Indexed OCR Text

Pages 181-200

جزية ٤٢
وأما المعقول فمن وجهين :
الأول : أن الجزية عوض عن حقن الدم،
والراهب غير محقون الدم، فتجب عليه الجزية
لحقن الدم.
والثاني : أن الجزية عوض عن سكنى دار
الإِسلام، والراهب كغيره في الانتفاع بالدار،
فلا تسقط عنه الجزية . (١)
سابعا : السلامة من العاهات المزمنة :
٤٢ - إذا أصيب المطالب بالجزية بعاهة مزمنة،
كالمرض، أو العمى، أو الكبر المقعد عن العمل
والقتال، فهل تؤخذ منه الجزية أم لا؟
اختلف الفقهاء في ذلك :
فظاهر الرواية عند الحنفية ومذهب أحمد،
والشافعي في أحد قوليه: إن الجزية لا تؤخذ من
هؤلاء ولو كانوا موسرين. واستدلوا بقوله
تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم
الآخر﴾ (٢)
ففحوى الآية يدل على أن الجزية تؤخذ ممن
كان منهم من أهل القتال، لاستحالة الخطاب
بالأمر بقتال من ليس من أهل القتال، إذ القتال
(١) روضة الطالبين ٣٠٧/١٠، نهاية المحتاج ٨٥/٨، الأم
٢٨٦/٤، المهذب مع المجموع ٢٣٢/١٨، مغني المحتاج
٢٤٦/٤، نهاية المحتاج ٨/ ٨٥، والأموال لأبي عبيد
ص٥٨، والأموال لابن زنجويه ١٦٣/١
(٢) سورة التوبة / ٢٩
لا يكون إلا بين اثنين، ومن يمكنه أداؤه من
المحترفين، ولذلك لا تؤخذ الجزية ممن لم يكن
من أهل القتال: كالأعمى والزمن والمفلوج
والشيخ الكبير الفاني: سواء أكان موسرا أم غير
موسر. ولأن الجزية تؤخذ ممن أبيح قتله من
الحربيين، وهؤلاء لا يقتلون. (١)
وذهب المالكية وأبو يوسف من الحنفية إلى أن
الجزية تؤخذ من الزمنى والعميان والشيوخ
الكبار إذا كان لهم مال. (٢) واستدلوا لذلك بأن
هؤلاء المصابين بالعاهات المزمنة أهل للقتال،
إذ أنهم يقتلون إذا كانوا ذوي رأي في الحرب
والقتال، فتجب عليهم الجزية، كما تجب على
غيرهم.
ولأن الجزية تجب على الفقير المعتمل،
ووجود المال عند هؤلاء المصابين أكثر من القدرة
على العمل، فتجب عليهم الجزية إذا كانوا
(١) البدائع ٩/ ٤٣٣١، فتح القدير ٢٩٣/٥، حاشية
ابن عابدين ٢٠١/٤، مجمع الأنهر ١/ ٦٧١، الاختيار
١٣٨/٤، أحكام أهل الذمة لابن القيم ١/ ٤٩، كشاف
القناع ٣/ ١٢٠، الإِنصاف ٢٢٢/٤، مغني المحتاج
٤ / ٢٤٦، وأحكام القرآن للجصاص ٣/ ٩٦.
(٢) الكافي لابن عبد البر ٤٧٩/١، حاشية الزرقاني على
مختصر خليل ٢ / ١٤١، الشرح الكبير على هامش حاشية
الدسوقي ٢٠١/٢، منح الجليل ٧٥٧/١، بلغة السالك
٣٦٧/١، الخراج لأبي يوسف ص١٢٣، الهداية
١٦٠/٢، فتح القدير ٢٩٣/٥، الاختيار ١٣٨/٤
- ١٨١ -

جزية ٤٢ - ٤٣
موسرين، ولا تجب عليهم إذا كانوا
معسرین . (١)
ويدل على ذلك مافي كتاب الصلح بين
خالد بن الوليد رضي الله عنه وأهل الحيرة:
((وجعلت لهم أيما شيخ ضعف عن العمل، أو
أصابته آفة من الآفات، أو کان غنیا فافتقر وصار
أهل دینه یتصدقون علیه طرحت جزیته، وعیل
ودار الإِسلام، فإن خرجوا إلى غير دار الهجرة
ودار الإِسلام فليس على المسلمين النفقة على
عيالهم)). (٢)
من بيت مال المسلمين وعياله ما أقام بدار الهجرة ! ضبط أسماء أهل الذمة وصفاتهم في ديوان :
ومذهب أبي ثور أن الجزية تؤخذ من
المصابين بالعاهات المزمنة، ولولم يكونوا
موسرین. واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالی :
﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾(٣)
فهو يشمل الزمنى والعميان والشيوخ الكبار.
وبعموم الأحاديث القاضية بأخذ الجزية من كل
حالم، كحديث معاذ السابق. الذي أمره فيه أن
یأخذ من کل حالم دینارا، وحدیث عمر بن
الخطاب السابق: ((ولا يضربوها إلا على من
(١) الاختيار ١٣٨/٤، الأموال لابن زنجويه ١٦٣/١ - ١٦٤
(٢) الخراج لأبي يوسف ١٤٤، والأموال لأبي عبيد ٤٦/١ ط
حجازي.
(٣) سورة التوبة/ ٢٩
جرت عليه الموسى))، واستدلوا من المعقول بأن
الجزية عوض عن حقن الدم، وهؤلاء كغيرهم
في الانتفاع بحقن الدم، فلا تسقط عنهم الجزية
بتلك الإصابات، وأن الجزية عوض عن سكنى
دار الإِسلام، وهؤلاء كغيرهم في الانتفاع
بالدار، فلا تسقط عنهم الجزية، كما أن الأجرة
لا تسقط عن أصحاب الأعذار. (١)
٤٣ - يستوفي العامل الجزية من أهل الذمة وفق
ديوان يشتمل على أسمائهم وصفاتهم وأحوالهم
وما يجب على كل واحد منهم. قال الشيرازي
في المهذب: ((ويثبت الإِمام عدد أهل الذمة
وأسماءهم، ويحليهم بالصفات التي لا تتغير
بالأيام فيقول : طويل، أو قصير، أوربعة،
وأبيض، أو أسود، أو أسمر، أو أشقر، وأدعج
العينين، أو مقرون الحاجبين، أو أقنى الأنف.
ويكتب مايؤخذ من كل واحد منهم، ويجعل
على كل طائفة عريفا، ليجمعهم عند أخذ
الجزية، ويكتب من يدخل معهم في الجزية
بالبلوغ، ومن يخرج منهم بالموت. (٢)
(١) الأم ٢٧٩/٤، روضة الطالبين ١٠/ ٣٠٧، المهذب مع
المجموع ٢٣٢/١٨، نهاية المحتاج ٨/ ٨٥، مغني المحتاج
٢٤٦/٤
(٢) المهذب مع المجموع ١٣٦/١٨، كشاف القناع ١٢٥/٣
- ١٨٢ -

جزية ٤٤
مقدار الجزية :
٤٤ - اختلف الفقهاء في مقدار الجزية :
فذهب الحنفية إلى أن الجزية على ضربين:
جزية توضع بالتراضي والصلح، وجزية يبتدىء
الإِمام وضعها على الكفار إذا فتح بلادهم
عنوة .
فالضرب الأول: الجزية الصلحية ليس لها
حد معين بل تتقدر بحسب مايقع عليه الاتفاق
بين الإِمام وأهل الذمة. (١)
واستدلوا لذلك باختلاف مقادير الجزية
الصلحية من مجموعة إلى مجموعة أخرى.
فقد صالح النبي ◌َّ أهل نجران على ألفي
حلة، النصف في صفر، والبقية في رجب
يؤدونها إلى المسلمين.
وأمر معاذا أن يأخذ من أهل اليمن من كل
حالم دينارا، وعدله من المعافر.
وصالح عمر رضي الله عنه بني تغلب على
أن يؤدوا ضعف زكاة المسلمين. روى البيهقي
عن عبادة بن النعمان التغلبي في حديث طويل -
أن عمر رضي الله عنه لما صالحهم - يعني
نصارى بني تغلب - على تضعيف الصدقة
قالوا: نحن عرب لا نؤدي مايؤدي العجم،
(١) فتح القدير ٢٨٨/٥، تبيين الحقائق ٢٧٦/٣، الهداية
١٥٩/٢، الاختيار ١٣٧/٤، بدائع الصنائع ٤٣٣١/٩.
ولكن خذ منا كما يأخذ بعضكم من بعض -
يعنون الصدقة - فقال عمر رضي الله عنه: لا ،
هذه فرض المسلمين. قالوا: فزد ماشئت بهذا
الاسم، لا باسم الجزية، ففعل فتراضى هو
وهم على أن تضعف عليهم الصدقة. وفي
بعض طرقه: ((سموها ما شئتم)). (١)
والضرب الثاني: الجزية العنوية وهي مقدرة
الأقل والأكثر، فيضع على الغني ثمانية وأربعين
درهما، وعلى المتوسط أربعة وعشرين، وعلى
الفقير المعتمل اثني عشر درهما. واستدلوا لذلك
بأن عمر بن الخطاب وضع في الجزية على
رؤوس الرجال على الغني ثمانية وأربعين درهما،
وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى
الفقير اثنى عشر درهما. (٢)
قال الحنفية: ((ونصب المقادير بالرأي لا
يكون، فعرفنا أن عمر اعتمد السماع من
النبي ◌َ لر، فأخذنا به))(٣) وقد فعل عمر ذلك
بمحضر من الصحابة .
واستدلوا بقياس الجزية على خراج الأرض،
(١) نصب الراية ٣٦٣/٢، السنن الكبرى ٢١٦/٩، الخراج
لأبي یوسف ص ١٢٠، والأموال لأبي عبيد ص ٤٠،
والأموال لابن زنجويه ١/ ١٣١.
(٢) نصب الراية ٣/ ٤٤٧، الأموال لأبي عبيد ص٥٦،
الأموال لابن زنجويه ١/ ١٦٠، والسنن الكبرى ٩/ ١٩٦
(٣) المبسوط ٧٨/١٠، البدائع ٤٣٣٢/٩
- ١٨٣ -

جزية ٤٥
فقد جعل الخراج على مقدار الطاقة، واختلف
بحسب اختلاف الأرض وطاقتها الإنتاجية
فوجب أن تكون الجزية على قدر الطاقة
والإِمكان، فتختلف بحسب طاقة الشخص
وإمكاناته المالية .
وبأن الجزية إنما وجبت عوضا عن النصرة
للمسلمين، والنصرة من المسلمين تتفاوت،
فالفقير ينصر دار الإِسلام راجلا، ومتوسط
الحال ینصرها راجلا وراكبا، والموسرينصرها
بالرکوب بنفسه وإرکاب غیره. فوجب أن تكون
الجزية على قدر طاقة الشخص وإمكاناته
المالية . (١)
٤٥ - واختلف الحنفية في المراد بالغني والمتوسط
والفقير على خمسة أقوال:
الأول : ما قاله بعضھم: من لم يملك نصابا
تجب في مثله الزكاة على المسلمين، وهومائتا
درهم فهو فقير. ومن ملك مائتي درهم فهو من
الأواسط. ومن ملك أربعة آلاف درهم
فصاعدا، فهو من الأغنياء، لما روي عن علي
رضي الله عنه وعبد الله بن عمر رضي الله عنهما
أنهما قالا : أربعة آلاف فما دونها نفقة، ومافوق
ذلك كنز.
والثاني : ما قاله الکرخي : من لم يملك نصابا
فهو فقير، ومن ملك مائتي درهم إلى أقل من
(١) العناية على الهداية ٥/ ٢٩٠، أحكام القرآن للجصاص
٩٧/٣، فتح بالقدير ٢٩٠/٥ .
عشرة آلاف فهو من الأوساط، ومن ملك زيادة
على عشرة آلاف فهو من الأغنياء.
والثالث : ماقاله بشر بن غیاٹ: من كان يملك
قوته وقوت عياله وزيادة فهو موسر، وإن ملك
بلا فضل فهو الوسط، ومن لم یکن له قدر
الكفاية فهو الفقير المعتمل أو المكتسب.
والرابع : ماقاله أبو يوسف في كتاب الخراج:
((الموسر)»: مثل الصير في، والبزاز، وصاحب
الضيعة، والتاجر، والمعالج، والطبيب، وكل
من كان منهم بيده صناعة وتجارة يحترف بها
فيؤخذ من أهل كل صناعة وتجارة على قدر
صناعتهم وتجارتهم ثمانية وأربعون درهما من
الموسر، وأربعة وعشرون درهما من الوسط من
احتملت صناعته ثمانية وأربعين أخذ منه ذلك،
ومن احتملت أربعة وعشرين درهما أخذ ذلك
منه، واثنا عشر درهما على العامل بيده: مثل
الخياط والصباغ والإِسكاف والخراز ومن
أشبهھم.(١).
والخامس : ما قاله أبوجعفر الطحاوي : إنه ينظر
إلى عادة كل بلد في ذلك، فصاحب خمسين ألفا
ببلخ يعدّ من المكثرين، وفي البصرة لا يعد
مكثرا. فهو يعتبر في كل بلدة عرفها، فمن عده
الناس في بلدهم فقيراً، أو وسطاً، أوغنياً فهو
كذلك، وهذا هو المختار عند الحنفية، قال
(١) بدائع الصنائع ٤٣٣٢/٩، فتح القدير ٢٩١/٥، الخراج
لأبي یوسف ص١٢٣ - ١٢٤
- ١٨٤ -

جزية ٤٦ - ٤٧
الموصلي: ((والمختار أن ينظر في كل بلد إلى حال
أهله، وما يعتبر ونه في ذلك، فإن عادة البلاد في
ذلك مختلفة)». (١)
٤٦ - وذهب المالكية إلى أن الجزية ضربان:
صلحية، وعنوية :
فالضرب الأول: الجزية الصلحية: وهي
التي عقدت مع الذين منعوا أنفسهم وأموالهم
وبلادهم من أن يستولي عليها المسلمون
بالقتال، وهي تتقدر بحسب مايتفق عليه
الطرفان. ولا حد لأقلها ولا أکثرها عند بعض
المالكية، واستظهر ابن رشد أن الصلحي إن
بذل القدر الذي على العنوي أنه يلزم الإِمام أن
يقبله منه، ويحرم على الإِمام أن يقاتله.
واستدلوا بأدلة الحنفية السابقة.
والضرب الثاني: الجزية العنوية: وهي التي
تفرض على أهل البلاد المفتوحة عنوة، وتقدر
بأربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعین درهما
على أهل الفضة، بلا زيادة ولا نقصان. ونحو
هذا رواية عن أحمد فيها أنها على الغني ثمانية
وأربعون درهما وعلى الوسط أربعة وعشرون،
وعلى الفقير اثنا عشر، وهذه اختيار الخرقي،
ويرجع إلى العرف من الغنى والفقر.
وقد استدلوا لذلك بما روى الإِمام مالك عن
(١) فتح القدير ٢٩١/٥، الاختيار ١٣٧/٤، وحاشية ابن
عابدين ٤ / ١٩٧ .
نافع عن أسلم مولى عمر أن عمر ضرب الجزية
على أهل الذهب أربعة دنانير، وعلى أهل
الوٍرق أربعين درهما، ومع ذلك أرزاق
المسلمين، وضيافة ثلاثة أيام. قال الباجي المراد
بأرزاق المسلمين أقوات من عندهم من أجناد
المسلمين، والمراد بالضيافة ضيافة المجتاز من
المسلمين على أهل الذمة .
وهو يقتضي أنه قدرها بهذا المقدار وذلك لما
رآه من الاجتهاد والنظر للمسلمين واحتمال
أحوال أهل الجزية. (١) وأما أرزاق المسلمين
والضيافة، فقد قال مالك: ((أرى أن توضع
عنهم اليوم الضيافة والأرزاق، لما حدث عليهم
من الجور)»، وذلك سدا للذريعة، ونقل
الدسوقي عن الباجي وأقره أنه إن انتفى الظلم
فلا تسقط. (٢).
٤٧ - وذهب الشافعية وهو رواية يعقوب بن
بختان عن أحمد إلى أن أقل الجزية دينار ذهبي
خالص، ولا حدّ لأكثرها، فلا يجوز للإِمام
التراضي مع أهل الذمة على أقل من دينار في
حالة القوة، وتجوز الزيادة على الدينار، بل
تستحب المماكسة في الزيادة: بأن يطلب منهم
(١) القوانين الفقهية ص١٧٥، بداية المجتهد ١/ ٤٠٤،
المقدمات لابن رشد ٣٩٥/١، حاشية الخرشي ١٤٥/٣،
بلغة السالك ٣٦٧/١، حاشية الدسوقي ٢/ ٢٠١، الموطأ
مع تنوير الحوالك ٢٦٤/١، والمنتقى ١٧٣/٢ .
(٢) حاشية الدسوقي ٢٠٢/٢، بلغة السالك ٣٦٧/١.
- ١٨٥ -

جزية ٤٧ - ٤٨
أكثر من دينار إن ظن إجابتهم إليها، أما إذا علم
أوظن أنهم لا يجيبونه إلى تلك الزيادة، فلا
معنى للمماكسة. وفي حالة الضعف يجوز للإِمام
التراضي مع أهل الذمة على أقل من الدينار.
واستدلوا لذلك بحديث معاذ السابق: ((أمره
أن يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر)).
فالحديث يدل على تقدير الجزية بالدينار من
الذهب على كل حالم، وظاهر إطلاقه سواء
أكان غنيا أم متوسطا أم فقيرا.
وقد أخذها النبي ﴾﴾ من أهل ((أیلة))، حیث
قدم يوحنه بن رؤبة على رسول الله رص14 في
تبوك، وصالحه على كل حالم بأرضه في السنة
دينارا، واشترط عليهم قرى من مرّ بهم من
المسلمين.
وقد أخذ رسول اللّه ◌َار من أهل نجران
ألفي حلة نصفها في صفر والبقية في رجب.
قال الشافعي : سمعت بعض أهل العلم
من المسلمين ومن أهل الذمة من أهل نجران
یذکر أن قيمة ما أخذ من كل واحد دینار. (١)
وروى الشافعي عن إبراهيم بن محمد عن
أبي الحويرث ((أن النبي ◌َّل ضرب على نصراني
(١) روضة الطالبين ٣١١/١٠، الغاية القصوى ٩٥٧/٢،
حاشية قليوبي ٢٣٣/٤، نهاية المحتاج ٨٧/٨-٨٨، مغني
المحتاج ٢٤٨/٤، الأحكام السلطانية ص١٤٤، المهذب
مع المجموع ٢١٢/١٨، حاشية البجيرمي ٢٧٢/٤، سبل
السلام ٤/ ٦٩، الأم ١٧٩/٤ .
بمكة، يقال له ((موهب)) دينارا كل سنة»
واستدلوا لجواز عقدها مع أهل الذمة على أقل
من دينار في حالة الضعف بأن من القواعد
المقررة شرعا: ((إن تصرف الإِمام على الرعية
منوط بالمصلحة)) فإذا كان في عقد الذمة على
أقل من دينار مصلحة ظاهرة وجب المصير
إلیه .(١)
٤٨ - وفي رواية عن الإِمام أحمد - نقلها عنه
الأثرم -: أن المرجع في الجزية إلى الإِمام، فله
أن يزيد وينقص على قدر طاقة أهل الذمة،
وعلى مايراه. وهذا هو المذهب كما قال المرداوي
في الإِنصاف، وقال الخلال: العمل في قول أبي
عبد الله على مارواه الجماعة بأنه لا بأس للإِمام
أن يزيد في ذلك وينقص على مارواه أصحابه
عنه في عشرة مواضع، فاستقر قوله على ذلك.
وهذا قول الثوري وأبي عبيد. واستدلوا
لذلك بقوله تعالى : ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد
وهم صاغرون﴾ . (٢)
فلفظ الجزية في الآية مطلق غير مقيد بقليل
(١) الأم ١٧٩/٤، السنن الكبرى ١٩٥/٩، الخراج لابن آدم
ص٧٣، المنثور في القواعد ١/ ٣٠٩.
وحديث: ((أن النبي # ضرب على نصراني بمكة
يقال ... )). أخرجه البيهقي (١٩٥/٩ ط دار المعرفة) من
طريق أبي الحويرث معاوية بن عبدالرحمن وهو صدوق
سيء الحفظ (التقريب ص٣٥١ ط دار الرشيد) وقد
أرسله.
(٢) سورة التوبة/ ٢٩
- ١٨٦ -

جزية ٤٨ - ٥٠
أو كثير، فينبغي أن يبقى على إطلاقه، غير أن
الإِمام لما کان ولي أمر المسلمين جازله أن يعقد
مع أهل الذمة عقدا على الجزية بما يحقق
مصلحة المسلمين، لأن تصرف الإِمام على
الرعية منوط بالمصلحة .
ولأن النبي #:«أمر معاذا أن يأخذ من كل
حالم دينارا)) وصالح أهل نجران على ألفي حلة،
النصف في صفر والباقي في رجب.
وجعل عمر بن الخطاب الجزية على ثلاث
طبقات على الغني ثمانية وأربعين درهما، وعلى
اثنى عشر درهما، وصالح بني تغلب على ضعف
ما على المسلمين من الزكاة .
فهذا الاختلاف يدل على أنها إلى رأى
الإِمام، لولا ذلك لكانت على قدر واحد في
جميع هذه المواضع ولم يجزأن تختلف. ويؤيد
ذلك ماروى البخاري عن ابن عيينة عن أبي
نجيح قلت لمجاهد: ما شأن أهل الشام
عليهم أربعة دنانير، وأهل اليمن عليهم دينار؟
قال: جعل ذلك من أجل اليسار.(١)
ولأن المال المأخوذ على الأمان ضربان: هدنة
وجزية، فلما كان المأخوذ هدنة إلى اجتهاد
الحاكم، فكذلك المأخوذ جزية .
(١) صحيح البخاري ٤/ ٦٢.
ولأن الجزية عوض، فلم تتقدر بمقدار واحد
في جميع المواضع كالأجرة.(١)
استيفاء الجزية :
وقت استيفاء الجزية :
٤٩ - اتفق الفقهاء على أن الجزية لا تؤخذ من
الذمي إلا مرة واحدة في السنة ولا تتكرر.
والسنة المعتبرة شرعا هي السنة القمرية، لأنها
هي المرادة شرعا عند الإطلاق، أما إذا عين
الإِمام كونها شمسية أو قمرية فيجب اتباع
ماعینه .
المتوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى الفقير / وقت وجوب الجزية :
٥٠ - اتفق الفقهاء على أن وقت وجوب الالتزام
بالجزية عقب عقد الذمة مباشرة، إلا أن
الشافعية قالوا: تجب بالعقد وجوبا غير مستقر
وتستقر بانقضاء الزمن كالأجرة، فكلما مضت
مدة من الحول استقر قسطها من جزية الحول،
حتى تستقر جزیة الحول کله بانقضائه، لأن
الجزية عوض عن منفعة حقن الدم، فتجب
بالعقد وجوبا غير مستقر، وتستقر بمضي المدة
شيئا فشيئا كالأجرة . (٢)
(١) المغني ٥٠٢/٨، كشاف القناع ٣/ ١٢١، أحكام أهل
الذمة لابن القيم ٢٧/١، المبدع ٤١١/٣، المذهب الأحمد
ص٢١٠، الإنصاف ٢٢٧/٤، كتاب الروايتين والوجهين
٣٨٢/٢، الأموال لأبي عبيد ص٥٧ .
(٢) البدائع ٩/ ٤٣٣٠، القوانين الفقهية ص١٧٥، جواهر
الإكليل ١/ ٢٦٦، نهاية المحتاج ٨/ ٨٧، المغني ٨/ ٥٠٠
- ١٨٧ -

جزية ٥١
٥١ - واختلف الفقهاء في وقت وجوب أداء
الجزية :
فذهب جمهور الفقهاء من المالكية والشافعية
والحنابلة إلى أن وقت وجوب الأداء آخر
الحول. (١) واستدلوا لذلك بما وقع من النبي ◌َّر
في الجزية، فقد ضربها على أهل الذمة والمجوس
بعد نزول آية الجزية، ولم يطالبهم بأدائها في
الحال، بل كان يبعث رسله وسعاته في آخر
الحول لجبایتها .
روى البخاري عن عمرو بن عوف
الأنصاري أن رسول اللّه ◌َل# بعث أبا عبيدة بن
الجراح إلى البحرين يأتي بجزيتها، وكان
رسول الله و لل هو صالح أهل البحرين وأمّر
عليهم العلاء بن الحضرمي . (٢)
وتدل سيرة الخلفاء والأمراء بعد النبي والخير
على أنهم كانوا يبعثون الجباة في آخر العام لجباية
(١) بداية المجتهد ٤٠٥/١، المقدمات لابن رشد ٣٩٧/١،
المنتقى ١٧٦/٢، حاشية الخرشي ١٤٥/٣، منح الجليل
٧٥٨/١، المهذب مع المجموع ٢١٨/١٨، رحمة الأمة
١٨١/٢، الميزان ٢/ ١٨٥، الإفصاح ٢٩٤/٢، المغني
٥٠٤/٨، المبدع ٣/ ٤١٠، المذهب الأحمد ص ٢١٠،
أحكام أهل الذمة لابن القيم ٣٩/١، كشاف القناع
١٢١/٣، الإنصاف ٢٢٩/٤.
(٢) حديث: ((بعث أبا عبيدة بن الجراح إلى البحرين ... ))
أخرجه البخاري (٢٥٧/٦ - ٢٥٨ ط السلفية) من حديث
عمر بن عوف.
الجزية. فبعث عمر بن الخطاب رضي الله عنه
أباهريرة إلی البحرین، فقدم بمال کثیر. (١)
ولأن الجزية حق مالي يتكرر بتکرر الحول،
فوجب بآخره كالزكاة.
ولأن الجزية تؤخذ جزاء على تأمينهم
وإقرارهم على دينهم، فلا تجوز المطالبة بها إلا
بعد أن يتحقق لهم ذلك في طول السنة .
ولأن الجزیة عوض عن سکنی الدار فوجب
أن تؤخذ بعد استيفاء المنفعة وانقضاء المدة. (٢)
وذهب الحنفية إلى أن وقت وجوب الأداء في
أول السنة، فتجب وجوبا موسعا كالصلاة،
وللإِمام المطالبة بها بعد عقد الذمة. (٣)
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا
الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ . (٤)
فجعل إعطاء الجزية غاية لرفع القتال عنهم،
لأن غاية هذا حقيقة اللفظ، والمفهوم من
ظاهره، ألا ترى أن قوله: ﴿ولا تقربوهن حتى
يطهرن﴾(٥) وقد حظر إباحة قربهن إلا بعد وجود
(١) الأموال لأبي عبيد ٣٨١، الأموال لابن زنجويه ٢/ ٥٠٥
وإسناد ابن زنجويه صحيح.
(٢) المغني ٨/ ٥٠٤، المنتقى ١٧٦/٢، المقدمات ٣٩٧/١،
المهذب مع المجموع ٢١٩/١٨.
(٣) فتح القدير ٢٩٨/٥، البدائع ٤٣٣١/٩، الفتاوى الهندية
٢٤٤/٢، حاشية ابن عابدين ١٩٦/٤، مجمع الأنهر
٦٧٢/١، الإختيار ٤/ ١٣٧.
(٤) سورة التوبة/ ٢٩
(٥) سورة البقرة/ ٢٢٢
- ١٨٨ -

جزية ٥٢ - ٥٣
طهرهن، وكذلك المفهوم من قول القائل لا تعط
زيدا حتى يدخل الدار، منع الإِعطاء إلا بعد
دخوله، فثبت بذلك أن الآية موجبة لقتال أهل
الكتاب مزيلة ذلك عنهم بإعطاء الجزية وهذا
يدل على أن الجزية وجبت بعقد الذمة. (١)
ولقول النعمان بن مقرن: «أمرنا نبينا
رسول ربنا ﴿ أن نقاتلكم حتى تعبدوا الله
وحده أو تؤدوا الجزية))(٢) فوقت وجوب أداء
الجزية عقب العقد مباشرة .
ولأن الجزية وجبت بدلا عن القتل في
حقهم، فتجب في الحال كالواجب بالصلح عن
دم العمد. ولأن المعوض قد سلم لهم، فوجب
أن يستحق العوض عليهم كالثمن.
ولأن الجزية وجبت بدلا من النصرة في
حقنا، وهي لا تتحقق في الماضي، وإنما تتحقق
في المستقبل، لأن نصرة الماضي يستغنى عنها
بانقضائه. فإذا تعذر إيجاب الجزية بعد الحول
تجب في أوله.(٣)
تعجيل الجزية :
٥٢ - المقصود بتعجيل الجزية: استيفاؤها ممن
(١) أحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٠٠
(٢) سبق تخريج الحديث. فقرة/ ١٠
(٣) الاختيار ١٣٧/٤، فتح القدير ٢٩٨/٥، العناية على
الهداية على هامش فتح القدير ٢٩٨/٥ .
وجبت علیه قبل وقت وجوبها بسنة أو سنتين أو
أكثر، فهل يجوز للإِمام أن يستعجل أخذ الجزية
أو يستسلفها؟
اختلف العلماء في ذلك:
فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والشافعية في وجه، إلى جواز تعجيلها لسنة أو
سنتين أو أكثر برضا أهل الذمة، ويجوز اشتراط
تعجيلها وذلك لأنها کاخراج، ولأنها عوض عن
حقن دمائهم فأشبهت الأجرة.
وذهب الحنابلة والشافعية في وجه إلى عدم
جواز اشتراط تعجيلها، ويجوز تعجيلها برضا
أهل الذمة. واستدلوا بقياس الجزية على
الزكاة، فلا يجوز للإِمام أن يستسلف الزكاة إلا
برضا رب المال، بل الجزية أولى بالمنع، لأنها
تتعرض للسقوط قبل الحول وبعده، فتسقط
بالإِسلام والموت أثناء السنة وتتداخل بالاجتماع
عند أبي حنيفة . (١)
تأخير الجزية :
٥٣ - إذا تأخر الذمي عن أداء الجزية في وقتها
المحدد فإما أن يكون موسرا، وإما أن يكون
معسرا .
(١) الاختيار ١٣٩/٤، مواهب الجليل ٣/ ٣٨٢، روضة
الطالبين ٣١٣/١٠، المبدع ٤١٢/٣، الإنصاف
٢٢٩/٤، أحكام أهل الذمة لابن القيم ١/ ٩٩
- ١٨٩ -

جزية ٥٤ - ٥٤م
فإن كان موسرا ومطل بها جاز للإِمام أن
يعاقبه على ذلك بالحبس وغيره.
قال القرطبي : أما عقوبتهم إذا امتنعوا من
أدائها مع التمكن فجائز، فأما مع تبين عجزهم
فلا تحل عقوبتهم، لأن من عجز عن الجزية
سقطت عنه .(١)
، من له حق استيفاء الجزية :
٥٤ - الجزية من الأموال العامة التي يتولى أمرها
الأئمة والسلاطين، فالشرع هو الذي قدر
الجزية عند الجمهور، وقيل يقدرها الإمام .
والإِمام يعقد الذمة ويطالب بالجزية
ويصرفها في مصالح المسلمين العامة باجتهاده،
وذلك لأن الإِمام العدل وكيل عن الأمة في
استیفاء حقوقها ممن وجبت علیه، وفي تدبیر
شئونها. قال القرطبي: ((الأموال التي للأئمة
والولاة فيها مدخل ثلاثة أضرب: الأول:
ما أخذ من المسلمين على طريق التطهير لهم
كالصدقات والزكوات. والثاني: الغنائم
وما يحصل في أيدي المسلمين من أموال الكافرين
بالحرب والقهر والغلبة. والثالث: الفيء، وهو
مارجع للمسلمين من أموال الكفار عفوا صفوا
(١) الجامع لأحكام القرآن ١١٥/٨، المذهب الأحمد
ص٢١١، الاختيارات الفقهية لابن تيمية جمع البعلي
ص٣١٩، الإنصاف ٢٥٢/٤.
من غير قتال ولا إيجاف كالصلح والجزية
والخراج والعشور المأخوذة من أهل الذمة. (١)
وبناء على ذلك فحق استيفاء الجزية
للإِمام، فيطالب بها ويجب على أهل الذمة
الدفع إلیه.
والإِمام المطالب بالجزية إما أن يكون عادلا ،
أو جائرا ظالما، أوباغيا، أو خارجا على إمام
العدل، أو محاربا وقاطعا للطريق.
١ - حكم دفع الجزية إلى أئمة العدل:
٥٤م - الإمام العادل: هو الذي اختاره
المسلمون للإمامة وبايعوه، وقام بتدبير شئون
الأمة وفق شرع الله عز وجل.
فإذا طلب من ذوي الأموال مالا لا يطلبه إلا
بحق، وإذا قسم أموالا عامة قسمها وفق شرع
الله وحسب ما تقتضيه المصلحة العامة كما قال
رسول الله وسلم: ((ما أعطيكم ولا أمنعکم وإنما
أنا قاسم أضع حيث أمرت))(٢) وقال أمير
المؤمنين عمربن الخطاب رضي الله عنه ((إني
أنزلت نفسي وإياكم من هذا المال بمنزلة والي
اليتيم فإن الله تبارك وتعالى قال: ﴿ومن کان
(١) الجامع لأحكام القرآن ١٨/ ١٤ .
(٢) حديث: ((ما أعطيكم ولا أمنعكم وإنما أنا قاسم أضع
حیث أمرت». أخرجه البخاري (فتح الباري ٦/ ٢١٧ - ط
السلفية).
- ١٩٠ -
:

جزية ٥٥
غنيا فليستعفف ومن كان فقيرا فليأكل
بالمعروف﴾(١) والله ما أرى أرضاً يؤخذ منها شاة
في کل یوم إلا استسرع خرابها)).
وبناء على ذلك إذا طلب الإِمام العادل
الجزية من أهل الذمة وجب عليهم الدفع إليه،
ولا يجوز لأحد تفرقة خراج رأسه بنفسه، وإذا
أدى شخص الجزية إلى مستحق الفيء بنفسه
فللإِمام أخذها منه ثانية، لأن حق الأخذ له. (٢)
٢ - حكم دفع الجزية إلى أئمة الجور والظلم:
٥٥ - الإِمام الجائر: هو الذي يقوم بتدبير شئون
الأمة وفق هواه، فيقع منه الجور والظلم على
الناس.
وإذا طلب الإِمام الجائر الجزية من أهل
الذمة وجب عليهم أداؤها إليه عند جماهير
الفقهاء من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة
وإذا أدى الذمي الجزية إلى الإِمام الجائر
سقطت عنه ولا يطالب بها مرة ثانية من قبل
الإِمام العادل.
قال الكاساني: وأما سلاطين زماننا الذين
أخذوا الصدقات والعشور والخراج لا يضعونها
(١) سورة النساء/ ٦
(٢) الخراج لأبي يوسف ص٣٦، الاختيار ١٤٥/٤، الجامع
لأحكام القرآن ١٤/١٨، الأحكام السلطانية للماوردي
ص١٦، الأحكام السلطانية للفراء ص٢٨ .
مواضعها، فهل تسقط هذه الحقوق عن أربابها؟
اختلف المشايخ فيه، ذكر الفقيه أبوجعفر
الهندواني أنه يسقط ذلك کله، وإن كانوا لا
يضعونها في أهلها، لأن حق الأخذ لهم فيسقط
عنه بأخذهم، ثم إنهم إن لم يضعوها مواضعها
فالوبال عليهم .
قال الشيخ أبوبكربن سعيد: إن الخراج
يسقط، ولا تسقط الصدقات لأن الخراج
يصرف إلى المقاتلة، وهم يصرفون إلى المقاتلة
ويقاتلون العدو، ألا ترى أنه لوظهر العدو فإنهم
يقاتلون ويذبون عن حريم المسلمين، فأما
الزكوات والصدقات فإنهم لا يضعونها في
أهلها . (١)
واستدلوا لوجوب طاعة الإِمام الجائر في طلب
الجزية واخراج بمايلي:
أ - ما روي عن النبي ◌َلل أنه قال: ((كانت
بنو إسرائيل تسوسهم الأنبياء، كلما هلك نبي
خلفه نبي، وإنه لا نبي بعدي. وسيكون خلفاء
ویکثرون. قالوا : فما تأمرنا؟ فقال: أوفوا ببيعة
الأول فالأول، ثم أعطّوهم حقهم، فإن اللّه
سائلهم عما استرعاهم)) . (٢)
(١) بدائع الصنائع ٨٨٤/٢، مواهب الجليل ٢/ ٣٦٤، مغني
المحتاج ٤/ ١٣٢.
(٢) حديث: ((كانت بنو اسرائيل تسوسهم الأنبياء ... )»
أخرجه البخاري (٤٩٥/٦ - ط السلفية)، ومسلم
(١٤٧١/٣ - ط عيسى الحلبي). من حديث أبي هريرة.
- ١٩١ -

جزية ٥٦
قال الشوكاني: في بيان معنى ((أعطوهم
حقهم)) - أي ادفعوا إلى الأمراء حقهم الذي
لهم المطالبة به وقبضه، سواء کان يختص بهم أو
يعم، وذلك من الحقوق الواجبة كالزكاة، وفي
الأنفس كالخروج إلى الجهاد. (١)
ب - وما روي عنه رشالر: ((أنها ستكون بعدي
أثرة وأمور تنکرونها قالوا : يا رسول کیف تأمر
من أدرك منا ذلك؟ قال: تؤدون الحق الذي
عليكم، وتسألون الله الذي لكم)). (٢)
جـ ـ وما روي عنه قال: ((إن أمر عليكم عبد
مجدع، أسود، يقودكم بكتاب الله فاسمعوا له
وأطيعوا)). (٣)
٣ - دفع الجزية إلى البغاة:
٥٦ - البغاة : هم الذين يقاتلون على التأويل
ويخرجون على الإِمام، أو يمتنعون عن الدخول
في طاعته، أويمنعون حقا وجب عليهم كالزكاة
وشبهها، فيدعون إلى الرجوع للحق. (٤)
/
(١) نيل الأوطار ١٩٤/٧.
(٢) حديث: ((أنها ستكون بعدي أثرة وأمور تنكرونها. قالوا :
يارسول الله كيف تأمر من أدرك ... )) أخرجه مسلم
(١٤٧٢/٣ - ط عسى الحلبي) من حديث عبدالله بن عمر.
(٣) حديث: ((إن أمر عليكم عبد مجدع، أسود،
يقودكم ... )) أخرجه مسلم (١٤٦٨/٣ - ط عيسى
الحلبي).
(٤) القوانين الفقهية ص٣٩٣
فإذا غلب أهل البغي على بلد ونصبوا
إماما، فجبى الجزية من أهل الذمة، فذهب
جمهور الفقهاء من الحنفية والشافعية والحنابلة
وابن الماجشون من المالكية إلى سقوط الجزية
عن أهل الذمة بدفعها إلى البغاة، ولکن یأخذ
منهم فيما يستقبلون ما يجب عليهم من ذلك.(١)
واستدلوا لذلك:
بأن عليا رضي الله عنه لما ظهر على أهل
البصرة لم يطالبهم بشيء مما جبي منهم:
قال الشافعية: ولأن حق الإِمام في الجباية
مرهون بالحماية، وهي غير موجودة عند تغلب
البغاة على بلدة معينة . (٢)
ولأن في ترك احتسابها ضررا عظيما ومشقة
کبیرة، فإن البغاة قد یغلبون على البلاد السنين
الكثيرة وتتجمع على أهل الذمة مبالغ طائلة لا
يطيقونها. وذهب المالكية إلى أنه يجب على من
دفع الجزية إلى البغاة الإِعادة، لأنه أعطاها إلى
من لا ولاية له صحيحة فأشبه مالو أخذها آحاد
الرعية غصبا. (٣)
(١) البدائع ٤٤٠٢/٩، كتاب السير ص٢٢٩، القوانين
الفقهية ص٣٩٤، الأم ٤/ ٢٢٠، مغني المحتاج ١٣٣/٤،
الأحكام السلطانية للفراء ص٥٥، الإنصاف ٣١٨/١٠
(٢) حاشية القلیوبي ٢٣٤/٤
(٣) المدونة ٢٤٤/١، مواهب الجليل ٣٦٤/٢، الفروق
١٧١/٤
- ١٩٢ -

جزية ٥٧ - ٦٠
٤ - حكم دفع الجزية إلى المحاربين ((قطاع
الطرق)» :
٥٧ - المحاربون : هم الذين يعرضون للناس
بالسلاح فيغصبون المال مجاهرة أو يقتلون أو
يخيفون الطريق.
فإذا أخذ المحاربون الجزية من أهل الذمة لم
يقع ذلك موقعه، ولم تسقط الجزية عنهم بأدائها
إلى المحاربين، لأن المأخوذ منهم كالمأخوذ
غصبا . (١)
طرق استيفاء الجزية :
٥٨ - إذا كان الإِمام هو صاحب الحق في استيفاء
الجزية، فلا يعني ذلك أنه سيباشر جميع الأعمال
التي تتعلق بها من حيث تقديرها وتدوينها وجمعها
وصرفها، لأن ذلك یصعب علیه ولا يستطيعه،
بل يعني تولية من يجمعها والإِشراف عليها
ومتابعة من یقوم باستیفائها وصرفها. ومن طرق
الاستيفاء التي كانت متبعة في ذلك، العمالة
على الجزية، والقبالة (التضمين).
الطريقة الأولى :
العمالة على الجزية :
٥٩ - العمالة على الجزية ولاية من الولايات
الشرعية الصادرة عن الإِمام يتم بمقتضاها
استيفاء الجزية وقبضها .
(١) المبدع ٩/ ١٤٤، الأحكام السلطانية للماوردي ص٦٣،
الأحكام السلطانية للفراء ص٥٨.
وعامل الجزية وكيل عن الإِمام في استيفاء
الجزية وقبضها، وجبايته للجزية محددة بما رسمه
له الإِمام، ولعامل الجزية شروط أهمها:
الإِسلام والحرية، والأمانة، والكفاية، والعلم
والفقه .
وللتفصيل تنظر الشروط المطلوبة في:
(جباية).
مايراعيه العامل في جباية الجزية :
الرفق بأهل الذمة :
٦٠ - للفقهاء في هذه المسألة اتجاهان :
الأول : أنه ينبغي لعامل الجزية أن يكون رفيقا
بأهل الذمة عند استيفائه للجزية: بأن يأخذها
منهم بتلطف دون تعذيب أو ضرب، وأن
يؤخرهم إلى غلاتهم، وأن يقسطها عليهم،
وأن يقبل منهم القيمة بدلا من العين. والصغار
في قوله تعالى ﴿وهم صاغرون﴾ معناه عندهم
التزام أحكام الإِسلام: (١)
والاتجاه الآخر: ما ذهب إليه كثير من فقهاء
الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وهو أن
الجزية تستوفى من أهل الذمة بإهانة وإذلال،
لقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا الجزية عن يد وهم
صاغرون﴾.(٢)
(١) الأم ١٢٧/٤، والأموال ص٥٩، وابن زنجويه في الأموال
١٦٤/١، والخراج ص١٢٥.
(٢) انظر: الاختيار ١٣٩/٤، حاشية ابن عابدين =
- ١٩٣ -

جزية ٦١ - ٦٢
الأموال التي تستوفى منها الجزية :
٦١ - لا يتعين في استيفاء الجزية ذهب ولا فضة
ولا نوع بعينه، بل يجوز أخذها مما تيسر من
أموال أهل الذمة: كالسلاح والثياب والحبوب
والعروض فيما عدا ثمن الخمر والخنزير.
وهذا مذهب جمهور الفقهاء من الحنفية
والمالكية والشافعية والحنابلة . (١) واستدلوا لذلك
بما يلي:
١ - حديث معاذ السابق: ((أمره النبي وَ ل ◌ّ أن
يأخذ من كل حالم دينارا أو عدله من المعافر))(٢)
فهو يدل على جواز أخذ القيمة في الجزية من
الثياب المصنوعة باليمن والمنسوبة إلى قبيلة
معافر.
قال أبوعبيد: ((ألا تراه قد أخذ منهم الثياب
مکان الدنانیر؟ وإنما يراد بهذا كله الرفق بأهل
الذمة، وأن لا يباع عليهم من متاعهم شيء،
ولكن يؤخذ مما سهل عليهم بالقيمة. ألا تسمع
= ٤ / ٢٠١، المنتقى ٢/ ١٧، حاشية الخرشي ١٤٥/٣،
روضة الطالبين ١٠/ ٣١٥، مغني المحتاج ٢٤٩/٤، كفاية
الأخيار ١٣٥/٢، كشاف القناع ١٢٣/٣، المبدع
٤١٢/٣، الإنصاف ٢٢٩/٤، نهاية الرتبة في طلب الحسبة
ص١٠٧، معالم القریی ص٩٩، منح الجليل ٧٥٩/١،
جامع البيان ٧٧/١٠ - ٧٨، زاد المسير ٤٢١/٣.
(١) انظر: الخراج لأبي يوسف ص١٢٢، الرتاج للرحبي
٩٨/٢، المنتقى للباجي ٢/ ١٧٥، ونهاية المحتاج للرملي
٨/ ٨٧، والمغني لابن قدامة ٥٠٤/٨، زاد المعاد لابن القيم
٢/ ٩٠، أحكام أهل الذمة لابن القيم ٢٩/١، وكشاف
القناع للبهوتي ٣/ ١٢٢، والمبدع لابن مفلح ٤١١/٣
(٢) الحدیث سبق تخريجه .
إلى قول رسول الله ورس له: ((أو عدله من المعافر))
فقد بين لك ذكر العدل أنه القيمة)). (١)
٢ - أن النبي ◌َّيه صالح أهل نجران على ألفي
حلة، النصف في صفر والباقي في رجپ. (٢)
٣ - ما روي عن عمر رضي الله عنه أنه كان
يأخذ النعم في الجزية. (٣)
٤ -ماروي عن علي رضي الله عنه أنه کان یأخذ
من كل ذي صنعة من متاعه: من صاحب الإِبر
إبرا، ومن صاحب المسان مسان، ومن صاحب
الحبال حبالا .
قال أبوعبيد: ((وإنما يوجه هذا من علي أنه
كان يأخذ منهم هذه الأمتعة بقيمتها من الدراهم
التي عليهم من جزية رؤوسهم ولا يحملهم على
بيعها ثم يأخذ ذلك من الثمن، إرادة الرفق بهم
والتخفيف عليهم. (٤)
استيفاء الجزية من ثمن الخمر والخنزير :
٦٢ - إستيفاء الجزية من أعيان الخمر والخنزير
لا يجوز باتفاق الفقهاء لأنهما ليسا بمال عند جمهور
الفقهاء، ومال غير متقوم عند الحنفية، فلا يجوز
أخذها في الجزية .
(١) الأموال لأبي عبيد ص٦٣
(٢) حديث: ((صالح أهل نجران .... )) أخرجه ابن زنجويه
في كتاب الأموال (٤٤٩/٢ - ط مركز الملك فيصل).
مرسلا وضعفه المحقق للإرسال، ولأن في سنده عبيد الله بن
أبي حميد وهو متروك (التقريب ص ٣٧٠ - ط دار الرشيد).
(٣) الأموال لأبي عبيد ص٦٣
(٤) المرجع السابق ص ٦٢ - ٦٣
- ١٩٤ -

جزية ٦٢
وأما استيفاء الجزية من ثمن ماباعوه من
الخمر والخنزير فقد اختلف الفقهاء في جوازه.
فذهب الحنفية والمالكية والحنابلة والشافعية
في قول إلى جواز أخذ الجزية من ثمن الخمر
والخنزير إذا تولى الذمي بيعها: (١)
واستدلوا لذلك بما يلي:
١ - ما روى أبوعبيد - بسنده - عن سويد بن
غفلة قال: ((بلغ عمر بن الخطاب أن ناسا
يأخذون الجزية من الخنازير، وقام بلال فقال:
إنهم ليفعلون، فقال عمر: لا تفعلوا: ولوّهم
بيعها)) .
وفي رواية: إن بلالا قال لعمر بن الخطاب:
إن عمالك يأخذون الخمر والخنازير في الخراج،
فقال: لا تأخذوا منهم، ولكن ولّوهم بيعها،
وخذوا أنتم من الثمن».
قال أبوعبيد: ((يريد أن المسلمين كانوا
يأخذون من أهل الذمة الخمر والخنزير من جزية
رؤوسهم وخراج أرضهم بقيمتها ثم يتولى
المسلمون بيعها، فهذا الذي أنکره بلال، ونهى
عنه عمر، ثم رخص لهم أن يأخذوا ذلك من
أثمانها إذا كان أهل الذمة هم المتولين لبيعها،
(١) الخراج لأبي يوسف ص١٢٢، وكتاب السير لمحمد بن
الحسن ص٢٦٣، أحكام أهل الذمة لابن القيم ١ / ٦١،
والمغني ٨/ ٥٢١
لأن الخمر والخنزير مال من أموال أهل الذمة ولا
تکون مالا للمسلمین» . (١)
٢ - ولأن الخمر والخنزير مال من أموالهم التي
نقرهم على اقتنائها، والتصرف فيها، فجاز
أخذ أثمانها منهم كثيابهم. (٢)
وذهب الشافعية في القول المعتمد عندهم
إلى عدم جواز استيفاء الجزية من ثمن الخمر
والخنزير. (٣) واستدلوا لذلك بما يلي:
١ - روى البيهقي - بسنده - إلى أبي هريرة أن
رسول الله وسلم قال: ((إن الله جل ثناؤه حرم
الخمر وثمنها وحرم الميتة وثمنها، وحرم الخنزير
وثمنه)). (٤)
٢ - وروى البيهقي أيضا عن ابن عباس رضي
الله عنهما أنه قال: ((إن الله إذا حرم على قوم
أكل شيء حرم عليهم ثمنه)). (٥)
(١) الأموال لأبي عبيد ص ٧٠
(٢) المغني ٨/ ٥٢١
(٣) مغني المحتاج ٤/ ٢٥٣
(٤) حديث: ((إن الله جل ثناؤه حرم الخمر وثمنها ... )) أخرجه
أبو داود (٧٥٦/٣ - ط عزت عبيد الدعاس) والبيهقي
(١٢/٦ - ط دار المعرفة). والدار قطني (٧/٣ - ط دار
المحاسن) من حديث أبي هريرة. وحسن إسناده الأرناؤوط
(جامع الأصول ١/ ٤٥٠ - ط مكتبة دار البيان). وله
شواهد ذکرها الهيثمي في مجمع الزوائد (٨٧/٤ - ٨٨ - ط
دار الكتاب العربي).
(٥) حديث: ((إن الله إذا حرم على قوم أكل شيء حرم عليهم
ثمنه)) أخرجه أحمد (٢٣٦/١ - ط دار المعارف) من حديث
ابن عباس وصحح إسناده أحمد شاكر.
- ١٩٥ -

جزية ٦٣ - ٦٦
٣ - ولأن ثمن هذه المحرمات حرام عليهم في
اعتقادنا فحرم علينا أخذ الثمن عند العلم به
کالمسروق والمغصوب . (١)
تأخیرهم إلی غلاتهم
:
٦٣ - مما يراعى في استيفاء الجزية تأخير من
فرضت عليهم إلى غلاتهم، أي حتى تنضج
الثمار، وتحصد الزروع فيتمكنوا من بيعها وأداء
الجزية. ويؤيد ذلك ما روى أبوعبيد - بسنده -
إلى سعيد بن عبدالعزيز قال: ((قدم سعيد بن
عامر بن حِذْيَم على عمر بن الخطاب، فلما أتاه
علاه بالدرة، فقال سعيد: سبق سيلك مطرك،
إن تعاقب نصبر، وإن تعف نشكر، وإن
تستعتب نعتب، فقال: ما على المسلم إلا
هذا، مالك تبطىء في الخراج؟ قال: أمرتنا ألا
نزيد الفلاحين على أربعة دنانير فلسنا نزيدهم
على ذلك، ولكننا نؤخرهم إلى غلاتهم. فقال
عمر: لا عزلتك ماحييت)).
قال أبوعبيد: ((وإنما وجه التأخير إلى الغلة
الرفق بهم، ولم نسمع في استيداء(٢) الخراج
والجزية وقتا من الزمان يجتبى فيه غير هذا. (٣)
(١) مغني المحتاج ٤/ ٢٥٣
(٢) أي : استيفائه .
(٣) الأموال لأبي عبيد ص ٦١، الأموال لابن زنجويه
١٦٧/١ وترى اللجنة أن ظاهر كلام الفقهاء إن الجزية
تؤخذ في مواعيدها لكن يجوز تأخير المعسر إلى اليسار كما
تقدم.
إستيفاء الجزية على أقساط:
٦٤ - ومما يراعى في استيفاء الجزية عند الحنفية
أخذها منهم على أقساط، فقد نص الحنفية
علی أخذ الجزية منهم شهريا من باب التخفيف
والتيسير عليهم.
قال المرغيناني: ((يأخذ في كل شهر أربعة
دراهم - أي على الغني - لأجل التسهيل عليه)).
وقال الزيلعي: ((يوضع على الفقير المعتمل
في مثل هذه الحالة اثنا عشر درهما يؤخذ منه في
كل شهردرهم، ثم قال: نقل ذلك عن عمر
وعثمان وعلي والصحابة متواترون ولم ينكر عليهم
منهم أحد فصار إجماعا.
وظاهر كلام غير الحنفية أنها تؤخذ منهم
دفعة واحدة كل عام . (١)
كتابة عامل الجزية براءة للذمي :
٦٥ - إذا استوفيت الجزية كتب للذمي براءة،
لتكون حجة له إذا احتاج إليها. (٢)
التعفف عن أخذ ماليس له أخذه :
٦٦ - ينبغي أن يكون عامل الجزية عفيف
(١) الهداية ١٤٣/٤، وتبيين الحقائق ٢٣٦/٣، والمهذب ..
٢٥٢/٢
(٢) المهذب مع المجموع ٢٣٦/١٨، وكشاف القناع
١٢٦/٣، والمبدع ٤١٥/٣، اختلاف الفقهاء للطبري
ص٢٣٢، وتاريخ الأمم والملوك للطبري ١٨/٤، والخراج
لأبي يوسف ص١٢٧
- ١٩٦ -

جزية ٦٦ - ٦٧
النفس، فلا يقبل هدية من أهل الذمة ولا رشوة
لحديث: ((لعن رسول اللّه ◌َل ل الراشي
والمرتشي)). (١).
وروى البخاري ومسلم عن أبي حميد
الساعدي رضي الله عنه قال: استعمل
النبي # رجلا من الأزد يقال له ابن اللتبية
على الصدقة، فلما قدم قال: هذا لكم وهذا
أهدي إلي، فقال: فهلا جلس في بيت أبيه أو
بیت أمه فينظر أیهدی له أم لا؟ والذي نفسي
بيده لا يأخذ أحدكم منه شيئا إلا جاء يوم
القيامة يحمله على رقبته إن كان بعیرا له رغاء،
أو بقرة ها خوار، أو شاة تیعر، ثم رفع يديه حتى
رأينا عفرة إبطيه. اللهم هل بلغت ثلاثا)). (٢)
فهو يدل على أن الهدايا التي يقدمها أهل
الجزية للعمال حرام ولا يجوز لهم قبولها. قال
الخطابي: ((في هذا بيان أن هدايا العمال سحت
وأنه ليس سبيلها سبیل سائر الهدايا المباحات،
وإنما يهدى إليه للمحاباة وليخفف عن المهدي
(١) حديث: ((لعن رسول الله ومية الراشي والمرتشي)) أخرجه
أبوداود (١٠/٤ - ط عزت عبيد الدعاس). والترمذي
(٦١٤/٣ ط مصطفى الحلبي) وقال: حديث حسن
صحيح.
(٢) حديث: ((فهلا جلس في بيت أبيه .... )) أخرجه
البخاري (فتح الباري ٢٢٠/٥ - ط السلفية) ومسلم
(١٤٦٣/٣ - ط عيسى الحلبي) من حديث أبي حميد
الساعدي.
ويسوغ له بعض الواجب عليه وهو خيانة منه
وبخس للحق الواجب عليه استيفاؤه
لأهله)). (١) وانظر مصطلح (هدية ورشوة).
الرقابة على عمال الجزية :
٦٧ - على الإِمام مشارفة الأمور وتصفح
الأحوال، ومن مقتضيات هذا الواجب: الرقابة
الفعالة على عمال الجزية، وضرورة منحهم
رواتب تكفيهم .
قال أبو يوسف في نصيحته التي كتبها لهارون
الرشيد: ((أرى أن تبعث قوما من أهل الصلاح
والعفاف ممن يوثق بدينه وأمانته، يسألون عن
سيرة العمال، وما عملوا به في البلاد، وكيف
جبوا الخراج؟ على ما أمروا به وعلى ما وظف
على أهل الخراج واستقر، فإذا ثبت ذلك عندك
وصح، أخذوا بما استفضلوا من ذلك أشد
الأخذ، حتى يؤدوه بعد العقوبة الموجعة
والنکال، حتى لا يتعدوا ما أمروا به وما عهد
إليهم فيه، فإن كل ما عمل به والي الخراج من
الظلم والعسف فإنما يحمل على أنه قد أمر به،
وقد أمر بغيره، وان أحللت بواحد منهم العقوبة
الموجعة انتهى غيره واتقى وخاف، وإن لم تفعل
هذا بهم تعدوا على أهل الخراج واجترءوا على
ظلمهم وتعسفهم وأخذهم بما لا يجب عليهم،
(١) معالم السنن للخطابي ٨/٣
- ١٩٧ -

جزية ٦٧ - ٦٨
وإذا صح عندك من العامل والوالي تعد بظلم
وعسف وخيانة لك في رعيتك واحتجاز شيء من
الفيء أو خبث طعمته أوسوء سيرته، فحرام
علیك استعماله والاستعانة به، وأن تقلده شیئا
من أمور رعيتك أو تشركه في شيء من أمرك، بل
عاقبه على ذلك عقوبة تردع غيره من أن
يتعرض لمثل ما تعرض له، وإياك ودعوة المظلوم
فإنها مجابة)).
ولاجتناب وقوع عمال الجزية في الرشوة وأكل
أموال الناس بالباطل، يصرف الإِمام لهم أجورا
(رواتب) مجزية تفي بحاجاتهم، وتكفي
نفقاتهم .
وقد نبه على ذلك القاضي أبو يوسف في
کتاب اخراج حیث قال: «حدثني محمد بن أبي
حميد قال حدثنا أشياخنا أن أبا عبيدة بن الجراح
قال لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: دنست
أصحاب رسول الله # ## فقال عمر: ياأبا عبيدة
إذا لم استعن بأهل الدين على سلامة ديني فيمن
أستعين؟ أما إن فعلت فأغنهم بالعمالة عن
الخيانة)) يعني إذا استعملتهم على شيء فأجزل
لهم في العطاء والرزق لا يحتاجون. (١)
(١) الخراج لأبي يوسف ص١١١، ١١٣، وانظر أيضا
مصطلح (جباية).
الطريقة الثانية لاستيفاء الجزية : (١)
٦٨ - القبالة ( أو التقبيل ) وتسمى التضمين أو
الالتزام :
هي في اللغة - بالفتح الكفالة، وهي في
الأصل مصدر قبل بفتح الباء إذا كفل وقبل
بضمها إذا صار قبيلا أي كفيلا. (٢)
قال الزمخشري : كل من يقبل بشىء
مقاطعة وكتب عليه بذلك كتاب، فالكتاب
الذي يكتب هو القبالة بالفتح والعمل قبالة
بالكسر، لأنه صناعة، وفي الاصطلاح: أن
يدفع السلطان أو نائبه صقعا أوبلدة أو قرية إلى
رجل مدة سنة مقاطعة بمال یؤ دیہ إلیه عن خراج
أرضها، وجزية رؤوس أهلها إن كانوا أهل
ذمة، فيقبل ذلك، ویکتب عليه بذلك كتابا .
وقد يقع في جباية الجزية بهذه الطريقة ظلم
لأهل الذمة أو غبن لبيت المال، ولذلك مال
بعض الفقهاء إلى منعها، قال أبويوسف ((فإن
قال صاحب القرية أنا أصالحكم عنهم
وأعطیکم ذلك لم يحیوه إلى ما سأل لأن ذهاب
الجزية من هذا أكثر لعل صاحب القرية
يصالحهم على خمسمائة درهم وفيها من أهل
الذمة من إذا أخذت منهم الجزية بلغت ألف
درهم أو أكثر)). (٣)
(١) الطريقة الأولى تقدمت في (ف/ ٥٩).
(٢) ابن الأثير النهاية في غريب الحديث ٤/ ١٠
(٣) الرتاج ٣/٢ - ٤، والخراج ص١٢٤
- ١٩٨ -

جزية ٦٩ - ٧١
مسقطات الجزية :
٦٩ - تسقط الجزية بالإِسلام، أو الموت، أو
التداخل، أو العجز المالي، أو عجز الدولة عن
توفير الحماية لأهل الذمة، أو الإِصابة بالعاهات
المزمنة، أو اشتراك الذميين في القتال، وفي
بعض هذہ الأمور خلاف یتبین بما يلي:
الأول : الإِسلام :
٧٠ - اتفق الفقهاء على أن الجزية تسقط عمن
دخل في الإِسلام من أهل الذمة، فلا یطالب بها
فيما يستقبل من الزمان. (١) واستدلوا لذلك بما
يلي:
١ - روى أبو داود وغيره عن ابن عباس قال:
قال رسول اللّه ويشملقال: ((ليس على المسلم
جزية)). (٢)
(١) تبيين الحقائق ٢٧٨/٣، بدائع الصنائع ٤٣٣٢/٩،
والخراج لأبي يوسف ص١٢٢، والقوانين الفقهية
ص١٧٦، وبداية المجتهد ١/ ٤٠٥، حاشية الدسوقي
٢٠٢/٢، والكافي لابن عبدالبر ٤٧٩/١، وروضة
الطالبين ٣١٢/١٠، ومغني المحتاج ٢٤٩/٤، ورحمة الأمة
الدمشقي ٢/ ١٨١، وأحكام أهل الذمة لابن القيم
٥٧/١، وكشاف القناع ١٢٢/٣، والمذهب الأحمد لابن
الجوزي ص٢١٠، والمبدع ٤١٢/٣
(٢) حديث: ((ليس على المسلم جزية)) أخرجه أبوداود
(٤٣٨/٣ - ط عزت عبيد الدعاس) والترمذي (١٨/٣ - ط
مصطفى الحلبي) من حديث ابن عباس. ونقل الزيلعي
عن ابن القطان أنه أعله بقابوس (نصب الراية ٤٥٣/٣ -
ط المجلس العلمي).
٢ - الإِجماع: قال ابن المنذر: ((أجمعوا - يعني
الفقهاء - على أن لا جزية على مسلم)). (١)
٣ - ولأن الجزية وجبت وسيلة إلى الإِسلام فلا
تبقى بعده.
٤ - ولأن الجزية وجبت عقوبة على الكفر أوبدلا
عن النصرة، فلا تقام العقوبة بعد الدخول في
الإسلام .
ولا يطالب بالجزية بعد أن أصبح قادرا على
النصرة بالدخول في الإِسلام. (٢).
هذا الاتجاه الفقهي هو السائد بين الفقهاء،
ولكن بعض خلفاء بني أمية لم يلتزموا به، فقد
كانوا يأخذون الجزية ممن أسلم من أهل الذمة
ويعتبر ونها بمنزلة الضريبة على العبيد.
ونقل أبوبكر الجصاص أن عمربن
عبدالعزيز كتب إلى عامله بالعراق
عبدالحميد بن عبدالرحمن: أما بعد فإن الله
بعث محمدا داعيا ولم يبعثه جابيا، فإذا أتاك
كتابي هذا فارفع الجزية عمن أسلم من أهل
الذمة. (٣)
حكم أخذ الجزية عما مضى من الزمان بعد
دخول الذمي في الإِسلام:
٧١ - اختلف الفقهاء في ذلك، فذهب جمهور
(١) الإِجماع لابن المنذر ص٥٩
(٢) البدائع ٤٣٣٢/٩
(٣) أحكام القرآن للجصاص ١٠٢/٣
- ١٩٩ -

جزية ٧١
الفقهاء من الحنفية والمالكية والحنابلة والثوري
وأبو عبيد إلى أن الجزية تسقط عمن أسلم من
أهل الذمة، سواء أسلم في أثناء الحول أو بعده،
ولو اجتمعت عليه جزية سنين. (١)
واستدلوا لذلك بما يلي :
١ - قوله تعالى : ﴿ قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله
ولا باليوم الآخر﴾(٢)
تدل هذه الآية على سقوط الجزية عمن
أسلم، لأن الأمر بأخذ الجزية ممن يجب قتاله
على الكفر إن لم يؤدها، ومتى أسلم لم يجب
قتاله، فلا جزیة علیه .
٢ - قوله تعالى: ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا
یغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة
الأولين﴾(٣)
فالآية تدل على أن الإِسلام یجُبُّ ما قبله،
(١) تبيين الحقائق ٢٧٨/٣، والهداية ٢/ ١٦١، وفتح القدير
٢٩٥/٥، وبدائع الصنائع ٩/ ٤٣٣٢، وحاشية ابن
عابدين ٤/ ٢٠٠، ومجمع الأنهر ٦٧٢/١، والاختيار
١٣٨/٤، وبداية المجتهد ٤٠٥/١، والقوانين الفقهية
ص١٧٦، وحاشية الدسوقي ٢/ ٢٠٢، والكافي لابن
عبدالبر ٤٧٩/١، والمقدمات على هامش المدونة لابن
رشد ١/ ٤٠٠، والمنتقى للباجي ١٧٥/٢، والمبدع
٤١٢/٣، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ١/ ٥٧، وكشاف
القناع ١٢٢/٣، والإنصاف ٢٢٨/٤، والمذهب الأحمد
ص٢١٠
(٢) سورة التوبة/ ٢٩
(٣) سورة الأنفال/ ٣٨
وأن الكافر إذا أسلم لا یطالب بقضاء ما فاته من
صلاة أو زكاة، وكذا لا یطالب بما وجب عليه
من جزیة قبل إسلامه. (١) قال مالك فيما رواه
ابن جرير عن يونس عن أشھب عنه: «الصواب
عندي أن یوضع عمن أسلم الجزیة حین یسلم،
ولو لم يبق عليه من السنة إلا يوم واحد لقوله
تعالى ﴿قل للذين كفروا إن ينتهوا ... ﴾ يعني
ما قد مضى قبل الإِسلام من دم أو مال أو
شيء)).(٢)
٣ - ويروى في ذلك بعض الآثار عن الصحابة
والتابعين. (٣)
٤ - واستدلوا بالمعقول من وجهين :
الأول : أن الجزية وجبت وسيلة إلى
الإِسلام، فلا تبقى بعد الإِسلام.
والثاني : أن الجزية إنما وجبت عقوبة على
الكفر، ولهذا سميت جزية: أي جزاء الإقامة
على الكفر، فوجب أن تسقط بالإِسلام. (٤)
وذهب الشافعية وأبو ثوروابن المنذر
(١) الإكليل في استنباط التنزيل للسيوطي ص١١٤
(٢) اختلاف الفقهاء للطبري ص٢٠١
(٣) أحكام القرآن للجصاص ٣/ ١٠١، والأموال لأبي عبيد
ص٦٦ - ٦٨ والأموال لابن زنجويه ١٧٣/١، والموطأ
بشرح السيوطي ١/ ٢٦٥
(٤) بدائع الصنائع ٩/ ٤٣٣٢، وأحكام القرآن للجصاص
١٠١/٣، وفتح القدير ٢٩٦/٥، والاختيار ١٣٨/٤،
والمنتقى ١٧٦/٢
- ٢٠٠ -