Indexed OCR Text
Pages 301-320
دعوى ٤٨ - ٤٩ يعرف بالشهرة العامة فلا تحتاج لذكر حد ولا غيره. وذهب جمهور الفقهاء إلى أنه لا يشترط في صحة دعوى العقار ذكر سبب استحقاقه. وذهب المتأخرون من الحنفية إلى صحة دعوى الملك المطلق في البلاد التي لم يقدم بناؤها، أي حديثة العهد في تأسيسها، فلا يسأل فيها عن سبب الاستحقاق، لاحتمال أن المدعي تملكه بسبب الخطة، أي: أنه يملكه من الأصل، ولم ينتقل إلى ملكه بسبب من الأسباب الناقلة للملكية كالبيع، وذلك لقرب عهد تأسيسه، وأما دعوى الملك المطلق في البلاد التي قدم بناؤها، وطال العهد على تأسيسها فلا تصح، وذلك لأن قدم البناء قرينة قاطعة على أن المدعي يدعيه بسبب من الأسباب الناقلة للملكية، لاستحالة كونه تملكه بسبب الخطة لبعد عهدها، فلا يجوز الحكم بالملك المطلق في هذه الحالة، ولابد من بيان السبب، إذ لا يجوز الحكم بالملك بسبب مجهول، ومادام حدوث السبب متيقنا، فيحتمل أن السبب الذي يدعيه المدعي باطل، ولا يترتب عليه ملك. (١) وصرح علماء المالكية بوجوب ذكر سبب الاستحقاق، ولم یمیزوا في ذلك بین دعوى العقار وغيرها. (٢) بل رأى بعض علمائهم أن (١) البحر الرائق ٧/ ٢٠١ (٢) تبصرة الحكام ١/ ١٣٠ - ١٣١، الخرشي ١٥٤/٧ القاضي إن لم يسأل عنه وقبل الدعوى من غیر ذلك کان کالخابط خبط عشواء، وعللوا ذلك بأن السبب قد یکون فاسدا، فلابد من ذكره ليعرف ذلك، ولكن لوادعى المدعي نسيان السبب لم یکلف ببیانه.(١) في دعوى المنقول : ٤٩ - اختلف الفقهاء في الطريقة التي يعلم بها المدعى به المنقول: فذهب الحنفية إلى التمييز بين المنقول القائم والهالك، وبين المنقول الغائب عن مجلس القضاء والحاضر فيه : فأما المنقول القائم الحاضر في مجلس القضاء، فيعلم بالإِشارة إليه، لأن هذه الوسيلة ممكنة في هذه الحال، فلا يصار إلى أقل منها. فإن لم تكن العين المنقولة حاضرة في مجلس القاضي: فإن كان إحضارها إلى مجلس القضاء میسرا بحيث لا يكلف نفقة، طلب من المدعى علیه إحضارها لیشار إليها، وإن كان إحضارها يكلف نفقة، فيذهب القاضي أو أمينه إلى مکان وجودها لیشار إليها . وأما المنقول الهالك فيعرف بذكر القيمة فقط، لأن عین المدعى به تعذر مشاهدتها، (١) التاج والإكليل ٦/ ١٢٤، تهذيب الفروق ١١٥/٤، تبصرة الحكام ١٣٠/١ - ١٣١، العقد المنظم للحكام ١٩٨/٢ - ٣٠١ - دعوی ٤٩ - ٥٠ ولا يمكن معرفتها بالوصف، إذ العين عند الحنفیة لا تعرف بالوصف، فاشترط بیان القيمة، حيث تعرف بها العين الهالكة. وهذا كله بالنسبة للمنقول القيمي، وأما المثلي فإن دعواه تعتبر دعوی دین في الذمة، فيشترط في تعريفه ما يشترط في الدين، وسيأتي ذكره قریبا . (١) وأما غير الحنفية فلم يقصروا طريقة العلم بالمنقول علی الإِشارة إليه، إلا إذا كان في مجلس القضاء، أو كان حاضرا في البلد عند الحنابلة أما إذا كان غائبا: فإن كان مثلیا وجب على المدعي ذكر وصفه المشروط في عقد السلم. وإن کان قیمیا: فإن كان منضبطا بالوصف، فيجب وصفه بما ینضبط به، وإلا فیجب ذکر قیمته. (٢) وأصل الخلاف في هذه المسألة بين الفريقين أن الأعيان القيمية، هل تنضبط بالوصف أو لا تنضبط؟ فذهب الحنفية إلى أن القيمي (١) الهداية مع فتح القدير والتكملة ١٤٢/٦ - ١٤٣، تنوير الأبصار والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥/ ٥٤٤، جامع الفصولين ١/ ٧٠، الفتاوى الهندية ٥،٣/٤، ٦ (٢) أدب القضاء لابن أبي الدم ق٢٦ أ، المحرر في الفقه ٢٠٦/٢، كشف المخدرات ص٥١١، منتهى الإرادات القسم الثاني ص٥٩٢ - ٥٩٣، الروض الندي ص٥١٣، نيل المآرب ١٤٣/٢، تبصرة الحكام ١٣١/١، تهذيب الفروق ١١٤/٤، المنهاج وشرح المحلي ٣٣٦/٤، المغني ٨٤/٩ - ٨٥، نهاية المحتاج ١٦٢/٨، كشاف القناع ٢٠٤/٤ لا ينضبط بالوصف، لأن العين قد تشترك مع عين أخرى في الوصف والحلية، وبناء عليه قالوا: لابد من الإِشارة في تعريف القيمي، لأن الشك لا ينقطع إلا بها. (١) وذهب الجمهور إلى أن كثيرا من الأعيان القيمية يمكن أن تنضبط بالوصف. وبناء عليه ذهبوا إلى الاكتفاء بوصف مثل هذه الأعيان في الدعوى، ولم يشترطوا إحضارها لیشار إليها . العلم بسبب الاستحقاق في دعوى المنقول: ٥٠ - اختلف الفقهاء في وجوب ذكر سبب الاستحقاق في دعوى المنقول على الآراء التالية : (٢) أ - ذهب الحنفية إلى التمييز بين دعوى المثلي ودعوى القيمي: فاشترطوا ذكر سبب الاستحقاق في الأولى دون الثانية، وذلك لاختلاف أحكام الأسباب المرتبة للديون في الذمم، ولأن الأصل براءة الذمم من الدیون، فلابد لصحة دعوی اشتغالها من بیان سبب هذا الاشتغال. (٣) (١) حاشية الشلبي ٢٩٣/٤ (٢) الوجيز وفتح العزيز ٩/ ٢٦٧ وما بعدها، تحفة الطلاب مع حاشية الشرقاوي ٢/ ٢٤ (٣) البحر الرائق ٧/ ١٩٥، تنوير الأبصار والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥٤٧/٥ - ٣٠٢ - دعوى ٥٠ - ٥١ ب - وذهب المالكية إلى وجوب ذكر السبب في دعاوي العين، سواء أكانت مثلية أم قیمیة، وعلى القاضي أن يسأل المدعي عن سبب استحقاقه للمدعی به، فإن لم يفطن لذلك كان للمدعى عليه أن يوجه هذا السؤال، فإن امتنع المدعي عن ذكره لم يكلف المدعى عليه بالجواب عن الدعوى، وبذلك لا تنتج أثرها، وهو وجوب الجواب على الخصم. (١) وعللوا ذلك بأن المدعي قد يكون معتمدا في دعواه على سبب فاسد، كأن يكون ثمن خمر أو خنزير أو ميتة، فإن كل هذا ونحوه لا يصلح سببا لاستحقاق شيء من الأشياء. (٢) جـ ـ وذهب الشافعية والحنابلة إلى عدم اشتراط ذكر سبب الاستحقاق في دعوى المنقول، سواء أکان قیمیا أم مثلیا، لتعدد الأسباب وکثرتها، وفي إيجاب ذكرها على المدعي حرج كبير، فيترتب على ذلك ضياع حقوق كثير من الناس، فوجب عدم اشتراط ذلك. (٣) وفي الأشياء التي منہا ذکور ومنها إناث لا بد من ذكر صفة الأنوثة أو الذكورة في (١) تبصرة الحكام ١/ ١٣٠ - ١٣١، التاج والإكليل ١٢٤/٦، الخرشي ٧/ ١٥٤، تهذيب الفروق ١١٤/٤ - ١١٥ (٢) العقد المنظم للحكام ١٩٨/٢ (٣) المهذب ٢/ ٣١١، الحاوي الكبيرج ١٣ ق٤٣ ل، ٤٩ أ، منتهى الإرادات - القسم الثاني ص٥٩٢، شرح المنتهى ٢٧٦/٤ - ٢٧٧، كشاف القناع ٤/ ٢٠٤ الدعوى. (١) کیفیّة العلم بالمدعى به في دعوی الدین : ٥١ - إذا كان المدعى به نقدا، فإنه يعلم ببيان جنسه ونوعه ووصفه وقدره، (٢) وذلك إذا كان في البلد نقود مختلفة، وأما إذا كان النقد متعارفا. علیه فلا حاجة لذکر غیر قدره. وكذلك إذا كان المندعى به مثليا، فإنه يعلم بمثل ما يعلم به النقد. وإذ كان المدعى به عينا قيمية، فعند الحنفية لا تكون في الدعوى في هذه الحال دعوى دين إلا إذا كانت هالكة، فإذا كانت هالکة تعلم بذکر قیمتها كما تقدم، وإلا فلا تعلم إلا بالإِشارة إليها . وعند جمهور الفقهاء تثبت الأعيان القيمية في الذمّة إذا کانت مما ينضبط بالوصف، وعندئذ تعلم عندهم بذکر أوصافها التي تنضبط بها، وهي الأوصاف التي يشترط ذكرها في عقد السلم . (٣) (١) الفروق ٧٢/٤، منتهى الإرادات ٥٩٤/٢، جواهر العقود ٤٩٩/٢ (٢) الهداية مع تكملة القدير ٦/ ١٤١، تنوير الأبصار والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥/ ٥٤٧، تبصرة الحكام ١٠٥/١ طبع ١٣٠١ هـ، المهذب ٣١١/٢، المنهاج وشرح المحلي وحاشية قليوبي، وحاشية عميرة ٢٣٦/٤ - ٢٣٧، المغني ٩/ ٨٥ (٣) الفروق ٧٢/٤، تبصرة الحكام ١٠٥/١ طبع ١٣٠١هـ، فتح المعين وإعانة الطالبين ٢٤١/٤، ترشيح المستفيدين ص٤٠٧ - ٤٠٨، المغني ٩/ ٨٤، ٨٥، منتهى الإرادات ، القسم الأول ٣٩١، وكشاف القناع ٤/ ٢٠٤ - ٣٠٣ - دعوى ٥٢ العلم بسبب الاستحقاق في دعوی الدین : ٥٢ - اختلف الفقهاء في وجوب ذكر سبب الاستحقاق في دعوى الدين على الآراء الآتية : أ - فذهب أكثر فقهاء الحنفية وأكثر فقهاء المالكية إلی وجوب ذکر السبب في دعوی الدین، وإلى أنه يجب على المدعي أن يبين من أي وجه ترتب له الدین في ذمة المدعى عليه، وهل هومن قرض أو عقد أو إتلاف أو غير ذلك من الأسباب الشرعية.(١) وقد استدلوا على ذلك بأن كل دین لا بد لترتبه في الذمة من سبب شرعي ، لأن الأصل براءة الذمم من اشتغالها بالديون، فإن كان لابد من سبب لكل دين فيجب على مدعي الدين بيان سببه، لأن الأسباب تختلف أحكامها، فإن كان سبب الدين عقد السلم مثلا، فإنه يحتاج إلى بيان مكان الإِيفاء، ولا يجوز الاستبدال به قبل القبض، بخلاف ما إذا كان الدين ثمن مبيع، حيث يجوز الاستبدال به قبل قبضه ولا يشترط فيه بيان مکان الإيفاء. (٢) ومن جهة أخرى قد یکون السبب باطلا كأن يكون الدين ثمن خمر أو خنزير أو نتيجة مقامرة أو نحوذلك، فیحتاج إلى ذكره ليعرف ذلك. ومن جهة ثالثة فإن بعض (١) البحر الرائق ١٩٥/٧، الفتاوى الهندية ٣/٤، تبصرة الحكام ١٠٤/١ طبع ١٣٠١ هـ. الخرشي، وحاشية العدوي ٧/ ١٥٤، تهذيب الفروق ١١٥/٤ (٢) جامع الفصولین ٧٣/١ الأسباب لا يصح الاعتماد عليها في دعوى الدین، كما لوادعى دينا على شخص وقال: إنه نتيجة لحساب بينهما، أو أنه أقر له به، فيدعي علیه بسبب هذا الإِقرار. (١) ب - وذهب بعض علماء الحنفية إلى أنه لا يجب ذكر سبب الاستحقاق في دعوی الدین إلا فيما إذا كان المدعى به من النقود التي انقطع التعامل بها وفي المثليات. (٢) وفي حالة دعوى المرأة الدين في ترکة زوجها، لأنها قد تظن أن النفقة تصلح سببا لإيجاد الدين في جميع الحالات مع أنها لا تصلح لذلك بعد وفاة الزوج. (٣) وعللوا عدم اشتراط ذكر السبب في غير هذه الحالات بأن المدعى قد يستحيي من ذكر السبب، فلا يجوز أن يدخل في الحرج، وبأن هناك بعض الأسباب لا يمكن بيانها، وذلك كما إذا انتقل إلى المدعي سند دين من مورثه، وكان سبب الدین غيرمذکور في السند، والمدعي لا يعرفه. ج - وذهب الشافعية والحنابلة إلى أن دعوى الدین تکون صحیحة ولو لم یذکر فیها سبب استحقاق الدين المدعى . (٤) واستدلوا بأن (١) الفتاوى الهندية ٣/٤، جامع الفصولين ٨٤/١ (٢) جامع الفصولين ٧٦/١ (٣) قرة عيون الأخيار ١/ ٣٩٩ (٤) المهذب ٢/ ٣١١، إعانة الطالبين ٢٤٣/٤، منتهى الإِرادات - القسم الثاني ص٥٩٢ - ٣٠٤ - دعوى ٥٣ - ٥٤ أسباب الملك تكون من جهات شتی یکثر عددها، كالإِرث والابتياع والهبة والوصية وغير ذلك، فسقط وجوب الكشف عن سببها لكثرتها واختلافها . (١) كيفية العلم بالمدعى به في دعوى العقد: ٥٣ - اختلف الفقهاء في وجوب ذكر شروط العقد لصحة دعواه على أقوال: أ - فذهب الحنفية إلى أنه يشترط في الدعوى بیان شروط كل سبب له شروط كثيرة ومعقدة، فلا تصح دعوى النكاح والسلم إلا بذكر شروطهما مفصّلة. (٢) واشترط بعضهم ذكر الطوع والرغبة في دعوى العقد، وخالف آخرون، لأن الظاهر بين الناس هو الطوع، والإِکراه نادر لا حكم له. (٣) ب - وذهب المالكية إلى أنه لا يجب ذكر شروط العقد في دعواه، لأن ظاهر عقود المسلمين الصحة، فتحمل الدعوى على الصحيح . (٤) جـ ـ وذهب الشافعية إلى أنه لا يجب ذكر شروط العقد في دعواه إلا إذا كان العقد عقد نكاح، (١) المهذب ٢/ ٣١١، الحاوي الكبير جـ١٣ ق٧٤٩ (٢) البحر الرائق ٧/ ١٩٥، معین الحكام ص٥٥ - ٥٦ (٣) البحر الرائق ٧/ ٢٠٢، قرة عيون الأخيار ٣٩٩/١ (٤) الفروق ٤/ ٧٣ حيث اشترطوا ذكر أنه تزوج المرأة بشاهدين ووليّ ورضاها. وهذا منقول عن الشافعي، واستدلوا بأن الفائت في الزواج بالحكم الخاطىء لا يعوّض، خلافا للعقود الأخرى، فإنها أقل خطرا، فأشبهت دعواه دعوى القتل، حيث اتفق علی وجوب ذکر شروطه.(١) واستدلوا أيضا بأن الاختلاف في عقد النكاح أكثر منه في أي عقد آخر، وبأن رسول الله ( # خصّه من بين سائر العقود فقال: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)). (٢) ولولا هذا التخصيص لکان کغيره، ولكن بعض علماء الشافعية حملوه على الاستحباب . (٣) د - وذهب الحنابلة إلى وجوب ذكر شروط العقد في دعواه مهما كان، ولم يفرقوا بين عقد النكاح وغيره، ولا بين ما هو كثير الشروط وقليلها. (٤) ذكر السبب في الدعاوي الجنائية : ٥٤ - لم يختلف الفقهاء في وجوب ذكر السبب في (١) تحفة المحتاج وحاشية الشرواني ٢٩٩/١٠، فتح المعين وإعانة الطالبين ٢٤٣/٤، المهذب ٣١١/٢، المنهاج وشرحه للمحلي وحاشية عميرة ٣٣٦/٤، ٣٣٧ (٢) حديث: ((لا نكاح إلا بولي وشاهدي عدل)). أخرجه البيهقي (١٢٥/٧ - ط دائرة المعارف العثمانية) من حديث عائشة وإسناده صحيح . (٣) الحاوي الكبير جـ١٣ ق٤٩ ب، نهاية المحتاج ١٦٣/٨ (٤) منتهى الإرادات - القسم الثاني ص٥٨٣، غاية المنتهى ٤٤٩/٣ - ٣٠٥ - دعوى ٥٥ الدعوى الجنائية، ففي دعوى القتل مثلا يشترط ذكر القتل وهل هو عن عمد أوعن خطأ، وإلا فإن الدعوى لا تكون صحيحة حتی یصححها صاحبها، وسبب ذلك أن الفائت بالقتل ونحوه من اجنایات لا یعوض، وقد یحکم بشيء لا يمكن ردّه بعد الحكم، ولأن الأحكام الصادرة في هذه الدعاوي تتعلق بالأصول التي جاء الإِسلام لحفظها، وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فلا يجوز التهاون في أمرها، ولأن الحدود والقصاص تدفع بالشبهات، وعدم التفصیل في دعواها یورث شبهة، فلا تقبل. (١) ولا بد في دعوى الإِرث من ذکر سببه، فیذکر من أية جهة استحق الإِرث من الميت. (٢) الاستثناءات الواردة على شرط المعلومية : ٥٥ - لما كان اشتراط العلم بالمدعى به في الدعوى هو تحقيق مقصود مشروعیة الدعوى من فصل المنازعة، والإِلزام بالحق، فإن الفقهاء يرون عدم اشتراط هذا الشرط في كل مرة يتحقق ذلك المقصود بدونه، وذلك في کثیرمن الاستثناءات. وقد حاول كثير منهم وضع (١) الفروق ٤/ ٧٢، منتهى الإرادات - القسم الثاني ض٥٩٤، جواهر العقود ٤٩٩/٢ (٢) منتهى الإِرادات - القسم الثاني ص٥٩٤، كشف المخدرات ص٥١٠ ضوابط لهذه الاستثناءات. إلا أنهم اختلفوا في معظمها، وفيما يأتي بعض الضوابط وبعض المسائل التي تجوز فيها الدعوى بالمجهول :- ١ - ذكر ابن رجب الحنبلي ضابطالماتصح الدعوى به مجهولا ، وهو أن الدعوى بالمجهول تقبل إذا كان المدعى به فيها مما يصح وقوع العقد عليه بينهما، كالوصية، فإنه لما جاز أن یکون الموصى به فیھا مجهولا ، کذلك تصح الدعوى بالوصية المجهولة . (١) ٢ - وقال بعض الشافعية: تجوز الدعوى بالمجهول إذا كان المطلوب فيها موقوفا على تقدير القاضي كالنفقة وأجرة الحضانة وأجر المثل ونحوها . (٢) ٣ - وقال المالكية: إذا كان هنالك عذر للمدعي في جهله بما يدعيه قبلت دعواه، وذلك کدعوى شخص نصيبا من وقف كثر مستحقوه، فانه يعذر لغلبة الجهل بكيفية قسمة الأوقاف. (٣) ٤ - ويرى الحنفية والمالكية وبعض الشافعية ومعظم الحنابلة جواز دعوى الإِقرار بالمجهول، لأن الإِقرار إخبار عن الوجوب في الذمة، فتجوز (١) القواعد ص٣٣٢ - ٣٣٣، وقريب من هذا موجود في المغني ٨٤/٩ - ٨٥ (٢) مغني المحتاج ٢٢٩/٣ طبع الحلبي ١٣٧٧ هـ، تحفة المحتاج ٢٩٥/١٠ (٣) الفروق ٧٣/٤ - ٣٠٦ - دعوى ٥٦ الدعوی به مجهولا ، وعلى المدعی علیه بیان ما أخبر عن وجوبه . وقد قاسه بعض الشافعية على دعوى الوصية بالمجهول. (١) ٥ - وذهب الحنفية أيضا وبعض علماء الشافعية إلى جواز الدعوى بالمجهول في حالة الغصب، وذلك لأن الإِنسان قد لا يعرف قيمة ماله المغصوب، فإن الغصب كثيرا ما يحدث ولا يتمكن الشهود من معاينة المغصوب، وقد يقولون : رأينا فلانا یغصب مال فلان ولا ندري قيمة ما غصب، فيقبل ذلك. (٢) الشرط الثاني : ٥٦ - أن يكون المدعى به محتمل الثبوت : ذهب الفقهاء إلى أنه لا تصح الدعوى بما يستحيل ثبوته في العرف والعادة كمن يدعي بنوة من هو أكبر سنا أو من هومساویه، وکمن يدعي على شخص معروف بالصلاح والتقوى أنه غصب ماله، وكادعاء رجل من السوقة على الخليفة أو على عظيم من الملوك أنه استأجره لكنس داره وسياسة دوابه، ونقل العزبن (١) حاشية ابن عابدين ٥٤٥/٥، تهذيب الفروق ١١٦/٤، تحفة المحتاج ٢٩٥/١٠، المغني ٨٤/٩، ٨٥، منتهى الإِرادات - القسم الثاني ص٥٩٢ (٢) الدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥٤٤/٥ - ٥٤٥، أدب القضاء للغزي ق٢ب، ٣ .أ عبدالسلام عن الشافعي القول بقبول الدعوى في المثال الأخير، مع مخالفة بعض أصحابه له في هذا القول. واستدل الفقهاء على وجوب كون المدعى به محتملا في العرف والعادة بأن الله تعالى أمر باعتبار العرف في قوله تعالى: ﴿خذ العفو وأمر بالعرف وأعرض عن الجاهلين﴾ . ومما ورد عن عبدالله بن مسعود موقوفا علیه أنه قال: «ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، وما رأوا سيئا فهو عند الله سَبٌِّء))(١) ففي هذا دعوة إلى وجوب اعتبار العرف السائد بين المسلمين لأنهم لا يتفقون إلا على ما يرضاه الله تعالى . ویری المالکیة سماع الدعوى إذا کانت بین طرفين لم يجر بينهما تعامل ولا خلطة، فإن أقام المدعي البینة حکم له بما ادعى، وإن لم يقدر على البينة لم يكن له تحليف خصمه، فالتعامل والخلطة شرط عندهم في توجيه اليمين على الخصم عند عدم البينة، وذلك على قول مالك وعامة أصحابه وهو المشهور من المذهب، وهو قول ابن القيم من الحنابلة . لكن المعتمد في مذهب المالكية أنه لا يشترط (١) حديث: ((ما رأى المسلمون حسنا فهو عند الله حسن، ومارأوا سيئا فهو عند الله سيء ... )). أخرجه أحمد في المسند (٣٧٩/١ - ط الميمنية) وحسنه السخاوي في المقاصد الحسنة (ص٣٦٧ - ط الخانجي). - ٣٠٧ - دعوى ٥٧ في توجه اليمين ثبوت خلطة وهو قول ابن نافع، لجریان العمل به، ومعلوم أن ما جرى به العمل مقدم على المشهور في المذهب إن خالفه.(١) الشرط الثالث : ٥٧ - أن يكون المدعى به حقًّا أوما ينفع في الحق، وأن يكون هذا الحق قد تعرض لإِضرار الخصم: (٢) فقد صرح الحنفية بأنه يشترط في الدعوى أن لا تكون عبثا، (٣) والمالكية ذكروا صيغة لهذا الشرط قريبة مما سبق ، فاشترطوا في الدعوى أن تكون ذات غرض صحيح بأن يترتب عليها نفع معتبر شرعا. (٤) وفروع الشافعية والحنابلة تدل على ذلك أيضا. وقد وضع علماء المالكية قاعدة عامة لتحقق هذا الشرط في الدعوى فقالوا: بأنه لا يتحقق إلا إذا كان المدعى به مما ينتفع به المدعي لو أقر به خصمه . (٥) (١) ابن عابدين ٥/ ٥٤٤ - ٥٤٥، وأدب القضاء للغزي ق٢ ب، ٣أ، وبدائع الصنائع ٦/ ٢٢٤، والبحر الرائق ١٩٢/٧، وتبصرة الحكام ١٢٩/١، ١٥٣/٢، وتهذيب الفروق ١١٧/٤ - ١١٨، وحاشية الدسوقي ٤/ ١٤٥ - ١٤٦، والفروق ٨١/٤، والحاوي الكبير ١٣ ق ٤٦ أ، والطرق الحكمية ص٩٧ - ٩٨ (٢) الأشباه والنظائر - السيوطي ص٥٠٧ - ٥٠٨ (٣) المجاني الزهرية على الفواكه البدرية ص١٠٧، قرة عيون الأخيار ٣٨١/١ (٤) الفروق ٤/ ٧٢، ١١٧ (٥) الفروق ٤/ ٧٢، تبصرة الحكام ١٢٦/١ - ١٢٧ وبناء على هذا الشرط تردّ الدعوى في الحالات الآتية : ١ - إذا لم يكن المدعى حقا، أو كان كذلك ولكنه حقير لا يستحق شغل القضاء به، ومثال الأول أن تدعي امرأة زوجية شخص مات، ولم تطلب في دعواها حقا آخر من إرث أو صداق مؤخر، أو كمن يطلب إلحاقه بنسب شخص مات، ولا یطلب حقا آخر من إرث ونحوه. ومثال الثاني أن يطلب المدعي في دعواه حبة قمح أو شعير أو نحو ذلك من الأشياء التافهة . ٢ - أن لا يكون الحق المدّعى مختصا بالمدعي، وإنما يعود إلى غيره، وليس المدعي نائبا عن صاحب الحق . ٣ - أن لا يكون هناك منازع للمدعي في الحق الذي يطلبه في دعواه، کمن یرفع دعوى أمام القضاء ويطلب فيها الحكم له بالدار التي یسکنها من غیر أن ينازعه أحد فيها. وبناء على هذا الشرط اتفق الفقهاء على أنه يشترط لصحة الدعوى أن تكون فيما يلزم شيئا على المدعى عليه على فرض ثبوت الدعوى. (١) ولذلك لا تصح الدعوى بما يكون (١) تنوير الأبصار مع قرة عيون الأخيار ٣٨١/١، الهداية وتكملة فتح القدير ٦/ ١٣٧، الفتاوى الهندية ٢/٤، مواهب الجليل ٦/ ١٢٥، تبصرة الحكام ١٢٦/١، الوجيز للغزالي ٢/ ٢٦١، تحفة المحتاج ٢٩٦/١٠، الفروع ٨١٠/٣ - ٣٠٨ - دعوى ٥٧ المدعى عليه مخيّرًا فيه، فلا تصح دعوى الهبة غير المقبوضة عند من يقول بعدم لزومها قبل القبض، وكذلك الوكالة التي لا يأخذ الوكيل عليها أجرا، وكذلك دعوى الوعد ودعوى الوصية على الموصي في الحالات التي يجوز له الرجوع عن وصيته . وقد اختلف الفقهاء في دعوى الدين المؤجل : فذهب المالكية والشافعية في الراجح والحنابلة في أحد قولين إلى عدم صحة هذه الدعوى. (١) وذلك لأن الدين المؤجل غير لازم في الحال، فدعواه طلب لما ليس بلازم وقت البينة، فلا تكون مفيدة قبل حلول الأجل. (٢) واستثنى الشافعیة من ذلك بعض الحالات فقبلوا فيها دعوى الدين المؤجل، ومن هذه الحالات ما لو کان الدین المطلوب بالدعوى قد حلّ بعضه، فتصح الدعوى به جميعا، على أن يراعى الأجل بالنسبة للجزء الذي لم يحل بعد. (٣) ومنها ما لوادعى الدائن على مدينه (١) تبصرة الحكام ١٣٧/١ - ١٣٨، شرح المحلي على المنهاج. ٤/ ٣٣٧، تحفة المحتاج ٣٠٢/١٠، غاية المنتهى ٤٤٨/٣، الروض الندي شرح كافي المبتدي ص٥١٢، كشاف القناع ٤/ ٢٠٣ (٢) ترشيح المستفيدين ص٤٠٨، كشاف القناع ٦/ ٢٧٧ (مطبعة أنصار السنة المحمدية ١٩٤٨). (٣) الحاوي الكبير جـ١٣ ق ٤٤ أ،، أدب القضاء لابن أبي الدم ق ٢٦ أ، حاشية عميرة ٣٣٧/٤ المعسر، وقصد بدعواه إثبات دينه، ليطالب به إذا أيسر الغريم. (١) وذهب الحنفية والشافعية في قول، والحنابلة في قول إلى جواز الدعوى بالدين المؤجل إذا قصد بها حفظ البينات من الضياع، وذلك استحسانا لأن القياس عدم صحة الدعوى بحق غير لازم في الحال. ووجه الاستحسان حاجة الناس إلى حفظ حقوقهم المؤجلة احتياطا لما قد تؤول إليه البينات من الفقدان . (٢) وبناء على الشرط السابق ذهب جمهور الفقهاء إلى عدم صحة ما يسمى بدعوى قطع النزاع، وصورتها أن يدعي شخص أن آخر يزعم أن له قبله حقا، ويهدِّد من حين لآخر باستعمال هذا الحق فيلجأ إلى القضاء طالبا منه إحضار صاحب الزعم وتكليفه بعرض دعواه وأسانيدها ليبرهن هو على كذبها ويطلب الحكم بوضع حد لهذه المزاعم. (٣) الآثار المترتبة على الدعوى : إذا رفعت الدعوى مستوفية الشروط، ترتب (١) تحفة المحتاج ٣٠٢/١٠ -٣٠٣ (٢) الفتاوى الهندية ٩٩/٤، الوجيز في فقه مذهب الإمام الشافعي ٢٦٢/٢، غاية المنتهى ٤٤٨/٣، نيل المآرب ١٤٣/٢ (٣) البحر الرائق ٧/ ١٩٤، الأشباه والنظائر للسيوطي ٥٠٧، كشاف القناع ١٩٥/٤ - ٣٠٩ - دعوی ٥٨ - ٦٠ عليها ثلاثة آثارهي: نظر القاضي فيها، وحضور الخصم، والجواب عنها، وتفصيل هذا فيما يأتي : أولا - نظر الدعوى : ٥٨ - إذا رفعت الدعوى إلى القاضي كان مكلفا بالنظر فيها والفصل بين المتنازعين، وليس له الامتناع عن ذلك، إذ الفصل في خصومات الناس فرض عليه، لأنه إحقاق للحق ورفع للظلم، ورفع الظلم واجب على القاضي على الفور. (١) وفي خلال نظر القاضي في الدعوى المرفوعة إليه ينبغي عليه مراعاة مبادىء وأصول أشار إليها الفقهاء، بعضها واجب عليه، وبعضها مستحب، وتفصيل ذلك ينظر في مصطلح : (قضاء). ثانيا - حضور الخصم : ٥٩ - إذا أراد المدعي المطالبة بحقه عن طريق القضاء سلك أحد سبيلين: الأول۔ أن یتوجه أولا إلی خصمه يطلب منه الحضور معه إلى مجلس التقاضي . الثاني: أن يتوجه إلى القاضي في مجلسه مباشرة، فیرفع الدعوى ويطلب منه إحضار خصمه من أجل مقاضاته والنظر في الخصومة . (١) المبسوط ١٦/ ١١٠، قواعد الأحكام ٢/ ٣٠، نهاية المحتاج ٨٠/٨ فإذا سلك المدعي السبيل الأول فإنه ينبغي عليه أن يدعو خصمه إلى مجلس القضاء بأرفق الوجوه وأجمل الأقوال، والأصل أنه يجب على المدعى عليه الإِجابة إلى ذلك وعدم التأخر. (١) لقوله تعالى: ﴿وإذا دُعوا إلى الله ورسوله ليحكم بينهم إذا فريق منهم معرضون، وإن يكن لهم الحق يأتوا إليه مذعنين، أفي قلوبهم مرض أم ارتابوا أم يخافون أن يحيف الله عليهم ورسوله، بل أولئك هم الظالمون. إنما كان قولَ المؤمنین إذا دُعوا إلی الله ورسوله لیحکم بینهم أن يقولوا سمعنا وأطعنا، وأولئك هم المفلحون). (٢) فقد دلت هذه الآيات الكريمة على أنه يجب على كل مؤمن أن يستجيب لمن يدعوه إلى التحاکم إلی شرع الله تعالى، وأن من أعرض عن ذلك كان ظالما فاجرا. (٣) ٦٠ - وأما إذا سلك المدعي الطريق الآخر، أو رفض خصمه الحضور معه إلى مجلس القضاء، فالأصل أنه يجب على القاضي إحضاره، ولكن للفقهاء تفصيلا وخلافا في وجوب إحضار المدعى عليه بمجرد الدعوى. (١) روضة القضاة للسمناني ق٣٢ ب، تبصرة الحكام ٣٠٢/١، أدب القضاء لابن أبي الدم ق١٤ ب، كشاف القناع ٤ / ١٩٢ (٢) سورة النور الآيات ٤٨ - ٥١ (٣) تفسیر ابن کثیر ٢٩٨/٣ - ٣١٠ - دعوى ٦٠ فعند الحنفية يفرق بين حالتين: (الأولى): أن يكون المدعى عليه قريبا من مجلس القضاء بحيث إذا أحضره القاضي أمكنه أن يرجع إلى منزله فيبيت فيه . (والثانية): أن يكون بعيدا عن مجلس القضاء بحيث إذا أحضر إليه لم يتمكن من المبيت في منزله. ففي الحالة الأولى يجب على القاضي إحضاره بمجرد الدعوى، إذ لا يتم إنصاف المظلومين من الظالمين إلا بذلك. وفي الحالة الثانية لا يجب على القاضي إحضاره بمجرد الدعوى، وإنما يجوز له ذلك، لأن حضور مجلس القضاء يزري ببعض الناس، وقد لا يكون للمدعي غرض من دعواه إلا أذية خصمه. ولكن يجب على القاضي إحضار الخصم إذا استطاع المدعي أن يعضد دعواه ببينة يقيمها، فإن فعل أمر القاضي بإحضاره. ثم إذا حضر أعيدت البينة من أجل القضاء بها. وذهب بعض الحنفية إلى أنه لا يطلب من المدعي بينة من أجل إحضار خصمه، وإنما یکتفي منه بالیمین علی صدق دعواه، فإن حلف أمر القاضي بإحضار خصمه، وإلا فلا .(١) وعند المالكية يفرق بين البعيد والقريب، وحد البعد عندهم مسيرة ثلاثة أيام، فأمّا (١) حاشية ابن عابدين ٤/ ٤٢٠ ط بولاق ١٢٧٢هـ. القريب فينبغي على القاضي أن يأمر بإحضاره بمجرد الدعوى، فإن أبى لغير عذر أحضره قهرا. على أنه لا يأمر بإحضاره إلا إذا قدّم المدعى وجها يستوجب إحضاره، فإن أظهر حجة أو قولا یوجب ذلك أجابه ،وإن لم يظهر شيئا لم يأمر بإحضار المدعى عليه. وأما إذا كان المطلوب بعيدا عن مجلس القضاء أكثر من مسافة القصر، فإنه لا يجب إحضاره، وقد أجاز المالكية القضاء على الغائب البعيد إذا كان مع المدعي بينة، فإن لم يكن معه بينة فقد جعلوا للقاضي الذي رفعت إليه الدعوى أن يكتب إلى قاضي المدعى عليه، ويطلب منه استجوابه، ویسجل ما يبديه من حجج ثم يرسلها إليه، ثم ينظر في الدعوى على ضوء ما يصله من قاضي المدعى عليه، وذهب بعضهم إلى أنه إذا كان مع المدعي شاهد بدعواه كتب القاضي إلى المدعى عليه: إما أن تحضر أو ترضي خصمك.(١). وعند الشافعية يجب إحضار الخصم الحاضر في البلد، أو من کان قریبا من مجلس الحكم، بحیث یستطیع الحضور إلیه والرجوع إلى بلده في اليوم نفسه. ولكنهم اشترطوا من أجل وجوب إحضار الخصم أن لا يعلم كذب (١) العقد المنظم للحكام ١٩٩/٢، القوانين الفقهية ص٢٨٧، القول المرتضى ق٣ب - ٣١١ - دعوى ٦٠ - ٦١ المدعي، وأن لا يكون المدعى به مستحيلا عقلا أو عادة، وأن لا يكون المدعى عليه مستأجرا لعين يعطل حضوره استيفاء منفعتها، وإنما يحضره إذا انقضت مدة الإِجارة، وقد ضبطوا التعطيل المضربأن يمضي زمن يقابل بأجرة وإن قلت.(١) والشافعية كالمالكية والحنابلة يجيزون القضاء على الغائب إذا كان مع المدعي بينة مقبولة، وبهذا يستطيع المدعي على الغائب البعيد أن يسلك هذا الطريق من غير أن يطلب إحضار خصمه. (٢) وعند الحنابلة مسلك قریب مما ذهب إليه الشافعية: فقد فصّلوا بین القريب من مجلس الحكم والبعيد عنه، فالقريب يحضر بمجرد الدعوى، ولا يطلب من المدعي تفصيل مطالبه، ولا ذكر الشروط المصححة للدعوى، والبعيد لا يحضر إلا إذا فصّل المدعي دعواه وذكر جمیع شروطها، ولكن مقتضی کلامهم أنه يجب على القاضي في القريب أن يستفسر عن بعض · شروط الدعوى، فيسأل مثلا عن المدعى به ليعلم إن كان تافها لا تتبعه الهمّة أو غیر تافه. ويجدر بالذكر أن الحنابلة هم ممن أجاز القضاء (١) تحفة المحتاج ١٨٦/١٠، ١٨٩ (٢) المهذب ٢/ ٣٠٥، شرح المحلي ، حاشية قليوبي وعميرة ٣٠٨/٤ على الغائب البعيد، ولذلك فإن المدعي على الغائب البعيد يستطيع أن يطلب الحكم على خصمه مع غيابه، ولا يطلب إحضاره، إلا أنه يشترط في هذه الحالة أن یکون معه بينة بما يدعيه، فإن لم يكن معه بينة لم ينظر في دعواه. (١) كيفية إحضار المدعى عليه : ٦١ - إذا استجاب المدعى عليه لدعوة خصمه، وحضر معه إلى مجلس القضاء، فلا حاجة عندئذ لأي اجراء يتخذ من أجل إحضاره . وأما إذا جاء المدعي إلى القاضي وقال له : إن لي علی فلان حقا، وهو في منزله تواری عني وليس يحضر معي، فإن القاضي ينظر في الدعوى، ويسأل عن مكان المدعى عليه، فإن كان الحال بحيث ينبغي إحضار المطلوب أمر القاضي بإحضاره بكتاب أو رسول. (٢) ثم إذا أطلع الخصم على طلب الحضور وجب عليه الحضور دیانة وقضاء، إلا إذا وكل عن نفسه من یرضاه لینوب عنه في المخاصمة، وإلا فإن أثبت المدعي أنه تعنت ورفض المجيء بعد أن أطلعه (١) كشاف القناع ١٩٢/٤ - ١٩٣، ٢٠٨، المغني ٩/ ٦١ - ٦٣، غاية المنتهى ٤٤٥/٣ (٢) أدب القاضي للناصحي ق٤ أ، العقد المنظم للحكام ١٩٩/٢، المنهاج وشرح المحلى وحاشية قليوبي وعميرة ٣١٣/٤، وتحفة المحتاج ١٨٩/١٠، المغني ٩/ ٦١، ٦٢، كشاف القناع ٤/ ١٩٢ - ٣١٢ - دعوى ٦٢ علی طلب القاضي، فإن هذا يرسل إليه بعض أعوانه، فيحضرونه قهرا إذا وجدوه وامتنع عن الحضور. (١) ثم إذا حضر إلى مجلس القاضي وقام الدلیل علی تعنته وامتناعه من غير عذر أَدّب بما يراه القاضي مناسبا لمثله. (٢) وذلك لأنه امتنع عن القيام بواجبين هما: التحاكم إلى شرع الله بعد أن دعي إليه، وطاعة ولي الأمر. ثم إذا عجز الأعوان عن إحضاره بعث القاضي إلى صاحب الشرطة أو الوالي، فيعرفه بالأمر، فیحضره إلیه . ثالثا - الجواب على الدعوى: ٦٢ - إذا استوفى المدعي في دعواه جميع الشروط المطلوبة لصحتها ترتب على المدعى عليه الإِجابة عنها . والجواب عن الدعوى باعتباره تصرفا شرعيا، لا يصح إلا بشروط، وهي : أ - أن يكون صريحا بصيغة جازمة، فلا يقبل من المدعى عليه أن يقول في الجواب علی دعوى المدعي: (ما أظن له عندي شيئا). (٣) (١) القوانين الفقهية ص٢٨٧ (٢) أدب القاضي للناصحي ق ٤ أ، أدب القضاء لابن أبي الدم ق١٤ب، المغني ٦١/٩ - ٦٢، كشاف القناع ١٩٢/٤ (٣) معين الحكام ص٦٤، أدب القضاء لابن أبي الدم ق ٣٠ ب، لب اللباب ص٢٥٦ ب - أن يكون مطابقا للدعوى، وذلك بأن يجيب المدعى عليه عن جميع طلبات المدعي، ولا يتوقف عن الإِجابة عن جزء منها. بل ذهب بعض الفقهاء إلى أن الجواب لا ينبغي أن یکون أکثر عمومیة من الدعوى، بأن يعمها ويعم غيرها، كما لو أجاب بقوله: (لا حق لك (قبلي) وذهب آخرون إلى أن مثل هذا الجواب مقبول، لأن قوله: (لا حق لك) نكرة في سياق النفي فتفيد العموم. (١) وكذلك قالوا: لا يكفي في الجواب على الدعوى بمائة دينار مثلا أن يقول: (ليس لك علي مائة) حتى يقول: (ولا شيء منها)، لأنه بدون ذلك ینکر استحقاق مائة علیه، ولا ینکر استحقاق الأقل، والمدعي يدعي عليه كل جزء من أجزاء المائة، فلا يكون في جوابه مستغرقا لجميع طلبات المدعي، وإنما لجزء منها، ويظل متوقفا عن الجواب في حق باقي الأجزاء. (٢) بل ذهب بعض فقهاء الحنابلة إلى أنه لابد من أن يكون الجواب نصا، فلوادعى شخص على آخر دينارا، فأجاب المدعى عليه: لا يستحق علي فلسا، لا يقبل الجواب حتى (١) المهذب ٢/ ٣١١، المنهاج وحاشية قليوبي ٣٣٨/٤، لب . اللباب ص٢٥٦، كشاف القناع ١٩٦/٤ (٢) غاية المنتهى ٣/ ٤٥١، كشاف القناع ١٩٦/٤، الفروع ٨٠٣/٣، المنهاج وحاشية قليوبي ٣٨٨/٤ - ٣١٣ - دعوى ٦٣ - ٦٤ يصرح بنفي جميع أجزاء الدينار.(١) والظاهر عند الحنابلة على خلاف هذا، لأن مثل هذا الجواب يتضمن نفي الجزء الأصغر نصا، ويتضمن نفي الباقي من طريق الفحوى أو الدلالة. أوجه الجواب : جواب الدعوى الذي يصدر عن المدعى عليه لا يخرج عن أحد الأوجه الآتية: ٦٣ - ١ - أن يكون إقرارا بالحق المدعى: ويقصد بالإِقرار إخبار الشخص بحق لآخر عليه . (٢) وقد يكون الإقرار تاما بأن يقر المدعى عليه بجمیع المدعی به، وقد یکون ناقصا بأن يقر ببعض المدعى به وينكر الباقي : فإذا أقر المدعى عليه بجميع المدعى به ألزمه القاضي به، وإن كان المدعى عليه كامل الأهلية مختارا، فيلزم المقر بمقتضى إقراره. والإِقرار بالمدعى قسمان: صريح وضمني. والأول واضح، والضمني یکون في بعض الأحوال التي يدفع فيها المدعی علیه دعوى (١) غاية المنتهى ٣/ ٤٥١، كشاف القناع ٣٣٣/٦، الفروع ٨١٣/٣ (٢) درر الحكام ٢/ ٣٥٧، تنوير الأبصار والدر المختار وحاشية ابن عابدين ٥٨٨/٥، وشرح حدود ابن عرفة ص٣٣٢، ومغني المحتاج ٢٣٨/٢، فيض الإِله المالك ١٠٢/٢ خصمه، فيفهم من هذا الدفع أنه مقربأصل الدعوى، وذلك كأن يدعي عليه مالا ، فيقول في الجواب: لقد أبرأني المدعي عن هذا المال، فيكون هذا الدفع متضمنا للإِقرار بالمدعى. (١) وللإقرار تفصيل ينظر في مصطلحه . ٦٤ - ٢ - أن يكون الجواب إنكارا للحق المدعی : والإِنکار قد یکون کلیا فیسری حكمه علی جمیع المدعی به، وقد یکون جزئيا، فيسري حكمه على الجزء المنكر. ويشترط في الإِنكار أن يكون صريحا وبصيغة الجزم، فلا يصح قول المدعى عليه: (ما أظن له عندي شيئا). (٢) ويستلزم هذا الشرط أنه يجب أن يتناول الإنكار الحق الذي تقتضيه الدعوى، فلا يصح إذا كان يتناول حقا آخر لم تقتضه الدعوى، ففي جواب دعوى الوديعة مثلا يقبل من المدعى عليه أن يقول: (لم تودعني، أولا تستحق علي شیئا)، فلوقال: (لا يلزمني دفع شيء أو تسليم شيء إليك)، لم يكن هذا إنكارا للدعوى، لأنه لا يلزمه ذلك، وإنما يلزمه التخلية بين المودع والوديعة، فهو قد نفى حقا لم يدّعه عليه المدعي، فلا يعتبر إنكارا لدعوى الوديعة . (٣) (١) أدب القضاء لابن أبي الدم ق٢٨ب. (٢) لب اللباب ص٢٥٦، معين الحكام ص٦٤ (٣) تحفة المحتاج ٣٠٥/١٠ - ٣١٤ - دعوى ٦٥ - ٦٧ وفي دعوى الطلاق لا يشترط أن يقول في إنكارها: (لم أطلق)، وإنما يكفي أن يقول: (أنت زوجتي)، وفي دعوى النكاح يكفي في إنكارها أن يقول: (ليست زوجتي). (١) ويترتب على الإِنكار أنه يخير المدعي بين تحليف المدعى عليه وبين إقامة البينة على صحة دعواه إذا كان قادرا على ذلك، فإن لم يستطع فليس له غير تحليفه. (٢) ٦٥ -٣ - وقد لا يكون الجواب إقرارا ولا إنكارا، بأن یسکت المدعی علیه، فلا يتكلم بإقرارولا إنكار، أو يقول: (لا أقرولا أنكر). وحكم ذلك عند جمهور الفقهاء أن ينظروا إلى حال المدعی علیه لیعرف إن کان سكوته متعمدا أو ناتجا عن عاهة أو دهشة أو غباوة، فإذا علم أنه لا عاهة به وأصر على الامتناع ينزل منزلة المنكر ويأخذ حكمه. وذهب أبو يوسف من الحنفية إلى أن الساكت لا ينزل منزلة المنكر بحال من الأحوال، وإنما يجبر على الجواب، بالأدب المناسب. (٣) ٦٦ - ٤ - وقد يجيب المدعى عليه بجواب غير صحیح، فینبه إلیه، فلا یصححه، كأن يقول (١) المرجع نفسه. (٢) أدب القضاء لابن أبي الدم ق٣٠ ب. (٣) الفواكه البدرية ص١١٧، البحر الرائق ٢٣/٧، أدب القضاء لابن أبي الدم ق٣١ب. بعدطلب الجواب منه: فليثبت المدعي دعواه، فلا يكون هذا جوابا صحيحا، فإن أصر عليه اعتبر في حكم الممتنع عن الجواب، لأن طلب الإِثبات لا يستلزم اعترافا ولا إنكارا. (١) ومن القواعد التي ذكرها بعض الفقهاء في هذا الصدد أن من اعترف بسبب شرعي يوجب علیه شيئا، فإنه لا يكفيه في نفي ما يوجبه ذلك السبب أن يجيب بما هو عام يشمل الحق وغيره، ولكن لابد من إثبات عدم ما أوجبه ذلك السبب بالطريق الشرعي، مثال ذلك: لوادعت امرأة على من يعترف بأنها زوجته المهر، فقال الزوج في الجواب عليها: (لا تستحق عليّ شيئا)، لم يصح هذا الجواب، واعتبر مقرا بالحق المدعى به، فيلزمه، لأنه أقر بسبب الاستحقاق إن لم يقم بينة بإسقاط المهر. (٢) ٦٧ -٥ - وقد يكون الجواب دفعا للدعوى: والدفع - كما يستخلص من كلام الفقهاء - دعوى من المدعى عليه يقصد بها دفع الخصومة عنه، أو إبطال دعوى المدعي، وعليه فإن الدفع عند الفقهاء نوعان : الأول: الدفع الذي يقصد به إبطال دعوى (١) تحفة المحتاج وحاشية العبادي ١٠/ ٣٠٤، لب اللباب لا بن راشد ص٢٥٦ (٢) حاشية الشرواني على تحفة المحتاج ٥٠٣/١٠، كشاف القناع ١٩٦/٤ - ٣١٥ - دعوى ٦٧ المدعي نفسها، ومثاله: أن يدعي المدعى عليه في دعوی العین أنه اشتراها منه وقبضها، أو أنه وهبها له وقبضها، أو أي سبب شرعي لانتقالها إلى يده.(١) الثاني: الدفع الذي يقصد به دفع الخصومة عن المدعى عليه بدون تعرض لصدق المدعي أو كذبه في دعواه، وهو ما يسميه الفقهاء بدفع الخصومة، ومثاله: أن يدفع المدعى عليه في دعوى العین بأن يده على الشيء لیست ید خصومة، وإنما يد حفظ، كأن يدعي بأنه مستعير لهذه العين أو مستأجر لها، أو أنها مودعة عنده أو مرهونة لديه، فإذا أقام بينة على دعواه، فإن الخصومة تندفع عنه. (٢) ومحل هذا الدفع أن يكون المدعي يدعي على خصمه ملكا مطلقا، فإن كان يدعي عليه فعلا، كغصب أوبيع أوسرقة ونحو ذلك لم يقبل من المدعى عليه دفع هذه الخصومة بمثل ما تقدم، لأن الخصم في دعوى الفعل هو الذي يدعی علیه أنه فعله، ولا ينظر إلى يده. (٣) ومن صور دفع الخصومة أن يدفع المدعى عليه بأن المدعي قد أبرأه من الدعوى أومن (١) المنهاج وشرح المحلي، حاشية قليوبي ٤/ ٣٣٧ (٢) البدائع ٦/ ٢٣١، تحفة المحتاج ٣٠٩/١٠، غاية المنتهى ٤٥٨/٣ (٣) البدائع ٦/ ٢٣١ الخصومة عند من يجيز هذا الإبراء، فإن ثبوت - ذلك يدفع الخصومة من غير أن يؤثر على الحق ذاته، ولذلك قال الفقهاء: إن الدفع بالإِبراء من الدعوى لا يتضمن إقرارا بالحق المدعى، حتی لو عجز الدافع عن إثبات دفعه جاز له دفع الدعوى بأي دفع آخر من إبراء من الحق أو قضاء أو حوالة ونحوه. وهذا الدفع أجازه جمهور الفقهاء ونص الشافعية على بطلانه . (١) ومن صوره أيضا دفع المدعى عليه بنقصان أهليته أو بنقصان أهلية خصمه المدعي، فلو رفعت الدعوى على ناقص الأهلية فقال: أنا صبي، وقفت الخصومة حتى يبلغ. (٢) والنوع الأول من الدفوع يصح إيراده في أية مرحلة تكون عليها الدعوى قبل إصدار الحكم بلا خلاف، فيصح قبل البينة، كما يصح بعدها. وأما بعد الحكم، فذهب الحنفية وبعض المالكية إلى صحته إذا تضمن إبطال الحكم، ولم يمكن التوفيق بينه وبين الدعوى الأصلية. (٣) وذهب بعض فقهاء المالكية إلى أنه (١) البحر الرائق ٢٠٣/٧، الوجيز للغزالي ٢/ ٢٦١، تحفة المحتاج ٣٠١/١٠، شرح المحلي ٣٤١/٤، كشاف القناع ٢٣٣/٤، الفروع ٨٢٨/٣ (٢) شرح المحلي على المنهاج ٣٤١/٤ (٣) قرة عيون الأخيار ٤٥٧/٢، ٢٦/٢ - ٢٧، البحر الرائق ٧/ ٢٣٠ - ٢٣١، الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٨٩، تبصرة الحكام ١/ ٨٠ - ٣١٦ - دعوى ٦٧ - ٦٨ لا يقبل من المحکوم علیه أي دفع بعد فصل الدعوى، ولکن له أن یطعن بأن بینه وبین القاضي عداوة، فإذا أثبت ذلك وجب فسخ الحكم، وإعادة المحاكمة. (١) وأما دفع الخصومة فيجوز إبداؤه عند الحنفية قبل الحكم ولا يصح بعده، لأن تأخر المدعى علیه في دفع الخصومة عن نفسه إلى ما بعد الحكم يجعل الدعوى صحيحة في جميع مراحلها، لأنها قامت على خصم حسب الظاهر، فیکون الحکم قد صدر صحيحا، فليس له بعد ذلك أن يدفع بأن يده مثلا کانت يد حفظ على العين التي حکم بها للمدعي ، إذ يغدو بمثابة أجنبي يريد إثبات الملك للغائب، فلم تتضمن دعواه إبطال القضاء السابق. (٢) والشافعية لا يرون صحة دفع الخصومة إلا قبل الشروع في إقامة البينة من المدعي، قال القفال: إذا أقام المدعي شاهدا على ملكيته للعین، ثم قبل إكمال الشهادة دفع المدعى عليه بأن العين ليست ملكه، وإنما هي لزوجته مثلا لم يقبل منه هذا الدفع، وطلب من المدعي إكمال الشهادة، حتى إذا أتمها بشروطها قضي له بالمدعى به، وللزوجة بعد ذلك أن ترفع دعوى (١) تبصرة الحكام ١/ ٨٠ - ٨١ (٢) حاشية منحة الخالق على البحر الرائق ٧/ ٢٣٠ عليه بالعين التي قضي له بها، فمنع من إبداء الدفع بعد الشروع في إقامة البينة، لأنه مقصر لسكوته إلى هذا الوقت. (١) والأصل في الدفع أن يكون من المدعى عليه، سواء أكان مدعى عليه في الدعوى الأصلية أم كان في دفعها، إذ من المقرر عند الفقهاء أن الدفع نفسه دعوى يصبح فيها المدعي مدعى عليه، والمدعى عليه في الدعوى الأصلية مدعيا في الدفع، فيكون للمدعي الذي انقلب مدعى عليه في الدفع أن يدفع الدفع الموجه إليه . (٢) ولکنه یسمع من غير المدعى عليه إذا تعدى إلیه الحكم على فرض صدوره، كما لوادعى رجل دينا على مورث وخاصم أحد الورثة، وأثبته بالبينة ، كان لغير المخاصم من الورثة دفع هذه الدعوى، لأن أحد الورثة ينتصب خصما عن الجميع بالنسبة للتركة، فالحكم يتعدى إلى غير الوارث المخاصم، فيكون له الحق في دفعه. (٣) ٦٨ - هذا، ويشترط في الدفع ما يشترط في الدعوى، لأنه نوع منها، فإن كان صحيحا (١) تحفة المحتاج ٣٠٨/١٠ - ٣٠٩ (٢) الأشباه والنظائر لابن نجيم ص٨٩ (٣) قرة عيون الأخيار ٢/ ٤٥٧، معين الحكام للطرابلسي ص١٢٩ - ٣١٧ - دعوى ٦٨ - ٦٩ ترتب عليه من الآثار ما يترتب على الدعوى الصحیحة، فإذا عجز الدافع عن إثبات دفعه بوسائل الإِثبات الشرعية، وطلب يمين المدعي حلف المدعي، فإن نكل هذا عن اليمين ثبت الدفع عند من يقول بالنكول، وأما عند الآخرین فیحلف الدافع یمین الرد، فإن فعل ثبت الدفع واندفعت الدعوى، وأما إذا حلف المدعي عادت دعواه الأصلية . (١) ثم ينظر بعد ذلك في طبيعة الدفع، فقد یکون متضمنا للإقرار بالمدعى به، كما لوادعى شخص على آخر بدین معین، فدفع المدعی علیه قائلا: إن المدعي كان أبرأني من المبلغ المذكور، وعجز عن إثبات الإِبراء، وحلف المدعي على عدمه، فإن المدعي یستحق ما ادعى به من غير أن يكلف ببينة أخرى، لأن المدعى عليه بدفعه قد أقر أنه كان مدينا بالمبلغ المدعى، والأصل بقاء اشتغال ذمته إلی أن یثبت العكس، وهذا لم يثبت، فیحکم للمدعي بالمبلغ الذي يطالب به. (٢) وقد لا يكون الدفع متضمنا إقرار الدافع بالحق المدعى، كما في صور دفع الخصومة التي تقدم بعضها . وتفصيله في: (إقرار، وإنكار، ونكول). (٣) (١) قرة عيون الأخيار ٢/ ٤٦٠، كشاف القناع ٢٠١/٤ (٢) كشاف القناع ٢٠١/٤، أدب القضاء لابن أبي الدم ق٢٩ أ. (٣) انظر شرح المجلة للأناسي مادة: ١٦٣١ (٦٤/٥) انتهاء الدعوى : ٦٩ - تنتهي الدعوى غالبا بصدور حكم في موضوعها يحسم النزاع، بحيث لا تقبل بعد ذلك إثارته، ولكنها قد تنتهي بعارض من العوارض يضع حدا للخصومة قبل وصولها إلى تلك النهاية . أما الحكم فقد عرفه بعض الفقهاء بأنه فصل الخصومة. (١) ويشترط لصحته: أن تتقدمه خصومة ودعوى صحيحة، وأن يكون بصيغة الإِلزام، وأن يكون واضحا بحيث يعين فيه ما يحكم به ومن يحكم له بصورة واضحة، وشروط أخرى مختلف فيها بين الفقهاء، وينظر تفصيلها وتفصيل أنواع الحكم وأثره في مصطلح : (قضاء). وأما العوارض التي تنتهي الدعوى قبل صدور حكم فيها، فإنه بالرغم من أن الفقهاء لم يعنوا بحصرها، إلا أنه يمكن استنتاجها من القواعد والأصول التي اعتمدوا عليها في التقاضي ونظر الدعاوي، ومن بعض الفروع الفقهية التي ذكروها : أ- بناء على تعريف المدعي بأنه من إذا ترك الخصومة لا يجبر عليها، فإن الدعوى تنتهي (١) كفاية الطالب الزباني ٢/ ٢٥٣، كشاف القناع ٢٦٦/٤ - ٣١٨ - دعوى ٦٩ بتنازل المدعي عنها بإرادته، قال الباجوري : (إن مشيئة المدعي لا تتقید بمجلس الحکم، فله إمهال المدعى عليه إلى الأبدبل له الانصراف وترك الخصومة بالكلية). (١) وكذلك تنتهي الدعوى إذا انتهى التنازع في الحق المطلوب قبل صدورحكم في موضوع الدعوى، كما لو تصالح الخصوم على الحق المدعى . ب - وبناء على ما تقدم من شروط الدعوى فإنها تنتهي إذا طرأ ما يجعل بعض تلك الشروط متخلفا، كما لو أضحى المدعي لا مصلحة له في متابعة السيرفي الدعوى والخصومة . وقد تقدم أن كون الدعوى مفيدة، شرط في صحتها، ویمکن حدوث ذلك في بعض الصور منها: أن يتوفى الصغير المتنازع على حضانته، فيصبح الاستمرار في الدعوی غیر مفيد للمدعي ، ومنها أن يتوفى الزوج الذي تطلب الزوجة الحكم بتطليقها منه، حيث تنتفي المصلحة في استمرار نظر الدعوى. غير أنه يجدر بالملاحظة في هذا المقام أن المدعي الأصلي في الدعوى قد يصبح في مركز المدعى عليه إذا تقدم المدعى عليه الأصلي بدفع صحيح للدعوى الأصلية، ولذلك فإن القاعدة السابقة تقتضي أن لا يسمح للمدعي الأصلي أن يترك دعواه إذا كان المدعى عليه قد أبدى دفعا لهذه الدعوى إلا إذا تراضيا على ذلك. (١) حاشية الباجوري ٢/ ٤٠١ - ٣١٩ - دعوة ١ دعوة التعريف : ١ - الدعوة مصدر (دعا) تقول: دعوت زيدا دعاء ودعوة، أي نادیته. وقد تكون للمرّة كقوله تعالى: ﴿ثم إذا دعاكم دعوة من الأرض إذا أنتم تخرجون﴾(١) أي دعاكم مرة واحدة. والدعوة تأتي في اللغة لمعان منها : أ - النداء، تقول دعوت فلانا أي ناديته، وهذا هو الأصل في معنى (دعا) مطلقا ولو من الأعلى للأدنى، ومنه قوله تعالى: ﴿يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده﴾(٢) ب - الطلب من الأدنى إلى الأعلى، ومنه قوله تعالى: ﴿أجيب دعوة الداع إذا دعان﴾(٣) واستعمال لفظ الدعاء في هذا أكثر من (الدّعوة). ومثله (الدعوى) كما في قوله تعالى : ﴿وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين﴾ (٤) (١) سورة الروم/ ٢٥ (٢) سورة الإِسراء/ ٥٢ (٣) سورة البقرة/ ١٨٦ (٤) سورة يونس / ١٠ أي آخر دعائهم، وقد يخصّ بطلب الحضور، تقول: (دعوت فلانا) أي قلت له تعال. ج - والدعوة الدين أو المذهب، حقا كان أم باطلا، سمي بذلك لأن صاحبه يدعو إليه، ومنه قوله تعالى: ﴿له دعوة الحق﴾.(١) د - والدعوة ما دعوت إليه من طعام أو شراب. وخصّها اللحياني بالدعوة إلى الوليمة، وهي طعام العرس. هـ - والدعوة الحلف، أي لأنه يدعى به للانتصار. و- والدعوة النسب، تقول: فلان يدعى لفلان، أي ينسب إليه، ومنه قوله تعالى : ﴿ادعوهم لآبائهم هو أقسط عند الله﴾ (٢) والمنسوب إلى غير أبيه يقال له: الدعيّ، وأكثر العرب يقولون في النسب (الدّعوة) وقال ابن شميل: الدِّعوة (بكسر الدال) في النسب، والدَّعوة في الطعام، وعدي بن الرباب على العکس یفتحون الدال في النسب ویکسرون في الطعام، ونقل ابن عابدين أن الدعوة في دار الحرب بالضم. (٣) ز- والدعوة الأذان أو الإقامة، وفي الحديث: ((الخلافة في قريش، والحكم في الأنصار، (١) سورة الرعد/ ١٤ (٢) سورة الأحزاب/ ٥ (٣) لسان العرب ومختار الصحاح، وابن عابدين ٢٢٣/٣ - ٣٢٠ -