Indexed OCR Text
Pages 161-180
جزية ١٧
وعرّفها العدوي بأنها: ما التزم كافر قبل
الاستعلاء عليه أداءه مقابل إبقائه في بلاد
الإِسلام(١) ويمثل لهذا النوع بما وقع من صلح
النبي ﴿ لأهل نجران على ألفي حلة، (٢)
وكذا ما وقع من صلح عمر رضي الله عنه لأهل
بيت المقدس.
وأمّا الجزية العنوية: فهي التي توضع على
أهل البلاد المفتوحة عنوة بدون رضاهم،
فيضعها الإِمام على المغلوبين الذين أقرهم على
أرضهم. (٣) وقد عرّفها ابن عرفه بأنها: ((مالزم
الکافر من مال لأمنه باستقراره تحت حکم
الإِسلام وصونه، ويمثل لهذا النوع بما فرضه
عمر بن الخطاب على أهل الذمة في سواد
العراق. (٤)
الفرق بين الجزية الصلحية والجزية العنوية :
١٧ - تفترق الجزية الصلحية عن الجزية العنوية
من عدة وجوه وهي :
١ - الجزية الصلحية توضع على أهل
(١) حاشية العدوي على شرح الخرشي على مختصر خليل
دار صادر بیروت ٣/ ١٤٣
(٢) حديث: ((صلح النبي ﴿ لأهل نجران على ألفي حلة)).
أخرجه ابن سعد في الطبقات (٢٨٨/١ ط دار بيروت)
مرسلا .
(٣) الزيلعي : المرجع السابق، ابن مودود: المرجع السابق
(٤) حاشية الدسوقي ٢/ ٢٠١.
الصلح من الكافرين الذين طلبوا باختيارهم
ورضاهم من المسلمين المصالحة على الجزية .
أما الجزية العنوية فهي التي تفرض على
المغلوبین بدون رضاهم.
٢ - الجزية العنوية محددة المقدار عند بعض
الفقهاء كما سنبين في مقدار الجزية. أما الجزية
الصلحية فليس لها حد معين وإنما تكون
بحسب مايقع عليه الاتفاق.
٣ - الجزية العنوية يشترط لها شروط معينة
كالعقل والبلوغ والذكورة أما الجزية الصلحية
فلا يشترط لها هذه الشروط، فإذا صالح الإِمام
أهل بلد على أن يعطوا الجزية عن أولادهم
الصغار، وعن النساء جاز للإِمام أخذها منهم.
٤ - الجزية العنوية تضرب على الأشخاص
ولا تضرب على الأموال، أما الجزية الصلحية
فيجوز أن تضرب على الأموال كما تضرب على
الأشخاص، فيجوز ضربها على الماشية وأرباح
لمهن الحرة وغير ذلك.
٥ - الجزية العنوية تضرب على الأشخاص
تفصيلا ولا تضرب عليهم إجمالا، أما الجزية
الصلحية فيجوز ضربها على أهل الذمة إجمالا
وتفصيلا، فيجوز ضربها على أهل بلد بمقدار
معین یدفعونه عن أنفسهم كل سنة، كالصلح
الذي وقع بين رسول الله و ل# وأهل نجران، فقد
صالحهم على ألفي حلة في السنة .
- ١٦١ -
جزية ١٨ - ١٩
ثانيا - جزية الرؤوس، والجزية على الأموال:
قسم الفقهاء الجزية - باعتبار المحل الذي
تجب فيه - إلى جزية رؤوس وجزية على
الأموال .
١٨ - فجزية الرؤوس توضع على الأشخاص:
کدینار على كل شخص، ومن ذلك جزية أهل
اليمن، حيث وضع الرسول # على كل حالم
دینارا . (١)
والجزية العشرية: ما يفرض على أهل الذمة
في أموالهم: کالعشر أو نصف العشر ومن ذلك
ماوقع من صلح رسول الله و ﴿ لأهل ((مقنا))(٢)
على ربع عروكهم (٣) وغزولهم وربع ثمارهم. (٤)
وكذا ما وقع من صلح عمر رضي الله عنه
لنصارى بني تغلب على نصف عشر أموالهم، أو
ضعف ما يجب على المسلمين في أموالهم من
الزكاة . (٥)
(١) حديث: ((حيث وضع الرسول لر على كل حالم .... ))
سبق تخريجه ف/ ٩
(٢) حديث: ((صلح الرسول 8# أهل مقنا على .... ))
أخرجه البلاذري في فتوح البلدان (ص٧١ - ط دار الكتب
العلمية) مرسلا عن عمر بن عبدالعزيز. وفي سنده كذلك
الواقدي وهو متكلم فيه.
(٣) العروك : جمع عرك. وهو ما يصطادون عليه من خشب.
(٤) البلاذري : فتوح البلدان ص٧١
(٥) أبو عبيد : الأموال ص ٤٠، ٤١، ابن زنجويه: الأموال
١٣٠/١ -١٣٢، ابن رشد: بداية المجتهد ٤٠٥/١
فالجزیة العشریة ۔ بهذا الوصف - تدخل
تحت الجزية الصلحية التي تتم بالاتفاق بين
الإِمام أو نائبه وبين أهل الذمة، فيجوز الصلح
على جزء من أموالهم كما يجوز على
أشخاصهم. ويرجع لمعرفة أحكامها إلى
مصطلح: (عشر).
طبيعة الجزية :
١٩ - اختلف الفقهاء في حقيقة الجزية، هل
هي عقوبة على الإِصرار على الكفر، أم أنها
عوض عن معوض، أم أنها صلة مالية وليست
عوضا عن شىء؟
فذهب أبوحنيفة وبعض المالكية إلى أنها
وجبت عقوبة على الإصرار على الكفر، ولهذا
لا تقبل من الذمي إذا بعث بها مع شخص
آخر، بل يكلف أن يأتي بها بنفسه، فيعطي قائما
والقابض منه قاعد.(١)
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿حتى يعطوا
الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ . (٢)
قال ابن عباس - في تفسير قوله: (عن يد) -
يدفعها بنفسه غیر مستنیب فيها أحدا . (٣) فلابد
(١) الهداية ٢/ ١٦١، فتح القدير ٢٩٦/٥، الاختيار
٤/ ١٣٩، أحكام القرآن للجصاص ١٠١/٣، المقدمات
٣٩٤/١، أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٢٤
(٢) سورة التوبة / ٢٩
(٣) الجامع لأحكام القرآن ١١٥/٨
- ١٦٢ -
جزية ١٩
من أداء الجزية وهو بحالة الذل والصغار عقوبة
له على الإصرار على الكفر.
ولأن الجزية مشتقة من الجزاء، وهو إما أن
يطلق على الثواب بسبب الطاعة، وإما أن
يطلق على العقوبة بسبب المعصية. ولاشك في
انتفاء الأول، لأن الکفر معصية وشر، ولیس
طاعة فيتعين الثاني للجزاء: وهو العقوبة بسبب
الكفر. (١) قال ابن العربي : واستدل علماؤنا
على أنها عقوبة بأنها وجبت بسبب الكفر وهو
جنایة، فوجب أن يكون مسببها عقوبة، ولذلك
وجبت على من يستحق العقوبة وهم البالغون
العقلاء المقاتلون. (٢)
ولأن الواجب في حق الكفار ابتداء هو القتل
عقوبة لهم على الكفر، فلما دفع عنهم القتل
بعقد الذمة الذي يتضمن الجزية، صارت
الجزية عقوبة بدل عقوبة القتل.
وذهب جمهور الفقهاء: إلى أن الجزية تجب
على أهل الذمة عوضا عن معوض، ثم اختلفوا
بعد ذلك في المعوض الذي تجب الجزية بدلا
عنه .
فقال بعض فقهاء الحنفية: الجزية تجب
عوضا عن النصرة: ويقصدون بذلك نصرة
المقاتلة الذين يقومون بحماية دار الإِسلام
والدفاع عنها .
(١) فتح القدير ٢٩٦/٥
(٢) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٢٤
واستدلوا لذلك بأن النصرة تجب على جميع
رعايا الدولة الإسلامية ومنهم أهل الذمة.
فالمسلمون يقومون بنصرة المقاتلة: إما
بأنفسهم، وإما بأموالهم، فيخرجون معهم
للجهاد في سبيل اللّه، وينفقون من أموالهم في
سبيل الله، قال تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا هل
أدلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم.
تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله
بأموالكم وأنفسكم ذلكم خير لكم إن كنتم
تعلمون﴾ . (١)
ولما فاتت النصرة من أهل الذمة بأنفسهم
بسبب إصرارهم على الكفر، تعينت عليهم
النصرة بالمال: وهي الجزية .
وقال الشافعية والحنابلة وبعض فقهاء الحنفية
والمالكية: الجزية تجب بدلا عن العصمة أو
حقن الدم، كما تجب عوضا عن سكنى دار
الإِسلام والإِقامة فيها .
فإذا كانت عوضا عن العصمة وحقن الدم
تكون في معنى بدل الصلح عن دم العمد.
وإذا كانت عوضا عن السكنى في دار
الإِسلام والإِقامة فيها، تكون في معنى بدل
الإِجارة. (٢)
(١) سورة الصف / ١٠ - ١١
(٢) الكمال بن الهمام ٢٩٧/٥، وحاشية الشلبي على تبيين
الحقائق ٢٧٦/٣، وروضة الطالبين ٣٠٧/١٠، نهاية
المحتاج ٨١/٨، ومغني المحتاج ٢٤٣/٤، وكفاية الأخيار=
- ١٦٣ -
جزية ١٩ - ٢١
واستدلوا على كونها بدلا عن العصمة أو
حقن الدم بآية الجزية المتقدمة، فقد أباح الله
تعالى دماء الكفار ثم حقنها بالجزية، فكانت
الجزية عوضا عن حقن الدم.
واستدلوا علی کونها عوضا عن سكنى الدار
بأن الكفار مع الإصرار على الكفر وعدم
الخضوع لأحكام الإِسلام بعقد الذمة لا يقرون
في دارنا، ولا يصيرون من أهل تلك الدار إلا
بعقد الذمة وأداء الجزية. فتكون الجزية بذلك
بدلا عن سكنى دار الإِسلام.
وقد رد ابن القيم هذا القول من وجوه كثيرة.
وذهب بعض فقهاء الحنفية إلى أن الجزية
صلة مالية تجب على أهل الذمة، وليست بدلا
عن شيء، فهي ليست بدلا عن حقن الدم،
لأن قتل الكافر جزاء مستحق لحق الله تعالى،
فلا يجوز إسقاطه بعوض مالي أصلا كالحدود،
ولذا لا تجب على الفقير العاجز وتسقط بالموت
قبل الأداء. وهي ليست بدلا عن سكنى الدار،
لأن الذمي يسكن ملك نفسه. (١)
= ١٣٣/٢، حاشية البجيرمي ٤/ ٢٦٩، المغني ٤٩٥/٨،
وكشاف القناع ١١٧/٣، والهداية ٢/ ١٦٠، والبدائع
٤٣٣٢/٩، والمقدمات ٣٩٥/١
(١) أحكام أهل الذمة ٢٥/١، والمبسوط ١٠/ ٨٠، أحكام
القرآن ١٠١/٣، وحاشية البجيرمي ٤/ ٢٦٩، وحاشية
الجمل على شرح المنهج ٢١٣/٥
عقد الذمة :
٢٠ - يترتب على عقد الذمة لزوم الجزية لأهل
الذمة .
فعقد الذمة هو: التزام تقریر الکفار في دارنا
وحمايتنا لهم، والذب عنهم بشرط بذل
الجزية . (١)
إجابة الكافر إلى عقد الذمة بالجزية :
٢١ - قال النووي: إذا طلبت طائفة عقد الذمة
وكانت ممن يجوز إقرارهم بدار الإِسلام بالجزية
وجبت إجابتهم مالم تخف غائلتهم، أي غدرهم
بتمكينهم من الإقامة في دار الإسلام، فلا يجوز
عقدها لما فيه من الضرر علينا، وهو مذهب
الحنابلة واحتجوا بقوله تعالى: ﴿قاتلوا الذين
لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر .. حتى يعطوا
الجزية عن يد وهم صاغرون﴾(٢) فجعل إعطاء
الحزية غاية لقتالهم فمتى بذلوها لم يجز قتالهم.
وبقول النبي : ((فادعهم إلى أداء الجزية فإن
(١) الخراج ص١٢٢، والفتاوى الهندية ٢٢٤/٢، والبدائع
٤٣٣٠/٩، وحاشية الدسوقي ٢/ ٢٠٠، والكافي
٤٧٩/١، وكفاية الأخيار ١٣٣/٢، ورحمة الأمة الدمشقي
١٧٩/٢، والميزان للشعراني ٢/ ١٨٤، كشاف القناع
١١٦/٣، والإفصاح لابن هبيرة ٢٩٢/٢، والمذهب
الأحمد لابن الجوزي ص٢٠٩، أحكام أهل الذمة ٣٩/١
(٢) سورة التوبة/ ٢٩
- ١٦٤ -
1
جزية ٢٢ - ٢٣
أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم)). (١)
وفي كتاب (البيان) وغيره للشافعية وجه أنها
لا تجب إلا إذا رأى الإِمام فيها مصلحة كما في
الهدنة . (٢)
ركنا عقد الذمة :
٢٢ - وركنا عقد الذمة: إيجاب وقبول: إيجاب
من أهل الذمة، وصيغته إما لفظ صريح يدل
عليه مثل لفظ العهد والعقد على أسس معينة،
وأما فعل يدل على قبول الجزية، كأن يدخل
حربي دار الإِسلام بأمان ويمكث فيها سنة،
فيطلب منه إما أن يخرج أويصبح ذميا.
وأما القبول فيكون من إمام المسلمين، أومن
ينوب عنه، ولذا لو قبل عقد الذمة مسلم بغير
إذن الإِمام لم يصح العقد، ويكون ذلك بمثابة
عقد الأمان لا عقد الذمة، فيمنع ذلك المستأمن
من القتل والأسر. (٣)
٢٣ - ويشترط في عقد الذمة التأبيد: فإن وقت
الصلح لم يصح العقد لأن عقد الذمة بالنسبة
(١) حديث: ((فادعهم إلى أداء الجزية فإن .... )) سبق
تخريجه بهذا المعنى ف/ ١٠
(٢) الروضة ٢٩٧/١٠، وكشاف القناع ١١٦/٣، والمغني
٥٠٤/٨
(٣) تبيين الحقائق ٢٧٦/٢، والقوانين الفقهية ص١٧٥،
حاشية الخرشي ٣/ ١٤٣، وروضة الطالبين ١٠/ ٢٩٧،
وكشاف القناع ١١٦/٣، والمغني ٥٠٥/٨
لعصمة الإِنسان في ماله ونفسه بدیل عن
الإِسلام، والإِسلام مؤبد، فكذا بدیله، وهو
عقد الذمة. وهذا شرط متفق عليه.(١)
وعقد الذمة عقد مؤبد لا يملك المسلمون
نقضه مادام الطرف الآخر ملتزما به، وینتقض
من قبل أهل الذمة بأمور اختلف فيها،
ولا ينتقض العهد بغير ذلك، لأن التزام الجزية
باق، ويستطيع الحاكم أن يجبره على أدائها،
وأما بقية المخالفات فهي معاص ارتكبوها،
وهي دون الكفر، وقد أقررناهم عليه، فما دونه
أولی.(٢)
فيرى المالكية والحنابلة أن العقد ينتقض
بالامتناع عن أداء الجزية، أو بالاجتماع على
قتال المسلمين، أو بالامتناع عن جريان أحكام
الإِسلام عليهم، أوسب النبي ولار، أو قتل
مسلم أو الزنى بمسلمة، أو بإلحاق الضرر
بالمسلمين، واطلاع أهل الحرب على عورات
المسلمین وغیر ذلك، وذلك لأن ارتكاب هذه
الأمور يخالف مقتضى عقد الذمة.
ويرى الشافعية أن العقد ينتقض بقتالهم لنا
(١) بدائع الصنائع ٩/ ٤٣٣٠، وجواهر الإكليل ٢٦٩/١،
الزرقاني على مختصر خليل ١٤٦/٢، وروضة الطالبين
٢٩٧/١٠، ومغني المحتاج ٢٤٣/٤، كشاف القناع
١١٦/٣
(٢) بدائع الصنائع ٩/ ٤٣٣٤، وفتح القدير ٣٠٢/٥ -٣٠٣،
وتبیین الحقائق ٢٨١/٣ - ٢٨٢
- ١٦٥ -
جزية ٢٤ - ٢٦
أو امتناعهم من إعطاء الجزية، أو من جريان
حکم الإِسلام عليهم.
أما لوزنى الذمي بمسلمة أودل أهل الحرب
علی عورة للمسلمین، أو فتن مسلما عن دينه،
أو طعن في الإِسلام أو القرآن، أو ذكر
الرسول ول# بسوء فالأصح عند الشافعية أنه إن
شرط انتقاض العهد بها انتقض وإلا فلا
ينتقض.
وينتقض عند الحنفية بأحد أمور ثلاثة: وهي
أن يسلم الذمي، أو يلحق بدار الحرب، أو
يغلب الذميون على موضع فيحاربوننا. (١)
محل الجزية :
٢٤ - الجزية تفرض على رؤوس الكفار الذين
يقيمون في دار الإِسلام، ولا تؤخذ من المستأمن
الذي يدخل دار الإِسلام بعقد أمان مؤقت
لقضاء غرض ثم يرجع، قال أبويوسف: إذا
أطال المستأمن المقام في دار الإِسلام فيؤمر
بالخروج، فإن أقام بعد ذلك حولا وضعت عليه
الجزية .
فمحل الجزية إذاً هم الذميون الذين يقيمون
في دار الإِسلام إقامة دائمة أو طويلة، وكذلك
المستأمنون الذين يقيمون في دار الإِسلام أكثر
(١) الكافي ٤٨٣/١، جواهر الإكليل ٢٦٨/١ -٢٦٩،
والزرقاني على مختصر خليل ٢/ ١٤٦ - ١٤٧، والأحكام
السلطانية ص١٥٨، والمغني ٨/ ٥٢٤، ونهاية المحتاج
٩٨/٨ - ٩٩، وحاشية القليوبي ٢٣٦/٤
من سنة فتضرب عليهم الجزية، ويشترط في
الذمي الذي يجوز له الإقامة بالجزية في دار
الإِسلام أن يكون من الطوائف التي يسمح لها
بالإِقامة في دار الإِسلام، والتي تقبل منها
الجزية . (١)
الطوائف التي تقبل منها الجزية :
٢٥ - اتفق الفقهاء على أن الجزية تقبل من أهل
الكتاب والمجوس، واختلفوا في المشركين وعبدة
الأوثان، كما اختلفوا في أوصاف أهل الكتاب
والمجوس الذين تقبل منهم الجزية.
أهل الكتاب :
٢٦ - اختلف العلماء في المراد بأهل الكتاب:
فذهب الحنفية إلى أن المراد بهم: كل من
يؤمن بنبي ويقر بكتاب، ويدخل في ذلك اليهود
والنصارى، ومن آمن بزبور داود عليه السلام
وصحف إبراهيم عليه السلام، وذلك لأنهم
يعتقدون دینا ساویا منزلا بكتاب.
وذهب جمهور الفقهاء إلى أن المراد بهم:
اليهود والنصارى بجميع فرقهم المختلفة دون
غيرهم ممن لا يؤمن إلا بصحف إبراهيم وزبور
داود .
(١) الخراج ص١٨٩، والإختيار ١٣٦/٤، وحاشية الخرشي
على مختصر خليل ٣/ ١٤٤، ومنح الجليل ١/ ٧٥٧،
الأحكام السلطانية للماوردي ص١٤٢، والأحكام
السلطانية لأيي یعلی ص١٥٣
- ١٦٦ -
جزية ٢٧
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿ أن تقولوا إنما
أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا وإن كنا عن
دراستهم لغافلين﴾(١) فالطائفتان اللتان أنزل
علیھما الكتاب من قبلنا هما اليهود والنصارى،
کما قال ابن عباس، ومجاهد، وقتادة وغیر هم من
المفسرين. وأما صحف إبراهيم وداود فقد كانت
مواعظ وأمثالا لا أحكام فيها، فلم يثبت لها
حکم الكتب المشتملة على أحکام. قال
الشهرستاني: أهل الكتاب: الخارجون عن
الملة الحنيفية، والشريعة الإِسلامية، ممن يقول
بشريعة وأحكام وحدود وأعلام ... وما كان
ينزل على إبراهيم وغيره من الأنبياء عليهم
السلام ما كان يسمى كتابا، بل صحفا. (٢)
وتفصيله في : (ےہود)، و(نصارى).
أخذ الجزية من أهل الكتاب العرب:
٢٧ - اتفق الفقهاء على قبول الجزية من أهل
الكتاب العجم، واختلفوا في قبولها من أهل
الكتاب العرب.
فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
(١) سورة الأنعام/ ١٥٦
(٢) حاشية ابن عابدين ١٩٨/٤، والمنتقى ١٧٢/٢، وروضة
الطالبين ٣٠٤/١٠، والأحكام السلطانية للماوردي
ص١٤٣، والأحكام السلطانية للفراء ص١٥٣، كشاف
القناع ١١٧/٣، والمحلى ٧/ ٥٦٢، وجامع البيان في
تفسير القرآن ٨/ ٦٩، والملل والنحل - دار المعرفة ببيروت -
١٤٠٢هـ - ٢٠٨/١ - ٢١٠
والشافعية والحنابلة إلى قبول الجزية من أهل
الكتاب العرب . (١) واستدلوا لذلك بإطلاق قوله
تعالی: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا بالیوم
الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا یدینون
دين الحق من الذين أوتوا الكتاب حتى يعطوا
الجزية عن يد وهم صاغرون﴾. (٢)
ولأن النبي ◌َّ قبلها من أهل الكتاب
العرب، فقد أخذها من نصاری نجران، ويهود
الیمن، وأکیدر دومة الجندل.
فقد روى أبوعبيد ۔ بسندہ ۔ عن ابن شهاب
قال: ((أول من أعطى الجزية أهل نجران وكانوا
نصارى))(٣) وأهل نجران عرب من بني الحرث
ابن کعب.
وقد كتب رسول الله صل و إلى معاذ- وهو
بالیمن - أن يأخذ من كل حالم دينارا، أو عدله
من المعافر، (٤) ولا يفتن يهودي عن يهوديته. (٥)
(١) بدائع الصنائع ٤٣٢٩/٩، والهداية ٢/ ١٦٠، وحاشية
ابن عابدين ١٩٨/٤، وبداية المجتهد ٤٠٣/١،
والمقدمات على هامش المدونة ١/ ٤٠٠، وروضة الطالبين
٣٠٤/١٠، ومغني المحتاج ٤/ ٢٤٤، وكشاف القناع
١١٧/٣، والمبدع ٣/ ٤٠٤، والمحلى ٧ / ٥٦٢
(٢) سورة التوبة / ٢٩
(٣) حديث: ((أول من أعطى الجزية أهل .... )) سبق تخريجه
ف/ ٩
(٤) حديث: ((كتب رسول الله# إلى معاذ ... )) سبق
تخريجه ف/ ٩
(٥) حديث: ((ولا يفتن يهودي عن يهوديته)) سبق تخريجه ف/ ٩
- ١٦٧ -
جزية ٢٨ - ٢٩
قال أبوعبيد: فقد قبل رسول الله والقر الجزية
من أهل اليمن وهم عرب إذ كانوا أهل كتاب.
كما استدلوا بالإجماع قال ابن قدامة: ((إن
أبابكر وعمر رضي الله عنهما قبلا الجزية من
نصاری العرب وما أنکر علیهما أحد. فكان
ذلك إجماعا .
وقد ثبت بالقطع واليقين أن كثيرا من
نصارى العرب ويهودهم كانوا في عصر الصحابة
في بلاد الإِسلام، ولا يجوز إقرارهم فيها بغير
جزية، فثبت يقينا أنهم أخذوا الجزية منهم. (١)
وذهب بعض العلماء إلى أن الجزية لا تقبل
من أهل الكتاب العرب.
وقد نسب الطبري هذا المذهب إلى الحسن
البصري . (٢)
المجوس :
٢٨ - والمجوس هم عبدة النار القائلون أن للعالم
أصلين اثنين مدبرين، يقتسمان الخير والشر،
والنفع والضر، والصلاح والفساد، أحدهما
النور، والآخر الظلمة. وفي الفارسية ((يزدان))
و(«أهرمن)). (٣)
(١) الأموال ص٤٠، والسنن الكبرى ٩/ ١٨٧، والتلخيص
الحبير ٤/ ١٤٢، والمغني ٤٩٩/٨
(٢) المغني ٨/ ٤٩٩، ومعالم السنن ٣٦/٣، وروح المعاني
٧٩/١٠، والسنن الكبرى ١٨٨/٩، واختلاف الفقهاء
ص٢٠٣
(٣) الشهرستاني: الملل والنحل ٢٣٢/١
وقد اختلف الفقهاء في حكم أخذ الجزية من
المجوس.
فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية،
والمالكية، والشافعية، والحنابلة، إلى أن الجزية
تقبل من المجوس سواء أكانوا عربا أم عجما . (١)
٢٩ - واستدلوا لذلك بأن النبي قبلها من
مجوس هجر أو البحرین. روى ابن زنجویه۔
بسنده - إلی الحسن بن محمد قال: ((کتب رسول
الله له إلى مجوس هجريدعوهم إلى الإِسلام.
فمن أسلم قبل منه، ومن أبى ضربت عليه
الجزية، وأن لا يؤكل لهم ذبيحة، ولا تنكح لهم
امرأة)) . (٢)
وروى مالك في الموطأ أن عمربن الخطاب
(١) بدائع الصنائع ٤٣٢٩/٩، وتبيين الحقائق ٢٧٧/٣،
والهداية ٢/ ١٦٠، ومجمع الأنهر ١/ ٦٧٠، وحاشية ابن
عابدين ١٩٨/٤، والخراج ص١٢٩، والمدونة ١/ ٤٠٦،
والمقدمات على هامش المدونة ١/ ٤٠٠، والمنتقى
١٧٢/٢، ونهاية المحتاج ٨٢/٨، وحاشية قليوبي
٢٢٩/٤، ومغني المحتاج ٤/ ٢٤٤، وكشاف القناع
١١٧/٣، والمبدع ٤٠٥/٣، والمغني ٤٩٨/٨، والمحلى
٥٦٧/٧
(٢) حديث: ((كتب رسول الله ◌َ﴾ إلى مجوس هجر .... ))
أخرجه عبدالرزاق في مصنفه (٦٩/٦ - ٧٠ - ط المكتب
الإسلامي) والبيهقي (١٩٢/٩ - ط دار المعرفة) وابن
زنجويه في كتاب الأموال (١٣٧/١ - ط مركز الملك فيصل)
من حديث الحسن بن محمد قال: محقق كتاب الأموال:
والحديث من مراسيل الحسن بن محمد بن علي وإسناده إليه
صحيح. ا.هـ.
- ١٦٨ -
جزية ٢٩ - ٣٠
ذکر المجوس فقال: ما أدري كيف أصنع في
أمرهم؟ فقال عبدالرحمن بن عوف: أشهد أني
لسمعت رسول الله وعلا يقول: ((سنوا بهم سنة
أهل الكتاب)). (١)
قال ابن عبدالبر: هذا من الكلام العام
الذي أريد به الخاص، لأن المراد سنة أهل
الكتاب في أخذ الجزية فقط، أي تؤخذ منهم
الجزية، كما تؤخذ من أهل الكتاب، ولا تؤكل
ذبائحهم ولا تنكح نساؤهم. (٢)
وروى مالك في الموطأ عن ابن شهاب ((أن
عمربن الخطاب رضي الله عنه أخذها من
مجوس فارس، وأن عثمان بن عفان أخذها من
مجوس البربر)). (٣)
وقد أجمع العلماء على أخذ الجزية من
المجوس، وعمل به الخلفاء الراشدون رضي الله
عنهم ومن بعدهم من غير نكير ولا مخالف. وقد
(١) حديث: ((سنوا بهم سنة أهل الكتاب)) أخرجه مالك في
الموطأ (٢٧٨/١ - ط عيسى الحلبي) وابن أبي شيبة في
مصنفه (٢٤٣/١٢ - ط الدار السلفية) والبيهقي (١٨٩/٩
- ط دار المعرفة) من حديث عبدالرحمن بن عوف. ولكنه
حديث منقطع، لأنه من طريق محمد بن علي وهو لم يدرك
عمر بن الخطاب.
(٢) فتح الباري ٧/ ٧٠، والجامع لأحكام القرآن ١١١/٨،
ونيل الأوطار ٨/ ٦٤
(٣) الموطأ مع شرح الزرقاني ١٣٩/٣، وأبو عبيد: الأموال
ے ص٤٥
والبرير: قوم من أهل المغرب كالأعراب في القسوة
والغلظة، والجمع برابرة وهو معرب.
نقل هذا الإِجماع أكثر من واحد: منهم ابن المنذر
وابن قدامة.(١)
وذهب ابن الماجشون المالكي إلى أن الجزية
لا تؤخذ إلا من أهل الكتاب: من اليهود
والنصارى، ولا تقبل من المجوس، لقوله
تعالى: ﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ...
الآية﴾. (٢)
فإن مفهومها أن غير أهل الكتاب من
المجوس وغيرهم لا يشاركونهم في حكم
الآية. (٣)
وذهب ابن وهب المالكي إلى أن الجزية لا
تقبل من المجوس العرب، لأنه ليس في العرب
مجوس إلا وجميعهم أسلم، فمن وجد منهم
بخلاف الإِسلام فهو مرتد.
وقد نسب هذا المذهب أيضا إلى الحسن
البصري . (٤)
وينظر التفصيل في مصطلح: (مجوس).
قبول الجزية من الصابئة :
٣٠ - ذهب أبو حنيفة إلى أن الصابئة من أهل
(١) المغني ٨ / ٤٩٨، والإجماع لابن المنذر ص٥٩
(٢) سورة التوبة/ ٢٩
(٣) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٢١، وشرح الترمذي
٧/ ٨٥، والقوانين الفقهية ص١٧٥
(٤) أحكام القرآن لابن العربي ٢/ ٩٢١، وشرح سنن
الترمذي ٧/ ٨٥، والجامع لأحكام القرآن ٨/ ١١٠، ومعالم
السنن ٣٦/٣، والمغني ٤٩٩/٨، والطبري : اختلاف
الفقهاء ص٢٠٣
- ١٦٩ -
جزية ٣٠ - ٣١
الكتاب لأنهم يقرأون الزبور، ولا يعبدون
الكواكب، ولكن يعظمونها كتعظيم المسلمين
الكعبة في استقبالها.
واستدل لذلك بقول أبي العالية،
والربيع بن أنس، والسدي، وأبي الشعثاء،
وجابر بن زيد والضحاك. فتؤخذ منهم الجزية
كما تؤخذ من أهل الكتاب. (١)
وذهب الصاحبان من الحنفية إلى أنهم ليسوا
أهل کتاب، لأنهم يعبدون الكواكب، وعابد
الکواکب کعابد الوثن، فتؤ خذ منهم الجزیة إذا
كانوا من العجم. (٢)
وذهب المالكية إلی أنهم موحدون معتقدون
تأثير النجوم، وأنها فعّالة، فليسوا أهل كتاب،
وتؤخذ منهم الجزية، لأنها تقبل من غير أهل
الكتاب عند مالك. (٣)
وذهب الشافعي إلى أنه ينظر فيهم، فإن
کانوا یوافقون أحد أهل الکتابین في تدینهم
وکتابهم فهم منهم، وإن خالفوهم في ذلك
فليسوا منهم، فتؤخذ منهم الجزية إذا أقر
النصارى بأنهم منهم ولم يكفروهم، فإن كفروهم
لم تؤخذ منهم الجزية . (٤)
(١) بدائع الصنائع ٩/ ٤٣٣٠، وفتح القدير ٢٩١/٥،
وحاشية ابن عابدين ١٩٨/٤، ومجمع الأشهر ١/ ٦٧٠
(٢) الخراج ص١٢٢، والمراجع السابقة.
(٣) الجامع لأحكام القرآن ٤٣٥/١
(٤) الأحكام السلطانية ص١٤٣، وروضة الطالبين
٣٠٥/١٠، والغاية القصوى في دراية الفتوى - دار =.
وذهب أحمد في رواية إلى أنهم من
النصارى، لأنهم يدينون بالإِنجيل. واستدل
لذلك بما روي عن ابن عباس. فتؤخذ منهم
الجزیة کالنصارى.
وذهب في رواية ثانية إلى أنهم من اليهود
لأنهم یسبتون، واستدل لذلك بما روي عن عمر
أنه قال: هم يسبتون. فتؤخذ منهم الجزية كما
تؤخذ من اليهود .(١)
والتفصيل في: (صابئة).
أخذ الجزية من المشركين :
٣١ - اختلف الفقهاء في قبول الجزية من
المشركين:
فذهب جمهور الفقهاء من الشافعية،
والحنابلة في أظهر الروايتين عن أحمد وابن
الماجشون من المالكية إلى أن الجزية لا تقبل من
المشركين مطلقا، أي سواء أكانوا من العرب أو
من العجم، ولا يقبل منهم إلا الإِسلام، فإن لم
يسلموا قتلوا. (٢) واستدلوا لذلك بقوله تعالى:
٤٠
= النصر للطباعة الإِسلامية بالقاهرة ٢/ ٩٥٦، ومغني
المحتاج ٤ / ٢٤٤
(١) المغني ٤٩٦/٨، وكشاف القناع ١١٧/٣، والمبدع
٤٠٤/٣
(٢) روضة الطالبين ٣٠٥/١٠، ومغني المحتاج ٤/ ٢٤٤،
وكفاية الأخيار ١٣٣/٢، والمبدع ٤٠٥/٣، وکشاف
القناع ١١٨/٣، والمغني ٨/ ٥٠٠، والقوانين الفقهية
ص١٧٥، والمحلى ٧ / ٥٦٣.
- ١٧٠ -
جزية ٣١
﴿قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ... من الذين
أوتوا الكتاب حتى يعطوا الجزية عن يد وهم
صاغرون﴾ .(١)
فالآية تقضي بجواز أخذ الجزية من أهل
الكتاب خاصة، ولا دلالة للفظ في حق غيرهم
من المشركين. (٢)
وروى البخاري - بسنده - إلى أبي هريرة
رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((أمرت
أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله فمن
قال لا إله إلا الله فقد عصم مني نفسه وماله إلا
بحقه وحسابه على الله)). (٣)
فالحدیث عام يقتضي عدم قبول الجزية من
جميع الكفار، ولم يخصص من هذا العموم إلا
أهل الكتاب والمجوس فمن عداهم من الكفار
يبقى على قضية العموم، فلا تقبل الجزية من
عبدة الأوثان سواء أكانوا عربا أم عجما ولأن
المشركين من عبدة الأوثان لم يكن عندهم مقدمة
(سابقة) من التوحيد والنبوة وشريعة الإِسلام،
؛ فلا حرمة لمعتقدهم. (٤)
(١) سورة التوبة / ٢٩
(٢) أحكام القرآن لألكيا الهراس ٤/ ٤٠
(٣) حديث: ((أمرت أن أقاتل الناس .... )) سبق تخريجه
ف/ ١١
(٤) الغاية القصوى ٩٥٥/٢، وأحكام القرآن لابن العربي
٩١٩/٢
وذهب الحنفية ومالك في رواية حکاها عنه
ابن القاسم، وأخذ بها هو وأشهب وسحنون
وكذا أحمد بن حنبل في رواية حكاها عنه الحسن
ابن ثواب، ذهبوا إلى أن الجزية تقبل من
المشركين إلا مشركي العرب. (١) واستدلوا لذلك
بقوله تعالى: ﴿فاقتلوا المشرکین حیث
وجدتموهم ... ﴾(٢) فهو خاص بمشركي
العرب، لأنه مرتب على قوله تعالى: ﴿فإذا
انسلخ الأشهر الحرم فاقتلوا المشركين ... ﴾(٣)
وهي الأشهر الأربعة التي كان العرب يحرمون
القتال فيها .
ولأن النبي وَلّ لم يأخذ الجزية من مشركي
العرب .
روى عبدالرزاق من حديث الزهري أن
النبي وي صالح عبدة الأوثان على الجزية إلا
من كان منهم من العرب. (٤)
وقال ابن جرير الطبري: ((أجمعوا على أن
رسول الله ( أبى أخذ الجزية من عبدة الأوثان
(١) بدائع الصنائع ٩/ ٤٣٢٩، وتبيين الحقائق ٣/ ٢٧٧،
وحاشية ابن عابدين ١٩٨/٤، ومجمع الأشهر ١ / ٦٧٠،
والمغني ٨/ ٥٠٠، والجامع لأحكام القرآن ١١٠/٨،
والمنتقى ١٧٣/٢
(٢) سورة التوبة/ ٥
(٣) سورة التوبة/ ٥
(٤) ابن التركماني: الجوهر النقي على السنن الكبرى ٩/ ١٨٧
- ١٧١ -
جزية ٣١
من العرب، ولم يقبل منهم إلا الإِسلام أو
السيف)).(١)
واستدلوا من المعقول:
بأن كفرهم قد تغلّظ، لأن النبي و # نشأ بين
أظهرهم، والقرآن نزل بلغتهم، فالمعجزة في
حقهم أظهر، لأنهم كانوا أعرف بمعانيه ووجوه
الفصاحة فیه. وکل من تغلظ کفره لا يقبل منه
إلا الإِسلام، أو السيف لقوله تعالى: ﴿قل
للمخلفین من الأعراب ستدعون إلى قوم أولي
بأس شديد تقاتلونهم أو يسلمون﴾(٢) أي
تقاتلونهم إلى أن يسلموا. (٣)
وذهب مالك في قول وهو الراجح عند
المالكية، والأوزاعي إلى أن الجزية تقبل من
جميع الكفار، ومنهم المشركون وعبدة الأوثان،
سواء أكانوا من العرب، أم من العجم، وسواء
أكانوا قرشیین أم غير قرشیین. (٤) واستدلوا
لذلك بحديث بريدة قال: كان رسول الله وآچ
إذا أمّر أميرا على جيش أو سرية، أوصاه في
خاصة نفسه بتقوى الله ... وقال: ((اغزوا
(١) الأموال لأبي عبيد ص٤٣، واختلاف الفقهاء للطبري
ص٢٠٠
(٢) سورة الفتح/ ١٦
(٣) العناية على الهداية مع فتح القدير ٢٩٢/٥، ومجمع
الزوائد ٣٣٢/٥، والأموال ص١٩٧
(٤) المدونة ٤٠٦/١، والمنتقى ١٧٣/٢، ومنح الجليل
٧٥٧/١، والجامع لأحكام القرآن ٨/ ١١٠، أحكام أهل
الذمة ٦/١
باسم الله ... وإذا لقيت عدوك من المشركين،
فادعهم إلی ثلاث خصال أو خلال. فأيتهن ما
أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم)) (١) وذكر من هذه
الخصال الجزية .
فقوله {ل#: ((عدوك من المشركين)) إما أن
یکون خاصا بعبدة الأوثان ونحوهم من غير أهل
الكتاب، وإما أن يكون عاما في جميع الكفار من
أهل الكتاب وعبدة الأوثان. وعلى كل منهما
يحصل المقصود وهو قبول الجزية من عبدة
الأوثان، لأنه لو اختص بغير أهل الكتاب من
عبدة الأوثان. فالحدیث یفید قبول الجزية من
عبدة الأوثان، وإذا كان عاما فيستفاد منه أيضا
قبول الجزية من عبدة الأوثان وأهل الكتاب .
واستدلوا لقبول الجزية من عبدة الأوثان
بالقياس على أهل الكتاب والمجوس. ونقل عن
مالك أن الجزية تقبل من جميع الكفار إلا
مشركي قريش. وقد أخذ بهذا النقل كل من
ابن رشد صاحب المقدمات، وابن الجهم من
المالكية . (٢)
وقد اختلف المالكية في تعليل عدم أخذ
الجزية من مشركي قريش: فعلله ابن الجهم بأن
ذلك إكرام لهم، لمكانهم من النبي مَثل .
(١) حديث: ((اغزوا باسم الله ... وإذا لقيت عدوك .... ))
سبق تخريجه ف/ ١٠
(٢) مواهب الجليل ٣/ ٣٨١، وبلغة السالك ٣٦٦/١،
وجواهر الإكليل ٢٦٦/١، والمقدمات على هامش المدونة
١/ ٤٠٠، وبداية المجتهد ٤٠٤/١
- ١٧٢ -
جزية ٣٢ - ٣٣
وعلله القرویون بأن قریشا أسلموا كلهم قبل
تشريع الجزية، فلم يبق منهم أحد على
الشرك، فمن وجد منهم بعد ذلك على الشرك
فهو مرتد، فلا تؤخذ منه الجزية. (١)
أخذ الجزية من المرتدين :
٣٢ - اتفق الفقهاء على أنه لا تقبل الجزية من
المرتد عن الإِسلام. (٢)
الأماكن التي يقر الكافرون فيها بالجزية :
٣٣ - اتفق الفقهاء على جواز إقرار أهل الكتاب
والمجوس بالجزية في أي مكان من دار الإِسلام
ماعدا جزيرة العرب : وهي من أقصى عدن
أبین جنوبا إلى أطراف الشام شمالا، ومن جدة
وما والاها من ساحل البحر غربا إلى ريف
العراق شرقا . (٣) كما اتفقوا على عدم جواز
إقرارهم في بلاد الحجازوهي : مكة والمدينة
واليمامة ومخاليفها . (٤)
واختلفوا في إقرارهم بالجزية فيما عدا بلاد
الحجاز من جزيرة العرب كاليمن وغيرها .
(١) الكافي ٤٧٩/١، ومواهب الجليل ٣٨١/٣
(٢) العيني: عمدة القاري ٢٦٤/١٤، والشوكاني: نيل
الأوطار ٢١٩/٧، والبهوتي: كشاف القناع ١١٨/٣،
والشيرازي: المهذب مع المجموع ١٩٨/١٨
(٣) فتح القدير ٣٠١/٥
(٤) تهذيب الأسماء واللغات ٣/ ٨٠
فذهب الحنفية والمالكية إلى عدم جواز
إقرارهم بالجزية فيما عدا بلاد الحجاز من جزيرة
العرب، لأنهم ممنوعون من السكنى في جزيرة
العرب كلها .(١)
واستدلوا لذلك بحديث ابن عباس
رضي الله عنهما قال: أوصى رسول الله الذي
عند موته بثلاث : أخرجوا المشركين من جزيرة
العرب ، وأجيزوا الوفد بنحوما كنت أجیزهم ،
ونسيت الثالثة. (٢) وقال يعقوب بن محمد سألت
المغيرة بن عبد الرحمن عن جزيرة العرب ،
فقال : مكة والمدينة واليمامة واليمن ، وقال
يعقوب : والعرج أول تهامة .
فقوله {ل: ((أخرجوا المشركين من جزيرة
العرب)) يدل على وجوب إخراج المشركين من
جزيرة العرب كلها . وهو عام في كل مشرك
سواء أكان وثنيا، أم يهوديا، أم نصرانيا، أم
مجوسيا .
واستدلوا كذلك أن عمربن عبد العزيز
قال : كان من آخر ما تكلم به رسول الله (# أن
(١) فتح القدير ٥/ ٣٠١، حاشية ابن عابدين ٢٠٣/٤،
الفتاوى الهندية ٢٤٧/٢، مواهب الجليل ٣٨١/٣، منح
الجليل ٧٥٨/١، حاشية الخرشي ٣/ ١٤٤، بلغة السالك
٣٦٧/١، الزرقاني على مختصر خليل ١٤١/٢
(٢) حديث: ((أوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من
جزيرة العرب» أخرجه البخاري (فتح الباري ٦/ ١٧٠ ط
السلفية) ومسلم (١٢٥٧/٣ - ١٢٥٨ ط عيسى الحلبي).
- ١٧٣ -
جزية ٣٣
قال: ((قاتل الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد ، لا یبقین دینان بأرض
العرب)) وفي رواية عن ابن شهاب أن
رسول الله پز قال: ((لا يجتمع دينان في
جزيرة العرب )) قال ابن شهاب : ففحص عن
ذلك عمر بن الخطاب حتى أتاه الثلج واليقين
أن رسول الله پ﴾ قال: «لا يجتمع دینان في
جزيرة العرب )) فأجلی يهود خيبر . (١)
وبقول عائشة رضي الله عنها: «كان آخر ما
عهد به رسول الله # # ألا ينزل بجزيرة العرب
دينان)) . (٢)
وبحديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه
سمع رسول الله ولا يقول: ((لأخرجن اليهود
والنصارى من جزيرة العرب، حتى لا أدع إلا
مسلما )). (٣)
(١) حديث: ((قاتل الله اليهود والنصاري اتخذوا ... )).
أخرجه مالك في الموطأ (٨٩٢/٢ ط عيسى الحلبي) مرسلا.
وأصله في الصحیحین بنحوه من حديث عائشة.
(٢) حديث: ((كان آخر ما عهد به رسول الله ێ# لا ينزل
بجزيرة العرب دينان)). رواه أحمد (٢٧٥/٦ ط اليمنية))
وقال الهيثمي: (رواه أحمد والطبراني في الأوسط ورجال
أحمد رجال الصحيح غير ابن اسحاق وقد صرح بالسماع
ومجمع الزوائد ٣٢٥/٥ ط القدسي).
(٣) حديث: ((لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة
العرب)». أخرجه مسلم (١٣٨٨/٣ ط عيسى الحلبي) من
حديث عمر بن الخطاب.
وذهب الشافعية والحنابلة إلى إقرار من تقبل
منهم الجزية على السكنى في بلاد الإِسلام فيما
عدا الحجاز من جزيرة العرب ، فتجوز لهم
سكنى اليمن وغيرها من جزيرة العرب مما لا
يدخل في بلاد الحجاز. (١)
واستدلوا لذلك بقول أبي عبيدة : كان آخر
ما تكلم به رسول الله چار : أخرجوا يهود أهل
الحجاز ، وأهل نجران من جزيرة العرب،
واعلموا أن شرار الناس الذين اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد . (٢)
قالوا: فقوله مثل: ((أخرجوا يهود أهل
الحجاز)) يدل على أنه لا يجوز لمن تقبل منه
الجزية سكنی الحجاز والإقامة فيه، كما لا يجوز
للإِمام أن يصالحهم على الإقامة فيه بجزية ،
وإن فعل ذلك كان الصلح فاسدا . والمراد
بالحجاز - كما سبق - مكة والمدينة واليمامة
ومخاليفها. وأما قوله وَ ل# ((أخرجوا أهل نجران
من جزيرة العرب)). فيحمل على أن بلادهم
- وهي اليمن - من جزيرة العرب ، فأمر
(١) حاشية قليوبي ٤/ ٢٣٠، نهاية المحتاج، ٨٥/٨، المغني
٨/ ٥٣٠، كشاف القناع ٢٣٤/٣، أحكام أهل الذمة لابن
القيم ١٧٩/١ - ١٨٥
(٢) حديث: ((أخرجوا يهود أهل الحجاز وأهل نجران ... ))
أخرجه أحمد (١/ ١٩٥ ط.الميمنية) وقال الهيثمي: رواه أحمد
بأسانيد ورجال طريقين منها ثقات متصل إسنادهما: (مجمع
الزوائد ٣٢٥/٥ ط القدسي).
- ١٧٤ -
جزية ٣٤ - ٣٥
النبي ﴿﴿ بإخراجهم منها ، لأنهم نقضوا العهد
الذي أخذه ﴿ عليهم ، وكان قد صالحهم
علی ألا يحدثوا حدثا ، ولا يأكلوا الربا ، فأكلوا
الربا، ونقضوا العهد، فأمر بإخراجهم من
جزيرة العرب لهذا السبب، لا لكون جزيرة
العرب لا تصلح لسكنى أهل الذمة. (١)
وروى البيهقي في سننه عن ابن عمر أن عمر
رضي الله عنه أجلی اليهود والنصارى من أرض
الحجاز. (٢)
ولأنه لم ينقل عن أحد من الخلفاء أنه أجلى
من كان باليمن من أهل الذمة، فقد أجلاهم
عمر من الحجاز وأقرهم باليمن. (٣)
شروط من تفرض عليهم الجزية :
٣٤ - اشترط الفقهاء لفرض الجزية على أهل
الذمة عدة شروط منها: البلوغ، والعقل،
والذكورة، والحرية، والمقدرة المالية، والسلامة
من العاهات المزمنة .
وفيما يلي تفصيل القول في هذه الشروط.
أولا : البلوغ :
٣٥ - اتفق الفقهاء على أن الجزية لا تضرب
(١) المهذب مع المجموع ٢٦٧/٨
(٢) السنن الكبرى للبيهقي ٢٠٧/٩
(٣) نهاية المحتاج ٨/ ٩٠
على صبيان أهل الذمة. (١) قال ابن قدامة:
لا نعلم بين أهل العلم خلافا في هذا ، وبه
• قال أبو حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وأبو ثور ،
وقال ابن المنذر، لا أعلم عن غيرهم
خلافهم (٢) واستدلوا لهذا بقوله تعالى: ﴿قاتلوا
الذين لا يؤمنون بالله ... ﴾(٣) آية الجزية.
فالمقاتلة مفاعلة من القتال تستدعي أهلية
القتال من الجانبین، فلا تجب على من لیس
أهلا للقتال، والصبيان ليسوا من أهل القتال
فلا تجب الجزية عليهم(٤)
وبحديث معاذ السابق. حيث أمره
النبي ﴿ أن يأخذ من كل حالم دينارا، أو عدله
من المعافر.
والحالم : من بلغ الحلم بالاحتلام، أو غيره
(١) تبيين الحقائق ٢٧٨/٣، بدائع الصنائع ٩/ ٤٣٣٠،
الهداية ٢/ ١٦٠، الاختيار ٣٨/٤، الفتاوى الهندية
٢٤٤/٢، الجوهرة النيرة ٢/ ٣٥١، حاشية ابن عابدين
١٩٨/٤، مجمع الأنهر ٦٧١/١، الخراج ص١٢٢، المنتقى
١٧٦/٢، المقدمات لابن رشد ٣٩٧/١، حاشية الخرشي
١٤٤/٣، البداية لابن رشد ١/ ٤٠٤، القوانين الفقهية
ص١٧٥، حاشية قليوبي ٢٢٨٩/٤، الأم ٢٧٩/٤، رحمة
الأمة ٢/ ١٨٢، المهذب مع المجموع ٢٢٧/١٨، كشاف
القناع ١١٩/٣، أحكام أهل الذمة لابن القيم ٤٢/١،
المبدع ٤٠٨/٣، المحلى ٧ / ٥٦٦
(٢) المغني ٨/ ٥٠٧
(٣) سورة التوبة / ٢٩
(٤) بدائع الصنائع ٩/ ٤٣٣٠
- ١٧٥ -
جزية ٣٥ - ٣٦
من علامات البلوغ، فمفهوم الحديث يدل على
أن الجزية لا تجب على الصبيان.
وقد كتب عمر رضي الله عنه إلى أمراء.
الأجناد أن يضربوا الجزية ولا يضربوها على
النساء والصبيان، ولا يضربوها إلا على من
جرت عليه الموسى . (١)
قال أبو عبيد : في معنى (( من جرت عليه
الموسى)) : يعني من أنبت، وقال في وجه
الاستدلال به: هذا الحدیث هو الأصل فيمن
تجب علیه الجزیة، ومن لا تجب عليه، ألا ترى
أنه إنما جعلها على الذكور المدركين دون الإناث
والأطفال ، وذلك أن الحكم كان عليهم القتل
لو لم يؤدوها، وأسقطها عمن لا يستحق القتل
وهم الذرية. (٢)
وقد مضت السنة على أن لا جزية على
الصبيان، وعمل بذلك المسلمون. (٣)
فقد صالح خالد بن الوليد أهل بصری علی
أن يؤدوا عن كل حالم دينارا وجریب حنطة،
وصالح أبو عبيدة أهل انطاكية على الجزية أو
الجلاء، فجلا بعضهم وأقام بعضهم، فأمنهم
ووضع علی کل حالم منهم دينارا وجریبا .
(١) الأموال لأبي عبيد ص٥١، الأموال لابن زنجويه
١٥١/١، وقال المحقق الدكتور شاكر فياض: إسناد ابن
زنجویه صحيح رجاله ثقات.
(٢) الأموال لأبي عبيد ص٥١ - ٥٣
(٣) الأموال لأبي عبيد ص٥٤
ووضع عمروبن العاص على أهل مصر
دينارين دينارين وأخرج النساء والصبيان(١)
ولأن الجزية تؤخذ لحقن الدم، والصبيان
دماؤ هم محقونة بدونها . (٢)
٣٦ - وإذا بلغ الصبي من أهل الذمة، فهل
يحتاج إلى استئناف عقد أم يكفي عقد أبيه؟
ذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والحنابلة والشافعية في وجه إلى أنه يكفي عقد
أبيه، لأن العقد الأول يتناول البالغين ومن
سيبلغ من أولادهم أبدا، وعلى هذا استمرت
سنة رسول الله و 98 وسنة خلفائه في جميع
الأعصار، ولم يفردوا كل من بلغ بعقد
جديد. (٣)
وذهب الشافعية في الوجه الصحيح عندهم
إلى أن الصبي إذا بلغ يخير بين التزام العقد
وبين أن يرد إلى مأمنه، فإن اختار الذمة عقدت
له، وإن اختار اللحاق لمأمنه أجيب إليه . (٤)
وإذا كان البلوغ في أول حول قومه وأهله
أخذت منه الجزية في آخره معهم، وإذا كانت في
أثنائه أخذ منه في آخره بقسطه.
(١) فتوح البلدان ص ١٢٠، ١٥٤، ٢٢٠
(٢) المغني ٨/ ٥٠٧
(٣) حاشية ابن عابدين ١٩٨/٤، ومجمع الأنهر ١/ ٦٧١،
وحاشية الدسوقي ٢٠١/٢، والمقدمات لابن رشد
٣٩٧/١، وحاشية الخرشي ٣/ ١٤٤، والمغني ٥٠٨/٨،
وكشاف القناع ١٢١/٣، وأحكام أهل الذمة ٤٥/١
(٤) روضة الطالبين ١٠/ ٣٠٠، ومغني المحتاج ٤/ ٢٤٥
- ١٧٦ -
جزية ٣٧ - ٣٩
ثانيا : العقل :
٣٧ - نقل ابن هبيرة وابن قدامة وابن المنذر
اتفاق الفقهاء على أن الجزية لا تؤخذ من
مجانين أهل الذمة. (١)
وقال القرطبي : هذا إجماع ، لكن ابن رشد
ذکر خلافا في المجنون، وذكره النووي نقلا عن
البيان وجها ضعيفا للشافعية لأنه کالمريض
والهرم. قال النووي: وليس بشيء. (٢)
ثالثا : الذكورة :
٣٨ - جمهور الفقهاء على أن الجزية لا تضرب
على نساء أهل الذمة. لما سبق من الأدلة. (٣)
(١) البدائع ٩/ ٤٣٣٠، وفتح القدير ٢٩٣/٥، والخراج مع
شرحه الرتاج ٢/ ١٠٥، وكتاب السير لمحمد بن الحسن
ص٢٦٣، والفتاوى الهندية ٢٤٤/٢، ومجمع الأنهر
٦٧١/١، والكافي ١/ ٤٧٩، مختصر خليل ص١١٧،
وحاشية الخرشي ٣/ ١٤٤، بلغة السالك ١/ ٣٦٧،
وروضة الطالبين ٢٩٩/١٠، وحاشية قليوبي ٢٢٩/٤،
والغاية القصوى ٩٥٦/٢، والأحكام السلطانية للماوردي
ص١٤٤، ونهاية المحتاج ٨/ ٨٤، وكفاية الأخيار
١٣٢/٢، مغني المحتاج ٢٤٥/٤، والمغني ٨/ ٥٠٧،
وكشاف القناع ١١٩/٣، المبدع ٤٠٨/٣، والإنصاف
٢٢٢/٤، وأحكام أهل الذمة لابن القيم ٤٢/١، ٤٧
(٢) الجامع لأحكام القرآن ١١٢/٨، بداية المجتهد ٤٠٤/١،
وروضة الطالبين ٢٩٩/١٠.
(٣) بدائع الصنائع ٩/ ٤٣٣٠، وتبيين الحقائق ٢٧٨/٣،
والاختيار ١٣٨/٤، والهداية ٢/ ١٦٠، وحاشية
ابن عابدين ١٩٨/٤، والخراج لأبي يوسف ص١٢٢ ،
والقوانين الفقهية ص١٧٥، والمنتقى ١٧٦/٢،=
رابعا : الحرية :
٣٩ - جمهور الفقهاء على أن الجزية لا تؤخذ
من عبيد أهل الذمة، وسواء كان العبد مملوكا
لمسلم أو كافر. وقد نقل هذا الاتفاق ابن المنذر،
وابن هبيرة وابن قدامة وابن رشد .
لأن الجزية شرعت بدلا عن القتل في
حقهم، وعن النصرة في حقنا، والعبد محقون
الدم بدون دفع الجزية. والعبد أيضا لا تلزمه
النصرة، لأنه عاجز عنها، فإذا امتنع الأصل في
حقه امتنع البدل، فلا تجب عليه الجزية . (١)
وذهب أحمد في رواية عنه إلى أن العبد إذا
كان مملوكا لسيد كافر تؤخذ الجزية من سيده
الكافر، واستدل لذلك بما روي عن عمر
= وروضة الطالبين ٣٠٢/١٠، ومغني المحتاج ٤/ ٢٤٥،
ورحمة الأمة ١٨٢/٢، والميزان ١٨٩/٢، وأحكام أهل
الذمة لابن القيم ٤٢/١، وكشاف القناع ١١٩/٣،
والإِفصاح ٢٩٤/٢، الخراج لابن آدم ص٦٧
(١) تبيين الحقائق ٢٧٨/٣، الهداية ١٦٤/٢، وفتح القدير
٢٩٤/٥، والاختيار ١٣٨/٤، والمقدمات ٣٩٧/١،
وحاشية الخرشي ٣/ ١٤٤، ومنح الجليل ١/ ٧٥٧، وبلغة
السالك ٣٦٧/١، وحاشية الدسوقي ٢٠١/٢، والمهذب
مع المجموع ٢٣٢/١٨، وحاشية قليوبي ٢٢٩/٤،
وكفاية الأخيار ٢/ ١٣٣، والمغني ٨/ ٥١٠، وكشاف القناع
١٢٠/٣، والأحكام السلطانية للفراء ص١٥٤، وأحكام
أهل الذمة لابن القيم ١/ ٥٥. الإفصاح لابن هبيرة
٢٩٤/٢، ورحمة الأمة للدمشقي ٢/ ١٨٢، والميزان
للشعراني ٢/ ١٨٤، والإجماع لابن المنذر ص٥٩
- ١٧٧ -
جزية ٤٠
رضي الله عنه أنه قال: ((لا تشتروا رقيق أهل
الذمة، ولا مما في أيديهم، لأنهم أهل خراج يبيع
بعضهم بعضا، ولا يقرّن أحدكم بالصغار بعد
أن أنقذه الله منه)).
قال أحمد : أراد أن يوفر الجزية ، لأن المسلم
إذا اشتراه سقط عنه أداء ما يؤخذ منه، والذمي
يؤدي عنه وعن مملوكه خراج جماجمهم. (٢)
ولأن العبد ذكر مكلف قوى مكتسب،
فوجبت عليه الجزية كالحر. (٣)
خامسا : المقدرة المالية :
٤٠ - اشترط بعض الفقهاء لوجوب الجزية على
أهل الذمة المقدرة المالية، فلا تجب على الفقير
العاجز عن العمل .
وقد اتفق الفقهاء على أن الجزية توضع على
الفقير المعتمل: (٤) وهو القادر على العمل.
واختلفوا في الفقير غير المعتمل.
فذهب جمهور الفقهاء من الحنفية والمالكية
والحنابلة والشافعي في قول غير مشهور له إلى
أن الجزية لا توضع على الفقير غير المعتمل،
واستدلوا لذلك بقوله تعالى: ﴿لا يكلف الله
(١) السنن الكبرى للبيهقي ٩/ ١٩٤، عبد الرزاق: المصنف
٤٦/٦
(٢) الإِجماع لابن المنذر ص٥٩، والمغني ٨/ ٥١٠، أحكام أهل
الذمة لابن القيم ١/ ٥٦، وكتاب الروايتين والوجهين -
٣٨٢/٢، مكتبة المعارف بالرياض ط١ - ١٤٠٥هـ.
(٣) المغني ٨/ ٥١٠
(٤) المعتمل : المتكسب.
نفسا إلا وسعها﴾(١) وجه الاستدلال من الآية
أن الفقير العاجز عن الکسب ليس في وسعه أن
يدفع الجزية، ومتى كان الأمر كذلك فلا يكلف
بها . وقد وضع عمر بن الخطاب الجزية على
رؤوس الرجال على الغني ثمانية وأربعين درهما،
وعلى المتوسط أربعة وعشرين درهما، وعلى
الفقير المكتسب اثنى عشر درهما. (٢)
فقد فرضها عمر رضي الله عنه على طبقات
ثلاث أدناها الفقير المعتمل، فدل بمفهومه على
أن الجزية لا تجب على الفقير غير المعتمل. وقد
كان ذلك بمحضر الصحابة رضوان الله
عليهم، ولم ينكر عليه أحد، فهو إجماع. (٣)
وقالوا إن الجزية مال يجب بحلول الحول،
فلا يلزم الفقير العاجز عن الكسب كالزكاة
والدية . (٤)
(١) سورة البقرة/ ٢٨٦
(٢) السنن الكبرى ٩/ ١٩٦
(٣) تبيين الحقائق ٢٧٨/٣، الهداية ٢/ ١٦٠، فتح القدير
٢٩٤/٥، الاختيار ١٣٨/٤، الفتاوى الهندية ٢٤٤/٢.
حاشية ابن عابدين ١٩٧/٤، مجمع الأنهر ١/ ٦٧٢.
الخراج لأبي يوسف ص١٢٢، القوانين الفقهية ص ١٧٥.
الكافي ١ /٤٧٩، حاشية الخرشي ١٤٥/٣، منح الجليل
١/ ٧٥٧، بلغة السالك ١/ ٣٦٧، المغني ٥٠٩/٨، المبدع
٤٠٩/٣، الإنصاف ٤/ ٢٢٤، كشاف القناع ٠١٢١/٣
مغني ذوى الأفهام عن الكتب الكثيرة في الأحكام
ص١٠٤، أحكام أهل الذمة ٤٨/١، مغني المحتاج
٢٤٦/٤.
(٤) المغني ٥٠٩/٨، والمبسوط ٧٩/١٠، وفتح القدير
٢٩٤/٥.
- ١٧٨ -
جزية ٤١
وأن العاجز عن الأداء معذور شرعا فيما هو
حق العباد، لقوله تعالى: ﴿وإن كان ذو عسرة
فنظرة إلى ميسرة﴾ (١) ففي الجزية أولى.
وذهب الشافعية وأبو ثور إلى أن الجزية
توضع على الفقير غير المعتمل، كما توضع على
الفقير المعتمل، إلا أن غير المعتمل تكون دينا
في ذمته حتی یوسر، فإذا أیسر طولب بما علیه من
جزية. واستدلوا بعموم قوله تعالى: ﴿حتى
يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾ (٢) وعموم
حديث معاذ السابق: ((أمره أن يأخذ من كل
حالم دينارا)).(٣)
ولأن الجزية بدل عن القتل، والسكنی في دار
الإِسلام، فلم يفارق المعذور فيها غيره، فتؤخذ
من الفقير كما تؤخذ من الغني. (٤)
سادسا : ألا يكون من الرهبان المنقطعين
للعبادة في الصوامع :
٤١ - اتفق الفقهاء على أن الرهبان المخالطين
للناس، والمشاركين لهم في الرأي والمشورة
(١) سورة البقرة/ ٢٨٠
(٢) سورة التوبة/ ٢٩
(٣) حديث: (( بعثني رسول الله # إلى اليمن وأمرني أن آخذ
من كل حالم دينارا)). سبق تخريجه ف/ ٩
(٤) روضة الطالبين ٣٠٧/١٠، المهذب مع المجموع
٢٣٢/١٨، الأحكام السلطانية ص١٤٥، مغني المحتاج
٤ /٢٤٦، نهاية المحتاج ٨/ ٨٥، رحمة الأمة ٢ /١٨٠،
الميزان للشعراني ٢/ ١٨٥ .
والمكايد الحربية والفكرية تؤخذ منهم الجزية،
وهم أولی بها من عوامهم، فإنهم رؤوس الكفر،
وهم بمنزلة علمائهم.
واختلفوا في أخذ الجزية من الرهبان الذين
انقطعوا للعبادة في الصوامع، ولم يخالطوا الناس
في معایشهم ومساكنهم .
فذهب أبو حنيفة في رواية القدوري،
ومالك، وأحمد في رواية، والشافعي في أحد
قوليه إلى أن الجزية لا تفرض عليهم. وسواء
كانوا قادرين على العمل أم غير قادرين. لأن
الرهبان لا يقتلون ولا يتعرض لهم، لما جاء في
وصية أبي بكر الصديق ليزيد بن أبي سفيان
حين وجهه إلى الشام: ((لا تقتل صبيا ولا امرأة
وستمرون على أقوام في الصوامع احتبسوا
أنفسهم فيها، فدعهم حتى يميتهم الله على
ضلالتهم، وستجدون أقواما فحصوا عن
أوساط رؤوسهم فاضرب ما فحصوا عنه
بالسيف)).
فإذا كان الراهب لا يقتل فهو محقون الدم
بدون عقد الذمة، والجزية إنما وجبت لحقن
الدم، فلم تجب عليه، كما لا تجب على الصبي
والمرأة، ولأن الراهب من جملة الفقراء، لأنه إنما
ترك له من المال الیسیر. (١)
(١) تبيين الحقائق ٢٧٨/٣، البدائع ٩/ ٤٣٣١، فتح القدير
٢٩٥/٥، حاشية ابن عابدين ١٩٩/٤، =
- ١٧٩ -
جزية ٤١
وذهب أبو حنيفة في رواية نقلها عنه محمد بن
الحسن، وهو قول أبي يوسف وأحمد في رواية
إلى أن الجزية توضع على الرهبان إذا كانوا
قادرين على العمل. قال أبو يوسف:
(المترهبون الذين في الديارات إذا كان لهم يسار
أخذ منهم، وإن كانوا إنما هم مساكين يتصدق
علیھم أهل الیسار منهم لم یؤخذ منهم، وكذلك
أهل الصوامع إن كان لهم غنى ويسار، وإن
كانوا قد صيَّروا ماكان لهم لمن ينفقه على
الديارات، ومن فيها من المترهبين والقوام
أخذت الجزية منهم)).
وقد استدل من قيد أخذ الجزية من الرهبان
بالقدرة على العمل بأمرين :
الأول - أن المعتمل إذا ترك العمل تؤخذ منه
الجزية، فكذلك الراهب القادر على العمل.
والثاني : أن الأرض الخراجية الصالحة
للزراعة لا يسقط عنها الخراج بتعطيل المالك لها
عن الزراعة، فكذلك الراهب القادر على
العمل لا تسقط عنه الجزية إذا ترك العمل .
هذا بالإضافة إلى الأدلة التي استدل بها
= اللباب ١٤٥/٤، مجمع الأنهر ٦٧٢/١، بداية المجتهد
٤٠٤/١، حاشية الدسوقي ٢٠١/٢، الكافي لابن
عبد البر ٤٧٩/١، المنتقى ١٧٦/٢، مواهب الجليل
٣٨١/٣، حاشية الخرشي ١٤٢/٣، مغني المحتاج
٤/ ٢٦٤، المغني ٨/ ٥١٠، كشاف القناع ١٢٠/٣،
المبدع ٣/ ٤١٠، الاختيارات جمع البعلي ص٣١٩
أصحاب المذهب الأول على عدم أخذ الجزية
من الراهب، فقد استدل بها أصحاب هذا
المذهب، وحملوها على الراهب غير المعتمل
الذي يعيش على صدقات الموسرين. (١)
وذهب الشافعي في القول المعمول به عند
الشافعية وأبو ثور إلى أن الجزية تجب على
الرهبان الذين ينقطعون للعبادة في الأديرة
والصوامع، سواء أكانوا موسرين أو غير
موسرين، قادرين على العمل أم غير قادرين.
واستدلوا لذلك بعموم قوله تعالى: ﴿حتى
يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون﴾(٢) فهو
يشمل الرهبان القادرين على العمل وغير
القادرين، الموسرين وغير الموسرين. وبعموم
الأحاديث القاضية بأخذ الجزية من كل بالغ
کحدیث معاذ السابق: «أمره أن يأخذ من کل
حالم دينارا)). وحديث عمر السابق:
((ولا يضربوها إلا على من جرت عليه
الموسی))، وبما روی أبو عبيد وغيره عن عمر بن
عبدالعزيز: ((أنه فرض على رهبان الدیارات
علی کل راهب دينارين)).
(١) تبيين الحقائق ٣/ ٢٧٨، الهداية ١٦١/٢، فتح القدير
٢٩٤/٥ - ٢٩٥، بدائع الصنائع ٤٣٣١/٩، الخراج لأبي
يوسف ص١٢٢، الرتاج المرصد على خزانة كتاب الخراج -
٩٩/٢ - ١٠١، الإِرشاد ببغداد - ١٩٧٥ م، والجوهرة النيرة
٣٥١/٢، الاختيار ١٣٨/٤.
(٢) سورة التوبة/ ٢٩
- ١٨٠ -