمار به :
٤ - ذكر الحنفية أنه يكره الاستجمار بخرقة
الدیباج لما فيه من إفساد المال من غير ضرورة.
وجوز الشافعیة ذلك حتى للرجال، لأن
الاستجمار به، لا يعد استعمالا له في العرف.
ولمزيد من التفصيل ينظر: (حرير).
دیباج
التعريف :
١ - الدییاج ضرب من الثياب سداه ولحمته من
الإِبريسم (الحرير الطبيعي)(١)
الألفاظ ذات الصلة :
٢ - يتصل بلفظ ديباج عدد من الألفاظ وهي :
إیریسم ۔ استبرق - خز۔ دمقس - سندس - قز.
وقد تقدم الكلام فيها مفصلا في مصطلح :
(حریر) فليرجع إليه .
دير
انظر : معابد
الأحكام الإجمالية :
٣ - أحكام الديباج في الجملة هي الأحكام التي
ذكرت في مصطلح حرير، إذ الديباج لا يخرج
عن كونه حريرا، ولم يذكر الفقهاء أحكاما خاصة
بالديباج إلا في بعض الفروع.
(١) اللسان والمصباح والصحاح مادة: ((دبج))، والمغرب
/ ١٥٩ - ١٦٠ - ط. العربي، والمصباح مادة: ((سد))،
ومادة: ((لحم))، وفي معنى: الإِبريسم. راجع تاج العروس
باب الميم فصل الباء مادة: ((برسم)).
- ١٠١ -

دين ١ - ٤
دین
التعريف :
١ - أ- الدين في اللغة: يقال دان الرجل یدین
دينا من المداينة. ويقال: داينت فلانا إذا عاملته
دينا، إما أخذا أوعطاء. من أدنت: أقرضت
وأعطیت دینا . (١)
ب - معنى الدين في اصطلاح الفقهاء:
٢ - قيل في معناه أقوال متعددة أوضحها ما قاله
ابن نجيم: «الدين لزوم حق في الذمة».
فيشمل المال والحقوق غير المالية كصلاة فائتة
وزكاة وصیام وغيرذلك، کما یشمل ما ثبت
بسبب قرض أو بيع أو إجارة أو إتلاف أو جناية أو
غير ذلك. (٢)
(١) لسان العرب، معجم مقاييس اللغة.
(٢) فتح الغفار شرح المنار (ط. مصطفى البابي الحلبي بمصر
سنة ١٣٥٥هـ) ٣/ ٢٠، والعناية شرح الهداية (مطبعة
اليمنية بمصر سنة ١٣٠٦هـ) ٣٤٦/٦، وانظر الفروق
للقرافي ١٣٤/٢، منح الجلیل ٣٦٢/١ ومابعدها، نهاية
المحتاج ٣/ ١٣٠ وما بعدها، أسنى المطالب ٣٥٦/١،
٥٨٥، العذب الفائض شرح عمدة الفارض ١٥/١،
والزرقاني على خليل ١٦٤/٢، ١٧٨، وشرح منتهى
الإرادات ٣٦٨/١، والقواعد لابن رجب ص١٤٤
الألفاظ ذات الصلة :
أ - العين :
٣ - يطلق الفقهاء في اصطلاحهم كلمة ((العين))
في مقابل ((الدین) باعتبار أن الدین هوما يثبت
في الذمة من غير أن یکون معینا مشخصا، سواء
أكان نقدا أم غيره. (١) أما العين ((فهي الشيء
المعين المشخص، كبيت)). (٢)
ب- الکالیء :
٤ - الكالىء في اللغة معناه المؤخر. (٣) وقد جاء
في الحديث ((أن النبي ◌َّ نهى عن بيع الكالىء
بالكالىء)). (٤) والمراد به عند الفقهاء بيع النسيئة
بالنسيئة، أو الدين المؤخر بالدين المؤخر. (٥)
(١) انظر رد المحتار (بولاق سنة ١٢٧٢ هـ) ٢٥/٤، والمادة
(١٥٨) من مجلة الأحكام العدلية.
(٢) انظر م١٥٩ من مجلة الأحكام العدلية.
(٣) لسان العرب، معجم مقاييس اللغة، الصحاح.
(٤) حديث: ((نهى عن بيع الكالىء بالكالىء ... )). أخرجه
الدارقطني (٧١/٣ - ط دار المحاسن) من حديث
ابن عمر، ونقل ابن حجر عن الشافعي أنه قال: (أهل
الحديث يوهنون هذا الحديث). وذكر ابن حجر سبب
ضعفه، کما في التلخيص الحبير (٢٦/٣ - ٢٧ - ط شركة
الطباعة الفنية).
غير أن الأمة تلقته بالقبول، كما انعقد الإجماع على عدم
جواز بيع الکالیء بالکالیء.
وهذا يؤيد قبوله ویشهد لصحة الاحتجاج به.
(٥) انظر الموطأ ٦٢٨/٢، الأم ٣٣/٣، المهذب ٢٧٨/١،
شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٠٠، المبدع ٤/ ١٥٠، البناية
على الهداية ٦/ ٥٥٠، المغني ٥٣/٤، نظرية العقد لابن
تيمية ص٢٣٥، تكملة المجموع (المنيرية) ١٠٧/١٠،
بداية المجتهد ٢/ ١٦٢، الإجماع لابن المنذر ص١١٧
- ١٠٢ -

دین ٥ - ٨
ج - القرض :
٥ - القرض عقد مخصوص يرد على دفع مال
مثلي لآخر لیرد مثله.(١) ويطلق عليه أحيانا اسم
«دین) فیقال: دان فلان یدین دينا: استقرض.
ودنت الرجل : أقرضته. (٢) والقرض اُخص
من الدین.
ما يقبل الثبوت في الذمة دينا من الأموال:
٦ - عرف الحنفية الدين بأنه عبارة عن ((ما يثبت
في الذمة من مال في معاوضة، أو إتلاف، أو
قرض».
وهو عند جمهور الفقهاء من الشافعية والمالكية
والحنابلة عبارة عن «ما يثبت في الذمة من مال
بسبب يقتضي ثبوته)). وهذا الخلاف في حقيقة
الدين - بالنظر إلى سبب الوجوب في الذمة -
ليس له أثر على قضية: أي الأموال يصح أن
تثبت دينا في الذمة، وأيها لا تقبل ذلك؟
وبيان ذلك أن المال ينقسم عند جمهور
الفقهاء (المالكية والشافعية والحنابلة) إلى
قسمين: أعيان ومنافع .
أولا : أما الأعيان فهي نوعان: مثلي، وقيمي .
أ - أما المثلي :
٧ - فلا خلاف بين الفقهاء في صحة أن
(١) رد المحتار (بولاق ١٢٧٢هـ) ٤/ ١٧١
(٢) الصحاح للجوهري والمصباح المنير مادة: ((دين))، كشاف
اصطلاحات الفنون للتهانوي (ط. كلكته) ٢/ ٥٠٢
يكون دينا في الذمة ، ومن هنا جاز إقراضه
والسلم فيه باتفاق الفقهاء . فإذا وجب
شيء منه في الذمة، كانت المطالبة به متعلقة
بعین موصوفة غیر مشخصة، وکل عین تتحقق
فيها تلك الصفات المعينة يصح للمدين أن
يقضي بها دینه، ولیس للدائن أن يمتنع عن
قبولها . (١)
ب - وأما القيمي: فله حالتان :
٨ - الأولى: أن يكون مما يضبط بالوصف.
ولا خلاف بين الفقهاء في صحة أن یکون دینا
في الذمة. وقد نص على ذلك الحنفية في
الاستصناع والمالكية والشافعية والحنابلة في
القرض والسلم. (٢) وجاء في ((المهذب))
للشيرازي: «يجوز قرض كل مال يملك بالبيع
ويضبط بالوصف، لأنه عقد ملیك یثبت
العوض فيه في الذمة، فجاز فيما يملك ويضبط
بالوصف کالسلم». وقال: «ويجوز السلم في کل
(١) انظر م٥٢٢، وم٧٩٨ من مرشد الحيران.
(٢) انظر رد المحتار ٢١٢/٤، فتح العزيز ٢٦٨/٩، اختلاف
الفقهاء للطبري (ط. فريدريك كرن) ص١٠١ وما بعدها
١٠٩، الإشراف على مسائل الخلاف للقاضي عبدالوهاب
(ط. تونس) ١/ ٢٨١ - ٢٨٢، القوانين الفقهية ص٢٩٥،
٣١٥، شرح الخرشي ٢١٢/٥ ومابعدها، الزرقاني على
خليل ٢١٣/٥ وما بعدها، شرح منتهى الإرادات
٢١٤/٢، كشاف القناع ٣/ ٢٧٧ وما بعدها ٣/ ٣٠٠،
وانظر م٣٨٨ - ٣٩٢ من مجلة الأحكام العدلية وم ٥٧١ من
مرشد الحيران.
- ١٠٣ -

دین ٩
مال يجوز بيعه وتضبط صفاته كالأثمان والحبوب
والثمار والثياب)). (١)
٩ - والحالة الثانية للقيمي: أن يكون مما
لا یضبط بالصفة، کالجواهر من لؤلؤ وعقيق
وفیروز ونحوها مما تختلف آحاده وتتفاوت أفراده
ولا يقبل الانضباط بالأوصاف.
وفي هذه الحالة اختلف الفقهاء في صحة
كون هذا المال دينا في الذمة على قولين:
(أحدهما) لجمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والحنابلة والشافعية في الأصح، وهو أنه لا يصح
جعله دینا في الذمة، لأنه لو صح انشغال ذمة
الملتزم بذلك المال لكان غير متعين، ولوجب
عندئذ أن تفرغ الذمة ويوفى الالتزام بأداء أي
فرد کان من أمثاله، ولا مثل له.
وعلى هذا شرطوا في صحة القرض والسلم
والاستصناع أن يكون المال الثابت في الذمة
منضبطا بالصفة بالقوة والفعل، لأن
ما لا تنضبط صفاته تختلف آحاده کثیرا، وذلك
يؤدي في الغالب إلى المنازعة والخصومة عند
الوفاء، وعدمها مطلوب شرعا . (٢)
(١) المهذب ٣١٠/١
(٢) رد المحتار ٤/ ١٧١، ٢٠٣، كشاف القناع ٢٧٦/٣،
٢٧٨، شرح منتهى الإرادات ٢١٤/٢، ٢٢٥، شرح
الخرشي ٢١٢/٥، ٢٢٩، الزرقاني على خليل ٢١٣/٥،
القوانين الفقهية ص٢٩٥، ٣١٥، المهذب ١/ ٣١٠،
التنبيه الشيرازي (ط. مصطفى الحلبي) =
وقد استثنى مالك والحنفية من هذا الأصل
دين المهر، فأجازوا أن يكون قيميا معلوم
الجنس، وإن كان مجهول الصفة، وجعل مالك
لها الوسط مما سمي إن وقع النكاح على هذا
النحو. وقال الحنفية: للزوج الخيار في أداء
الوسط منه أو قيمته. وعللوا ذلك بأن الجهالة فيه
لا تضر، إذ المال غير مقصود في الزواج،
فيتسامح فيه بما لا يتسامح به في عقود
المعاوضات المالية الأخرى. لأن المعاوضات
تبنى على المشاحة والمکایسة، فكان الجهل
بأوصاف العوض فیھا مخلا بالمقصود منها،
بخلاف النكاح فإنه مبني على المكارمة
والمساهلة، وليس المقصود من الصداق أن یکون
عوضا مماثلا، ولذلك سماه الشارع نحلة، فهو
کالهبة، وعلى ذلك لا يضر الجهل به کما لا يضر
بالهبة . (١)
(والقول الثاني) للشافعية، وهو غیر الأصح،
أنه يصح كونه دينا في الذمة إذا كان معلوم
القدر. (٢) وفيها يكون به الوفاء في هذه الحالة
وجهان :
= ص٦٨، ٧٠، نهاية المحتاج ١٩٤/٢، ٢٢٢، أسنى
المطالب ٢/ ١٤١، اختلاف الفقهاء للطبري ص١٠١،
١١٤، وانظر م٣٨١ من مجلة الأحكام العدلية وم٥٥٢ من
مرشد الحيران.
(١) رد المحتار ٣٤٧/٢، الكافي لابن عبدالبر ٤٥٣/١، بداية
المجتهد ٢/ ١٩، المبسوط ٦٧/٥-٦٨
(٢) فتح العزيز ٣٤٥/٩ وما بعدها، ٣٦٣ وما بعدها، المهذب
٣١٠/١، ٣١١، نهاية المحتاج ٢٢٢/٤
- ١٠٤ -

دين ١٠
(أحدهما): أنه يتحقق بأداء القيمة المالية، كما لو
أتلف لشخص عينا مالية قيمية، فإنه يلزمه
قيمتها. قال الشيرازي: ((لأن ما ضمن بالمثل
إذا كان له مثل، ضمن بالقيمة إذا لم يكن له
مثل كالمتلفات)).(١)
والوجه الثاني: أنه یتحقق برد مثله من حیث
الصورة والخلقة مع التغاضي عن التفاوت
اليسير في القيمة .
ثانيا: أما المنافع، ومدى قبولها للثبوت دينا في
الذمة :
١٠ - فإن جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية
والحنابلة ذهبوا إلى أن المنافع تعتبر أموالا بحد
ذاتها، وأنها تحاز بحيازة أصولها ومصادرها، وهي
الأعيان المنتفع بها، ولهذا جازت المعاوضة عنها
بالمال في الإِجارة بشتى صورها. كما ذهبوا إلى
أن المنافع تعتبر صالحة لأن تثبت دينا في الذمة
إذا كانت مثلية أو قابلة لأن تضبط بالوصف، كما
هو الشأن في الأعيان ولا فرق، وسواء أكانت
منافع أعيان أم منافع أشخاص.
وعلى هذا نصوا في باب الإِجارة على جواز
التعاقد على منفعة موصوفة في الذمة غير معينة
بالذات، وسموها ((إجارة الذمة)) نظرا لتعلق
المنفعة المعقود عليها بذمة المؤجر، لا بأشياء
معينة. كما إذا استأجر شخص دابة موصوفة
لتحمله من مكان إلى مكان، فإن المنفعة
المستحقة بالعقد تثبت دينا في ذمة المؤجر أو
المكاري، وعليه أن يحمله من مكانه إلى المكان
المطلوب على أية دابة يحضرها إليه. ولهذا
لا ينفسخ العقد إذا هلكت الدابة التي عينها
المؤجر أو استحقت، بل يرجع المستأجر عليه
فيطالبه بغيرها، لأن المعقود علیه غیر معین، بل
متعلق في الذمة، وعلى المؤجر الوفاء بتلك
المنفعة بأية دابة أخری يحضرها له.
وقد اعتبر المالكية والشافعية ((إجارة الذمة))
سَلَما في المنافع، وهذا اشترطوا في صحتها
تعجيل الأجرة كما هو الشأن في السلم، سواء
عقدت بلفظ الإِجارة أو السلم أو غير ذلك.
ووافقهم على ذلك الشرط الحنابلة إذا عقدت
بلفظ السلم، أما إذا عقدت بغيره، فلم
يشترطوا تعجيل الأجرة . (١)
أما الحنفية، فقد ذهبوا إلى أن المنافع لا
(١) فتح العزيز ٢٠٥/١٢، المهذب ٤٠٦/١، مغني المحتاج
٣٣٤/٢، روضة الطالبين ١٧٦/٥، نهاية المحتاج
٢٠٨/٤، ٣٠١، ٢٦٢/٥، حاشية الشبراملسي على
نهاية المحتاج ٤١٨/٤، شرح منتهى الإرادات ٢/ ٣٦٠،
كشاف القناع ٥٥٦/٣، الفروق للقرافي ١٣٣/٢، ميارة
على تحفة ابن عاصم ٩٨/٢، القوانين الفقهية ص٣٠٢،
شرح الخرشي ٣/٧، الأشباه والنظائر للسيوطي ص٢٨١،
شرح الأبي على صحيح مسلم ٢٤٥/٤
(١) المهذب ٣١١/١
- ١٠٥ -

دین ١١ - ١٣
تعتبر أموالا، لأن المال عندهم هو: «ما يميل
إليه طبع الإِنسان، ويمكن ادّخاره لوقت
الحاجة)). (١) والمنافع غير قابلة للإِحراز
والادخار، إذ هي أعراض تحدث شيئا فشيئا،
وآنا فأنا، وتنتهي بانتهاء وقتها وما يحدث منها
غير ما ينتهي .. وبناء على عدم اعتبارهم
المنافع أموالا، وقصرهم الدين على المال، فإن
المنافع لا تقبل الثبوت في الذمة دينا وفق قواعد
مذهبهم، ومن أجل ذلك لم يجيزوا في باب
الإِجارة أن يرد العقد على منفعة موصوفة في
الذمة، وشرطوا لصحة عقد الإِجارة كون المؤجّر
معيّنًا.(٢)
محل تعلق الدين واستثناءاته :
١١ - تقدم أن الدين في اصطلاح الفقهاء، هو
((ما وجب من مال في الذمة ... )) وعلى ذلك
فإنه يكون تعلقه بذمة المدين، ولا يتعلق بشيء
من أمواله، سواء أكانت مملوكة له عند ثبوت
الدين أم ملكها بعد ذلك، وتكون جميع أمواله
صالحة لوفاء أي دین ثبت علیه، ولا يكون
الدين مانعا له من التصرف في أمواله بأي نوع
(١) م١٢٦ من مجلة الأحكام العدلية.
(٢) جاء في م٤٤٩ من مجلة الأحكام العدلية ((يلزم تعيين
المأجور، بناءً على ذلك لا يصح إيجار أحد الحانوتين من
دون تعيين أو تمييز)). وجاء في م٥٨٠ من مرشد الحيران
((يشترط لصحة الإجارة رضا العاقدين وتعيين المؤجر)).
من أنواع التصرفات.
هذا هو الأصل في جميع الديون، ولكن لهذه
القاعدة استثناءات، حیث إن بعض الديون
تتعلق بأعيان المدين المالیة تأکیدا لحق الدائن
وتوثیقا له، ومن ذلك:
١٢ -أ- الدین الذي استوثق له صاحبه برهن،
فإنه يتعلق بالعين المرهونة .. وعلى ذلك فلا
یکون لصاحبها أن يتصرف فيها إلا بإذن
المرتهن، ويقدم حق المرتهن في استيفاء دینه منها
على من عداه من الدائنين. ولا خلاف بين
الفقهاء في ذلك. (ر: رهن، ترکة، إفلاس).
١٣ - ب - الدين الذي حجر على المدين
بسببه، فإنه يتعلق بأمواله باتفاق العلماء، (١) لأن
حجر المفلس يعني ((خلع الرجل من ماله
لغرمائه))، (٢) ولأنه لو لم يكن حق الغرماء متعلقا
بماله لما کان في الحجر علیه فائدة، «ولأنه يباع
ماله في ديونهم، فكانت حقوقهم متعلقة به
کالرهن».(٣)
ولا يخفى أن الدین ههنا إنما يتعلق بمالية
الأعيان المملوكة بذواتها، بمعنی ان المدین لیس
(١) الهداية (مع فتح القدير مطبعة الميمنية) ٢٠٧/٨، مع
ملاحظة أن أبا حنيفة يمنع الحجر على المفلس. شرح
الخرشي ٢٦٢/٥، فتح العزيز ١٩٦/١٠، كشاف القناع
٤١١/٣ (مطبعة الحكومة بمكة المكرمة)، نهاية المحتاج
٣٠٥/٤
(٢) شرح الخرشي ٥/ ٢٦٢
(٣) كشاف القناع ٤١١/٣
- ١٠٦ -

دین ١٤ - ١٥
له أن يتصرف تصرفا ينقص من قيمتها المالية،
فليس له أن يتبرع بشيء منها، ولا أن یعاوض
عليها بغبن يلحقه، لما في ذلك من الإِضرار
بحقوق الدائنين . . وتصح فيه المبادلات المالية
التي لا غبن عليه فيها، لأنها إذا أخرجت من
ملكه شيئا، فقد أدخلت فيه ما يعادله، فبقيت
قيمة الأموال ثابتة ... (١)
١٤ - جـ ـ حقوق الدائنين والورثة في مال
المریض مرض الموت، حیث إنها تتعلق فيه بمال
المريض بعد أن كانت متعلقة بذمته في حال
الصحة .
وعلة ذلك أن مرض الموت مرحلة تتهيأ فيها
شخصية الإنسان وأهليته للزوال، كما أنه مقدمة
لثبوت الحقوق في أموال المريض لمن ستنتقل
إليهم هذه الأموال بعد موته من دائنين وورثة .
فینتج عن ذلك أن تصبح الدیون متعلقة بمال
المريض بعد أن كانت متعلقة بذمته قبل
المرض، لأن الذمة تضعف بالمرض لعجز
صاحبها عن السعي والاكتساب، فيتحول
التعلق من ذمته ۔ مع بقائها ۔ إلی ماله توثيقا
للدين، وتتقيد تصرفاته بما لا يضر بحقوق
الدائنین. كما ينشأ عن ذلك تعلق حق الورثة
بماله ليخلص لهم بعد وفاته تملك الثلثين مما
یبقی بعد سداد الدیون إن كانت هناك دیون،
(١) الهداية (مطبعة الميمنية) ٨/ ٢٠٦
فتتقید تصرفاته أيضا بما لا يضر بحقوق الورثة.
أما الثلث فقد جعله الشارع حقا للمريض
ينفقه فيما يرى من سبل الخيرونحوها، سواء
بالتبرع المنجز حال المرض، أو بالوصية، أو غير
ذلك.(١)
١٥ - على أن هناك فرقا بين تعلق حق الدائنين
وتعلق حق الورثة بمال المريض، وهذا الفرق
يؤول إلى أمرين:
أحدهما: أن حق الدائنین یتعلق بمال
المريض معنى لا صورة، أي أنه لا يتعلق بذات
الأشياء التي يملكها، وإنما يتعلق بمقدارما فيها
من مالية، لأن الغرض من تعلق حقهم بماله هو
(٢)
التمكن من استيفاء ديونهم .
أما تعلق حق الورثة بمال المريض فقد
اختلف الفقهاء فيه هل يتعلق بماليته أم بعينه؟
على قولين:
- فذهب المالكية والشافعية والحنابلة وابن أبي
يعلى وأبو يوسف ومحمد بن الحسن إلى أنه
كحق الغرماء يتعلق بمال المريض معنى
لا صورة، فيصح بيع المريض بمثل القيمة
(١) انظر قرة عيون الأخيار ٢/ ١٢٧، مغني المحتاج ١٦٥/٢،
شرح الخرشي ٣٠٥/٥، المغني ٥٠٨/٤ (ط. المنار
١٣٤٨ هـ)، كشف الأسرار على أصول البزدوي
١٤٢٧/٤ (استانبول ١٣٠٧هـ) فواتح الرحموت
١/ ١٧٤، بدائع الصنائع ٢٢٤/٧
(٢) انظر حاشية الدسوقي على الشرح الكبير ٣٠٧/٣
- ١٠٧ -

دین ١٥ - ١٨
للأجنبي وللوارث، لأنه ليس في تصرفه إبطال
لحق الورثة في شيء مما يتعلق به حقهم وهو
المالية، فكان الوارث والأجنبي في ذلك
سواء. (١)
وذهب أبو حنيفة وأبو الخطاب من الحنابلة
إلى أنه يتعلق تارة بالصورة والمعنى، وتارة
أخری بالمعنى دون الصورة، فإذا كان تصرف
المريض مع غيروارث كان تعلق حق الورثة
بالمالية، فيصح بيعه للأجنبي بمثل القيمة
لا بأقل. وإذا كان تصرفه مع وارث کان حقهم
متعلقا بالعین والمالية، فلیس للمريض أن يؤثر
أحدا من ورثته بعین من ماله ولوبالبيع له بمثل
القيمة، إذ الإِيثار كما يكون بالتبرع بغير
عوض، یکون بأن يخصه باعیان يختارها له من
ماله، ولو كان البدل مثل قيمتها. (٢)
والفرق الثاني بین تعلق حق الدائنین بمال
المريض وبين تعلق حق الورثة أن حق الدائنين
(١) كشف الأسرار ١٤٣١/٤ وما بعدها، المبسوط ١٤/ ١٥٠،
اختلاف أبي حنيفة وابن أبي ليلى ص٢٩، رد المحتار
١٩٣/٤ (بولاق ١٢٩٩هـ)، المهذب ١/ ٤٦٠، نهاية
المحتاج ٤٠٨/٥، ٤١٧، المدونة ٢٢٢/٣ (المطبعة الخيرية
١٣٢٤هـ)، المغني (ط. المنار ١٣٤٨ هـ) ٦/ ٤٢١،
الإنصاف ٧/ ١٧٢
(٢) كشف الأسرار ١٤٣٢/٤، المبسوط ١٤/ ١٥٠، رد
المحتار (بولاق ١٢٩٩ هـ) ١٩٣/٤ العقود الدرية لابن
عابدين ٢٦٨/٢، فتاوى قاضيخان ٢/ ١٧٧، الإنصاف
للمرداوي ١٧٢/٧
في التعلق بمال المریض مقدم على حق الورثة،
لأن وفاء الدين مقدم على توزيع الميراث،
فيتعلق حق الدائنین بجمیع ماله إن كانت
ديونهم مستغرقة، في حين لا يتعلق حق الورثة
بأکثر من ثلثي الترکة بعد وفاء الدیون، لأن
للمريض حق التصرف في ثلث ماله بطريق
التبرع، سواء أكان منجزا أم مضافا إلى ما بعد
الموت، ويأخذ تبرعه هذا حكم الوصية.
١٦ - د - ما ينفق في سبيل تسديد الديون
المحيطة بأموال المدين المحجور عليه عند بيع
أمواله للوفاء بديونه، كأجرة المنادي والكیال
والحمال ونحوها من المؤن، فإنها تتعلق بأموال
المدين، ويقدم الوفاء بها على سائر الديون
المطلقة . (١)
١٧ - هـ ــ دين مشتري المتاع الذي باعه الحاكم
من أموال المدين المفلس إذا ظهر مستحقا وتلف
الثمن المقبوض، فإنه يتعلق بمال المدين، ويقدم
بدل الثمن الذي دفعه على باقي الغرماء،
ولا یضارب به معهم لئلا یرغب الناس عن
شراء مال المفلس. (٢)
١٨ - و- الدين الذي يستحقه الصانع كصائغ
ونساج وخياط أجرة على عمله إذا أفلس
(١) نهاية المحتاج ٣١٧/٤، كشاف القناع ٤٢٤/٣، حاشيه
الشرواني على تحفة المحتاج ١٣٥/٥، شرح منتهى
الإرادات ٢/ ٢٨٤
(٢) نهاية المحتاج ٤/ ٣١٧، تحفة المحتاج ١٣٥/٥
- ١٠٨ -

دین ١٩ - ٢٢
صاحبه، والعین بید الصانع، فانه یتعلق بما في
يده من متاعه، ويقدم به على سائر الغرماء. (١)
جاء في ((المدونة)): ((إذا أفلس الرجل وله حلي
عند صائغ قد صاغه له، کان هو أولی بأجره،
ولم يحاصه الغرماء، بمنزلة الرهن في يديه))، (٢)
(وكل ذي صنعة مثل الخياط والصباغ والصائغ
وما أشبههم منهم، أحق بما في أيديهم من
الغرماء في الموت والتفليس جميعا، وكل من
تکوري علی حمل متاع فحمله إلی بلد من
البلدان، فالمکری أحق بها في يديه من الغرماء في
الموت والتفليس جميعا)). (٣)
١٩ - ز- دين الكراء الذي يستحقه صاحب
الأرض المؤجرة إذا أفلس المستأجر بعدما
زرعها، فإنه يتعلق بالزرع، ویقدم به على سائر
غرماء المستأجر. (٤) قال التسولي: ((لأن الزرع
کرهن بيده في کرائها، فیباع ويؤخذ الكراء من
ثمنه».(٥) وكذا «کل من استؤجر في زرع أو
نخل أو أصل یسقيه، فسقاه ثم فلس صاحبه،
(١) القوانين الفقهية ص٣٤٧، البهجة شرح التحفة للتسولي
٣٣٣/٢، شرح ميسارة على تحفة ابن عاصم ٢/ ٢٤٢
(٢) المدونة ٢٣٩/١٣ (مطبعة السعادة بمصر سنة ١٣٢٣هـ).
(٣) المدونة ٢٣٩/١٣ (مطبعة السعادة سنة ١٣٢٣هـ).
(٤) شرح ميارة على التحفة ٢٤٢/٢، والقوانين الفقهية
ص٣٤٧
(٥) البهجة شرح التحفة ٣٣٣/٢
فساقيه أولى به من الغرماء حتى يستوفي
حقه».(١)
٢٠ - ح - الدين الواجب على من توفي وترك
مالا، فإنه يتعلق بتركته كتعلق الدين بالمرهون .
وقد أثبت الشارع هذا التعلق لمصلحة الميت كي
تبرأ ذمته ((فاللائق به ألا يسلط الوارث
عليه)). (٢)
٢١ - ط - الدين الذي يكون للمستأجر الذي
عجل الأجرة وتسلم العين المؤجرة، إذا فسخت
الإجارة قبل انتهاء مدتها لموت المؤجر، فإن ما
يقابل المدة الباقية من الأجرة يكون دينا متعلقا
بالعين المؤجرة، فإذا بيعت الدیون على مالكها
المتوفی کان دین المستأجر مقدما علی دیون سائر
الغرماء، وهذا على مذهب الحنفية القائلين
بانفساخ الإجارة بموت أحد العاقدین. قال ابن
عابدين: ((فإنه إذا أعطى الأجرة أولا ثم مات
الآجر صارت الدار هنا بالأجرة)). (٣)
أسباب ثبوت الدین :
٢٢ - الأصل براءة ذمة الإنسان من کل دين أو
(١) المدونة ٢٣٨/١٣
(٢) الهداية للمرغيناني (مطبعة الميمنية سنة ١٣١٩هـ)
٤٣٦/٩، روضة الطالبين ٨٤/٤، المهذب ٣٣٤/١،
شرح منتهى الإرادات ٢/ ٢٨٦، كشاف القناع ٣/ ٤٢٧،
الزرقاني على خليل ٢٠٣/٨، منح الجليل ٤/ ٦٩٧
(٣) رد المحتار ٥/ ٤٨٤ (بولاق ١٢٧٢هـ)
- ١٠٩ -

دین ٢٣ - ٢٤
التزام أو مسئولية ما لم يوجد سبب ينشىء ذلك
ويلزم به، ومن هنا کان لا بد لثبوت أي دین من
سبب موجب يقتضيه .. والباحث في كتب الفقه
يجد أن أسباب وجوب الدين عديدة متنوعة،
غير أنه يمكن حصرها في تسعة أسباب:
٢٣ - أحدها: الالتزام بالمال: سواء أكان في
عقد يتم بين طرفين كالبيع، والسلم،
والقرض، والإِجارة، والزواج، والطلاق على
مال، والحوالة، والكفالة بالمال، والاستصناع
ونحوها، أو كان في التزام فردي يتم بإرادة واحدة
كنذر المال عند جميع الفقهاء، والتزام المعروف
عند المالكية . (١)
ففي القرض مثلا يلتزم المقترض أن يرد
للمقرض مبلغا من النقود، أوقدرا من أموال
(١) حيث إن المالكية يرون أن كل التزام فردي بهبة، أو
صدقة، أو حبس، أو جائزة، أو قرض، على وجه الصلة
وطلب البر والمكافأة وما أشبه ذلك من الوجوه المعروفة بين
الناس في احتسابهم وحسن معاشرتهم، لازم لصاحبه،
لا يقبل منه الرجوع عنه، ولصاحب الحق فیه إذا کان معینا
أن یخاصمه فیه أمام القضاء، فیقضی علیه به، وقد جاء في
((تحرير الكلام في مسائل الالتزام)) للحطاب ٢١٩/١
(مطبوع ضمن فتح العلي المالك لعليش ط الحلبي
١٩٥٨م): ((من التزم الإنفاق على شخص مدة معينة أو
مدة حياة المنفق أو المنفق عليه، أو حتى يقدم زيد، أو إلى
أجل مجهول لزمه ما لم يفلس أويمت، لأن في كلام ابن
رشد أن المعروف - على مذهب مالك وأصحابه - لازم لمن
أُوجیه علی نفسه ما لم یفلس أو یمت».
مثلیة یکون قد اقترضها منه، وثبتت دينا في
ذمته .
على أن جميع الديون التي تثبت في عقود
المعاوضات المالية لا تستقر في الذمة بعد لزومها
إلا بقبض البدل المقابل لها، إذ به يحصل الأمن
من فسخ العقد بسبب تعذر تسليمه إلا دينا
واحدا، وهو دین السلم، فإنه وإن کان لازما،
فهو غير مستقر، لاحتمال طروء انقطاع المسلم
فيه، مما يؤدي إلى انفساخ العقد وسقوط
الدین.
وتعلیل ذلك أن استقرار الدین في أي عقد
من عقود المعاوضات إنما يعني الأمن من فسخ
العقد بسبب تعذر حصول الدين المذكور، لعدم
وجود جنسه وامتناع الاعتياض عنه .. وذلك
مخصوص بدين السلم دون بقية الديون، لجواز
الاعتياض عنها عند انقطاع جنسها. (١)
٢٤ - والثاني: العمل غير المشروع المقتضي
لثبوت دين على الفاعل: كالقتل الموجب للدية
والجنايات الموجبة للأرش، وإتلاف مال الغير،
وكتعدي يد الأمانة أو تفريطها في المحافظة على
ما بحوزته من أموال، کتعمد الأجير الخاص
إتلاف الأعيان الموجودة تحت يده أو إهماله في
(١) الأشباه والنظائر للسيوطي ص٣٢٦، الأشباه والنظائر لابن
نجیم ص٣٥٠
- ١١٠ -

دین ٢٥ - ٢٧
حفظها . (١)
ويعد من هذا القبيل ما لو ((أتلف على
شخص وثيقة تتضمن دینا له علی إنسان، ولزم
من إتلافها ضياع ذلك الدين، فيلزمه
الدین».(٢)
٢٥ - والثالث: هلاك المال في ید الحائز إذا كانت
يد ضمان، مهما كان سبب الهلاك، كتلف
المغصوب في يد الغاصب وهلاك المتاع في يد
الأجير المشترك أو القابض على سوم الشراء
ونحو ذلك.
٢٦ - والرابع: تحقق ما جعله الشارع مناطا
لثبوت حق مالي: كحولان الحول على النصاب
في الزكاة، واحتباس المرأة في نفقة الزوجية،
وحاجة القريب في نفقة الأقارب، ونحوذلك ..
فإذا وجد سبب من ذلك وجب الدین في ذمة من
قضی الشارع بإلزامه به .
٢٧ - والخامس: إيجاب الإِمام لبعض التكاليف
المالية على القادرين عليها للوفاء بالمصالح
العامة للأمة إذا عجز بیت المال عن الوفاء بها،
أو للمساهمة في إغاثة المنكوبين، وإعانة
(١) القوانين الفقهية لابن جزي ص ٣٦٠، الفروق للقرافي
٢٠٦/٢
(٢) قاله الإِمام تقي الدين السبكي، ونقله عنه ولده تاج الدين
في طبقات الشافعية الكبرى (ط. عيسى الحلبي)
٢٣٢/١٠، وانظر القوانين الفقهية ص٣٦١، الفروق
للقرافي ٢٠٦/٢
المتضررين بزلزال مدمر، أو حريق شامل، أو
حرب مهلكة، ونحوذلك مما یفجأ الناس
ولا يتسع بيت المال لتحمله أو التعويض
عنه.(١)
لكن لا يجوز هذا إلا بشروط:
الشرط الأول: أن تتعين الحاجة. فلوكان في
بيت المال ما يقوم به لم يجز أن يفرض عليهم
شيء.
الشرط الثاني : أن يتصرف فيه بالعدل.
ولا يجوز أن يستأثر به دون المسلمين، ولا أن
ينفقه في سرف، ولا أن يعطي من لا يستحق،
ولا يعطي أحدا أكثر مما يستحق.
الشرط الثالث : أن یصرف مصرفه بحسب
المصلحة والحاجة لا بحسب الغرض.
الشرط الرابع: أن يكون الغرم على من كان
قادرا من غير ضررولا إجحاف. ومن لا شيء
له، أو له شيء قلیل فلا یغرم شيئا.
الشرط الخامس: أن يتفقد هذا في کل
وقت، فربما جاء وقت لا يفتقر فيه لزيادة على
ما في بيت المال، فلا يوزع. وكما يتعين المال في
(١) رد المحتار (ط. مصطفى الحلبي ١٣٧٦ هـ) ٣٣٦/٢،
٣٣٧، نهاية المحتاج ٨/ ٥٠، حاشية الجمل ٥٨٨/٣،
١٨٣/٤، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ٢/ ٢٤٢،
المعيار للونشريسي ط. الأوقاف المغربية ١٣١/١١،
والمستصفى ٣٠٤/١
- ١١١ -

دین ٢٨ - ٢٩
التوزيع، فكذلك إذا تعينت الضرورة للمعونة
بالأبدان ولم يكف المال، فإن الناس يجبرون
على التعاون على الأمر الداعي للمعونة بشرط
القدرة وتعين المصلحة والافتقار إلى ذلك.(١)
٢٨ - السبب السادس من أسباب ثبوت الدین:
أداء ما يظن أنه واجب عليه، ثم يتبين براءة ذمته
منه: کمن دفع إلی شخص مالا یظنه دینا واجبا
علیه، ولیس بدین واجب في الحقيقة ونفس
الأمر، فله أن يرجع على القابض بما أخذه منه
بغير حق، ویکون ذلك دينا في ذمته، وذلك لأن
من أخذ من غيره ما لا حق له فيه، فيجب عليه
رده إلیه.(٢) وقد نصت م٢٠٧ من مرشد
الحيران ((من دفع شيئا ظانا أنه واجب عليه،
فتبين عدم وجوبه، فله الرجوع به على من
قبضه منه بغیر حق».
٢٩ - والسابع: أداء واجب مالي يلزم الغير عنه
بناء على طلبه: كما إذا أمر شخص غيره بأداء
دينه، فأداه المأمور من ماله عنه، فإن ما دفعه
یکون دینا في ذمة الآمر للمأمور، يرجع عليه به،
سواء شرط الآمر رجوعه - بأن قال له: أدّ ديني
على أن أؤديه لك بعد - أو لم يشرط ذلك، بأن
(١) المعيار للونشريسي ١٢٧/١١ -١٢٨
(٢) وهذه القضية فرع للقاعدة الفقهية الكلية ((لا يجوز لأحد
أخذ مال أحد بلا سبب شرعي» (م٩٧ من المجلة العدلية)،
وانظر المبدع لبرهان الدين ابن مفلح شرح المقنع ٢٠٢/٤
قال له: أدّ ديني - فقط - فأداه.(١)
ومثل ذلك ما لو أمر شخص آخر بشراء شيء .
له، أو ببناء دار، أو دكان، أو غيرذلك، ففعل
المأمور ذلك، فإنه يرجع على الآمر بها دفعه،
سواء اشترط عليه الرجوع أولم يشترط. (٢) وكذا
لو أمر شخص آخر بأن یکفله بالمال، فکفله، ثم
أدى الكفيل ما كفل به، فإنه يرجع على
المکفول بها أدی عنه.(٣) وكذا إذا أحال مدین
دائنه على شخص غيرمدین للمحيل، فرضي
المحال عليه، وأدى عنه الدين المحال به بناء
على طلبه، فإن المحال عليه يرجع على المحيل
بما أدی عنه. (٤)
(١) رد المحتار (ط. الحلبي ١٣٨٦ هـ) ٢ / ٦٧٤، تكملة رد
المحتار ٣٣٤/٢، اختلاف الفقهاء لابن جرير الطبري
٦٢/٢ وما بعدها، نهاية المحتاج ٤٤٨/٤، فتح العزيز
٣٨٩/١٠، وانظر م (١٥٠٦) من المجلة العدلية وم١٩٨،
١٩٩ من مرشد الحيران.
(٢) تكملة رد المحتار ٣٣٤/٢ وانظر م (١٥٠٨) من المجلة
العدلية وم ٢٠٠ من مرشد الحيران.
(٣) رد المحتار ٢٧١/٤، المغني لابن قدامة ٨٦/٥، نهاية
المحتاج ٤٤٧/٤، المهذب ٣٤٩/١، فتح العزيز
٣٩٠/١٠ وانظر م٨٦٢ من مرشد الحيران، الإشراف
للقاضي عبدالوهاب ط. تونس ٢١/٢
(٤) بدائع الصنائع ٧/ ٣٤٤٣ مطبعة الإمام، رد المحتار
٢٩٤/٤، تبيين الحقائق ١٧٤/٤، فتح العزيز،
٣٣٩/١٠، المغني ٤/ ٥٧٩، أسنى المطالب ٢/ ٢٣١،
المهذب ٣٤٥/١، كشاف القناع ٣٧٢/٣، البهجة شرح
التحفة ٥٨/٢، شرح التاودي على التحفة ٢/ ٥٧،
الشرح الكبير على المقنع ٥٨/٥
- ١١٢ -

دین ٣٠ - ٣١
٣٠ - والثامن: الفعل المشروع حالة الضرورة
إذا ترتب عليه إتلاف مال الغير: كمن أکل
طعام غيره بدون إذنه مضطرا لدفع الهلاك عن
نفسه، فإن ترخيص الشارع وإباحته استهلاك
مال الغير بدون إذنه لداعي الضرورة لا يسقط
عن الفاعل المسئولية المالية، ولا يعفيه من ثبوت
مثل ما أتلفه، أو قیمته دینا في ذمته لمالكه،
فالأعذار الشرعية لا تنافي عصمة المحل،
والإباحة للاضطرار لا تنافي الضمان، (١) ولأن
إذن الشارع العام بالتصرف إنما ينفي الإِثم
والمؤاخذة بالعقاب، ولا يعفي من تحمل تبعة
الإِتلاف، بخلاف إذن المالك، (٢) وللقاعدة
الفقهية الكلية ((الاضطرار لا يبطل حق الغير)
(م٣٣) من المجلة العدلية. وبهذا قال جمهور
الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة والمالكية
في المشهور عندهم، وغیرهم. (٣)
وخالف في ذلك بعض المالكية فقالوا:
لا ضمان عليه في هذه الحالة، لأن دفع الهلاك
(١) رد المحتار ٢١٥/٥
(٢) وهو ما عبر عنه القرافي بقوله: ((الإذن العام من قبل
صاحب الشرع في التصرفات لا يسقط الضمان، وإذن
المالك الآدمي في التصرفات يسقطه)). الفروق ١٩٥/١
(٣) قواعد الأحكام العزبن عبدالسلام ٩٤/١، ١٧٦/٢،
القواعد لابن رجب ص٣٧، ٦٩، ٧٢، الفروق
١٩٦/١، رد المحتار ٢١٥/٥، المهذب ٢٥٧/١، التنبيه
الشيرازي (ط. الحلبي) ص٥٣، نهاية المحتاج ١٥٢/٨
وما بعدها م(٣٣) من مجلة الأحكام العدلية.
عنه كان واجبا على المالك، والواجب لا يؤخذ
له عوض . (١)
وهناك رأى ثالث عند المالكية، وهو أن
المضطر إلى طعام الغير لدفع الهلاك عن نفسه
إنما یضمن قیمته لصاحبه إن کانت معه ۔ أي
بأن كان معه مال حاضر - وإلا فلا شيء عليه
لوجوب بذل ربه له. (٢)
٣١ - والتاسع: القيام بعمل نافع للغيربدون
إذنه: وهو نوعان:
النوع الأول: أن يأتي بعمل يلزم الغير أو
يحتاجه بدون إذنه، كمن أنفق عن غيره نفقة
واجبة عليه، أو قضى عنه دينا ثابتا في ذمته، ولم
ینو المنفق بذلك التبرع، فإن ما دفعه یکون دینا
في ذمة المنفق عنه. وعلى ذلك نص المالكية
والحنابلة، (٣) خلافا للشافعية والحنفية. (٤) فقد
جاء في مرشد الحيران (م٢٠٥): ((إذا قضى
أحد دين غيره بلا أمره سقط الدين عن
(١) الفروق للقرافي ١٩٦/١
(٢) الزرقاني على خليل وحاشية البناني عليه ٣/ ٣٠، منح
الجليل وحاشيته لعليش ٥٩٩/١، المحلى لابن حزم
٣٠٣/٨
(٣) شرح الخرشي ٧/ ٦٤، ١٢٨، الزرقاني على خليل
٧/ ٦٣، ١١٦، القواعد لابن رجب ص١٤٣ ومابعدها،
منح الجليل ٤/ ١٢٩، الجامع لأحكام القرآن للقرطبي
٢٣٢/٩، أعلام الموقعين ٢/ ٤١٤ - ٤٢٠، القياس لابن
تيمية (ط. السلفية) ص٣٨
(٤) فتح العزيز ٣٨٨/١٠، نهاية المحتاج ٤٤٨/٤
- ١١٣ -

دین ٣٢
المدیون، سواء أقبل أم لم يقبل، ويكون الدافع
متبرعا لا رجوع له على المديون بشيء مما دفعه
بلا أمره، ولا رجوع له علی رب الدین القابض
لاسترداد ما دفعه إلیه».
وحجتهم على ذلك: أن من أدى عن غيره
واجبا عليه من دين أو نفقة على قريب أوزوجة
من غیرإذنه، فهو إما فضولي، وهو جدير بأن
يفوت علیه ما فوته على نفسه، أومتفضل
فعوضه على الله دون من تفضل عليه، فلا
یستحق مطالبته .(١)
٣٢ - وقد ذکر علي حيدر في كتابه: ((درر الحكام
شرح مجلة الأحكام)) قاعدة الحنفية في هذا النوع
وهي: ((أن من أدى مصروفا عائدا على غيره
بدون أمره أو إذن الحاكم يكون متبرعا)».
وحكى لهذه القاعدة فروعا كثيرة منها:
أ - إذا وفی شخص دین آخر بدون أمره یکون
متبرعا. (٢)
ب - إذا دفع الراهن أو المرتهن من تلقاء نفسه
مصروفا على الرهن يلزم الآخربدون أمره أو
إذن الحاكم يعتبر متبرعا، ولا يحق له المطالبة
به، لأنه ليس مضطراً لهذا الإِنفاق طالما أنه
مقتدر على استحصال أمر من الحاكم به لتأمين
حقه بالرجوع على المستفيد بما أدى عنه. وعلى
(١) انظر أعلام الموقعين ٤١٨/٢
(٢) درر الحكام ١١٤/٢، ٦٣٨/٣
ذلك نصت المجلة العدلية في (م٧٢٥). (١)
جـ - إذا أدى المستأجر المصاريف اللازمة على
المؤجر بلا أمره يكون متبرعا (م٥٢٩) من
المجلة العدلية . (٢)
وإذا أعطى المستأجر الحيوان المأجور علفا
بدون أمر المؤجر يكون متبرعا. (٣)
د - إذا کفل شخص دین آخر بدون أمره يكون
متبرعا . (٤)
هـ - إذا صرف المودع على الوديعة بلا أمر
صاحبها أو إذن الحاكم يعد متبرعا . (٥)
و- إذا عمّر الشريك الملك المشترك من تلقاء
نفسه بدون إذن الشريك أو الحاكم يعد
متبرعا . (٦)
ز - لو أنشأ أحد دارا أو عمّرها لصاحبها بدون
أمره كان البناء أو العمارة لصاحب العرصة أو
الدار، ويكون المنشىء متبرعا فيما أنفقه. (٧)
ح - لو أنفق شخص على عرس آخر بلا إذنه
(١) انظر درر الحكام ٢/ ١١٢ ومابعدها، ٦٤٢/٣
(٢) وانظر درر الحكام ١/ ٥١٧ وما بعدها، ١١٤/٢
(٣) م٥٦١ من المجلة، وانظر درر الحكام ٥٥١/١،
١١٤/٢، ٦٤٢/٣
(٤) درر الحكام ١/ ٦٩٤، ١١٤/٢
(٥) انظر م٧٨٦ من المجلة، درر الحكام ١١٤/٢، ٢٥٢،
٦٤٢/٣
(٦) انظر م١٣١١ من المجلة وم٧٦٥ - ٧٦٩ من مرشد الحيران
ودرر الحكام ١١٤/٢، ٣/ ٣٣٤ وما بعدها.
(٧) درر الحكام ٣/ ٦٤٢
- ١١٤ -

دين ٣٣ - ٣٤
كان متبرعا. (١)
٣٣ - والنوع الثاني من القيام بعمل نافع للغير:
أن يقوم بعمل يحتاجه لمصلحة نفسه ولا يتوصل
إلیه إلا بإسداء نفع لغيره يحتاجه ولم یأذن له
فیه. کما إذا أعار شخص لآخر عینا لیرهنها
بدین علیه، ولما أراد المعیر استردادها لم یتمکن
من ذلك إلا بقضاء دين المرتهن ففعل، فإنه
پرجع على المستعیربالدین. وبهذا قال جمهور
الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية
والحنابلة، (٢) وعليه نصت مجلة الأحكام العدلية
في (م٧٣٢) منها.
أقسام الدين :
٣٤ - ينقسم الدين باعتبار التعلق إلى قسمين:
أ - دين مطلق: وهو الدين المرسل المتعلق بالذمة
وحدها .
ب - دين موثق: وهو الدين المتعلق بعين مالية
لتكون وثيقة لجانب الاستيفاء كدين الرهن
ونحوه .
وثمرة هذا التقسيم تؤول إلى أمرين :
(١) درر الحكام ٣/ ٦٤٢
(٢) تبيين الحقائق للزيلعي ٨٩/٦، رد المحتار ٣٣١/٥،
القواعد لابن رجب ص١٤٦ - ١٤٨، أعلام الموقعين
٤١٧/٢ وما بعدها، درر الحكام شرح مجلة الأحكام لعلي
حيدر ١٩٣/٢، ٣٣١/٣،١٣٠، ٣٤٢ وما بعدها،
وانظر م١٣١٠ - ١٣١٦ من مجلة الأحكام العدلية، وم٧٦٥
- ٧٦٨، ٧٧٢ من مرشد الحيران.
أحدهما: تقديم حق صاحب الدين الموثق في
استيفاء دينه من العين التي تعلق حقه بها على
سائر الدائنين في حال حياة المدين باتفاق
الفقهاء .
والثاني: تقديم الديون الموثقة المتعلقة
بأعيان التركة في حال وفاة المدين على تجهيزه
عند جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والشافعية.(١) «إيثارا للأهم، كما تقدم تلك
الحقوق على حقه في الحياة)). (٢) أما الديون
المرسلة في الذمة فيقدم التجهيز عليها. قال ابن
عابدين: ((فإذا رهن شيئا وسلمه، ولم يترك
غيره، فدين المرتهن مقدم على التجهيز، فإن
فضل بعده شيء صرف إليه)). (٣) وإنما قدمت
الديون الموثقة على التجهيز لتعلقها بالمال قبل
صيرورته ترکة، ((والأصل أن كل حق يقدم في
الحياة يقدم في الوفاة)) . (٤)
وخالف في ذلك الحنابلة وقالوا بتقدیم حق
الميت في تجهيزه من تركته على حقوق الدائنين،
ولو كانت ديونهم متعلقة بأعيان التركة ((كما يقدم
المفلس بنفقته علی غرمائه، ولأن لباس المفلس
(١) رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ) ٤٨٣/٥ - ٤٨٤، ونهاية
المحتاج ٥/٦، ٧، ٨، تحفة المحتاج ٣٨٥/٦، والزرقاني
على خليل ٨/ ٢٠٣، ٢٠٤
(٢) نهاية المحتاج ٨/٦
(٣) رد المحتار ٤٨٣/٥ (بولاق سنة ١٢٧٢هـ)
(٤) رد المحتار ٤٨٤/٥
- ١١٥ -

دین ٣٥ - ٣٦
مقدم على قضاء دیونه، فكذلك کفن الميت،
ولأن سترته واجبة في الحياة، فكذلك بعد
الموت)). (١)
٣٥ - وينقسم الدين باعتبار قوته وضعفه إلى
قسمين :
أ -دين الصحة: وهو الدين الذي شغلت به ذمة
الإِنسان حال صحته، سواء ثبت بإقراره فيها أم
بالبينة، ويلحق به في الحكم الدين الذي لزمه
وهو في مرض الموت، وكان ثبوته بالبينة.
ب - دين المرض: وهو الدين الذي لزم الإنسان
بإقراره وهو في مرض الموت، ولم يكن طريق
لثبوته غير ذلك.(٢)
وقد اتفق الفقهاء على استواء دين الصحة
ودين المرض في الاستيفاء من التركة إذا كان في
التركة سعة لهما. (٣)
٣٦ - أما إذا كانت التركة لا تفي بكليهما ، فقد
اختلف الفقهاء في تقدیم دين الصحة علی دین
المرض في الاستيفاء من التركة على قولين:
أحدهما: المالكية والشافعية في الأصح
(١) العذب الفائض شرح عمدة الفارض ١٣/١
(٢) البدائع ٧/ ٢٢٥، تكملة فتح القدير (ط. مصطفى محمد
سنة ١٣٥٦ هـ) ٢/٧، تكملة رد المحتار (مصر سنة
١٣٣٠هـ) ٢ / ١٣٠
(٣) المغني (مطبعة المنار سنة ١٣٤٨ هـ) ٣٤٣/٥، الشرح
الكبير على المقنع ٥/ ٢٧٥، إعانة الطالبين ١٩٤/٣،
جواهر العقود للأسيوطي (القاهرة ١٩٥٥م) ١٨/١
وابن أبي ليلى والتميمي من الحنابلة: وهو أن
ديون الصحة تستوي مع ديون المرض في
الاستيفاء من التركة، وتقسم بينهم على قدر
حصصهم.(١)
واستدلوا على ذلك بعموم قوله تعالى :
﴿من بعد وصية يوصي بها أودين﴾.(٢) حيث لم
يفضل أحد الدينين على الآخر، فوجب أن
يتساويا في الاستيفاء، ولأنهما حقان يجب
قضاؤهما من رأس المال لاستوائهما في سبب
الوجوب وفي محله.
- أما السبب: فهو الإِقرار الصادر عن عقل
ودين. من شأن العقل والدين أن يمنعا من قاما
به عن الكذب في الإخبار، إذ الإقرار إخبار عن
الواجب في ذمة المقر وهذا المعنى لا يختلف بين
الصحة والمرض، بل في حالة المرض يزداد
رجحان جهة الصدق، لأن المرض سبب التورع
عن المعاصي والإِنابة عما جرى في الماضي،
لكونه آخر عهده بالدنیا، وأول عهده بالآخرة،
(١) نهاية المحتاج ٧١/٥، مغني المحتاج ٢/ ٢٤٠، الأم (بولاق
١٣٢٢ هـ) ٧/ ١١٠، إعانة الطالبين ١٩٤/٣، البجيرمي
على الخطيب ١٣٦/٣، المبسوط ٢٦/١٨، اختلاف أبي
حنيفة وابن أبي ليلى ص٦٣، المهذب ٢/ ٣٤٥، بدائع
الصنائع ٢٢٥/٧، تبيين الحقائق ٢٣/٥، تكملة فتح
القدير ٣/٧، الغرة المنيفة للغزنوي ص١٠٨ (مطبعة
السعادة بمصر ١٩٥٠م).
(٢) سورة النساء/ ١١
- ١١٦ -

دین ٣٦ - ٣٧
فيكون خوف المقر أكثر، كما يكون أبعد عن
الكذب، فإذا لم يكن الإِقرار في حالة المرض
أولی، فلا أقل من أن يكون مساويا .
- وأما المحل: فهو الذمة، إذ هي محل الوجوب
في الصحة والمرض ولا فرق.
فلما استویا في سبب الوجوب ومحله لزم أن
يستوبا في الاستيفاء.
والثاني: للحنفية والحنابلة والشافعية في غیر
الأصح: هو أن ديون الصحة وما في حكمها
مقدمة على ديون المرض، وإذا لم تف التركة
بديون الصحة قسمت بين دائني الصحة
بالحصص. وكذلك الحال إذا لم تکن دیون
صحة، وكانت هناك دیون مرض، وضاقت
عنها التركة، فإنها تقسم بين الدائنين
بالحصص، ومثل ذلك في الحكم ما لووفيت
ديون، ولم يف ما بقي من التركة بدیون المرض
كلها . (١)
ودليلهم على تقديم ديون الصحة على
(١) جامع الفصولين (بولاق ١٣٠٠ هـ) ٢/ ١٨٢ ومابعدها،
المبسوط ٢٦/١٨، تبيين الحقائق وحاشية الشلبي عليه
٢٢/٥، البدائع ٢٢٥/٧، تكملة فتح القدير ٢/٧،
المغني لابن قدامة (مطبوع مع الشرح الكبير) ٠،٣٤٣/٥
نهاية المحتاج ٢/ ٢٤٠، مغني المحتاج ٧١/٥، الشرح
الكبير على المقنع ٥/ ٢٧٥، الغرة المنيفة للغزنوي ص١٠٨
وانظرم ١٦٠٢ من مجلة الأحكام العدلية وم ٥٦٩ من
الأحكام الشرعية في الأحوال الشخصية.
ديون المرض أن الحقوق إذا اجتمعت في مال
الميت يقدم الأقوى، كالدين يقدم على
الوصية، والوصية تقدم على الميراث، ودين
الصحة هنا أقوى، لأنه ظهر بإقراره في وقت لم
يتعلق باله حق أصلا، ولم يرد عليه نوع حجر،
ولهذا صح عتقه وهبته من جميع المال، بخلاف
دين المرض الذي ثبت في حالٍ تعلَّق بأمواله
دين صحته، وصارت هذه الأموال محلا للوفاء
به، وضمانا له، وورد علیہ فیہ نوع حجر، ألا
ترى أن تبرعاته لا تنفذ إلا من الثلث، فكان
الأقوى أولى .
وسبب إلحاق الدیون التي لزمته في حال
مرضه بالبينة بديون الصحة في الحكم هو انتفاء
التهمة في ثبوتها، إذ الثابت بالبينة لا مرد له،
فيقدم على المقَربه في حال المرض . (١)
٣٧ - وينقسم الدين باعتبار الدائن إلى
قسمین :
أ _ دین الله: وهو کل دین لیس له من العباد من
یطالب به على أنه حق له. وهو نوعان:
- نوع يظهر فيه وجه العبادة والتقرب إلى الله
تعالى، وهوما لا مقابل له من المنافع الدنيوية،
كصدقة الفطر، وفدية الصيام، وديون النذور،
(١) قرة عيون الأخيار ٢/ ١٣٠، تكملة فتح القدير ٥/٧،
حاشية الشلبي على تبين الحقائق ٢٣/٥، المبسوط
٢٧/١٨
- ١١٧ -

دین ٣٨ - ٤٠
والكفارات ونحو ذلك، فإنها عبادات يؤديها
المسلم امتثالا لأمر الله تعالى وتقربا إليه.
- ونوع يفرض لتمكين الدولة من القيام بأعباء
المصالح العامة للأمة، وهو ما يقابل - في
الغالب - بمنفعة دنیویة للمكلف، کخمس
الغنائم، وما أفاء الله على المؤمنين من أعدائهم
من غيرقتال، وما يفرضه الإِمام على القادرين
من أفراد الأمة للوفاء بالمصالح التي يعجزبيت
المال عن الوفاء بها .
وتفصيل ذلك في مصطلح: (دين الله).
ب - ودين العبد: وهو كل دين له من العباد من
يطالب به على أنه حق له، كثمن مبيع، وأجرة
دار، وبدل قرض، وإتلاف، وأرش جناية،
ونحو ذلك. ولصاحب هذا الدين أن يطالب به
المدين، وأن يرفع أمره إلى القاضي إذا امتنع
عن الأداء ليجبره عليه بالطرق المشروعة.
(ر: حبس، حجر).
٣٨ ۔ وینقسم الدين باعتبار السقوط وعدمه إلى
قسمین: صحیح وغیر صحیح . (١)
أ - فالدين الصحيح : هو الدين الثابت الذي
لا يسقط إلا بالأداء أو الإبراء، كدين القرض
(١) رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ) ٢٦٣/٤، كشاف
اصطلاحات الفنون ط كلكته ٥٠٢/٢ وما بعدها،
التعريفات للجرجاني (الدار التونسية ١٩٧١ م) ص٥٦،
وانظر م٨٥٢، ٨٥٣ من مرشد الحيران.
ودين المهر، ودين الاستهلاك ونحوها.
ب - والدين غير الصحيح: هو الدين الذي
يسقط بالأداء أو الإِبراء وبغيرهما من الأسباب
المقتضية سقوطه، مثل دين بدل الكتابة، فإنه
يسقط بعجز العبد المکاتب عن أدائه.
٣٩ - وينقسم الدين باعتبار الشركة فيه إلى
قسمين: مشترك وغير مشترك.(١)
أ- فالدین المشترك: هوما كان سببه متحدا،
سواء أكان ثمن مبيع مشترك بين اثنين أو أكثر،
بيع صفقة واحدة ولم يذكر عند البيع مقدار ثمن
حصة كل واحد من الشركاء، أم دينا آيلا
بالإِرث إلى عدة ورثة، أم قيمة مال مستهلك
مشترك، أم بدل قرض مستقرض من مال
مشترك بين اثنين أو أكثر.
ب - الدين غير المشترك: هو ما كان سببه مختلفا
لا متحدا، کأن أقرض اثنان كل منهما على
حدته، مبلغا لشخص، أو باعاه مالا مشتركا
بينهما، وسمى حين البيع كل واحد منهما لنصيبه
ثمنا على حدته.
٤٠ - وتبرز ثمرة هذا التقسيم في المسائل
التالية :
أولا : إذا كانت الديون المطلوبة من المدين
(١) الدر المختار مع رد المحتار (بولاق ١٢٧٢ هـ) ٤/ ٤٨٠،
درر الحكام شرح مجلة الأحكام ٣/ ٥٣، وانظر م١٦٩،
١٧٠ من مرشد الحيران وم١٠٩١ من المجلة العدلية،
والفتاوى الهندية ٣٣٦/٢
- ١١٨ -

دین ٤٠ - ٤١
غیر مشترکة، فلكل واحد من أربابها استيفاء
دینه على حدة من المدین، وما يقبضه يحسب
من دينه خاصة، لا يشاركه فیه أحد من الدائنين
الأُخر. (١)
أما إذا كان الدين المطلوب من المدين
مشترکا بین اثنین أو أکثر، فلکل واحد من
الشركاء أن يطلب حصته منه، ولا يختص
القابض منهم بما قبضه، بل یکون مشترکا بین
الشركاء، لكل واحد منهم حق فيه بقدر
حصته . (٢)
ثانیا: إذا قبض أحد الشریکین حصته من
الدين المشترك وأخرجها من يده بوجه من الوجوه
کهبة، وقضاء دین علیه، أو استهلكها فلشریکه
أن یضمنه حصته منها .
فلو کان مبلغ ألف دینار دینا مشترکا بین
اثنين مناصفة، فقبض أحدهما من المدين
خمسمائة واستهلكها، فللدائن الآخر أن يضمنه
مائتين وخمسين. أما الخمسمائة الأخرى فتبقى
بين الاثنين مشتركة . (٣)
(١) م١٧٢ من مرشد الحيران، م١٠٩٩ من المجلة العدلية،
والفتاوى الهندية ٣٣٧/٢، ودرر الحكام ٣/ ٦٢
(٢) الفتاوى الهندية بولاق ١٣١٠هـ ٣٣٦/٢، درر الحكام
٦٣/٣ وما بعدها، وانظرم ١١٠٠، ١١٠١ من المجلة
العدلية وم١٧٣ من مرشد الحيران.
(٣) الفتاوى الهندية ٢/ ٣٣٧، درر الحكام ٦٦/٣، وانظر
م١١٠٢، ١١٠٣ من المجلة العدلية، ١٧٥٢ من مرشد
الحيران .
ثالثا: إذا قبض أحد الشریکین حصته من
الدین المشترك، وتلفت في یده بدون تعد منه
ولا تقصير، فلا يضمن حصة شريكه في
المقبوض، ولكنه يكون مستوفيا حصة نفسه،
وما بقي من الدين في ذمة المدين فيكون حقا
للشریك الآخر.(١)
رابعا: إذا أخذ أحد الدائنین ـ دینا مشترکا ۔
كفيلا بحصته من الدين المشترك، أو أحاله
المدین علی آخر، فلشریکه الآخر أن يشاركه في
المبلغ الذي يأخذه من الكفيل أو المحال
عليه. (٢)
٤١ - وينقسم الدين باعتبار وقت أدائه إلى
قسمین: حال ومؤجل. (٣)
أ-فالدین الحال: هوما يجب أداؤه عند طلب
الدائن، فتجوز المطالبة بأدائه على الفور،
والمخاصمة فیه باتفاق. ويقال له ((الدین
المعجل)) أيضا.
ب - والدين المؤجل: هوما لا يجب أداؤه قبل
حلول الأجل. لكن لوأدي قبله يصح، ويسقط
عن ذمة المدين.
(١) الفتاوى الهندية ٢/ ٣٣٧، درر الحكام ٧٣/٣، وانظر
م١١٠٦ من المجلة العدلية وم١٧٦ من مرشد الحيران.
(٢) الفتاوى الهندية ٣٤٠/٢، درر الحكام ٣/ ٧٥، وانظر
م١١٠٩ من المجلة العدلية وم١٨١ من مرشد الحيران.
(٣) كشاف اصطلاحات الفنون ط كلكته ٢/ ٥٠٢
- ١١٩ -

دین ٤٢ - ٤٣
.
وفي هذا المقام تجدر الإشارة إلى أن من
الدیون ما لا یکون إلا حالا ، بحيث لا يصح
تأجیله، فإن تأجل فسد العقد. مثل رأس مال
السلم (ر: السلم) والبدلين في الصرف
(ر: الصرف) باتفاق الفقهاء، ورأس مال
المضاربة عند الحنفية والمالكية والشافعية
(ر: مضاربة) والأجرة في إجارة الذمة عند
المالكية والشافعية (ر: إجارة) ومصطلح:
(أجل).
توثيق الدين :
معنی توثيق الدين :
٤٢ - التوثيق في اللغة معناه الإِحكام. ومن هنا
سمي العهد ميثاقا وموثقا لما فيه من الإِحكام
والثبوت .(١)
أما في الاصطلاح الفقهي :
فذكر إلكيا الهراسي في كتابه: ((أحكام
القرآن)) أن الوثيقة هي ((مايزداد بها الدين
وكادة)). (٢) ويتتبع استعمال الفقهاء لمصطلح :
((توثيق الدين)) نجد أنهم يطلقونه على أمرين:
أحدهما: تقوية وتأكید حق الدائن فیما یکون
(١) لسان العرب، معجم مقاييس اللغة، المصباح المنيرم:
(وثق) والمطلع للبعلي ص٢٤٧
(٢) أحكام القرآن لإلكياالهراسي (ط. دار الكتب الحديثة
بمصر) ٤٢١/١
له في ذمة المدين من مال بشىء يعتمد عليه -
كالكتابة والشهادة - لمنع المدين من الإِنكار،
وتذکیره عند النسيان، وللحيلولة دون ادعائه
أقل من الدین، أو ادعاء الدائن أکثر منه، أو
حلوله أو انقضاء الأجل ونحو ذلك، بحیث إذا
حصل نزاع أو خلاف بين المتداينين، فيعتبر هذا
التوثيق وسيلة يحتج بها لإثبات الدين المتنازع فيه
أمام القضاء.
والأمر الثاني: تثبیت حق الدائن فیما یکون له
في ذمة المدین من مال وإحكامه، بحیث یتمکن
عند امتناع المدين عن الوفاء - لأي سبب من
الأسباب - من استيفاء دينه من شخص ثالث
یکفل المدین بماله، أو من عین مالية يتعلق بها
حق الدائن وتكون رهينة بدینه.
طرق توثيق الدين :
اتفق الفقهاء على أن طرق توثيق الدين
أربعة :
أ - توثيق الدين بالكتابة:
٤٣ - دلت آية الدين وهي قوله تعالى: ﴿يا أيها
الذین آمنوا إذا تداینتم بدین إلى أجل مسمى
فاكتبوه ... ﴾(١) إلى آخر الآية على مشروعية
(١) سورة البقرة / ٢٨٢
- ١٢٠ -