Indexed OCR Text

Pages 121-140

خیار العيب ١٥ - ١٦
سلامته. هكذا الحكم عند الحنفية والشافعية
حيث صرح الكاساني بأن العيب الثابت عند
البائع محتمل الزوال قابل الارتفاع، فلا يثبت
حق الرد بالاحتمال، فلابد في صفة العيب من
ثبوتها عند المشتري ليعلم أنها قائمة. وذكر
الشرواني من الشافعية أن العيب المعتبرهو
ما قارن العقد، أو حدث قبل القبض، وقد بقي
إلى الفسخ . (١)
٥ - أن لا تمكن إزالة العيب بلا مشقة:
١٥ - أما لو أمكن ذلك فلا يقوم حق الخيار،
وذلك كما لو كان على القماش طابع المصنع
مثلا، وكان مما لا يضره الغسل، أويمكن جعله
من جهة البطانة، وكما لو كان بالثوب نجاسة وهو
مما لا يفسد بالغسل ولا ينتقص، للتمكن من
غسله . (٢)
وكثيرا ما يهون البائع من شأن العيب وأنه
سهل الإِزالة، أولا يكلف إلا قليلا لإصلاحه
ثم يظهر العكس فما مصير خيار العيب بعد
الرضا من المشتري؟ نص المالكية على ثبوت
خيار الرد للمشتري عندئذ مالم يحدث لديه
عيب فيتخير بين الرد والأرش، جاء في نوازل
(١) الشرواني على تحفة المحتاج لابن حجر ٤/ ١٤٠، الفتاوى
الهندية ٦٩/٣، البدائع ٢٧٦/٥، فتح القدير ١٥٣/٥ -
١٥٤
(٢) رد المحتار ٧٢/٤ وفتح القدير ٢/٦
الونشريسي أنه سئل عمن اشترى دابة وبها
جرح رمح، فرضي بعدما قال البائع له هو
جرح لا يضرها، جرح قد برىء، فتغيب هذا
المشتري نحوا من سنة ثم ظهر الجرح فادحا.
(فأجاب) إن لم يحدث بها عنده عیب مفسد فهو
غیر بین أن يردها أو يتماسك ولا شيء له من
قیمة العيب، فإن حدث عند المشتري عیب
بعد، فإن شاء ردها وقيمة العيب الحادث
عنده، وإن شاء أمسكها وأخذ قيمة العيب بین
الصحة والداء. (١)
طرق إثبات العيب: (٢)
١٦ - إثبات العیب یختلف باختلاف العيب من
حيث درجة الظهور. والعيب أربعة أنواع:
١ - عیب ظاهر مشاهد.
٢ - عيب باطن خفي، لا يعرفه إلا أهل الخبرة.
٣ - عيب لا يطلع عليه إلا النساء.
٤ - عيب لا يعرف بالمشاهدة المجردة بل يحتاج
إلى التجربة والامتحان عند الخصومة.
١ - العيب المشاهد : لا حاجة لتكليف
(١) المعيار للونشريسي (طبعة حجرية بالمغرب) ١٧٨/٥
(٢) رد المحتار ٩٢/٤ والبدائع ٢٧٩/٥، مع الإِحالة إلى
مواطن لهذا الموضوع، كالفتاوى الهندية ٨٦/٣ - ٩٤ جامع
الفصولين ٢/ ٢٥٠، فتح القدير ١٧٦/٥ تذكرة الفقهاء
٧/ ٥٢٤، كشاف القناع ١٧٣/٣، الشرح الكبير على
المقنع ١٠٠/٤، الخرشي ١٤٩/٥، مغني المحتاج ٢/ ٦١،
المبسوط ١١١/١٣
- ١٢١ -

خيار العيب ١٦
المشتري إقامة البينة على وجود العيب عنده،
لكونه ثابتا بالعیان والمشاهدة، وللمشتري حق
خصومة البائع بسبب هذا العيب ، وللقاضي
حينئذ النظر في الأمر.
فإن کان العیب لا يحدث مثله عادة في ید
المشتري، كالأصبع الزائدة ونحوها، فإنه يرد
على البائع، ولا يكلف المشتري بإقامة البينة
علی ثبوت العیب عند البائع لتیقن ثبوته عنده،
إلا أن يدعي البائع الرضا به والإِبراء عنه،
فتطلب البينة منه .
فإن أقام البينة علیه قضي بذلك، وإلا
استحلف المشتري على دعواه، فإن نكل
(أحجم عن اليمين) لم يرد المبيع المعيب على
البائع، وإن حلف رد على البائع. وأما إن
کان العیب مما يجوز أن يحدث مثله في ید
المشتري فإنه يستحلف بالله على البتات، أي
بشکل بات قاطع جازم، لا على مجرد نفي
العلم: ((لقد بعته وسلمته، وما به هذا العيب،
لا عند البيع ولا عند التسليم».(١)
٢ - العيب إذا كان باطنا خفيا لا يعرفه إلا
المختصون كالأطباء والبياطرة مثل وجع الكبد
والطحال ونحوه، فإنه يثبت لممارسة حق
الخصومة بشهادة رجلين مسلمين، أو رجل
مسلم عدل من أهل الخبرة.
(١) رد المحتار ٩٢/٤، ومختصر الطحاوي ص ٨٠
٣ - العيب الذي لا يطلع عليه إلا النساء:
يرجع القاضي فيه إلى قول النساء بعد أن
یرین العیب، ولا يشترط العدد فیھن، بل
یکفي قول امرأة واحدة عدل، والثنتان احوط،
لأن قول المرأة فيما لا يطلع عليه الرجال حجة في
الشرع، كشهادة القابلة في النسب.
فإذا شهدت المرأة على العيب، فهناك
- روايات متعددة عن كل واحد من صاحبي
أبي حنيفة، ومحصلها أن شهادة المرأة الواحدة أو
الثنتين يثبت بها العيب الذي لا يطلع عليه
الرجال في حق توجه الخصومة، لا في حق الرد.
٤ - العيب الذي ليس بمشاهد عند الخصومة
ولا يعرف إلا بالتجربة: کالإِباق: فلا يثبت إلا
بشهادة رجلين أو رجل وامرأتين. (١)
وإذا لم يستطع المشتري إثبات العیب عنده،
هل يستحلف القاضي البائع على ذلك أم لا؟
قال الصاحبان: يستحلف. وقال أبو
حنيفة: لا يستحلف.
وكيفية استحلاف البائع: هي أن يحلف
على العلم، لا على البتات أي الجزم والقطع
فيقول: بالله ما يعلم أن هذا العيب موجود في
هذا الشيء الآن، والسبب في ذلك: هو أنه
يحلف على غير فعله، ومن حلف على غير
فعله، يحلف على العلم، لأنه لا علم له بما
(١) تكملة المجموع ١١٦/١
- ١٢٢ -

خيار العيب ١٧ - ١٨
ليس بفعله، أما من حلف على فعل نفسه
فيحلف على البتات (أي بصيغة البت
والجزم)، فإن نکل أي البائع عن اليمين، ثبت
العيب عند المشتري، فیثبت له حق الخصومة،
وإن حلف برىء. (١)
(الشريطة الثانية) الجهل بالعيب:
١٧ - فلابد أن يكون المشتري غير عالم
بالعيب ، قال السبكي: ((عند العلم
لا خیار)». (٢)
وسواء في العلم المحترز عنه أن یکون عند
العقد، أوبعده عند القبض، فلو اشتری شیئا
وهو عالم بعيبه عند العقد، أو اشتراه جاهلا
بعيبه ثم علم به عند القبض فقبضه عالما بعيبه لم
يكن له حق الخيار، لأن إقدامه على الشراء مع
علمه بالعيب رضا به دلالة، وكذلك علمه عند
القبض، لأن تمام الصفقة متعلق بالقبض،
فکان العلم عندە کالعلم عند العقد، فكان
عليه لبقاء حقه في الخيار أن يمتنع من القبض
عند علمه بالعیب، فلما لم يفعل كان راضيا به.
قال ابن الهمام: (العلم بالعيب عند البيع أو
القبض مسقط للرد والأرش). (٣)
(١) تكملة المجموع ١١٦/١٢
(٢) المرجع نفسه.
(٣) البدائع ٢٧٦/٥ الهندية ٦٧/٣، فتح القدير ٨١/٥
و١٥٣ ونص ما في الهداية (١٥٣/٥): ((والمراد عيب كان=
١٨ - ومن المقرر أن خيار العيب إنما هو للعيوب
الخفية التي لا تدرك بالنظر، أما لو كان العيب
بارزا لا يخفى عند الرؤية غالبا فيعتبر المتعاقد
عالما به. ومثله ما لو کان یحتاج إلى مزيد تأمل
فدل البائع المشتري على موضع العيب أو
صفته، فإن ذلك يحول دون ثبوت الخيار
للمتعاقد الآخر الذي تعامی عن إبصار العيب
الواضح. کما لا يقبل قوله لم أره، بخلاف ما إذا
کان العیب لا يعاين، فهو على الأصل من قيام
الخیار بشرائطه .(١)
ومن ذلك ما لوكان العيب خفيا، لكن
المتعاقد صرح به وذكره على سبيل اشتراط أنه
موجود ظاهر. کما لو کان المبیع ثورا باعه على
شرط أنه يرقد في المحراث أو يعصي في
الطاحون، أوباع فرسا على شرط أنها جموح،
ثم تبین کذلك، فالبائع بريء.
وليس من ذلك ما لوكان يحتاج إلى خبرة
خاصة، ومثلوا لذلك بما إذا أقبض المشتري
الثمن، وقال للبائع استنقده فإن فيه زیفا،
فقال: رضیت بزیفه فطلع فیه زیف، ذکر
ابن حجر الهيتمي : أن بعضهم أفتی بأنه لا رد
له به، ولم يرتضه قائلا : ووجه رده أن الزیف
= عند البائع ولم يره المشتري عند البيع ولا عند القبض،
لأن ذلك رضا به».
(١) تحفة المحتاج شرح المنهاج لابن حجر الهيتمي ٤/ ١٥١
- ١٢٣ -
۔۔.

خیار العيب ١٩ - ٢١
لا يعرف قدره في الدرهم بمجرد مشاهدته فلم
يؤثر الرضا به. ويفهم من هذا أن الإِعلام
بالعيب - الذي ينتفي به الخيار - هو الإِعلام
المفيد، وهنا لم يستفد إلا وجود زيف في الثمن،
أمّا كم هو؟ فلم يحدد.(١)
١٩ - وقد تعرض الفقهاء إلى صورة ربما كانت
نادرة في السابق، إلا أنها أصبحت الآن محتملة
الوقوع كثيراً لتنوع خصائص الأشياء وخفاء
عللها، بحيث يرى المرء الأمر الذي يلابسه
العیب ولکنه یظن أنه ليس بعیب، أويعلمه عیبا
ولكن يحسبه لا ينقص القيمة وهوبخلاف
ذلك. فإذا علم المشتري بالأمر المعتبرعيبا دون
أن يدري أنه عیب وقبضه، ثم علم بعد القبض
أنه عیب، فالحكم هنا أن ينظر: إن كان عيبا بينا
لا يخفی علی الناس لم یکن له الرد، وإن كان
يخفى ولا يعرفه إلا ذوو الخبرة أو المختصون
بتلك الأشياء فله الرد.
(الشريطة الثالثة) عدم البراءة :
٢٠ -يشترط لقیام اخيار أن لا یکون البائع قد
اشترط البراءة من العيب أو العيوب التي في
المبيع. ولهذه الشريطة تفاصيل وافية، بل
اقترانها بالبيع يجعل منه نوعا خاصا من أنواع
البيوع يدعى بيع البراءة. (٢)
(١) الشرواني على تحفة المحتاج ٤/ ١٥١ - ١٥٢
(٢) قال السبكي: هذا الفصل باب مستقل، بوّب عليه المزني
والأصحاب بباب بيع البراءة وكثير من الأصحاب =
مسائل البراءة :
٢١ - حكمها ومجالها : اشتراط البراءة من
العيب جائز عند الحنفية سواء أكان العيب
معلوما للمشترط أم مجهولا له، ومهما كان محل
العقد، وأجازه مالك والشافعي في الحيوان
وحده. (١)لأن الحیوان قلما ينفك عن عيب خفي
أو ظاهر فيحتاج فيه إلى شرط البراءة ليثق بلزوم
البيع فيما لا يعلمه من الخفي دون ما يعلمه. (٢)
والأصل في اعتبار البراءة من العيب أثر
عبدالله بن عمر رضي الله عنهما حين باع غلاما
له بثمانمائة درهم، وباعه بالبراءة، فقال الذي
ابتاعه لعبد الله بن عمر: بالغلام داء لم تسمه
لي. فاختصما إلى عثمان بن عفان، فقال
الرجل : باعني عبدا وبه داء لم یسمه. وقال
عبدالله : بعته بالبراءة. فقضی عثمان بن عفان
على عبدالله بن عمر أن يحلف له: لقد باعه
العبد وما به داء يعلمه. فأبى عبدالله أن
= أدرجوه في هذا الباب (أي خيار العيب) لأنه من مسائله
(٣٩٨/١٢) وشرح المنهج للقاضي زكريا (١٣٢/٣
١٣٣)، وهو صنيع ابن رشد ٢/ ١٨٤، وقد جعل بيع
البراءة قسيما للبيع المطلق.
(١) قال ابن جزي: وقيل يجوز في كل مبيع (القوانين الفقهية
٢٥٦)، الدسوقي ١١٩/٣
(٢) في المقدمات لابن رشد ٥٨٠ التصريح بأن البراءة لا تفيد
إلا في عيب لم يعلمه البائع، أما إن كان علمه فدلس به
فلا.
- ١٢٤ -

خیار العیب ٢٢ - ٢٤
يحلف، وارتجع العبد، فصح عنده، فباعه
عبدالله بعد ذلك بألف وخمسمائة درهم. (١)
تلخيص مذاهب العلماء في اشتراط البراءة:
٢٢ - الاتجاه الأول : أن يبرأ من كل عيب،
علمه البائع أولم يعلمه. وهو مذهب أبي حنيفة
وأبي ثور، وروي عن ابن عمر وزید.
الثاني: لا يبرأ من شيء من العیوب حتى
یسمیه، سواء أكان العيب مما يعاين أم لا، وهو
مذهب ابن أبي ليلى وسفيان الثوري .
الثالث: لا يبرأ من شيء من العیوب حتی
يضع يده عليه، والمراد بوضع اليد، إما المعاينة،
وهو قول للشافعیة فیما يمكن رؤيته، وإما حقيقة
وضع اليد، وهو ظاهر النقل عن شريح وعطاء
ورواية في مذهب أحمد ومذهب إسحاق.
الرابع: لا يبرأ إلا من العيب الباطن الذي لم
يعلم به في الحیوان خاصة، وهو مذهب مالك
الذي ذكره في الموطأ والقول الظاهر من مذهب
الشافعي .
الخامس : أن البراءة إنما هي في بيع
(١) أثر عبد الله بن عمر حين باع غلاما له. أخرجه مالك في
الموطأ (٦١٣/٢ - ط الحلبي). وعند البيهقي في السنن
(٣٢٨/٥ - ط دائرة المعارف العثمانية). وأورده القاضي
زكريا الأنصاري في شرح الروض ٦٣/٢. وقال في
الشامل: إن المشتري زيد بن ثابت.
السلطان للمغنم، أوعلی مفلس، أوفي دیون
المیت، كما قال بعضهم.
السادس : بطلان البيع أصلا وهو قول في
مذهب الشافعية . (١)
أقسام وأحكام البراءة:
٢٣ - تنقسم البراءة أولا إلى نوعين: خاصة،
من عیب معین مسمى، وعامة من جميع العيوب
- أو من كل عيب - ولا أثر لهذا التقسيم في
الحكم غير أثر الشمول لكل عيب أو
الاختصاص بالعيب المسمى. على أن بعض
الفقهاء منع العامة لأنها تشمل العيب الذي
يحدث قبل التسليم ولم يكن موجودا وقت
العقد، في حين أجازها الآخرون وحملوها على
ما یرونه جائزا: دخول الحادث أو عدمه.
٢٤ - لكن للبراءة تقسيما آخر ذا أثر كبير،(٢)
وهو أنها: إما أن تكون مقيدة بالعيب الموجود
عند العقد، وإما أن تصدر مضافة إلى العيب
الحادث بعد العقد وقبل القبض مع الموجود عند
العقد، وإما أن ترد مطلقة لا مقيدة ولامضافة.
أ - فإذا كان اشتراط البراءة في صورة التقييد
بالعيب - أو العيوب - الموجودة عند العقد،
وذلك يستفاد من عبارة: ((علی أني بريء من
(١) تكملة المجموع ١٢/ ٣٩٩ - ٤٠٠ و ٤٠٦ - ٤٠٧
(٢) البدائع ٥/ ٢٧٧، فتح القدير ١٨٣/٥
- ١٢٥ -
'،

خیار العیب ٢٤ - ٢٥
کل عيب به))، أو ((من عیب کذا به))، فلا
خلاف في أن البراءة على هذه الصورة ونحوها
لا تتناول إلا ما کان قائما وقت العقد، دون
ما يحدث بعده إلی حین التسلیم. ولا فرق بین
صدور البراءة على وجه العموم أو الخصوص،
وذلك لأن اللفظ المقید بوصف لا يتناول غیر
الموصوف بتلك الصفة .
ب - إذا كان اشتراط البراءة فيه إضافة
للمستقبل، بأن كانت صريحة بالتنصيص على
العيب الحادث بعد العقد قبل القبض فلا يصح
هذا الاشتراط، والعقد معه فاسد، أما عدم
صحة الشرط فلأن الإِبراء لا يحتمل الإِضافة
إلى زمن مستقبل (ولا التعليق بالشرط) فهو-
وإن كان إسقاطا - فيه معنى التمليك، ولهذا
لا يحتمل الارتداد بالرد. وأما فساد العقد،
فلأنه بیع أدخل فيه شرط فاسد فيفسد. وكذلك
مذهب الشافعية وهو شامل لما لونص على
العيب الكائن والحادث، أو أفرد الحادث
بالذكر، والأخير أولى بالفساد.
ج - إذا كان اشتراط البراءة بصورة الإِطلاق من
غير بيان المراد أهو البراءة من العيب الموجود أم
منه ومن الحادث (ويستوى في هذه الصورة أيضا
أن تجيء عامة: على أني برىء من العيوب، أو
من كل عيب، أو خاصة: من عيب كذا -
وسماه-) فلأئمة الحنفية رأیان في المراد بها:
أحدها: شمول البراءة لما هو قائم عند
العقد، وما يحدث بعده إلى القبض، وهو
ما ذهب إليه أبو حنيفة وأبو يوسف، وهو مذهب
الشافعي أيضا. (١)
والرأي الثاني: اقتصار البراءة على العيوب
الموجودة عند العقد، وهوما ذهب إليه مالك
ومحمد بن الحسن وزفر والحسن بن زياد، وهو
قول لأبي يوسف أيضا. (٢)
العقود التي يثبت فيها خيار العيب. (٣)
٢٥ - ذكر فقهاء الحنفية أن خيار العيب يثبت في
العقود التالية: البيع أو الشراء، والإِجارة،
والقسمة، والصلح عن المال، وبدل الصلح عن
دم العمد، وفي المهر، وبدل الخلع . (٤)
١ - أما ذكر البيع والشراء معا فلمراعاة ظهور
العيب في المبيع أو الثمن، فيذكر ثبوته في الشراء
إذا لوحظ كون العيب في المبيع، وإذا لوحظ
کون العيب في الثمن ذکر ثبوته في البيع، لکنهم
يصورونه غالبا في الشراء، وأن العيب في المبيع
لأن الغالب في الثمن الانضباط فيقل ظهور
(١) البدائع ٢٧٧/٥، ونهاية المحتاج ٣٨/٤، والشربيني
٥٣/٢، وشرح المنهج ١٣٢/٣، وتكملة المجموع
٤١٤/١٢ - ٤١٥
(٢) البدائع ٥/ ٢٧٧، وفتح القدير ١٨٣/٥ ونقله عن
الشافعي - وقد عرفنا من كتبهم خلافه - ، والمبسوط
٩٤/١٣، والدسوقي ١١٩/٣ نقلا عن ابن عرفة.
(٣) من مراجعة بداية المجتهد ١٩٩/٢، المبسوط ١٠٢/١٥
(٤) رد المحتار ٧١/٤ نقلا عن جامع الفصولين، وهو فيه
١/ ٢٥٠ بتطويل.
- ١٢٦ -

خیار العیب ٢٥ - ٢٧
العيب فيه. والمراد من البيع (أو الشراء)
الصحيح لا الفاسد، لوجوب فسخه بدون
الخيار. (١)
ويشمل البيع عقد الصرف، لأن السلامة
عن العيب مطلوبة عادة فیه ، سواء أكان بدل
الصرف من الأثمان كالتبر والنقرة، أم الديون
كالدراهم والدنانير المضروبة، إلا أن بدل
الصرف إذا كان عينا فرده بالعيب يفسخ العقد
سواء رده في المجلس أم بعد الافتراق، ويرجع
علی البائع بما نقد، وإن کان دینا بأن وجد
الدراهم المقبوضة زيوفا فردها في المجلس ينفسخ
العقد بالرد ، حتى لو استبدل مكانه مضى
الصرف، وإن ردها بعد الافتراق بطل الصرف
عند أبي حنيفة وزفر خلافا لأبي يوسف ومحمد.
٢ - الإِجارة: ولو حدث العيب بعد العقد
والقبض، بخلاف البيع، أي يثبت فيها الخيار
سواء أكان العیب قدیما أم حادثا. كما أنه ينفرد
صاحب الخيار بالرد فيها قبل القبض وبعده.
وفي البيع ينفرد قبله فقط.(٢)
٣ - القسمة: فإذا وجد بعض الشركاء في نصيبه
بعد القسمة عيبا قديما. كان له الخيار. (٣)
(١) رد المحتار ٦٣/٤ نقلا عن البحر، لكن في جامع الفصولين
عكسه ٢٤٥/١
(٢) جامع الفصولين ١/ ٢٥٠ نقلا عن الزيادات، ورد المحتار
٦٣/٤
(٣) رد المحتار ٦٣/٤، جامع الفصولين ١/ ٢٥٠
٤ - الصلح عن المال.
٥ - المھر.
٦ - بدل الخلع .
٧ - بدل الصلح عن دم العمد .
وهي تفارق ما سبق من مجال خيار العيب،
بأن الرد فيها إنما هو بفاحش العيب لا بيسيره.
٢٦ - وقد ذكر ابن رشد أن العقد بالنسبة لكونه
مجالا لخيار العيب ينقسم إلى ثلاثة أنواع:
١ - ما هو مجال له بلا خلاف، وهو العقود
المقصود بها المعاوضة.
٢ - ما ليس مجالا له بلا خلاف، وهو العقود التي
ليس المقصود بها المعاوضة.
وذلك مثل الهبة لغير العوض، والصدقة .
٣ -ما فيه خلاف، والأظهر أنه ليس مجالا له،
وهو العقود التي جمعت قصد المكارمة والمعاوضة
مثل الهبة بقصد العوض. (١) وهذا الضابط
لمجال خيار العيب تشهد له تفريعات المذاهب
ولم نجد تعدادا للعقود التي يثبت فيها عند غير
الحنفية .
توقيت خيار العيب :
٢٧ - فيه ثلاثة آراء :
الرأي الأول - أنه على الفور:
فتجب المبادرة للفسخ وإلا سقط. ومرادهم
(١) بداية المجتهد ٢ / ١٧٤
- ١٢٧ -

خيار العيب ٢٧ - ٢٨
من الفورية: الزمن الذي يمكن فيه الفسخ
بحسب العادة. فلو علمه عند العقد أو بعده ولم
یفسخ فهو من ضمانه ولا یرجع بأرش العيب. (١)
وهذا مذهب الشافعية ورواية في مذهب أحمد
على ما ذكره القاضي أبو يعلى من تعدد الرواية
فيه. وهورأي لدى الحنفية ذكره صاحب
الحاوي ومفاده: أنه إذا أمسك المعيب بعد
الاطلاع على العیب مع قدرته على الرد كان
رضا. وقال ابن نجيم عن هذا الرأي: إنه
غريب، والمعتمد أنه على التراخي. (٢)
والمراد من المبادرة التي يسقط الخيار بتركها،
أن يبادر على العادة.
ولوقال: لم أعلم أن الرد على الفوريقبل
قوله إن کان ممن يخفی علیه.
وحيث بطل حق الرد بالتقصير يبطل حق
الأرش أيضا ولابد من يمينه(٣)
قال القاضي زكريا: هذا في بيع الأعيان،
(١) شرح الروضة ٢/ ٦١ و٦٦، تكملة المجموع ١٢/ ١٣٤،
فتح القدير ١٧٨/٥
(٢) فتح القدير ١٧٨/٥، رد المحتار ٤/ ٩٠، المغني ٤ /١٠٩م
٣٠٠٠، كشاف القناع ٢١٨/٣ ونقل عن الاختيارات:
ويجبر المشتري على الرد أو أخذ الأرش لتضرر البائع
بالتأخير.
(٣) تكملة المجموع ١٣٧/١٢ - ١٣٩، وذكر أن محل الكلام
في المبادرة وما يكون تقصیرا وما لا، محله كتاب الشفعة،
ومغني المحتاج ٥٦/٢، وشرح المنهج بحاشية الجمل
١٤١/٣
بخلاف ما في الذمة فهو على التراخي لأنه
لا يملكه ملكا مستقرا إلا بالرضا - ولو قبضه -
لأنه غیر معقود عليه .
وكذلك لا يجب الفور في طلب الأرش. (١)
واستدل الشافعية بدليلين : أحدهما أن
الأصل في البيع اللزوم ثم ثبت خيار العيب
بالإِجماع وغيره، والقدر المحقق من الإجماع ثبوته
على الفور، والزائد على ذلك لم يدل عليه
إجماع ولا نص، فيكون على مقتضى اللزوم
تقليلا لمخالفة الدليل ما أمكن، ولأن الضرر
المشروع لأجل الخيار يندفع بالمبادرة، فالتأخير
تقصير، فیجری علیه حکم اللزوم.
والدليل الثاني: القياس على حق الشفعة
لورود النص فيها وكلاهما خيار ثبت بالشرع
لا للتروي، بل لدفع الضرر. (٢)
الرأي الثاني - أنه على التراخي:
٢٨ - فلا يسقط بالتأخيرما لم يوجد منه-على
المعتمد - ما يدل على الرضا.
٠
وهو مذهب الحنفية - على المعتمد - والحنابلة
على الرواية المصححة من المذهب، وصنيع
أبي الخطاب منهم أنه هو المذهب دون أن يشير
إلى تعدد الرواية فيه .
(١) شرح المنهج بحاشية الجمل ٣/ ١٣٩، نهاية المحتاج ٤/ ٤٧
- ٤٩
(٢) تكملة المجموع ١٣٥/١٢ - ١٣٦
- ١٢٨ -

خیار العیب ٢٩ - ٣٢
واستدل القائلون بأنه على التراخي بأنه
خیار لدفع ضرر متحقق، فكان على التراخي،
كالقصاص. ولم يسلّموا بدلالة الإِمساك على
الرضا به .
الرأي الثالث : توقيته بيوم أو يومين:
٢٩ ۔ ویفترق الحکم بالرد فإن حصل في يوم
فأقل لم يحتج لرده إلى اليمين، بعدم حصول
رضاه، وإن تأخر إلی یومین رده مع الیمین بأنه
ما رضي بالمعقود عليه. وهو مذهب المالكية.
ومستندهم كالمستند السابق، إلا أنهم جعلوا
من انقضاء اليوم أو الیومین بلا رد دليلا على
الرضا. (١)
أثر خيار العيب على حكم العقد :
٣٠ - إن وجود خيار العيب في العقد لا أثر له
على حكم العقد الذي هو انتقال الملك، فملك
المبيع يثبت للمشتري حالا ، وملك الثمن ينتقل
إلى البائع في الحال، لأن ركن البيع مطلق عن
الشرط. والثابت بدلالة النص شرط السلامة
لا شرط السبب (كما في خيار الشرط) ولا شرط
الحكم (كما في خيار الرؤية) وأثر شرط السلامة
يقتصر على منع لزوم العقد ولا سلطان له على
منع أصل حكم العقد.(٢)
(١) الدسوقي على الشرح الكبير ١٢١/٣، الخرشي
١٤٢/٥، والحطاب ٤٤٣/٤
(٢) البدائع ٢٧٣/٥ - ٢٧٤
صفة العقد مع خيار العيب:
٣١ - الملك مع خيار العيب غیر لازم، لأن
السلامة شرط في العقد دلالة، فما لم يسلم
المبيع، لا يلزم البيع فلا يلزم حكمه. وقد
استدل الكاساني (١) لكون السلامة مشروطة في
العقد دلالة بأنها في البيع مطلوبة المشتري عادة
إلى آخر الوقت، لأن غرضه الانتفاع بالمبيع،
ولا يتكامل انتفاعه إلا بقيد السلامة، ولأنه لم
يدفع جميع الثمن إلا ليسلم له جميع المبيع،
فكانت السلامة مشروطة في العقد دلالة
(فكانت كالمشروطة نصا) فإذا فاتت المساواة كان
له الخيار.
٣٢ - وللفقهاء اتجاهات ثلاثة في تحديد ما يثبت
للمشتري عند قیام خیار العیب:
١ - التخيير بين أمرين هما الرد ، أو الإمساك
بجميع الثمن. وبعبارة أوضح هي : التخيير
بين أمرين اثنين: أن يفسخ العقد ويرد المبيع
المعيب ويسترد الثمن، أو أن يمضي العقد
ويمسك المعيب بجميع الثمن دون أن يرجع
على البائع بالأرش (نقصان المعيب) فعلى هذا
الاتجاه ليس للمشتري أن يمسك المعيب ويأخذ
الأرش وهو نقصان المعیب، إلا في حال تعذر
الرد بأحد الموانع التي ستأتي، فحیٹذ له
(١) بدائع الصنائع ٢٧٤/٥، المبسوط ١٠/١٥
- ١٢٩ -

خیار العيب ٣٢
الإِمساك مع الأرش لكنه على سبيل الخلف عن
الرد ولا يثبت أصالة.
وهذا الاتجاه هو مذهب الحنفية والشافعية.
قال الشيرازي: لأنه لم يرض إلا بمبيع سليم
بجميع الثمن فلم يجبر على إمساك معيب
ببعض الثمن. وقال الكاساني: لوقال
المشتري: أنا أمسك المعيب وآخذ النقصان
ليس له ذلك، لأن قوله: أمسك المعيب دلالة
الرضا بالعيب وأنه يمنع الرجوع بالنقصان.
وقال بعدئذ: لأن حق الرجوع بالنقصان
كالخلف عن الرد، والقدرة على الأصل تمنع
المصير إلى الخلف.(١)
٢ - التخيير بين أمرين اثنين أيضا، لكنهما هنا:
الرد - كما سبق - أو الإمساك مع الأرش ولو لم
يتعذر الرد وسواء رضي البائع بدفع الأرش أو
سخط به. ففي هذا الاتجاه الفقهي لا مكان
للإمساك بدون أرش بل هو من لوازمه.
وهو مذهب أحمد بن حنبل - وإسحاق بن
راهویه -.
واستثنى الحنابلة ما إذا كان الإِمساك مع
الأرش یؤدي إلى الربا، فحينئذ يكون التخيير
بين الرد أو الإمساك مجانا، ومثاله: شراء حلي
(١) المبسوط ١٠٣/١٣، البدائع ٢٨٨/٥ و٢٨٩، فتح القدير
١٥٢/٥، البحر الرائق ٦/ ٣٩، الفتاوى الهندية ٦٦/٣،
نهاية المحتاج ٢٤/٤، المهذب للشيرازي وتكملة المجموع
١٦٥/١٢
فضة بزنته دراهم فضة، وشراء قفيز مما يجري فيه
الربا، إذا اشتراه بمثله، ثم وجده معيبا، وذلك
لأن أخذ الأرش یؤدي إلى ربا الفضل، أو إلى
مسألة (مُدّعَجْوةٍ). (١)
وسبب الخلاف النظر إلى نقص العيب، هل
هو نقص أصل أو نقص وصف؟ فعند الحنفية
والشافعية (والمالكية في العيب الكثير) هو نقص
وصف ولذا يخير بين الرد والإِمساك بدون
شيء، وعند الحنابلة هو نقص أصل، ولذا يخير
بين الرد والإِمساك مع الرجوع بالنقصان. (٢)
٣ - التفرقة بين العيب الكثير، والعيب اليسير-
ويسمونه غالبا: القليل المتوسط - (بعد إخراج
العيب القليل جدا الذي لا ينفك عنه المبيع لأنه
لا حکم له كما قال ابن رشد الجد).
ففي العیب الکثیر- وقد سبق بیان حده،
وأن الراجح في تقديره عند ابن رشد: عشرة في
المائة، وعند غيره: الثلث - لا يختلف مذهب
المالكية عن مذهب الحنفية والشافعية (أصحاب
الاتجاه الأول) يخيّرّ المشتري بين الرد والإِمساك
مجانا، بلا أرش، وهذا الحكم في العيب الكثير
سماه ابن جزي: (عیب رد).
(١) المغني ١٠٩/٤ و١١١م٢٩٩٩ و٣٠٠٤، ومطالب أولي
النهى ١١٢/٣، كشاف القناع ٢١٨/٣، ومنتهى
الإِرادات ٣٦٢/١
(٢) الإِيضاح للشاخي ٤٤٢/٣
- ١٣٠ -

خيار العيب ٣٣
أما فى العيب المتوسط فالمشهور التفريق بين
الأصول (العقارات من دور ونحوها) وبين
العروض (وهي ماعدا العقار):
ففي العقارات لا یکون للمشتري الرد بهذا
العيب المتوسط بل له الرجوع بالأرش.
أما في العروض، فظاهر الروايات في المدونة
أنه يجب فيها الرد سواء كان العيب متوسطا أو
کثیرا. وقيل: إن العروض کالأصول لا يجب
الرد في العيب المتوسط وإنما فيه الرجوع
بالقيمة . (١)
وذكر ابن رشد (الجدّ) أن شيخه الفقيه
أبا بكر بن رزق كان يحمل ظاهر الروايات على
التسوية بين العروض والأصول في أن حکمها
الرجوع بالقيمة إذا كان العيب متوسطا، وأشار
ابن رشد إلی أن لتأويله هذا ما یؤیده من رواية
زياد عن مالك في الثياب. (٢) ولعله استنادا لهذه
الروایة کان بعض شيوخ ابن یونس یرون أن
الثياب في ذلك کالدور.
الرد وشرائطه
٣٣ - يشترط لصحة الفسخ أو الرد ما يلي:
١ - قيام الخيار، وهذه الشريطة يقتضيها أن
(١) المقدمات ٥٧٠، بداية المجتهد ١٧٨/٢
(٢) المقدمات ٥٧٠، الحطاب والمواق ٤/ ٤٣٥، والخرشي
بحاشية العدوي ٤٢/٤، والدسوقي على شرح الدردير
لخليل ٣/ ١١٤
الفسخ في الخيار إنما هو لأن العقد غير لازم،
فإذا سقط الخيار لزم العقد، والعقد اللازم
لا يحتمل الفسخ. (١)
٢ - أن يكون المردود على الوصف الذي كان
مقبوضا:
والمراد أن لا يلحق بالمبيع عيب زائد عن
العيب القديم، فكما قبض المشتري المبيع عليه
أن يرد غير معيب بعيب زائد كعيب الشركة
الناشىء عن تفرق الصفقة، أو العيب
الحادث. (٢)
٣ - أن لا يتضمن الفسخ تفريق الصفقة قبل
التمام :
وهو ما قبل قبض المبيع کله، لما يترتب على
التفريق من عيوب، أحدها عيب الشركة كما
سيأتي. قال الكاساني: وهذا المنع فيما إذا لم
یرض البائع، إذ لورضي جاز، لأنه حينئذ ضرر
مرضي من جهته لا يجب دفعه عنه(٣) وفي هذا
يقول ابن حجر:
(١) البدائع ٢٧٣/٥ و٢٨٦ و٢٩٨، الفتاوى الهندية ٣/ ٨١ -
٨٢، رد المحتار ٩٣/٤، الخرشي ٤ /٤٦ وغيره من شروح
خلیل.
(٢) البدائع ٢٨٣/٥ و٢٨٤ مستخلصا من توجيه قول أبي
حنيفة في منع أحد المشترين لشيء واحد من رد نصيبه على
البائع.
(٣) البدائع ٥/ ٢٨٧، فتح القدير ٥/ ١٧٥، الفتاوى الهندية
٧٦/٣ و٨١ و٨٢ ٨٣، وفيه تفصيلات دقيقة لما يعتبر
صفقة واحدة يمتنع تفریقها وما ليس كذلك.
- ١٣١ -

خیار العيب ٣٤
(إذا اتحد المبيع صفقة لا يرد المشتري بعضه
بعيب قهرا، إلا إذا كان البعض الآخر للبائع
فحينئذ یرد علیه البعض قهرا، وهو المعتمد من
القاضي ومن تبعه، لأن العلة الصحيحة في
امتناع رد البعض إنما هي الضرر الناشىء من
تبعيض الصفقة عليه .. والتعليل باتحاد
الصفقة وتفريقها بمجرده لا يصلح للتعليل،
وإنما وجه العلة ما فيه من الضرر غالبا فآلت
العلتان إلى شيء واحد وهو انتفاء الضرر). (١)
٣٤ - وتفريق الصفقة قبل قبض المبيع كله
لا يجوز مهما کان المبیع، سواء كان شيئا واحدا
کالثوب، والدار، أو المکیل والموزون في وعاء أو
أوعية، أو كان شيئين حقيقة وتقديرا كالثوبین
والدارين، أم شيئين حقيقة شيئا واحدا تقديرا
كمصراعي باب. ودليل عدم جواز تفريق
الصفقة على البائع قبل تمامها ما يلحق بالبائع
من ضرر يجب دفعه ما أمكن، والضرر هو إلزام
البائع بالشركة، والشركة في الأعيان عيب. هذا
في تفريق الشيء الواحد، أما إذا كان المبيع
أشیاء ففيه ضرر آخر وهو لزوم البيع في الجيد
بثمن الرديء لأن ضم الرديء إلى الجيد
والجمع بينهما في الصفقة من عادة التجار ترويجا
للرديء بوساطة الجید.
وأما اعتبار قبض البعض بمثابة عدم القبض
(١) الفتاوى الكبرى لابن حجر الهيتمي ٤٢٢/٢ - ٤٢٣
فلأن الصفقة لا تتم إلا بقبض جميع المعقود
عليه - وسواء وجد العيب في المقبوض أو في
غیره ـوروي عن أبي يوسف أنه إذا كان العيب
في المقبوض فله رده خاصة بحصته .(١)
وفي تفرق الصفقة يفصل المالكية بين بقاء
السالم (غیر المعیب) وفواته، فإن کان فائتا فله رد
المعيب مطلقا وأخذ حصته من الثمن، لأنه لورد
الجميع هنا رد قيمة الهالك عينا ورجع في عين
وهو الثمن للعين وقيمة العرض الذي قد فات
عند البائع، ورد العين والرجوع فيها لا فائدة
فيه .
وأما إن كان باقيا فله رد البعض بحصته
بشريطتين :
١ -أن لا یکون المعيب هو الأكثر من النصف ولو
بیسیر، فليس له رده بحصته، بل إما أن
يتماسك بالجميع أو يرد الجميع، أويتماسك
بالبعض بجميع الثمن.
٢ - أن لا يكون المعيب وجه الصفقة فليس
للمبتاع إلا رد الجميع أو الرضا بالجميع .
ويستثنى من ذلك ما كان أحد مزدوجين. (٢)
(١) البدائع ٥/ ٢٨٧، فتح القدير ١٧٥/٥
(٢) الخرشي ٥٧/٤ - ٥٨، الدسوقي ١٣٤/٣ - ١٣٥، المواق
٤ / ٤٥٩، الحطاب ٤/ ٤٥٩ - ٤٦٠ وفيه نقلا عن
التوضيح: ولهذا كان الصحيح فيمن استهلك إحدى
مزدوجین وجوب قیمتهما .
- ١٣٢ -

خیار العيب ٣٥ - ٣٦
ولم يصور المالكية التفرق في الشيء الواحد
لاعتبارهم ذلك من العيب الحادث (المتوسط)
وحكمه التخيير بين الإمساك وأخذ أرش
القديم، أو الرد ودفع أرش الحادث ما لم يقبله
البائع بالحادث . (١)
٣٥ - ومذهب الحنابلة أن تفرق الصفقة مانع
من الرد قطعا إذا كان في الشيء الواحد، وفي
الشيئين مما ينقصهما التفريق، أو مما لا يجوز
التفريق بينهما، دفعا لضرر البائع. أما إذا كانا
شيئين مما لا ينقص بالتفريق وما كان في وعائين
فهو کشیئین عندهم ووجدهما مبیعین فلیس له رد
أحدهما على الصحيح. قال المرداوي: وهو
الصواب. فإن وجد بأحدها عیبا فلیس له إلا رد
المعيب فقط على الرواية المختارة من ثلاث
روایات. (٢)
وكذلك قال الشافعية لا يرد المشتري بعض
المبيع المعيب، وإن زال الباقي عن ملكه وانتقل
للبائع، على ما جزم به المتولي والسبكي
والبغوي، لأنه وقت الرد لم يرد کما تملك. وقال
القاضي حسین: إن له الرد إذ لیس فیه تبعیض
علی البائع، ومثله ما لو کانا شیئین تتصل منفعة
أحدهما بالآخر. أما الشیئان مما ليس كذلك-
(١) الدسوقي ١٢٦/٣ وبقية شروح خليل.
(٢) المغني ١٢١/٤م ٣٠١٧ و٣٠١٨، والفروع وتصحيحه
١١١/٤ - ١١٢، وكشاف القناع ٢٢٥/٣ - ٢٢٦
سواء کانا معیبین أو ظھر العیب بأحدهما ۔ فلیس
له رد أحدهما بل يردهما. ويفرق الشافعية بين
تعدد الصفقة وتفردها .
فإن تعددت الصفقة (وذلك بتعدد البائع أو
تعدد المشتري، أو تفصيل الثمن) فله رد
أحدهما في الأظهر، لأنه لم يحصل تفريق
الصفقة. أما إن تفردت (بعدم توافر شيء من
أسباب تعددها) فليس له رد البعض . (١)
تفرق الصفقة بتعدد العاقد :
٣٦ - تفرق الصفقة لا تنحصر صوره في محل
العقد، بل قد ينشأ عن تعدد العاقد. كما لو كان
المشتري رجلین اشتریا شيئا واحدا واطلعا على
عیب بالمبيع، فإنه ينفرد أحدهما بالفسخ دون
صاحبه في قول أبي حنيفة، وعند أبي يوسف
ومحمد ینفرد.
وحجة الصاحبين أنه رد المشتري كما
اشتراه، فالرد صالح في النصف لأنه مشتر
نصفه، وحجة أبي حنيفة أن الرد لم يوجد على
الوصف الذي کان مقبوضا لأنه قبضه غیر
معيب بعيب زائد - وهو هنا عيب الشركة - فلا
يصح دفعا للضرر عن البائع. (٢)
(١) مغني المحتاج ٦٠/٢، ونهاية المحتاج ٢٥/٤، وتكملة
المجموع ١٢/ ١٥٥، وشرح المنهج للقاضي زكريا بحاشية
الجمل ١٤٩/٣
(٢) البدائع ٥/ ٢٨٣ - ٢٨٤
- ١٣٣ -

خيار العيب ٣٧ - ٣٨
وقد بين ابن قدامة مذهب الحنابلة وموافقته
للشافعية في ذلك فقال: لو اشتری رجل من
رجلین شیئا فوجده معیبا فله ردہ علیھما فإن كان
أحدهما غائبا رد على الحاضر حصته بقسطها من
الثمن ویبقی نصیب الغائب في يده حتی یقدم،
ولو كان أحدهما باع العين كلها بوكالة الآخر
فالحكم كذلك سواء أكان الحاضر الوكيل أم
الموكل نص أحمد علی قریب من هذا، فإن أراد
نصیب أحدهما وإمساك نصیب الآخر جاز لأنه
يرد على البائع جميع ما باعه ولا يحصل برده
تشقيص، لأن المبيع كان مشقصا في البيع. (١)
٤ - علم العاقد الآخر بالفسخ:
٣٧ - فلو فسخ بغير علمه لم يعتبر، وكان له
الرجوع عن فسخه وكان ذلك الفسخ موقوفا.
إن علم به في مدة الخيار نفذ، وإن لم يعلم
حتى مضت المدة كان ذلك إجازة للعقد.
ويعبر بعض الفقهاء عن شريطة العلم هذه
بقولهم : أُن یجیز- أویفسخ ۔ في حضرة صاحبه،
وهم مجمعون أن المراد من الحضرة العلم وليس
الحضور.
واشتراط العلم للفسخ في خيار العيب متفق
عليه بين أئمة الحنفية. سواء أكان الرد قبل
القبض أم بعده.
وليس العلم بمشترط عند الشافعية والحنابلة.
فقد صرحوا بأن الرد بالعيب لا يفتقر إلى رضا
البائع وحضوره (ولا حكم حاكم قبل القبض
ولا بعده). (١) ولم نجد للمالكية كلاما في هذا
والحنفية لا يشترطون للرد قبل القبض القضاء
أو التراضي، أما إذا کان بعد القبض فلابد من
أحدهما لأنه قبل القبض مما تقرر أنه لا اعتبار
عند رفع العقد لحضور من لا يعتبر رضاه فيه .
وأما بعد القبض فهو رفع لعقد مستحق له
بالعيب، فلا يعتبر فيه رضا البائع نظير ما قبل
القبض . (٢)
كيفية الرد :
٣٨ - الرد إما أن يتم بمحض إرادة صاحب
الخيار، وإما أن يشترط لحصوله - عند الحنفية -
وجود التراضي بين العاقدين أو الترافع
للقضاء. وذلك یتبع حال الصفقة من حیث
التمام وعدمه. وتمامها كما هو معلوم بالقبض،
فإذا لم تتم الصفقة لا يشترط التراضي أو
التقاضي. قال الكاساني: لأن الصفقة قبل
القبض ليست تامة بل تمامها بالقبض فكان
(١) البدائع ٢٧٣/٥، ٢٨٦ في خيار الشرط، فتح القدير
١٢٢/٥، الفتاوى الهندية ٣/ ٨١ نقلا عن الذخيرة، المغني
١١٩/٤م ٣٠١٣، كشاف القناع ٣/ ٤٢٤، تكملة
المجموع ١٥٧/١٢
(٢) الخطاب ١٥٩/٤ - ١٦٠، الدسوقي ١١٨/٣ وما بعدها.
(١) المغني ٤/ ١٤٥
- ١٣٤ -

خیار العيب ٣٩
بمنزلة القبول كأنه لم یشتره . (١)
أما إذا كانت الصفقة قد تمت، فالرد
لا یکون مجرد نقض وانفساخ تكفي فيه إرادة
صاحب الخيار، بل هو فسخ الصفقة تمت فلابد
فيه من التراضي أو التقاضي، ويعلل الكاساني
ذلك بأن الصفقة قد تمت بالقبض فلا تحتمل
الانفساخ بنفس الرد من غير قرينة القضاء أو
الرضا. وبعبارة السرخسي: ((الفسخ بعد تمام
الصفقة نظير الإِقالة، وهي لا تتم إلا باتفاق
العاقدین))(٢) ولا فرق في الرد بین وقوعه قبل
القبض أوبعده، عند الشافعية والحنابلة، لأنه
نوع فسخ فلا تفتقر صحته إلى القضاء
ولا للرضا، كالفسخ بخيار الشرط (بالإجماع)
وکالرد بالعیب قبل القبض فكذا بعده. ولأن
الرد بالعيب عندهم يرفع العقد من أصله، فلم
یتفاوت الرد.(٣)
صيغة الفسخ وإجراءاته :
٣٩ - ذهب الحنفية - كما ذكرنا - إلى أن الفسخ
قبل القبض يحصل بالإِرادة المنفردة والمراد قول
(١) بدائع الصنائع ٢٨١/٥، الفتاوى الهندية ٦٦/٣، فتح
القدير ١٦٨/٥
(٢) المبسوط السرخسي ١٠٣/١٣، وكرر التشبيه بالإقالة في
شرح السير الكبير ٢/ ٢٩٤ ((الرد بالعيب بعد القبض بغير
قضاء يكون بمنزلة الإقالة فيه».
(٣) المهذب ١/ ٢٨٤، الشرح الكبير على المقنع ٨٦/٤،
تكملة المجموع للسبكي ١٢ / ١٥٧
المشتري رددت أو فسخت ونحوذلك من
العبارات. أما بعد القبض فلابد من الاتفاق
بأن يفسخ صاحب الخيار ويقبل العاقد الآخر أو
يتقاضيان. قال الكاساني: (١) (لأن الفسخ
يكون على حسب العقد لأنه يرفع العقد، ثم
العقد لا ينعقد بأحد العاقدين فلا ينفسخ
بأحدهما دون رضا الآخر. أما قبل القبض
فالصفقة لم تتم، فكان من السهل الرد لأنه
كالامتناع من القبض، وهو تصرف دفع وامتناع
وذلك خالص حقه).
أما عند الشافعية والحنابلة فالفسخ يجوز
للمشتري مهما كانت الكيفية: في حضور البائع
أو غيبته، برضاه أو عدمه، ولا يفتقر إلى
الحاكم (٢) ولكن نظرا لذهاب الشافعية إلى أن
خيار العيب يثبت على الفور، لا التراخي،
وأنه تجب المبادرة إلى الفسخ وإلا سقط، فقد
احتيج إلى القيام ببعض الإِجراءات دون أن
تختص صورة منها بالوجوب، بل يجزىء عنها
ما يؤدي المراد وهو إثبات مبادرته للفسخ .
وخلاصة هذه الإجراءات عند الشافعية أنه
إذا کان کل من الخصم والحاکم بالبلد وجب
الذهاب إلى أحدهما، فإن أخرّ سقط حقه وإن
فسخ، ولكن هناك صورة بديلة عن الذهاب
(١) بدائع الصنائع ٢٨١/٥
(٢) تكملة المجموع ١٢ / ١٥٧
- ١٣٥ -

خيار العيب ٤٠ - ٤١
إلى البائع أو الحاكم، وهي أن يشهد على
الفسخ فلا يسقط حقه، ولا يلزمه الذهاب بعد
ذلك إلا للتسليم وفصل الخصومة، على
ما حققه السبكي خلافا لما توهمه بعض عبارات
المتون. (١)
طبيعة الرد، وآثارها في تعاقب البيع
٤٠ - ذهب الحنفية إلى أنه إذا كان الرد
بالتراضي بین المتعاقدين فهو فسخ في حقهما بيع
في حق غیرهما، وذلك في الرد بعد القبض (أما
قبل القبض فهو رد بإرادة منفردة) وإذا كان الرد
بالقضاء کان فسخا في حقهما وفي حق غيرهما.
أما عند غير الحنفية فالفسخ رفع للعقد من
أصله مطلقا . (٢)
ويظهر أثر هذه الطبيعة في حال تعاقب بيعين
علی المعیب بعیب قدیم، حیث یفرق بین أن
يكون قبول الرد من البائع الثاني حصل
بالتراضي أو بالقضاء، فإن تم بالقضاء بإقامة
(١) مغني المحتاج ٥٧/٢، وشرح المنهج بحاشية الجمل
١٤٣/٣، تكملة المجموع ١٣٩/١٢ - ١٥٠ وأسهب كثيرا
في بيان الوجوه والتأويلات حتى تعذر استخلاص المذهب
مما ذكره إلا عن طريق الكتب المؤلفة بعده والمعتمدة على
ما فيه، ولم يتعرض الحنابلة لذلك كله، لأن الخيار عندهم
على التراخي.
(٢) الهندية ٦٦/٣ نقلا عن السراج الوهاج، تكملة المجموع
١٥٧/١٢، فتح القدير ١٦٥/٥
البينة على أن العيب كان عنده بعدما أنكر
العیب. أو بنکوله عن الیمین علی العیب، أو
بإقراره بالعيب أنه كان عنده، والمقصود صدور
إقرار منه ثم إنكاره، فيقيم المشتري البينة على
ذلك الإقرار (أما الإِقرار المبتدأ فلا حاجة معه
إلى القضاء أصلا) ففي هذه الحال للبائع الثاني
أن يرده على بائعه الأول فيخاصمه ويفعل
الإِجراءات الواجبة لرده عليه .
وإن كان قبول المشتري الأول للرد بغير
القضاء بل برضاه فليس له الرد على بائعه، لأن
الرد بالتراضي بيع جدید في حق غير المتعاقدین
- أو كما يعبرون: في حق الثالث - والبائع الأول
هنا غير المشتري الأول والمشتري الثاني، كأن
المشتري الأول اشتراه من المشتري الثاني، وفي
هذه الحال ليس له أن يرده على البائع الأول.
ولأنه إذا قبله بغير قضاء فقد رضي بالعيب
فلا يرده على بائعه الأول، ولا يقال إنهما
بالتراضي على الرد فَعَلا عين ما يفعله
القاضي، لأن الحكم الأصلي في هذا هو المطالبة
بالسلامة من العيب، وإنما يصار إلى الرد
للعجز، فإذا نقلاه إلى الرد لم يصح في حق
غيرهما، ألا يرى أن الرد إذا امتنع وجب
الرجوع بحصة العيب. (١)
٤١ - هذا كله فيما إذا كان الرد بالعيب من
(١) فتح القدير ١٦٧/٥ - ١٦٨
- ١٣٦ -

خيار العيب ٤٢
المشتري الثاني بعد قبضه، أما إذا كان قبل
قبضه فللمشتري الأول أن يرده على البائع
الأول سواء کان بقضاء ام بغیر قضاء۔ كما لوباع
المشتري الأول للمشتري الثاني بشرط الخيار له
- أو بيعا فيه خيار رؤية فإنه إذا فسخ المشتري
الثاني بحکم الخیار کان للمشتري الأول أن يرده
مطلقا. قال في الإيضاح: (الفقه فيه أنه قبل
القبض له الامتناع من القبض عند الاطلاع
علی العیب، فكان هذا تصرف دفع وامتناع من
القبض، وولاية الدفع عامة فظهر أثره في حق
الكل ولهذا لا يتوقف على القضاء). (١)
وتعرض ابن قدامة لهذه المسألة فذكر أن
المشتري الأول إن عاد المعيب إليه من المشتري
(الثاني) فأراد رده بالعیب القدیم ینظر: فإن كان
حین باعه عالما بالعيب، أو وجد منه ما يدل على
رضاه فلیس له رده، لأن تصرفه رضا بالعيب.
وإلا كان له رده .. سواء رجع إلى المشتري
الأول بالعيب القديم أو بإقالة، أوهبة، أوشراء
ثان، أو ميراث. (٢)
الإمساك مع الأرش (أو الرجوع بنقصان
الثمن)(٣)
٤٢ - هناك أمور تطرأ على المبيع من زيادة أو
(١) فتح القدير ١٦٨/٥
(٢) المغني ٢٤٨/٤
(٣) الأرش: هو في اللغة دية الجراحات، وأصله من الفساد=
نقصان أو تصرف تمنع رد المبيع، وحينئذ ينتقل
حق المشتري من الرد إلى الرجوع بنقصان
الثمن، على تفصيل بين المذاهب في هذا
الموجب، ولما كان هذا الموجب بديلا عن الخيار
بين الرد والإمساك (الذي هو الأصل) أمكن
تسميته (الموجَب الخَلِفَي) وكما هو مقرر لا يجتمع
الخلف والأصل بل يتعاقبان، فإذا تعذر الأصل
یصار إلى ما هو خلف له.
هذا مذهب الحنفية والشافعية. وقد عرف
غيرهم هذا الموجب مع اختلاف المجال،
فالمالكية حين جعلوا العيوب أنواعا ثلاثة :
العیب الیسیر(ليس فيه شيء)، وعیب الرد
(وهو الفاحش الذي يكون فيه المشتري بالخيار
بين الرد والامساك بلا أرش)، وعيب القيمة،
أرادوا بهذا الأخير العيب المتوسط الذي ينقص
من الثمن، وموجب عيب القيمة أن يحط عن
المشتري من الثمن بقدر نقص العيب، فمثل
هذا النوع نقصان الثمن هو موجبه الأصلي.
كما أن الحنابلة يثبتون الخيرة للمشتري بين
الإمساك بنقصان الثمن أو الرد ولو لم يتعذر
= يقال: ارّشت الحرب والنار إذا أوريتهما، والتأريش بين
القوم: الإِفساد بینهم، ولما كان نقصان الأعيان فسادا فيها
سمي نقصان الثمن: الأرش. وهو في الشرع عبارة عن
الشيء المقدر الذي يحصل به الجبر عن الفائت (المصباح
المنير، مادة: أرش، والمغرب للمطرزي، والقاموس،
تكملة المجموع للسبكي ١٦٧/١٢)
- ١٣٧ -

خيار العيب ٤٣ - ٤٥
الرد. (١) فهذا هو الموجَب الأصلي للخيار
عندهم، أما الموجَب الخلفي عند تعذر الرد
بسبب عیب حادث فهو التخییر بین الرد وإعطاء
أرش العيب الحادث وبين الإمساك وأخذ أرش
العيب القديم. وهو الحكم عند المالكية أيضا.
طريقة معرفة الأرش : (٢)
٤٣ - هي أن يقوَّم المبيع بلا عيب، ثم يقوّم مع
العیب وينظر إلى التفاوت وتؤخذ نسبته إلى
القيمة هل هو عشر أو ثمن أوربع .. الخ. فإن
كان التفاوت عشر القيمة رجع المشتري بعشر
الثمن. (٣) وهكذا . (٤)
قال صاحب الأشباه : ولم یذکر قاضیخان
(١) القوانين الفقهية ٢٥٨، وذكر أن هذا التقسيم في غير
الحيوان وأما فيه فيرد بكل ما يحط من القيمة. المغني
١١١/٤م ٣٠٠٣، كشاف القناع ٢٢٤/٣، الفروع
١٠٦/٤، بداية المجتهد ٢/ ١٧٧، المقدمات ٥٧٠،
الخرشي ٤٢/٤، الحطاب والمواق ٤٣٤/٤، الدسوقي
١١٤/٣.
(٢) للأرش مباحث مفصلة في تكملة المجموع للسبكي
٢٦٥/١٢ - ٢٩٤ ٣٠٣/١٢ - ٣٠٩
(٣) لما كانت الأثمان قديما هي الذهب والفضة وما شابهها، فقد
تعرض بعض الفقهاء إلى أن الأرش هل یؤخذ من (عين
الثمن) أو يدفعه البائع من حيث شاء؟ وللحنابلة فيه
احتمالان، وصحح ابن نصر الله الاحتمال الثاني بترك الأمر
للبائع، قال في تصحیح الفروع: وهو ظاهر كلام کثیرمن
الأصحاب (کشاف القناع ٢١٨/٣ ووقع فيه تحریف كلمة
(عين الثمن) إلى (عيب الثمن كما هو واضح).
(٤) فتح القدير ١٢/٦، الفتاوى الهندية ٨٣/٣، المغني=
ولا الزيلعي ولا ابن الهمام هل القيمة (التي
ينسب إليها النقصان) يوم العقد أو القبض؟
وينبغي اعتبارها يوم العقد.
وفي المغني أن الحسن البصري قال: يرجع
بقیمة العیب في الثمن یوم اشتراه قال أحمد :
هذا أحسن ما سمعت. وقال في شرح الروض
((هو أقل قيمتي وقت العقد والقبض)). (١)
موانع الرد :
٤٤ - تنقسم موانع الرد إلى مانع طبيعي أو
شرعي أو عقدي .
أولا - المانع الطبيعي :
٤٥ - ذكر الكاساني أن هلاك المبيع في يد البائع
يمنع الرد، لفوات محل الرد، ولا يرجع البائع
على المشتري بشيء من الثمن، لأنه يحمل تبعة
الهلاك قبل القبض. أما بعد القبض فقد أفاد
صاحب الهداية أن موت محل الرد بيد المشتري
يمنع الرد ويجعل موجب الخيار الرجوع بنقصان
الثمن، والمراد أن هلاك المبيع بسبب سماوي
= ١١١/٤، تكملة المجموع ١٢/ ٢٦٥ وترتيب الأشباه
والنظائر ٢٦٢
(١) ترتيب الأشباه والنظائر ٢٦٢، المغني ١١٢/٤، شرح
الروض ٦٣/٢، وتكملة المجموع ١٢/ ٢٧٢
- ١٣٨ -

خيار العيب ٤٥ - ٤٦
يمتنع معه الموجَب الأصلي الذي هو الرد ليحل
محله الموجَب الخَلْفَي (نقصان الثمن).
ويستوي في اهلاك أن يكون بسبب سماوي
أو باستهلاك المشتري له علی سبیل الاستعمال
والانتفاع المشروع، لا الإتلاف، وذلك بأکل
الطعام أو لبس الثوب حتی یتخرق، وفي هذا
النوع خلاف بين أبي حنيفة وصاحبیه، واعتباره
في موانع الرددون الأرش هو مذهب الصاحبين
ومالك وأحمد، لأن المشتري صنع بالمبيع
ما يقصد بشرائه ويعتاد فعله فيه من الأکل
واللبس حتى انتهى الملك به. ولأبي حنيفة أنه
أتلفه بفعل مضمون منه لو وجد في غیرملکه،
وقد انتفى الضمان لملكه فکان کالمستفيد به
عوضا. وإن اقتصر الاستهلاك على بعضه،
فعند الصاحبین یرجع بنقصان الثمن في الأكل
وفي رواية ثانية يرد ما بقي ويرجع بنقصان ما
أكل . (١)
ومثل الهلاك في امتناع الرد: انتهاء الملك عن
الشيء بالموت، لأنه ينتهي به الملك لا بفعل
المشتري، فیمتنع الرد حكما ويبقى له الرجوع
بالنقصان .
وقد سوّى الحنفية والشافعية بين هلاك
(١) البدائع ٢٨٣/٥، فتح القدير ١٦١/٥ - ١٦٣، رد المحتار
٨٢/٤ - ٨٣ تبيين الحقائق ٣٥/٤، مغني المحتاج ٢/ ٥٤،
الخرشي ١٣٨/٥ كشاف القناع ٢/ ٦٣
المعيب بالعيب أو بغيره، وفرق المالكية بينهما،
فوافقوهم في الرجوع بنقصان الثمن في الهلاك
بغير العيب المدَلَّس، أما فيه فللمشتري
الرجوع بالثمن كله. (١) أما الحنابلة فالتفرقة
عندهم ليست بحسب الهلاك بالعيب أو غيره
بل بحسب وقوع التدلیس وعدمه، فإن كان
البائع سيّء النية ودلّس العيب ثم هلك المبيع به
أو بغيره فللمشتري الرجوع بالثمن کله. أما إذا
لم يدلس البائع فرجوعه بنقصان الثمن فقط.
ويربط المالكية مقدار الجزاء بأثر العمل، فلا
پرجع بالثمن کله إلا إذا كان العيب المدلس هو
الذي أودى بالمبيع. (٢) ويسمى المالكية ذلك
بالفوت ويقسمونه إلى فوت حسي، وفوت
حکمي.(٣)
ثانيا - المانع الشرعي:
٤٦ - هذا المانع عبارة عن حصول زيادة في المبيع
عند المشتري على أن تكون زيادة منفصلة
متولدة (بعد القبض) أو متصلة غير متولدة
(مطلقا، قبل القبض أوبعده) فظهور الزيادة
(١) البحر الرائق ٣٩/٦، فتح القدير ١٦١/٥، مغني المحتاج
٥٤/٢، المهذب ٢٩١/١، نهاية المحتاج ٤/ ٢٤
(٢) المغني ١٣٥/٤، كشاف القناع ٣/ ١٨٠ ((سواء تعيّب
المبيع عند المشتري أو تلف بفعل الله كالمرض، أو بفعل
المشتري مما هو مأذون شرعا)».
(٣) الخرشي ٤٨/٤، الدسوقي على الشرح الكبير ٣/ ١٢٤
- ١٣٩ -

خيار العيب ٤٦ - ٤٧
بعدما ظهر عيب في المبيع يمتنع به الرد ولو قبل
البائع، لأن المنع لِحِقّ الشرع. وفيما يأتي
تفصيل هاتين الصورتين المانعتين من الرد
والناقلتين الموجب إلى الأرش.
أولا - الزيادة المتصلة غير المتولدة (مطلقا:
قبل القبض أوبعده) كالصبغ والخياطة في
الثوب، والبناء والغرس في الأرض، لأن هذه
الزيادة ليست تابعة، بل هي أصل بنفسها
فتعذر معها رد المبيع، إذ لا یمکن رده بدون
الزيادة لتعذر الفصل، ولا یمکن رده مع
الزیادة، لأنها ليست تابعة في العقد فلا تكون
تابعة في الفسخ (إلا إن تراضيا على الفسخ فهو
إقالة وكبيع جديد) ولو قال البائع: أنا أقبله
کذلك، ورضي المشتري لا يجوز أيضا، لأن
المنع لحقّ الشرع لاستلزامه الربا.
ثانيا - الزيادة المنفصلة المتولدة، بعد القبض
خاصة، كالولد والثمرة واللبن وأرش الجناية.
وتلك الزيادة تمنع الرد بالعيب أيضا لأن الزيادة
مبيعة تبعا لثبوت حكم الأصل وحصلت في
ضمان المشتري، فإن ردها مع الأصل كانت
للبائع ربح ما لم يضمن، وإن استبقاها ورد
الأصل فإنها تبقى في يده بلا ثمن، وهذا من
صور الربا.
وخالف الشافعي في هذه الزيادة، فعدّها
کالکسب، لإمكان الفصل عن الأصل بدونها،
والزيادة للمشتري، فهي لا تمنع الرد. (١)
٤٧ - أما صور الزيادة الأخرى فلا تمنع الرد،
ولذا لا رجوع معها بالأرش، وهي :
١ - الزيادة المتصلة المتولدة، كالكبروالسّمن،
ومنها عند الحنابلة الجنين قبل الوضع والثمرة قبل
التأبير. وهي لا تمنع الرد بالعيب في ظاهر
الرواية عند الحنفية إن رضي المشتري بردها مع
الأصل وإن أبى المشتري الرد كان له الرجوع
بالأرش خلافا لمحمد.
والحكم كذلك عند الحنابلة، لأن الزيادة
تمحضت تابعة للأصل بتولدها منه مع عدم
انفصالها فکان الفسخ لم یرد علی زیادة أصلا ۔
کما قال ابن الهمام۔أو كما قال الكاساني: کانت
الزيادة مبيعة تبعا، وما كان تبعا في العقد يكون
تبعا في الفسخ. ولا فرق في هذه الزیادة بین أن
تحدث قبل القبض أو بعده. (٢)
(١) البدائع ٢٨٥/٥ - ٢٨٦، فتح القدير ١٦٠ - ١٦١، رد
المحتار ٨٠/٤ - ٨١، الفتاوى الهندية ٧٧/٣، تكملة
المجموع ٢٥٤/١٢
(٢) البدائع ٥/ ٢٨٤، فتح القدير ١٦١/٥، المغني ٤/ ١٣٠.
وقد جاء حكم هذه الصورة عند ابن الهمام موهما العكس
حيث قال: «وهي تمنع الرد لتعذر الفسخ عليها، لأن العقد
لم يرد عليها ولا يمكن التبعية للانفصال، ثم قال بعد:
«فیکون المشتري بالخیار قبل القبض إن شاء ردهما جميعا
وإن شاء رضي بهما بجميع الثمن)). فعرف بهذا أن مراده
من المنع: منع رد الأصل وحده لا امتناع رده معها. وفي
البدائع ٢٨٤/٥، والفتح ١٦١/٥ تفصيلات بشأن وجود
عيب بالزيادة وحدها وفروع أخرى تنظر هناك.
- ١٤٠ -