Indexed OCR Text

Pages 241-260

حسبة ١٦
خلافه إلا فيما كان محتاجا فيه إلى الاستعانة
وجمع الأعوان، وما كان خاصا بالأئمة أو
نوابهم، کإقامة الحدود، وحفظ البيضة، وسد
الثغور وتسییر الجیوش، أما مالیس کذلك فإن
لآحاد الناس القيام به، لأن الأدلة التي وردت
في الأمر والنهي والردع عامة، والتخصيص
بشرط التفويض من الإِمام تحکم لا أصل له،
وأن احتساب السلف على ولاتهم قاطع
بإجماعهم على الاستفتاء عن التفويض. (١)
وشرح الإِمام الغزالي ذلك فقال: إن الحسبة لها
خمس مراتب: أولها التعريف، والثاني الوعظ
بالكلام اللطيف، والثالث السب والتعنيف،
والرابع المنع بالقهر بطريق المباشرة، ككسر
الملاهي ونحوه، والخامس التخويف والتهدید
بالضرب، ثم قال: أما التعريف والوعظ فلا
يحتاج إلى إذن الإِمام، وأما التجهيل،
والتحميق، والنسبة إلى الفسق، وقلة الخوف
من الله وما يجري مجراه فهو كلام صدق،
والصدق مستحق لحديث: ((أفضل الجهاد كلمة
حق عند إمام جائر))(٢) فإذا جاز الحكم على
(١) الإحياء ٢/ ٤٠٢، شرح النووي على مسلم ٢٣/٢،
معالم القربة ٢١، الآداب الشرعية ١٩٥/١، تحفة الناظر
٩، ١٠، الزواجر ٢/ ١٧٠، الفواكه الدواني ٣٩٤/٢.
٢٠) حديث: ((أفضل الجهاد كلمة حق عند إمام جائر)).
أخرجه ابن ماجه (١٣٣٠/٢ - ط الحلبي) والترمذي
(٢٧١/٤) من حديث أبي سعيد الخدري، وحسنه
الترمذي.
الإِمام علی مراغمته فکیف یحتاج إلی إذنه،
وكذلك كسر الملاهي، وإراقة الخمور، فإن
تعاطي مایعرف کونه حقا من غير اجتهاد فلم
يفتقر إلى إذن الإِمام، وأما جمع الأعوان، وشهر
الأسلحة فذلك قد يجر إلى فتنة عامة ففيه نظر (١).
وقد ذهب إلى اشتراط الإِذن في هذه الحالة
جمهرة العلماء، لأنه يؤدي إلى الفتن وهيجان
الفساد. (٢)
وكذلك ما كان مختصا بالأئمة والولاة فلا
یستقل بها الآحاد کالقصاص، فإنه لا يستوفى
إلا بحضرة الإِمام، لأن الانفراد باستيفائه محرك
للفتن، ومثله حد القذف لا ينفرد مستحقه
باستيفائه، لأنه غير مضبوط في شدة وقعه
وإيلامه. وكذلك التعزير لا يفوض إلى
مستحقه إلا أن يضبطه الإِمام بالحبسن في مكان
معلوم في مدة معلومة، فيجوز له أن يتولاه
المستحق . (٣)
أما لو فوض الإِمام قطع السرقة إلى السارق
أو وكل المجني عليه الجاني في قطع العضو
فوجهان: أحدهما يجوز لحصول المقصود
(١) الإحياء ٢/ ٤٠٢
(٢) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/ ١٧٠، شرح النووي على
مسلم ٢٣/٢، الآداب الشرعية ١٩٥/١، والأحكام
السلطانية للماوردي/ ٢٤٠، الأحكام السلطانية لأبي يعلى
/ ٢٨٤، بدائع الصنائع ٩/ ٤٢٠٤ - ٤٢٠٧
(٣) قواعد الأحكام ٩٧/٢، ١٩٨
- ٢٤١ -

حسبة ١٧ - ١٨
باستيفائه، والثاني لا يجوز، لأن الاستيفاء لغيره
أزجر له.(١)
وقد بين إمام الحرمين ما يتعلق بالأئمة من
أصل الدين وفروعه، وما يتعلق بهم من أحكام
الدنيا، وما يلزمهم في حفظ أهل الإِسلام عن
النوائب، والتغالب، والتقاطع، والتدابر،
والتواصل، وأن الحدود بجملتها منوطة إلى
الأئمة والذين يتولون الأمور من جهتهم. (٢)
الشرط السابع : الذكورة :
١٧ - اشترطت طائفة فيمن يتولى الحسبة أن
یکون ذكرا، وأيده ابن العربي، وتبعه القرطبي
وقال: إن المرأة لا يتأتى منها أن تبرز إلى
المجالس، ولا أن تخالط الرجال، ولا تفاوضهم
مفاوضة النظير للنظير، لأنها إن كانت فتاة حرم
النظر إليها وكلامها، وإن كانت متجالة برزة لم
يجمعها والرجال مجلس تزدحم فیه معهم،
وتكون منظرة لهم، ولن يفلح قط من تصور هذا
ولا من اعتقده. (٣) واستدل على منعها من
الولاية بحديث: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم
(١) المصدر السابق .
(٢) غياث الأمم في التياث الظلم ١٣٣ - ١٦٢ وما بعدها،
الحاوي للفتاوى ٢٤٨/١، تحفة الناظر ٥٤
(٣) أحكام القرآن ١٤٤٦/٣، الجامع لأحكام القرآن
١٨٣/١٣
امرأة))(١) وقال: فيما روي من أن عمر رضي الله
عنه قدم امرأة على حسبة السوق أنه لم يصح
وهو من دسائس المبتدعة . (٢)
وأجاز تولیتها آخرون لما ثبت من أن سمراء
بنت شهیك الأسدیة کانت تمر في الأسواق تأمر
بالمعروف وتنهی عن المنکر، وتنهی الناس عن
ذلك بسوط معها . (٣) ويستدل على جواز ولا يتها
وعدمه بالخلاف الوارد في جواز توليتها الإمارة
والقضاء. قال ابن حجر بعد أن نقل كلام
الخطابي: إن المرأة لا تلي الإمارة ولا القضاء،
وأنها لا تزوج نفسها ولا تلي العقد على غيرها،
والمنع من أن تلي الإِمارة والقضاء قول الجمهور
وأجازه الطبري، وهي رواية عن مالك، وعن
أبي حنيفة تلي الحكم فيما تجوز فيه شهادة
النساء. (٤)
1
ارتزاق المحتسب :
١٨ - الرزق ما يرتبه الإِمام من بيت المال لمن
يقوم بمصالح المسلمین فإن كان يخرجه کل شهر
(١) حديث: ((لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة)) أخرجه
البخاري (الفتح ١٢٦/٨ ط السلفية) من حديث أبي
بكرة.
(٢) أحكام القرآن ٣/ ١٤٤٦
(٣) الاستيعاب لابن عبد البر ١٨٦٣/٤
(٤) فتح الباري ٩/ ١٩٣
- ٢٤٢ -

حسبة ١٨
سمي رزقا، وإن كان يخرجه كل عام سمي
عطاء.(١)
ومما جاء في رد الإِمام أبي يوسف على
الخليفة هارون الرشيد في كتاب الخراج قوله :
فاجعل ۔ أعز الله أمير المؤمنين بطاعته - مايجري
على القضاة والولاة من بيت مال المسلمين، من
جباية الأرض أو من خراج الأرض والجزية،
لأنهم في عمل المسلمین فیجری علیهم من بیت
مالهم، ویجری علی کل والي مدینة وقاضيها
بقدرما يحتمل، وكل رجل تصيره في عمل
المسلمين، فأجر عليه من بيت مالهم. (٢)
ويعطى المحتسب المنصوب کفایته في بیت
المال من الجزية والخراج، لأنه عامل للمسلمين
محبوس لهم، فتكون كفايته في مالهم كالولاة،
والقضاة، والغزاة، والمفتين، والمعلمين. (٣)
وکذلك سبیل أرزاق أعوانه سبیل أرزاق
الأعوان الذين يوجههم الحاكم في مصالح
الناس تکون لهم من بیت المال کارزاق سائر
(١) فتح الباري ١٦/ ٢٧١، الرتاج شرح كتاب الخراج
١٢٨/١، ٤١٤/٢ - ٤١٦
(٢) الرتاج شرح كتاب الخراج ٤١٤/٢ - ٤١٥
(٣) نصاب الاحتساب ٢٤، تحفة الناظر ١٧٨، الأحكام
السلطانية للماوردي ٢٤٠، الأحكام السلطانية لأبي يعلى
٢٨٥، معالم القربة ١١، السياسة الشرعية لابن تيمية
٤٨، ٥٠، كتاب الفقه والمتفقة ١٦٤/٢، ١٦٥.
العمال والولاة، لأن اشتغالهم بذلك يضيع
عليهم الزمان في شأنه عن القيام بمعايشهم
وطلب أقواتهم. (١) ولا يجوز للمحتسب ولا
لأحد من أعوانه أخذ المال من الناس لأجل
الاحتساب، لأنه من قبيل الرشوة، وهي حرام
شرعا، لأن ما أخذه المحتسب ینظر فیه، إن
أخذه ليسامح في منکر، أویداهن فیه، أو يقصر
في معروف، فهو أحد أنواع الرشوة وأنها حرام(٢)
وإذا جعل لمن ولي في السوق شيء من أهل
السوق فیما یشترونه سامحهم في الفساد بما له
معهم فيه من النصيب، (٣) أما إذا لم يكن لهم
رزق من بيت المال أو كان لا يكفيهم فإنه ربما
یرخص لهم بقدرما یکفیھم، لأنهم يعملون
لهم، فيأخذون كفايتهم، (٤) أما الزيادة على
الكفاية فلا تجوز، لأنه مال مأخوذ من المسلم
قهرا وغلبة بغير رضاه، لقوله تعالى: ﴿ لا
تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة
عن تراض منكم﴾(٥) وقد شدد العلماء النكير
علی أخذ المال من الناس بدون وجه حق .
والأرزاق ليست بمعاوضة البتة لجوازها في
أضيق المواضع المانعة من المعاوضة، وهو القضاء
(١) تحفة الناظر ١٦، ١٧
(٢) نصاب الاحتساب ١٣٥، ١٣٦، معالم القربة ١٣، ١٤
(٣) تحفة الناظر ١٧
(٤) نصاب الاحتساب ١٣٤ .
(٥) سورة النساء / ٢٩
- ٢٤٣ -

حسبة ١٩
والحكم بين الناس، فلا ورع حينئذ في ترك
تناول الرزق والأرزاق على الإِمامة من هذا
الوجه، وإنما يقع الورع من جهة قيامه بالوظيفة
خاصة، فإن الأرزاق لا يجوز تناولها إلا لمن قام
بذلك على الوجه الذي صرح به الإِمام في
إطلاقه لتلك الأرزاق.(١)
آداب المحتسب :
١٩ - المقصود من الآداب الأخذ بما يحمد قولا
وفعلا، والتحلي بمكارم الأخلاق، فينبغي
للمحتسب أخذ نفسه بها حتی یکون عمله
مقبولا ، وقوله مسموعا، وتحقق ولايته الهدف
منها، وذلك بأن يكون عفيفا عن قبول الهدايا
من أرباب الصناعات والمهرة، فإن ذلك أسلم
لعرضه وأقوم لهيبته، وأن يلازم الأسواق، ويدور
على الباعة، ويكشف الدکاکین والطرقات،
ويتفقد الموازين والأطعمة، ويقف على وسائل
الغش في أوقات مختلفة، وعلى غفلة من أهلها،
ويستعين في عمله بالأمناء العارفين الثقات،
لیعتمد على أقوالهم ویبالغ في الکشف فيها،
ویباشر ذلك بنفسه، فقد ذكر أن علي بن عیسی
الوزیر وقَّع إلی محتسب کان في وقت وزارته یکثر
الجلوس في داره ببغداد ((الحسبة لا تحتمل
الحجبة فطف الأسواق تحل لك الأرزاق، والله
(١) الفروق ٤/٣، ٥
إن لزمت دارك نهارا لأضرمنها عليك نارا
والسلام)). (١)
وأن يتخذ أعوانا يستعين بهم على قدر
الحاجة، ويشترط فيهم العفة والصيانة،
ویؤدبهم وبهذبهم، ويعرفهم کیف يتصرفون بين
يديه، وكيف يخرجون في طلب الغرماء، ولا
ينفرد أحد منهم بعمل إلا بعد مشورته. وأن
یکون أمره ونهيه في السرّ إن استطاع، ليكون
أبلغ في الموعظة والنصيحة، فإن لم تنفعه الموعظة
في السر أمره بالعلانية، وقد أوصى بعض
الوزراء الصالحين بعض من يأمر بالمعروف
((اجتهد أن تستر العصاة فإن ظهور معاصيهم
عيب في أهل الإِسلام)) (٢) وأن يقصد من حسبته
وجه الله تعالى وإعزاز دينه، وينبغي أن يكون
المحتسب عالما بما یأمر به وینهى عنه، وأن
يتحلى بالرفق واللين والشفقة، ولا يقصد إلا
الإصلاح ولا يخشى في الله لومة لائم، وتكون
عقوبته مناسبة مع جرم کل إنسان وحاله، وما
يليق به، ويكون متأنيا غير مبادر إلى العقوبة،
ولا يؤاخذ أحدا بأول ذنب يصدر منه، ولا
یعاقب بأول زلة تبدو، وإذا عثر علی من نقص
المکیال أوبخس الميزان أو غش بضاعة أو صناعة
استتابه عن معصيته، ووعظه وخوفه وأنذره
العقوبة والتعزير، فإن عاد إلى فعله عزره على
(١) معالم القربة، ١٢٤، ٢١٩
(٢) غذاء الألباب ٢٢٧/١ .
- ٢٤٤ -

حسبة ٢٠ - ٢٢
حسب مايليق به من التعزير بقدر الجناية . (١)
ومن آكد وألزم ماينبغي أن يكون عليه
المحتسب أن يكون متحليا بالعلم والرفق
والصبر، العلم قبل الأمر والنهي، والرفق معه،
والصبر بعده(٢) فإذا جمع إلى ذلك كله بعد
النظر مع الفطنة والصدق في القول والعمل
والصرامة في الحق وأحكم أموره وتحرى الإِصابة
فيها فإنه حري أن تثمر هذه الولاية أطيب
الثمار، وتحقق الغاية المرجوة منها .
عزل المحتسب :
٢٠ - أجمل الماوردي أسباب العزل من الولاية في
عدة أمور: أحدها الخيانة، والثاني أن يكون
سببه العجز والقصور، والثالث والرابع أن يكون
السبب اختلال العمل من عسف وجور، أو
ضعف وقلة هيبة، والخامس أن يكون سببه
وجود من هو أكفأ منه. (٣)
1
وذكر صاحب معالم القربة أنه إذا بلغ
المحتسب أمر وترکہ آثم، وإن تکرر شکوی ذلك
منه ولم يأخذ له بحقه سقطت ولا یته شرعا، أو
خرج عن أهلية الحسبة وسقطت مروءته
وعدالته، ولا يبقى محتسبا شرعا، وإن عجز عن
(١) نهاية الرتبة للشيرازي٩
(٢) الحسبة الإِسلامية لابن تيمية ٨٦، الإِحياء ٢/ ٤٢٥ -
٤٢٨، الآداب الشرعية ٢١٤/١، نصاب الاحتساب
١٩٩
(٣) قوانين الوزارة ١١٩ - ١٢٣، قواعد الأحكام ١٢/ ٨٠،
٨١، الفروق للقرافي ٣٩/٤
ذلك يرفعه إلى ولي الأمر وهو الإِمام أو نائبه،
والذي يجب على السلطان إدرار رزقه الذي
یکفیه وتعجیله، وبسط يده، وترك معارضته،
ورد الشفاعة عنده من الخاصة والعامة . (١)
الركن الثاني المحتسب فيه (ما تجري فيه
الحسبة):
٢١ - تجري الحسبة في كل معروف إذا ظهر
تركه، وفي كل منكر إذا ظهر فعله، ويجمعها لفظ
(الخير) في قوله تعالى: ﴿ولتكن منكم أمة
يدعون إلی الخیرویأمرون بالمعروف وینهون عن
المنکر﴾(٢) فالخیر یشمل كل شيء يرغب فيه من
الأفعال الحسنة(٣) وكل مافيه صلاح ديني
ودنيوي(٤) وهو جنس یندرج تحته نوعان:
أحدهما : الترغيب في فعل ماينبغي وهو
الأمر بالمعروف.
والثاني : الترغيب في ترك مالا ينبغي وهو
النهي عن المنكر. فذكر الحق جل وعلا الجنس
أولا وهو الخير، ثم أتبعه بنوعيه مبالغة في
البيان . (٥)
معنى المعروف والمراد منه:
٢٢ - ذكر العلماء جملة معان للمعروف بينها
عموم وخصوص.
(١) معالم القربة في أحكام الحسبة ٢٢١، ٢٢٢
(٢) سورة آل عمران / ١٠٤
(٣) لباب التأويل في معاني التنزيل ٣٩٩/١
(٤) إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم ٢/ ٦٧
(٥) غرائب القرآن ورغائب الفرقان ٢٧/٤، ٢٨، مفاتح
الغيب ٢٨/٣
- ٢٤٥ -

حسبة ٢٢ - ٢٣
فمنهم من قصره على الإِيمان بالله(١) ومنهم
من قيده بواجبات الشرع(٢) ومنهم من جعله
شاملا لما طلبه الشارع على سبيل الوجوب
كالصلوات الخمس، وبر الوالدين، وصلة
الرحم، أو على سبيل الندب كالنوافل
وصدقات التطوع(٣) ومنهم من جعله أشمل
وأعم من ذلك فقال: هو اسم جامع لكل ما
عرف من طاعة الله والتقرب إليه، والإِحسان
إلى الناس بكل ما ندب إليه الشرع، ونهى عنه
من المحسنات والمقبحات، وهو من الصفات
الغالبة أي أمر معروف بين الناس إذا رأوه لا
ينكرونه، والمعروف النصف (العدل) وحسن
الصحبة مع الأهل وغيرهم من الناس(٤) وقال
ابن الجوزي في التفسير: المعروف هو مايعرف
كل عاقل صوابه، وقيل المعروف هاهنا طاعة
الله . (٥)
أقسام المعروف :
ينقسم المعروف إلى ثلاثة أقسام :-
(١) مفاتح الغيب ٣٩/٣، البحر المحيط ١٠/٣، ٢١
(٢) الزواجر عن اقتراف الكبائر ١٦٨/٢
(٣) حاشية الصاوي على الجلالين ١/ ١٦١، أحكام القرآن
للجصاص ٣٢٢/٢، مبارك الأزهار في شرح مشارق
الأنوار ٢٩/١
(٤) غذاء الألباب لشرح منظومة الآداب ١/ ١٨٠، جامع
البيان في تفسير القرآن ٤/ ٤٥، النهاية في غريب الحديث
والأثر ١٦/٣، مادة عرف، البحر المحيط ٢١/٣، معالم
القربة ٢٢
(٥) زاد المسير في علم التفسير ٤٣٥/١
٢٣ - أحدها: ما يتعلق بحقوق الله تعالى.
والثاني: مايتعلق بحقوق الآدميين.
والثالث: مایکون مشتركا بينهما.
ومعنى حق الله أمره ونهيه، وحق العبد
مصالحه. لأن التكاليف على ثلاثة أقسام :
قسم فيه حق الله تعالى فقط كالإِيمان وتحريم
الكفر، وقسم فيه حق العبد فقط كالديون
والأثمان، وقسم اختلف فيه هل یغلب فيه حق
الله أوحق العبد کحد القذف، والفرق بين ما
كان حقا محضا للعبد وبين حق الله أن حق العبد
المحض لو أسقطه لسقط، وإلا فما من حق
للعبد إلا وفیه حق لله تعالى، وهو أمره بإيصال
ذلك الحق إلى مستحقه فيوجد حق الله تعالى
دون حق العبد، ولا يوجد حق العبد إلا وفيه
حق الله تعالى، وإنما يعرف ذلك بصحة
الإِسقاط، فكل ما للعبد إسقاطه فهو الذي
يقصد به حق العبد، وکل مالیس له إسقاطه فهو
الذي يقصد بأنه حق الله تعالى. وأن الناس
كلهم خصوم في إثبات حقوق الله تعالى نيابة
عنه تعالى لكونهم عبيده، أما حق العبد فلا
ينتصب أحد خصما عن أحد لعدم مايوجب
انتصابه خصما . (١)
(١) درر الحكام في شرح غرر الأحكام ٢١٩/٢، كشف
الأسرار عن أصول فخر الإِسلام البزدوي ٤/ ١٣٤،
الفروق ١٤٠/١ - ١٤٢، والموافقات ٣٧٥/٢.
٣٧٨، المغني لابن قدامة ٤٨/٩، ٤٩، ٢٨٠/١٠،
٢٨١، قواعد الأحكام ١٦٨/١ - ١٧٦
- ٢٤٦ -

حسبة ٢٤
القسم الأول : المتعلق بحقوق الله تعالى وهو
ضربان :
٢٤ - أحدهما: مايلزم الأمربه في الجماعة دون
الانفراد وله أمثلة :
المثال الأول : صلاة الجمعة وتلزم في وطن
مسکون، فإن کانوا عددا قد اتفق على انعقاد
الجمعة بهم كالأربعين فما زاد، فواجب أن
يأخذهم المحتسب بإقامتها، ويأمرهم بفعلها
ويؤدب على الإِخلال بها، وإن کانوا عددا قد
اختلف في انعقاد الجمعة بهم فله فيهم أربعة
أحوال:
إحداها : أن يتفق رأي المحتسب ورأي
القوم على انعقاد الجمعة بذلك العدد، فواجب
عليه أن يأمرهم بإقامتها، وعليهم أن يسارعوا
إلى أمره بها، ويكون في تأديبهم على تركها ألين
منه في تأديبهم على ترك ما انعقد الإِجماع عليه.
الحالة الثانية : أن يتفق رأيه ورأي القوم على أن
الجمعة لا تنعقد بهم، فلا يجوز أن يأمرهم
بإقامتها وهو بالنهي عنها لو أقيمت أحق.
الحالة الثالثة : أن يرى القوم انعقاد الجمعة
بهم ولا يراه المحتسب، فلا يجوز له أن يعارضهم
فيها، ولا يأمر بإقامتها، لأنه لا يراه، ولا يجوز أن
ينهاهم عنها ويمنعهم مما يرونه فرضا عليهم.
الحالة الرابعة : أن يرى المحتسب انعقاد
الجمعة بهم ولا يراه القوم، فهذا مما في استمرار
تركه تعطيل الجمعة مع تطاول الزمان وبعده
وكثرة العدد وزيادته، فهل للمحتسب أن
يأمرهم بإقامتها اعتبارا بهذا المعنى أم لا؟
اختلف الفقهاء في ذلك على وجهين : -
أحدهما: وهو قول أبي سعيد الاصطخري
أنه يجوز له أن يأمرهم بإقامتها اعتبارا بالمصلحة
لئلا ينشأ الصغير على تركها، فيظن أنها تسقط
مع زيادة العدد كما تسقط بنقصانه .
الوجه الثاني : أنه لا یتعرض لأمرهم بها،
لأنه ليس له حمل الناس على اعتقاده، ولا
يقودهم إلى مذهبه، ولا أن یأخذهم في الدین
برأيه مع تسويغ الاجتهاد فيه، وأنهم يعتقدون
أن نقصان العدد يمنع من إجزاء الجمعة .
المثال الثاني : صلاة العید وهل یکون الأمر بها
من الحقوق اللازمة، أومن الحقوق الجائزة؟
على وجهين: من قال إنها مسنونة قال: يندب
الأمر بها، ومن قال إنها من فروض الكفاية قال:
الأمر بها یکون حتما .
المثال الثالث: صلاة الجماعة:
صلاة الجماعة في المساجد وإقامة الأذان
فيها للصلوات من شعائر الإِسلام،
وعلامات متعبداته التي فرق بها رسول الله ێے
بين دار الإِسلام ودار الشرك، فإذا اجتمع أهل
محلة أو بلد على تعطيل الجماعات في
مساجدهم، وترك الأذان في أوقات صلواتهم،
كان المحتسب مندوبا إلى أمرهم بالأذان
والجماعة في الصلوات، وهل ذلك واجب عليه
- ٢٤٧ -

حسبة ٢٤
یأثم بتركه، أو مستحب له یثاب على فعله،
على وجهين من اختلاف الفقهاء في اتفاق أهل
بلد على ترك الأذان والجماعة، وهل يلزم
السلطان محاربتهم عليه أم لا؟
فأما من ترك صلاة الجماعة من آحاد الناس أو
ترك الأذان والإقامة لصلاته، فلا اعتراض
للمحتسب عليه إذا لم يجعله عادة وإلفا، لأنها
من الندب الذي يسقط بالأعذار، إلا أن يقترن
به استرابة، أو يجعله إلفا وعادة ويخاف تعدي
ذلك إلى غيره في الاقتداء به، فیراعي حكم
المصلحة به في زجره عما استهان به من سنن
عبادته، ويكون وعيده على ترك الجماعة معتبرا
بشواهد حاله، كالذي روي عن النبي وَليزر أنه
قال: ((لقد هممت أن آمر فتياني أن يستعدوا إلىّ
بحزم من حطب، ثم آمر رجلا يصلى بالناس
ثم تحرق بيوت على من فيها)). (١)
الضرب الثاني: ما یأمر به آحاد الناس
وأفرادهم كتأخير الصلاة حتى يخرج وقتها،
(١) حديث : (( لقد هممت أن آمر فتیاني أن يستعدوا إلي بحزم
من حطب، ثم آمر رجلا يصلي بالناس، ثم تحرق بيوت
على من فيها)). أخرجه مسلم (١/ ٤٥٢ - ط الحلبي) من
حديث أبي هريرة. وفي لفظ ((لقد هممت أن آمر بالصلاة
فتقام، ثم آمر رجلا فيصلي بالناس، ثم أنطلق معي برجال
معهم حزم من حطب، إلى قوم لا يشهدون الصلاة فأحرق
علیهم بيوتهم بالنار)).
فیذکر بها ویأمر بفعلها، ويراعي جوابه عنها،
فإن قال: ترکتها لنسيان، حثه على فعلها بعد
ذكره ولم یؤد به، وإن ترکها لتوان أدبه زجرا
وأخذه بفعلها جبرا، ولا اعتراض على من
أخرها والوقت باق لاختلاف الفقهاء في فضل
التأخير بالنسبة لبعض الصلوات، ولکن لو
اتفق أهل بلد أو محلة على تأخير صلاة
الجماعات إلى آخر وقتها، والمحتسب یری فضل
تعجيلها فهل له أن يأمرهم بالتعجيل أولا؟
من رأى أنه يأمرهم بذلك راعى أن اعتياد
تأخيرها وإطباق جميع الناس عليه مفض إلى أن
الصغیر ینشأ وهو يعتقد أن هذا هو الوقت دون
ماقبله، ولو عجلها بعضهم ترك المحتسب من
أخرها منهم وما يراه من التأخير.
فأما الأذان والقنوت في الصلوات إذا خالف
فيه رأي المحتسب، فلا اعتراض له فيه بأمر ولا
نهي، وإن کان یری خلافه، إذا كان مايفعل
مسوغا في الاجتهاد، وكذلك الطهارة إذا فعلها
على وجه سائغ يخالف فيه رأي المحتسب من
إزالة النجاسة بالمائعات، والوضوء بماء تغير
بالمذرورات الطاهرات، أو الاقتصار على مسح
أقل الرأس، والعفو عن قدر الدرهم من
النجاسة، فلا اعتراض له في شيء من ذلك
بأمر ولا نهي .
- ٢٤٨ -

حسبة ٢٥
القسم الثاني ماتعلق بحقوق الآدميين :
٢٥ - المعروف المتعلق بحقوق الآدميين
ضربان: عام وخاص.
فأما العام فكالبلد إذا تعطل شربه، أو
استهدم سوره، أو کان یطرقه بنو السبيل من
ذوي الحاجات فكفوا عن معونتهم، نظر
المحتسب ذلك کله علی حسب مایجب، لأن
هذا حق مصروف إلى سهم المصالح وهو في
بیت المال، فإن کان في بیت المال مال لم يتوجه
علیھم فیه ضرر أمر بإصلاح شربهم، وبناء
سورهم وبمعونة بني السبيل في الاجتیاز بهم،
لأنها حقوق تلزم بیت المال دونهم، وكذلك لو
استهدمت مساجدهم وجوامعهم، فأما إذا أعوز
بيت المال كان الأمر ببناء سورهم، وإصلاح
شربهم، وعمارة مساجدهم وجوامعهم، ومراعاة
بني السبيل فيهم متوجها إلى كافة ذوي المكنة
منهم، ولا یتعین أحدهم في الأمر به، فإن شرع
ذوو المكنة في عملهم وفي مراعاة بني السبيل،
وباشروا القيام به، سقط عن المحتسب حق
الأمر به، ولا يلزمهم الاستئذان في مراعاة بني
السبیل، ولا في بناء ماکان مهدوما، ولکن لو
أرادوا هدم مايريدون بناءه من المسترم والمستهدم
لم يكن لهم الإقدام على هدمه إلا باستئذان ولي
الأمر دون المحتسب، ليأذن لهم في هدمه بعد
تضمينهم القيام بعمارته، هذا في السور
والجوامع، وأما المساجد المختصرة فلا يستأذنون
فيها .
وعلى المحتسب أن يأخذهم ببناء ما هدموه
وليس له أن يأخذهم بإتمام ما استأنفوه. فأما إذا
كف ذوو المكنة عن بناء ما استهدم وعمارة ما
استرم، فإن كان المقام في البلد ممكنا وكان
الشرب، وإن فسد أو قل مقنعا تركهم وإياه،
وإن تعذر المقام فيه لتعطل شربه واندحاض
سوره نظر، فإن كان البلد ثغرا يضربدار
الإِسلام تعطيله لم يجزلولي الأمر أن يفسح في
الانتقال عنه، وکان حكمه حکم النوازل إذا
حدثت في قیام کافة ذوی المکنة به، وکان تأثیر
المحتسب في مثل هذا إعلام السلطان وترغيب
أهل المکنة في عمله، وإن لم یکن البلد ثغرا
مضرا بدار الإِسلام كان أمره أيسر وحكمه
أخف، ولم یکن للمحتسب أن يأخذ أهله جبرا
بعمارته، لأن السلطان أحق أن يقوم بعمارته،
وإن أعوزه المال فيقول لهم المحتسب مادام عجز
السلطان عنه: أنتم مخیرون بین الانتقال عنه أو
التزام ما یصرف في مصالحه التي يمكن معها
دوام استيطانه. فإن أجابوا إلى التزام ذلك
كلف جماعتهم ما تسمح به نفوسهم من غير
إجبار ویقول: ليخرج کل واحد منكم ما يسهل
عليه وتطيب به نفسه، ومن أعوزه المال أعان
بالعمل حتى إذا اجتمعت كفاية المصلحة أو
تعين اجتماعها بضمان كل واحد من أهل المكنة
- ٢٤٩ -

حسبة ٢٥ - ٢٦
قدرا طاب به نفسا، شرع المحتسب حينئذ في
عمل المصلحة، وأخذ كل واحد من الجماعة بما
التزم به، وإن عمت هذه المصلحة لم يكن
للمحتسب أن يتقدم بالقيام بها حتى يستأذن
السلطان فیھا، لئلا یصیر بالتفرد مفتاتا علیه،
إذ ليست هذه المصلحة من معهود حسبته، وإن
قلت وشق استئذان السلطان فيها أو خیف زيادة
الضرر لبعد استئذانه جاز شروعه فيها من غیر
استئذان .
وأما الخاص فكالحقوق إذا مطلت، والدیون
إذا أخرت، فللمحتسب أن يأمر بالخروج منها
مع المكنة إذا استعداہ أصحاب الحقوق، ولیس
له أن يحبس علیها، لأن الحبس حکم وله أن
یلازم علیها، لأن لصاحب الحق أن يلازم ولیس
له الأخذ بنفقات الأقارب لافتقار ذلك إلى
اجتهاد شرعي فیمن یجب له وعلیه، إلا أن
یکون الحاكم قد فرضها فيجوز أن يأخذ
بأدائها، وكذلك كفالة من تجب كفالته من
الصغارلا اعتراض له فیھا حتی یحکم بها
الحاكم، ويجوز حينئذ للمحتسب أن يأمر بالقيام
بها على الشروط المستحقة فيها. فأما قبول
الوصايا والودائع فليس له أن يأمر بها أعيان
الناس وآحادهم، ويجوز أن يأمر بها على العموم
حثا على التعاون بالبروالتقوى، ثم على هذا
المثال تكون أوامره بالمعروف في حقوق
الآ دمیین.
٢٦ - القسم الثالث : ما كان مشتركا بين
حقوق الله تعالی وحقوق الآدمیین کأخذ الأولياء
بإنكاح الأيامى من أكفائهن إذا طلبن، وإلزام
النساء أحكام العدد إذا فورقن، وله تأدیب من
خالف في العدة من النساء، وليس له تأدیب من
امتنع من الأولياء، ومن نفی ولدا قد ثبت فراش
أمه ولحوق نسبه أخذه بأحكام الآباء أو عزره
على النفي أدبا، ويأخذ أرباب البهائم بعلفها
إذا قصروا فيها، وألا یستعملوها فيما لا تطيق،
ومن أخذ لقيطا فقصر في كفالته أمره أن يقوم
بحقوق التقاطه من التزام كفالته أو تسليمه إلى
من يلتزمها ويقوم بها، وكذلك واجد الضوال
إذا قصر فيها أخذه بمثل ذلك من القيام بها أو
تسلیمها إلی من یقوم بها، ويكون ضامنا
للضالة بالتقصير ولا یکون به ضامنا للقیط،
وإذا سلم الضالة إلى غيره ضمنها ولا يضمن
اللقيط بالتسليم إلى غيره، ثم على نظائر هذا
المثال يكون أمره بالمعروف في الحقوق
المشتركة . (١)
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٤٣ - ٢٤٧، المقدمة
السلطانية تأليف طوغان شيخ المحمدي المصري الحنفي
ورقة ١١٤، ١١٥، (خط دار الكتب المصرية رقم ١٧٢٦
فقه حنفي ألفه سنة ٨٧٨هـ انظر ترقيمه ذيل كشف الظنون
٥٤٣/٤)، الأحكام السلطانية لأبي يعلى ٢٨٧ - ٢٩١،
معالم القربة ٢٢ - ٢٧، غرائب القرآن ورغائب الفرقان
٢٤، ٢٨، ٢٩، الفروق للقرافي ١٤٠/١، ١٤٢ في
والعشرين،=
الثاني
الفرق
- ٢٥٠ -

حسبة ٢٧ - ٢٨
معنی المنکر والمراد منه :
٢٧ - المنكر ضد المعروف وقد اختلفت عبارات
العلماء في تحديد معناه عموما وخصوصا، فمنهم
من قصره على الكفر(١) ومنهم من جعله شاملا
لمحرمات الشرع(٢) ومنهم من استعمله في کل ما
نهى عنه الشرع . (٣) واستعمله آخرون في کل ما
عرف بالعقل والشرع قبحه (٤) وقال غيرهم هو
أشمل من كل ما تقدم، هو ما تنكره النفوس
السليمة وتتأذى به مما حرمه الشرع ونافره الطبع
وتعاظم استكباره وقبح غاية القبح استظهاره في
محل الملأ(٥) لقوله مثل : ((البرحسن الخلق والإِثم
ما حاك في صدرك وكرهت أن يطلع عليه
الناس)) . (٦)
والمنكر منه ما هو مكروه، ومنه ما هو محظور
٠
وهو المسمى عند الحنفية بكراهة التحريم وهو
المراد من المكروه عند إطلاقهم، وعند غيرهم
= وتهذيب الفروق بهامشه ١٥٧، ١٥٨، نهاية الأرب
٢٩٦/٦ - ٣٠٢
(١) البحر المحيط ٣/ ٢٠، ٢١
(٢) الزواجر عن اقتراف الكبائر ١٦٨/٢
(٣) البحر المحيط ٣/ ٢١، أحكام القرآن للجصاص ٣٢٢/٢
(٤) لباب التأويل في معاني التنزيل ٣٩٩/١، معالم القربة ٢٢
(٥) المفردات في غريب القرآن مادة نكر، النهاية في غريب
الحديث والأثر ١١٥/٥ مادة نكر، تحفة الناظر وغنية الذاكر
٢٩، غذاء الألباب ١/ ١٨١، الآداب الشرعية ١/ ١٧٤،
إتحاف السادة المتقين ٣٤/٧
(٦) حديث: ((البرحسن الخلق، والإِثم ما حاك في صدرك،
وكرهت أن يطلع عليه الناس)). أخرجه مسلم مرفوعا
(٤ / ١٩٨٠ - ط الحلبي) من حديث النواس بن سمعان.
يساوي المحرم، ويسمى أيضا معصية وذنبا(١)
والفرق بين المكروه والمحظور، أن المنع من المنكر
المكروه مستحب، والسكوت عليه مكروه،
وليس بحرام، وإذا لم يعلم الفاعل أنه مكروه
وجب ذكره له، فإن للكراهة حكما في الشرع
يجب تبليغه إلى من لا يعرفه. أما المحظور
فالنهي عنه واجب والسكوت علیه محظور إذا
تحقق شرطه، وبهذا اشترط صاحب الفواكه
الدواني أن يكون المنکر مجمعا على تحريمه، أو
يكون مدرك عدم التحريم فيه ضعيفا. (٢)
شروط المنكر :
٢٨ - يشترط في المنكر المطلوب تغييره مايلي:
الشرط الأول : أن يكون منكرا بمعنى أن يكون
محظورا في الشرع، وقال الغزالي: المنكر أعم من
المعصية، إذمن رأى صبيا أو مجنونا يشرب الخمر
فعليه أن یریق څمره ویمنعه، وكذا إن رأی مجنونا
يزني بمجنونة أو بهيمة فعليه أن يمنعه منه، وهذا
لا يسمى معصية في حق المجنون، إذ معصية
لا عاصي بها محال، ولهذا قال صاحبا الفروق
والقواعد: لا يشترط في الأمر بالمعروف والنهي
عن المنكر أن يكون المأمور والمنهي عاصيين، بل
يشترط فيه أن يكون أحدهما ملابسا لمفسدة
(١) إتحاف السادة المتقين ٧/ ٥٢، ٥٣، الأحكام في أصول
الأحكام للآمدي ٨٦/١، الفواكه الدواني ٢/ ٣٩٤.
(٢) إحياء علوم الدين ٤٢٨/٢، شرحه المسمى إتحاف السادة
المتقين ٥٢/٧، ٥٣، الفواكه الدواني ٣٩٤/٢
- ٢٥١ -

حسبة ٢٨ - ٢٩
واجبة الدفع والآخر تاركا لمصلحة واجبة
التحصيل، وساقا جملة أمثلة للمنكر الذي يجب
تغييره ممن يملك ذلك.
أحدها: أمر الجاهل بمعروف لا يعرف
وجوبه، ونہیه عن منکر لا یعرف تحريمه کنهي
الأنبياء عليهم السلام أممهم أول بعثتهم.
الثاني: قتال البغاة مع أنه لا إثم عليهم في
بغيهم لتأولهم .
الثالث: ضرب الصبيان على ملابسة
الفواحش وترك الصلاة والصيام وغير ذلك من
المصالح .
الرابع : قتل الصبيان والمجانين إذا صالوا
على الدماء والأبضاع ولم يمكن دفعهم إلا
بقتلهم .
الخامس: إذا وكل وكيلا في القصاص ثم
عفا ولم يعلم الوكيل أو أخبره فاسق بالعفو فلم
يصدقه وأراد الاقتصاص، فللفاسق أن يدفعه
بالقتل إذا لم يمكن دفعه إلا به دفعا لمفسدة القتل
من غير حق .
السادس: ضرب البهائم في التعليم والرياضة
دفعا لمفسدة الشراس والجماح، وكذلك ضربها
حملا على الإسراع لمس الحاجة إليه على الكر
والفر والقتال. (١)
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ١٢١، ١٢٢، الفروق
٤ / ٢٥٧،٢٥٦
ولا يقتصر الإِنكار على الكبيرة، بل يجب
النهي عن الصغائر أيضا. (١)
الشرط الثاني :
٢٩ - أن يكون المنكر موجودا في الحال بأن يكون
الفاعل مستمرا على فعل المنكر، فإن علم من
حاله ترك الاستمرار على الفعل لم يجز إنكارما
وقع على الفعل، وهو احتراز عن الحسبة على
من فرغ من شرب الخمر، واحتراز عما سیوجد،
كمن يعلم بقرينة الحال أنه عازم على الشرب في
ليلة فلا حسبة عليه إلا بالوعظ، وإن أنكر عزمه
عليه لم يجز وعظه أيضا، فإن فيه إساءة ظن
بالمسلم، وربما صدق في قوله، وربما لا يقدم
على ما عزم عليه لعائق، واستثني من ذلك
حالتان : (٢)
الحالة الأولى : الإصرار على فعل الحرام
من غير إحداث توبة فهذا يجب الإِنكار عليه
وفي رفعه إلى ولي الأمر خلاف مبني على وجوب
الستر واستحبابه وعلى سقوط الذنب بالتوية
وعدمه، أما عن وجوب الستر واستحبابه فإن
للعلماء أقاويل نوجزها في الآتي :
ذهب الأحناف إلى أن الشاهد في حقوق الله
(أسباب الحدود) مخير بين حسبتين: بين أن
(١) الإِحياء ٢/ ٤١٤
(٢) الآداب الشرعية ٢٩٢/١، غذاء الألباب شرح منظومة
الآداب ٢٢٦/١
- ٢٥٢ -
١

هـ
حسبة ٢٩ - ٣٠
یشهد حسبة لله تعالی وبین أن یسترلأن کل
واحد منهما أمر مندوب إليه. قال الله تبارك
وتعالى: ﴿وأقيموا الشهادة﴾(١)
وقال عليه الصلاة والسلام: ((من ستر على
مسلم ستره الله في الدنيا والآخرة)(٢) وقد ندبه
الشرع إلی کل واحد منهما إن شاء اختار جهة
الحسبة فأقامها لله تعالى، وإن شاء اختار جهة
السترفيستر على أخيه المسلم، والستر أولى.
وأما في حقوق الله تعالى من غير أسباب الحدود
نحو طلاق وإعتناق وظهار وإيلاء ونحوها من
أسباب الحرمات تلزمه إقامة الشهادة حسبة لله
تبارك وتعالى عند الحاجة إلى إقامتها من غير
طلب من أحد من العباد. (٣) وقال المالكية:
تجب المبادرة لأداء الشهادة في حق الله إن
استدام فيه التحريم كالعتق والطلاق والرضاع
والوقف، وإن كان التحريم ينقضي بالفراغ من
متعلقه کالزنی وشرب الخمر کان مغیرا في الرفع
وعدمه، والترك أولى لما فيه من معنى الستر
المطلوب في غير المجاهر بالفسق. وفي المواق إن
ستر الإِنسان على نفسه وعلى غيره واجب
(١) سورة الطلاق/ ٢
(٢) حديث: ((من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا
والآخرة)). أخرجه مسلم (٢٠٧٤/٤ - ط الحلبي) من
حديث أبي هريرة.
(٣) بدائع الصنائع ٩/ ٤٠٦٠، ٤٠٦١، شرح غرر الأحكام
٣٧١/٢، ٣٧٢
حينئذ فیکون ترك الرفع واجبا . (١)
وذکر العز بن عبد السلام تفصيلا خلاصته
أن الزواجر نوعان :
أحدهما : ما هو زاجر عن الإِصرار على ذنب
حاضر، أو مفسدة ملابسة لا إثم على فاعلها
وهو ما قصد به دفع المفسدة الموجودة ويسقط
باندفاعها .
٣٠ - النوع الثاني : ما يقع زاجرا عن مثل ذنب
ماض منصرم أو عن مثل مفسدة ماضية منصرمة
ولا يسقط إلا بالاستيفاء وهو ضربان :
أحدهما : ما يجب إعلام مستحقه لیبرأ منه أو
يستوفيه، وذلك كالقصاص في النفوس
والأطراف وكحد القذف، فإنه يلزم من وجب
علیه أن یعرف مستحقه ليستوفیه أو یعفو عنه.
الضرب الثاني : ما الأولى بالمتسبب إليه
ستره كحدّ الزنى والخمر والسرقة .. ثم قال: وأما
الشهود على هذه الجرائم، فإن تعلق بها حقوق
العباد لزمھم أن یشهدوا بها وأن یعرفوا بها أربابها
وإن كانت زواجرها حقا محضا لله فإن كانت
المصلحة في إقامة الشهادة بها، فیشهدوا بها مثل
أن يطلعوا من إنسان على تكرر الزنى والسرقة
والإِدمان على شرب الخمور وإتيان الذكور
فالأولى أن يشهدوا عليه دفعا لهذه المفاسد، وإن
(١) الشرح الصغير ٢٤٩/٤، تحفة الناظر وغنية الذاكر. ٢٦،
٢٧
- ٢٥٣ -

حسبة ٣٠ - ٣١
كانت المصلحة في الستر عليه مثل زلة من هذه
الزلات تقع ندرة من ذوی الهيئات ثم يقلع عنها
ويتوب منها فالأولى أن لا يشهدوا(١) لقوله ويتلاڼ
لهزّال: ((ياهزّال لو سترته بردائك كان خيرا
لك))(٢)
وحديث: (( وأقيلوا ذوى الهيئات
عثراتهم))(٣) وحديث: ((من سترعلى مسلم
ستره الله في الدنيا والآخرة)) (٤)
وقال ابن مفلح من الحنابلة : عدم الإِنكار
والتبليغ على الذنب الماضي مبني على سقوط
الذنب بالتوبة، فإن اعتقد الشاهد سقوطه لم
یرفعه وإلا رفعه.
وأما إذا كان مصرا على المحرم لم يتب، فهذا
يجب إنكار فعله الماضي وإنكار إصراره. (٥)
(١) قواعد الأحكام في مصالح الأنام ١/ ١٨٦ - ١٩٠
(٢) حديث: ((يا هزال لوسترته بردائك كان خيرا لك)».
أخرجه مالك في الموطأ (٢٨١/٢ - ط الحلبي) مرسلا،
ووصله أبو داود (٤ /٥٤١ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من
حديث هزال، وفيه مقال وله طريق آخر عند أبي داود
کذلك یتقوی به .
(٣) حديث: ((أقيلوا ذوي الهيئات عثراتهم)). أخرجه أبو داود
(٤ / ٥٤٠ - تحقيق عزت عبيد دعاس) من حديث عائشة
وحسنه المناوي في الفيض (٢ / ٧٤ - ط المكتبة التجارية).
(٤) حديث: ((من ستر على مسلم ستره الله في الدنيا
والآخرة)). سبق تخريجه (ف٢٩).
(٥) الآداب الشرعية ٢١٨، ٢١٩، ٢٩٢، المغني لابن قدامة
٤٨/٩، ٤٩، ٢١٥/١٠، ٢١٦، غذاء الألباب ٢٠٧/١
٣١ - الحالة الثانية المستثناة من اشتراط وجود
المنكر في الحال :
الإِنكار على أرباب المذاهب الفاسدة والبدع
المضلة .
قال إمام الحرمين في تفصيل ما إلى الأئمة
والولاة: فأما نظره في الدين فينقسم إلى : النظر
في أصل الدين، وإلى النظر في فروعه، فأما
القول في أصل الدين فينقسم إلى حفظ الدين
بأقصى الوسع على المؤمنين ودفع شبهات
الزائفين، وإلى دعاء الجاحدين والكافرين إلى
التزام الحق المبين. (١)
قال الشاطبي : من أظهر بدعته ودعا إليها
فحكمه حكم سائر من تظاهر بمعصية صغيرة
أو كبيرة أودعا إليها، يؤدب، أويزجر، أو
يقتل، إن امتنع من فعل واجب أوترك محرم. (٢)
ويرى الإِمام الغزالي أن البدع كلها ينبغي أن
تحسم أبوابها وتنكر على المبتدعين بدعهم وإن
اعتقدوا أنها الحق. (٣)
ويرى ابن القيم وجوب إتلاف الكتب
المشتملة على البدعة، وأنها أولى بذلك من
إتلاف آنية الخمر وآلات اللهو والمعازف، ولأن
الحسبة على أهل الأضواء والبدع أهم من
(١) غياث الأمم في التياث الظلم ١٣٣ - ١٣٧
(٢) الموافقات ١٨٥/٤
(٣) الإحياء ٢/ ٤١٧
- ٢٥٤ -

حسبة ٣٢
الحسبة على كل المنكرات.(١)
الشرط الثالث أن يكون المنكر ظاهرا
للمحتسب بغیر تجسس :
٣٢ - التجسس معناه طلب الأمارات المعرفة(٢)
فالأمارة المعرفة إن حصلت وأورثت المعرفة جاز
العمل بمقتضاها، أما طلبها فلا رخصة فيه،
والحكمة من وراء ذلك أننا أمرنا أن نجري
أحكام الناس على الظواهر من غير استكشاف
عن الأمور الباطنة(٣) قال عمر رضي الله عنه:
إن أناسا کانوا یؤخذون بالوحي في عهد رسول
الله - * - وإن الوحي قد انقطع وإنما نأخذكم
الآن بما ظهر لنا من أعمالكم، فمن أظهر لنا
خیرا أمناه وقربناه ولیس إلينا من سريرته شيء،
الله يحاسب سريرته، ومن أظهر لنا سوءا لم نأمنه
ولم نصدقه وإن قال إن سريرته حسنة. (٤)
وقال القرطبي في قوله تعالى: ﴿ولا
تجسسوا﴾ خذوا ماظهر، ولا تتبعوا عورات
المسلمين، أي لا يبحث أحدكم عن عيب أخيه
حتی یطلع علیه بعد أن ستره الله(٥) فلیس
(١) الطرق الحكمية ص٧٧
(٢) الإحياء ٢/ ٤١٥
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٣٣٣/١٦
(٤) أثر عمر بن الخطاب : أن أناسا كانوا يؤخذون. أخرجه
البخاري (الفتح ٢٥١/٥ - ط السلفية).
(٥) الجامع لأحكام القرآن ٣٣٣/١٦
للمحتسب أن يتجسس ولا أن يبحث أو يقتحم
على الناس دورهم بظن أن فيها منكرا، لأن
ذلك من قبيل التجسس المنهي عنه(١) وفي
حكمه من ابتعد عن الأنظار(٢) واستترفي موضع
لا يعلم به غالبا غیرمن حضره ویکتمه ولا
يحدث به . (٣)
والناس ضربان :
أحدهما : مستور لا يعرف بشيء من
المعاصي، فإذا وقعت منه هفوة أوزلة فإنه لا
يجوز کشفها وهتکھا ولا التحدث بها، لأن ذلك
غيبة، وفي ذلك قال الله تعالى: ﴿إن الذين
يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم
عذاب أليم في الدنيا والآخرة﴾(٤) والمراد إشاعة
الفاحشة على المؤمن المستترفيما وقع منه أواتهم
به وهو بریء منه.
والثاني : من کان مشتهرا بالمعاصي معلنا بها
ولا يبالي بما ارتكب منها ولا بما قيل له، فهذا هو
الفاجر المعلن وليس له غيبة، ومثل هذا فلا بأس
بالبحث عن أمره لتقام عليه الحدود . (٥)
أما تسور الجدران على من علم اجتماعهم
(١) الزواجر عن اقتراف الكبائر ٢/ ١٦٩، نصاب الاحتساب
٢٠٢
(٢) الآداب الشرعية ٢٩٢/١
(٣) غذاء الألباب ٢٢٦/١
(٤) سورة النور/ ١٩
(٥) غذاء الألباب ٢٢٦/١، ٢٢٧، المعيار المعرب
٣٠٢/١١، ٣٠٣
- ٢٥٥ -

حسبة ٣٢ - ٣٣
على منكر فقد أنكره الأئمة وهو داخل في
التجسس المنهي عنه (١) ويتحقق الإِظهار في
حالة ما إذا أتى معصية بحیث يراه الناس في
ذهابهم وإيابهم، أو يعلم بها عن طريق الحواس
الظاهرة بحيث لا تخفى على من كان خارج
الدار، وما ظهرت دلالته فهو غیر مستور بل هو
مکشوف .
قال الماوردي : لیس للمحتسب أن يبحث
عما لم يظهر من المحرمات، فإن غلب على الظن
استسرار قوم بها لأمارة وآثار ظهرت فذلك
ضربان :
أحدهما: أن یکون ذلك في انتهاك حرمة
یفوت استدراكها، مثل أن يخبره من یثق بصدقه
أن رجلا خلا برجل ليقتله، أو بامرأة ليزني بها،
فيجوز له في مثل هذه الحال أن يتجسس ويقدم
على الكشف والبحث حذرا من فوات مالا
يستدرك، وكذا لو عرف ذلك غير المحتسب من
المتطوعة جاز لهم الإِقدام على الكشف
والإنكار.
والضرب الثاني : ماقصر عن هذه الرتبة فلا
يجوز التجسس عليه ولا كشف الأستار عنه، فإن
سمع أصوات الملاهي المنكرة من دار کان له أن
ینکر ذلك من خارج الدار ولیس له أن يدخلها،
(١) الآداب الشرعية ٣١٨/١، ٣١٩
لأن المنكر ظاهر وليس عليه أن يكشف عن
الباطن.(١)
الإِنكار بغلبة الظن :
الظن نوعان :
٣٣ - نوع مذموم نهى الشارع عن اتباعه وأن
یبنی علیه مالا يجوز بناؤه علیه، مثل أن يظن
بإنسان أنه زنى أو سرق أو قطع الطريق أو قتل
نفسا أو أخذ مالا أو ثلب عرضا، فأراد أن
يؤاخذه بذلك من غیر حجة شرعية يستند إليها
ظنه، وأراد أن يشهد عليه بذلك بناء على هذا
الظن فهذا هو الإِثم لقوله تعالى : ﴿يا أيها
الذين آمنوا اجتنبوا کثیرا من الظن إن بعض
الظن إثم﴾(٢) وحديث: ((إياكم والظن فإن
الظن أكذب الحديث)). (٣)
ونوع محمود أجمع المسلمون على وجوب
اتباعه لأن معظم المصالح مبنية على الظنون
المضبوطة بالضوابط الشرعية(٤) وإن ترك العمل
(١) الأحكام السلطانية ٢٥٢، شرح النووي على مسلم
٢٦/٢، تبصرة الحكام ٢/ ١٨٦، ١٨٧، الآداب الشرعية
٣١٨/١، تحفة الناظر وغنية الذاكر ٢١
(٢) سورة الحجرات/ ١٢
(٣) حديث: ((إياكم والظن، فإن الظن أكذب الحديث)).
أخرجه مسلم (١٩٨٥/٤ - ط الحلبي) من حديث أبي
هريرة .
(٤) قواعد الأحكام ٦٢/٢، أحكام القرآن لابن العربي
١٢/٤ - ١٥، الجامع لأحكام القرآن ٣٣٢/١٦، أحكام
القرآن للجصاص ٢٨٧/٥ - ٢٨٩، الآداب الشرعية
٣١٧/١
- ٢٥٦ -

حسبة ٣٣
بهذا النوع يؤدي إلى تعطيل مصالح كثيرة
غالبة خوفا من وقوع مفاسد قليلة نادرة وذلك
على خلاف حكمة الإِله الذي شرع الشرائع
لأجلها(١) ومن هذا القبيل إنكار المنكر في مثل
الحالات الآتية :
الأولی : لو رأی إنسانا یسلب ثياب إنسان
لوجب عليه الإِنكار عليه بناء على الظن
المستفاد من ظاهريد المسلوب .
الثانية: لو رأى رجلا يجر امرأة إلى منزله
يزعم أنها زوجته وهي تنكر ذلك، فإنه يجب
الإِنكار عليه لأن الأصل عدم ما ادعاه.
الثالثة : لورأى إنسانا يقتل إنسانا يزعم أنه
کافر حربي دخل إلى دار الإِسلام بغير أمان وهو
يكذبه فى ذلك، لوجب عليه الإنكار، لأن الله
خلق عباده حنفاء، والدار دالة على إسلام
أهلها لغلبة المسلمين عليها .
ففي هذه الحالات وأمثالها يعمل بالظنون
فإن أصاب من قام بها فقد أدى ما أوجب الله
عليه إذا قصد بذلك وجه الله تعالى، وإن لم
یصب کان معذورا ولا إثم عليه في فعله.(٢)
وللمحتسب أن يطوف في السوق وأن
يتفحص أحوال أهله من غير أن يخبره أحد
بخيانتهم(٣) ولا يكون هذا من قبيل التجسس
(١) قواعد الأحكام ٢/ ٦٠
(٢) قواعد الأحكام ٥٨/٢، ٥٩، الفروق ٢٥٧/٤، الآداب
الشرعية ٣١٧/١
(٣) نصاب الاحتساب ١٥٦، ١٥٧، ٢٠٢،٢/١
المنهي عنه بل هو من صميم عمله الذي ينبغي
أن لا یشغله عنه شاغل کما سبق في بحث آداب
المحتسب. (١)
الشرط الرابع : أن يكون المنكر معلوما بغير
اجتهاد، فكل ماهو محل للاجتهاد فلا حسبة
فيه(٢) وعبرّ صاحب الفواكه الدواني عن هذا
الشرط بقوله: أن يكون المنكر مجمعا على
تحريمه، أو يكون مدرك عدم التحريم فيه
ضعيفا(٣) وبيان ذلك :
أن الأحكام الشرعية على ضربين:
أحدهما : ما كان من الواجبات الظاهرة
كالصلاة والصيام والزكاة والحج، أو من
المحرمات المشهورة كالزنى، والقتل، والسرقة،
وشرب الخمر، وقطع الطريق، والغصب،
والربا، وما أشبه ذلك فكل مسلم یعلم بها ولا
يختص الاحتساب بفريق دون فريق .
والثاني : ما كان في دقائق الأفعال والأقوال مما
لا يقف على العلم به سوى العلماء، مثل فروع
العبادات والمعاملات والمناکحات وغير ذلك من
الأحكام، وهذا الضرب على نوعين:
أحدهما : ما أجمع عليه أهل العلم وهذا
(١) معالم القربة ٢١٩، نهاية الرتبة في طلب الحسبة
للشيرازي.
(٢) الإِحياء ٢/ ٤١٦
(٣) الفواكه الدواني ٣٩٤/٢
- ٢٥٧ -

حسبة ٣٣ - ٣٤
لا خلاف في تعلق الحسبة فيه لأهل العلم ولم
یکن للعوام مدخل فيه .
والثاني : ما اختلف فيه أهل العلم مما يتعلق
بالاجتهاد، فكل ماهو محل الاجتهاد فلا حسبة
فیه .(١)
ولكن هذا القول ليس على إطلاقه بل المراد
به الخلاف الذي له دلیل، أما مالا دلیل له فلا
يعتد به(٢) ويقرر هذا الإِمام ابن القيم بأن
الإِنكار إما أن يتوجه إلى القول والفتوى، أو
العمل.
أما الأول فإذا كان القول يخالف سنة أو
إجماعا شائعا وجب إنکارہ اتفاقا، وإن لم یکن
كذلك فإن بیان ضعفه ومخالفته للدلیل إنکار
مثله، وأما العمل فإذا كان على خلاف سنة أو
إجماع وجب إنكاره بحسب درجات الإِنکار،
وكيف يقول فقيه لا إنكار في المسائل المختلف
فيها، والفقهاء من سائر الطوائف قد صرحوا
بنقض حكم الحاكم إذا خالف كتابا أوسنة،
وإن كان قد وافق فيه بعض العلماء. وأما إذا لم
يكن في المسألة سنة أو إجماع وللاجتهاد فيها
مساغ لم تنكر على من عمل بها مجتهدا أو
(١) شرح النووي على مسلم ٢٣/٢، كتاب الفقيه والمتفقه
٦٧/٢، ٦٨، إحياء علوم الدين ٤١٥/٢، الآداب
الشرعية ١٨٦/١، ١٨٧، تحفة الناظر وغنية الذاكر ٤،
٧، الزواجر ١٦٩/٢.
(٢) حاشية رد المحتار ٤٠٣/٥
مقلدا(١) وقال الإمام النووي : ولا ینکر محتسب
ولا غيره على غيره، وكذلك قالوا : ليس
للمفتي ولا للقاضي أن يعترض على من خالفه
إذا لم يخالف نصا أو إجماعا أو قياسا جليا. وهذا
الحكم متفق عليه عند الأئمة الأربعة، فإن
الحكم ينقض إذا خالف الكتاب أو السنة أو
الإجماع أو القياس(٢) وتفصيل ذلك يرجع إليه في
مصطلح (فتوى وقضاء).
أقسام المنكر :
٣٤ - المنكر على ثلاثة أقسام:
أحدها : ماكان من حقوق الله تعالى .
والثاني : ما كان من حقوق الآدميين.
والثالث : ماكان مشتركا بين الحقين.
فأما النهي عنها في حقوق الله تعالى فعلى
أقسام :
أحدها : ماتعلق بالعقائد.
والثاني : ما تعلق بالعبادات.
والثالث : ماتعلق بالمحظورات.
والرابع : ما تعلق بالمعاملات.
(١) أعلام الموقعين ٣/ ٣٠٠، الآداب الشرعية ١ - ١٨٩-١٩١
(٢) شرح النووي على مسلم ٢/ ٢٤، الفروق ٤/ ٤٠، ٤١
وتهذيب الفروق ٤/ ٨٠. الفواكه الدواني ٣٩٤/٢،
حاشية رد المحتار ٥/ ٢٩٢، ٤٠٠ - ٤٠٢، ٦٨٥، تيسير
التحرير ٣٤/٤، كتاب الفقيه والمتفقه ٦٥/٢، غاية
الوصول شرح لب الأصول ١٤٩، إيضاح المسالك إلى
قواعد الإمام مالك ١٤٩، ١٥٠
- ٢٥٨ -

حسبة ٣٤
فأما المتعلق بالعقائد فإن الحق فيها هو جملة
ما عليه أهل الحديث وأهل السنة والجماعة . (١)
ومن أخص خصائصهم أنهم يتبعون أُمَّ
الکتاب ویترکون المتشابه، وأم الکتاب یعم ما
هو من الأصول الاعتقادية والعملية. (٢)
وأما المتعلق بالعبادات فكالقاصد مخالفة
هيئتها المشروعة والمتعمد تغيير أوصافها
المسنونة، مثل أن يقصد الجهر في صلاة
الإِسرار، والإِسرار في صلاة الجهر، أو يزيد في
الصلاة أو في الأذان أذكارا غير مسنونة،
فللمحتسب إنكارها، وتأدیب المعاند فیها، إذا
لم يقل بما ارتكبه إمام متبوع.
وأما ما تعلق بالمحظورات فهو أن يمنع
الناس من مواقف الريب ومظان التهمة، فقد
قال النبي ومثل: ((دع مايريبك إلى
ما لا يريبك)) (٣) فيقدم الإِنكارولا يعجل
بالتأدیب قبل الإِنكار.
وأما ما تعلق بالمعاملات المنكرة كالربا
والبيوع الفاسدة، وما منع الشرع منه مع
(١) حاشية ابن عابدين ٤/ ٧٠
(٢) الموافقات ٤/ ١٧٧ - ١٧٨
(٣) حديث: ((دع ما يربيك إلى ما لا يربيك)). أخرجه
الترمذي (٦٦٨/٤ - ط الحلبي) من حديث الحسن بن
علي، وقال الترمذي: ((حديث حسن صحيح)).
تراضي المتعاقدين به إذا كان متفقا على حظره،
فعلى والي الحسبة إنكاره والمنع منه والزجر عليه .
وأما ما اختلف الفقهاء في حظره وإباحته فلا
مدخل له في إنكاره إلا أن يكون بما ضعف
الخلاف فیه وکان ذریعة إلى محظور متفق عليه،
كربا النقد، فالخلاف فيه ضعيف، وهو ذريعة
إلى ربا النساء المتفق على تحريمه.
ومما هو عمدة نظره المنع من التطفيف
والبخس في المكاييل والموازين والصنجات، وله
الأدب عليه والمعاقبة فيه . ويجوز له إذا استراب
بموازين أهل السوق ومكاييلهم أن يختبرها
ويعايرها، ولو كان على ما عايره منها طابع
معروف بين العامة لا يتعاملون إلا به كان أحوط
وأسلم. فإن فعل ذلك وتعامل قوم بغير ماطبع
علیه طابعه توجه الإِنکار علیھم - إن كان
مبخوسا ۔ من وجهين :
أحدهما : لمخالفته في العدول عن مطبوعه
وإنكاره من الحقوق السلطانية .
والثاني : للبخس والتطفيف وإنكاره من
الحقوق الشرعية، فإن کان ما تعاملوا به من غیر
المطبوع سليما من بخس ونقص توجه الإِنكار
عليهم بحق السلطنة وحدها لأجل المخالفة .
وإن زور قوم على طابعه كان الزور فيه كالمبهرج
علی طابع الدراهم والدنانير، فإن قرن التزوير
بغش كان الإِنكار عليه والتأديب مستحقا من
وجھین :
- ٢٥٩ -

حسبة ٣٤
أحدهما: في حق السلطنة من جهة التزوير.
والثاني: من جهة الشرع في الغش وهو أغلظ
النكرين، وإن سلم التزوير من غش تفرد
بالإِنكار لحق السلطنة خاصة.
وأما الحسبة في حقوق الآدميين المحضة:
فمنها مايتعلق بالجیران مثل أن یتعدی رجل
في حد لجاره، أو في حريم لداره، أو في وضع
أجذاع على جداره، فلا اعتراض للمحتسب
فيه مالم يستعده الجار، لأنه حق يخصه يصح منه
العفو عنه والمطالبة به، فإن خاصمه إلى
المحتسب نظر فيه ما لم یکن بينهما تنازع وتناکر،
وأخذ المتعدي بإزالة تعدیه، وكان تأديبه عليه
بحسب شواهد الحال . (١)
ومنها مايتعلق بأرباب المهن والصناعات وهم
ثلاثة أصناف :
منهم من يراعي عمله في الوفور والتقصير.
ومنهم ومن يراعي حاله في الأمانة والخيانة .
ومنهم من يراعي عمله في الجودة والرداءة .
فأما من يراعي عمله في الوفور والتقصير
فكالطبيب والمعلمين، لأن للطبيب إقداما على
النفوس يفضي التقصير فيه إلى تلف أو سقم،
وللمعلمين من الطرائق التي ينشأ الصغار عليها
مايكون نقلهم عنه بعد الكبر عسيرا، فيقر منهم
(١) الأحكام السلطانية للماوردي ٢٥٤، نصاب الاحتساب
٩١ -٩٦
من توفر علمه وحسنت طريقته، ويمنع من قصر
وأساء.
وأما من يراعي حاله في الأمانة والخيانة فمثل
الصاغة والحاكة والقصارين والصباغين، لأنهم
ربما هربوا بأموال الناس، فيراعي أهل الثقة
والأمانة منهم فيقرهم، ويبعد من ظهرت
خيانته .
وأما من يراعي عمله في الجودة والرداءة مما
يتعلق بفساد العمل ورداءته وإن لم يكن فيه
مستعد، وإما في عمل مخصوص اعتاد الصانع
فيه الفساد والتدليس، فإذا استعداه الخصم
قابل عليه بالإِنكار والزجر، فإن تعلق بذلك غرم
روعي حال الغرم، فإن افتقر إلى تقدير أو تقويم
لم يكن للمحتسب أن ينظر فيه لافتقاره إلى
اجتهاد حكمي، وكان القاضي بالنظر فيه
أحق، وإن لم يفتقر إلى تقدير ولا تقويم
واستحق فيه المثل الذي لا اجتهاد فيه ولا
تنازع، فللمحتسب أن ينظر فيه بإلزام الغرم
والتأدیب علی فعله، لأنه أخذ بالتناصف وزجر
عن التعدي .
وأما الحسبة في الحقوق المشتركة بين حقوق
اللّه وحقوق الآدميين :
فكالمنع من الإِشراف على منازل الناس،
ولا يلزم من علا بناؤه أن يسترسطحه وإنما يلزم
أن لا يشرف على غيره.
وإذا كان في أئمة المساجد السابلة والجوامع
- ٢٦٠ -