Indexed OCR Text
Pages 101-120
جنون ٦ - ٩
هـ - الصرع :
٦ - الصرع لغة: علة تمنع الدماغ من فعله منعا
غير تامّ، فتتشنج الأعضاء.
أقسام الجنون :
٧ - جاء في كشف الأسرار: الجنون یکون أصليا
إذا کان لنقصان جبل عليه دماغه وطبع عليه في
أصل الخلقة فلم يصلح لقبول ما أعد لقبوله من
العقل، وهذا النوع مما لا يرجى زواله.
ويكون عارضا: إذا زال الاعتدال الحاصل
للدماغ خلقة إلى رطوبة مفرطة، أويبوسة
متناهية، وهذا النوع مما یرجی زواله بالعلاج بما
خلق الله تعالى من الأدوية. (١)
والجنون الأصلي لا يفارق العارض في شيء
من الأحكام. (٢)
٨- وينقسم الجنون أيضا إلى مطبق وغير
مطبق :
والمراد بالمطبق الملازم الممتد. والامتداد ليس
له ضابط عام بل يختلف باختلاف العبادات،
كما صرح به ابن الهمام من الحنفية حيث قال:
إن قُدّر الامتداد المسقط في الصلوات بالزيادة
على يوم وليلة عند أبي حنيفة وأبي يوسف
وبصيرورتها ستا عند محمد، وفي الصوم
باستغراق الشهر ليله ونهاره، وفي الزكاة
(١) كشف الأسرار ٤/ ٢٦٣
.(٢) كشف الأسرار ٢٦٦/٤
باستغراق الحول كله في الأصح، وغير الممتد
ماکان أقل من ذلك.
فالجنون إن کان ممتدا سقط معه وجوب
العبادات فلا تشغل بها ذمته، وإن كان غير ممتد
وهو طارىء لم يمنع التكليف ولا ينفي أصل
الوجوب، لأن الوجوب بالذمة، وهي ثابتة،
ولذلك یرٹ ویملك، وإن كان غير ممتد وكان
أصلیا فحکمه عند محمد حكم الممتد، لأنه ناط
الإسقاط بالكل من الامتداد والأصالة، وقال
أبويوسف: حكمه حكم الطارىء فيناط
الإسقاط بالامتداد. (١)
أثر الجنون في الأهلية :
٩ - الجنون من عوارض أهلية الأداء وهو یزیلها
من أصلها، فلا تترتب على تصرفاته آثارها
الشرعية، لأن أساس أهلية الأداء في الإِنسان
التمييز والعقل، والمجنون عديم العقل
والتمييز.
ولا يؤثر الجنون في أهلية الوجوب، لأنها
ثابتة لكل إنسان، فكل إنسان أيا كان له أهلية
الوجوب، لأن أهليته للوجوب هي حياته
الإِنسانية .
وما وجب على المجنون بمقتضى أهليته
للوجوب من واجبات مالیة یؤدیها عنه وليه .
(١) كشف الأسرار ٤/ ٢٦٣، ٢٦٤ ومابعدها، وابن عابدين
٥١٦/١، وتيسير التحرير ٢٦١/٢
- ١٠١ -
جنون ١٠ - ١١
فإذا جنى على نفس أومال يؤاخذ ماليا لا
بدنیا، ففي القتل یضمن دية القتيل ولا يقتص
منه، لقول علي رضي الله عنه: ((عمد الصبي
والمجنون خطأ)) وكذلك يضمن ما أتلفه من مال
الغير. (١)
وتفصيله في الملحق الأصولي.
أثر الجنون في العبادات البدنية :
أ - في الوضوء والتيمم :
١٠ - أجمع الفقهاء على أن الجنون قليلا کان أو
كثيرا ناقض للوضوء. (٢)
كما صرحوا بأن كل ما يبطل الوضوء يبطل
التيمم أيضا. (٣)
ب - أثر الجنون في سقوط الصلاة :
١١ - لا خلاف بين الفقهاء في أن المجنون غير
مکلف بأداء الصلاة في حال جنونه، فلا تجب
الصلاة على مجنون لا يفيق، لأن أهلية الأداء
تفوت بزوال العقل. (٤) لحديث عائشة
(١) الاختيار ٢٨/٥، ١٢٤/٣، والقوانين الفقهيةص٣٢٥،
وروضة الطالبين ١٧٧/٤، وكشف الأسرار ٢٦٣/٤
(٢) ابن عابدين ٩٧/١، وحاشية الدسوقي ١١٨/١ ط دار
المعرفة، والقوانين الفقهية ص ٢٩، وروضة الطالبين
١/ ٧٤، والمغني ١/ ١٧٢
(٣) ابن عابدين ١٦٩/١، وحاشية الدسوقي ١٥٨/١،
وروضة الطالبين ١١٥/١، والمغني ٢٧٢/١
(٤) كشف الأسرار ٤/ ٢٦٤، والاختيار١٣٥/١، والقوانين=
رضي الله تعالى عنها مرفوعا: ((رفع القلم عن
ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ، وعن الصبي
حتى يحتلم، وعن المجنون حتى يعقل)). (١)
واختلفوا في وجوب القضاء عليه بعد
الإفاقة :
ءِ
فذهب الحنفية ماعدا محمدا إلی أن من جن
یوما ولیلة، ثم أفاق قضی الخمس، وإن زاد
الجنون وقت صلاة سادسة لا يقضي، لأن ذلك
يدخل في التكرار فسقط القضاء للحرج، وقال
محمد: يسقط القضاء إذا صارت الصلوات ستا
ودخل في السابعة، لأن ذلك هو الذي يحصل به
التكرار.
وأما أبو حنيفة وأبو يوسف فأقاما الوقت في
دخول الصلوات في حد التكرار مقام الصلاة
تیسیرا، فتعتبر الزیادة بالساعات . (٢)
ويرى المالكية أن الجنون إذا ارتفع، وقد
بقي من الوقت مايسع أقل من ركعة سقطت
الصلاتان، هذا إذا كان في وقت مشترك بين
= الفقهية ص ٤٩، وروضة الطالبين ١/ ١٨٦ ومابعدها،
والمغني ١/ ٤٠٠، وكشاف القناع ٢٢٣/١
(١) حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة .... )) أخرجه أبوداود
(٤/ ٥٦٠ط عزت عبيد الدعاس) والحاكم (٢/ ٥٩ط دار
الكتاب العربي) وقال: حديث صحيح على شرط مسلم.
(٢) كشف الأسرار ٢٦٦/٤، ٢٦٧، وابن عابدين ٥١٢/١،
والاختيار ١/ ٧٧
- ١٠٢ -
جنون ١٢
الصلاتين. (١) وإن بقي مايسع ركعة فأكثر إلى
تمام صلاة واحدة وجبت الأخيرة وسقطت
الأولى، وإن بقي زيادة على ذلك بمقدار ركعة
من الصلاة الأخرى وجبت الصلاتان، وإن
ارتفع في وقت مختص بصلاة واحدة وجبت
المختصة بالوقت. (٢)
وقد فصل الشافعية الكلام فقالوا :.
الجنون مانع من وجوب الصلاة وله ثلاثة
أحوال:
١ - لا تجب على المجنون الصلاة ولا
قضاؤها إذا استغرق الوقت جميعا، قل الجنون
أو كثر.
٢ - أن يوجد في أول الوقت، ويخلو آخره:
فينظر إن بقي الوقت قدر ركعة، وامتدت
السلامة من الجنون قدر إمكان الطهارة، وتلك
الصلاة، لزمه فرض الوقت.
٣ - أن يخلو أول الوقت أو أوسطه عن الجنون
ثم يطرأ، ففي القدر الماضي من الوقت: إن
كان قدرا يسع تلك الصلاة وجب القضاء على
المذهب. وخرّج ابن سريج قولا : أنه لا يجب
إلا إذا أدرك جميع الوقت، أما إذا كان الماضي
(١) الوقت المشترك هو آخر وقت صلاة وأول وقت صلاة تالية
يصلح لأداء إحداهما كالظهر والعصر يشتركان بقدر أربع
ركعات في الحضر وركعتين في السفر (الدسوقي ١٧٧/١).
(٢) القوانين الفقهية ص ٤٩
من الوقت لا يسع تلك الصلاة، فلا يجب على
المذهب، وبه قطع جمهور الشافعية . (١)
وأما عند الحنابلة فلا يقضي المجنون الصلاة
إذا أفاق لعدم لزومها له. إلا أن يفيق في وقت
الصلاة فیصیر کالصبي يبلغ، وذلك لحديث
النبي ◌َّل: ((رفع القلم عن ثلاثة ...
الحديث))(٢) ولأن مدته تطول غالبا، فوجوب
القضاء عليه يشق فعفي عنه. (٣)
جـ - أثر الجنون في الصوم :
١٢ - اتفق الأئمة على أن الجنون مسقط للصوم
إذا كان مطبقا، وذلك بأن يمتد إلى أن يستغرق
شهر رمضان، لأنه لم يشهد الشهر، وهو السبب
لوجوب الصوم، ولذا فلا يجب الصوم على
المجنون .
واختلفوا في وجوب القضاء عليه إذا أفاق في
جزء من شهر رمضان، فذهب الحنفية في ظاهر
الرواية إلى وجوب القضاء سواء أفاق ليلا أم
نهارا، لأنه شهد الشهر، إذ المراد من قوله
تعالى: ﴿فمن شهد منكم الشهر
فليصمه ... ﴾(٤) شهود بعضه، لأنه لو أراد
(١) روضة الطالبين ١٨٦/١، ١٨٨ ومابعدها.
(٢) حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة ... )) سبق تخريجه
(ف١١).
(٣) المغني ١/ ٤٠٠، وكشاف القناع ٢٢٣/١، ٢٢٤
(٤) سورة البقرة/ ١٨٥
- ١٠٣ -
جنون ١٢ - ١٣
شهود كله لوقع الصوم بعد رمضان، وأنه
خلاف الإِجماع. قال في شرح كشف الأسرار:
ذكر في الكامل نقلا عن شمس الأئمة الحلواني،
إنه إن کان مفيقا في أول ليلة من رمضان فأصبح
مجنونا، واستوعب الجنون باقي الشهر لا يجب
عليه القضاء وهو الصحيح، لأن الليل لا يصام
فیه، فکان الجنون والإفاقة فیه سواء، وكذا لو
أفاق في ليلة من الشهر ثم أصبح مجنونا.
وفرق محمد بن الحسن في حكم الجنون بين
ما إذا كان أصليا وما إذا كان عارضا بعد
البلوغ، وهذا ما اختاره بعض المتأخرين من
الحنفية، وفي الشرنبلالية: ليس على المجنون
الأصلي قضاء ما مضى من الأيام قبل إفاقته في
الأصح .
وخلاصة القول: أنه إذا استوعب الجنون
الشهر كله لا قضاء عليه بلا خلاف مطلقا، وإلا
ففيه الخلاف المذكور. (١)
ويرى المالكية أن المجنون لا يصح صومه
ولکن لا يجب القضاء عليه في المشهور، وقيل : لا
يجب عليه قضاء ماكثر من السنين.
وهناك قول ثالث عندهم وهو: أنه إن بلغ
مجنونا لم يقض بخلاف من بلغ صحيحا ثم
جن. (٢)
(١) الاختيار ١٣٥/١، وابن عابدين ١٢٣/٢، ١٢٤،
وكشف الأسرار ٢٦٧/٤
(٢) القوانين الفقهية ص ١١٨
وذهب الشافعية في الأصح وهو قول زفر من
الحنفية إلى أن المجنون لو أفاق في بعض شهر
رمضان لم يجب عليه قضاء ما مضی کالصبي إذا
بلغ، أو الكافر إذا أسلم في خلال الشهر. (١)
ويرى الحنابلة وهو وجه عند الشافعية أن
الجنون حكمه حكم الإغماء، أي یمنع صحة
الصوم، إلا أنه إذا وجد في جميع النهار لم يجب
قضائه . (٢)
د - أثر الجنون في الحج :
١٣ - الجنون كما سبق من عوارض الأهلية،
فالمجنون لا يتأتى منه أداء أفعال الحج، وكذلك
لو وقف بعرفة وهو مجنون ولم یفق حتی خرج منها
لم يجزئه، ثم العقل شرط لصحة التكليف عند
الحنفية في الأظهر والحنابلة، فلا يصح أن يحرم
الولي عن المجنون، ولكن لووجب الحج على
المجنون قبل طروجنونه صح الإِحجاج عنه،
وأما عند المالكية والشافعية، وهو رواية عند
الحنفية فشرط الصحة المطلقة الإِسلام وليس
العقل، فيجوز للولي أن يحرم عن المجنون. (٣)
وتفصيل ذلك في مصطلح: (حج).
(١) كشف الأسرار ٢٦٤/٤، وروضة الطالبين ٣٦٦/٢
(٢) المغني ٣ / ٩٩
(٣) الاختيار ١/ ١٤٠، وابن عابدين ٢/ ١٤٠، ١٤٧،
٢٣٩، ٢٤٠، وفتح القدير ٣٢١/٢، وحاشية الدسوقي
٣/٢، والقوانين الفقهية ص١٣٢، والقليوبي ٨٤/٢، =
- ١٠٤ -
جنون ١٤
هـ - أثر الجنون في الزكاة :
١٤ - ذهب المالكية والشافعية والحنابلة إلى أنه
تجب الزكاة في مال المجنون ويخرجها الولي من
ماله، فإن لم يخرج، أخرج المجنون بعد الإفاقة
زكاة ما مضى، لما روي عن النبي وسلم أنه قال:
((من ولي یتیما له مال، فليتجر له، ولا يتركه
حتى تأكله الصدقة))(١) وروي موقوفا على عمر
رضي الله عنه، وإنما تأكله الصدقة بإخراجها،
وإنما يجوز للولي إخراجها إذا كانت واجبة لأنه
ليس له أن يتبرع بمال اليتيم، ولأن الشارع
جعل ملك النصاب سببا في الزكاة والنصاب
موجود، والخطاب بإخراجها يتعلق بالولي. (٢)
والمجنون والصبي سواء في هذا الحكم.
ويروى ذلك عن جماعة من كبار الصحابة
فيهم عمر، وعلي، وابن عمر، وعائشة،
والحسن بن علي، وجابر رضي الله عنهم، وبه
= ١١٥/٢، ٨٤/٢، والجمل ٣٧٥/٢، ٣٧٧، وروضة
الطالبين ١٢/٣، ١٣، والمغني ٢١٨، ٢١٩، ٢٤٩،
٤١٦، وكشاف القناع ٣٧٨/٢
(١) حديث: ((من ولي يتيما له مال ... )) أخرجه الدارقطني
(٢/ ١١٠ ط شركة الطباعة الفنية) والترمذي (٢٣/٣ط
مصطفى الحلبي) من حديث عبدالله بن عمرو وضعف
الحديث الترمذي. وابن حجر في التلخيص الحبير
(٢/ ١٥٧ ط شركة الطباعة الفنية).
(٢) حاشية الدسوقي ٤٤٥/١، وجواهر الإكليل ١/ ١٢٦،
١٢٧، والشرح الصغير ٥٨٩/١، وابن رشد ٢٥١/١،
وروضة الطالبين ٢/ ١٤٩، والمغني ٦٢٢/٢، ٦٢٣،
ورحمة الأمة في اختلاف الأئمة ص ٧٤، ٧٥
قال جابر بن زيد، وابن سيرين، وعطاء،
ومجاهد، وابن أبي ليلى، وإسحاق وأبوثور
وغیرهم .
وذهب الحنفية إلى أنه لا زكاة في مال
المجنون، لأنه غير مخاطب بالعبادة، والزكاة من
أعظم العبادات، فلا تجب عليه كالصلاة والحج
ولقوله {وَّر: ((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم
حتى يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن
المجنون حتى يعقل)). (١)
وقال علي رضي الله تعالى عنه: لا تجب عليه
الزكاة حتى تجب عليه الصلاة، وإليه ذهب
الحسن، وسعيد بن المسيب، وسعيد بن جبير،
وأبووائل، والنخعي .
وحد امتداد الجنون في حق الزكاة عندهم أن
يستغرق الحول، وروی هشام عن أبي يوسف
أن امتداده في حق الزكاة بأكثر السنة ونصف
السنة ملحق بالأقل، لأن كل وقتها الحول، إلا
أنه مدید جدا، فقدر بأكثر الحول عملا بالتيسير
والتخفيف، فإن اعتبار أكثر السنة أيسر وأخف
على المكلف، وإذا بلغ الصبي مجنونا، وهو
مالك لنصاب فزال جنونه بعد مضي ستة أشهر
ثم تم الحول من وقت البلوغ وهو مفيق، وجبت
عليه الزكاة عند محمد، لأنه يفرق بين الجنون
الأصلي والعارض، ولا تجب عند أبي يوسف،
(١) حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة ... )) سبق تخريجه
(ف١١).
- ١٠٥ -
جنون ١٥ - ١٧
بل يستأنف الحول من وقت الإفاقة، لأنه بمنزلة
الصبي الذي بلغ الآن عنده، ولو كان الجنون
عارضا فزال بعد ستة أشهر، تجب الزكاة
بالإِجماع لأنه زال قبل الامتداد عند الكل. (١)
ويحكى عن ابن مسعود، والثوري،
والأوزاعي أنهم قالوا: تجب الزكاة في الحال،
لكنه لا يخرج حتى يفيق. (٢) وتفصيله في
مصطلح : (إفاقة).
أما زکاة زرع المجنون فلا خلاف في وجوبها
فيه، وكذلك صدقة الفطر عند الجمهور، وقال
محمد وزفر من الحنفية: لا تجب صدقة الفطر في
مال المجنون فيضمنها الولي والوصي لو أدياها
من ماله. (٣)
و- أثر الجنون في التصرفات القولية:
١٥ - أجمع الفقهاء على أن الجنون كالإغماء
والنوم، بل هو أشد منهما في فوات الاختيار
وتبطل عبارات المغمى عليه، والنائم في
التصرفات القولية، كالطلاق، والإِسلام،
(١) ابن عابدين ٤/٢، والاختيار ١/ ٩٩، وكشف الأسرار
٤ /٢٦٨، ٢٦٩، والمغني ٢/ ٦٢٢
(٢) المغني ٢ / ٦٢٢، ٦٢٣، ورحمة الأمة في اختلاف
الأئمةص ٧٤، ٧٥
(٣) ابن عابدين ٤٩/٢، ٧٢، ٧٣، والاختيار ١/ ٩٩
و١٢٤، والشرح الصغير ٦٢١/١، وروضة الطالبين
٢٩٣/٢، والمغني ٢/ ٦٢٢، ٦٢٣
والردة، والبيع، والشراء وغيرها من
التصرفات القولية، فبطلانها بالجنون أولى،
لأن المجنون عديم العقل والتمييز والأهلية،
واستدلوا لذلك بقوله عليه الصلاة والسلام :
((رفع القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى
يستيقظ، وعن الصبي حتى يحتلم، وعن
المجنون حتى يعقل))(١)
ومثل ذلك كل تصرف قولي لما فيه من
الضرر. (٢)
ز - أثر الجنون في عقود المعاوضة:
١٦ - لا خلاف بين الفقهاء في أن كل تصرف
قولي يصدر في حال الجنون فهو باطل،
فالمجنون لا تصح عقوده لرجحان جانب الضرر
نظرا إلى سفهه، وقلة مبالاته، وعدم قصده
المصالح . (٣)
ح - أثر الجنون في التبرعات :
١٧ - سبق بيان أن التصرفات القولية لا تصح
من المجنون، لأن بالجنون تسلب الولايات،
(١) الاختيار ٢/ ٩٤، والقوانين ص ٢٣٢، ٢٥٠، ٣٦٩،
والقليوبي ٣٣١/٣، ونيل المآرب ٢٢٨/٢، والمغني
١١٣/٧، ١١٤ وحديث: ((رفع القلم عن ثلاثة ... ))
سبق تخريجه فقرة ١١ .
(٢) الاختيار ٢/ ٩٥
(٣) الاختيار ٢/ ٩٥، والقوانين الفقهية ص ٢٥٠، ورحمة الأمة
في اختلاف الأئمةص ١٢٨، ونيل المآرب ٣٣٣/١
- ١٠٦ -
جنون ١٨ - ٢٠
واعتبار الأقوال، فلا تصح هبته ولا صدقته،
ولا وقفه، ولا وصیته، وما إلى ذلك، لأن
التصرفات يشترط فيها كمال العقل، والمجنون
مسلوب العقل أو مختله، وعديم التمييز
والأهلية، وهذا بإجماع الفقهاء. (١)
ط - أثر الجنون في الولاية :
١٨ - لا خلاف بين جمهور الفقهاء في أن الجنون
يزيل الولاية لعدم تمييزه، ولأن الولاية إنما ثبتت
نظرا للمولى عليه عند عجزه عن النظر لنفسه،
ومن لا عقل له لا يمكنه النظر، وأيضا المجنون
لا يلي نفسه، فلا يلي غيره بالأولى. (٢)
ي - جنون القاضي :
١٩ - أجمع الفقهاء على أن القاضي لابد أن
یکون عاقلا، فلا يصح قضاء المجنون، لأن
القضاء ولاية، والمجنون لا ولاية له، ولأن
بالجنون تسلب الولايات واعتبار الأقوال،
وكذلك إذا جن القاضي فينعزل ولا ينفذ
حكمه .
(١) ابن عابدين ٣/ ٣٥٩، ٥١٢/١، والاختيار ٣/ ١٢٤،
٦٤/٥، والقوانين الفقهية ص ٣٧٢، ٣٧٤، والقليوبي
١٥٧/٣، ونيل المآرب ١١/٢، ٢٨، ٣٨، ٤٠
(٢) ابن عابدين ٢٩٥/٢، ٢٩٦، والاختيار ٨٣/٢،
٩٦/٣، والقوانين الفقهية ص ٢٠٥، ٣١٢، والقليوبي
٢٢٥/٣، ٢٢٦، ونيل المآرب ١٤٨/٢، ٤٧٥
وإذا زال الجنون لا تعود ولا یته، إلا في رواية
للشافعية تعود من غير استئناف توليته . (١)
ك ۔ أثر الجنون في الجنايات :
٢٠ - تقدم أن الجنون عارض من عوارض
الأهلية يطرأ على العقل فيذهب به، ولذلك
تسقط فيه المؤاخذة والخطاب لعدم وجود العقل
الذي هو وسيلة فهم دليل التكليف.
فالجنون سبب من أسباب عدم المؤاخذة
بالنسبة لحقوق الله تعالى حسب البيان السابق،
ولا حد على المجنون، لأنه إذا سقط عنه
التكليف في العبادات، والإِثم في المعاصي
فالحد المبني على الدرء بالشبهات أولى، وأما
بالنسبة لحقوق العباد كالضمان ونحوه فلا
یسقط، لأنه ليس تكلیفا له، بل هو تكليف
للولي بأداء الحق المالي المستحق في مال
المجنون، فإذا وقعت منه جرائم، أخذ بها ماليا
لا بدنیا، وإذا أتلف مال إنسان وهو مجنون وجب
علیه الضمان، وإذا قتل فلا قصاص وتجب دية
القتيل، كذلك لا يتم إحصان الرجم والقذف
إلا بالعقل، فالمجنون لا يكون محصنا لأنه لا
خطاب بدون العقل. (٢)
(١) ابن عابدين ٣٠٤/٤، والاختيار ٨٣/٢، والقوانين
الفقهية ص ٢٩٩، والقليوبي ٢٩٩/٢، ٢٩٩/٤، ورحمة
الأمة في اختلاف الأئمة ص ٣١٢، ونيل المآرب ٢/ ٤٤٩
(٢) الاختيار ٨٨/٤، ٩٣، ١٠٢، والقوانين ص ٣٥٨، =
- ١٠٧ -
جنون ٢١ - ٢٣
لا جزية على المجنون :
٢١ - ذهب الجمهور إلى أنه لا جزية على
المجنون، لأن الجزية شرعت جزاء عن الكفر
وحملا للكافر على الإِسلام، فتجري مجرى
القتل، فمن لا يعاقب بالقتل، لا يؤخذ
بالجزية، والمجنون لا يجوز قتله، فلا جزية
عليه. (١) وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في
(جزية).
هل يعتبر الجنون عيبا في النكاح؟ :
۵
٢٢ - اختلف الفقهاء في النكاح، فذهب
المالكية والشافعية والحنابلة إلى أن الجنون في
كل من الزوجين يعتبر عيبا يفسخ به النكاح
مطبقا کان أو متقطعا، فإذا وجد أحد الزوجين
بالآخر جنونا، يثبت الخيار في فسخ النكاح
لفوات الاستمتاع المقصود منه، ثم اشترط
المالکیة لثبوت الخیار کون الجنون موجودا حین
عقد النكاح، فإن حدث بعده فلا خيار للزوج
إن ابتليت به المرأة، ولها الخيار إن ابتلي الزوج به
لدفع الضرر الداخل على المرأة.
وأما الشافعية والحنابلة فقد صرحوا باشتراط
= ٣٦٠، ٣٦٤، ٣٦٦، ورحمة الأمة في اختلاف
الأئمة ص ٢٧١، ٢٧٧، والمغني ٢١٧/٨، ونيل
المآرب ٣٦٠/٢
(١) الاختيار ١٣٨/٤، والقوانين الفقهية ص ١٦١، ورحمة
الأمة في اختلاف الأئمة ص ٣٠٥، والمغني ٨/ ٥٠٧
عدم العلم بالجنون حال العقد لثبوت الخيار،
أما العالم به فلا خيار له. (١)
وصرح الحنفية بأنه لا خيار للزوج، وكذلك
الزوجة لا خيار لها عند أبي حنيفة وأبي يوسف،
وهو قول عطاء، والنخعي، وعمر بن
عبدالعزيز، وابن زياد، وأبي قلابة، وابن أبي
ليلى، والأوزاعي، والثوري، والخطابي، وفي
المبسوط ، أنه مذهب علي، وابن مسعود
رضي الله عنهم، ويرى محمد أن لها الخيار، لأنه
لا تنتظم بينهما المصالح، فيثبت لها الخيار دفعا
للضرر عنها بخلاف الزوج، لأنه يقدر على
دفعه بالطلاق . (٢)
طروء الجنون على من صح تصرفه:
٢٣ - سبق بيان أن التصرفات القولية لا تصح
من المجنون، كما أن العقوبة البدنية تسقط عنه
إذا ارتكب مايوجب القصاص أو الحد.
لكن إذا تصرف وهو عاقل ثم طرأ عليه
الجنون أثناء سریان التصرف ومباشرته، کما هو
الحال في الوصية، والوكالة، والشرکة مثلا، أو
كان ارتكب مايوجب القصاص، أو الحد وهو
(١) فتح القدير ١٣٣/٤، ١٣٤، والقليوبي ٢٦١/٣،
والقوانين الفقهية/ ٢٦١، ٢٧٣، ونيل المآرب ٣٣٣/١،
١٧٧/٢، ١٧٨
(٢) الاختيار ١١٥/٣، وابن عابدين ٢/ ٥٩٧، وفتح القدير
٤/ ١٣٣، ١٣٤
- ١٠٨ -
جنون ٢٤
عاقل ثم جن قبل القصاص، أو قبل إقامة
الحد، فإن الحکم یختلف، وفيما يلي بيان حكم
بعض المسائل.
أولا - في التصرفات القولية :
أ - الوصية :
٢٤ - لا تصح الوصية من المجنون ابتداء وهذا
باتفاق. أما إذا أوصى العاقل ثم جن فقد قال
الكاساني: لو جن جنونا مطبقا بطلت وصیته،
لأن الوصية عقد جائز (أي غير لازم) كالوكالة
فیکون لبقائه حكم الإنشاء کالوكالة، فتعتبر
أهلیة العقد إلى وقت الموت، ونص ابن عابدين
على أن من أوصى بوصية ثم جن، فإن أطبق
الجنون حتى بلغ ستة أشهر بطلت وإلا فلا. (١)
وظاهر كلام الجمهور أن الوصية لا تبطل بجنون
الموصي بعد الوصية. فقد قال المالكية : لا تصح
الوصية من المجنون إلا حال إفاقته. (٢)
وفي قواعد الأحكام : إذا جن الموجب بین
الإيجاب والقبول بطل إيجابه بخلاف الوصية
فإنها لا تبطل بالموت فالأولى أن لا تبطل بما
دونه. (٣)
وفي شرح منتهى الإِرادات من كان يفيق
(١) البدائع ٣٩٤/٧، وابن عابدين ٤١٥/٥، ٤٢٥
(٢) أسهل المدارك ٢٨٣/٣
(٣) قواعد الأحكام ٢/ ١٢٥
أحیانا ووصی في إفاقته صحت وصیته.(١)
هذا بالنسبة للموصي . أما بالنسبة للوصيّ
فالأصل أنه يشترط فيه أن يكون عاقلا، لأن
المجنون لا يلي أمر نفسه فلا یکون له التصرف في
شئون غيره بطريق الأولى. فإن طرأ عليه
الجنون فإن الفقهاء يختلفون في صحة الوصية
إليه، تبعا لاختلافهم في الوقت المعتبر لتوافر
العقل فيه، وذلك على الاتجاهات التالية:
أ - يعتبر اشتراط توافر العقل عند الإِيصاء من
الموصي وعند موته دون اعتبار مابینهما حتى لو
أوصی إلی العاقل ثم تغیرت حاله فجن بعد
الوصية وقبل الموت ثم عاد فكان عند موت
الموصي عاقلا صحت الوصية إليه، لأن الشرط
موجود حال العقد وحال الموت فصحت الوصية
كما لو لم تتغير حاله، ولأن حال العقد حال
الإِيجاب، وحال الموت حال التصرف فاعتبر
فيهما. وهذا هو الأصل عند الحنابلة وهو ظاهر
كلام الحنفية وفي قول عند الشافعية . (٢)
ب - يعتبر اشتراط العقل في الموصى إليه عند
الإِيصاء ومابعده إلى وقت الموت أي ابتداء
ودواما وعلى ذلك لوجن الموصي بعد الإِيصاء
إليه لم تصح وصيته، لأن كل وقت من ذلك يجوز
(١) شرح منتهى الإرادات ٢/ ٥٣٩
(٢) كشاف القناع ٣٩٤/٤، والمغني ٦/ ١٤١، وشرح منتهى
الإِرادات ٥٧٤/٢، وابن عابدين ٤٤٩/٥، والمهذب
١/ ٤٧٠
- ١٠٩ -
جنون ٢٤ - ٢٥
أن يستحق فيه التصرف بأن يموت الموصي
فاعتبرت الشروط في الجميع، وبهذا قال المالكية
وهو قول عند الشافعية واحتمال للحنابلة ذكره
صاحب المغني. (١)
جـ - يعتبر اشتراط العقل عند موت الموصي
فقط، وعلى هذا لو أوصى إلى مجنون فأفاق قبل
وفاة الموصي صحت الوصية ، لأن التصرف بعد
الموت فاعتبرت الشروط عنده كما تعتبر عدالة
الشهود عندالأداء ، أو الحكم دون التحمل ، وهذا
هو الأصح والمعتمد عندالشافعية، وهو ماصرح به
صاحب شرح منتهى الإِرادات من الحنابلة. (٢)
وإذا طرأ الجنون على الوصي بعد انتقال
الوصاية إليه بموت الموصي انعزل عن الوصاية
فإذا أفاق فلا تعود الوصاية إليه إلا بعقد جديد
كما يقول الشافعية والحنابلة .
جاء في نهاية المحتاج ينعزل الوصي
بالجنون ولا تعود الولاية بعد الإفاقة إلا بتولية
جديدة .
وفي المغني وكشاف القناع: إن زالت الوصاية
بعد الموت وانعزل ثم عادت الصفات المعتبرة لم
تعد وصايته، لأنها زالت فلا تعود إلا بعقد
(١) الفواكه الدواني ٣٢٨/٢، ٣٢٩ - ٣٣٠ - والمهذب
١/ ٤٧٠، والمغني ٦/ ١٤١
(٢) مغني المحتاج ٣/ ٧٤، ٧٦، والمهذب ١/ ٤٧٠، وقليوبي
١٧٨/٣
جدید، قال في الکشاف: إن أمكن بأن قال
الموصي مثلا: إن انعزلت لفقد صفة ثم عدت
إليها فأنت وصيي .
لكن في منتهى الإِرادات وشرحه مايخالف
ذلك فقد جاء فيه: إن عاد الوصي إلى حاله
بعد تغيره عاد إلى عمله لزوال المانع . (١)
وعند الحنفية مايفيد بقاءه إن لم يعزل قال ابن
عابدين نقلا عن الخانية: لوجن الوصي مطبقا
ينبغي للقاضي أن يبدّله، ولو لم يفعل حتى أفاق
فهو علی وصايته .
وعند المالكية ينعزل الوصي بالجنون ويقيم
الحاكم غيره مقامه. (٢)
ب - طروء الجنون على الولي في النكاح:
٢٥ - يشترط في الولي أن يكون عاقلا والمجنون
ليس من أهل الولاية لأنه لا ولاية له على نفسه
فلا یکون له ولایة علی غیره .
وإذا طرأ الجنون على من له ولاية النكاح،
فإن كان جنونه مطبقا سلبت ولايته وانتقلت لمن
بعده، ولا ينتظر إفاقته في تزويج مولیته، وإنما
يزوجها من انتقلت إليه الولاية من الأولياء،
(١) نهاية المحتاج ١٠٢/٦، والمهذب ١/ ٤٧٠، والمغني
١٤١/٦، وكشاف القناع ٣٩٤/٤، وشرح منتهى
الإِرادات ٢/ ٥٧٥
(٢) ابن عابدين ٤٤٩/٥، ومنح الجليل ٦٨٩/٤، والفواكه
الدواني ٣٢٩/٢ - ٣٣٠
- ١١٠ -
جنون ٢٥ - ٢٦
وهذا عند الحنفية والشافعية والحنابلة وبعض
فقهاء المالكية.
وإن کان الجنون غیر مطبق تثبت له الولاية
في حال إفاقته لأنه لا يستدیم زوال عقله فهو
کالإغماء، فلا تزوج مولیته بل تنتظر إفاقته،
وهذا عند الحنفية والحنابلة والمالكية، وهو ما
صححه الرافعي من الشافعية .
وعند بعض المالكية لا تسلب ولاية المجنون
ولو مطبقا، ولا تزوج ابنته لأن برءه مرجو، قاله
التتائي .
وصحح النووي في الروضة أن الجنون سالب
للولاية، سواء أكان مطبقا أم منقطعا. (١)
ولوزال الجنون عادت الولاية لزوال المانع،
وإن زوجها من انتقلت إليه الولاية فقد قال
الشافعية على ماجاء في مغني المحتاج: لوزوج
الأبعد فادعی الأقرب أنه زوج بعد تأهله، قال
الماوردي : فلا اعتبار بهما، والرجوع فیہ إلی قول
الزوجين، لأن العقد هما فلا یقبل فیه قول
غيرهما، وجزم فيما لوزوجها بعد تأهل الأقرب
أنه لا يصح سواء أعلم بذلك أم لم يعلمه. (٢)
وفي المهذب قال: إن زوجها من انتقلت إليه
(١) فتح القدير ٣/ ١٨٠ - ١٨١، وابن عابدين ٣١٢/٢،
والزرقاني ١٨١/٣، ومنح الجليل ٢٣/٢، ومغني المحتاج
١٥٤/٣، والمهذب ٣٧/٢، وقليوبي ٢٢٥/٣ - ٢٢٦،
والمغني ٦/ ٤٦٥، وشرح منتهى الإِرادات ١٨/٣
(٢) مغني المحتاج ٣/ ١٥٤ - ١٥٥
الولاية قبل أن يعلم بعودة ولاية الأول ففيه
وجهان بناء على القولین في الوکیل إذا باع ما
وكل في بيعه قبل أن يعلم بالعزل. (١)
وقال الحنابلة: إن زوج من انتقلت إليه
الولایة وکان الأقرب قد صار أهلا بعد إفاقته،
ولكنه لم يعلم عند التزويج أنه صار أهلا وإنما
علم أنه عاد أهلا بعد تزويجها لم يعد العقد.
وكذا إن زال المانع وصار أهلا بعد العقد لم يعد
العقد. (٢)
جـ ـ طروء الجنون على الحاضن :
٢٦ - يشترط في الحاضن العقل فلا حضانة
لمجنون، وإذا كان الحاضن عاقلا ثم طرأ عليه
الجنون زالت ولاية الحضانة وانتقلت لمن بعده
من الأولياء .
وتعود الحضانة بزوال الجنون لزوال المانع .
قال ابن عابدين: يعود الحق بزوال مانعه، وهذا
ليس من قبيل عدد الساقط، وإنما معناه منع منه
مانع كقولهم: تسقط الولاية بالجنون ثم تعود
بزوال ذلك، وهذا باتفاق. (٣)
وينظر تفصيل ذلك في: (حضانة).
(١) المهذب ٣٧/٢
(٢) شرح منتهى الإرادات ١٩/٣، وكشاف القناع ٥/ ٥٤
(٣) ابن عابدين ٢/ ٦٤٠، ومنح الجليل ٤٥٨/٢، ٤٥٩،
والزرقاني ٤/ ٢٧٢، ومغني المحتاج ٣/ ٤٥٦، وكشاف
القناع ٤٩٨/٥ - ٤٩٩
- ١١١ -
جنون ٢٧ - ٢٨
د - طروء الجنون على ناظر الوقف:
٢٧ - إذا طرأ الجنون على ناظر الوقف زالت
ولا يته، فإذا زال الجنون وأفاق عادت ولا یته
على الوقف. (١).
وينظر تفصيل ذلك في : (وقف).
هـ - الوكالة :
٢٨ - طروء الجنون المطبق على الموكل أو الوكيل
يبطل عقد الوكالة، لأن الوكالة عقد جائز (غير
لازم) فيكون لبقائه حكم الإِنشاء، والوكالة
تعتمد العقل في الموكل والوكيل، فإذا انتفى
العقل انتفت صحة الوكالة لانتفاء ماتعتمد عليه
وهو أهلية التصرف.
وهذا عند الحنفية والشافعية والحنابلة. (٢)
لكن الحنفية يقولون: إذا كانت الوكالة لازمة
بحیث لا يملك الموكل عزل الوکیل کالعدل إذا
سلط على بيع الرهن، وكان التسليط مشروطا
في عقد الرهن فلا ينعزل الوكيل بجنون الموكل،
وإن كان الجنون مطبقا، لأن الوكالة متی كانت
لازمة بحيث لا يقدر الموكل على عزل الوكيل لا
یکون لبقاء الوكالة حکم الإِنشاء، وکان الوکیل
في هذه الوكالة بمنزلة المالك من حیث إنه لا
(١) الفتاوى الهندية ٤٢٦/٣، ونهاية المحتاج ٣٤٥/٤
(٢) الهداية وشر وحها ١٣١/٧، وابن عابدين ٤١٧/٤،
والبدائع ٣٨/٦، ونهاية المحتاج ٥٥/٥، ومغني المحتاج
٢٣١/٢، وكشاف القناع ٤٦٨/٣، وشرح منتهى
الإِرادات ٢/ ٣٠٥، والمغني ١٢٤/٥
يملك الموکل عزله، ومن ملك شيئا من جهة
أخری ثم جن المملك فإنه لا یبطل ملکه کما لو
ملك عينا فكذا إذا ملك التصرف.
وفي ذلك تفصيلات تنظر في : (وكالة).
وعند الحنفية أيضا: إذا أفاق الموكل بعد
جنونه تعود الوكالة، ولا تعود الوكالة بإفاقة
الوكيل بعد جنونه، لأن الجنون مبطل للأهلية
على وجه لا يحتمل العود إلا على سبيل
الندرة . (١)
وعند الشافعية لا تعود الوكالة بإفاقة
أحدهما، فقد جاء في مغني المحتاج ينعزل
الوكيل بخروج الموكل أو الوكيل عن أهلية
التصرف بجنون وإن زال عن قرب، لأنه لو
قارن منع الانعقاد، فإذا طرأ قطعه. (٢)
وعند المالكية قال الدسوقي : لا ينعزل
الوکیل بجنونه أو جنون موكله، إلا أن يطول
جنون الموكل جدا، فينظر له الحاكم.
وفي منح الجلیل قال ابن عرفة نقلا عن
المازري: جنون الوكيل لا يوجب عزله إن برأ،
فكذا جنون الموكل وإن لم يبرأ. (٣)
وفي الموضوع تفصيلات كثيرة تنظر في
مصطلح: (وكالة).
والكلام في الوكالة يعتبر مثالا للعقود الجائزة
(١) الهداية وشروحها ٧/ ١٣١، وابن عابدين ٤١٧/٤
(٢) مغني المحتاج ٢٣١/٢
(٣) الدسوقي ٣٩٦/٣، ومنح الجليل ٣٩٢/٣
- ١١٢ -
جنون ٢٩ - ٣٠
كالشركة، والمضاربة، والجعالة، وغيرها، وهي
تبطل بجنون أحد العاقدين في الجملة.
وعند الحنفية تبطل الشركة بجنون أحد
الشريكين جنونا مطبقا، فالشركة قائمة إلى أن
یتم إطباق الجنون فتنفسخ، فإذا عمل بعد ذلك
فالربح كله للعامل والخسارة عليه.(١)
وعند الحنابلة بعد أن تكلموا على بطلان
الوكالة بجنون الموکل أو الوکیل قالوا: وكذلك
كل عقد جائز من الطرفين كشركة، ومضاربة،
وجعالة، يبطل بالجنون المطبق من أحدهما. (٢)
وتنظر التفصيلات في أبوابها.
و- طروء الجنون على من له الخيار في البيع :
أ - في خيار المجلس :
٢٩ - خيار المجلس يجعل العقد غير لازم إلى أن
يتم التفرق من المجلس أويتم التخاير، وهذا
عند من يقول بخيار المجلس، وهم الشافعية
والحنابلة.
وإذا طرأ الجنون على أحد العاقدين في
مجلس العقد قبل التفرق أو التخاير، فالأصح
عند الشافعية انتقال الخيار إلى الولي من حاكم
أو غيره، کالموکل عند موت الوکیل، وإلی
السيد عند موت المكاتب، أو العبد المأذون،
(١) ابن عابدين ٣٥١/٣
(٢) كشاف القناع ٤٦٨/٣، وشرح منتهى الإرادات
٣٠٥/٢، ومغني المحتاج ٣١٩/٢
ومقابل الأصح أن الخيار يسقط، لأن مفارقة
العقل ليست أولى من مفارقة المكان. (١)
وعلى الصحيح من مذهب الحنابلة، كما في
الإِنصاف وغيره، أن الجنون الطارىء لا يقطع
الخيار، والمجنون على خياره إذا أفاق من
جنونه، ولا يثبت الخيار لوليه، لأن الرغبة في
المبیع وعدمه، لا تعلم إلا من جهته.
وقيل: وليه أيضا يليه في حال جنونه. قاله في
الرعاية . (٢)
ويتوجه كما في مطالب أولي النهى، أن انتقال
الخيار إلى الولي إنما هو في حالة الجنون
المطبق، لليأس من إفاقته، قال: وهذا مبنيّ
على قول مرجوح. (٣)
ب - في خيار الشرط :
٣٠ - في البيع بشرط الخيار إذا طرأ الجنون على
من له الخيار، فعند الشافعية والحنابلة لا ينقطع
خياره، ويقوم وليه أو الحاكم مقامه، فيفعل
مافيه الحظ من الفسخ أو الإِجازة.
وقال الشافعية کما في المجموع للنووي : إذا
(١) مغني المحتاج ٤٥/٢ - ٤٦، والمحلي على القليوبي
١٩٢/٢
(٢) الإِنصاف ٤/ ٣٧٠ - ٣٧١، ومطالب أولي النهى ٨٦/٣،
وكشاف القناع ٢٠١/٣، وشرح منتهى الإرادات
١٦٨/٢، والمغني ٣/ ٥٦٦
(٣) المغني ٥٦٦/٣، والإنصاف ٣٧١/٤، ومطالب أولي
النهى ٨٦/٣
- ١١٣ -
جنون ٣٠ - ٣١
جن أحد العاقدين في مدة الخيار وأقام القاضي
قيّما يقوم مقامه في الخيار، ففسخ القيم أو أجاز،
فأفاق العاقد وادعى أن الغبطة خلاف مافعله
القيم، قال القاضي حسين وغيره: ينظر الحاكم
في ذلك فإن وجد الأمر کما یقول المفيق مكنه من
الفسخ والإِجازة، ونقض فعل القيم، وإن لم
يكن ما ادعاه المفيق ظاهرا، فالقول قول القيم
مع يمينه، لأنه أمين فيما فعله، إلا أن يقيم
المفیق بینة بما ادعاه. (١)
وقد فصلَ المالكية في طروء الجنون على أحد
العاقدين، قالوا: إذا جن من له الخيار وعلم أنه
لا يفيق أو يفيق بعد وقت طويل يضر الانتظار
إليه بالعاقد الآخر، فإن السلطان أو نائبه ينظر له
في الأصلح من إمضاء أورد.
أما إن کان یفیق بعد أيام الخيار وما أحق بها
بقرب، بحيث لا يضر الصبر إليه على الآخر
فإنه تنتظر إفاقته ولا ينظر السلطان .
ولو لم ينظر السلطان حتى مضی يوم أويومان
من أيام الخيار فزال الجنون احتسب ما مضى من
المدة على الظاهر، ولو لم ينظر السلطان حتى
أفاق بعد أمد الخيار لا يستأنف له أجل على
الظاهر والمبيع لازم لمن هو بيده.
وإذا نظر السلطان في الأصلح من الإِمضاء أو
(١) المجموع شرح المهذب ١٩٦/٩، تحقيق المطيعي، ومغني
المحتاج ٤٥/٢ - ٤٦، ومطالب أولي النهى ٩٩/٣
الرد، وأفاق المجنون فلا يعتبر اختياره بل مانظره
السلطان هو المعتبر. (١)
واعتبر الحنفية على ما جاء في فتح القدير
والفتاوى الهندية أن الجنون الطارىء على أحد
المتعاقدين في مدة الخيار هو من المعاني التي ينفذ
بها البيع إذا مضت أيام الخيار وهو على جنونه .
ولو أفاق في مدة الخيار فقد حكي عن
الطواويسي أنه لا يكون على خياره.
وقال الإِسبيجابي وشمس الأئمة الحلواني:
الأصح أنه على خياره وهو منصوص في المأذون .
كذا في الذخيرة.
وقال في الفتاوى الهندية: التحقيق أن
الجنون لا يسقط الخيار. (٢)
طروء الجنون على الموجب قبل القبول:
٣١ - تحدث الفقهاء عما لوطرأ الجنون على
الموجب في العقد قبل قبول الطرف الآخر. قال
الشافعية: لوجن الموجب بين الإيجاب والقبول
بطل إيجابه . (٣)
وقال ابن قدامة: إن أوجب النكاح ثم زال
(١) الدسوقي على الشرح الكبير ١٠٣/٣
(٢) فتح القدير ٥٠٩/٥ - ٥١٠، والفتاوى الهندية ٤٢/٣ -
٤٣
(٣) المجموع ١٥٦/٩، تحقيق المطيعي وقواعد الأحكام
١٢٥/٢
- ١١٤ -
١
جنون ٣٢ - ٣٣
عقله بجنون بطل حكم الإِيجاب ولم ينعقد
بالقبول بعده. (١)
وتنظر تفصيلات ذلك في مواضعه .
طروء الجنون علی من وجب عليه قصاص أو
حد :
أ - في القصاص :
٣٢ - لا خلاف أن من قتل غيره وهو مجنون فلا
قصاص عليه، وذلك لقول النبي ◌َّ: ((رفع
القلم عن ثلاثة: عن النائم حتى يستيقظ،
وعن الصبي حتى يبلغ، وعن المجنون حتى
یفیق))(٢) ولأن المجنون لیس له قصد صحیح .
أما من ارتكب جريمة القتل وهو عاقل ثم
جن، فعند الشافعية والحنابلة لا يسقط عنه
القصاص، ویقتص منه في حال جنونه سواء
ثبتت عليه الجناية ببينة أو إقرار، لأن رجوعه غير
مقبول. (٣)
أما الحنفية فلهم تفصيل آخر، قالوا: إن جن
القاتل قبل القضاء عليه أوجن بعد القضاء عليه
وقبل دفعه للولي سقط القصاص استحسانا،
وانقلب دية في ماله لتمكن الخلل في الوجوب،
وإن جن بعد دفعه لأولياء القتيل فلهم قتله،
(١) المغني ٦/ ٥٣٥
(٢) حديث: ((رفع القلم عن ثلاثة ... )) سبق تخريجه فقرة ١١.
(٣) أسنى المطالب ١٢/٤، ومغني المحتاج ٤/ ١٣٧، والمغني
٦٦٥/٧، ومنتهى الإرادات ٢٧٩/٣
لأن شرط وجوب القصاص عليه كونه مخاطبا
حال الوجوب، وذلك بالقضاء ويتم بالدفع إلى
أولياء القتيل، وهذا فيمن كان جنونه مطبقا، أما
من كان يجن ويفيق فإنه يقتص منه في إفاقته.(١)
واختلفت أقوال المالكية: فعند مالك ينتظر
إفاقة المجنون فيقتص منه حال إفاقته. قال ابن
المواز: فإن أيس من إفاقته كانت الدية عليه في
ماله، ولا يقتل وهو مجنون، وقال المغيرة: يسلم
إلى أولياء المقتول إن شاءوا قتلوه وإن شاءوا عفوا
عنه وليس لهم أن يلزموه الدية، وقال اللخمي :
أرى أن يكون الخيار لأولياء المقتول فإن شاءوا
قتلوه وإن شاءوا أخذوا الدیة من ماله إن كان له
مال وإلا اتبعوه بها .
ولو أشكل على البينة أقتل في حال عقله أو
جنونه، فقال بعض القرويين: لا يلزمه شيء
وهو الصواب، لأنه شك في المقضي عليه، لأن
القاضي لا يحكم عليه إلا بعد أن تشهد البينة
عنده أنه قتل حال كونه في عقله. (٢)
ب - في الحدود :
٣٣ - اتفق الفقهاء - بالنسبة لحد الردة - على أن
من ارتد وهو عاقل ثم جن، فلا يقام عليه الحد
(١) ابن عابدين ٣٤٢/٥، ٣٧٦
(٢) الحطاب ٢٣٢/٦، والزرقاني ٣٢٢/٨، وفتح العلي المالك
١٦١/٢
- ١١٥ -
جنون ٣٣
حال جنونه، بل ينتظر حتی یفیق ويستتاب،
لأنه قد يعقل ويعود إلى الإِسلام، ولأن المرتد
يقتل بالإِصرار على الردة، والمجنون لا يوصف
بالإِصرار ولا يمكن استتابته .
هذا وقد صرح الشافعية بأن من ارتد
واستتیب فلم یتب ثم جن، فإنه يجوز قتله حال
جنونه، ولم أعثر على مثل هذا الحكم عند غير
الشافعیة، وإن كانت قواعدهم لا تأباه، لأن
الغاية من انتظار إفاقته هي الاستتابة وقد
حصلت.(١)
أما بالنسبة لبقية الحدود فهناك فرق بينّ في
استيفاء الحد، وبين مايثبت بالإِقرار ومايثبت
بالبينة على ماصرح به الشافعية والحنابلة.
جاء في مغني المحتاج: من أقر بما یوجب حد
الله تعالی ثم جن لا یقام علیه حينئذ احتیاطا،
لأنه قد يرجع عن الإِقرار، فلو استوفي منه حينئذ
لم يجب فيه شيء، بخلاف مالو ثبت ببینة أو أقر
بقذف ثم جن فإنه يستوفى منه في جنونه لأنه
لا يسقط برجوعه . (٢)
وقال ابن قدامة: من ثبت عليه الحد بإقراره
ثم جن لم يقم عليه الحد حال جنونه، لأن
(١) مغني المحتاج ١٣٧/٤، والمغني ١٤٨/٨، وفتح العلي
المالك ٢/ ١٦١، وابن عابدين ٢٨٥/٣
(٢) مغني المحتاج ١٣٧/٤، وتحفة المحتاج بحاشية الشرواني
٥٨٥/٧
رجوعه يقبل، فيحتمل أنه لو كان صحيحا
رجع . (١)
وصرح المالكية والحنفية بأن من ارتكب
مايوجب حدا ثم جن فلا يقام عليه الحد حتى
یفیق. (٢)
وينظر تفصيل ذلك في أبوابه من: (زنى،
الخ).
وقذف، وسرقة
٢٠٠٠
(١) المغني ٧ / ٦٦٥
(٢) فتح العلي المالك ٢/ ١٦١، والحطاب ٢٣٢/٦، والمدونة
٦/ ٢٧٥، والفتاوى الهندية ١٤٣/٢
- ١١٦ -
جنين ١ - ٣
جنين
التعريف :
١ - الجنين لغة: الولد في البطن، والجمع آجنة
وأجنن. والجنين كل مستور، وجن في الرحم
یجن استتر، وأجنته الحامل سترته. (١)
والجنين هو المادة التي تتكون في الرحم من
عنصري الحيوان المنوي والبويضة. وهذا هوما
يؤيد معنى مادة جنين، فإنها راجعة إلى
الاستتار المتحقق بهذا المعنى، ومنه المجنون
لاستتار عقله، والجان لاستتاره عن أعين
الناس.
فالجنين في أصل اللغة: المستور في رحم أمه
بين ظلمات ثلاث. قال تعالى: ﴿يخلقكم في
بطون أمهاتكم خلقا من بعد خلق في ظلمات
ثلاث﴾ . (٢)
وفي الاصطلاح لا يخرج عن المعنى
اللغوي. غير أن المزني من فقهاء الشافعية نقل
عن الإِمام الشافعي: أن الاستعمال الحقيقي
(١) انظر كتب اللغة مادة: (جن) وفقه اللغة للثعالبي
ص١٤١ ط الرحمانية.
(٢) سورة الزمر / ٦
للجنين فيما يكون بعد مرحلة المضغة، واستعماله
فيما قبل ذلك يكون من باب المجاز. وعبارته :
قال الشافعي في اجنین: أقل ما یکون به جنینا
أن يفارق المضغة والعلقة حتى يتبين منه شيء
من خلق آدمي ... )). (١)
أطوار الجنين في الرحم :
٢ - للجنين أطوار جاء النص عليها في قوله
تعالى: ﴿ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من
طين. ثم جعلناه نطفة في قرار مكين. ثم خلقنا
النطفة علقة فخلقنا العلقة مضغة فخلقنا
المضغة عظاما فكسونا العظام لحما ثم أنشأناه
خلقا آخر فتبارك الله أحسن الخالقين﴾ . (٢)
فأصل الجنين الإِنساني من طين كما أفادت
الآية المذكورة. ولكل طور من أطوار الجنين
حكم شرعي متعلق به .
وفيما يلي بيان أطوار الجنين:
أ - النطفة :
٣ - ذهب بعض المفسرين إلى أن النطفة ماء
الرجل وحده، لأن الله تعالى بين أنه خلق
الإِنسان من ﴿ماء دافق﴾(٣) والدفق لا يكون
(١) الأم ٥/ ١٤٣
(٢) سورة المؤمنون / ١٢
(٣) سورة الطارق / ٦
- ١١٧ -
جنين ٤ - ٧
إلا من الرجل كما هو ظاهر. وقيل إنها نطفة من
ماء الرجل والمرأة. وجمعها نطف. وفيها كل
القوى، وهذا الذي عليه جمهور العلماء
والمفسرين، وهو الواضح من قول الرسول واله
فيما روي عنه: ((إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة
نزع الولد، وإذا سبق ماء المرأة نزعت))(١).
وواضح من عبارة الحدیث أن الجنین یتکون من
النطفة الممتزجة من ماء الرجل وماء المرأة. (٢)
٤ - ويتعلق بالنطفة أحكام من حيث الطهارة
والنجاسة، فذهب الحنفية والمالكية وهي رواية
عن أحمد - خلاف المشهور - إلى أنها نجسة، ولا
فرق في النجاسة بين ماء الرجل وماء المرأة،
ويرى الشافعية وهو المشهور عن أحمد أنها
طاهرة. والقائلون بالنجاسة مطلقا لا بد عندهم
من غسل مني المرأة أيضا رطبا كان أويابسا،
والقائلون بطهارته يستحب عندهم غسل المني
رطبا ويستحب فرك مني الرجل. وبذا ترى أن
الطهارة أو النجاسة لا يفترق فيها الخارج من
الرجل والخارج من المرأة. (٣)
(١) حديث: ((إذا سبق ماء الرجل ماء المرأة نزع الولد ... )).
أخرجه البخاري (الفتح ١٦٥/٨ - ط السلفية) من حديث
أنس.
(٢) دائرة المعارف للبستاني ٦/ ٥٦٩ط بيروت. وكتب التفسير
عند تفسير الآية ٦ من سورة الطارق، وكتب الحديث
عند شرح هذا الحديث.
(٣) المغني ٢/ ٩٢، وابن عابدين ٢٢٧/١، ٢٢٩، والإقناع
وحاشيته ٢٧٧/١، والدردير والدسوقي ١/ ٥٦
ونقل عن أحمد أن الفرك إنما يكون في مني
الرجل دون مني المرأة لأنه رقيق.
وتفصيله في مصطلح : (طهارة ونجاسة).
ب - العلقة :
٥ - الكثير من المفسرين يفسرون العلقة بنقطة
الدم الجامدة، وذلك استنادا إلى ماورد في
بعض تفسيراتها اللغوية، (١) والنطفة في هذه
المرحلة تدخل في مرحلة مغايرة، ولذلك
استحقت أن توصف بوصف الخلق في قوله
سبحانه وتعالى: ﴿خلق الإِنسان من
علق﴾ . (٢)
٦ - وقد بين الفقهاء الحكم الشرعي بالنسبة
للعلقة من ناحية الطهارة والنجاسة، فقال
الحنفية وهو رواية عند الحنابلة، بنجاستها.
والصحيح عندهم أنها طاهرة، لأنها بدء خلق
الآدمي، وقيل: إنها نجسة لأنها دم. (٣)
أما من ناحية حل الإِسقاط وحرمته(٤)
فتفصيل ذلك في: (إجهاض).
ج - المضغة :
٧ - المضغة مقدارما يمضغ، والقصد هنا
(١) الجامع لأحكام القرآن للقرطبي ١٢/ ٦، والتفسير الكبير
٨٤/٢٣، وروح المعاني ١٣/١٨، وتفسير أبي السعود
٣٦،٤/٤
(٢) سورة العلق / ٢
(٣) حاشية ابن عابدين ٢٢٦/١، والمغني ٢ / ٩٤
(٤) حاشية ابن عابدين ٢/ ٤١١، والشرح الكبير ٢٦٦/٢،
ونهاية المحتاج ١٧٩/٦، والمغني ٨/ ٨١٥
- ١١٨ -
جنين ٨ - ١١
القطعة من اللحم بمقدار مايمضغ، يقول
الإِمام الرازي عند تفسيره قول الله تعالى :
﴿فخلقنا العلقة مضغة ... (١)﴾ سمي تحويل
العلقة مضغة خلقا، لأنه سبحانه یفني بعض
.أعراضها ويخلق أعراضا غيرها، فسمي خلق
الأعراض خلقا لها وكأنه سبحانه يخلق فيها
أجزاء زائدة . (٢)
٨ - وتكلم الفقهاء في حكمها من حيث النجاسة
والطهارة، فقال الحنفية: إنها نجسة كالعلقة،.
وذكر ابن الهمام أن العلقة إذا صارت مضغة
تطهر. وقال ابن عابدين: إن ذلك مشكل. (٣)
والتفصيل في مصطلح : (مضغة).
أما ما يتعلق بإسقاطها فسيأتي بعد،
وتفصيله في مصطلح : (إجهاض وسقط).
أهلية الجنين :
٩ - للجنين حقوق بينها الشارع، أساسها أهلية
الوجوب والذمة. وأهلية الوجوب بالنسبة
للجنين تكون ناقصة. قال البزدوي: إن الجنين
له ذمة مطلقة، وإن كانت الأهلية بالنسبة
للجنين ناقصة، لأنه يحتمل الحياة والموت. (٤)
(١) سورة المؤمنون / ١٢
(٢) التفسير الكبير ٨٤/٢٣
(٣) حاشية ابن عابدين ٢٢٩/١
(٤) كشف الأسرار ١٣٥١/٤
٠
فتجب له الحقوق التي لا تحتاج إلى قبول،
كثبوت النسب، والإِرث، والاستحقاق في
الوقف. (١) والشارع وإن أجاز إقامة أمين
ليحافظ على مال الجنين إلا أن هذا الأمين ليس
في حكم الوصي، ولا يملك التصرف باسمه.
وانظر تفصيل ذلك في مصطلح (أهلية).
أثر الجنين في نفقة أمه :
١٠ - لا خلاف بين الفقهاء في أن الحامل المطلقة
تستحق النفقة والسكنى لقوله تعالى: ﴿وإن
كن أولات حمل فأنفقوا عليهن حتى يضعن
حملهن﴾(٢) والنفقة لها بسبب الجنين أو العدة(٣)
على خلاف وتفصيل ينظر في مصطلحي
(حامل، ونفقة).
أثر الجنين في العدة :
١١ - عدة الحامل تكون بوضع الحمل لقوله
تعالى: ﴿وأولات الأحمال أجلهن أن يضعن
(١) الفناري على التلويح ٣/ ١٥٦، وأهلية الوجوب بصفة
عامة مرتبطة بالذمة، ويقول صدر الشريعة في التوضيح
والتلويح ١٥٢/٣: الذمة وصف يصير به الإنسان أهلا لما
له وعليه. فالذمة تستوعب الحقوق والالتزامات. ويقول
ابن الملك في شرح المنار ص٩٣٦: الذمة نفس لها عهد
سابق» .
(٢) سورة الطلاق / ٦
(٣) البدائع ٢٠٩/٣، والمدونة ١٥٣/٥ ونهاية المحتاج
٧/ ٢١١، والإقناع ٤/ ٤٦، والمغني ٤٨٣/٣
- ١١٩ -
جنين ١٢ - ١٧
حملهن﴾(١) وأجمع أهل العلم في جميع الأمصار
أن المطلقة الحامل تنقضي عدتها بوضع الحمل .
والمتوفى عنها زوجها إذا كانت حاملا فعدتها
بوضع الحمل على خلاف وتفصيل في ذلك(٢)
ينظر تحت عنوان (عدّة).
أثر الجنين في تصرفات الحامل :
١٢ - للجنين أثر في تصرفات الحامل في الشهور
الأخيرة من الحمل، على خلاف وتفصيل ينظر
في مصطلحي: (حامل. ومرض الموت). (٣)
موت الحامل وفي بطنها جنين حي :
١٣ - ذهب جمهور الفقهاء إلى أن الحامل إذا
ماتت وفي بطنها جنين جي يشق بطنها، ويخرج
ولدها، لأنه استبقاء حي بإتلاف جزء من
ميت. (٤) وفي ذلك خلاف وتفصيل ينظر في
مصطلح: (حامل).
أثر الجنين في الطلاق :
١٤ - يقع طلاق الحامل رجعيا وبائنا باتفاق
(١) سورة الطلاق / ٤
(٢) البدائع ١٩٣/٣، والمبسوط ٣١/٥، ٥٨، وفتح القدير
٧٣/٣، وحاشية ابن عابدين ٦٥٥/٢، وحاشية الدسوقي
٤٧٣/٢، والشرح الكبير ٤٧٤/١، والخطيب على أبي
شجاع ٣٦/١، ونهاية المحتاج ٧/ ١٢٧، والمغني ٤٨٣/٣
(٣) راجع في هذا (الجامع لأحكام القرآن) ١٣٩/٧، والمغني
١٦/٦
(٤) حاشية ابن عابدين ١/ ٦٦٠، والمغني ٦/ ٥٥١
الفقهاء، (١) على خلاف وتفصيل ينظر في
مصطلح : (حامل، وطلاق).
أثر الجنين في عقوبة أمه :
١٥ - اتفق الفقهاء على أنه لا يقام الحد أو
القصاص على الحامل حتى تضع، سواء أكان
الحمل من زنى أم من غيره، على تفصيل ينظر
في مصطلح: (حامل). (٢)
أثر الجنين في دفن أمه :
١٦ - إذا ماتت كافرة في بطنها جنين من مسلم
بنكاح أو وطء شبهة. فقد اختلف، هل تدفن
في مقابر المسلمين مراعاة لجنينها، أو في مقابر
الكفار مراعاة لحالها(٣) على تفصيل ينظر في
مصطلح : (حامل).
استحقاق الجنين في تركة مورثه :
١٧ - نص الفقهاء على أن الحمل من جملة
الورثة إذا تيقن وجوده عند الوفاة وانفصل عن
أمه حيا وكان يتحقق فيه سبب من أسباب
(١) راجع الهداية والفتح ٣٢/٣، وبداية المجتهد ٥٣/٢،
ونهاية المحتاج ٥٠٣/٧، والإقناع ٤٣٣/٣، والمغني
٩٨/٧ - ١٠٢
(٢) الهداية ٢/ ٨٥، والشرح الكبير وحاشية الدسوقي
٤ / ٢٦٠، ٣١٢، والمنهاج وشرحه ٧/ ٢٨٨، ٤١١،
والمغني ٧/ ٧٣١، ١٧١/٨، والمحلى ٢١٠/١١ -٢١٢
(٣). المغني ٢ / ٥٦٣
- ١٢٠ -