Indexed OCR Text

Pages 221-240

حوالة ١٠٨ - ١١١
حوالة مقيدة بدينه هذا عليه، فإذا قبل الأصيل
والمكفول له برىء الكفيل، لكن براءة مؤقتة
بعدم التوى - على قاعدة براءة المحيل - وهي
من وقائع الفتوى، بخلاف ما إذا أحال المحال .
عليه الطالب على المحيل، فإنه يبرأ بهذه
الحوالة براءة مؤيدة لا رجوع بعدها عليه، وإن
توي المال الذي على الأصيل، لأنه هو المحيل
الأول فالقرار عليه. (١) (ر: ف/١٧١)
أما الشافعية فعندهم أن الكفیل الضامن،
ولو بالأمر، لا يثبت له في ذمة المضمون عنه
شيء بمجرد الضمان، فلا مجال للقول بأنه تصح
حوالة الكفيل أو غير حوالته، ولذا يقول
الخطيب في شرح المنهاج: (لو أبرأ الضامن
الأصیل، أو صالحه، عما سیغرم في ماله، أو
رهنه الأصیل شیئا بما ضمنه، أو قام به كفيلا لم
يصح، لا يثبت له حق بمجرد الضمان). (٢)
د - إن هبة الدين، أو الإِبراء منه، أو أخذ رهن
به، كان قبل الحوالة حقا للدائن تجاه المدين دون
غيره، أما بعد الحوالة فبالعكس، إذ يصبح حقا
للدائن تجاه المحال عليه دون المحيل. (٣)
هـ ـ لومات المحیل حوالة مطلقة، لا يأخذ
المحال الدين من تركته، لأن الحوالة باقية
(١) البحر مع حواشيه ٢٦٨/٦ و٢٦٩
(٢) شرح المنهاج ٢ / ٢٠٩، مغني المحتاج ١٩٥/٢، والفروع
٦٢٣/٢، ومطالب أولي النهى ٢٩٦/٣ و٢٩٨
(٣) البحر ٢٦٧/٦
ومقتضاها براءة ذمته، ولکنه یأخذ كفيلا من
ورثته أو الغرماء، لئلا یتْوی حقه.
المحيل ضامن لدين الحوالة :
١٠٩ - هذا الحكم انفرد به الحنفية لما هو مقرر
عندهم من أنه إذا عجز المحال عن الوصول إلى
حقه من طريق المحال عليه، فإنه يرجع على
المحیل بدینه، کما کان أولا . ولولا هذا الضمان
لما استقام ذلك، لكنه ضمان باعتبار المآل
لا باعتبار الحال، ولوشرط ضمانه في الحال
لصارت کفالة .(١)
٢ - أثر الحوالة في علاقة المحال والمحال عليه :
١١٠ - اتفق الفقهاء على أن الحوالة تشغل ذمة
المحال عليه بحق أنشأته الحوالة للمحال، وإن
اختلفوا في حقيقة هذا الاشتغال: هل هو انتفاء
الدين، أو المطالبة به، أو مجرد اشتغال ذمة
جديدة دون انتقال (كما في الكفالة).
فالمهم أن الحوالة كما أحدثت براءة في ذمة
المحيل على اختلاف في نوع هذه البراءة
ودرجتها، قد أحدثت شغلا في ذمة المحال
علیه .
ويتفرع عن هذا الشغل ما يلي:
أ - ثبوت ولاية للمحال في مطالبة المحال عليه :
١١١ - وهي مطالبة بدين ثابت في ذمة المحال
(١) الخانية بهامش الفتاوى الهندية ٧٨/٣
- ٢٢١ -

حوالة ١١١ - ١١٢
عليه (على المصحح في مذهب الحنفية من أن
الحوالة تنقل الدين أيضا، لا المطالبة وحدها) أو
هي مطالبة بدين ثابت في ذمة المحيل بناء على
أنها وثيقة بالدين ولا تنقل الدين، سواء أنقلت
المطالبة أم لا. وعلى كل حال فهذه الولاية
ليست أثرا مباشرا لصحة الحوالة بل بواسطة
الأثر السابق: أعنى اشتغال ذمة المحال عليه
بحق المحال. (ومعلوم أنه حین یکون له حق
مطالبة المحيل أيضا، بسبب اشتراط عدم
براءته، تكون الحوالة قد تجاوزت نطاقها
وصارت كفالة).
ثم قد تسقط هذه الولاية قبل الإِيفاء - إما
باختيار المحال، وإما بغير اختياره .
فمن الحالة الأولى - أن يبرىء المحال المحال
عليه إبراء إسقاط، أو إبراء إستيفاء، وتعتبر هذه
الأخيرة إقرارا بالوفاء.
ومن الحالة الثانية - أن يقدم المحيل وفاء
دينه، إذ المحال يجبر حينئذ على قبول هذا
الوفاء.
وأما إجبار المحال على قبول إيفاء دینه من
المحيل، فلم نجد أحدا عدا المالكية، يوافق
عليه بصريح العبارة أو ما يشبه صريحها، إلا إذا
کان بسؤال من المحال علیه، لأنه حينئذ نائب
عنه في إقباض الطالب، أما المبادرة التلقائية،
فإن المحيل يكون بها متبرعا، حتى إنه
لا يستحق الرجوع على أحد - خلافا للحنفية -
فهي منه منّة، ولا يوجب أحد قبول المنن إذا
استثنينا المالكية عند اللجوء إلى القضاء: فهم
عندئذ فقط يوافقون الحنفية على هذا
الإجبار. (١)
ء
ب - ثبوت حق للمحال في ملازمة المحال عليه :
١١٢ - لا خلاف في هذا الحق نفسه، وإن كان
قد يعرض الخلاف في بعض النتائج المترتبة
علیه. فمن المقرر۔ مثلا - أنه إذا كان بالدين
أكثر من ضامن، وأحيل عليهم جميعا، فإن
للمحال - كما نص عليه الشافيعة والحنابلة - أن
یطالب کلّ واحد منهم: إن شاء بجميع الدین،
وإن شاء ببعض منه. (٢)
وإذن يتوجه السؤال التالي : إذا أحال
الدائن بدینه علی اثنین کفلاه له معا، كما لوقال
أحدهما: ضمنت لك أنا، وهذا، مالك على
فلان، وقال الآخر: نعم.
ففي المسألة وجهان :
أحدهما : أنه یطالب كلا منهما بجميع الدین
- ولنفرض أنه ألف ـ قياسا على ما لورهنا به
بیتهما المشترك، فإن حصة كل منهما تكون رهنا
بجميع الألف.
(١) البحر ٢٤٩/٦، والزيلعي وحواشيه ١٥٧/٤، الخرشي
على خليل ٢٤١/٤، ونهاية المحتاج ٣٧٨/٤، ومطالب
أولي النهى ٢٢٥/٣، ٢٣٠
(٢) البجيرمي على المنهج ٢٣/٣، ومطالب أولي النهى
٢٩٧/٣ و ٣٢٢
- ٢٢٢ -

حوالة ١١٣ - ١١٥
والثاني : أنه یطالب كلا منهما بخمسمائة
لا غير، قياسا على ما لو اشتريا بيتا بألف، فإن
الثمن يكون بينهما مناصفة . (١)
ج - عدم جواز امتناع المحال عليه عن الدفع :
١١٣ - يلوم المحال عليه بالأداء الى المحال
بمقتضى عقد الحوالة، وليس له الامتناع سواء
أوقع التزام الدفع في الحوالة بلفظ الحوالة أم بما
في معناها.
ويرى الحنفية أنه إذا تعلل المحال عليه بعلة
توجب براءة المحيل، ليبرأ هو بذلك عن
الدفع، فإنه يفرق بين حالتين :
(الحالة الأولى): حالة ادعائه أمرا مستنكرا، أو
وقوفه موقف المتناقض.
وفي هذه الحالة لا تسمع دعواه، مثال ذلك:
أن يزعم أن دين الحوالة لا وجود له أصلا على
التحقيق، لأنه ثمن خمر باعها مسلم، أو لأنه
صداق امرأة نكاحها فاسد لكذا وكذا، فلا
تسمع دعواه، وإن كان معه بينة لا تقبل، لأنه
أولا يدعي أمرا نُكرا ليس بالظاهر من شأن
المسلمين، ولأنه ثانيا متناقض مع نفسه: إذ
قبوله الحوالة يكذّب دعواه .
(١) الخرشي على خليل ٢٤٧/٤، ومطالب أولي النهى
٣٢٢/٣، وفتاوى السبكي ٣٧٢/١، ٣٧٥، ومغني
المحتاج على المنهاج ٢٠٨/٢، ونهاية المحتاج على المنهاج
٤٤٤/٤
(والحالة الثانية): حالة عدم النكارة والتناقض
کلیھما .
وفي هذه الحالة تسمع دعواه، وتقبل بینته،
لأنه يدعي مشبها، ويبرهن عليه، مثال ذلك،
أن يدعي أن دين الحوالة صداق امرأة كانت
أبرأت منه زوجها المحيل، أو أن الزوج قد
نقدها إياه بعد، أو باعها به شيئا واقبضها .
وهكذا إذا كان المحيل نفسه حاضرا، وادعى
مُبرئا، ليبرأ هو أولا، ثم يبرأ المحال عليه تبعا،
أعني أنه يكون على النحوين الآنفين: إما
مرفوض الدعوى، أو مقبول البينة . (١)
د - الضمانات والدفوع
:
١١٤ - الحق الذي اشتغلت به ذمة المحال عليه
هو الدین الذي کان في ذمة المحیل وما يتبعه من
حقوق، لكن الفقهاء اختلفوا:
١ - هل ینتقل الدین بضماناته التي كانت له في
ذمة المحيل، أم لا؟
١١٥ - ذهب جمهور الفقهاء إلى بقاء الضمانات
التي هي لمصلحة المدین - كالأجل، وأسباب
سقوط الدين المحال به أصالة أو إيفاء - وإلى
سقوط الضمانات التي هي لمصلحة الدائن
كالرهن، والكفالة، بمجرد الحوالة بالدين الموثق
عليه، لأنها كالقبض، ويستدلون على أنها
(١) البحر ٢٤٣/٦، ٢٤٤ - ٢٧١، والمبسوط السرخسي
٥٦/٢٠، ٥٨، وابن عابدين على الدر ٢٧١/٤
- ٢٢٣ -

حوالة ١١٦ - ١١٨
كالقبض، بسقوط حبس البائع المبيع إذا أحاله
المشتري بالثمن، وسقوط حبس الزوجة نفسها
إذا أحالها الزوج بالصداق.
بل نصّ الشافعية على أنه إذا شرط في عقد
الحوالة بقاء الرهن بطلت، إن كان هذا الشرط
في صلب العقد، لأنه شرط فاسد، ووثيقة بغير
دین . (١)
١١٦ - وفي كلام فقهاء الحنفية ما قد يشعر بأن
الدين ينتقل بضماناته، لأنهم يستعملون في
التعبير عن انتقاله صيغ عموم تشمل تلك
الضمانات: فهم مثلا حين يعللون لماذا تكون
الحوالة بدين حال على المحال حالة، كذلك
على المحال عليه، وبدين مؤجل مؤجلة؟
يقولون: لأن الحوالة لتحويل الدين من
الأصيل، وإنما يتحول بالصفة التي كانت على
الأصيل .
ولكن يبدو أن هذا التعميم غير مقصود إلا
فيما يشبه الأجل من وجوه الدفع والتبري التي
كانت للمدين. ولذا حين يعالجون مسائل
التأمينات والضمانات، نجدهم قاطعين بنفي
انتقالها، بل بانقضائها بمجرد إبرام عقد
الحوالة . (٢)
(١) نهاية المحتاج ٤١٣/٤، ومغني المحتاج ١٩٥/٢،
والخرشي على خليل ٢٤٣/٤، وكشاف القناع ٣٨١/٣،
الفروع ٦٢٣/٢
(٢) فتح القدير ٥ /٤٥١، وحواشي البحر ٢٧٠/٦، البحر
الرائق ٢٧١/٦
والاتجاه الغالب عند الحنفية هو التفريق بين
نوعين من الضمانات .
(النوع الأول) - ضمانات لمصلحة الدائن:
١١٧ - كالكفالة والرهن، وحق البائع في حبس
المبيع بالثمن، وحق المرأة في حبس نفسها حتى
تقبض معجل مهرها وثيقة به. وهذه لا تنتقل
مع الدین بمعنى أنها لا تستمر ضمانا به في محله
الجديد، بل تنقضي بمجرد الحوالة، لأن انتقال
الدين عن ذمة المدين المحيل هو براءة لذمته،
فلا مساغ للتوثق عليها بعد براءتها، وإذن
فالدین بانتقاله یتجرد من ضماناته تلك، ویکون
في محله الجديد غير مضمون بها .
وللدائن أن يطالب المحال عليه بوثيقة
جديدة ينشئانها معا - فإن وافق فذاك، وإن أبى
فلا سبيل عليه، ولذا جاء في تلخيص الجامع :
(جاز للمحال أن يسترهن منه، أي المحال
عليه). (١)
(النوع الثاني) - ضمانات لمصلحة المدين :
١١٨ - وهي الأسباب والحجج التي تكون
للمدین التعلق بها، لدفع دعاوی دائنيه، ولذا
تسمى في العرف الحاضر بالدفوع، كالأجل
(١) فتح القدير ٤٤٦/٥، ومجمع الأنهر ١٤١/٢، والبحر
٢٦٧/٦
- ٢٢٤ -

حوالة ١١٨ - ١١٩
يتعلق به لدفع المطالبة قبل حلول الدين،
.واستحقاق المبيع، أو عدم تقومه، لدفع المطالبة
بثمنه، وسبق الوفاء أو التقاص، لدفع دعوى
بقاء الذمة مشغولة، وهذه حيث لا مانع
تنسحب على الدين في محله الجديد. ولا ينتقل
مجردا عنها، إذ يكون للمحال عليه التمسك
بها، كما كان هذا التمسك للمحیل، وما يزال،
فيمكن القول: إن الدين ينتقل بهذا النوع من
الضمانات، لأنها تسند إلى مديونية المحيل التي
هي أساس الحوالة، وإن بقيت أيضا في محله
الأول، فهي من الحقوق المشتركة .
إلا أن الظاهر من كلام الحنفية أن المحال
عليه لا يتولى الدفع بغير الأجل مما ذكر إلا نيابة
عن الأصيل، فما لم تثبت تلك النيابة، بوجه
شرعي، لا يكون له ذلك. (١) لكن في حالة
غيبة الأصیل له التعلق بهذه الدفوع دون نيابة،
ولذا جاء في البحر الرائق: (غاب المحيل،
وزعم المحال عليه أن مال المحال على المحيل
كان ثمن خمر لا تصح دعواه، وإن برهن على
ذلك، كما في الكفالة .. ولو أحال امرأته
بصداقها على رجل، وقبل الحوالة، ثم غاب
الزوج، فأقام المحال عليه بينة أن نكاحها كان
فاسدا، وبێّن لذلك وجها، لا تقبل بینته، ولو
(١) نصت المجلة في المادة ٦٩٧ على أن الحوالة إذا كانت مبهمة
من حيث التعجيل والتأجيل تتبع في ذلك الدين الأصلي.
ادعی أنها كانت أبرأت زوجها عن صداقها، أو
أن الزوج أعطاها المهر، أوباع بصداقها منها
شيئا وقبضته، قبلت بينته، وإن كان المبيع غير
مقبوض لا تقبل بینته.
والفرق أن مدعي فساد النكاح متناقض، أو
لأنه يدعي أمرا مستنكرا فلا تسمع دعواه،
بخلاف دعوى الإِبراء أو البيع، ۔ أي بيع الزوج
لا مرأته شیئا بصداقها - لأنه غير مستنكر، وكذا
في الكفالة. فعلى هذا لوادعى المحيل أنه أوفاه
الدين بعدها تسمع وتقبل بينته لأنه غير
مستنكر(١)
والتفريق بين النوعية من الضمان في الحكم
هو الاتجاه الغالب عند الحنفية، وخالف
محمد بن الحسن - على الرغم من أن الصحيح
أنه قائل كأبي يوسف بانتقال الدين إلى ذمة
المحال عليه لا المطالبة فقط - لأنه يرى أن النوع
الأول من الضمانات ينتقل أيضا مع الدین،
ویکون وثيقة به في محله الجدید، لا تنفك إلا
بسقوطه وبراءة الذمة منه .
٣ - أثر الحوالة في علاقة المحيل والمحال عليه :
أ - حق المحال عليه في ملازمة المحيل :
١١٩ - يرى الحنفية أن ملازمة المحال عليه
للمحيل خاصة بالحوالة المطلقة. أما ملازمة
(١) البحر ٢٧١/٦
- ٢٢٥ -

حوالة ١١٩ - ١٢٢
المحال للمحال عليه فهي حكم عام يثبت في
كل حوالة. وهذان الحقان في الملازمة أحدهما -
وهو حق المحال عليه - تبع للآخر - وهو حق
المحال - مادام الوفاء لم يتم بعد. (١) فإن المحال
إذا لازم المحال عليه، كان للمحال عليه أن
يلازم المحيل، ليخلصه وإذا حبسه المحال،
كان له أن يحبس المحيل، لهذا الغرض نفسه،
لکن بشریطتین أخریین:
١ - أن تكون الحوالة بإذن المحيل، أعني المدين
الأصلي.
٢ - وأن تكون الحوالة مطلقة غير مقيدة، لأنه
عند توافر هذه الشرائط، يكون المحيل هو الذي
جر على المحال عليه هذه التبعة، فعهدة
تخليصه علیه جزاء وفاقا .
أما إذا لم يلازمه المحال أو يحبسه، فبأي حق
يلازم هو المحيل أو يحبسه، والفرض أن ليس له
عليه دين؟ فإذا لم تكن الحوالة بإذن المحيل
یکون المحال علیه متبرعا بالتزامها، فلا يتوجه
له على المحيل حق، وإذا كانت الحوالة مقيدة لم
تكن ملازمته للمحيل، أو حبسه بأولى من
العكس، فيمتنعان إذ لو استعمل هو حقه في
ذلك لعامله المحيل بالمثل، فلا تكون ثم
جدوى. (٢)
(١) فتح القدير ٤٥١/٥، البحر ٢٧٣/٦
(٢) البدائع ١٩/٦، والبحر ٢٦٩/٦
١٢٠ - وواضح أن الشرائط التي شرطها الحنفية
لملازمة المحال عليه المحيل، يستغني غير الحنفية
منها عن شريطة رضا المحيل، إذ الحوالة عندهم
لا تكون إلا برضاه (ر: ف/٣٣) كما يستغنون -
باستثناء مثبتي الحوالة المطلقة منهم - عن شريطة
الحوالة المقيدة، لأن الحوالة عندهم لا تكون إلا
مقيدة (ر: ف / ٢٥).
ب - حق المحال عليه في الرجوع :
أولا - حالة الأداء الفعلي :
١٢١ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن استحقاق
رجوع المحال عليه بعد أدائه دين الحوالة،
لا يتصور في حوالة صحيحة عند غير الحنفية من
ثقاة الحوالة المطلقة، لأن المحال عليه عندهم هو
مدين للمحيل، فما يؤديه بحكم الحوالة إنما
یوفی به ذمته المحال علیھا، فلا رجوع له (ر:
ف / ٢٥ و٦٦)
١٢٢ - ويرى الحنفية أنه متى أدى المحال عليه
إلى المحال استحق الرجوع على المحيل إذا
توافرت شرائط الرجوع التالية :
١) - أن تكون الحوالة برضا المحيل:
لأن المحال عليه حينئذ إذا أدى لا يكون
متبرعا، بل يكون في حقيقة الأمر قد اشترى من
المحال الدین الذي له في ذمته بما أداه هو إلیه،
وحيث ملك الدين استحق الرجوع به على
- ٢٢٦ -

حوالة ١٢٣ - ١٢٤
المدین، کما لوورثه أو وهب منه، أما إذا كانت
الحوالة بغيررضا المدين، كما لو قال قائل
للطالب: لك على فلان ألف فاحتل بها عليّ
فقبل الطالب، فإن الحوالة حينئذ صحيحة على
المعتمد، ولكن لا تثبت للمحال علیه ولایة
الرجوع على المدين إذا أدی، لأنه يكون متبرعا
بالأداء، لا مالكا للدين بطريق الشراء حذرا من
تمليك الدين من غير من عليه الدين. وإن
الرجوع في الحوالة يكون بحكم الملك. (١)
٢) أن يؤدي المحال عليه مال الحوالة إلى
المحال :
لأنه إذا لم يؤد لم يملك الدين، وهو إنما يرجع
بحکم ملكه .
٣) أن لا يكون المحال علیه مدینا للمحیل بمثل
دينه :
لأنه لو كان مدينا لالتقى الدينان ووقع
التقاص، ومن ثم يمتنع الرجوع، لأنه لورجع
على المحيل، لرجع المحيل عليه، فيكون
عبثا . (٢)
١٢٣ - ويرجع المحال عليه بالمحال به، إلا في
حالة واحدة، هي ما إذا صالح المحال عليه
المحال عن حقه بأقل منه من جنسه فإنه يرجع بما
أدی.
(١) البدائع ١٩/٦، والبحر ٢٦٣/٦
(٢) فتح القدير على الهداية ٤٠٨/٥، البدائع ١٩/٦
فمثلا لو کان حقه مائة دينار فصالحه عنها
بثمانين، لم يكن له حق الرجوع إلا بالثمانين التي
أداها . .
والمحال عليه بعين للمحيل عنده، كوديعة
إذا لم يعط المحال تلك العین نفسها، وإنما قضی
الدین من ماله هو، يعد متبرعا لا رجوع له على
المحيل قياسا، لكنهم استبعدوا ذلك
استحسانا، ومنحوه حق الرجوع بما أدى، فإن
(١)
كان هناك غرماء فإنه يحاصهم .
ثانيا : حالة الأداء الحكمي :
١٢٤ - يقوم مقام الأداء الفعلي الأداء الحكمي
عند الحنفية . (٢)
وفي حالة الأداء الحكمي بطريق الحوالة، أي
إذا أحال المحال عليه الطالب على غير المحيل،
لا يملك المحال عليه الأول حق الرجوع على
المحيل، إلا بعد قبض الطالب فعلا من المحال
عليه الثاني، وعلله السرخسي بقوله: (لأنه
بعرضة العود على الأصيل، لأن الحوالة تنفسخ
بموت المحال عليه مفلسا). (٣)
(١) البحر ١٧٣/٦، ٢٧٤
(٢) الذي يستفاد من كلام البدائع (١٩/٦) وغيره أن الأداء
الحكمي (الذي هو في معنى الأداء الفعلي) يتحقق فيما إذا
ملك المحال عليه الدين المحال به بسبب من أسباب
الملكية، كالإِرث أو الهبة أو الصدقة.
(٣) المبسوط ٧١/٢٠، وهو قد فرض كلامه في الإِحالة بمؤجل
إلى أجل مثله أو أكثر أو أقل، ولكن الأجل =
- ٢٢٧ -

حوالة ١٢٥
ج - حق المحيل في مطالبة المحال عليه :
١٢٥ - يقرر الحنفية أن المحال عليه في الحوالة
المطلقة، إما أن يكون مدينا للمحيل أو عنده له
عين، وإما أن لا يكون :
أ) فإن كان: طولب بعد الحوالة بدینین، أو دين
وعين .
١ - دين الحوالة الذي التزمه بمقتضاها ونشأ معه
للمحال حق مطالبة لم تكن.
٢ - ودين المحيل القائم بذمته من قبل، أوماله
الذي عنده، مقترنا بحق مطالبة قديمة، فإن
هذا الحق القدیم لا ينقطع بسبب الحوالة، لأنها
لم تقید بالدین السابق ولا بالعین فبقیا کما كانا
بحقوقهما كاملة، ومنها حق المحيل في مطالبته
والقبض منه .
ویظل المحال علیه کذلك إلی أن یؤدي إلى
المحال، فإذا أدى سقط ما عليه بطريق المقاصة
لكنها مقاصة دين للمحال عليه بعين للمحيل
فتتوقف على التراضي .
ب) وإذا لم يكن للمحيل عنده شيء، فإنما
یطالب بدین واحد، وهو دین الحوالة لا غيره،
ثم إذا أداه ثبت له حق الرجوع على المحيل إن
كانت الحوالة برضاه، وإلا فلا رجوع عليه. (١)
لا تأثير له في هذا الحكم، فأمكن تعميمه ومراده
=
بالأصيل: المحيل الثاني الذي هو المحال عليه الأول.
(١) ابن عابدين على الدر ٢٩٤/٤، وحواشي البحر
٢٧٤/٦، والأشباه والنظائر بحاشية الحموي ٤٩/١
والطالب في هذه الحالة هو المحال وحده، إلا
أنه في الحوالة المؤجلة لا تستحق مطالبته أثناء
الأجل، فهي إذن لا تحل عليه إلا بموته هو،
لا بموت المحيل - وإن كان تأجيله تابعا لتأجيل
المحيل - لأن حلول الأجل في حق الأصيل، إنما
هو لاستغنائه عن الأجل بموته، فإذا مات هو
فإن المحال عليه مازال على قيد الحياة، وفي
حاجة إلى الأجل، فلا وجه لحلوله عليه بحلوله
على الأصيل، لأن الأصيل برىء عن الدين في
أحكام الدنيا والتحق بالأجانب.
وبقاء المحيل على قيد الحياة لا يؤثر في
حلول الأجل على المحال عليه بموته هو، لأنه
استغنى عن الأجل بموته، ثم إن لم يكن في
تركته وفاء بدين الحوالة، استحق الطالب
الرجوع على المحيل إلى أجله الأصلي، لأن
هذا الأجل لم يكن سقط حقيقة، وإنما سقط في
ضمن الحوالة حكما، وقد انتقضت الحوالة
بموت المحال عليه مفلسا فينتقض ما تضمنته،
أعني سقوط الأجل. نظيره: ما لو أن المدين
بدین مؤجل باع به سلعة من دائنه ثم استحقت
السلعة، فإن الأجل يعود، لأن سقوطه إنما كان
بحكم البيع، وقد انتقض البيع.
نعم إن كان الأجل باقيا لكن المحال عليه
نزل عنه فذاك، إذ الأجل حقه فيسقط
بإسقاطه. (نظيره ما لو أسقط الأصيل الأجل
- ٢٢٨ -

حوالة ١٢٦ - ١٢٩
قبل الحوالة) ثم إن أدى قبل الموعد الأصلي
لحلول الأجل فليس له أن يرجع على المحيل
حتى يحل ذاك الموعد، إذ إسقاط الأجل صحيح
في حقه، لا في حق المحيل. (١)
١٢٦ - ويقرر الحنفية كذلك في الحوالة المقيدة أن
المحيل لا يملك مطالبة المحال عليه بالمال الذي
قید وفاؤها به، لأنه قد تعلق به حق المحال،
فإنه إنما رضي بنقل حقه إلى المحال عليه على
أن یوفیه حقه مما للمحیل عنده، فتعلق به حق
استيفائه، فلو أخذه المحيل لبطل هذا الحق،
فلا يسلط على أخذه، وإلا فات الرضا،
وبطلت الحوالة .
وبعبارة أوجز: لما قيدت الحوالة بشيء تعلق
حق الاستيفاء به كالرهن، فلا يزاحم فيه
المستحق، ولا يدفع إلى غيره. فإذا اتفق أن
المحال علیه دفعه إلى المحیل وجب عليه ضمانه
للمحال، لأنه فوت علیه ما تعلق به حقه، كما
لو استهلك الرهن أحد، فإنه یضمنه لصاحب
حق الاستيفاء منه وهو المرتهن. (٢)
١٢٧ - وهذان الأثران ليسا عند جماهير الفقهاء
من غير الحنفية مجرد سقوط مطالبة المحيل ومنع
الدفع إلیه، لأن حقه صار کالمرهون، بل عند
(١) فتح القدير ٤٥١/٥ - ٤٥٢، المبسوط السرخسي
٧١/٢٠
(٢) فتح القدير مع العناية ٤٥١/٥، والزيلعي على الكنز
١٧٤/٤، وابن عابدين على الدر ٢٩٤/٤
الجماهير يبرأ المحال عليه من دين المحيل، ومن
ثم يمتنع الدفع إلیه، لأن حقه صار ملكا
للمحال، ولذا إذا توي فإنما يتوى على المحال
نفسه. (١)
انتهاء الحوالة :
١٢٨ - انتهاء الحوالة قد يكون بأداء مالها إلى
المحال، وقد یکون بما يساوي هذا الأداء، وقد
يكون بدون هذا وذاك، ويمكن ترتيب ذلك . .
في فرعین :
أولا - انتهاء الحوالة بالتنفيذ :
١٢٩ - إذا أدى المحال عليه مال الحوالة - بعينه
إن كان عينا، وبمثله إن كان دينا - إلى المحال أو
من ينوب منابه فهذه هي غايتها المنشودة .
ومتى انتهت إلى غايتها فلا بقاء لها. بل لو
تحققت هذه الغاية لا عن طريق المحال عليه
مباشرة، بل عن طريق متبرع بالوفاء - وهو
لا يكون إلا متبرعا عن المحال عليه، ما لم
يصرح بخلافه - فإن هذا الوفاء والذي قبله
سواء، من حيث إنهاء الحوالة . (٢)
وقد لا يؤدي المحال عليه العين نفسها التي
قيدت بها الحوالة، ولا مثل دينها - مطلقة كانت
أو مقيدة - ومع ذلك تنتهي الحوالة، لأنه قد وقع
ما يساوي هذا الأداء، كما في الحالتين التاليتين:
(١) نهاية المحتاج ٤ /٤١٣ - ٤١٤
(٢) البدائع ١٩/٦
- ٢٢٩ -

حوالة ١٣٠ - ١٣١
أ) أن يؤدي المحال عليه شيئا آخر عن تراض
بينه وبين المحال: كما لو كانت الحوالة مقيدة
بوديعة - ككتاب أو أكثر - فيؤثر المحال عليه
الاحتفاظ لنفسه بالوديعة لرغبته فيها ویعیض
المحال منها قيمتها نقدا، أو کان المحال به دینا
على المحیل، مقداره ألف دینار مثلا، فیرغب
المحال عليه وهو تاجر أن يبايع بها المحال
فيعرض عليه أن يعيضه من دنانيره، بضائع
کثیاب أو غيرها.
ب) أن يموت المحال، ویرث المحال علیه مال
الحوالة: لأن الإِرث من أسباب الملك فيملك
المحال عليه الدين في هذه الحال. (١)
وهذا یعادل تماما ما لو كان قد وفاه دینه قبل
وفاته، ثم عاد إليه المال بطريق الميراث.
وفي معنى الإِرث أن يهب المحال المحال عليه
دين الحوالة أو يتصدق به عليه فيقبل أولا يرد.
ثانيا : انتهاء الحوالة دون تنفيذ :
١٣٠ - تنتهي الحوالة دون تنفيذ في حالتين:
الأولى : الانتهاء الرضائي .
الثانية: الانتهاء غير الرضائي .
الأولى الانتهاء الرضائي :
وذلك بطريقين :
(١) نفس المراجع.
(الأول) الانتهاء بطريق التقايل (التراضي على
الفسخ).
(الثاني) الانتهاء بطريق الإِبراء.
أ - الانتهاء بطريق التقايل (التراضي على
الفسخ).
١٣١ - الفسخ في اصطلاح الفقهاء هو إنهاء
العقد قبل أن يبلغ غايته، وعبارة ابن نجيم :
(الفسخ حلّ ارتباط العقد).
فإذا أراد واحد أو أكثر من أطراف الحوالة -
دون أن يكون له خيار الشرط - أن يرجع في
الحوالة، فقد قال الحنفية: (إن المحيل والمحال
يملكان النقض) أي نقض الحوالة. وظاهر أنهم
يعنون أن يكون ذلك عن تراض بينهما، لا أن
يكون بطريق الإِرادة المنفردة . (١)
وعلى ذلك فإن المحيل لا يملك إبطال
الحوالة بعد ثبوت صحتها .
أما المحال عليه، فإذا تراضى مع بقية
أطراف العقد على نقضه فذاك. وإذا تراضى
الطرفان الآخران واعترض هو، فلا قيمة
لاعتراضه هذا، لأن العقد حقهما، ولصاحب
العقد إسقاطه. أما أن يستبد هو بفسخ العقد
فهذا ما لا سبيل إليه. (٢)
(١) الأشباه والنظائر ١٩٤/٢، والبحر ٢٧٢/٦ نقلا عن
البزازية .
(٢) مجمع الأنهر ٩٥/٢، والبحر ٢٧٠/٦، ٢٧٣
- ٢٣٠ -

حوالة ١٣٢ - ١٣٦
١٣٢ - ومفاد ما تقدم: أن الحوالة عند الحنفية
تقبل التفاسخ والتقايل برضا الطرفين الأولين
فیه والمحيل والمحال فقط، ولا يتوقف ذلك
على رضا المحال عليه .
وقد نقل الخطيب عن الرافعي (عدم صحة
التقايل في الحوالة، كما أن المتولي مصرح بأن
الحوالة من العقود اللازمة، وأنها لو فسخت
لا تنفسخ).
والذي ذكره السيوطي في فتاويه أن البلقيني
حكى في صحة إقالتها خلافا، نقلا عن
الخوارزمي، وكل ما فعله أنه رجح الصحة لما مر
من أنها بیع، كما أنه يوجد بإزاء نص المتولي العام
نص عام يقابله، وهو قولهم: (فسخ الحوالة
انقطاع من حينه) وإذن فالخلاف ثابت في
المذهب. (١)
١٣٣ - ويستوي عند الحنفية أن يكون التراضي
علی الفسخ إلی غیر بدیل، أو إلی بدیل. ومن
النوع الثاني تصريحهم بأن (الحوالة إذا تعددت
على رجلين كانت الثانية نقضا للأولى) فهذه
كأنها استعاضة عن حوالة بحوالة.
فإذا كان الرجلان المحال علیھما بمثابة رجل
واحد، لأنهما أصيل وكفيله، وإنما التعدد
الحقيقي في جانب المحال، فإن الثانية لا تكون
نقضا للأولى، بل إما أن تصح الحوالتان، وإما
(١) مغني المحتاج على المنهاج ١٩٦/٢، والحاوي للفتاوى
للسيوطي ١٦٧/١ والأشباه للسيوطي ٢٣٧
أن تصح الأولى، وتلغو الثانية. والسرّ في ذلك
أن الحوالة على الكفيل لا تقتضي براءة الأصيل
من حق المحيل، فيتسنى للمحيل أن يحيل عليه
بعد أن أحال على الكفيل، بخلاف العكس،
إذ إن الحوالة على الأصيل تقتضي برائته وبراءة
الكفيل كليهما من حق المحيل براءة مراعاة -
وسماها بعضهم: تأخير المطالبة - فلا يسعه بعد
أن أحال على الأول أن يحيل على الثاني، وقد
أصبح بريئا.(١)
ب - الانتهاء بطريق الإِبراء :
١٣٤ - إبراء المحال للمحال عليه من دین
الحوالة يقع تحت احتمالين فهو إما أن يكون إبراء
استيفاء، أو إبراء إسقاط.
١٣٥ - أ) فإذا كان إبراء استيفاء فإنه في معنى
الإِقرار بالقبض. وعندئذ تنتهي الحوالة بما دل
عليه هذا الإِبراء من وقوع الوفاء فعلا. وتصبح
المسألة من قبيل النهاية بطريق الأداء، ويترتب
فيها ما يترتب على أداء الحوالة من حق المحال
عليه في الرجوع بدين الحوالة على المحيل إن لم
یکن مدینا له بمثله. فإن كان مدینا له وقع
التقاص بينهما .
١٣٦ - ب) وأما إذا كان إبراء المحال للمحال
عليه إبراء إسقاط قبل الوفاء، فإنه يخرج به
(١) البحر ٢٧٢/٦
- ٢٣١ -

حواله ١٣٧ - ١٣٨
المحال عليه من الحوالة كما صرح به صاحب
البدائع(١) وغيره. وعندئذ يسقط حق المحال في
دين الحوالة سقوطا نهائيا، ولو كانت الحوالة
على كفيل المدين ومقيدة بدين الكفالة.
ذلك لأن حق المحال قد تحول عن المحيل
بمقتضى الحوالة نفسها حيث يبرأ بها المحيل
ويحل محله المحال عليه في التزام الأداء.
فإذا أبرىء المحال عليه لم يبق للمحال حق
تجاه أحد، سواء أكان المحال علیه مدینا أصليا
للمحيل أم كفيلا أم غير مدين أصلا، بأن
كانت الحوالة مطلقة عند الحنفية.
١٣٧ - ج) وقد يقع هذا الإِبراء - إبراء الإسقاط
۔من المحال للمحال علیه بعد أن أدی هذا إلیه
دين الحوالة، ويكون هذا عند الحنفية إبراءاً
صحيحا، بناء على نظريتهم في أن إيفاء الديون
.لا يسقطها من الذمم، وإنما يؤدي إلى المقاصة
وامتناع المطالبة: فإن الدين قبل الوفاء يكون
قائما بذمة المدين، وبالأداء يقوم دين نظيره في
ذمة الدائن المستوفي، أي يصبح المدین دائنا
أيضا لدائنه فیصیر کل منهما دائنا ومدینا للآخر،
فتمتنع المطالبة من الجانبين لعدم فائدتها، وهذه
هي المقاصة. (٢)
(١) البدائع ١٩/٦
(٢) وهذا معنى المبدأ الفقهي المقرر عند الحنفية: إن الديون إنما
تقضى بأمثالها، أما الأعيان فتستوفى بذواتها کما قرره في رد
المحتار في أواخر التصرف في المبيع والثمن وفي أوائل باب
الوكالة بالخصومة والقبض).
فالإِبراء بعد الأداء الأصل فيه أن يكون إبراء
استيفاء، لكن إذا صرح المبرىء أو دلت
القرائن على أنه أريد به الإِسقاط فإنه يصادف
دينا قائما فيسقطه، ولكن هذا لا يؤثر في الحوالة
التي تنتهي بمجرد الأداء، وإنما يقتصر أثره على
أن يصبح للذي أبرىء - أي المحال عليه - حق
مطالبة المحال الذي أبرأه بما كان قد أداه إليه،
لأنه بعد الإِبراء أصبح المقبوض بلا مقابل،
فتنتقض المقاصة السابقة التقدير.
هذا، ولا نعلم أحدا من أهل العلم
والاجتهاد يقول بما يقول به الحنفية في هذا
الشأن، أي بصحة الإِبراء بعد الوفاء، بناء على
نظريتهم الآنفة الذكر.
الثانية - الانتهاء غير الرضائي :
وذلك في أربع حالات :
١ - الانتهاء بموت المحيل :
١٣٨ - يرى جمهور الفقهاء عدم انفساخ الحوالة
بموت المحيل، لأن المال قد تحول من ملك
المحيل إلى ملك المحال (ر: ف/ ١٢٧)
وما تأثير موت المحيل في الحوالة بعد صحتها
ولزومها إلا كتأثير موت بائع السلعة بعد صحة
البیع ولزومه، بل بعد إقباضه إياها فضلا عن
الصحة واللزوم، لأن الحوالة عندهم بمثابة
الإِقباض والتسليم. نعم تتأثر الحوالة بموت
- ٢٣٢ -

حوالة ١٣٨ - ١٤٠
المحال عليه، إذ يحل به دينها المؤجل، وفي ذلك
يقول صاحب نهاية المحتاج: (لو أحال بمؤجل
على مثله حلّت الحوالة بموت المحال عليه،
ولا تحل بموت المحيل، لبراءته بالحوالة).
ويؤخذ مثله من نص المالكية في الضمان،
وفي الشرح الكبير للحنابلة: (فإن مات المحيل
أو المحال فالأجل باق بحاله، وإن مات المحال
عليه انبنى على (قاعدة) حلول الدين بالموت -
أي بموت المدین - ).
وفيه روايتان (ولا يعلم في حلول الدين
بموت المدین خلاف لأحد من أرباب المذاهب
المدونة سوى أحمد في إحدى هاتين
الروایتین). (١)
ویترتب على ذلك عند الجمهور أن ما قبضه
المحال من المحال عليه - قبل موت المحيل أو
بعده، في صحته أو مرضه- كل ذلك هو له
خاصة لا يشركه فيه أحد من غرماء المحيل، كما
لا يشركونه في سلعة كان اشتراها في حال
الصحة .
ويرى الحنفية أنه إذا مات المحيل حوالة
مطلقة لا تنفسخ هذه الحوالة .
ثم إن كان له على المحال عليه مال (بالمعنى
الشامل للدین توسعا، فإنه مال حکمي عند
الحنفية) فلا شأن للمحال بهذا المال ولا تعلق
(١) الخرشي على خليل ٢٤٣/٤، والشرح الكبير ٥٩/٥،
والنهاية على شرح المنهاج ٤١٢/٤
لأن حقه في ذمة المحال عليه، وهذا المال تركة
للمحيل، فيؤول إلى ورثته، بعد أن تقضى منه
الحقوق المقدمة، کالدیون الأخری غیر دین
المحال، لأنه لا يعود على المحيل مادامت
الحوالة قائمة، وموت المحيل لا يبطل الحوالة
المطلقة . (١)
١٣٩ - وأما في الحوالة المقيدة، فقد يموت
المحيل قبل استيفاء دينها، وفي هذه الحالة
تنفسخ الحوالة، لأن المال الذي قیدت به قد
استحق من المحال عليه، ودخل في تركة
المحيل، وعلى هذه التركة يعود المحال بدینه،
ويكون أسوة الغرماء، هكذا علل صاحب -
البدائع - ثم فرق بين الحوالة والرهن، بأن
المرتهن اختص بغرم الرهن من بين سائر
الغرماء، لأنه إذا هلك سقط دينه خاصة، ولما
اختص بغرمه اختص بغنمه، لأن الخراج
بالضمان. وأما المحال في الحوالة المقيدة فلم
يختص بغرم ذلك المال، لأنه لوتوي لا يسقط
دینه عن المحیل.
فلما لم يختص بغرمه لم يختص بغنمه، ویکون
أسوة الغرماء. (٢)
١٤٠ - ومن نتائج القول بالانفساخ عند
الحنفية :
أ) إِن المحال إذا رجع إلى تركة المحيل وعرف
(١) البدائع ١٧/٦، وحواشي البحر ٢٧٤/٦
(٢) البدائع ١٧/٦
- ٢٣٣ -

حوالة ١٤٠ - ١٤٣
نصيبه في القسمة بين الغرماء، فأراد أن يستوفي
نصيبه هذا من المحال عليه بدلا من التركة، لم
يجزله ذلك، لأن ما على المحال عليه صار
مشتركا بين المستحقين.
ب) لو نقصت حصة المحال في المقاسمة عن
الوفاء بدینه، لا یکون له حق الرجوع بما بقي له
علی المحال علیه، لأنه صار تاویا فلا يرجع به
علی أحد.
ج) إن كان المحال قد قبض شيئا من دين الحوالة
قبل موت المحيل ۔ ولو في أثناء مرضه-فله
ما قبضه، ثم يحاص الغرماء في الباقي. لكن في
حالة القبض، والمحيل مريض مرض الموت،
یوجد في كلام بعضهم تفرقة بین قبض الدين
وقبض العين.
١ - ففي قبض الدين يسلم للمحال ما أخذه،
ولا سبيل للغرماء عليه، لكن يكون المحال عليه
- بأدائه الدين - غريما للمحيل يستحق الرجوع
علیه کسائر الغرماء، ولا يملك الاستئثاربما كان
في ذمته ليقع التقاص، بل يشاركه فيه الغرماء،
ولا يسلم له منه إلا حصته في المحاصة.
٢ - أما في قبض العين - كالوديعة والمغصوب -
فبالعكس: أي لا سبيل حينئذ لغرماء المحيل
على المحال عليه، لكن لا تسلم العين المأخوذة
للمحال، بل يحاصه فيها الغرماء. (١)
(١) ابن عابدين على الدر ٢٩٢/٤، ٢٩٤ نقلا عن البحر،
الزيلعي على الكنز ١٧٤/٤، المبسوط السرخسي=
٢ - الانتهاء بموت المحال عليه :
١٤١ - نص بعض الحنفية على أن الحوالة
تنتهي بموت المحال علیه، وذهب آخرون منهم
إلى أن الحوالة لا تنتهي بموت المحال عليه سواء
مات مدینا أم غیرمدین. إلا أن يكون قد مات
مفلسا، فإن الحوالة حينئذ تنتهي في الدین کله۔
إن لم يترك وفاء بشيء منه - أو تنتهي في باقيه،
إن ترك وفاء ببعضه، ويرجع الباقي إن مات
المحال علیه مفلسا، وسیجیء في التوی (ر:
ف/١٦٤): ذلك أن التركة خلف عن صاحبها
في قضاء دينه، كما صرح به السرخسي في
المبسوط. (١)
٣ - الانتهاء بفوات المحل :
أ) ارتفاع المال المحال به أصالة:
١٤٢ - اتفق الفقهاء على أنه إذا أحال المشتري
البائع بالثمن على ثالث، ثم استحق المبيع،
تبطل الحوالة، لأنه تبين أن المحيل - وهو
المشتري ۔۔ غیرمدین للمحال ـ البائع - ومدیونیة
المحيل للمحال شريطة لانعقاد الحوالة لا تقوم
بدونها كما تقدم بیانه (ف /٥٩).
ب) ارتفاع المال المحال عليه أصالة:
١٤٣ - في الحوالة المطلقة: لو كان للمحيل على
= ٧١/٢٠، الفتاوى الهندية ٣٠٠/٣، والبحر الرائق
٢٧٦/٦
(١) ابن عابدين على الدر المختار ٢٩٤/٤، المبسوط
٧٢/٢٠، مجمع الضمانات لابن غانم ٢٨٢
- ٢٣٤ -

حوالة ١٤٤
المحال عليه دين أوعين هي أمانة أو مضمونة،
فاستحقت أوتبين أن الدين لم يجب أصلا في
حقيقة الأمر، كما لوكان ثمن مبيع فاستحق
المبيع، فإن الحوالة تبقى كما هي صحيحة
نافذة، لا يتطرق إليها بطلان أو انفساخ، لأن
دين الحوالة المطلقة إنما يتعلق بذمة المحال عليه -
كما سبق بيانه - وفي الذمة سعة، فلا يتأثر بمثل
هذه العوارض، وقد سبق بحث ذلك (ر:
ف/٦٦).
١٤٤ - أما في الحوالة المقيدة: فيقرر الفقهاء في
الجملة أن المال الذي تقيد الحوالة بإيفاء دينها به
أو منه، إذا کان عينا - أمانة كانت أو مضمونة
كالمغصوبة - ثم تبين استحقاقها لغير المحيل، أو
کان دینا ثم تبین انعدامه من الأصل لا بسبب
عارض، أي أن الذمة لم تشغل به أصلا، لا أنها
شغلت ثم فرغت بسبب طارىء: فهنا يتبين
بطلان الحوالة، بمعنی عدم انعقادها بتاتا .
مثال ذلك في الأعيان: رجل له عند رجل
ألف دينار. بطريق الوديعة أو الغصب، فأحال
عليه بها دائنا له، ثم بعد ذلك تبين أن هذه
الدنانیر ليست ملكا للمحیل، ولا له عليها
ولاية، كما لو كانت في يده بطريق السرقة، أو
ظهرت مستحقة لغيره، فإن الحوالة تبطل لأنها
علقت بمعدوم حكما.
ومثاله في الديون: رجل باع آخر منزلا أو
خلا، فأحال علیه بالثمن دائنا له، ثم بعد ذلك
استحق المبيع أوتبين أن الخل خمر، فتبطل
الحوالة، لأنها قيدت بدين لم يكن له وجود قط.
وفي جميع الأحوال متى بطلت الحوالة، فإن
الدين يعود على المدين الأصلي، وهو
المحيل. (١):
ومن أمثلتهم : ما لوباع منزلا، وأحال على
ثمنه، أو أحيل هوبه، ثم تبين أن المنزل
موقوف، إما ببينة، وإما بإقرار الأطراف الثلاثة -
المحيل والمحال والمحال عليه -. وكذا عند
الشافعية ما لو أحال على أجرة شهر لدار له،
فمات المستأجر خلاله، إذ قالوا: تبطل الحوالة في
مقابل ما بقي من المدة، لبطلان الإِجارة فيها .
قال الباجي في تعليل القول: بأن الحوالة
باطلة، والدين كما كان، ولو دفع المحال عليه
إلى المحال لرجع عليه به، فهو أن المحال عليه
ليس طرفا في عقد الحوالة، وإنما يلزمه أن يدفع
الثمن للبائع المحيل - مباشرة، أو بواسطة
كالمحال - لأنه مستحق عليه للبائع بعقد آخر،
فإذا سقط استحقاقه بهلاك المبيع مثلا قبل
التسلیم برئت ذمته من الثمن فلا يكلف أداءه،
وإن کان قد دفعه حق له استرداده، ومعلوم أن
من شرائط الحوالة أن يكون على المحال عليه
مثل ما على المحيل، فإذا انتفى الشرط، انتفى
(١) البحر الرائق ٢٧٥/٦، وابن عابدين على الدر ٢٩٣/٤
- ٢٣٥ -

حوالة ١٤٥ - ١٤٧
المشروط. قال ابن المواز: هذا أحب إليّ، وهو
قول أصحاب مالك كلهم.
ويرى ابن القاسم من المالكية أن الحوالة
معروف، وأنها لا تبطل بتبين أن لا دين على
المحال عليه، ويرجع بعد أدائه على المحيل.
وعلل الباجي تعليل كلا الوجهين
عندهم. (١)
أما تعلیل قول ابن القاسم بعدم البطلان فهو
أن الحوالة عقد لازم، فلا ينتقص في حق المحال
باستحقاق سلعة لم یعاوض هو علیها بدین
الحوالة سواء قبضه أم لم يقبضه بعد.
ج - ارتفاع المال المحال به عروضا:
١٤٥ - يرى الحنفية أنه إذا أحال المشتري البائع
بالثمن على ثالث، حوالة مقيدة (أو مطلقة)،
ثم هلك المبيع عند البائع قبل تسليمه إلى
المشتري أورد عليه بعيب بعد التسليم، تبطل
الحوالة، لأنه قد تبين أن المحيل (وهو المشترى)
غير مدين . (٢)
(١) فتاوى التقي السبكي ٣٤٩/١، ونهاية المحتاج ٤١٨/٤،
الإنصاف ٢٢٩/٥، والمنتقى على الموطأ ٦٧/٥ - ٦٨،
مطالب أولي النهى ٣٢٩/٣ .
ولا ريبة في وضوح النهج الذي سلكه أشهب. ولیس
يضيره أن تكون طبيعة عقد الحوالة اللزوم، فإن ذلك إنما
هو حين تصادف محلها الصالح لها وتستوفي شرائط
الصحة .
(٢) البحر ٢٧٥/٦، وابن عابدين ٢٩٤/٤
د - ارتفاع المال المحال عليه عروضا:
١٤٦ - ذهب الحنفية إلى أن المال المحال عليه
إذا كان ثابتا ثم طرأ عليه الارتفاع له ثلاث
حالات.
(الحالة الأولى) - ارتفاع المحال عليه عروضا في
الحوالة المطلقة :
١٤٧ - إذا كان للمحيل مال عند المحال عليه
ولكن الحوالة صدرت مطلقة لم يقيد فيها الوفاء
بذلك المال، فإن هذه الحوالة المطلقة لا تبطل
بفوات المال الذي للمحيل عند المحال عليه
سواء أكان بخلويده من العين التي كانت له
عنده بهلاك، أم كان باسترداد المحيل ماله من
المحال عليه، إذ إن حق الطالب إنما تعلق بذمة
المحال عليه، لا بشيء، عنده أو عليه، وفي
الذمة سعة. فللمحيل أن يطالب المحال عليه
بما له عنده، كما أن للمحال أن يطالبه بدين
الحوالة. فإذا أدى هذا الدين الأخير، سقط عنه
الدين الأول بطريق المقاصة بين دين الحوالة
الذي أدّاه ودين المحيل .
وقد سئل ابن نجیم عن مدین باع دائنه شيئا
بمثل دينه، ثم أحال عليه بالثمن أو بنظيره،
هل تصح الحوالة؟ فأجاب: (إن وقعت بنظير
الثمن صحت، لأنها لم تقيد بالثمن - ولا يشترط
لصحتها دين على المحال عليه - وإن وقعت
بالثمن فهي مقيدة بالدين، وهو مستحق
- ٢٣٦ -

حوالة ١٤٨ - ١٥٠
للمحال عليه، لوقوع المقاصة بنفس الشراء،
وقدمنا أن الدين إذا استحق للغير فإنها
تبطل). (١)
(الحالة الثانية) - ارتفاع المال المحال عليه
عروضا في الحوالة المقيدة بعين:
١٤٨ - لا تبطل الحوالة المقيدة إذا كان المال
الذي قيدت به الحوالة عينا مضمونة، ثم لحقها
الهلاك بسبب طارىء، كما لوضاعت أو سرقت
أو تلفت في حريق مثلا، فإن الحوالة تبقى كما
هي، ومطالبة المحال عليه متوجهة، كما كانت
قبل التلف لأن الحوالة قیدت حين عقدت
بشيء موجود فعلا، فلا يضير ارتفاعه
الطارىء، لأن العين المضمونة كالمغصوب مثلا
إذا هلكت وجب على ضمانها مثلها، إن كانت
مثلية، وقيمتها إن كانت قيمية، فيكون فواتها
إلى خلف. والفوات إلى خلف كالبقاء حكما،
لأن الخلف قائم مقام الأصل، فيتعلق به حق
المحال.
وهذا منطبق تماما على الأمانات التي تفوت
بتعدي من هي عنده، إذ هي إذ ذاك تدخل في
عداد الأعيان المضمونة بخلاف الفوات بطريق
استحقاق العين للغير، ولو كانت مغصوبة،
فإن الذمة تبرأ فیه من ضمانات الفائت بعوده
(١) البحر ٢٧٥/٦، وابن عابدين على الدر ٢٩٣/٤ - ٢٩٤
إلى مالكه، فيفوت إلى غير خلف، ولذا تبطل
الحوالة به، كما تقدم (ر: ف/ ١٤٣)
أما فوات الأمانات بغير تعدي من هي
عنده، کالوديعة إذا احترقت أو سرقت، فإنه
ينهي الحوالة، وتبرأ ذمة المحال عليه ويعود
الدين على المحيل. (١)
وإذا استرد المحيل من المحال عليه العين
التي قيدت الحوالة بالأداء منها، لا تبطل الحوالة
ولا تتأثر بذلك، لأن المحال علیه متعد بدفع
ما تعلق به حق المحال إلی من ليس له حق
أخذه، وربما كان هذا کیدا یکیده للمحال،
فيضمن المحال عليه للمحال، ويرجع هو على
المحيل بما أخذه. (٢)
(الحالة الثالثة) - ارتفاع المال المحال عليه
عروضا في الحوالة المقيدة بدین :
١٤٩ - إذا استوفى المحيل من المحال علیه دينه
الذي قيدت به الحوالة، لا تبطل الحوالة بذلك
ولا تتأثر به في شيء للسبب المذكور في حالة
استرداد المحيل العين التي قيدت بها الحوالة. (٣)
١٥٠ - لا تبطل الحوالة المقيدة إذا كان المال
(١) مجمع الأنهر ١٤١/٢، والعناية على الهداية ٥/ ٢٥٠، وقد
نصت المجلة على البطلان في المادة / ٦٩٤
(٢) مجمع الأنهر ١٤١/٢ - ١٤٢
(٣) المرجع السابق.
- ٢٣٧ -

حوالة ١٥١ - ١٥٢
الذي قیدت به الحوالة دینا فات بأمر عارض بعد
الحوالة كذلك.
مثاله: رجل باع بضاعة بألف دينار، وأحال
على المشتري بثمنها، ثم احترقت البضاعة
مثلا أو غرقت قبل تسليمها إلى المشتري، أو
ردت بعیب، أو خیارما ۔ ولو بعد التسليم - أو
تقايلا البيع، فإن الثمن يسقط عن المشتري،
ولكن لا تبطل الحوالة، لأن الدين الذي قيدت
به کان قائما عند عقدها، فلیس یضر سقوطه
بعد. ثم إذا أدى المحال عليه استحق الرجوع
على المحيل، لأنه قضی دينه بأمره. (١)
فإذا كان المشتري في المثال الآنف هو المحيل
للبائع بالثمن، فقد تقدم في الفقرة (١٤٥)
حكمهم ببطلان الحوالة .
١٥١ - والشافعية يوافقون الحنفية على هذه
التفرقة تمام الموافقة، فيما اعتمدوه، وكذلك
الحنابلة، فيما عليه القاضي وأصحابه، وإن
کانوا کسائر الحنابلة لا يبطلون الحوالة بعد قبض
دینها، ويقولون : يتبع صاحب المال ماله حیث
كان. (٢) وهووجه لبعض الشافعية
(١) البحر الرائق ٢٧٥/٦ والفتاوى الهندية ٣٠٦/٣
(٢) المغني لابن قدامة ٥٦/٥ والإنصاف ٢٢٩/٥، ونصت
المادة ٦٩٣ من المجلة على أن المحال عليه يرجع على
المحيل .. كما نص مرشد الحيران في المادة/ ٩٠٢ على أنه
إذا أحال البائع أحدا بالثمن على المشتري فأداه إلى المحال
له، ثم استحق المبيع بالبينة يرجع المشتري بما =
(ر: ف / ١٥٠) وقد علل الشافعية وموافقوهم
بقولهم: إن الدين سقط في الحالين بعد ثبوت،
فصار كأن لم یکن، نظيرما لو تبين أنه ثمن خمر
موقوف، ومقتضى ذلك بطلان الحوالة فيهما، إلا
أنه منع من ذلك مانع في حالة الحوالة علیه، وهو
تعلق حق الغيربه، وهذا الغير هو المحال.
وقد استنبط بعض متأخري الشافعية من
هذا التعليل أنه في حالة الحوالة به - أي بالثمن
من قبل المشتري - لو أن المحال - وهو البائع -
كان قد أحل مكانه دائنا له، بطريق الحوالة،
قبل سقوط الدين، لم تبطل الحوالة أيضا لتعلق
حق الغير. (١)
١٥٢ - ثم الأصح أنه لا فرق عند الشافعية - في
حالتي البطلان وعدمه - بين أن يكون طروء
الطارىء المسقط للدین قد وقع بعد قبض دین
الحوالة أو قبله.
ويترتب على بطلانه بعد القبض، أن يرجع
صاحب المال (المحيل) على المحال الذي قبضه
- إما بعينه إن کان باقیا، أو ببدله إن كان تالفا -
ولورده المحال على المحال عليه، لأنه لا يملك
الحق في هذا الرد، فقد قبض بإذن، فإن لم يقع
القبض عن نفسه، وقع عن الآذن، ویتعین حقه
فیما قبضه.
= أداه على البائع لا على المحال الذي قبضه، وإن لم يظفر
بالبائع .
(١) مغني المحتاج على المنهاج ١٩٦/٢
- ٢٣٨ -

حوالة ١٥٣ - ١٥٤
ويترتب على بقاء صحتها قبل القبض أن
المحال عليه لا يملك الرجوع على المحيل إلا
بعد الدفع .
ويفرق الحنابلة وبعض الشافعية في ذلك بین
ما قبل القبض وبعده: فبعد القبض لا تبطل
الحوالة عندهم جزما، بل يتبع صاحب المال
ماله حيث كان. أما قبل القبض فعندهم
قولان: بالبطلان وبعدمه . (١)
ء
أما أشهب - وهو الذي اعتمد متأخرو المالكية
طريقته في المسألة - فيطلق القول هنا بعدم
البطلان، لأن الفسخ عارض - إلا أنه يبطل
الحوالة بالثمن أو عليه، إذا رد المبيع بعيب. (٢)
١٥٣ - والتفرقة بين الحوالة بالدين والحوالة
عليه، جارية على المعتمد عند الشافعية، وعلى
قول القاضي وأصحابه عند الحنابلة، ومن
هؤلاء وهؤلاء مخالفون: يسوون بين الحوالة
بالدين والحوالة عليه في البطلان، لما قدمناه
هناك، ولا يأبهون لتعلق حق الغير، لعدم فائدة
الحوالة . (٣)
(١) مغني المحتاج ٢ /١٩٦ والمغني ٥٦/٥ والإنصاف ٢٢٩/٥
(٢) وهذا الإِبطال لا يتفق مع التأصيل الذي أصله، إلا إذا
جرينا على أن الرد بالعيب رفع للعقد من أصّله، لا من
حينه، وهما قولان عند المالكية وغيرهم (الخرشي على
خليل ٢٣٦/٤)
(٣) المغني لابن قدامة ٥٦/٥
وآخرون : يسوون بينهما في الصحة - منهم
أبو علي الطبري من الشافعية ۔۔ فهم لا ينظرون
إلى تعلق حق أجنبي، بل إلى أن الدين كان
قائما عند عقد الحوالة على أية حال وصحت
الحوالة وبرئت بها ذمة المحيل، فلا يضر سقوطه
بعد ثبوته، لأنه يغتفر في البقاء ما لا يغتفر في
الابتداء .
والقياس الذي كان أبو علي الطبري نفسه
يتعلق به: هو أن الحوالة بالدين وعليه، إذا طرأ
فاسخ لسبب وجوبه، تقاس على التصرف في
أحد عوضي البیع، إذا طرأ ما یفسخه، كما لو
اشتری زید بثوبه شیئا ما من عمرو، وباع زید
هذا الشيء ثم رد عليه الثوب بعيب، فإن
الصفقة الثانية ماضية. والجامع في هذا القياس
أن كلا منهما صفقة سبقتها أخرى، فلا يؤثر في
الثانية طرؤ انفساخ الأولى. (١)
٤ - الانتهاء بالتوى:
١٥٤ - التوی في اللغة : وزان الهوی ۔ وقد يمد
- التلف والهلاك. هكذا عمم في - المصباح -
وقصره صاحب - الصحاح - على هلاك المال.
ويشتق منه فيقال: توي المال۔۔ من باب فرح-
یتوی، فهو تو وتاو. (٢)
(١) البجيرمي على المنهج ٢٣/٣، والأشباه للسيوطي ١٢٤،
والمهذب ٣٣٨/١ والمغني لابن قدامة ٥٦/٥، والفروع
٦٢٧/٢
(٢) المغرب، وتاج العروس.
- ٢٣٩ -

حوالة ١٥٥ - ١٥٧
أما في اصطلاح الفقهاء هنا: فالتوى هو
العجز عن الوصول إلى الحق، (١) أي عجز
المحال عن الوصول إلى حقه من طريق المحال
عليه . (٢)
١٥٥ - الرجوع على المحيل إذا توي المال على
المحال عليه، لم يقل به سوى الحنفية.
والذين وافقوا على الرجوع بسبب العجز
عن الوصول إلى الحق في حالات الغرور
خاصة، لم يعتبروه فاسخا للحوالة - إن صححوا
انعقادها - بل سببا من أسباب الخيار في الإِبقاء
على عقدة الحوالة أو فسخها.
لكن المالكية قالوا: إنه بمجرد الحوالة،
يتحول الدين إلى ذمة المحال علیه نتيجة
لاعتبارها كالقبض، وتبرأ ذمة المحيل نهائيا،
فلا رجوع علیه بسبب فلس المحال عليه، ولو
كان هذا الفلس قائما عند الحوالة، ولا بجحده
للدين بعد الحوالة، إلا أن غره المحيل، بأن
علم أو ظن ظنا قويا فقر المحال عليه أو جحده،
فكتمه عن المحال، فإن ثبت هذا العلم أو
(١) العناية مع فتح القدير ٤٤٩/٥
(٢) وهذا القيد بكونه (من طريق المحال عليه) ضروري في
التعريف، وإن لم يصرحوا به اتكالا على فهمه، ليخرج
العجز عن الوصول إلى الحق من طريق المحيل، فإن هذا
لا يحقق التوى بالمعنى المقصود هنا اصطلاحا والذي
تترتب عليه آثار معينة سيجيء بيانها
الظن، ببينة أو إقرار، لم يتحول الدين ولم تبرأ
ذمة المحيل . (١)
ومعنى ذلك : أن الحوالة باطلة .
١٥٦ - نعم إذا شرط المحال الرجوع عند العجز
عن الوصول إلى الحق من قبل المحال عليه
بسبب معين أو أكثر، فهنا يختلف نفاة الرجوع
بالتوى: فالمالكية، وبعض الشافعية، يقولون
"أن له شرطه. ويعلله الباجي قائلا: (ووجه
ذلك أن الحوالة صحيحة، وقد شرط فيها سلامة
ذمته، فله شرطه) .
أما جماهير الشافعية فيرون أن شرط الرجوع
عند العجز شرط مناف لمقتضى العقد فيبطل،
ثم الأصح عندهم أنه يبطل العقد نفسه
أيضا. (٢)
١٥٧ - يعتبر الحنفية التّوى نهاية للحوالة على
التفصيل الذي سيأتي. ويخالفهم أئمة المذاهب
الثلاثة الأخرى وغيرهم :
فالشافعية والليث وأبو عبيد على أن التوى
لا يعتبر نهاية للحوالة، وبالتالي لا رجوع به
للمحال على المحيل. وكذلك يقول أحمد، إلا
(١) الخرشي على خليل ٢٣٦/٤، والدسوقي على الشرح
الكبير ٣٦٨/٣
(٢) المنتقى على الموطأ ٦٧/٥. وهذا هو بعينه الذي يسألون
عن مستند صحته لأنهم مقرون بأن عدم الرجوع على
المجيل هو مقتضى عقد الحوالة. (الخرشي على خليل
٢٣٥/٤) فيكون هذا الشرط مخالفا لمقتضى العقد.
(مغني المحتاج ١٩٦/٢)
- ٢٤٠ -